← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10120

الحديث الموضوعي - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته) تعريف الإيمان، وبيان أنه قول وعمل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: وبعد، الإيمان وما يتعلق به من مباحث وأحكام -أقول وبالله التوفيق-: الإيمان هو التصديق، ولكن الإيمان الذي ينجي صاحبه، إنما هو الإيمان بالقلب، أي: التصديق بالقلب، ونقر العبد بلسانه؛ لأنه مؤمن وأن تعمل جوارحه وفق متطلبات الإيمان ولذلك كان التعريف الكامل للإيمان هو: الإيمان تصديق بالجنان، أي: بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان أي بالجوارح هذه هي الأركان الثلاثة التي تجعل الإيمان مقبولًا وصحيحًا، ينفع صاحبه عند الله تعالى. ومن هذا التعريف: نعلم أن الإيمان قولٌ وعمل وعقيدة، وأن الإيمان من غير عمل لا قيمة له، وأن العمل الذي لا يبنى على الإيمان عملٌ باطل وضائع وفاسد، ولا قيمة له عند الله تعالى. ولقد عقد الإمام البخاري في (صحيحه) في كتاب الإيمان بابًا بعنوان: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، وتحت هذا العنوان أتى بحديث يدل على أن الإيمان هو العمل سئل ﷺ في الحديث عن أفضل العمل فكان جوابه ﷺ : ((الإيمان بالله ورسوله ثم الجهاد ثم الحج المبرور)) فجعل الإيمان نوع من العمل بل هو أفضل العمل روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل أي العمل أفضل قال: ((إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)). والدليل أيضًا على أن الإيمان هو العمل، وليس مجرد الاعتقاد حديث آخر رواه البخاري بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : ((أي العمل أفضل؟ قال ﷺ : إيمان بالله وجهاد في سبيله، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا، أو

стр. 37

تصنع لأخرق قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر؛ فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك)). فالسؤال في الحديث من أبي ذر ﵁ عن أفضل الأعمال فأجابه ﷺ بأن الإيمان هو أفضل الأعمال، ثم يتبعه بعد ذلك الجهاد، ثم إلى آخر الحديث. جعل ﷺ الإيمان عملًا من الأعمال، بل هو أفضل الأعمال، ثم بعد ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم بعد ذلك تظهر أثار الإيمان على المؤمن، فيعتق أغلى الرقاب ثمنًا وأنفسها، أي: أغلاها عنده ثم يعين ذا الحاجة، ويُعَلِّمُ من لم يحسن الصنعة كيف يصنع، ويرفع أذاه وشره عن الناس. ولقد جاءت أحاديث تبين أن الإيمان تصديق وقول وعمل، وإن كان في هذه الأحاديث بعض الضعف إلا أنها يستأنس بها؛ فإنها ثبتت في الأحاديث الصحيحة أوردناها، والتي هي من رواية إمام أهل الحديث -الإمام البخاري- ما يدل على أن الإيمان تصديق، وقول وعمل؛ فمن هذه الأحاديث روى ابن ماجه، والطبراني في (المعجم الكبير) عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان)). وروى الشيرازي في (الألقاب) عن عائشة ﵂: ((الإيمان بالله الإقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالأركان)) هذان الحديثان رواهما الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) وأسندهما إلى ما ذكرت من مصادر للحديث. ومما يدل على أن الإيمان عقيدة وعمل وإقرار، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء؛ فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله

стр. 38

أرسلك قال: صدق. قال الأعرابي: فمن خلق السماء؟ قال ﷺ : الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال ﷺ : الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال ﷺ : الله قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، اللهُ أرسلك؟ قال ﷺ نعم. قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال ﷺ : صدق، قال فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال ﷺ : صدق، قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال رسول الله ﷺ : صدق، قال الأعرابي: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا حج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلًا، قال ﷺ : صدق. قال: ثم ولى -أي الأعرابي قال الأعرابي بعدما ولى واتجه في طريقه سائرًا-: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن فقال النبي ﷺ : لئن صدق ليدخلن الجنة)). في رواية من روايات الإمام مسلم: قال أنس: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، وساق هذا الحديث يشير أنس بذلك إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة: ١٠٠، ١٠١). وفي مسلم أيضًا بسنده عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ ((أن أعرابيًّا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر؛ فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: فكف النبي ﷺ ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد وُفِّقَ ثم قال: كيف قلت؟ قال:

стр. 39

فأعاد الأعرابي السؤال؛ فقال ﵊: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة)). ومما ورد في ذلك أيضًا ما رواه الإمام مسلم أيضًا في صحيحه بسنده عن أبي أيوب ﵁ قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دُلَّنِي على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : إن تمسك بما أمر به دخل الجنة)). وفي رواية ابن أبي شيبة: ((إن تمسك به دخل الجنة)) في رواية أخرى للإمام مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁: ((أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده؛ لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه؛ فلما ولَّى؛ قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)). وروى مسلم بسنده عن جابر ﵁ قال: ((أتى النبي ﷺ النعمان بن نوفل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرَّمْتُ الحرام، وأحللت الحلال، أأدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ : نعم)) في رواية: ((ولم أزد على ذلك شيئًا)). وبسنده عن جابر بن عبد الله ﵄: ((أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت يا رسول الله إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: نعم، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا)).

стр. 40

ومن أظهر الأدلة على أن الإيمان عقيدة وعمل: حديث: "بني الإسلام على خمس" إذ الركن الأول عقيدة، وهو الشهادتان والأربعة الباقية عمل روى مسلم بسنده في صحيحه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمسة -وفي رواية: على خمس-: شهادة ألا إله لا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان)). وأيضًا حديث بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن: يدل على أن الإيمان قول وعقيدة، وعمل روى مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄ أن معاذًا قال: ((بعثني رسول الله ﷺ فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فادعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد في فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتقي دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها، وبين الله حجاب)). وفي رواية عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: ((يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم؛ فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموالهم)). فهذه الأحاديث بينت أن أول شيء هو عبادة الله وحده في رواية، في رواية ومعرفة الله، وفي رواية، "والشهادتان" وهذا كله عقيدة ثم انتقلت الروايات بعد ذلك تعلم عن مطالب هذه العقيدة، وهي الصلاة والزكاة، والصوم، والحج.

