Полный текст (366 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[الحديث الموضوعي]-
كود المادة: GHDT٥١٣٣
المرحلة: ماجستير
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ الحديث الموضوعي - إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(الحديث الموض وعي - إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال)
تعريف الحديث الموضوعي، وبيان فوائده
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تعريف الحديث الموضوعي، وإخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال.
الحديث الموضوعي: هو مصطلح جديد، وهو عبارة عن جمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد في مكانٍ واحدٍ من مصادر الحديث، مع التعليق الخفيف لشرح الكلمات الغامضة، وبيان الفوائد الحديثية، وما يرشد إليه الحديث.
أقول: وأغلب كتب الحديث مؤلفةٌ بطريقة الحديث الموضوعي، فأغلبها كتب، وأبواب لهذه الكتب، تدور حول موضوع واحد؛ فمثلًا صحيح البخاري يحتوي على كتاب بدء الوحي، وكتاب العلم، وكتاب الإيمان، وهكذا، وتحت كل كتاب أبواب في نفس الموضوع، وهكذا (صحيح مسلم) و (سنن أبي داود (و (سنن الترمذي) وغير ذلك من كتب الحديث، ويتميز (صحيح مسلم) بأنه يجمع كل طرق الحديث في مكان واحد، ثم إن هناك كتب مؤلفة بحسب مرويات كل راوٍ دون التعلق بموضوع الحديث، مثل: (مسند الإمام أحمد) و (المعاجم الثلاثة) للإمام الطبراني وغير ذلك.
وهناك كتب ترتب الأحاديث ترتيبًا أبجديًّا، بحسب الحرف الأول، والثاني والثالث للكلمة الأولى من الحديث، مثل كتاب: (الجامع الصغير) للسيوطي و (الجامع الكبير) له أيضًا المعروف بـ (جمع الجوامع) وكتاب (كنوز الحقائق في أحاديث خير الخلائق) ﷺ لعبد الرءوف المناوي.
و (الجامع الأزهر في أحاديث النبي الأنور ﷺ ) له أيضًا، وكتاب (المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة) للإمام السخاوي. و (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور
стр. 3
على ألسنة الناس من الحديث) لابن الديبع الشيباني، و (كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما يدور من الحديث على ألسنة الناس) للعجلوني، وغير ذلك؛ فيقوم من يهتم بالحديث الموضوعي بجمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد من كل هذه المصادر المتنوعة حتى يخرج موضوعه كاملًا، وهذا كتاب عظيم يدور كله حول الحديث الموضوعي، ألا وهو كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ) لابن الأثير؛ حيث جمع مؤلفه تحت كل باب ما يوجد من أحاديث في نفس الموضوع، في الكتب الخمسة. و (موطأ الإمام) مالك -رحمه الله تعالى.
والمراد بالكتب الخمسة (الجامع الصحيح) للإمام البخاري و (صحيح الإمام مسلم) و (سنن الترمذي) و (سنن أبي داود) و (سنن النسائي) وهو كتاب حافل، وسفر عظيم يعتبر من أهم المراجع، والمصادر للحديث الموضوعي وجاء الإمام ابن حجر العسقلاني؛ فألف كتابًا يجمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد في مكان واحد أسماه (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) والمراد بالمسانيد الثمانية: هي (مسند الطيالسي) و (مسند الحميدي) و (مسند ابن أبي عمر) و (مسند مسدد) و (مسند ابن منيع) و (مسند ابن أبي شيبة) و (مسند عبد بن حميد) و (مسند ابن أبي أسامة) وأضاف إليه (مسند أبي يعلى) روايته المطولة. و (مسند إسحاق بن راهويه) من نصفه الذي وقف عليه استخرج الأحاديث الزوائد في هذه المسانيد على باقي الكتب الستة.
ويضاف للستة بعد النسائي، ابن ماجه، و (مسند الإمام أحمد) ورتبها حسب الموضوعات فهو من أجمل الكتب وأحسنها في الحديث الموضوعي، ولقد حقق كتاب (المطالب العالية) هذا الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، وكتب كلمة طيبة في المقدمة حول هذا الكتاب، ومحاولات العلماء الدائمة؛ لجمع أكبر عدد من
стр. 4
أحاديث المصطفى ﷺ ووضع كل مجموعة متماثلة في موضوع واحد؛ وذلك حيث يقول موضوع الكتاب، أي: (كتاب المطالب العالية) يقول تحت عنوان موضوع الكتاب: لم تنقطع محاولات تجميع السنة على صعيد واحد في مصنفات مستوعبة بعد أن انتهت عهود الرواية. والتدوين الأساسي في جوامع ومصنفات، وسنن، ومسانيد.
ومن القديم في ذلك ما قصده الحميدي حين ألف كتابه (الجامع بين الصحيحين) وغيره كثير إلى أن صنف ابن الأثير كتابه الذي ذكرناه آنفًا (جامع الأصول) على آثار كتاب سابقه رزيل العبدري، وهو يمثل الحلقة الأولى في تجميع كتب السنة على صورة تجريد الأسانيد، ومقارنة الروايات، ولم يكن شيء أولى بالبدء به من أحاديث الكتب الستة التي هي (الصحيحان) أي (صحيح البخاري) و (صحيح مسلم) و (سنن أبي داود) و (سنن الترمذي) و (سنن النسائي) و (سنن ابن ماجه) لكن (جامع الأصول) سدس بـ (الموطأ) أي: جعل الكتاب السادس في الكتب الستة (الموطأ) بدلًا من ابن ماجه، ثم تلاه أي: تلى ابن الأثير الحافظ نور الدين الهيثمي بتصنيف كتابه (مجمع الزوائد) مبتغيًا من تأليفه إضافة حلقة أوسع أحاطت بستة كتب أخرى هي: (معاجم الطبراني) الثلاثة، و (مسند الإمام أحمد بن حنبل) و (مسند أبي يعلى) و (مسند البزار) وهي عدا (المعجم الصغير) للطبراني تمثل أهم الأسانيد، واتجهت الأنظار بعدئذ إلى توسيع حلقة المسانيد باستيعاب أكبر عدد ممكن منها.
ولا ريب أن اختيار المسانيد للتجميع، والإحاطة كان أمرًا موفقًا؛ لأن المسند يراد به جمع أحاديث كل الصحابة بالنسبة إلى مؤلفه؛ فإذا قرنت المسانيد ببعضها حصلت الإحاطة المبتغاة فالحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- وضع كتابه لذلك
стр. 5
الغرض كما يعرف من مقدمته حيث يقول فرأيت جمع جميع ما وقفت عليه من ذلك في كتاب واحد ليسهل الكشف منه على أولي الرغبات ثم عدلت إلى جمع الأحاديث الزائدة على الكتب المشهورات في الكتب المستندات فموضوع كتابه أنه استعرض أحاديث ثمانية مسانيد كاملة هي (مسانيد الطيالسي) و (الحميدي) و (ابن أبي عمر) و (مسدد) و (ابن منيع) و (ابن أبي شيبة) و (عبد بن حميد) و (ابن أبي أسامة) وأضاف إليها -كما قلنا- سابقًا من (مسند أبي يعلى) بروايته المطولة. و (مسند إسحاق بن راهويه) من نصفه الذي وقف عليه فاستخرج الأحاديث الزوائد فيها على ما في الكتب الستة، و (مسند الإمام أحمد)، ثم رتب تلك الأحاديث على ترتيب الأبواب الفقهية خلافًا لترتيب المسانيد المستمد منها هذا الكتاب.
