← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10120

الحديث الموضوعي - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (الدعوة إلى التواضع ، والتحذير من الكبر) الدعوة إلى التواضع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: إن الإسلام دعا إلى التواضع وحبب فيه، وجاء في التواضع آيات قرآنية كريمة دعت إليه ورغبت فيه، لقد دعي رسول الله ﷺ إلى أن ينخفض جناحه للمؤمنين، وهي دعوة لكل مسلم ومسلمة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥). ودعا رسول الله ﷺ إلى التواضع في أحاديث كثيرة، وبين ﷺ أن المسلم لا يزيده التواضع إلا عزًّا، وأن المتواضع قريب إلى الله قريب إلى الناس، وذكر ﷺ أن الله تعالى أوحى إليه أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد عن أحد، وبين ﷺ أن المسلم يتواضع لأخيه المسلم فلا يحقره ولا يستصغره؛ قال ﷺ : ((المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره؛ كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه)). ولقد ذكرت سابقًا أن القرآن الكريم نزلت به آيات كريمة دعت إلى التواضع للناس؛ من هذه الآيات الآية التي ذكرتها آنفًا وهي قول الحق : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤) فبينت هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يحب أناس من المؤمنين ويحبونه؛ قدم محبته لهم على محبتهم إياه، وبين أن أهم وصف لهم أنهم متواضعون لله؛ فهم أذلة على المؤمنين؛ أي متواضعون للمؤمنين، وأعزة وأشداء على الكفار.

стр. 317

وهذا ما ورد أيضًا في قوله تعالى في سورة "الفتح": ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿(الفتح: ٢٩) فهم كما ترى أشداء على الكفار رحماء بينهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣). فالناس من أب واحد هو آدم ﵇ وأم واحد هي حواء زوجة آدم؛ إذًا يجب التواضع لكل خلق الله؛ إذ كلهم لآدم، وآدم من تراب قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: ٣٢)، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: ٤٨، ٤٩). ولقد ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) أحاديث جاءت في التواضع، نذكرها كما رواها، قال ﵀ باب: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، ثم قدم للأحاديث بآيات قرآنية نزلت في التواضع ذكرتها فيما سبق، وإليكم الأحاديث كما ذكرها في هذا الكتاب: يقول الإمام النووي عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد)) رواه مسلم في (صحيحه). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) رواه مسلم.

стр. 318

وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله. حديث متفق عليه؛ أي كان ﷺ من تواضعه الجم يسلم حتى على الصبيان في الطرقات. وعن أنس أيضًا ﵁ قال: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة -يريد المرأة- لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. رواه البخاري؛ أن يمشي مع الأمة التي تريد أن يمشي معها ليقضي لها حاجتها. وعن الأسود بن يزيد ﵁ قال: سئلت عائشة ﵂ ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته قالت: كان يكون في مهنة أهله -يعني خدمت أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. وعن أبي رفاعة تميم بن أسيد ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأوتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها. هذا هو تواضعه ﷺ يقطع الخطبة ليجلس بجوار رجل يعلمه أمور دينه، ثم بعد ذلك يعود لإكمال خطبته ﷺ حديث صحيح رواه الإمام مسلم في (صحيحه). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال ﷺ : ((إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى)) يذهب الأذى عنها ينفضها من الأذى والتراب، ثم بعد ذلك يأكلها، هذا من باب التواضع يقول ﵊: ((إذا سقطت لقمة أحدكم -يعني وقعت منه على الأرض- فليمط -أي فليزل عنها الأذى- وليأكلها ولا يدعها للشيطان)) وأمر أن نسلت القصعة يعني نأكل من القصعة حتى آخرها؛ قال: ((فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)) رواه

стр. 319

مسلم، قد تكون البركة في الطعام في آخر لقمة يأكلها الإنسان أو في اللقمة التي سقطت منه، أو في آخر ملعقة في آخر الصحفة فكان ﷺ يأمر أصحابه بأن يسلتوا القصعة أن يأكلوا ما فيها حتى آخرها. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم)) قال أصحابه: وأنت، فقال: ((نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) رواه البخاري، نعم رعيت الغنم على قراريط؛ يعني على أجر معلوم لأهل مكة، ورعي الغنم يعلم الصبر ويعلم التواضع، فما من نبي من أنبياء الله كما جاء في هذا الحديث إلا ورعى الغنم، ونبينا ﷺ رعاها على قراريط لأهل مكة. وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي ﷺ قال: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت)) والكراع والذراع هو شيء بسيط من اللحم، فذراع الشاة معروف، والكراع هو اللحم الذي يكون فوق ظلف الشاة يسمى بالكراع، وهو شيء قليل، ولكن لتواضعه ﷺ الذي يريد أن يعلمه للدنيا كلها يقول: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)) يعني يجيب الدعوة ولو كانت يسيرة، ويقبل الهدية ولو كانت يسيرة. وعن أنس ﵁ قال كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء؛ وهذا اسم ناقته ﵊ لا تُسبق؛ إذا مشت مع النوق تسبق كل الجمال، أو يقول أنس: أو لا تكاد تسبق، فجاء إعرابي على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين؛ يعني حزن المسلمون كيف تسبق ناقة رسول الله ﷺ فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه ﷺ فيهم فطمأنهم فقال: ((حق على الله إلا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)) هذا هو التواضع الذي علمه ﷺ لأصحابه. وعن التواضع كتب الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه (الأخلاق الإسلامية وأسسها) كتب تحت عنوان؛ فضل التواضع ابتغاء مرضاة الله، وإذ

стр. 320

حرمت النصوص الإسلامية الاستكبار بغير حق، وأبانت أن الكبر من قبائح أخلاق الإنسان حثت على التواضع؛ ابتغاء مرضاة الله ورغبت فيه، وأبانت أن من تواضع لله كافأه الله على تواضعه برفعه قال ﵊: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) وهذا من سنن الله في عباده. كما أن من استكبر وتعالى على خلق الله أذله الله، ومن الملاحظ أن الناس يحبون المتواضع ويألفونه، ويكرهون المستكبر ويأنفون عنه ولا يألفونه، والسر في ذلك أن المتواضع ينزل نفسه إلى مستوى جلسائه فيعيش معهم بوداعة وانطلاق، ويعيش معهم ويعيشون معه بمثل ذلك فيتم بينه وبينهم الألفة والوئام، وذلك يولد المحبة بخلاف المستكبر فإنه يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه فيعيش وحده في جو نفسي متعاظم، ويحيط نفسه بسياج شائك لا وداعة فيه ولا انطلاق، وحين يرى جلساؤه ومعاشروه ذلك منه يبتعدون عنه بنفوسهم فلا يألفونه، ويرونه يضع نفسه فوقهم فيكرهونه، فكلتا الثمرتين من النتائج الطبيعية لكلا العملين، يضاف إلى ذلك أن المتواضع لا يثير في الناس دافع المنافسة فيكون مألوفًا محبوبًا بخلاف المستكبر فهو يثير في الآخرين دافع المنافسة بقوة فيكون مكروهًا غير مألوف للنفوس، لا سيما إذا كان هو في نظرهم دون المكانة التي يرفع نفسه إليها. ولما كان التواضع من الأخلاق التي تملك القلب بالمحبة أمر الله رسوله بأن يخفض جناحه للمؤمنين مع أنه ﷺ رفيع المكانة في نفسه، عظيم المنزلة عند الله تعالى، فقال الله تعالى له في سورة "الحجر" ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: ٨٨)، فكان -صلوات الله وسلامه عليه- يخفض جناحه للمؤمنين؛ فلا يتعاظم عليهم، ولا يستكبر، ويجلس بينهم كواحد منهم حتى يدخل عليه وهو في أصحابه من لا يعرفه فيقول: أيكم محمد؟ وربما كانت توقفه الأمة، وتأخذ بيده