стр. 41

وفي حديث برواياته الشهادتان: "والصلاة والزكاة" وبينت الصلاة، وكذلك الزكاة على التوحيد، والإقرار للعبودية لله تعالى؛ فالإيمان عقيدة، وقول وعمل هذا ما تظاهرت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والذي يجب أن يعتقده كل مسلم؛ فالعقيدة وحدها لا تكفي؛ بل لابد من العمل والعمل وحده لا يكفي، بل لابد من العقيدة الصحيحة التي يبتنى عليها العمل، وأن يأتي العمل وفق الشرع، وأن يكون خالصًا لله . إن أبا بكر الصديق ﵁ حارب من أجل فريضة الزكاة، ولم يكتفِ من أحد بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقسم أنه ليقاتلن كل من فرّق بين الصلاة والزكاة. وكان عمر بن الخطاب ﵁ في أول من اعترض على أبي بكر الصديق، كيف يقاتل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فبيّن له أبو بكر أنه لا بد أن يطابق القولُ العمل، وأن العقيدة الصحيحة قول وعمل، وأن الإيمان عقيدة وعمل، والعمل هو حق لكلمة لا إله إلا الله. وكان سبب اعتراض عمر بن الخطاب ﵁ في بادئ الأمر أنه فهم من قوله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)) فهم عمر أنه بمجرد ما يقول: لا إله إلا الله فقد عصم دمه. أما أبو بكر: فرتب العصمة لكل من يقولها، ويقوم بحقها؛ فأقسم أنهم لو منعوه عقالًا، أي: خطامًا يجر به بعير، أو عناقًا أي: جديًا صغيرًا -شاة صغيرة- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. وبيَّنَ لعمر ﵁ وغيره أن الزكاة من حق لا إله إلا الله. روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب. قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي بكر: كيف تقاتلُ الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:

стр. 42

لا إله إلا الله؛ فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسوله الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)). ورواه بسنده أيضًا عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله؛ عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)). وبلفظ آخر رواه مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)). وفي رواية أخرى بسنده عن أبي صالح وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس)) بمثل حديث ابن المسيب السابق عن أبي هريرة وتحول السند إلى جابر بن عبد الله ﵄ فقال جابر: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله. ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾)).؟ وبسنده عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)). وبسنده أيضًا عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله)).

стр. 43

وبسنده عن أبي مالك عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((من وحّد الله)) ثم ذكر الحديث بمثله. فمجموع هذه الروايات تبين: أن الإيمان عقيدة وعمل، وأن كلمة التوحيد لا بد أن تكون مقرونة بشهادة: أن محمد رسول الله، وأن هذه الكلمة لها حقوق، فإن على من يقولها أن يقيم الصلاة، وأن يؤتي الزكاة، وأن يصوم رمضان، وأن يحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، هذا هو حق لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أي أن العقيدة الصحيحة من حقها الأعمال الصالحة، وأول هذه الحقوق: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج ... وبقية شعائر الإسلام. متعلقات الإيمان "الإيمان بالله وملائكته " متعلقات الإيمان: الإيمان له متعلقات لا بد أن يقوم بها المؤمن جاءت هذه المتعلقات في آخر سورة البقرة، وفي حديث جبريل وسؤالاته للنبي ﷺ هذه المتعلقات ست، أربعة ذكرت في سورة البقرة واثنتان ذكرتا في حديث جبريل بسؤاله النبي ﷺ ففي سورة البقرة أعلنت الآية قبل الأخيرة من سورة البقرة: أن من أركان الإيمان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله: أربعة. والحديث صرّح باثنتين زائدتين هما: الإقرار بالبعث: أن يوقن المؤمن بأن هناك يوم آخر هو يوم البعث والحساب والنشور، ثم الإيمان، والإذعان بالقضاء والقدر، فهذه هي الأركان الستة، والمتعلقات الستة للإيمان. هذه المتعلقات هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله جاءت في الآية الكريمة، ويزاد على ذلك الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره والإيمان بالساعة وعلاماتها.

стр. 44

قال تعالى في سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥). أما الحديث: فروى الإمام مسلم في (صحيحه) بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ فقال: رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخْبِرْنِي عن الإيمان؟ قال ﷺ : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال ﷺ : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال ﵊: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها -يعني علاماتها- قال له ﵊: أن تلد الأمة ربتها، وفي رواية: "ربها" وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينك)). وبسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجلًا فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله ما الإسلام: قال:

стр. 45

الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها -أي: علاماتها- إذا ولدت الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس؛ فذاك من أشراطها وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان؛ فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا ﷺ قول الحق : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤) قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : ردوا عليّ الرجل؛ فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم)). وبسنده أيضًا: غير أن فيه: ((إذا ولدت الأمة بعلها)) يعني السراري. وبسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سلوني فهابوه -أو فهابوا أن يسألوه- فجاء رجل فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان. قال: صدقت. قال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله. قال: صدقت. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: صدقت. قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. وسأحدثك عن أشراطها: إذا رأيت المرأة تلد ربها، فذاك من أشراطها، وإذا رأيت الحفاة الرعاة الصم البكم ملوك الأرض، فذاك من

