Полный текст (366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ومن هذه الأخلاق ما نحن بصدده الآن؛ وهو الصدق، فالصدق خلق نبيل فاضل دعت إليه كل الشرائع السماوية في كتبها وعلى ألسنة رسلها، ثم جاء الإسلام فأكد على هذا الخلق النبيل في كتابه الكريم، وعلى لسان سيد الأولين والآخرين رسول الإسلام والسلام سيدنا محمد - عليه الصلاة وأفضل السلام.
الصدق مع الله، والصدق مع رسول الله، والصدق مع النفس، والصدق مع الناس؛ إن الصدق بكل أشكاله وألوانه دعا إليها الإسلام ورسول الإسلام، روى الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر ... )) ومر الحديث قريبًا.
إن رسول الله ﷺ دعا إلى الصدق وعدم اتباع الظن والأوهام، بل يجب أن يكون المسلم صادقًا مع نفسه يسعى إلى اليقين ويعيش حياته باليقين ومع اليقين لقد قضى رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ قضى بأن الظن أكذب الحديث وحذر المسلمين منه؛ لأن عاقبته وخيمة قال ﷺ : ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا)).
من أبرز صفات رسول الله ﷺ قبل مبعثه أنه عرف بالصادق الأمين؛ كان رسول الله ﷺ صادقًا في حديثه، صادقًا في تجارته، صادقًا في كل أحواله؛ وهذا الصدق هو الذي جعل هرقل يجزم بأنه نبي الله حق ًّ ا، وأنه النبي المنتنظر، وأنه سيملك موضع قدميه، وأن الخير كل الخير في اتباعه؛ إذ قال لأبي سفيان: هل يكذب محمد في حديثه معكم؟ قال أبو سفيان: لا، قال هرقل: ما كان ليذر؛ أي ليترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله.
стр. 282
ولما جاءته الرسالة ﷺ جمع أهل مكة وقال: ((لهم لو أخبرتكم أن خيلًا من وراء هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا قط.
ولقد وصفه الله تعالى بالصدق في دعوته قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ (التكوير: ٢٤، ٢٥) وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣).
ومدح الحق أهل الصدق فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ الآية، وقد مرت قريبًا، ودعا الحق سبحانه المؤمنين بأن يكونوا مع الصادق ي ن فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وقد مرت أيضًا.
والشرائع كلها نادت بالصدق ودعت إليه، ومدح الحق سبحانه أهل الصدق منهم، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل؛ فها هو خليل الرحمن نبي الله إبراهيم ﵇ يصفه ربه بالصدق مادحًا إياه بهذا الوصف الجميل؛ فيقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٤١).
ونفس الوصف يصف به الله نبيه إدريس ﵇ فيقول الحق : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٥٦).
وهذا نبي الله يوسف ﵇ يعرف بالصديق ويكون ذلك الوصف من أبرز الأوصاف التي عرف بها، بل به كان ينادى، فها هو رسول الملك في سورة " يوسف " يخاطبه قائل ً ا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٤٦).
стр. 283
ونبي الله عيسى ﵇ صديق ومصدق لما بين يديه من (التوراة) و (الإنجيل)، ومبشر برسول يأتي من بعده هو نبينا ﷺ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦).
ومريم ﵍ أم سيدنا عيسى وصفها الحق كما قلت سابقًا بأنها صديقة.
فالصدق في القول والعمل خلق نبيل جاءت به كل الشرائع، واتصف به جميع الرسل، وأكد عليه الإسلام ورسول الإسلام ﷺ .
وإليكم ما جاء من أحاديث في فضل الصدق في (رياض الصالحين) للإمام النووي حيث ذكر أحاديث هامة في الصدق وفضله:
الحديث الأول: عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة ... )) الحديث.
الحديث الثاني: عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
قوله: ((يريبك)) هو بفتح الياء وضمها ي ُ ريبك وي َ ريبك ومعناه اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا شك فيه.
الحديث الثالث: عن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ في حديثه الطويل من قصة هرقل؛ قال هرقل: فماذا يأمركم - يعني النبي -؟ قال أبو سفيان: قلت يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، وتركوا ما يقوله آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
стр. 284
الحديث الرابع: عن أبي ثابت، وقيل: أبي سعيد، وقيل: أبي الوليد بدري؛ يعني من أهل بدر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)).
انظر إلى الصدق في النية عندما يصدق الإنسان النية مع الله يكتب الله له بحسب نيته فهذا الذي تمنى أن يموت شهيدًا في سبيل الله تكتب له الشهادة وإن مات على فراشه، وذلك في قوله ﵊ ((من شهد الله تعالى الشهادة بصدق)) المهم أن يكون صادقًا في طلبه ونيته ((بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)).
الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((غزا نبي من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتًا لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات -يعني إبل وأبقار- وهو ينتظر أولادها؛ فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك؛ فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت -يعني النار- لتأكلها فلم تطعمها -وكان هذا شأن الأمم السابقة الغنائم أحلت لرسول الله ﷺ وللأمة الإسلامية فقط، أما من كان قبلنا فكانوا إذا غنموا يضعون الغنيمة في مكان فتأتي النار فتأكلها كلها إن كانوا صادقين، ومعنى أن النار تأكلها أنها قبلت، فلما لم تأكلها النار- قال ذلك النبي لمن معه من المحاربين: إن فيكم غلولًا -يعني فيه هناك من سرق من الغنيمة- فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا)) حديث متفق عليه.
стр. 285
((الخ َ ل ِ فات)) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة؛ وهي الناقة الحامل.
الحديث السادس: عن أبي خالد حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) هذا الحديث يجعل البركة في التجارة أساسها الصدق وإخلاص النية بين الشريكين، وأن يصدقوا مع الناس الذين يبايعونهم ويتبايعون معهم.