ثم قال حبيب الرحمن الأعظمي تحت عنوان أهمية الكتاب قال: كتاب (المطالب) أغنى ما ألف من كتب السنة ثروة، وأغزرها فائدةً لاحتوائه على زوائد تلك المسانيد الثمانية تمامًا، وعلى كثيرٍ من زوائد مسندين آخرين؛ ولجمعه في مكانٍ واحد على الترتيب الفقهي ما كان مبددًا في ثمانية أمكنة، بل في عشرة من غير مراعاة لهذ الترتيب، ولاشتماله في كثيرٍ من المواضع على بيانِ درجة الحديث من الصحة، والضعف، والاتصال، والانقطاع.
وتحدث بعد ذلك حبيب الرحمن الأعظمي في مقدمته أيضًا عن كتاب شبيه بكتاب (المطالب العالية) لابن أبي حجر العسقلاني، وهو للبوصيري تلميذ ابن حجر فقال تحت عنوان: كتابٌ شبيهٌ للمطالب لكتاب المطالب نظير له يماثله في الغرض، ويضارعه في المنهج هو كتاب الحافظ شهاب الدين البوصيري، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم، المتوفى سنة ٨٤٠ هـ وهو غير البوصيري
стр. 6
الشاعر صاحب البردة وقد سماه: (إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة)، ألفه مشتملًا على الأسانيد ثم جرده وسماه (مختصر إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة) فرغ من الإتحاف في أواخر ٨٢٣ هـ ثم أتم اختصاره في رجب ٣٢ هـ. وجمع فيه زوائد الكتب نفسها التي التزمها ابن حجر؛ فهو مماثل لكتاب (المطالب) في الاستمداد رغم اختلاف العد في التسمية، وقد تساهل السخاوي في الضوء في اعتباره (مسند أحمد) زائدًا على شرطه ويلحظ في الإتحاف الإكثار من بيان درجة الأحاديث.
أما ابن حجر فذلك فيه قليل بالنسبة لـ (لإتحاف) فالكتابان تقريبًا من مشكاة واحدة، وكتبا في عصر واحد؛ لأن البوصيري تتلمذ على ابن حجر كما اشترك في الأخذ عن الحافظ العراقي، ويظن أن البوصيري اطلع على المطالب، ونقل منه دون عزو، ومن هنا نعرف أن الحديث الموضوعي باعتباره جمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد في مكانٍ واحدٍ هدف قديم، حاوله كثير من العلماء؛ وذلك لأهمية هذا النوع من علم الحديث الشريف.
أقول: والحديث الموضوعي أيضًا منه ما يدور حول حديثٍ واحد به عدة قضايا، أو عدة أمور؛ فيتناول الباحث القضايا التي جاءت في هذا الحديث الواحد، ويقوم بجمع الآيات القرآنية، والأحاديث المتعلقة بكل قضيةٍ على حدة؛ فمثلًا حديث سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وعلاماتها فيه قضايا كثيرة يتناولها الباحث يتناول مثلًا قضية الإسلام، وقضية الإيمان، وقضية الإحسان وقضية الساعة، وقضية علامات الساعة، وقضية هل الملك يرى أو لا يرى وكيف يرى وهل يرى على حقيقته أم لا، ثم يتعرض للملائكة من ناحية خلقهم، ومهماتهم الوظيفية التي خلقهم الله من أجلها هذا النوع أيضًا يعتبر
стр. 7
لون من ألوان الحديث الموضوعي الذي نقوم بإعداد هذه المادة الدراسية له في هذا المنهج المقرر بإذن الله تعالى.
فوائد الحديث الموضوعي:
للحديث الموضوعي فوائد عظيمة؛ بحيث لا يستغني باحثٌ في علم الحديث عن معرفة هذا العلم من أهمها:
أولًا: جمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، وهذا يفيد من يكتب في موضوع ما فائدة كبيرة حيث يجد كل ما يحتاجه مجموعًا بعضه إلى بعض في مكان واحد فيتيسر عليه الأمر.
ثانيًا: معرفة طرق الحديث ومعلوم أن طرق الحديث، كلما زادت أعطت فوائد كثيرة منها تقوية الحديث بتعدد الطرق.
ثالثًا: وفي تعدد الطرق زيادات في السند، وفي المتن، وهذه الزيادات لها فوائد حديثية في السند، وفي المتن؛ إذ الزيادة من الثقة مقبولة فقد تعطي الزيادة أحكامًا فقهية نأخذ بها، ونلزم بها ما دامت جاءت من طريق الثقة.
رابعًا: جمع الأحاديث كلها أو أغلبها في مكان واحد يسهل على الباحث أن يقف على الحديث الصحيح من غير الصحيح.
خامسًا: سهولة البحث عن الحديث المعروف موضوعه وعنوانه، يعني عندما يعرف الموضوع الفقهي للحديث؛ يسهل الحصول عليه من هذه الكتب التي ألفت بطريق الحديث الموضوعي.
سادسًا: إثارة قضايا حديثية في الحديث الواحد، ثم نتناولها قضية قضية بالأدلة الحديثية والآيات القرآنية.
стр. 8
هذه بعض فوائد دراسة مادة الحديث الموضوعي، فهي مادة مهمة ولا يستغني عنها باحث له صلة بعلم الحديث الشريف.
إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال
نشرع الآن فيما يتعلق بإخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال؛ فنقوم بجمع الأحاديث المتعلقة بالإخلاص في موضعٍ واحد.
أقول: أهم هذه الأحاديث، -وإن كانت كلها مهمة لا يستغنى عن واحد منها- الحديث الأول روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
ولأهمية هذا الحديث ومكانته نبدأ به، كما بدأ به الإمام البخاري في كتابه الصحيح أقول: تكلم العلماء كثيرًا عن مكانة هذا الحديث وتناولوه بالشرح والتفصيل، وبينوا أنه واحدٌ من أربعةِ أحاديث هي عمدة الدين، وأنها تكفي المسلم في حياته الدنيوية، وتنجيه يوم القيامة.
وليس البخاري وحده هو الذي بدأ بهذا الحديث كتابه بل أكثر علماء الحديث وأئمته، وأصحاب الكتب الأصيلة المؤلفة في جمع السنة بدأوا كتبهم أيضًا بهذا الحديث، كما صنع البخاري.
وهو حديث في غاية الأهمية إذ ترى الهجرة، وهي أفضل عمل قام به من أسلم بعد كلمة التوحيد ترد هذه الهجرة على من لم يُرِدْ بها وجه الله تعالى، ويقضي رسول الله ﷺ بأنها هجرة مذمومة، مردودة على صاحبها، وغير مقبولة عند الله
стр. 9
تعالى؛ لأن الحق لا يقبل من الأعمال إلا ما أُريد به وجهه؛ إذ جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه رسول الله ﷺ عن رب العزة أنه قال: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا، وأشرك فيه معي غيري تركته وشريكه)) رواه الإمام مسلم في (صحيحه).
إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)) وأخرجه أيضًا بلفظ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم)) وأخرجه أيضًا بلفظ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
علق عليه الشيخ شعيب الأرناءوط محقق (رياض الصالحين) بقوله: وهذا الحديث يدل على أن الإنسان محاسب، ومسئول عن نيتِهِ وعمله؛ فينبغي أن تكون نيتُهُ خالصةً لوجه الله تعالى، وعمله وفق ما جاء عن الله تعالى، وصح عن رسوله ﷺ .