стр. 46

أشراطها، وإذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤) قال: ثم قام الرجل. فقال رسول الله ﷺ ردوه عليّ، فالتمس فلم يجدوه. فقال رسول الله ﷺ هذا جبريل أراد أن تعلموا إن لم تسألوا)). ورواه البخاري أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ بارزًا يومًا للناس فأتاه رجلًا فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ثم أدبر فقال ﷺ ردوه فلم يروا شيئًا فقال هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)). هذه الروايات المتعددة في البخاري ومسلم لحديث سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان، والإحسان، والساعة وعلاماتها فيه متعلقات الإيمان وأولها الإيمان بالله وحده، وهذا يتعلق به الكثير مما يجب لله من صفات الجمال والجلال، والكمال، والإيمان أيضًا بالملائكة، وما يتعلق بهم من جانب العقيدة، ثم الإيمان بكل الكتب السماوية من توراة وإنجيل، وزبور وقرآن، ثم الإيمان

стр. 47

بجميع الرسل من غير تفرقة بينهم، والإيمان باليوم الآخر، وما فيه من حشر ونشر، وحساب وعقاب، وميزان وحوض، وصراط وجنة ونار، والإيمان أيضًا بالقضاء والقدر حلوه وشره، حلوه ومره كله من الله تعالى. وكل ما ذكر من متعلقات الإيمان له مباحث تتعلق به فمما يتعلق بالإيمان بالله أن نؤمن بأن لله واحد، وقادر ومقدم ومؤخر وأول وآخر وأنه يجب له كل كمال يليق بذاته وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلا قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الإسراء: ١١٠) وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨٠) وقال ﷺ ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها دخل الجنة)) وفي وراية ((من أحصاها دخل الجنة)) و ((إن الله وتر يحب الوتر)). وزاد الترمذي في روايته: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المييت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور ﷻ ). ومن متعلقات الإيمان بالله: أن الله له أسماء أخرى غير التي ذكرناها، مسجلة، ومنقولة من كتاب الإمام الترمذي نقلها الشيخ سيد سابق في كتابه

стр. 48

(العقائد الإسلامية) وللحق أسماء أخرى غير التي ذكرناها الأخرى، له أسماء لا يعلمها إلا هو، ويُعْلِمُ من يشاء من عباده ما شاء من أسمائه أخبرنا بذلك المصطفى ﷺ في حديثه الذي قال فيه: ((اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أنزلته في كتابه، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أسألك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا)) إلى آخر الحديث. ثم بعد ذلك هناك متعلقات بالإيمان بالملائكة فمما يتعلق بالإيمان بالملائكة أن نؤمن بأنهم أجسام لطيفة نورانية تتشكل بالأشكال الحسنة وأنهم هم الملأ الأعلى وأنهم مطهرون من الشهوات الحيوانية وأنهم لا يأكلون ولا يشربون، وأنهم لا يصفون بالذكورة، ولا بالأنوثة، وأنهم لا يصفون أيضًا بالخنوثة، وأنهم عالم آخر قائم بنفسه ومستقل بذاته، وأنهم لا يتصفون بما يوصف به البشر من الحالات المادية، ونؤمن بأن لهم القدرة على أن يتمثلوا بالصور البشرية، وغيرها من الصور الحسية؛ فلقد كان جبريل ﵇ يتمثل في صورة بشرية في صورة دحية الكلبي لرسولنا ﷺ وجاء لمريم البتولفي صورة بشر قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم: ١٦، ١٧). ودخل جماعة منهم على سيدنا إبراهيم ﵇-أي: جماعة من الملائكة - في صورة بشر؛ فقدم لهم الطعام؛ فلم يأكلوا منه شيئًا، فعلم بذلك أنهم ملائكة الرحمن. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا

стр. 49

إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود: ٦٩، ٧٣). روى مسلم بسنده عن عائشة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم، ومسكنهم السماء، ويتنزلون منها بأمر الله)) روى البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: ((ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا قال: فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: ٦٤). ومن الأمور المتعلقة بالإيمان بالملائكة أيضًا أن نؤمن بأن الله خلقهم قبل الإنسان وقد أخبرهم الله تعالى بأنه سيخلق الإنسان أي آدم وأنه سيجعله خلفته فهم موجودون من قبل آدم ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠) ويتعلق بالإيمان بهم أيضًا أن نؤمن بأن الله تعالى جبلهم أي خلقهم مجبولون على الطاعة التامة له، والخضوع لله ولجبروته، والقيام بأوامره، وأنهم يتصرفون في شئون العالم بإرادة الله ومشيئته فهو سبحانه يدبر ملكه، وهم لا يقدرون على شيء من تلقاء أنفسهم. قال تعالى عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: ٥٠). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ فوصفهم الحق بأنهم عباد مكرمون، وقالوا -أي قال الكفار- ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ

стр. 50

مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٦، ٢٨) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. روى البخاري بسنده أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله تعالى: كأنه صلصلة على صفوان، أي: على جبل صفوان؛ فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: الحق وهو العلي الكبير)). ويتعلق بالإيمان بالملائكة أن نؤمن بأنهم متفاوتون في المقامات، وأن لكل منهم وظيفة خاصة به وكلها الله إليه، وهم متفاوتون في الخلق منهم من له من الأجنة مثنى، ومنهم من له ثلاث، ومنهم من له رباع، ومنهم من له ستمائة جناح، يزيد في الخلق ما يشاء إنه على كل شيء قدير. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر:١). روى مسلم في (صحيحه) بسنده عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح وكثرت الأجنحة دليل القدرة على السرعة في تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالاته قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (الصافات: ١٦٤، ١٦٦) قال ابن كثير: وما من ملك إلا له موضع مخصوص في السماوات، ومقامات العبادات لا يتجاوزه، ولا يتعداه. قال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده لعبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه، وكان ممن بايع يوم الفتح: أن رسول الله ﷺ قال لجلسائه: ((أطت السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد ثم قرأ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.