تعريف الكذب، والتحذير منه
الكذب هو مخالفة الخبر للواقع، أو عدم مطابقة الحال للواقع؛ فيشمل القول والعمل، ولقد جاءت آيات كريمة تذم الكذب وتحذر منه وتبين شؤمه وعاقبته الوخيمة الأليمة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل: ١٠٥) فهذه الآية جعلت الكذب علامة للذين لا يؤمنون بالله وحكمت بأنهم كاذبون.
وقال تعالى يصف أهل الكتاب بأنهم صنفان؛ صنف أمين فحمد الحق أمانته ي ُ عطي أمانته التي ائتمنته عليها ولو كانت قنطارًا من الذهب، وهناك صنف لا ي ُ عطيك ما أمنته عليه حتى وإن كان دينارًا إلا ما دمت عليه قائمًا تلح وحريص على أن تأتي بمالك من عنده، إذا لم تفعل ذلك لا يأتيك مالك ويأكل هذه الأمانة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٥). يكذبون على الله .
стр. 286
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (النحل: ٣٨، ٣٩) فالكافر كاذب؛ لأنه أنكر حقيقة وجود الله .
وقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: ١٦ - ١٨) هذه الآية بينت أن الكذب يكون في القول ويكون في العمل أيضًا.
والأحاديث في التحذير من الكذب وبيان قبحه وخبثه كثيرة؛ منها: ما رواه الإمام أحمد بسنده في (مسنده) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والكذب)) ومعنى كلمة ((إياكم))؛ أي أحذركم أحذركم الكذب لماذا يا رسول الله؟ بين ﷺ العلة؛ فقال: ((فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار)) لأن الفجور هو الخروج عن الطاعة، ثم بين ﵊ أن الرجل الذي يكذب ويتعود الكذب يكتب كذابًا عند الله فقال ﵊: ((وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)).
وعن عائشة ﵂ قالت: ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عند رسول الله ﷺ الكذب ة فما يزال في نفسه عليه حتى يعلم أن قد أحدث منها توبة؛ يعني إذا علم النبي ﷺ على رجل كذبًا نفس النبي ﷺ تتغير على ذلك الرجل حتى يتوب ذلك الرجل عن الكذب ويعود إلى الصدق.
стр. 287
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين))؛ يعني عندما يحدث الناس بحديث ويعلم أن هذا الحديث كذب فهو من الكذابين.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يطبع المؤمن على الخلال -يعني الصفات- يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)).
وعن عائشة ﵂ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي زوجًا ولي ضرة، وإني أتشبع من زوجي أقول: أعطاني كذا وكساني كذا وهو كذب؛ يعني لكي تغار ضرتها تقول: زوجي أعطاني وكساني حتى تغار، فقال رسول الله ﷺ لتلك المرأة التي تقول لضرتها هذا الذي لم يفعله الزوج لتكيد لها وتغيره؛ قال ﵊: ((المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور)) يعني هذا زور وبهتان.
وعن نواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كبرت خيانة تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدقًا وأنت به كاذب)) يعني هو يصدقك ويسلم لك عقله وقلبه وأنت تكذب عليه؛ هذه أكبر خيانة تكون عند الإنسان يقول ﵊: ((كبرت خيانة تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق وأنت به كاذب)).
وعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه يعد ذلك كذبًا، قال ﵊: ((إن الكذب يكتب كذبًا حتى تكتب الكذيبة كذيبة)) يعني كل شيء يكتب حتى ولو كان كذيبة صغيرة.
هذه الأحاديث رواها الإمام أحمد في (مسنده) بسنده وجاء في (الفتح الرباني) ترتيب (مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي في الجزء التاسع عشر ص٢٦٣ إلى ص٢٦٥ تحت باب: ما جاء في
стр. 288
الترهيب من الكذب في كتاب: آفات اللسان؛ الكثير والكثير من هذه الأحاديث، ولقد كتب الشيخ الغزالي - رحمه الله تعالى - كلامًا طيبًا في الصدق والدعوة إليه.
كما كتب في الكذب والتحذير منه في كتابه العظيم النفع (خلق المسلم) كتب يقول: الصدق إن الله خلق السماوات والأرض بالحق، وطلب إلى الناس أن يبنوا حياتهم على الحق؛ فلا يقولوا إلا حق ًّ اولا يعملوا إلا حق ًّ ا، وحيرة البشر وشقوتهم ترجع إلى ذهول هم عن هذا الأصل الواضح، وإلى تسلط أكاذيب وأوهام على أنفسهم وأفكارهم أبعدتهم عن الصراط المستقيم، وشردت بهم عن الحقائق التي لا بد من التزامها؛ ومن هنا كان الاستمساك بالصدق في كل شأن، وتحريه في كل قضية، والمصير إليه في كل حكم؛ دعاية ركينة في خلق المسلم، وصبغة ثابتة في سلوكه، وكذلك كان بناء المجتمع في الإسلام قائمًا على محاربة الظنون ونبذ الإشاعات واطراح الريب والشك؛ فإن الحقائق الراسخة وحدها هي التي يجب أن تظهر وتغلب، وأن تعتمد في إقرار العلاقات المختلفة؛ قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) وقال: ((دع ما يريبك إلا ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة)).
وقد نعى القرآن على أقوام جريهم وراء الظنون التي ملأت عقولهم بالخرافات وأفسدت حاضرهم ومستقبلهم بالأكاذيب؛ فقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى﴾ (النجم: من الآية: ٢٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨).
والإسلام لاحترامه الشديد للحق طرد الكاذبين وشدد عليهم بالنكير؛ عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، ما اطلع على أحد من ذلك فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة، وفي
стр. 289
رواية عنها: ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذب فلا يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة.