стр. 321

ليقضي حاجة لها؛ روى البخاري عن أنس قال: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، ولقد مر ذلك الحديث قريبا. وكان من تواضعه ﷺ تحيته إلى الصغار بالسلام والمسح على رءوسهم ووجوههم؛ روى البخاري ومسلم عن أنس أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي ﷺ يفعله، وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى -أي صلاة الظهر- ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنه أخرجه من جونة عطار، ومعنى من جؤنه عطار أو جونة عطار؛ أي من السلة التي يضع فيها العطار عطره. ولما كان للتواضع من أثر اجتماعي كبير أوحى الله تعالى إلى رسوله بأن يأمر المسلمين بأن يتواضعوا، وقد سبق الحديث الذي رويته لكم؛ وهو قوله ﵊: ((إن الله أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)). ومن تواضع الرسول ﷺ وسماحة نفسه -صلوات الله عليه- أنه كان يشارك أهله في البيت في مهنة البيت وفي عمل البيت، وإذا جاء وقت الصلاة ترك ما في يده وذهب إلى المسجد، وخرج إلى الصلاة كأنه لا يعرف أحد ولا يعرفه أحد؛ روى البخاري عن الأسود بن يزيد ﵁ قال سألت عائشة ﵂ ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته قالت: كان يكون في مهنة أهله -يعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، تقول في رواية: هرع إلى الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، ومعنى في مهنة الله؛ تعني في خدمة أهله.

стр. 322

ومن تواضع الرسول ﷺ أنه ما كان يستكبر عن طعام يُدعى إليه مهما قل أو مهما قلت قيمته؛ يجيب الداعي إذا دعاه ولو كانت الدعوة يسيرة، ويقبل الهدية ولو كانت يسيرة. التحذير من الكبر لقد حرم الله تعالى الكبر وحذر منه، وبين الحق أنه وحده له العظمة والكبرياء، فلا يحق لمخلوق أن ينازعه في عظمته وكبريائه، والتكبر على الناس وازدراؤهم والاستعلاء عليهم وغمط حقوقهم -أي إنكار ما لهم من حقوق- وأكل أموالهم بالباطل؛ كل ذلك حرمه الإسلام، وبينت آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة أن إبليس -عليه اللعنة- أول معصية عصاها لله تعالى كانت هي الكبر أو بسبب الكبر حيث تكبر عن السجود لأمر الله تعالى عندما أمر بالسجود لآدم ﵇ وتعالى الشيطان بجنسه وافتخر بعنصره الناري، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: ١٢) ومرة أخرى قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: ٦١)، فكان جزاؤه اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى. ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن المتكبر لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم، وإليكم ما ذكره النووي في كتاب (رياض الصالحين) تحت عنوان؛ تحريم الكبر والإعجاب، قال: قال الله تعالى: ﴿لْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣) وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ (الإسراء: ٣٧)، وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: ١٨)، ومعنى تصعر خدك للناس؛ أي تميله وتعرض به عن الناس

стр. 323

تكبرًا عليهم، والمرح التبختر، وقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص: ٧٦)، إلى قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ (القصص: ٨١) كان سبب ذلك الخسف هو تكبر قارون على الناس الذين كانوا معه. الأحاديث: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذره من كبر)) فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: ((إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر بطر الحق وغمط الناس)) رواه مسلم، المعنى: أن الجمال والتزين ليس تكبرًا فإن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر هو احتقار الناس وغمطهم وأكل حقوقهم. وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال له ﵊: ((كُلْ بيمينك)) قال الرجل: لا أستطيع، فقال له ﵊: ((لا استطعت)) هذا الرجل منعه الكبر من أن يأكل بيده، فقال له ﵊ عندما قال: لا أستطيع تكبرًا، قال له ﵊: ((لا استطعت)) دعا عليه، قال سلمة بن الأكوع: فما رفعها إلى فيه؛ يعني ما استطاع فعلًا أن يرفعها إلى فمه مرة أخرى؛ لأنه قال: لا أستطيع تكبرًا على أمر رسول الله ﷺ . وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر)) حديث متفق عليه؛ أي رواه البخاري ومسلم؛ فأهل النار هو كل عتل جواظ متكبر ومختال على الناس.

стр. 324

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((احتجت الجنة والنار -يعني فيه محاورة بين الجنة والنار كل منهما يحكي ما سيكون فيه- فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما؛ إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها)) هذا الحديث يبين أن أهل الجنة من الضعفاء والمتواضعون والمساكين، أما أهل النار فهم الجبارون المتكبرون على خلق الله. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا)) أي تكبرًا وتعاليا، الذي يجر إزاره في الأرض؛ الذي يسبله ويجره في الأرض تكبرًا على عباد الله الناس لا يجدون ما يسترون به عوراتهم وهو يجر ثيابه في الأرض جرًّا، هذا لا ينظر الله يوم القيامة إليه، قال ﷺ : ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا)) حديث متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم؛ شيخ زان -يعني رجل كبير ويزني- وملك كذاب، وعائل مستكبر)) فقير ويستكبر على عباد الله، فالعائل هو الفقير؛ هذا العائل يستكبر على خلق الله هذا العائل المستكبر لا ينظر الله إليه يوم القيامة هو والملك الكذاب -أي زعيم القوم عندما يكذب على قومه- لأنه ليس في حاجة إلى الكذب، وكذلك الشيخ الزاني؛ لأنه في غنى عن ذلك، هؤلاء لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يكلمهم، ولهم عذاب أليم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((العز إزاري، والكبرياء ردائي؛ فمن ينازعني عذبته)) رواه مسلم، الحديث برواية أخرى؛ ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي)).