стр. 51

ثم إن لهم عملًا في عالم الأرواح، وعملًا في عالم الطبيعة، ولهم صلة خاصة بالإنسان فعملهم الروحي يتلخص في التسبيح، والخضوع التام لله تعالى. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٦) وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومن الملائكة من يحمل العرش -أي عرش الرحمن- وهم المعرفون بحملة العرش؛ قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٧). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ومن أعمالهم التسليم على أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٢، ٢٤). وكما أنهم يسلمون على أهل الجنة منهم من أوكل إليه تعذيب أهل النار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: ٦) وقال تعالى في صفة جهنم، وما عليها من الملائكة الموكلين بتعذيب أهلها ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (المدثر: ٢٦، ٣١).

стр. 52

ومن الملائكة من اختصه الله تعالى بالوحي أي ينزل بالوحي على رسل الله وهو سيدنا جبريل ﵇ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ويسمى بالروح الأمين قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ومن أسماء جبريل أيضًا روح القدس: قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ١٠٢) ويسمى أيضًا بالناموس كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ في أول عهده بالوحي؛ لقد جاءك الناموس الذي نزل الله على موسى، ويأتي جبريل أحيانًا في سورة البشر، وأحيانًا في مثل صلصلة الجرس. روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده عن عائشة ﵁: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال ﷺ : أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما أقول قالت عائشة ﵁ ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا)). وفي الحديث الذي أخرجه ابن أبي الدنيا، والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها؛ فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب)) هذه بعض أعمال الملائكة الموكلة إليهم في عالم الأرواح من قبل الله تعالى. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 53

الدرس: ٤ تابع: تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته .

стр. 54

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (تابع: تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته) تتمة الحديث عن الإيمان بالملائكة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: بقية الإيمان، وما يتعلق به من مباحث، وأثر الإيمان في حياة الأمة فقلنا: إن من متعلقات الإيمان الإيمان بالملائكة، وتحدثنا عن عملهم في عالم الأرواح وما يتعلق بذلك. وفي هذا الدرس نتحدث عن عملهم في الطبيعة ومع الإنسان. أقول -وبالله التوفيق-: إن الله تعالى جعل للملائكة عمل في الطبيعة ووكل إليهم مهام يتصرفون فيها بأمر ربهم؛ فلهم عمل في تدبير أمور الكون من إرسال الرياح والهواء من سوق السحب، وإنزال المطر، ومن إنبات النبات، ونحو ذلك من الأعمال الخافية على الأنظار التي لا تقع تحت الحواس، والملائكة تلازم الإنسان في حياته كلها، بل وبعد مماته. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٠: ١٢)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (الرعد: ٨، ١١) وقال ﷺ : ((إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء، وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم)). يقول الشيخ سيد سابق في كتابه (العقائد الإسلامية) لما تحدث عن أعمال الملائكة تحت عنوان: "عملهم في الطبيعة مع الإنسان" قال: وللملائكة عمل في تدبير

стр. 55

أمور الكون من إرسال الرياح، والهواء، ومن سوق السحب، وإنزال المطر، ومن إنبات النبات، ونحو ذلك من الأعمال الخافية على الأنظار التي لا تقع تحت الحواس، ثم قال: وهم يلازمون الإنسان في حياته كلها، وبعد مماته. عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن للشيطان لمة بابن آدم، وللمَلَكِ لَمَّة، فأما لمة الشيطان؛ فإيعاذ بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك؛ فإيعاذ بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئًا؛ فليعلم أنه من الله، وليحمد الله، ومن وجد الأخرى؛ فليتعوذ من الشيطان، ثم قرأ ﷺ : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾)) (البقرة: ٢٦٨). من أعمال الملائكة أيضًا: دعاء الملائكة للمؤمنين، والله لسعة مغفرته، ولحبه لعباده يلهم ملائكته أن يضرعوا إليه بالدعاء، ويسألوه برحمته التي وسعت كل شيء، وعلمه الذي وسع كل شيء أن يغفر للتائبين، ويدخلهم في عباده الصالحين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (غافر: ٧: ٩) وروى مسلم: ((أن رسول الله ﷺ قال ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يدعوان يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكًا تلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا)). من أعمالهم أيضًا تأمينهم مع المصلين والملائكة تؤمن مع المصلين؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا

стр. 56

الضالين؛ فإن الملائكة يقولون: آمين وإن الإمام يقول: آمين؛ فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غُفِرَ لَهُ ما تقدم من ذنبه)). أيضًا من أعمالهم: حضور صلاة الفجر والعصر من كل يوم: روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)) يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨). وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم، وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)) ومن أعمالهم أيضًا: نزولهم عند قراءة القرآن فعن أبي سعيد الخدري ﵁: ((أن أسيد بن حضير بينما هو في ليلةٍ يقرأُ في مربدِهِ؛ إذ جالت فرسه فقرأ، ثم جالت مرة أخرى فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى -ويحيى هذا ابنه- فقمتُ إليها؛ فإذا مثل الظُلَّةِ فوق رأسي فيها أمثال السُّرُج، عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال: فغدوتُ على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي؛ إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها خشيت أن تطأه، فرأيتُ مثل الظُلَّةِ فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ : تلك الملائكة، كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم)) رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.

стр. 57

من أعمال الملائكة أيضًا: حضورهم مجالس الذكر، وهم يلتمسون حلقات الذكر؛ لإمدادهم بالقوى الروحية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر؛ فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، ما يقول عبادي؟ قال: يقولون يسبحونك، ويكبرونك ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فيقول: مم يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها، قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها، قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها، قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشد منها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لكم، قال: يقول: ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ، قال: هم القومُ لا يشقى بهم جليسهُم)) رواه البخاري، واللفظ له. ومن أعمال الملائكة أيضًا: صلاتهم على المؤمنين، وخاصة أهل العلم منهم: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٣) وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض؛ ليسلمون على معلم الناس الخير،)) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.