ولا غرو فلقد كان السلف الصالح يتلاقون على الفضائل ويتعارفون بها؛ فإذا أساء أحد السيرة وحاول أن ينفرد بمسلك خاطئ بدأ بعمله هذا كالأجرب بين الأصحاء؛ فلا يطيب له مقام بينهم حتى يبرأ من علته، وكانت المعالم الأولى للجماعة المسلمة صدق الحديث ودقة الأداء وضبط الكلام، أما الكذب والإخلاف والتدليس والافتراء فهي أمارات النفاق، وانقطاع الصلة بالدين، أو هي اتصال بالدين على أسلوب المدلسين والمفترين، على أسلوب الكذابين في مخالفة الواقع، والكذب رذيلة محضة تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وعن سلوك ينشئ الشر إنشاءً، ويندفع إلى الإثم من غير ضرورة مزعجة أو طبيعة قاهرة.
هناك رذائل يلتاس بها الإنسان تشبه الأمراض التي تعرض للبدن، ولا يصح منها إلا بعد علاج طويل؛ كالخوف الذي يتلعثم به الهيابون، أو الحرص الذي تنقبض به الأيدي؛ إن بعض الناس إذا جند للجهاد المفروض تقدم إليه وجلده مقشعر، وإن بعضهم إذا استخرجت منه الزكاة الواجبة أخذ يعدها وأصابعه ترعش، وهذه الطباع التي تتأثر بالجبن أو بالبخل غير الطبائع التي تقبل على الموت في نزق، وتبعثر المال بغير حساب.
وقد تكون هناك أعذار لمن يشعرون بوساوس الحرص أو الخوف عندما يقفون في ميادين التضحية والفداء، ولكنه لا عذر البتة لمن يتخذون الكذب خلقًا ويعيشون به على خديعة الناس؛ قال رسول الله ﷺ : ((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)) وسئل رسول الله ﷺ : أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: ((نعم))
стр. 290
قيل له: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: ((نعم)) قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: ((لا)).
وهذه ال إ جابات تشير إلى ما أسلفنا بيانه من نوازع الضعف والنقص التي تخامر بعض الناس ثم يتغلبون عليهاعندما يواجهون بالفريضة المحكمة أو الضريبة الحاسمة، وهي لا تعني أبدًا تسويغ البخل أو تهوين الجبن كيف؛ ومنع الزكاة وترك الجهاد بابان إلى الكفر، وكلما اتسع نطاق الضرر إذ كذبة يشيعها أفاق جريء كان الوزر عند الله أعظم؛ فالصحفي الذي ينشر على الألوف خبرًا باطل ً ا، والسياسي الذي ي ُ عطي الناس صورًا مقلوبة عن المسائل الكبرى، وذو الغرض الذي يتعمد سوق التهم إلى الكبراء من الرجال والنساء؛ أولئك يرتكبون جرائم أشق على أصحابها وأسوأ عاقبة؛ قال النبي ﷺ : ((رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يقول الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة)) رواه البخاري.
ومن هذا القبيل كذب الحكام على الشعوب فإن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، وفي الحديث: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة؛ الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو -أي الفقير المتكبر-)).
والكذب على دين الله من أقبح المنكرات، وأول ذلك نسبة شيء إلى الله أو إلى رسوله ﷺ لم يقله، وهذا الضرب من الافتراء فاحش في حقيقته وخيم في نتيجته؛ قال رسول الله ﷺ : ((إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد؛ فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).
ويدخل في نطاق هذا الافتراء والتكذيب سائر ما ابتدعه الجهال وأقحموه على دين الله من محدثات لا أصل لها عدها العوام دينًا وما هي بدين، ولكنها لهو
стр. 291
ولعب، وقد نبه النبي ﷺ إلى مصادر هذه البدع المنكر ة، وحذر من الانقياد إلى تيارها، ومسك المسلمين - أي دعا المسلمين - إلى الاستمساك بآيات كتابهم وبسنة سلفهم؛ قال ﵊: ((يكون في آخر أمتي أناس دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم؛ فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم)).
والإسلام يوصي بأن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال حتى يشبوا عليها وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها؛ فعن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمي يومي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: تعال أعطك، فقال لها رسول الله ﷺ : ((ما أردت أن تعطيه؟)) قالت: أردت أن أعطيه تمرة، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أما إ نك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة)).
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من قال لصبي: تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة)).
فانظر كيف يعلم الرسول ﷺ الأمهات والآباء أن ينشئوا أولادهم تنشئة يقدسون فيها الصدق ويتنزهون عن الكذب، ولو أنه تجاوز عن هذه الأمور وحسبها من التوافه الهينة لخشي أن يكبر الأطفال وهم يعتبرون الكذب ذنبًا صغيرًا وهو عند الله عظيم.
وقد بشت الصرامة في تحري الحق ورعاية الصدق حتى تناولت الشئون المنزلية الصغيرة، عن أسماء بنت يزيد قالت: يا رسول الله قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه يعد ذلك كذبًا، قال ﵊: ((إن الكذب يكتب كذبًا حتى تكتب الكذيبة كذيبة)) وقد مر الحديث قريبًا.
وقد أحصى الشارع مزالق الكذب وأوضح سوء عقباها حتى لا يبقى لأحد منفذ إلى الشرود عن الحقيقة، أو الاستهانة بتقريرها؛ فالمرء قد يستسهل الكذب حين
стр. 292
يمزح حاسبًا أن مجال اللهو لا حظر فيه على إخبار أو اختلاق، ولكن الإسلام الذي أباح الترويح عن القلوب لم يرض وسيلة لذلك إلا في حدود الصدق المحض؛ فإن في الحلال مندوحة عن الحرام، وفي الحق غناء عن الباطل؛ قال رسول الله ﷺ : ((ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب، ويل له، ويل له)) وقال ﷺ : ((أنا زعيم -أي ضامن- أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا)) رواه البيهقي.
وقال ﵊: ((لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء، وإن كان صادقًا)) الحديث رواه الإمام أحمد.