ومن هنا لكي يقبل الله تعالى العمل يشترط فيه أن يكون عملًا صالحًا ومفيدًا وطيبًا، ويكون وفق ما جاء به الشرع الكريم، وأن يؤدى بالكيفية التي شرعها الله ورسوله، وأن يراد به وجه الله تعالى؛ إذا سقط ركن أو شرط من هذه الأركان أو هذه الشروط؛ رد العمل ولا يقبله الله تعالى.
وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة، أي: غزوة. فقال: ((إن بالمدينة لرجالًا ما سرْتُم مسيرًا، ولا قطعتم، واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض)) وفي رواية: ((إلًّا شركوكم في الأجر)) رواه مسلم، برقم ١٩١١ ورواه البخاري عن أنس ﵁ قال: رجعنا من غزوة تبوك
стр. 10
مع النبي ﷺ فقال: ((إن أقوامًا خلفنا بالمدينة؛ ما سلكنا شعبًا، ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر)) رواه البخاري في المجلد الثامن في صفحة ٩٦.
الشِّعْبُ: الطريق في الجبل، والوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء؛ فهذا الحديث يبين أهمية النية، ومكانة الإخلاص لله تعالى؛ إذ بينَ ﷺ أن أناسًا ما شاركوا في الغزو، ولكن كتب لهم أجر الجهاد وكأنهم مع المجاهدين خطوةً بخطوةٍ في كل شعب، وفي كل وادي؛ وذلك لإخلاصهم لله تعالى؛ إذ لم يمنعهم، ويحبسهم عن الجهاد إلا العذر فهم صادقين في النية مع الله تعالى.
وهذا ما جاء في قوله تعالى في سورة التوبة قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة: ٩١، ٩٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥) وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: ٢٩، ٣٠).
وقال تعالى في أول سورة الزمر: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: ١، ٢، ٣) وقال تعالى في سورة الزمر أيضًا: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *
стр. 11
قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الزمر: ١١: ١٥) وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: ١٦٠: ١٦٤).
هذه الآيات الكريمات دعت إلى الإخلاص، والعمل لله وحده وبينت أن أي عمل لا يبتغى به وجه الله فهو غير خالص لله فيرد على صاحبه ولا يقبله الله تعالى؛ وبذلك التقت الآيات الكريمة مع الأحاديث الشريفة، إذ كلها من مشكاة الوحي الإلهي والنور السماوي الذي يجب أن يتخلق به الخلق، ويتحلى به المسلم والمؤمن حتى يكون عمله مقبولا عند الله تعالى وينفعه في دنياه وفي آخرته ومما يدل على أن الإخلاص في العمل، وابتغاء وجه الله تعالى هو الذي يجعل العمل مقبولًا، بل هو يصير العادة عبادة حتى في أمتع اللحظات عندما يجلس الرجل مع زوجته يداعبها، وتداعبه، ويطعمها بيده، وتطعمه، ويضع اللقمة في فمها إذا ابتغى بذلك وجه الله تعالى؛ كان ذلك العمل عبادة؛ وأجر عليه من الحق .
روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) بسندهما عن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ قال: ((جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجعٍ اشتدَّ بي، فقلتُ: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ لِي، أفأتصدق بثلثي مالي؟
стр. 12
قال: لا؟ قلت: فالشطر يا رسول الله؟ يعني: أتصدق بالنصف فقال: لا، قلت: فالثلث يا رسول الله؟ قال: الثلث، والثلث كثير، أو كبير؛ إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس يعني يسألون الناس، وإنك لن تنفق نفقةٌ تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك، قلت: يا رسول الله، أُخَلَّف بعد أصحابي، قال: إنك لن تُخَلَّفَ فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم امضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهُم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة)) الحديث متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) عند تعليقه على هذا الحديث: وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها، وتركوها يحبونها لله تعالى ويكرهون الإقامة فيها؛ لأنهم هاجروا منها، وأنها طردتهم، وطردت رسول الله ﷺ فمن ثم خشي سعد بن أبي وقاص أن يموت بمكة فتوجَّعَ، وشكى إلى رسول الله ﷺ وتوجع رسول الله ﷺ أي: رثى لسعد بن خولة؛ لكونه مات بمكة، وكان لا يحب سعد بن خولة أن يموت بها.
وفي الحديث دليل لجماهير العلماء على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، وقوله: يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة هو من كلام الإمام الزهري، وهذا حديث آخر في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام؛ إذ المسلم يقدم عليه مقدمًا نفسه فداء لدينه يقدم على أعداء الدين بنفسه يحارب ويقاتل؛ فإن لم يكن هذا القتال، وهذا الإقدام خالصًا لله تعالى رد على صاحبه فالرجل الذي يقاتل حمية، أي: أنفة وعزة وغيرة لقومه لا يقبل جهاده؛ لأنه ليس في سبيل الله،
стр. 13
والذي يقاتل رياء وسمعة ليقال له وعنه: إنه مقاتل، وبطل، وشجاع لا يقبل جهاده حتى ولو قتل؛ لأنه لم يقتل في سبيل الله.
أما الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله ورفعة شأن الإسلام والمسلمين هذا فقط هو الذي يكون جهاده ل، وقتاله في سبيل الله.
روى البخاري ومسلم بسندهما في صحيحهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ((سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي: ذلك في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) متفق عليه.
ولقد جاء في الحديث الصحيح أن النار أول ما تصعر يوم القيامة تصعر بثلاثة أصناف هم في الظاهر من أجمل الذين اتصفوا بأفضل أوصاف في هذا الدين الحنيف؛ إذ هم عالم، وجواد يعني كريم وشهيد، لكن العالم لم يبتغي بعلمه وجه الله، وإنما أراد أن يمدحه الناس، ويثنوا عليه وعلى علمه، وتم له ما أراد، والثاني كان يطعم الطعام حتى يقال عنه وله: إنه كريم معطاء؛ إنه يطعم الطعام، وقد تم له ما أراد، قال الناس عنه ذلك.
وأما الثالث: فإنه يحارب ويقاتل، ويجول، ويصول في الميدان ابتغاء السمعة وطلب الجاه وليقال عنه وله: إنه بطل وشجاع، وقد تم له ما أراد فأخذ حظه ونصيبه وثوابه الذي عمل من أجله فهو لم يعمل لوجه الله وإنما عمل لغرض آخر ليقال عنه وله ما يريد. وقيل فيه ما أراد فماذا يطلب من الله تعالى قال ﷺ ((أول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاثة: بعالم، وجواد، وشهيد، يؤتى بالعالم؛ فيسأله ربه، ماذا عملت في ما تعلمت؟ فيقول: يا رب تعلمت العلم فيك، وبذلته فيك، فيقال له: كذبت، إنما تعلمت من أجل أن يقال لك: عالم، وقد
стр. 14
قيل؛ اذهبوا به إلى النار، ثم يؤتى بالجواد أي: الرجل الكريم الذي كان يطعم الطعام، لكنه كان يطعم لغير الله، فيقال له: وأنت ماذا عملت؟ فيقول: يا ربي أطعمت فيك الطعام، فيقال له: كذبت، إنما أطعمت الطعام من أجل أن يقال لك كريم، وقد قيل؛ اذهبوا به إلى النار ثم يؤتى بالشهيد الذي قتل في الميدان، على أرض الحرب، لكنه لم يرد بقتاله وجه الله، فيقال له: وأنت ماذا عملت؟ فيقول: يا رب، قاتلت فيك حتى قتلت، فيقال له: كذبت، وإنما قاتلت من أجل أن يقال لك: بطل وشجاع، وقد قيل؛ اذهبوا به إلى النار)).