стр. 325

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته إذا خسف الله به؛ فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)) حديث متفق عليه، ومرجل رأسه؛ أي ممشطه، يتجلجل بالجيمين؛ أي يغوص وينزل إلى يوم القيامة. وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ومعنى يذهب بنفسه؛ أي يرتفع ويتكبر على خلق الله تعالى، يظل يظن في نفسه أنه أفضل من الناس، وأنه أعز من الناس حتى يكتب في الجبارين، نسأل الله أن يكتبنا في المتواضعين. ولقد كتب الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة كلامًا طيبًا في كتابه (الأخلاق الإسلامية وأسسها) إليكم بعض ما كتبه تحت عنوان؛ "تحذير الإسلام من الكبر والغرور بالنفس" يقول: تبين لنا أن الكبر من أقبح الانحرافات الأخلاقية وأسوءها، وأنه قد يدفع بصاحبه إلى جحود خالقه والاستكبار على طاعته كما فعل إبليس -لعنه الله- ولذلك شدد الإسلام في تحريم الكبر وحذر منه، وشدد اللائمة على المستكبرين وأوعدهم بالعقاب الشديد، كما رغب بالتواضع وحث عليه، ومجد المتواضعين وأثنى عليهم، ووعدهم بالثواب الجزيل، وفيما يلي طائفة من النصوص الإسلامية في هذا المجال: روى الترمذي بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون)) قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون؛ فما المتفيقهون؟ قال:

стр. 326

((المتكبرون)) والمتشدقون هم الذين يتكلمون بملء أفواههم، ويتصنعون القول تصنع مع التعاظم به، والتعالي على الناس فيرجع إلى دافع الكبر. ومن هذا الحديث نلاحظ أن أبغض المؤمنين إلى رسول الله ﷺ وأبعدهم منه مجلسًا يوم القيامة هم المتكبرون. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحد منهما قذفته في النار)) فالعقوبة الأخروية المقررة لمن ينازع الله ﵎ في صفتيه الكبرياء والعظمة أن يقذف في النار، وثبت في حديث مسلم وقد رويناه سابقًا ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)). والمتواضعون أيها الإخوة هينون لينون، فالمتواضع لله هين لين لذلك جاء وصف المؤمنين ووصف المؤمن؛ روى الترمذي مرسلًا عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استنخ)) هين لين ليس فيه كبر ولا استعلاء، وإنما هو الجمل الذي يسهل انقياده وإن أنيخ استناخ. وروى الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: ((يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)) إذلالًا لهم يأتون كالذر لا قيمة لهم، والذل عليهم يأتيهم من كل مكان، ويساقون سوقًا إلى سجن في جهنم أعد لهم تعلوهم النار، نار فوق نار فوق نار، ويسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال. وروى الترمذي، عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه -أي تعالى بنفسه- ويظن في نفسه أنه جنس آخر حتى

стр. 327

يكتب في الجبارين فيصيبه ما يصيب الجبارين)) أي لا يزال يذهب بنفسه مستكبرًا منتفخًا متعاليًا على خلق الله متعاظمًا بنفسه حتى يرى أنه فوق الناس في خصائصه الفكرية، أو في خصائصه الجسدية، أو في أعراقه وأمجاده، أو في أتباعه وأولاده، أو في أمواله وأجناده، أو في مكانته في قومه، ويظل يتعالى بنفسه حتى يطغى ويكون جبارًا من الجبارين وعندئذ يقسمه الله . إن هذا الحديث يصور حالة تدرج المستكبر في سلم الاستكبار والانتفاخ حتى يكون جبارًا من الجبارين، وأنه في أول حاله قد لا يكون كذلك، وهذا ما يشاهد في بعض الناس حينما يملكون بعض القوى المادية التي تمكنهم من بسط سلطانهم في الأرض أنهم يبدءون بداية صغرى، ثم يترقون في درجات الكبر درجة بعد درجة حتى يبلغوا الدرجة القصوى، والسبب في ذلك تزايد عامل الغرور بالنفس حينما تساعدهم الظروف على التسلط، وينفخ في رءوسهم المتملقون والمنافقون والمداحون. وروى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر)) العتل هو الجافي شديد الخصومة بالباطل، والجواظ هو الجموع المنوع، أو هو المختال المتكبر، أو هو الفاجر. وروى مسلم بسنده في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب إليم؛ شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) وقد مضى الحديث سابقًا، ونذكر تعليق الشيخ عبد الرحمن حبنكة عليه فنقول: قال: أي فقير مستكبر لماذا؟ قال: وذلك لأن الفقير من شأنه أن يخفض الجناح، ولا يستكبر مع فقره إلا من ازداد لديه خلق الكبر زيادة جعلته منطمس البصيرة عن إدراك واقعه الذي

стр. 328

يقتضي منه ألا يكون مستكبرا، فهو مع فقره يستكبر على الناس فدل الكبر هنا على أنه شيء تأصل فيه، وأنه بالغ في ذلك الوصف حتى نسي نفسه ونسي أنه فقير محتاج. وأبان الله ﵎ أنه لا يؤمن بآيات الله عند تذكيره بها إلا الذين يخضعون لربهم، ويسبحون بحمده، وهم لا يستكبرون؛ فلا يمنعهم كبر في صدورهم عن الخضوع لله والتسبيح بحمده، فالمتكبر هو الذي يأنف أن يسجد لله، ويتكبر على أن يحمد الله، هذا المتكبر لا يأمن بآيات الله إذا ذكر بها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (السجدة: ١٥، ١٦) صدق الله العظيم، فدل بهذا على أن عامل الكبر أخطر العوامل الصارفة عن الإيمان بالله وبآياته. وأثنى الله تعالى على الملائكة بأنهم لا يستكبرون عن عبادة ربهم؛ فقال ﵎ في سورة "الأعراف": ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٦)، وقال تعالى في سورة "النحل": ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: ٤٩، ٥٠) فأظهر وصف هنا في هذه الآيات للملائكة أنهم وصفوا بأنهم غير متكبرين، لا يستكبرون عن عبادة الله، ولا عن الخضوع والسجود لله، فهم متواضعون وهكذا يجب أن يكون شأن المسلم. وروى مسلم في (صحيحه) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبه من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)) فدلت هذه الأقوال النبوية على أن

стр. 329

المستكبرين أبعد الناس عن الجنة، وأن الكبر والكفر قرينان؛ إذ لا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من خردل إيمان، ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولكن ليس المراد من الكبر ما يشمل رغبة الإنسان بأن يكون مظهره أنيقًا ولباسه حسن، بل المراد منه كما فسره الرسول ﷺ بطر الحق وغمط الناس، وقد سبق تفسير هذا التعريف النبوي؛ ففرق الرسول ﷺ بين الكبر وبين المظاهر الجميلة التي قد يدفع إليها الكبر وقد يدفع إليه حب الجمال والرغبة في الأناقة، وعندئذ لا تكون من قبل الكبر ولا دالة عليه. والكبر الذي يحرم المستكبر من دخول الجنة؛ هو الكبر عن الإيمان بالله، وبما جاء من عنده وبكل ما أمر بالإيمان به، وكذلك الكبر عن طاعة الله، وكل أمر من أوامر الله، أما كبر الناس على الناس دون أن يؤثر ذلك على قضيتي الإيمان والطاعة لله فهو من المعاصي الكبرى ومن الكبائر؛ إلا أنه لا يخرج صاحبه من دائرة الإيمان والإسلام إلى دائرة الكفر والحرمان من دخول الجنة؛ فهو مسلم عاص، وأمره إلى الله . وسبق أن ذكرنا أن الإمام مسلم روى عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: ((احتجت الجنة والنار)) احتجت الجنة بأنه لا يدخلها إلا الضعفاء والمساكين واحتجت النار بأنه يدخلها الجبارون والمتكبرون، فبين الله أن الجنة رحمته يدخل فيها من يحب من عباده، وأن النار عذابه يعذب بها من يشاء من عباده، فدلت النصوص على أن الكبر داء يجر إلى أوخم العواقب، والكبر له أثر سيئ على سلوك صاحبه فيتولد عن داء الكبر أنواع قبيحة من السلوك الداخلي والخارجي، فالمستكبر قد يجحد الحق الذي لغيره ولا يعترف له به؛ لأنه لا يريد أن يخضع لغيره، أو لا يريد أن يفوق عليه أو يساويه أحد في الامتياز، وحين لا