والمشاهد أن الناس يطلقون العنان لأخيلتهم في تلفيق الأضاحيك، ولا يحسون حرجًا في إدارة أحاديث مفتراة على ألسنة خصومهم أو أصدقائهم؛ ليتندروا بها أو يسخروا منهم، وقد حرم الدين هذا المسلك تحريمًا تام ًّ ا؛ إذ الحق أن اللهو بالكذب كثيرًا ما ينتهي إلى أحزان وعد اوات، وتمد الناس مدرجة إلى كذب، والمسلم يجب أن يحاذر عندما يثني على غيره؛ فلا يذكر إلا ما يعلم من خير، ولا يجنح إلى المبالغة في تضخيم المحامد وطي المثالب، ومهما كان الممدوح جديرًا بالثناء فإن المبالغة في إطرائه ضرب من الكذب المحرم، وقد قال رسول الله ﷺ لمادحيه: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)) يعني لا تبالغوا في مدحي، ((فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)).
وهناك فريق من الناس يتخذ المدائح الفارغة بضاعة يتملك بها الأكابر، ويصوغ من الشعر القصائد المطولة، ومن النثر الخطب فيكيل الثناء جزافًا، ويهرف بما لا ي ُ عرف، وربما وصف بالعدالة الحكام الجائرين، ووصف بالشجاعة الأغبياء الخوارين؛ ابتغاء عرض من الدنيا عند هؤلاء وأولئك.
стр. 293
هذا الصنف من الأذناب الكاذبة أوصى الرسول ﷺ بمطاردتهم حتى يرجعوا عن تجويرهم بوجوه عفرها الخزي والحرمان؛ عن أبي هريرة قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو افي وجوه المداحين التراب. رواه الترمذي، وقد ذكر شراح الحديث أن المداحين المعنيين هنا هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة يستأكلون بها الممدوح؛ فأما من مدح على الأمر الحسن والفعل المحمود ترغيبًا في أمثاله وتحريضًا للناس على الاقتداء به فليس بمداح، وليس مدحه ممقوت.
والحدود التي يقف عندها المسلم، ويخرج بها من تبعة الملق والمبالغة وينفع بها ممدوحه فلا يذله إلا العجب والكبرياء قد بينها النبي الحكيم فعن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند رسول الله ﷺ فقال له ﵊: ((ويحك قطعت عنق صاحبك)) قالها ثلاثًا، ثم قال ﵊: ((من كان مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحد، أحسب فلانًا كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه)).
والتاجر قد يكذب في بيان سلعته وعرض ثمنها، والتجارات عندنا تقوم على الطمع البالغ، البائع يريد الغلو والشاري يريد البخس، والأثرة هي التي تسود حركات التبادل في الأسواق والمحال، وقد كره الإسلام هذه المعاملة الجشعة، وما يشوبها من لغو ومراء؛ قال رسول الله ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحًا ما ويمحق بركة بيعهما)) وفي رواية: ((محقت بركة بيعهما)) اليمين الفاجرة في حديث آخر ((اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب)).
ومن المشترين رجال يقبلون على الباعة وهم قليلو الخبرة سريعو التصديق لما يقال لهم، فمن الإيمان ألا تستغل س ذ اجتهم في كسب مضاعف أو تغطية عيب، قال
стр. 294
رسول الله ﷺ : ((كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق وأنت له كاذب)) وقال ﵊: ((لا يحل لامرئ مسلم يبيع سلعته يعلم أن بها داء إلا أخبر به)) رواه البخاري، وعن ابن أبي أوفى ﵁ أن رجل ً اأقام سلعة في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم ي ُ عطى؛ ليوقع فيها رجل ً امن المسلمين فنزل قول الحق : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٧٧).
والحيف في الشهادة من أشنع الكذب، فالمسلم لا يبالي إذا قام بشهادة أن يقرر الحق ولو على أدنى الناس منه وأحبهم إليه، لا تميل به قرابة ولا عصبية ولا تزيغه رغبة أو رهبة، وتزكية المرشحين لمجالس الشورى أو المناصب العامة نوع من الشهادة؛ فمن انتخب المغموط في كفايته وأمانته فقد كذب وزور ولم يقم بالقسط، والله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥).
وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئًا فجلس وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور)) فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. رواه البخاري.
إن التزوير كذب كثيف الظلمات؛ إنه لا يكتم الحق فحسب؛ بل يمحقه ليثبت مكانه الباطل، وخطره على الأفراد في القضايا الخاصة وخطره على الأمم في
стр. 295
القضايا العامة شديد مبيد؛ ومن ثم خوف الرسول ﷺ منه على هذا النحو الصارخ.
وعلى أرباب الحرف والصناعات أن يجعلوا من كلمتهم قانونًا مرعي الجانب يقفون عنده ويستمسكون به؛ فإنه لمن المؤسف حق ًّ اأن تكون الوعود المخلفة والحدود المائعة عادة مأثورة عن كثير من المسلمين مع أن دينهم جعل الوعود الكاذبة أمارة النفاق، وقد كان رسول الله ﷺ يقدس الكلمة التي يقول، ويحترم الكلمة التي يسمعها، وكان ذلك شارة الرجولة الكاملة فيه - أي علامة الرجولة الكاملة - فيه حتى قبل أن يرسل إلى الناس.
عن عبد الله بن أبي الحمساء، قال: بايعت رسول الله ﷺ ببيع قبل أن يبعث فبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: ((يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك))، سبحان الله يقف ﷺ منتظرًا لرجل قال له: سآتيك هنا في هذا المكان فيقف ﷺ في المكان ثلاثة أيام ينتظر ذلك الرجل ليعود إليه كان يحضر في الموعد المضروب بينهما.