أقول هذا الحديث رواه الإمام مسلم بمعناه، ورواه الإمام الترمذي الإمام مسلم رواه في رقم ١٩٠٥ والترمذي رواه في رقم ٢٣٨٣ والنسائي رواه في الجزء السادس ص٢٣ وص٢٤ أقول: هذا هو العدل الكامل؛ إذ أن ذلك الصنف، أو أولئك الأصناف عملت لغير الله؛ فلتأخذ أجرها ممن عملت له؛ إذ لا يصح، ولا يعقل ألا تعمل لأحد شيئًا، ثم تذهب فتطالبه على ما لم تعمل له، وإنما خذ أجرك ممن عملت له، كما جاء في بعض الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى عن الذين يعملون لغير الله أن الحق يقول لهم يوم القيامة: اذهب؛ فخذ أجرك ممن عملت له، هذا هو العدل الإلهي يوم القيامة.
ومما يدل أيضًا على أن الإخلاص في النية لله تعالى: هو الأصل في كل شيء هو الأصل في قبول الأعمال، وعدم قبولها، إن العبد إذا هم بحسنة أي هم أن يعمل حسنة فلم توافه الظروف، ولم تساعده الأحوال على أن يقوم بهذه الحسنة فيعملها فإن الله تكرمًا منه وتعطفًا يكتب له أجر حسنة كاملة؛ مع أنه لم يعملها؛ كأنه عملها ما دامت نيته صادقة وخالصة لله تعالى، وإن وفق إلى عملها مع هذه النية الطيبة الخالصة كتبها الله تعالى له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف
стр. 15
إلى أضعاف كثيرة ما دامت هذه نيته، وأنه ابتغى بعمله هذا وجه الله تعالى وكان مخلصًا في نيته.
ومن فضل الله تعالى على عباده أن من هم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله تعالى له حسنة كاملة، وإن همَّ بسيئة فعملها كتبها الله تعالى له سيئة واحدة ما لم يتب، أو يستغفر، هذا عطاء الله، وهذا فضله، وهذه معاملته لعباده، يعاملهم بنياتهم، وهو أعلم بنياتهم، وبما تنطوي عليه نفوسهم وقلوبهم.
روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ومسلم -رحمه الله تعالى- بسندهما في (صحيحهما) عن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: ((إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها؛ كتبها الله ﵎ عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها؛ كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله تعالى سيئة واحدة)) الحديث متفق عليه.
رواه البخاري في الجزء الحادي عشر ص ٢٧٧ وص٢٧٩ ومسلم حديث برقم ١٣١ وحتى يعلم المسلم أن المدار عند الله تعالى عند النية أن المسلمين إذا التقيا بسيفيهما فقتل أحدهما الآخر؛ أدخل الله القاتل والمقتول النار؛ لأن النبي ﷺ بيَّنَ أن المقتول كان حريصًا على قتل أخيه الصحابة لما أخبروا أولًا بأن الله يدخل القاتل والمقتول في النار استغربوا، فقال بعضهم: يا رسول الله، هذا هو القاتل، فما بال المقتول لِمَ يدخل النار؛ فبين ﷺ أن السبب في ذلك أن المقتول كان حريصًا على قتل صاحبه.
стр. 16
فهذا المقتول نيته متوجهة لقتل من قتله، فلو أتيحت له الفرصة، وتمكن من قتل الآخر لقتله؛ من هنا أدخل الله تعالى القاتل والمقتول في النار
روى البخاري ومسلم بسندهما في صحيحهما عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال ﵊: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه)) نقل ابن حجر في (الفتح) أن الخطابي قال: هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية، أو طلب ملكًا مثلًا، فأما من قاتل أهل البغي، أو دفع الصائل، يعني: المعتدي؛ فَقُتِلَ؛ فلا يدخل في هذا الوعيد، لأنه مأذون له في القتال.
والحديث دليل على عقوبة من عزم على معصية بقلبه، ووطن نفسه عليها، فالمدار في الإسلام على نية المرء، والله يحاسب العباد، ويعطيهم، ويمنعهم، ويدخلهم جنته، أو ناره بحسب نيته التي لا يعلمها غيره وها هي الصلاة التي هي عمود الدين عندما يخرج الرجل من بيته لا يريد إلا الصلاة، ويكون مخلصًا في ذلك لله حتى يصل إلى المسجد؛ فيصلي ما شاء، ويجلس في انتظار الصلاة مخلصًا لله لا يحبسه في مجلسه أو في مسجده إلا الصلاة، أي: انتظارها ما دامت هذه نيته؛ فإن الملائكة تستغفر له، وتدعو له بالرحمة، والمغفرة ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه؛ بشرط ألا يحدث، يعني: لا يبطل وضوءه، أو يؤذي أحدًا من خلق الله أخبر بذلك النبي ﷺ .
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين
стр. 17
درجة)) البضع هو العدد من الثلاثة إلى العشرة بفتح الباء، وكسرها بُضع، وبَضع. أما البُضع بضم الباء فهو موطن العورة في المرأة، وفي الرجل ....
الحديث: قال ﷺ : ((صلاة الرجل في جماعته تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة)) وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه -أي: لا يدفعه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة- لم يخطُ خطوةً إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد؛ فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 18
الدرس: ٢ تابع: إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال .
стр. 19
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(تابع: إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال)
تتمة الحديث عن إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تناولنا بعض الأحاديث المتعلقة بإخلاص النية لله تعالى، وقلنا: إن المدار كله في الإسلام قائم على إخلاص النية لله تعالى، وها نحن نكمل ما بدأناه:
فإن النية عندما تكون خالصة لله تعالى تكون سببًا في نجاة العبد من المهالك؛ فالذي يعمل، ولا يقصد إلا وجه الله ينجيه الحق ويجعل له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وها هم ثلاثة نفر انطلقوا فألجأهم الليل إلى مبيت في غار في جبل؛ فلما دخلوا الغار سقطت صخرة على باب الغار، أو على فم الغار فأغلقته، والصخرة كبيرة، وتيقن أولئك النفر أنهم هالكون، كيف يزحزحون الصخرة الكبيرة عن فم الغار وهم في داخل الغار؟ وفكروا في الأمر.
وأخيرًا هداهم الله تعالى إلى أنهم لن ينجيهم مما هم فيه إلا اللجوء إلى الله وحده، والدعاء إليه، والتضرع بخالص الأعمال، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((انطلق ثلاثةُ نفرٍ ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا والغبوق هو الشرب بالعشي يقول: فنأى بي طلب الشجر فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لها غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا فلبثت، والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون، أي يبكون من الجوع عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، يقول اللهم: إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه، وقال الآخر اللهم: إنه كانت لي ابنة عم كانت أحبَّ الناس إلي)).
стр. 20
وفي رواية: ((كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت يعني نزلت بها سنة من السنين، يعني: جدب وفقر في سنة من السنين؛ فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها)).