стр. 58

من أعمالهم أيضًا: تبريكهم أهل العلم، وتواضعهم لهم، عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الملائكة لتضَعَ أجنحَتَهَا لطالب العلم؛ رضًا بما يصنع)). ومن أعمال الملائكة أيضًا حملهم البشريات روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((زار رجل أخًا له في قرية أخرى فأرصد الله له في مدرجته يعني: في طريقه ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبُّهَا، يعني: ترجوها قال: لا غير أني أحببته في الله قال: فإني رسول الله إليك بأن الله كما أحببته فيه)). من أعمالهم أيضًا: إعلانهم عمن يحبه الله، وعمن يبغضه الله يقول الرسول ﵊: ((إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا، فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانًا فابغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله أبغض فلانًا فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض)). من أعمالهم أيضًا: كتابة الأعمال على العباد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٦: ١٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٠: ١٢) وقال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف: ٧٩، ٨٠). ويسجلون هذه الأعمال عندهم في سجل لكل فرد، ثم تعرض يوم الحساب قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ

стр. 59

مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: ١٣، ١٤) وفي أثناء العرض يشهدون على ما عمل الإنسان من خير أو شر قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: ٢٠: ٢٢). من أعمالهم أيضًا: تثبيت المؤمنين ومثبتون المؤمنون بما يلقونه بما يلقونه في قلوبهم من التأييد، وهم يثبتون المؤمنين بما يلقونه في قلوبهم من التأييد قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال: ١٢). وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢). وهم موكلون بقبض الأرواح أي من وظائفهم أنهم موكلون بقبض الأرواح: قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: ٦١) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (السجدة: ١١). من أعمالهم أنهم يحيون الطيبين تحيةً طيبةً عند قبض أرواحهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (النحل: ٣٢) أيضًا يبشرون أهل الخير بالجنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٠: ٣٢).

стр. 60

أي: إن الذين آمنوا بالله إيمانًا حقًّا، واستقاموا على الطريق الذي رسمه الله لعباده إن الملائكة تتنزل عليهم عند الموت، وتقول لهم: لا تخافوا مما أمامكم من أهوال القبر، وعذاب الآخرة، ولا تحزنوا على ما تركتم، وراءكم من أموالٍ وأولادٍ، وأبشروا بالجنة التي وعدكم الله بها؛ فإنما يمتنهون الفسقة، ويضربون وجوههم، وأدبارهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: ٩٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (الأنفال: ٥٠). أيضًا مما يجب للملائكة من حق علينا أن نؤمن بهم بعد ما تحدثنا عن كل ما مر فإنه تحت هذا العنوان كتب الأستاذ سيد سابق في كتابه العظيم (العقائد الإسلامية) كتب تحت عنوان الإيمان بالملائكة، قال: وإذا كان هذا هو شأن الملائكة في عالم الروح، ودورهم الإيجابي في الكون والطبيعة وإذا كانت هذه هي صلتهم بالإنسان في هذا العالم، وفي العالم الذي يأتي بعده كان من الواجب الإيمان بوجودهم، ومحاولة الاتصال بهم عن طريق تزكية النفس، وتطهير القلب، وعبادة الله عبادة خاشعة، وفي الاتصال بالملائكة سمو للروح، وتحقيق للحكمة العليا التي خلق الله الإنسان من أجلها، وهي أداء أمانة الحياة، والقيام بالخلافة عن الله في الأرض؛ ولهذا كان الإيمان بالملائكة من البر. ومن دلائل الصدق والتقوى قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ (البقرة: ١٧٧). إن الإيمان لا يكون له حقيقة إلا إذا آمن الإنسان بهذا العالم الروحي إيمانًا لا يتطرق إليه الشك، ولا تتسرب إليه الظنون، وهذا هو منهج الأنبياء والمؤمنين الذين انكشفت الحقائق أمامهم، وأمام أبصارهم؛ فأدركوا من الكون ما لا

стр. 61

يدركه الغافلون قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥). إن هذا العالم الغيبي لا يدرك بالحس، ولا بالعقل، بل إن الشياطين لا يمكنهم الوصول إليه: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ (الصافات: ٨) وسبيل معرفة هذا العالم هو الوحي لأنه غيب من الغيوب ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإٍ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (ص: ٦٥: ٧٠). وكل ما يجب الاهتمام به أن نؤمن بهم، ونرعى حق صحبتهم، ونوثق صلتنا بهم، كما أرشد الرسول ﷺ في قوله: ((إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم)). من متعلقات الإيمان: الإيمان بالكتب السماوية، والإيمان بالرسل ومن متعلقات الإيمان: الإيمان بالكتب السماوية، أي: على كل مؤمن أن يؤمن بأن لله تعالى كتبًا أنزلها على رسله وأمرهم أن يبلغوها لخلقه من هذه الكتب التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، والقرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد نؤمن إيمانًا يقينيًا بأنه مهيمن على هذه الكتب السابقة، ومصدق لها. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا

стр. 62

عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٤٤: ٥٠). يقول الشيخ سيد سابق: إن لله سبحانه تعاليم ووصايا أوحاها إلى رسله وأنبيائه منها ما دون في كتب ومنها ما لا علم لنا به فلكل نبي رسالة بلغها قومه قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: ٢١٣) وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (آل عمران: ١٨٤). والكتب المدونة: هي التوراة التي نزلت على موسى، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: ٤٤).