وحدث أن الرسول ﷺ وعد جابر بن عبد الله بعطاء من مال البحرين ثم عاجلته الوفاة قبل الوفاء - يعني توفي رسول الله ﷺ قبل أن يأتي المال من البحرين - فلما جاء مال البحرين إلى خليفته ﵁ أبي بكر الصديق أطلق مناديًا في الناس؛ ألا من كان له على رسول الله ﷺ عدة - يعني وعد أو دين - فليأتنا؛ انظر كيف توزن الكلمة ويوجب تنفيذها حتى لا تذهب هباءً مع اللغو الضائع، على أن الوعود الك اذب ة ليس فقط كلامًا يذهب سدى، ولكنها خرق بالمصالح، وإضرار بالناس، وإهدار للأوقات، وليس صدق الوعد خلة تافهة؛ إنها محمدة ذكرها الله في
стр. 296
مناقب النبوة قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: ٥٤، ٥٥).
وسرد الصفات الفاضلة على هذا الترتيب يدلك على ما لصدق الوعد من مكانة، ولقد كان إسماعيل ﵇ أصدق الناس وعدًا حين قال لأبيه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين، لما قال له أبوه: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى.
وقد يندفع الإنسان إلى الكذب حين يعتذر عن خطأ وقع منه ويحاول التملص من عواقبه، وهذا غباء وهوان، وهو فرار من الشر إلى مثله أو أشد، والواجب أن يعترف الإنسان بغلطه؛ فلعل صدق هـ في ذكر الواقع وألمه لما بدر منه يمسحان هفوته ويغفران ذلته، ومهما هجس في النفس من مخاوف إذا قيل الحق فالأجدر بالمسلم أن يتشجع وأن يتحرج من لوثات الكذب؛ قال رسول الله ﷺ : ((تحروا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه فإن فيه النجاة)) وقال: ((إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلًا من نتن ما جاء به)) رواه الترمذي.
والصدق في الأقوال يتأدى بصاحبه إلى الصدق في الأعمال والصلاح في الأحوال؛ فإن حرص الإنسان على التزام الحق فيما ينبث به يجعل ضياء الحق يسطع على قلبه وعلى فكره فيما ينبس به؛ ولذلك يقول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١).
والعمل الصادق هو العمل الذي لا ريبة فيه؛ لأنه وليد اليقين، ولا هوى معه؛ لأنه قرين الإخلاص، ولا عوج عليه؛ لأنه نبع من الحق، ونجاح الأمم في أداء رسالتها يعود إلى جملة ما يقدمه بنوها من أعمال صادقة؛ فإن كانت ثروتها من
стр. 297
صدق العمل كبيرة سبقت سبقًا بعيدًا، وإلا سقطت في عرض الطريق، فإن التهريج والخبط والادعاء والهزل لا تغني فتيل ً اعن أحد؛ قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر)) الحديث.
إن الفجور الذي هدى إليه إدمان الكذب هو المرحلة الأخيرة لضياع النفس وضياع الإيمان، روى مالك عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت في قلبه سوداء حتى يسود قلبه؛ فيكتب عند الله من الكذابين))، ويحيق به قول الحق في كتابه ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل: ١٠٥).
وأما البر الذي هدى إليه الصدق فهو قمة الخير الذي لا يرقى إليها إلا أولو العزم من الرجال، وحسبك فيه هذه الآية الجامعة؛ وهي قول الحق : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧).
هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 298
الدرس: ١٨ أدب الحديث في الإسلام، ولين الكلام واختيار الألفاظ .
стр. 299
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(أدب الحديث في الإسلام ، ولين الكلام واختيار الألفاظ)
أدب الحديث في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
للحديث في الإسلام آداب ينبغي أن تراعى؛ فعلى المسلم أن يحفظ لسانه وأن يخزنه؛ فلا ينطق إلا بالصدق والحق، وليكن لسان المسلم عفيفًا نظيفاً طيبًا؛ يبتعد عن الغيبة، وعن النميمة، ولا يكون المسلم ثرثارًا كثير الكلام كثير اللغو كثير الرفث؛ فعليه أن يبعد لسانه عن إيذاء الناس، وذلك هو المسلم الكامل في الإسلام _ قال ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وأخذ ﷺ بلسانه وقال لمعاذ بن جبل: ((يا معاذ أمسك عليك هذا)) فقال معاذ ﵁ وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم يا رسول الله؟، قال ﷺ : ((ثكلتك أمك يا معاذ؛ وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟)).
وجاء في القرآن الكريم أن كل ما يتلفظ به الإنسان يكتب عليه ويسطر وسيحاسب عليه يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٨).
ولقد جاءت أحاديث تحذر من كثرة الكلام، وتبين فضيلة الصمت والسكوت إلا في الخير؛ من هذه الأحاديث ما رواه البخاري بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) يعني أو ليسكت.
ووردت أحاديث في الترهيب من الغيبة؛ منها أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومًا: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ : ((الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه)) قالوا: يا رسول الله إن كان فيه ما نقول، قال ﵊: ((إن كان
стр. 300
فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) والبهتان أشد الكذب.
وبين القرآن الكريم أن المغتاب مثله كمثل من يأكل لحم أخيه ميت ً ا؛ قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).
وجاءت أحاديث كثيرة ترهب من الكذب؛ ف إ ن أكبر أدبًا من آداب الحديث الصدق في القول وعدم الكذب في الحديث، وأفظع أنواع الكذب؛ الكذب على رسول الله ﷺ ومن أدب الحديث ترك المزاح إلا في حق، وترك الجدال والمراء، وعدم تشقيق الكلام والتخلل فيه تخلل البقر، وا دعاء البلاغة والفصاحة، وا زدراء الناس.