стр. 330

يملك تغيير الواقع فما عليه إلا أن يسطره بغمطه وجحوده وتنقيصه وبالتعالي عليه في تصرفات وأعمال من شأنها أشعار الآخرين بأنه ذو امتياز أسمى مما لغيره. وقد يصل المستكبر إلى مستوى بالغ في الإجرام؛ إذ يعمل على قتل ما لذي غيره من خصائص تمتاز على ما لديه منها، أو قتل غيره وصرفه عن الوجود نهائيًّا حتى لا يكون له منافس، ومتى تمادت الأنفس في استكبارها وغرورها أصابها مس من الطغيان، وكان كبرها أشبه ما يكون بالطوفان، وطوفان الكبر قد يصل في أقصى مده إلى جحود الله، والاستكبار عن عبادته وطاعته، وتحدي قوته وقدرته وجلاله وقهره لعباده، ويقف في أدنى مده عند حدود احتقار الناس والازدراء بهم واستصغارهم، والاستهانة بما عندهم، والتعالي عليهم، والغرور بالنفس ينفخ في صدور المستكبرين حتى يروا أنفسهم عظماء كبراء وهم في واقع حالهم صغار جدًّا، إن شعورهم حول أنفسهم شعور هوائي صنعته الأوهام لا يصاحبه نماء حقيقي فيما تملكه ذات المستكبر من خصائص وقوى معنوية أو مادية وربما يغشي الكبر عن البصائر فيعميها عن رؤية الحق حقًّا والباطل باطلًا، ومن أجل ذلك تتمادى في طغيانها وما يزال الغرور بالنفس ينتفخ وينتفخ وتنتفخ النفس به حتى تنفجر وتتمزق، أو تصطدم بما يهشمها ويحطمها ويمزقها، وهذا من السنن الربانية الدائمة التي نرى شواهدها في الواقع الإنساني سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا. ومن آثار الكبر في السلوك الظاهر الهزء والسخرية بالآخرين، واحتقار الناس وإزدرائهم، وحركات الغمز والهمز واللمز والتعبير والتنقيص، وقد يكون من آثاره أيضًا الغيبة وفضح العيوب وكشف نقائص، الناس ومن آثاره أيضًا التبختر والخيلاء والمرح في المشية، وتصعير الخد، والإعراض عن حديث المتحدث، والنظر بشذر إلى الناس، وجر الثوب من الخيلاء، والتطاول في الجسم، والتقعر

стр. 331

في الكلام والتشدق فيه، والإجابة بحركات الوجه أو اليدين أو غيرهما من الجسم كرفع الحاجبين وغمز العين وشد الحنك ومط الشفاة وإشارة اليد وإدارة الظهر والالتفات بالعنق ورفع الرأس أو خفضه، ومن آثاره أيضًا الترفع عن مجالسة ضعفاء القوم وفقرائهم ومساكينهم، والترفع عن محادثتهم ومؤاكلتهم ومشاربتهم، ومنه التعصب للرأي والعناد على الباطل رغم وضوح الحق؛ وهكذا إلى أمور كثيرة جدًّا. وقد عالج الإسلام آثار الكبر في السلوك، ووجه إلى الآداب الإسلامية والفضائل السلوكية في هذا المجال؛ فما ترك النفوس تشرد أو تضيع، ولكن وجهها إلى التوجيه الصواب، ونورد فيما يلي طائفة من هذه المعالجة: أولًا: الاستكبار عن الإيمان بالله وعبادته: وقد أولى القرآن الكريم هذه الظاهرة من ظواهر الكبر عناية عظيمة، ووجه لها اهتمامًا كبير، وبين أن الذين استكبروا واستنكفوا عن عبادة الله هم خاطئون ومخطئون، وبين أن المسيح ﵇ كان عبدًا لله ولن يستنكف عن ذلك، وكذلك الملائكة المقربون عباد الله ولا يستنكفون -أي لا يستكبرون- عن عبادته؛ قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٧٢، ١٧٣)، وقول الله تعالى في سورة "الأعراف" ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الأعراف: ٣٦)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ

стр. 332

السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: ٤٠، ٤١). فأبان الله في هذه النصوص ما لداء الكبر من تأثير قد يبلغ بصاحبه إلى مستوى التكذيب بآيات الله وهي حق، والاستكبار عن اتباع ما جاء فيها من أوامر ونواهٍ، والاستنكاف عن عبادة الله تعالى. ثانيًا: تصغير الخد للناس والمرح ومشية الخيلاء: ولقد عرض القرآن الكريم النهي عن هذه الظاهرة من ظواهر الكبر في السلوك ضمن وصايا لقمان لابنه، وقد ذكرها الله مؤيدًا لها ومشيدًا بحكمة لقمان؛ ففي سياق ذكر وصايا لقمان لابنه يقول الحق تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمُ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: ١٧، ١٨). هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 333

الدرس: ٢٠ بر الوالدين، وصلة الرحم .