стр. 63

وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (الأنعام: ٩١). ومن الكتب المبينة أيضًا الإنجيل الذي نزل الله على عيسى قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٤٦) ومن الكتب المنزلة أيضًا الزبور الذي نزله الله على داود ﵇ قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (النساء: ١٦٣) ومنها صحف إبراهيم وموسى قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ٣٦: ٤٢). وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: ١٥: ١٩). عن أبي ذر ﵁ قال: ((قلت: يا رسول الله ٣١:١٦ما كانت صحف ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالًا كلها، أيها الملك المصلى المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم؛ فإني لا أردها وإن كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله، أن يكون له ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعةٌ يتفكر فيها في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعنًا، أي: مقرًّا- إلا لثلاث، تزود لمعاد أو لمعاش، أو لذة في غير مُحَرَّم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه، قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى ﵇؟ قال: كانت عبرًا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو

стр. 64

يفرح، عجبت لمن هو أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجبتُ لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها، ثم اطمأن إليها عجبت لمن أيقن بالحساب غدًا، ثم لا يعمل، قلت: يا رسول الله، أوصني قال أوصيك بتقوى الله؛ فإنها رأس الأمر كله، قلت: يا رسول الله زدني، قال: عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله فإنه نور لك في الأرض، وزخر لك في السماء، قلت: يا رسول الله، زدني، قال: إياك وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب، ويذهب بنورِ الوجه، قلت: يا رسول الله زدني، قال: عليك بالجهاد؛ فإنه رهبانيةُ أمتي، قلت: يا رسول اللهِ زدني، قال: أحب المساكين وجالسهُم، قلت: يا رسول الله، زدني، قال: انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر ألا تزدري نعمةَ الله عليك قلت: يا رسول الله، زدني، قال: قُل الحق، وإن كان مُرًّا، قال: قلت: يا رسول الله، زدني، قال ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتي، ثم ضرب بيده على صدره، فقال: يا أبا ذر لاعقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق)) الحديث رواه ابن حبان في صحيحه واللفظ له، ورواه الحاكم أيضًا في (مستدركه)، وقال: صحيح الإسناد. ثم القرآن الكريم: وهو آخر الكتب السماوية نزولًا قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ٢: ٤). مزايا القرآن: وللقرآن الكريم مزايا تميز بها عن الكتب السماوية التي تقدمته. من هذه المزايا: أنه تضمن خلاصة التعليم الإلهية التي تضمنتها التوراة، والإنجيل، وسائر ما أنزل الله من وصايا، وأنه مؤيدٌ للحق الذي جاء بها من عبادة الله

стр. 65

وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ووجوب إقامة الحق، والتخلق بمكارم الأخلاق. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨). أي: أن الله أنزل القرآن الكريم على النبي الكريم ﷺ مقترنًا بالحق في كل ما جاء به، ومصدقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية التي أنزلها الله على الأنبياء السابقين، ورقيبًا عليها يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل فيها من تحريف وتصحيف، ثم يأمر الله نبيه أن يحكم بين الناس مسلمين وكتابيين بما أنزل الله في القرآن، متجنبًا أهواءهم، وأنه سبحانه جعلَ لكل أمةٍ شريعة وطريقةً في الأحكام العملية تناسب استعدادها، أما أصول العقائد والعبادات والآداب والحلال والحرام وما لا يختلف باختلاف الزمان والمكان فإنها واحدة في الأديان كلها. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (الشورى: ١٣). ثم نسخت الأحكام العملية السابقة بالشريعة الإسلامية والأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمانٍ ومكانٍ هي شريعة الإسلام، وأصبحت العقيدة واحدة والشريعة واحدة للناس جميعًا. ٢ - الأمر الثاني: من خصوصيات القرآن الكريم: وما تميز به عن كل الكتب السابقة: أن تعاليم القرآن، هي كلمة الله الأخيرة لهداية البشر أراد الله لها أن تبقى على الدهر، وتخلد على الزمن فصانها من أن تمتد إليها يد التحريف، أو التصحيف، أو التغيير، أو التبديل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١: ٤٢).

стр. 66

وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) والغاية من ذلك: أن تبقى حجة الله على الناس قائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. أيضًا من مميزات القرآن الكريم: أن هذا القرآن الذي أراد الله له الخلود لا يتصور أن يأتي يوم يصل فيه العلم إلى حقيقة تتعارض مع حقائقه، فالقرآن كلام الله، والكون عمل الله، وكلام الله، وعمله لا يتناقضان أبدًا، بل يصدق أحدهما الآخر؛ ومن ثم فقد جاءت الحقائق العملية مصدقة لما سبق به الكتاب تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣). أيضًا الله يريد لكلمته أن تذاع، وتصل إلى العقول والأسماع، وتتحول إلى واقع عملي، ولا يتم ذلك إلا إذا كانت ميسرة للذكر والحفظ والفهم؛ ولهذا جاء القرآن سهلًا، ليس فيه ما يشق على الناس فهمُهُ، أو يصعب عليهم العمل به. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧). ومن تيسيره: أن حفظه الرجالُ والنساء، والصغار والكبار، والأغنياء والفقراء ويرددونه في البيوت، وفي المساجد، ولا تزال أصوات القراء تدوي به في كل ناحية، ولا نعلم أن كتابًا من الكتب غير القرآن نال من هذه الميزة بعدما اختص به القرآن الكريم، والقرآن بهذا لا يساميه، أو لا يقاربه كتاب آخر في تأثيره، وهدايته، ولا في موضوعه، وسمو أغراضه؛ ومن ثم كان خير الكتب وأفضلها على الإطلاق. أما التوراة فحرفت، إننا نؤمن بأن التوراة نزلت على موسى، وأن ذلك ركن من أركان الإيمان عندنا، وقد أخبر الله أن فيها هدى ونور، وأثنى عليها بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٨) إلا أن