وجاء في كتاب (الفتح الرباني) ترتيب (مسند الإمام أحمد) الذي رتبه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي جاء فيه كثير من الأحاديث تحت عنوان: كتاب "آفات اللسان" في الجزء ١٩ ص٢٥٧ إلى ٢٧١ قال: باب: ما جاء في الترهيب من كثرة الكلام وما جاء في الصمت؛ عن تميم بن يزيد مولى بني زمعة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم قال: ((أيها الناس ثنتان من وقاه الله شرهما دخل الجنة)) قال: فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله لا تخبرنا ما هما، ثم قال: ((اثنان من وقاه الله شرهما دخل الجنة)) حتى إذا كانت الثالثة أجلسه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا للرجل: ترى رسول الله ﷺ يريد يبشرنا فتمنعه، فقال: إني أخاف أن يتكل الناس، فقال ﷺ : ((ثنتان ما وقاه الله شرهما دخل الجنة؛ ما بين لحييه وما بين رجليه)) أي من وقي شر لسانه؛ فلا يكذب ولا يخادع ولا يكون نماماً ولا مغتاباً، وأن يقيه الله ما
стр. 301
بين رجليه؛ أي فرجه، من وقاه الله شر هذين المكانين؛ شر ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة.
وعن أبي الصبهاء قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن أبي سعيد الخدري ﵁ لا أعلمه إلا رفعه؛ أي رفع ذلك الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: ((إذا أصبح ابن آدم فإن أعضائه تكفر اللسان - أي تتذلل للسان - وتتواضع له تقول: اتق الله فينا؛ فإنك إ ن استقمت استقمنا، وإ ن اعوججت اعوججنا)).
وعن علي بن حسين عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -: ((من حسن إسلام المرء تركه ما يعنيه)) يعني لا يتدخل الإنسان فيما لا شأن له به وما ليس له فيه معرفة.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به، وفي لفظ آخر: مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحد بعدك، قال: ((قل: ربي الله)) وفي لفظ: ((قل: آمنت بالله ثم استقم)) قال: قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ في لفظ آخر: ما أكبر ما تخاف علي؟ أي أي شيئاً تخاف علي منه بشدة؟ وفي لفظ آخر فأي شيء أتقي؟ قال: فأخذ بلسان نفس هـ ثم قال: ((هذا)) يعني انتبه إلى هذا.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ((أن رجل ً اقال: يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)).
وعن البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ أمر أعرابي ًّ ابخصال من أنواع البر فيها؛ ((وأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؛ فإن لم تطق ذلك -يعني لا تستطع أن تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر أوجدت ذلك أمرًا كبيرًا عليك- فكف لسانك إلا من الخير)) يعني أي أحجز لسانك عن إيذاء الناس.
стр. 302
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: ((ألا أخبرك برأس الأمر وعاموده وذروه سنامه)) قال: فقلت: بلى يا رسول الله، قال ﵊: ((رأس الأمر وعاموده وذروه سنامة الجهاد)) قال: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟)) فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: ((كف عليك هذا)) فقلت: يا رسول الله وإن المؤاخذون بما نتكلم؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا معاذ -وهي كلمة تقال للتنبيه وللتنكيل- ثكلتك أمك يا معاذ ١١:٥٩ وهل يكب الناس على وجوههم في النار -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا يسلم عبدًا حتى يسلم قلبه ولسانه)).
وعن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: ((من توكل لي -معنى من توكل أي تكفل لي بحفظ- ما بين لحييه وما بين رجليه توكلت له بالجنة)) أي تكفلت وضمنت له الجنة.
وعن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: خرج أبو الغادية وحبيب بن الحارث وأم أبي العالية مهاجرين إلى رسول الله ﷺ فأسلموا، فقالت الأم - أي أم أبي العالية - أوصني يا رسول الله قال: ((أياكي وما يسوء الأذن)) معناه اأحبسي لسانك عن ما يؤذي الناس وامنعي لسانك أن يسمعوا بأذانهم الأذى منك.
وعن سليمان بن سحيم عن أمه ابن ة أبي الحكم الغفاري قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع فيتكلم بالكلمة فيتباعد منها أبعد من صنعاء)) كلمة من غضب الله عليه تطرده عن باب الجنة مئات الأميال.
стр. 303
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حفظ ما بين فقميه - والمراد فكيه وفرجه - دخل الجنة)).
وعن أبي معاوية قال: حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جده علقمة، عن بلال بن الحرث المزني قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم القيامة)) قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحرث؛ يعني يريد أن يتكلم فتذكر هذا الحديث فيسكت.
ثم جاء باب الصمت؛ فقال: باب: ما جاء في الصمت؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صمت نجا)).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لي سك ت)) والرواية التي سقناها سابقًا ((أو ليصمت)) والمعنى واحد فجعل ﷺ هذا الحديث علامة من علامات الإيمان، وذكر من بين هذه العلامات علامة الصمت والسكوت عن إيذاء الناس، وهذا هو أدب الحديث في الإسلام.
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ مثله وفيه: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) فجاء بروايتين: ((أو ليسكت)) ((أو ليصمت)).
باب: ما جاء في الترهيب من الغيبة والبهت؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((هل تدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرك
стр. 304
أخاك بما ليس فيه)) قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول له؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)).
وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وفي رواية: نادى رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق؛ يعني اسمع البنات الأبكار اللاتي يحتجبن عن الأعين والأنظار في الخدور؛ أي في الخيام، نادى بأعلى صوته حتى سمع الحاضرون، ومن كانوا في الخيام، فماذا قال ﵊؟ قال: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)) هنا نادى ﷺ المسلمين أن يخزنوا ألسنتهم، وأن لا يحاولوا أن يتتبعوا أخطاء بعضهم أو عورات بعضهم أو عيوب بعضهم؛ فإنهم إن فعلوا ذلك تتبع الله عوراتهم، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو كان في قعر بيته، أو ولو كان في بيته كما في هذا الحديث.