стр. 334

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (بر الوالدين ، وصلة الرحم) بر الوالدين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: إن معنى بر الوالدين هو الإحسان إليهما وطاعتهما في غير معصية الله تعالى، والتودد إليهما والرأفة بهما خاصة عند كبر سنهما، ويخاطبهما الإنسان باللين، وأن يعاملهما بالشفقة والرحمة، وأن يحسن الألفاظ التي يتعامل بها معهما؛ فلا يقول لهما كلمة نابية ولا لفظًا مؤذيًا حتى كلمة " أف " لا يقولهما لهما عند تضجر من أمر، أو عندما يشق عليه أمر في لحظة ما حتى في أحرج اللحظات لا يقل لهما " أف " ولو كان هناك كلمة أقل في الإيذاء من كلمة " أف " لذكرها الله تعالى ونهى عنها؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣، ٢٤) وجاء الأمر بالإحسان إليهما في هذه الآية بعد الأمر بعبادة الله وحده. وكذلك ما نزل في سورة " النساء " قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦). كما جاء الأمر بالإحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين في سورة " العنكبوت " قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: ٨). وفي سورة " لقمان " وسورة " الأحقاف " كانت الوصية بالبر بالوالدين والإحسان إليهما وبيان مدى التعب والمشقة والوهن التي تحملته الأم في حملها ووضعها

стр. 335

ورضاعتها له، وسهرها على راحته، ومرضها لمرضه، وفرحها لفرحه وصحته؛ قال تعالى في سورة " لقمان " ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: ١٤، ١٥). وفي سورة " الأحقاف " قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: ١٥). ولقد جاءت أحاديث كثيرة على لسان المصطفى ﷺ كلها تدعو إلى البر والإحسان إلى الوالدين؛ ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) جملة من هذه الأحاديث، فإليكم هذه الأحاديث التي جاءت تحت باب: بر الوالدين وصلة الأرحام. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: ٣٦) وذكر الآيات التي وردت في القرآن الكريم في بر الوالدين وصلة الأرحام في مقدمة الأحاديث، ثم بدأ يروي الأحاديث، فقال: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال ﵊: ((الصلاة على وقتها)) وفي رواية: ((الصلاة لوقتها)) قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين)) قلت: ثم أي؟ قال:

стр. 336

((الجهاد في سبيل الله)) حديث متفق عليه؛ أي رواه البخاري ومسلم، ذكر هنا بر الوالدين بعد الصلاة التي هي عمود الدين، والتي من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، يذكر بعد الصلاة مباشرة البر بالوالدين ليبين أهمية ذلك العمل في الإسلام. الحديث الثاني: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجزي - أي لا يكافئ ولا يقوم بحق الوالد - ولدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)) هذا هو فقط الذي يكون قد قام بحق بر الوالدين. وعنه أيضًا؛ أي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) حديث متفق عليه. وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟، قالت: بلى، قال: فذالك لك)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((اقرءوا إن شئتم)) ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٢، ٢٣). وفي رواية للبخاري ((فقال الله تعالى: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته)). وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ((أبوك))

стр. 337

حديث متفق عليه، وفي رواية أن ذلك الرجل قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك)) يعني الأقرب الأقرب بعد الأب، والصحابة بمعنى الصحبة، وقوله: ((ثم أباك)) هكذا هو منصوب بفعل محذوف؛ أي ثم بر أباك، وفي رواية: ((ثم أبوك)) وهذا واضح؛ أي يكون معطوفًا على أمك. الحديث الذي بعد ذلك: وعنه؛ أي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة)) ومعنى رغم أنفه؛ أي خاب وخسر وضاعت منه فرصة ما حصلها الذي يدرك والديه أو أحدهما عند كبرهما ولم يدخل الجنة بسبب برهما، فهذه فرصة قد ضاعت من يده، كما جاء في (مسند الإمام أحمد بن حنبل) - رحمه الله تعالى - كثيرًا من الأحاديث في هذا الموضوع؛ ألا وهو البر بالوالدين رواها الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - بسنده في (مسنده) الذي رتبه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا في كتابه (الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) جاءت أحاديث البر بالوالدين في الجزء التاسع عشر ص٣٥ من هذا (الفتح). قال - رحمه الله تعالى -: باب ما جاء في بر الوالدين وحقوقهما والترغيب في ذلك: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب أن يمد له في عمره ويزاد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه)). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)) وقد مر قريبًا.

стр. 338

وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أوصاه بعشر كلمات منها؛ ((ولا تعقن والديك إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك)) يعني لو أمرك الأب بأن تخرج من أهلك بأن تطلق امرأتك، وأن تخرج من مالك وتتركه فعليك ألا تعصهما في ذلك، وقد حدث فعل ً اأن عمر بن الخطاب ﵁ أمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته فطلقها تحت رغبة عمر أو تلبية لرغبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: جئت لأبايعك - زاد في رواية أخرى على الهجرة أي جئت لأبايعك على الهجرة - وتركت أبوي يبكيان، قال: ((فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)) وأبى ﷺ أن يبايعه، أمره بالرجوع إلى أبويه الذين تركهما يبكيان قال له: ((ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما)) وأبى ﵊ أن يبايعه على الهجرة. وعنه أيضًا؛ أي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ تحت هذه الشجرة إذ أقبل رجل من هذا الشعب؛ يعني من وادي من هذا الوادي فسلم على رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله إني قد أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة، قال: ((هل من أبويك أحد حي؟)) قال: نعم يا رسول الله كلاهما قال: ((فارجع أبرر أبويك)) قال: فولى راجعًا من حيث جاء، وعنه من طريق ثان عن عبد الله بن عمرو من طريق ثان أن رجل ً اجاء إلى النبي ﷺ يستئذنه في الجهاد، فقال: ((أحي والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ف فيهما فجاهد)). عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: هاجر رجل إلى رسول الله ﷺ من اليمن فقال له رسول الله ﷺ : ((أجرت الشرك ولكنه الجهاد هل باليمن أبواك؟)) قال: نعم قال ﵊: ((أذنا لك)) يعني أذنا لك في الهجرة وفي الجهاد قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : ((ارجع إلى أبويك فاستئذنهما فإن فعلا وإلا فبرهما)).

стр. 339

وعن معاوية بن جاهمة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: ((هل لك من أم؟)) قال: نعم، فقال: ((الزمها؛ فإن الجنة عند رجلها)) ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول. وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: ((الصلاة على وقتها)) قال: قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين)) قال: قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم الجهاد في سبيل الله)) قال: فحدثني بهن ولو استزدته لزادني؛ أي لو طلبت منه زيادة من هذه الأوامر لزادني ﷺ . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر لم يدخل الجنة)) وقد مر سابقًا وفي لفظ: ((فلم يدخلاه الجنة)). وعن أبي بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه)). وعن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي ﷺ : ((إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب)). وعن خداش بن سلام عن النبي ﷺ أنه قال: ((أوصي امرأ بأمه، أوصي امرأ بأمه، أوصي امرأ بأمه، أوصي امرأ بأبيه، أوصي امرأ بأبيه، أوصي امرأ بمولاه الذي يليه وإن كانت عليه فيه أذاة تؤذيه)). وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، من أبر؟ قال: ((أمك)) قلت: ثم من؟ قال: ((ثم أمك)) قال: قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب)).