стр. 67

هذه التوراة التي نزلت على موسى ﵇ غير موجودة بالمرة الآن، كما هو مسلم به عند الجميع. أما التوراة المتداولة الآن: فقد قام بكتابتها أكثر من كاتب، وفي أزمان مختلفة، وقد دخلها التحريف. يقول المرحوم الأستاذ الكبير محمد فريد وجدي: ومن أدلة التحريف الحسية أن التوراة المتداولة لدى النصارى تخالف التوراة المتداولة عند اليهود انتهى، وقد أثبت القرآن هذا التحريف، ونهى على اليهود التغيير والتبديل الذي أدخلوه على توراتهم قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥). فهم تجرأوا على كتاب الله فحرفوه، ليخفوا ما فيه من الحق، ونسوا قدرًا مما ذكرهم الله به في التوراة؛ فالذي عندهم من التوراة الصحيحة هو بعضها فقط قال تعالى: ﴿مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (النساء: ٤٦) وهو دليل على صحة نقض القرآن للتوراة المتداولة، وأنها ليست كلها هي توراة موسى التي جعلها الله نورًا وهدى، ما جاء في التوارة من وصف الله بما لا يليق بجلاله وكماله؛ ففي سفر التكوين ٣: ٢٢ وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد سار كواحد منا عارفًا بالخير والشر، وفيه ستة ستة أيضًا فحزن الرب أنه عمل الإنسان، وتأسف في قلبه، فهل يعقل أن هذا من كلام الله؟ وهل يصح أن ينسب إليه الحزن والأسف على شيء عمله؟!. وكذلك ما جاء فيها مما يمس شرف الأنبياء، ويتنافى مع ما لهم من عصمة ومكانة رفيعة، وخلق متين، فقالوا عن إبراهيم ﵇: إنه كذاب وأن لوطًا زنا بابنته، وهارون دعا الإسرائيليين إلى عبادة العجل، وداود زنى بزوجة أوريا، وسليمان عبد الأصنام إرضاءً لزوجته، فهل ثمة دليل على التحريف أقوى من هذا؟ لقد

стр. 68

اضطر النقاد من مصلحي اليهود أنفسهم إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، وأن التوراة قد حرفت، وقد أورد مذهبهم حاخام باريس وجوليان ويل في كتابه (اليهودية). تحريف الإنجيل والإنجيل الذي نزل الله على عيسى ﵇ هو مثل التوراة التي نزلت على موسى ﵇ كلاهما كلام الله، وفي الإنجيل أيضًا هدى ونور، إلا أن الإنجيل أيضًا قد لحقه ما لحق التوراة من التحريف والتبديل والتغيير قال تعالى: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائدة: ١٤، ١٥). ويكفي لصحة التدليل على التحريف في الأناجيل المتداولة بأيدي النصارى الآن أنها أربعة، اختيرت من نحو سبعين إنجيلًا، وهذه الأناجيلُ تناولت الكتابة عن سيرة سيدنا عيسى ﵇ ومؤلفوها معروفون وأسماؤهم مكتوبة عليها، وقد قَرَّرَ نقادُ المسيحيين أنفسهم أن عقائد الأناجيل هي رأي بولس دون سائر الحواريين، ودون أقرب الأقربين إلى عيسى ﵇ وقد وجد في مكتبة أميرٍ من الأمراء في باريس نسخة من إنجيل برنابا، وقد طبعتُهُ مطبعة المنار بعد ترجمته إلى العربية وهو يخالف الأناجيل الأربعة مخالفةً كبيرة. ثم قال الشيخ سيد سابق تحت عنوان: (معنى تصديق القرآن للكتب السابقة):وإذا كان التحريف في التوراة والإنجيل ثابتًا ثبوتًا حقيقيًّا لا ريب فيه بنص القرآن من جهة، وبالأدلة الحسية من جهة أخرى، فما معنى أن القرآن جاء مصدقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية؟ أقول: معنى ذلك أن القرآن جاء مؤيدًا

стр. 69

للحق الذي ورد فيها، كما سبقت إليه الإشارة من عبادة الله وحده، والإيمان برسله والتصديق بالجزاء، ورعاية الحق والعدل، والتخلق بالأخلاق الصالحة، وهو في الوقت ذاته مهيمنًا عليها ومبينًا ما وقع فيها من أخطاء وأغلاط، وتحريف، وتصحيف، وتغيير، وتبديل. وإذا انتفت هذه الأخطاء التي أدخلها رجال الدين على الكتب السماوية وزورها على الناس باسم الله ظهر الحق، واستبان، والتقى القرآن مع التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (المائدة: ٦٨) وإقامتها لا تتحقق إلا بعد تطهيرها من الزيف، والزيغ، والتحريف، والتصحيف، والتبديل. وتحت عنوان "الطريق إلى الحقيقة" قال: إن من يبتغي الحق، ويريد الوصول إلى التعاليم الإلهية الصحيحة لا يجد أمامه غير القرآن الكريم؛ فهو الكتاب الذي حُفِظَت أصولُه، وسلِمَت تعاليمه، وتلقته الأمة عن محمد ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله الأمر الذي لم يتوفر لكتاب مثله وأنه الجامع لأسمى المبادئ، وأقوم المناهج وخير النظم، وأنه الحافل بكل ما يحتاج إليه البشر من حيث العقائد والعبادات والآداب والمعاملات، والنظم، وإنه الكفيل بِخَلْقِ الفرد الكامل والأسرة الفاضلة، والمجتمع الصالح، والحكومة العادلة، والكيان القوي الذي يقيم الحق والعدل، ويرفع الظلم، ويدفع العدوان، وأنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الخلافة في الأرض، ووراثة الأرض. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥: ١٦) هذا

стр. 70

فيما يتعلق بالإيمان بالله تعالى بأنه أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله وآخر هذه الكتب هو القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه ولم يكل حفظه لأحد من خلقه قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ومن متعلقات الإيمان الإيمان بالرسل، وهو أن نؤمن بأن الله تعالى: اختار رسلًا من خَلْقِهِ يبلغوا رسالاته إلى عباده، وأن آخرهم سيدنا محمد ﷺ هؤلاء الرسل لكل أمة رسول ورسولنا محمد ﷺ رسول للدنيا كلها وللخلق أجمعين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧). وتجب العصمة لهؤلاء الرسل، ونؤمن بأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات؛ دليلًا على صدقهم، وأن هؤلاء الرسل كلٌّ منهم له مقامٌ عند ربه، ومنهم خمسة يعرفون بأولي العزم من الرسل، وهم سيدنا نوح ﵇ وسيدنا إبراهيم ﵇ وسيدنا موسى ﵇ وسيدنا عيسى ﵇ ونبينا وسيدنا محمد ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٦٣: ١٦٥). أما أولو العزم: فجاء في آخر آية من سورة الأحقاف الإشارة إليهم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف: ٣٥). أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 71

الدرس: ٥ أثر الإيمان في حياة الأمة .