وفي رواية: ((فلما قعدت منها قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه؛ فانصرفتُ عنها، وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال: الثالث اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره يعني نميته حتى كثرت منه الأموال فجاء بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك؛ فأخذه كله فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم: إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجنك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)) الحديث متفق عليه في البخاري في الجزء الرابع ص ٣٤٠، و٣٦٩ وفي الجزء الخامس ص١٢ وفي الجزء السادس في ص٣٦٧ وفي الجزء العاشر في ص٣٣٨ وفي صحيح مسلم الحديث برقم الحديث برقم ٢٤٧٣.
قال الشيخ شعيب الأرناءوط معلقًا على هذا الحديث في هامش (رياض الصالحين) الذي حقق نصوصه، وخرج أحاديثه، وعلق عليه قال: وفي الحديث مشروعية الدعاء عند الكرب، أو عند الكرب، والتوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، وفضل بر الوالدين، وخدمتهما، وإيثارهما على من سواهما من الولد
стр. 21
والزوجة، وفضل العفة، ومخالفة الهوى، وفضل السماحة في المعاملة، وأداء الأمانة، وإثبات كرامات الأولياء.
ولنعد إلى أهم حديث في النية: والذي ابتدأ به الإمام البخاري كتابه الصحيح ألا وهو حديث: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)) ولأهمية هذا الحديث سأتناوله بالشرح بالتفصيل.
المعنى العام للحديث:
في هذا الحديث يبين لنا رسول الله ﷺ : أن الله مطلع على النوايا، وخبايا النفوس لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء وأنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، وكل امرئ له ما نواه، وإن أعظم حدث في تاريخ الإسلام ألا وهو الهجرة من مكة إلى المدينة، وترك الولد والوطن، والمال إذا لم يكن ذلك بدافع من ضمير المسلم حبًّا في نصرة دين الله، وهجرة إلى مكان يمكن فيه أن يعبد الله، وأن يجهر بدعوته، أي: أن الهجرة تكون خالصةً لله ولرسوله إذا لم تكن كذلك؛ فلا قيمة لها ((فمن كانت هجرته إلى دنيا)) أي: إلى الحصول على متاع رخيص من مُتَعِ الدنيا فهجرته إلى دنياه التي هاجر من أجلها، ومن كانت هجرته من أجل امرأة يريد أن يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، ولا شيء له في فضلِ الله ورضوانه.
قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا وأشرك فيه معي غيري تركته، وشريكه)) فمن عمل عملًا، وأشرك فيه غير الله باء ذلك العمل
стр. 22
بالخسران، وصدق رسول الله ﷺ : ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
توضيح الحديث: قلت في توضيحه النيات جمع نية، والنيَّة بكسر النون وتشديد الياء على المشهور، وفي بعض اللغات بتخفيفها أي: النَّيَة. وقال الخطابي: النية هي قصدك الشيء بقلبك، وتحري الطلب منك له، وقال التيمي: هي وجهة القلب. وقال الإمام البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا ومآلًا.
مناسبة رواية جمع النية، يعني: قوله: ((بالنيات)) إن ذلك من مقابلة الجمع بالجمع، أي: كل عمل بنية. وقال الخوبي: كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع، كما تتنوع الأعمال فمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل موعوده، أو الاتقاء لوعيده، كما قصد بعمله وجه الله، أو بتحصيل موعوده، أو الاتقاء لوعيده.
مناسبة رواية إفراد النية: لأن هناك رواية تقول: ((إنما الأعمال بالنية)) وقع ذلك في معظم الروايات، ومناسبته أن محل النية القلب، وهو متحد؛ فناسب إفرادها بخلاف الأعمال؛ فإنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها؛ ولأن النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد لله الواحد الذي لا شريك له، وتركيب: ((إنما الأعمال بالنيات)) يفيد الحصر عند المحققين وجه إفادة الحصر قيل: إن وجه إفادة هذا التركيب للحصر؛ لأن الأعمال جمع محلى بالألف، واللام مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر؛ لأن معناه كل عمل بنية؛ فلا عمل إلا بنية. وقيل: لأن إنما للحصر، إفادة إنما الحصر.
قال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة، إنما للحصر بأن ابن عباس ﵄ استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة؛ بحديث: ((إنما الربا في النسيئة)) وعارضه
стр. 23
جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه؛ فكان كالاتفاق منهم على أن "إنما" تفيد الحصر.
هل النية شرط أم ركن لقبول الأعمال؟ الراجح: أن النية ركن في أول العبادة، ويشترط استصحابها إلى آخرها، بأن تعرى عن المنافي، ولا يرد على ذلك، نحو: صوم رمضان بنية قضاء، أو نذر حيث لم يقع عن ذلك مع نيته لعدم قابلية المحل، والضرورة في الحج حيث لم يقع حجه للمستأجر مع نيته، بل للناوي مع عدم نيته لنفسه؛ لأن نفس الحج وقع، ولو كان بغير المنوى له، والفرق بينه، وبين نية القضاء، أو النذر في رمضان حيث لا يصح مطلقًا أن التعيين ليس بشرط في الحج بل له أن يحرم مطلقًا، ثم يصرفه إلى ما شاء؛ ولذا لو أحرم بنفله، وعليه فرضه انصرف للغرض انصرف للفرض، ولا كذلك الصوم.
وأما إزالة النجاسة: حيث لا يفتقر إلى نية؛ فلأنها من قبيل المتروك نعم يفتقر إليها من حيث الثواب كترك الزنا لا يثاب عليه إلا إذا قصد أنه تركه امتثالًا للشرع، وكذلك نحو القراءة، والأذان، والذكر لا يحتاج إلى نية لصراحتها إلا لغرض الإثابة وخرج ذلك. إما بدليل آخر لاستحالة دخوله في النية كالنية، ومعرفة الله تعالى؛ لأن النية لو توقفت على نية كان ذلك تسلسل، ودور وهما محالان، ومعرفة الله تعالى لو توقفت على نية؛ لكان عارفًا قبل المعرفة لينوي، وهذا أيضًا محال.
محل النية: والنية محلها القلب؛ فلا يكفِي النطقُ بها مع غفلته، نعم هو مستحب ليساعد اللسان القلب.
شرط النية: وشروطها إسلام الناوي وتمييزه أي أن يكون مميزًا وعمله بالمنوي والجزم شك لا يصح فإن شك في حدثه فتوضأ احتياطًا ثم بان تبين أنه محدث لم
стр. 24
يجزه الوضوء لأنه كان مترددًا في النية بلا ضرورة بخلاف ما إذا لم يظهر حدثه؛ فإنه يجزيه للضرورة، والقصد بها تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبة العبادة، ووقتها في وقت النية أول العبادات إلا في الصوم لعسر مراقبة الفجر امرئ بكسر الراء، وهي لغة القرآن الكريم معرب من وجهين؛ فإذا كان فيه ألف الوصل كان فيه ثلاث لغات، الأولى وهي لغة القرآن الكريم إعرابها على كل حال قال تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (النساء: ١٧٦)، وقال تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال: ٢٤) اللغة الثانية فتح الراء على كل حال امرأ يعني يقال امرءًا، الثالثة ضمها على كل حال أي ضم الراء؛ فإذا حذفت ألف الوصل قلت: هذا مرءٌ، وذاك مرءً ومررت بمرءٍ، وجمعه من غير لفظه، تقول: رجال أو قوم.