وعن أبي حذيفة ﵁ أن عائشة ﵂ حكت امرأة - أي وصفت امرأة - عند النبي ﷺ ذكرت قصرها، قالت: يا رسول الله إنها قصيرة، فقال النبي ﷺ : ((قد اغتبتيها يا عائشة)) ومن طريق ثانٍ عن أبي حذيفة أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: حكيت للنبي ﷺ رجلًا فقال: ((ما يسرني أن حكيتي رجلًا وأن لي كذا وكذا)) قالت: فقلت: يا رسول الله أن صفية امرأة، وقال بيدي يعني الراوي كأنه يعني قصيرة يا رسول الله أن صفية امرأة وأشارت بيدها، فقال - أي النبي ﷺ : ((لقد مزحتي)) وفي لفظة: ((لقد تكلمتي بكلمة لو مزج بها ماء البحر لمزجت)).
وعن عبيد مولى رسول الله ﷺ أن امرأتين صامتا وأن رجل ً اقال: يا رسول الله إن ها هنا امرأتين قد صامتا وأنهما قد كادتا أن تموتا من العطش، فأعرض عنه رسول الله ﷺ أو سكت ثم عاد، قال الراوي وأوراه قال بالهاجرة؛ يعني في
стр. 305
وقت الظهيرة الشديد الحر قال الرجل: يا نبي الله أنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا، قال: ((أدعوهما)) قال: فجاءتا قال: ((فجيء بقدح أو عس)) يعني إناء فقال لإحداهما: ((قيئي)) فقاءت قيحًا أو دمًا وصديدًا ولحمًا حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: ((قيئي)) فقاءت من قيح ودمًا وصديدًا ولحمًا ع ب ي ط - أي كثير - وغيره حتى ملئت القدح ثم قال ﷺ : ((إن هاتين -يعني المرأتين- صامتا عن ما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما؛ جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس)).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفع ريح جيفة منتنة فقال رسول الله ﷺ : ((أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)) انظر إلى أهل الغيبة؛ فأين أدب اللسان تظهر منهم رائحة خبيثة يشعر بها الصحابة، ويخبر النبي ﷺ عن أن ريحهم ريح خبيثة.
عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: ((من ذب عن لحم أخيه في الغيبة كان حقًّا عليه أن يعتقه من النار)) يعني إذا رأيت رجلًا يغتابه الناس فادفع عنه، وقل للذين يغتابونه: لا تغتابوه إ نه غير ذلك، إذا فعلت ذلك أعتقك الله من النار.
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال)) وردغة الخبال وادٍ في جهنم.
ثم جاء باب آخر في الترهيب من النميمة؛ عن حذيفة قال: قال ﷺ : ((لا يدخل الجنة قتات)) والقتات هو النمام فهنا يجب أن نراعي أدب الحديث فنبتعد عن النميمة.
عن عبد الله أي ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ((ألا أنبئكم ما العضة؟)) قال: ((هي النميمة القالة بين الناس)) وأن محمدًا ﷺ قال: ((إن الرجل يصدق حتى يكتب صديقا، ويكذب حتى يكتب كذابا)).
стр. 306
وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخياركم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى)) ثم قال: ((ألا أخبركم بشراركم؟ المشائون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون البراء العنت)) انظر خيار الناس هنا من إذا رأيتهم ذكروك الله تعالى وذكرت الله بهم، أما شرار الخلق فهم الذين يمشون بين الناس بالنميمة، والذين يفسدون بين الأحبة، والذين يبتغون العنت في البر آء.
وعن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: ((أنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول - وقال وكيع: من بوله - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ولذلك عذاب القبر أغلبه من النميمة ومن البول؛ ففي هذا الحديث مر النبي ﵊ على قبرين فوجد من بداخلهما يعذبان فقال: يعذبان في أمر ما هو بكبير في نظركم ولكنه كبير عند الله تعالى هاذان العملان؛ أن أحدهما لا يستبرأ لا يستنزه من البول؛ إذًا فصلاته باطلة؛ لأن وضوءه بعد ذلك باطل وما بني على باطل كان باطلاً، والآخر كان يمشي بين الناس بالنميمة؛ أي يفسد بينهم بما ينم من الحديث.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) انظر إلى عظمة رسول الله ﷺ يطلب من أصحابه ألا يشوه بعضهم بعض ً اأمامه فإنه يحبهم جميع ً ا، ولا يحب أن يتغير قلبه على أحد منهم فيقول لأصحابه: ((لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر)).
قال: وأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة فتثبت - يعني تثبت
стр. 307
من هذا الكلام - وقف مكانه حتى سمعت ما قال، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أنك قلت لنا: ((لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا)) وأني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، قال: ف احمر وجه رسول الله ﷺ وشق عليه - أي ذلك الكلام - ثم قال: ((دعنا منك - يعني الكلام الذي قلته يا ابن مسعود هذا نتركه- فقد أوذي موسى أكثر من ذلك ثم صبر)).
وعنه - يعني عن ابن مسعود - من طريق ثان قال: تكلم رجل من الأنصار كلمة فيها موجدة ع لى النبي ﷺ ؛ يعني فيها أمر خطير ذكر النبي ﷺ بأمر لم يقبله ابن مسعود، ولا يليق أن يقال على رسول الله ﷺ يقول ابن مسعود: فلم تقرني نفسي؛ لم أقبل هذا الكلام فلم تقرني نفسي أن أخبرت بها النبي ﷺ فلوددت أني افتديت منها بكل أهل ومال فقال: ((قد آذوا موسى ﵊ أكثر من ذلك فصبر)) ثم أخبر ﵊ ((أن نبيًّا كذبه قومه وشجوه -يعني فتحوا رأسه- حين جاءهم بأمر الله فقال: وهو يمسح الدم عن وجهه اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
ثم جاء بعد ذلك باب: الترهيب من الكذب، وقد قلت سابقًا: إن من أدب الحديث البعد عن الغيبة، والنميمة، والتحلي بالصدق، والتحذير من الكذب؛ فهذا الباب جاء في التحذير من الكذب؛ عن عبد الله أي ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما ي زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاب ً ا)).