стр. 340

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه إلا قوله: ((ثم الأقرب فالأقرب)). وعن أبي أسيد الساعدي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وكان بدري ًّ ا - أي ممن حضر غزوة بدر - وكان مولاهم قال أبو أسيد: بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ انظر إلى حرص الصحابة الكرام يسألون عن بر الوالدين بعد موتهما بعد ما يموت الأب أو تموت الأم أو يموت كلاهما هل هناك بر لهما بعد ذلك يقوم به ذلك الصحابي، ويعلم الأمة أن تقوم به بعد موتهما؟ قال له ﵊: ((نعم خصال أربعة)) يعني أربعة أشياء تكون من البر بهما بعد موتهما ((الصلاة عليهما)) والمراد بالصلاة هنا الدعاء والاستغفار لهما - وفي رواية أخرى ((الصلاة لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما)). حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يحدث أن رجل ً اأمرته أمه أو أبوه أو كلاهما، قال شعبة: يقول ذلك أن يطلق امرأته فجعل عليه مائة محرر؛ معناه أن يعتق مائة عبد إن طلق زوجته، فأتى أبا الدرداء فإذا هو يصلي الضحى يطيلها فصلى ما بين الظهر والعصر فسأل فقال أبو الدرداء: أوف بنذر وبر والديك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوالد أوسط باب الجنة؛ فحافظ على الوالد أو اترك)) أنت حر الوالد أوسط باب الجنة إن كنت تريد الجنة فحافظ على الوالد , ومن طريق ثان عن أبي عبد الرحمن السلمي أيضًا قال: أتى رجل أبا الدرداء ﵁ فقال: إن امرأتي بنت عمي وإني أحبها، وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها،

стр. 341

ولا آمرك أن تعص والدتك، ولكن أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الوالدة أوسط أبواب الجنة؛ فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع)). وعنه أيضًا من طريق ثالث قال: كان فينا رجل لم تزل به أمه أن يتزوج حتى تزوج؛ يعني أمه تعرض عليه الزواج كثيرًا حتى تزوج، ثم أمرته أن يفارقها، فرحل إلى أبي الدرداء بالشام فقال: إن أمي لم تزل بي حتى تزوجت ثم أمرتني أن أفارق، قال: ما أنا بالذي آمرك أن تفارق، وما أنا بالذي آمرك أن تمسك؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه)) قال: فرجع وقد فارقها. وعن ابن عمر ﵄ قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر - أي ابن الخطاب - يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت، فأتى النبي ﷺ يعني أبوه عمر أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله طلق امرأتك)) فطلقتها. وفي رواية عنه؛ أي عن ابن عمر أيضًا فقال ﷺ : ((أطع أباك)). وعن عياض بن مرثد أو مرثد بن عياض عن رجل منهم أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: ((هل من والديك من أحد حي؟)) قال له مرات قال: لا، قال: ((فاسق الماء)) قال: كيف أسقيه؟ قال: ((أكفهم آلتهم إذا حضروه، واحمله إليهم إذا غابوا عنه)). عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت أمي، وفي لفظ أتتني أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: أمي قدمت وهي راغبة - يعني راغبة عن الإسلام - أفأصلها. فقال رسول الله ﷺ : ((نعم صلي أمك)).

стр. 342

وعنها من طريق ثان قالت: قدمت علي أمي في مدة قريش، وفي لفظ في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ قدمت أمي مشركة وهي راغبة - يعني محتاجة ترغب في عطائ ي- فسألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة راغبة أفأصلها؟ قال: ((صلي أمك)). وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن أعرابي ًّ امر عليه وهم في طريق الحج، فقال له ابن عمر: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى، قال: فانطلق إلى حمار كان يستريح عليه إذا مل راحلته وعمامة كان يشد بها رأسه فدفعها - أي أعطاها إلى ذلك الأعرابي - فلما انطلق - أي مشى الأعرابي - قال له بعضنا: انطلقت يا بن عمر إلى حمارك التي كنت تستريح عليه وعمامتك التي كنت تشد بها رأسك فأعطيتهما هذا الأعرابي، وإنما كان يرضى بدرهم، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أبر البر صلة المرء أهل ود أبيه بعد أن يولى)) يعني بعد أن يموت الأب أن تصل الذين كان يصلهم الأب. هذا هو أبر البر. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أتى أعرابي رسول الله ﷺ فقال: إن أبي يريد أن ي ج تا ح مالي؛ يعني إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله، فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال له ﵊: ((أنت ومالك لوالدك)) وفي رواية: ((أنت ومالك لأبيك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئًا)). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم)). وبر الوالدين له ثمار طيبة حسنة في الدنيا والآخرة؛ فالبر بالوالدين يكون سببًا في إجابة الدعوة كما ورد في الحديث الصحيح في قصة الثلاثة؛ أما قصة

стр. 343

الثلاثة الذين كانوا في الغار فمشهورة محفوظة عند الجميع، فإليكم قصة أويس القرني: روى مسلم، عن أسير بن عمرو أو هو أسير بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن، قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم، قال: لك والدة، قال: نعم، قال عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)) فاستغفر لي يا أويس، فاستغفر أويس لعمر، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها، قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي؛ يعني أكون واحد عادي من الناس. فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم؛ أي من أشراف اليمن فوافق عمر، فسأله عمر عن أويس، فقال: تركته رث البيت قليل المتاع؛ يعني زاهد في الدنيا وراض ٍ بما أعطاه الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)) فأتى الرجل أويسًا، فقال: استغفر لي، قال أويس للرجل: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي، لقيت عمر، قال: نعم فاستغفر له، فاستغفر له ففطن له الناس؛ يعني الناس عرفوا قدر أويس فانطلق على وجهه خرج من بيته وهاجر المكان والبلدة التي يعيش فيها.

стр. 344

كلمة ((أمداد أهل اليمن)) هم متطوعة الجهاد الذين كانوا يأتون مددًا لجيوش الفتح الإسلامي من مختلف الجها ت، وكان اليمنيون عنصرًا مهم ًّ ايمد بالأعداد الكثيرة من المقاتلين، ((لو أقسم على الله لأبره)) أي لو حلف يمينًا قال فيه: والله ليفعلن الله هذا الأمر لأبر الله قسمه، ففعل الله ما حلف عليه أويس، " أكون في غبراء الناس أحب إلي " أي أكون في عامتهم وفقرائهم ومن لا ينظر إليه منهم أحب إلي، وهذا من تواضعه وأخلاصه العظيم ﵁ " رث البيت " الرث هو الخ َ ل ِ ق البالي من كل شيء؛ تقول: ثوب رث، ورجل رث الهيئة ومتاع رث، والجمع رثاث، " فانطلق على وجهه " أي ذهب ثم لم يعرف مكانه إخفاء لنفسه وبعدًا عن التظاهر؛ مخافة أن يدخل إلى قلبه الرياء. وأويس تابعي لم ير الرسول ﷺ ولكن الرسول ﷺ قد أخبر عنه وعن صفته قبل أن يأتي، ثم جاء مع أمداد أهل اليمن كما أخبر الرسول ﷺ فهي إحدى معجزات المصطفى ﵊. الأمر الثاني: أويس خير التابعين، ولما كان أويس هذا عظيم الإيمان عظيم الإخلاص لله كثير التقوى والبر والإحسان كان خير التابعين، وقد شهد له الرسول ﷺ بذلك كما جاء في رواية عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ((إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم)). صلة الرحم لقد أمر الإسلام بصلة الرحم، وبين ﷺ أن صلة الرحم سعادة في الدنيا، ونجاح وفلاح في الآخرة؛ روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) بإسنادهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك))