ثم ننتقل إلى الهجرة. ومعناها: فالهجرة هي الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه.
وقد وقعت في الإسلام على وجهين الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة الأولى، والثانية، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان؛ وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة؛ إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة؛ فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان لمن قدر عليه باقيه والهجرة الاصطلاحية، والتي أريد بها المهاجرون في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ (التوبة: ١٠٠) المهاجرون هنا تعريف الهجرة بالنسبة لهم، ولمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة هي الانتقال من مكة
стр. 25
إلى المدينة قبل فتح مكة. أما بعد فتح مكة فتكون هجرة لغة فقط؛ لقوله ﵊: ((لا هجرة بعد الفتح -أي: لا هجرة اصطلاحية- ولكن جهاد ونية)) كما في الحديث ((وإذا استنفرتم فانفروا)).
وقد قسم بعض العلماء الهجرة إلى خمسة أقسام:
الأولى: الهجرة إلى الحبشة.
الثانية: الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ .
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه.
وأضاف بعضهم ثلاثة أقسام أخرى:
أولها: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة؛ فإن الصحابة هاجروا إليها مرتين.
الثانية: هجرة من كان مقيمًا ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدين؛ فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام، كما صرح بذلك بعض العلماء.
الثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن كما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم، وهاجر إبراهيم ﵇ ويبقى في الأرض شرارُ أهلها)) جاء ذلك في (فتح الباري) في الجزء الأول ص٤٠ حكم الهجرة بعد فتح مكة، وتمكين الإسلام في الأرض.
أقول: بعد ما تمكن الإسلام من النفوس، وأصبح له دولة بالمدينة المنورة، وفتح الله مكة، قال ﷺ : ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)) وعلى ذلك من
стр. 26
هاجر بعد الفتح لا يكون كالمهاجرين السابقين على الفتح، ولا يأخذ حكم المهاجرين.
أما الفرار من بلاد الظلم إلى بلاد العدل، والإيمان فباقيةُ إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ٩٧) وأما هجرة الذنوب والمعاصي فباقية أيضًا إلى قيام الساعة قال ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانِهِ ويدهِ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) دنيا بضم الدال.
وحكى ابن قتيبة كسرها فقال: "دنيا" وهي فعلى، وفعلى من الدنو، وهو القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى، وقيل: سميت بذلك لدنوهَا إلى الزوال. واختلف في حقيقتها، فقيل: الدنيا ما على الأرض من الضوء، والجو وقيل كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأولى هو الأول، لكن يزاد فيه قبل قيام الساعة.
يصيبها، أي: يحصلها؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم، بجامع حصول المقصود في كلٍّ، أو امرأة بعد أن تكلم عن الدنيا نص على المرأة ليبين الاهتمام بشأنها؛ فالتنصيص عليها من الخاص بعد العام، ويكون للاهتمام بالشيء ونكتة الاهتمام بها زيادة التحذير؛ لأن الافتتان بالمرأة أشد فهجرته إلى ما هاجر إليه مقابل فهجرته إلى الله ورسوله؛ فأظهر في فهجرته إلى الله، ورسوله؛ لقصده الالتذاذ بذكر الله تعالى.
وذكر رسول الله ﷺ وعظم شأنهما وشأن هذه الهجرة التي كانت لله ولرسوله وأضمر في الهجرة الثانية الهجرة من أجل الدنيا والمرأة أضمر فقال: ((فهجرته إلى ما هاجر)) إليه. أي: إلى ما هاجر إليه من الدنيا
стр. 27
والمرأة؛ لأن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنهما، وأن ذلك قبيح، ولكن يكون قبيحًا إذا كان الأمر خالصًا للدنيا والمرأة، أو لأحدهما أما لو اقترنت الهجرة بالزواج فلا شيء فيها، ولكن درجتها أقل من الهجرة الخالصة.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): من نوى بهجرته مفارقةَ دار الكفر وتزوج المرأة معًا لا تكون قبيحةً، ولا تكون هجرته غير صحيحة، بل هي ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة؛ فإنه يثاب على قصد الهجرة، لكن دون ثواب من أخلص، وكذا من طلب التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله تعالى؛ لأنه من الأمر المباح الذي يثاب فاعله إذا قصد به القربى كالإعفاف.
ومن أمثلة ذلك ما وقع في قصة إسلام أبي طلحة: فيما رواه النسائي عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم؛ فكان صداق ما بينهما الإسلام أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة؛ فخطبها أبو طلحة، فقالت: إني قد أسلمت؛ فإن أسلمت تزوجتك فأسلم فتزوجته، وهو محمول على أنه رغب في الإسلام أولًا، ودخله من وجهه، وضم إلى ذلك إرادة التزويج، وهو مباح؛ فصار كمن نوى بصومِهِ العبادة والحمية، يعني: الصحة، أو بطوافه العبادة، وملازمة الغريم.
واختار الغزالي فيما يتعلق بالثواب: أنه إن كان القصد الدنيوي، هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أجر بقدره، أي: كان الأغلب القصد الديني، وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين، فلا أجر؛ أما إذا نوى العبادة، وخالطها بشيء مما يغاير الإخلاص؛ فقد نقَلَ أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف بأن الاعتبار بالابتداء؛ فإن كان ابتداؤه لله خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره.
стр. 28
الإعراب، أي: إعراب الحديث:
" سمعت رسول الله ﷺ يقول" أي: سمعت كلامه حال كونه يقول؛ فجملة يقول حال مبنية للمحذوف المقدر بكلام؛ لأن الذات لا تسمع.
وقال الأخفش: إذا عُلِّقَت سمعت بغير مسموع، كسمعت زيدًا يقول: فهي متعدية إلى مفعولين الثاني، منهما جملة جملة، يقول: وليس التعدي إلى مفعولين خاصًّا بباب أعطيت، أو ظننت خلافًا لبعضهم، فقد ألحق بهما أفعال التعبير، وضرب مع المثل نحو قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ (النحل: ٧٥).
ورأى الحلمي لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (يوسف: ٣٦) وأتى بيقول المضارع في رواية من ذكرها بعد مقال الماضي، إما حكاية لحال وقوع السماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السامعين؛ تحقيقًا وتأكيدًا له، وإلا فالأصل: أن يقال: قال، كما جاء في رواية أخرى ليطابق سمعت.
بالنيات: الباء للمصاحبة أو السببية، ويظهر أثر ذلك في أن النية شرط، أو ركن، والراجح: أنها ركن في أول العبادة، ويشترط استصحابها إلى آخرها بأن تعرى عن المنافي.
إلى دنيا يصيبها: إلى حرف جر، ودنيا مجرورة بإلى، وعلامة الجر الكسرة منع من ظهورها التعذر، ويصيب فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، والهاء ضمير ضمير مفعول به يعود على دنيا يصيبها جملة في موضع جر صفة لدنيا؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه هذه الجملة جواب الشرط في قوله "فمن".
سبب ورود هذا الحديث.
وقد اشتهر أن سبب ورود هذا الحديث قصة مهاجر، أم قيس المروية في (المعجم الكبير) للطبراني بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش، وغيره ولفظه عن أبي
стр. 29
وائل عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأةً يقال لها: أم قيس فأبت أن تتزوجه، حتى يهاجر؛ فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس.