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (أثر الإيمان في حياة الأمة) من آثار الإيمان: ترابط المسلمين وتآخيهم، وصيانة الأعراض، والحياء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: أثر الإيمان في حياة الأمة: إن للإيمان أثر عظيم في حياة الأمة؛ إذ الإيمان هو المحرك الأساسي لحياة الأمة، وهو الطاقة التي تنتشر في كيانها، فالإيمان يدعو إلى كل خير وينهى عن كل شر؛ لأن من يؤمن بالله تعالى حقًّا يقوم بأوامر الله، وينتهي عن كل ما نهى الله تعالى عنه، أي: يلتزم بشرع الله الذي أنزله الله تعالى على رسوله في كتابه الكريم، وبما شرعه الحق أيضًا على لسان نبيه الكريم سيدنا محمد ﷺ . فالإيمان عندما يحيا في النفوس تجد النفوس حيية طيبة كريمة تعمل الخير وتسعى إلى الخير لكل الناس فالمؤمن حيي كريم يحافظ على الناس وعلى أموال الناس وعلى أعراض الناس وعلى أنفس الناس، وهناك أحاديث من خلالها نعرف أثر الإيمان على حياة الأمة وهي أحاديث كثيرة من خلالها نعرف أوصاف المؤمن الحق في نفعه لأمته وللبشرية جمعاء من هذه الأحاديث ومن أوائلها حديث شعب الإيمان إذ هذا الحديث جعل للإيمان خصالًا يتخلق بها المؤمن سميت شعبًا، والشعبة هي الخصلة هذه الشعب، أي: الخصال كلها داعية للخير، وأخلاق نبيلة عالية فاضلة نابعة من هذه الشعب منها مثلًا الحياء، ومنها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول المسلم: لا إله إلا الله. روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان)) وفي رواية: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).

стр. 73

من آثار الإيمان: أن المؤمن يقف بجوار أخيه المؤمن عند الشدائد ويكون معه في السراء والضراء إن أصابه خير هنأه، وإن أصابته مصيبة عزاه إن احتاج أعطاه؛ فالمؤمن للمؤمن كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. قال ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ وروى البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود في (سننه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه)). وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) رواه ابن ماجه بإسناد حسن. قال ذلك السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الثاني ص ١٨٤: ومن آثار الإيمان في نفس المؤمن أنه هين لين، يألف إخوانه، ويألفوه، ويتودد إليهم، ويتقرب لهم يحبهم ويحبونه، يقدم لهم النفع والخير، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، ولا خير في من لا يقدم النفع إلى الناس، ولو بالكلمة الطيبة، والنصيحة المفيدة؛ فخير الناس أنفعهم للناس. روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يألف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف)). وروى الدارقطني في الأفراد والضياء في المختارة عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يألف ويؤلف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس)).

стр. 74

وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس)) قال السيوطي: حديث حسن. وقال ﷺ : ((المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه اشتكى كله وإن اشتكى عينه اشتكى كله)) رواه مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير ﵄ وقال ﷺ ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) رواه أحمد ومسلم. إن أثر الإيمان في حياة الأمة أثر عميق؛ فمن آثاره: أنه يحافظ على الأعراض فترى المؤمن يغار لعرضه، وعرض إخوانه؛ فلا يقبل الفاحشة على نفسه، ولا على أهله، ولا على إخوانه المؤمنين، والمجتمع الذي يغار أهله من أجل العرض مجتمع نقي طاهر بعيد عن الفواحش كل البعد وبعيد عن الخنا والزنا، وعن كل ما يخدش الحياء. روى الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يغار، والله أشد غيرةً؛ إن المؤمن راض بقضاء الله وقدره، صابرٌ على ما يقع به من الله، يحمد الله تعالى على كل حال، إن كان في خير شكر، وإن كان في ضراء صبر، وأمره كله خير)). قال ﷺ : ((المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله)) رواه النسائي عن ابن عباس وروى البخاري بسنده أن رسول الله ﷺ قال: ((عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا لله، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن)) وروى أبو نعيم في (الحلية) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ -

стр. 75

قال: ((المؤمن منفعة إن ماشيته نفعك، وإن شاورته نفعك وإن شاركته نفعك، وكل شيء من أمره منفعة)) رواه السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الثاني ص١٨٥ وروى البيهقي بسنده عن مكحول مرسلًا، أي: حديث مرسل أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمنون هينونَ لينونَ، كالجمل الأنف إن قِيْدَ انقَادَ، وإذا أُنيخَ على صخرةٍ استَنَاخَ)). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبخاري في الأدب المفرد، قال ذلك السيوطي في (الجامع الصغير) الجزء الثاني ص١٨٥. ولقد ذكرنا سابقًا أن من أثر الإيمان أن يشيع الحياء في المجتمع، وسنقف وقفة مع حديث الحياء. روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان وفي رواية الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)). إن الحياء خلق كريم يدعو إلى فعل الطيبات، والبعد عن المنكرات، خلق يبعث على فعل الفضائل، والتحلي عن الرذائل؛ ولهذا دعا ﷺ إليه في أحاديث كثيرة غير هذا الحديث من هذه الأحاديث أن رسول الله ﷺ : ((مر على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال له ﷺ : دعه؛ فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)) وفي رواية: ((الحياء خير كله)). وجاء في الحديث أيضًا أن النبي ﷺ قال: ((إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلامِ الحياء)) وقال ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع
следующие страницы →