стр. 345

وقد مر الحديث قريبًا، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اقرءوا إن شئتم)) ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٢، ٢٣). ولقد مدح الحق الذين يصلون الأرحام، وبين أنهم أهل الجنة، وأنهم أولو الألباب - أي العقول - كما ذم الذين يقطعون الأرحام، وبين أن لهم اللعنة، ولهم سوء الدار؛ قال تعالى في سورة " الرعد " ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار﴾ (الرعد: ١٩ - ٢٥). وإليك ما جاء في (رياض الصالحين) من الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى صلة الأرحام وعدم قطيعتها؛ يقول النووي: عن أبي هريرة ﵁ أن رجل ً اقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال ﵊ ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) رواه مسلم. و ((تسفهم)) بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء تسفهم، و ((المل)) بفتح الميم وتشديد اللام هو الرماد الحار؛ أي كأنما أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق أكل الرماد الحار من الألم، ولا

стр. 346

شيء على هذا المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم لتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه، والله أعلم. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه)) أي أحب أن يوسع له في رزقه، وأن يؤخر له في عمره؛ فليصل رحمه، فصلة الرحم تزيد في العمر، وتكون بركة في الرزق، والزيادة في العمر قد تكون حقيقة بأن يعلق الله زيادة العمر على بره وعلى صلته لرحمه، أو أن المراد بزيادة العمر البركة في العمر؛ فإنه من البركة في العمر أن الإنسان قد تراه يعيش قليل ً اولكن يترك آثارًا طيبة عظيمة، وذكرًا يطول بعده مئات السنين. يقول الإمام النووي: ومعنى ((ينسأ له في أثره)) أي يؤخر له في أجله وعمره. وعن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مال ً امن نخل، وكان أحب أمواله إليه " بيرحاء " وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إلي " ببرحاء " وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وزخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : ((بخ - وهي كلمة تقال عند السرور - بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)) فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال: ((فهل لك من والديك أحد حي؟)) قال: نعم بل كلاهما، قال: ((فتبتغي الأجر من الله تعالى))

стр. 347

قال: نعم، قال: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)) وفي رواية لهما؛ أي للبخاري ومسلم، جاء رجل فاستأذنه في الجهاد، فقال: ((أحي والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)). وعنه، عن النبي ﷺ قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)). وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة - يعني جارية - كانت عندها ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: ((أوفعلت؟)) قالت: نعم، قال: ((أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)) لأن ذلك يكون فيه عتق وصلة رحم. وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وعنها - قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن)) قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد؛ يعني فقير لكنها لغة مهذبة من المرأة لزوجها، تقول: فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني؛ يعني أعطيك مالي صدقة، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها؛ يعني عندها مال وزوجها فقير، ولما سمعت الأمر بالصدقة تريد أن تعطي زوجها، وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة؛ يعني يهابونه عند السؤال فخرج علينا بلال ﵁ فقلنا له: ائت

стр. 348

رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، انظر إلى عظمة الصحابيات ليسترن على أزواجهن يقلن لسيدنا بلال: ولا تخبره من بالباب، ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله فقال له: رسول الله ﷺ ((من هما؟)) قال بلال: امرأة من الأنصار وزينب، هنا أجاب بلال على رسول الله ﷺ ولم يعص أمره، وفي الوقت نفسه كتم سر المرأتين، فقال: امرأة من الأنصار وزينب، وكم من امرأة اسمها زينب، فقال رسول الله ﷺ : ((أي الزيانب هي؟)) قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : ((لهما أجران؛ أجر القرابة وأجر الصدقة)) حديث متفق عليه. وعن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ في حديثه الطويل في قصة هرقل؛ أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؛ يعني النبي ﷺ ؟ قال: قلت: يقول: ((اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم)) ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط - وهي مصر -)) وفي رواية: ((ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا))، وفي رواية: ((فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحمًا)) أو قال: ((لهم ذمة وصهرًا))، رواه مسلم. قال العلماء: الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل منهم، والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية؛ وهي قول الحق : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعم

стр. 349

وخص، وقال: ((يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي؛ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها)). قوله: ((ببلالها)) هو بفتح باء الثانية وكسرها؛ يعني يجوز ببلالها وببلالها، والبلال الماء، ومعنى الحديث سأصلها، شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء، وهذه تبرده بالصلة. وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول: ((إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها)). وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ أن رجل ً اقال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال النبي ﷺ : ((تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)). وعن سلمان بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرة؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء؛ فإنه طهور)) وقال: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان؛ صدقة وصلة)). هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 350

الدرس: ٢١ حق المسلم على المسلم، وجزاء من قام بهذه الحقوق .

стр. 351

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (حق المسلم على المسلم ، وجزاء من قام بهذه الحقوق) حق المسلم على المسلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: إن للمسلم على المسلم حقوقًا جاء بها الإسلام في القرآن الكريم، وعلى لسان النبي الأمين سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين - وهي حقوق كثيرة تنبئ عن الأخلاق الإسلامية الحميدة التي يجب أن يتخلق بها كل مسلم، ويتحلى بها المسلمون جميعًا، فلو قام كل مسلم بما وجب عليه من حقوق تجاه إخوانه المسلمين؛ لساد في المجتمع الحب والتعاون، ولانتشر ت السعادة والطمأنينة والسكينة في قلوب المسلمين. لقد ذكر رسول الله ﷺ وبين أن من حق المسلم على المسلم أنه إذا مرض المسلم عاده أخوه المسلم، وبين ﷺ جزاء من يقوم بهذا العمل؛ أي عيادة المريض؛ إذ يكون في خراف الجنة؛ أي بساتينها حتى يعود، وإذا مات مسلم كان من حقه على إخوانه المسلمين أن يشيعوه إلى قبره، وأن يصلوا عليه، وبين ﷺ جزاء من يفعل ذلك بأنه ل هـ قيراطان في الجنة، والقيراط مثل جبل أحد. ومن حق المسلم على أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه، وله بذلك أجر عظيم عند الله تعالى، وعلى من يسلم عليه أن يرد السلام بزيادة أو بمثله على الأقل؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: ٨٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، (النور: ٢٧). ومن حق المسلم على أخيه المسلم أن يجيبه إذا دعاه لعرس أو وليمة؛ بشرط ألا يكون هناك إثم ولا معصية، وكان رسول الله ﷺ يقول: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت))، فإجابة الدعوة حق من حقوق المسلم