وذكر أبو الخطاب ابن دحية: أن اسم المرأة قيلة، وأما الرجل: فلم يذكره أحد ممن صنف في الصحابة وما قيل إن اسمه حاطب لم يثبت وهذا السبب. وإن كان خاص المورد لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
منزلة هذا الحديث بين الأحاديث:
اعلم: أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينِهِ أربعة أحاديث:
١ - ((الأعمال بالنية)).
٢ - من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
٣ - ((ولا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه))، ((والحلال بين والحرام بين)) وذكره غيره غيرَ هذه الأحاديث؛ فبعضهم جعل حديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) من هذه الأحاديث، وبعضهم جعل حديث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ما في يدِ الناس يحبك الناس)) واحدًا من هذه الأحاديث الأربعة.
وقال الشافعي وأحمد: إن هذا الحديث يدخل فيه ثلث العلم. قال البيهقي موضحًا ذلك: إذ كسب العبد إما بقلبه، أو بلسانه أو ببقية جوارحه والنية هي عمل القلب فهي تقوم بالثلث وعن الشافعي أيضًا أنه يدخل فيه نصف العلم ووجهه بأن للدين ظاهرًا وباطنًا. والنية: متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر؛ وأيضًا فالنية عبودية بالقلب، والعمل عبودية بالجوارح.
стр. 30
وقال الشيخ محمد أنور الكشميري: واعلم أن الحديث تكلموا عليه قديمًا وحديثًا وهو من أساس الدين حتى روي عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه يدخل فيه نصف العلم. وروي عن أحمد -رحمه الله تعالى- أنه ثلث الإسلام، أو ثلث العلم، وقيل: ربعه كما قيل:
عمدةُ الخيرِ عندنا كلمات ... أربع قالهن خيرُ البرية
اتق الشبهات وازهد ... ودع ما ليس يعنيكَ واعملن بنية
ثم قال: ونسبهما علي القاري -رحمه الله تعالى- إلى الإمام الشافعي أي: هذه الأبيات -رحم الله الجميع- وهو سهو من الشيخ علي القاري، بل هما لشاعر آخر، كما علم ذلك من (شروح عقود الجمان) للسيوطي -رحمه الله تعالى.
ما يؤخذ وما يستفاد من هذا الحديث:
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة منها: يجب أن يكون العمل خالصًا لله تعالى فالله أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا أشرك فيه غير الله تركه الله وشريكه قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ (البينة: ٥) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: ١١).
الفائدة الثانية: النية ركن في الأعمال، فأي: عمل لا يبتدئ بالنية، وتصاحبه النية إلى نهايته، فهو عمل باطل ومردود على صاحبه.
الفائدة الثالثة: أن الإنسان مجزي، ومحاسب على ما يقدمه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨)، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧).
стр. 31
الفائدة الرابعة: حب الدنيا رأس كل خطيئة، وعلى المسلم أن يحذر منها قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (لقمان: ٣٣).
الفائدة الخامسة التحذير من فتنة النساء، وأنها فتنة شديد يجب البعد عنها والاحتراز منها ولهذا نبه عليها بعد الدنيا لشدة الافتتان بسببها.
كيف يخلص العبد نيته لله تعالى ؟
أما كيف يخلص العبد نيته لله تعالى؛ فإن ذلك الإخلاص يتحقق بأمور لابد أن يتخَلَّقَ بها العبد، وأن يلتزم بها الإنسان، هي أمور كثيرة أهمها:
أولًا: مراقبة الله تعالى في السر والعلن، والشعور بأن الله مطلع على أعمال العبد كلها سرها وجهرها، كبيرها وصغيرها، ولابد أن يشعر العبد بأن الله مراقب له مراقبةً تتعلق بكل أفعاله وأقواله؛ إذا خلا في مكان وحده يشعر بأن الله وحده ومطلع عليه، عندما يصل الإنسان إلى هذه المراقبة، وهذا الشعور حينئذ يعمل لله وحده ولا يهمه سواه، قال تعالى عن هذه المراقبة منه لكل خلقه ليبين لعباده مدى علمه بكل أمورهم قال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال﴾ (الرعد: ٨: ١١)، وقال تعالى في سورة طه: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا * الرَّحْمَنُ عَلَى
стр. 32
الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه: ١: ٧). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: ٧)، وقال تعالى في سورة الأعلى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى * سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (الأعلى: ١: ٧).
وها هو الحديث النبوي الشريف يعلن عن هذه المراقبة، ويطالب المسلم أن يراقب ربه في كل وقت، وفي كل مكان عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالِقِ الناسَ بخلق حسن)) رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي. قال ذلك السيوطي في كتابه (الجامع الصغير) الجزء الأول ص٨، وروى الطبراني وأبو نعيم في (الحلية) عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أفضل الإيمان أن تعلم أن الله شاهدك أو أن الله معك حيثما كنت)) رواه السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الأول ص٤٩ وقال عنه: ضعيف إلا أن له الشاهد السابق. وهو قوله ﵊: ((اتق الله حيثما كنت)) الحديث.
وحديث سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعلاماتها. هذا الحديث يعرف بأنه أم السنة في إجابة النبي ﷺ لسيدنا جبريل عن سؤاله عن الإحسان أعلن ﷺ عن هذه المراقبة المطلوبة، وهي الشعور بأن الله مع الإنسان، وأنه مطلع عليه وأنه يراه في أي مكان كأن العبد يرى الله تعالى، فإن لم يكن العبد يرى الحق؛ فإن الحقَّ يرى العبد قال ﵊: ((لما سأله جبريل ما الإحسان يا محمد؟ قال له ﵊: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك)) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
стр. 33
ثانيًا: على العبد أن يعلم بعد أن يوقين يقينًا لا يعتريه أدنى شك بأن الله مطلع عليه، عليه أن يعلم أن لله ملائكة كرامًا يكتبون ما يفعل، وما يقول وأن هذا الذي يكتب عليه سيظهر سجلًا يوم القيامة، ويكلف العبد بأن يقرأه بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٠: ١٢)، وفي سورة ق بين الحق أن العبد يكتب عليه كل شيء حتى القول كل ما يتلفظ به قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٦: ١٨).
وبينت سورة الإسراء أن الإنسان تكتب عليه أعماله في كتاب سيقرؤه بنفسه قارئًا أو غير قارئ سيقرؤه يوم القيامة ليكون هو أول الشاهدين على نفسه بما فعله في الدنيا قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: ١٣، ١٤).
ثالثًا: وبعد أن يعلم العبد بعلم الله بعمله، وتسجيله عليه عليه أن يوقن بأن الله تعالى سيحاسبه، وسيجازيه على عمله سيجازيه بالإحسان إحسانًا وبالإساءة سوءًا، وأنه بعد الحساب، إما الجنة، وإما النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤).
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ
стр. 34
يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (المطففين: ١: ٢٨).
وقال ﷺ : ((والذي نفسي بيده لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا)) فإذا علم العبد أنه محاسب، وأنه مجازى على أعماله التي اطلع الله عليها، وسطرتها عليه الملائكة الكرام إذا أيقن من ذلك عمل لله وحده، وتخلص من الرياء والسمعة، وصار عمله خالصًا لله تعالى، خاصة عندما يتحلى بالصدق مع الله تعالى، وعدم الرياء.
من هنا كان الأمر الرابع البعد كل البعد عن الرياء والسمعة، وأن يعمل العبد لله وحده، وأن يعتقد اعتقادًا جازمًا يقينيًّا لا شائبة فيه؛ بأن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، ويعلم بأن قليل الرياء شرك فيحذره، ويبتعد عنه، ولقد حذر رسول الله ﷺ كثيرًا من الرياء، وبيَّنَ ﷺ أنه مبطلٌ للأعمال. قال ﷺ : ((قليل الرياء شرك)) هذه الأمور التي ذكرتها هي أهم ما يجعل العبد مخلصًا لله تعالى فإذا تحقق العبد، وتخلق بهذه الأمور أخلص لله قوله وعمله؛ فإذا علم العبد أن الله مطلع عليه، ومراقب له، وأن كل عمل يعمله، أو يقوله مسطر عليه، وأن ذلك المكتوب سيحضره الله له يوم القيامة، ويقرؤه بنفسه، ثم يجازيه على هذه الأعمال إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا؛ وأدت هذه الأمور إلى ترك الرياء الذي يبطل الأعمال، وأخلص العبد لله تعالى في كل أموره، وكان صادقًا مع الله تعالى.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 35
الدرس: ٣ تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته .
стр. 36
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته)
تعريف الإيمان، وبيان أنه قول وعمل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
وبعد،
الإيمان وما يتعلق به من مباحث وأحكام -أقول وبالله التوفيق-:
الإيمان هو التصديق، ولكن الإيمان الذي ينجي صاحبه، إنما هو الإيمان بالقلب، أي: التصديق بالقلب، ونقر العبد بلسانه؛ لأنه مؤمن وأن تعمل جوارحه وفق متطلبات الإيمان ولذلك كان التعريف الكامل للإيمان هو: الإيمان تصديق بالجنان، أي: بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان أي بالجوارح هذه هي الأركان الثلاثة التي تجعل الإيمان مقبولًا وصحيحًا، ينفع صاحبه عند الله تعالى.
ومن هذا التعريف: نعلم أن الإيمان قولٌ وعمل وعقيدة، وأن الإيمان من غير عمل لا قيمة له، وأن العمل الذي لا يبنى على الإيمان عملٌ باطل وضائع وفاسد، ولا قيمة له عند الله تعالى.
ولقد عقد الإمام البخاري في (صحيحه) في كتاب الإيمان بابًا بعنوان: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، وتحت هذا العنوان أتى بحديث يدل على أن الإيمان هو العمل سئل ﷺ في الحديث عن أفضل العمل فكان جوابه ﷺ : ((الإيمان بالله ورسوله ثم الجهاد ثم الحج المبرور)) فجعل الإيمان نوع من العمل بل هو أفضل العمل روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل أي العمل أفضل قال: ((إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)).
والدليل أيضًا على أن الإيمان هو العمل، وليس مجرد الاعتقاد حديث آخر رواه البخاري بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : ((أي العمل أفضل؟ قال ﷺ : إيمان بالله وجهاد في سبيله، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا، أو
стр. 37
تصنع لأخرق قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر؛ فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك)).
فالسؤال في الحديث من أبي ذر ﵁ عن أفضل الأعمال فأجابه ﷺ بأن الإيمان هو أفضل الأعمال، ثم يتبعه بعد ذلك الجهاد، ثم إلى آخر الحديث.
جعل ﷺ الإيمان عملًا من الأعمال، بل هو أفضل الأعمال، ثم بعد ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم بعد ذلك تظهر أثار الإيمان على المؤمن، فيعتق أغلى الرقاب ثمنًا وأنفسها، أي: أغلاها عنده ثم يعين ذا الحاجة، ويُعَلِّمُ من لم يحسن الصنعة كيف يصنع، ويرفع أذاه وشره عن الناس.
ولقد جاءت أحاديث تبين أن الإيمان تصديق وقول وعمل، وإن كان في هذه الأحاديث بعض الضعف إلا أنها يستأنس بها؛ فإنها ثبتت في الأحاديث الصحيحة أوردناها، والتي هي من رواية إمام أهل الحديث -الإمام البخاري- ما يدل على أن الإيمان تصديق، وقول وعمل؛ فمن هذه الأحاديث روى ابن ماجه، والطبراني في (المعجم الكبير) عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان)).
وروى الشيرازي في (الألقاب) عن عائشة ﵂: ((الإيمان بالله الإقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالأركان)) هذان الحديثان رواهما الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) وأسندهما إلى ما ذكرت من مصادر للحديث.
ومما يدل على أن الإيمان عقيدة وعمل وإقرار، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء؛ فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله
стр. 38
أرسلك قال: صدق. قال الأعرابي: فمن خلق السماء؟ قال ﷺ : الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال ﷺ : الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال ﷺ : الله قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، اللهُ أرسلك؟ قال ﷺ نعم. قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال ﷺ : صدق، قال فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال ﷺ : صدق، قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال رسول الله ﷺ : صدق، قال الأعرابي: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا حج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلًا، قال ﷺ : صدق. قال: ثم ولى -أي الأعرابي قال الأعرابي بعدما ولى واتجه في طريقه سائرًا-: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن فقال النبي ﷺ : لئن صدق ليدخلن الجنة)).
في رواية من روايات الإمام مسلم: قال أنس: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، وساق هذا الحديث يشير أنس بذلك إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة: ١٠٠، ١٠١).
وفي مسلم أيضًا بسنده عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ ((أن أعرابيًّا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر؛ فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: فكف النبي ﷺ ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد وُفِّقَ ثم قال: كيف قلت؟ قال:
стр. 39
فأعاد الأعرابي السؤال؛ فقال ﵊: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة)).
ومما ورد في ذلك أيضًا ما رواه الإمام مسلم أيضًا في صحيحه بسنده عن أبي أيوب ﵁ قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دُلَّنِي على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : إن تمسك بما أمر به دخل الجنة)).
وفي رواية ابن أبي شيبة: ((إن تمسك به دخل الجنة)) في رواية أخرى للإمام مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁: ((أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده؛ لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه؛ فلما ولَّى؛ قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)).
وروى مسلم بسنده عن جابر ﵁ قال: ((أتى النبي ﷺ النعمان بن نوفل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرَّمْتُ الحرام، وأحللت الحلال، أأدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ : نعم)) في رواية: ((ولم أزد على ذلك شيئًا)).
وبسنده عن جابر بن عبد الله ﵄: ((أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت يا رسول الله إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: نعم، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا)).
стр. 40
ومن أظهر الأدلة على أن الإيمان عقيدة وعمل: حديث: "بني الإسلام على خمس" إذ الركن الأول عقيدة، وهو الشهادتان والأربعة الباقية عمل روى مسلم بسنده في صحيحه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمسة -وفي رواية: على خمس-: شهادة ألا إله لا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان)).
وأيضًا حديث بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن: يدل على أن الإيمان قول وعقيدة، وعمل روى مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄ أن معاذًا قال: ((بعثني رسول الله ﷺ فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فادعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد في فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتقي دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها، وبين الله حجاب)).
وفي رواية عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: ((يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم؛ فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموالهم)).
فهذه الأحاديث بينت أن أول شيء هو عبادة الله وحده في رواية، في رواية ومعرفة الله، وفي رواية، "والشهادتان" وهذا كله عقيدة ثم انتقلت الروايات بعد ذلك تعلم عن مطالب هذه العقيدة، وهي الصلاة والزكاة، والصوم، والحج.
следующие страницы →