стр. 352

على أخيه المسلم مراعاة لخاطره، والوقوف بجواره في السراء والضراء، ولجبر خاطره. كما أن من حق المسلم على المسلم أن يبره إذا أقسم عليه بشرط ألا يكون في إبراره لقسمه معصية، أما إذا كان إبراره في قسمه يؤدي إلى معصيه فلا يبره، وعلى المقسم أن يكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، قال ﷺ : ((من حلف على يمين فوجد غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأتي الذي هو خير)). ومن حق المسلم على أخيه المسلم أن يشمته إذا عطس بشرط أن يحمد الله؛ ومعنى يشمته؛ أي يدعو له بالرحمة فيقول له: يرحمكم الله مرة ومرتين، وفي الثالثة يقول له: يرحمك الله بك مرض أو زكام، وعلى العاطس أن يرد على من دعا له وشمته، فيقول: يغفر الله لي ولك، أو يهدينا ويهديكم الله ويصلح بالكم، فإذا لم يحمد الله الذي عطس فلا حق له في التشميت، والتشميت أي الدعاء بالرحمة مأخوذ من شوامت الدابة؛ أي قوائمها فهو دعاء له بالتثبيت؛ لأن العطاس نذير مرض وبرد، ويقال له: التسميت بالسين بدل ً امن الشين، وهو دعاء بأن يجعل الله تعالى سمته حسنًا؛ أي هيئته حسنة، وأن يعافيه من الأمراض. ومن حق المسلم على المسلم أن ينصحه إذا طلب منه النصيحة، والنصيحة مطلوبة لكل مسلم، ومن كل مسلم قادر على إسدائها وتقديمها للناس، وليس هناك كبير على النصيحة، فالنصيحة تكون للحاكم وللمحكوم، وتكون للصغير وللكبير، وتكون لدين الله وللقرآن ولرسول الله ﷺ . جاءت كل هذه الحقوق في قوله ﷺ : ((حق المسلم على المسلم خمس؛ أن يعوده إذا مرض، ويشيعه إذا مات، ويسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وأن يبره إذا أقسم)) وفي رواية: ((حق المسلم على المسلم ست)) جاء فيها

стр. 353

((وأن يشمته إذا عطس، وأن ينصحه إذا استنصحه)) والنصيحة جعلها رسول الله ﷺ الدين كله؛ ليبين مكانتها؛ فقال ﷺ : ((الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة)) قال الراوي قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) أي ليس هناك كبير على النصيحة، والنصيحة لله؛ أي تكون النصيحة خالصة لله ولصالح دين الله، والنصيحة لرسول الله؛ أي تكون خالصة لصالح شرع رسول الله ﷺ ، والنصيحة لكتاب الله؛ أي تكون الدعوة لحفظ كتاب الله، والعمل لكتاب الله. وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. حديث متفق عليه. ولقد جاءت آيات كريمة في النصح؛ فقال تعالى إخبارًا عن نوح ﵇: ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ (الأعراف: ٦٢) وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: ٦٨) فتقديم النصيحة وإسداء النصح خلق فاضل كريم دعت إليه كل الشرائع السماوية، وتنزلت به الكتب السماوية، وتردد كثيرًا على ألسنة الرسل. والنصيحة هي الكلمة الجامعة الوحيدة للدلالة على الخير، والتحذير من الشر والوقوع فيه، تكررت على لسان سيد الخلق ﷺ كثيرًا، بل إن النبي ﷺ جعل النصيحة للناس هي الدين كله، وتكون النصيحة لله؛ أي لدينه وتكون خالصة له - سبحانه وتكون لرسول الله ﷺ ؛ أي لصالح دينه وشخصه ورفعة شريعته وإعلاء سنته والدعوة إلى العمل بالسنة وحفظها، وتكون لكتاب الله بحفظه وتعليمه وتعلمه وفهمه ودراسته والعمل به والسير على تشريعاته، وتكون لأئمة المسلمين من أمراء وعلماء؛ فلا كبير على النصيحة، وتكون لعامة الأمة في دعوتها إلى الرشد والرشاد وترك الغي والضلال والظلم والفساد والدعوة إلى العمل بشرع الله تعالى.

стр. 354

ولمكانة النصيحة العالية يوصي بها رسول الله ﷺ الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي بعدما يأتي جرير ويبايع على الإسلام ويناديه رسول الله ﷺ بعد المبايعة أو ليضيف لبيعته بندًا مهم ًّ افي بيعته فيناديه: ((يا جرير)) فيعود جرير، فيقول له ﵊: ((والنصح لكل مسلم، والنصح لكل مسلم، والنصح لكل مسلم)) أي ضم إلى مبايعتك النصح لكل مسلم. روى الإمام مسلم في (صحيحه) بسنده عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، في رواية: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، وفي رواية ثالثة: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم. إن النصح خلق نبيل جاءت به كل الشرائع، وتردد على ألسنة كل الرسل فها هو نبي الله نوح ﵇ يعلن عن نصحه لقومه؛ قال تعالى في سورة " الأعراف " في إرسال نوح ﵇ إلى قومه وعدم إيمانهم به واتهامهم إياه بالضلال كذبًا وبهتانًا؛ قال يحكي عن نوح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٦١، ٦٢). ونبي الله صالح يعلن بأنه نصح قومه وأسدى لهم النصيحة، ولكنهم لا يحبون الناصحين؛ قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف: ٧٩). وشعيب ﵇ بلغ قومه ونصحهم، ولكنهم عتوا واستكبروا؛ قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (الأعراف: ٩٣).

стр. 355

وجاء في قصة هود ﵇ أيضًا أنه أعلن على قومه أنه قام بالنصيحة لهم وكان أمينًا معهم؛ قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: ٦٧، ٦٨). وها هو رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ينصح موسى ﵇ بالخروج من المدينة؛ لأن الملأ - أي علية القوم - يأتمرون به ليقتلوه؛ فنصحه بالخروج من المدينة، وأخبره بأنه لهم من الناصحين، وعمل موسى بنصيحته فنجاه الله قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾ (القصص: ٢٠). وإخوة يوسف ﵇ قالوا لأبيهم: إنا من الناصحين ليوسف فأعطاه لهم، وكان ما كان منهم مع يوسف ﵇ قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (يوسف: ١١، ١٢). فالنصيحة خلق كريم دعت إليه كل الشرائع، وجاء على لسان كل الرسل، وأكد عليه القرآن الكريم ورسول الله ﷺ في أحاديثه الشريفة، بل جعله من حقوق المسلم على أخيه المسلم؛ قال ﷺ كما رويت الحديث سابقًا قال: ((حق المسلم على المسلم خمس؛ أن يعوده إذا مرض، وأن يشيعه إذا مات، وأن يسلم عليه إذا لقيه، وأن يشمته إذا عطس، وأن يجيبه إذا دعاه)) وفي رواية صحيحة حق المسلم على المسلم ست زاد فيها؛ ((وأن ينصحه إذا استنصحه)). وإليكم ما كتبه الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة في كتابه القيم (الأخلاق الإسلامية وأسسها) في بيان حقوق المسلمين بعضهم على بعض في الجزء الثاني ص٢١٤ قال: تحت عنوان؛ في حقوق المسلمين بعضهم على بعض، والحث على دعم أواصر الجماعة:
следующие страницы →