وعن عائشة ﵂ قالت: ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب، ول قد كان الرجل يكذب عند رسول الله ﷺ الكذبة فما ي زال في نفسه ﷺ عليه حتى يعلم أن قد أحدث منها توبة - يعني تاب عن هذا الكذب.
стр. 308
وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدثني ب حديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) وفي رواية ((فهو أحد الكذابين)).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)).
عن عائشة ﵂ أن امرأة جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله أن لي زوجًا وله ضرة وأني أتشبع من زوجي أقول أعطاني كذا وكساني كذا وهو كذب، فقال رسول الله ﷺ : ((المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور)).
وعن نواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كبرت خيانة تحدث أخاك حديثًا ولك مصدق وأنت به كاذب)).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أكذب الناس -أو من أكذب الناس- الصواغون والصباغون)).
وعنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: ((أكذب الناس الصناع)).
ثم بعد ذلك جاء باب يبين أن الكذب يباح في مواضع؛ فقال: فصل فيما يباح من الكذب؛ عن أسماء بنت يزيد ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: ((يا أيها الذين آمنوا ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال؛ رجل كذب على امرأته ليرضيها، أو رجل كذب في خديعة حرب، أو رجل كذب بين امر أين مسلمين ليصلح بينهما)).
وعن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا)) وقالت لم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في
стр. 309
ثلاث؛ في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. وكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله ﷺ .
باب: ما جاء في الترهيب من الكذب على رسول الله ﷺ والتغليظ في ذلك؛ عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من كذب علي فهو في النار)).
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله ﷺ ألا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكن أشهد لسمعته يقول: ((من قال علي ما لم أقل فليتبوء مقعده من النار)). وقال حسين أوعى صحابته عنه.
وعنه من طريق ثان قال: قال رسول الله ﷺ ((من تعمد علي كذبًا فليتبوء بيتًا في النار)).
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ((لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار)).
وعن علي أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدث عني حديثًا يرى أنه كذب فهو أكذب الكاذبين)).
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قلت للزبير: ما لي لا أسمع ك تحدث عن رسول الله ﷺ كما أسمع ابن مسعود وفلان وفلانه، قال - أي الزبير -: أما أني لم أفارقه منذ أسلمت - أي لم أفارق رسول الله ﷺ منذ أسلمت - ولكني سمعت منه كلمة هي التي تمنعني؛ ((من كذب علي متعمدًا فليتبوء مقعده من النار)).
عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الذي يكذب علي يبنى له بيت في النار)).
стр. 310
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تقول علي ما لم أقل فليتبوء مقعده من النار)).
وعن شعبة قال: أخبرني قتادة وحماد بن أبي سليمان وسليمان التيمي سمعوا أنس بن مالك يقول: إ ن رسول الله ﷺ قال: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوء مقعده من النار)).
وعن مسلم مولى خالد بن عرفطة أن خالد بن عرفطة قال للمختار هذا رجل كذاب، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوء مقعده من النار)).
وعن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كذب علي كذبة متعمدًا فليتبوء مضجعًا من النار أو بيتًا من جهنم)).
ثم بعد ذلك جاء باب: المزاح والترهيب من الكذب فيه - أي في المزاح - فلا يمزح المسلم إلا بحق وصدق، ورسول الله ﷺ كان هاش ًّ اباش ًّ افي وجوه الناس ويمزح، ولكن لا يقول إلا حق ًّ ا؛ فالمزاح الممنوع هو المزاح المتضمن للكذب؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقًا)).
وعنه؛ أي عن أبي هريرة أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من قال لصبي تعال هاك -يعني خذ ما معي- ثم لم يعطه فهي كذبه)).
عن عبد الله بن ربيعة أنه قال: آتانا رسول الله ﷺ في بيتنا وأنا صبي قال: فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعالى أعطك، فقال رسول الله ﷺ : ((وما أردت أن تعطيه؟)) قالت: أعطيه تمراً قال: فقال رسول الله ﷺ : ((أما إنك ِ لو لم تفعلي كتبت عليك ِ كذبة)).
стр. 311
وعن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ويل للذي يحدث القوم ثم يكذب ليضحكهم، ويل له، وويل له)).
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلسائه يهوي بها في أبعد من الثريا)).
وعنه من طريق ثان قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار)).
وعنه من طريق ثالث يرفعها؛ أي يرفع هذا الكلام لرسول الله ﷺ ((إن العبد ليتكلم بالكلمة يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)).
وعن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأسًا إلا ليضحك بها القوم فإنه ليقع منها أبعد من السماء)).
وعن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ ثم وعظهم في ضحكهم من ال ض رطة فقال: ((علام يضحك أحدكم على ما يفعل؟)).
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إني لا أقول إلا حقًّا)) قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله، فقال: ((إني لا أقول إلا حقًّا)).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فاستحمله؛ أي طلب من النبي أن يحمله أن يعطيه جملًا ليحمل عليه، فقال رسول الله ﷺ له: ((إنا حاملوك على ولد ناقة)) قال الرجل: يا رسول لله ما أصنع بولد ناقة؟ فقال له رسول الله ﷺ : ((وهل تلد الإبل إلا النوق)) معناه سأعطيك جملًا كبيرًا، ولكنه من باب المداعبة قال: سأحملك على ولد الناقة، فظن الرجل أنه سيعطى ناقة صغيرة أو جملًا صغير، فقال: وما أفعل به يا رسول الله فعلمه ووضح له الأمر ﷺ فقال: له وهل من إبلا أو وهل من جملا إلا وهو ولد ناقة.
وعن أم سلمة ﵂ أن أبا بكر خرج تاجرًا إلى بصرى ومعه نعيمان وصويبت بن حرملة وكلاهما بدري، وكان صويبت على الزاد، فجاء نعيمان فقال: أطعمني، فقال: لا حتى يأتي أبو بكر، وكان نعيمان رجلًا مضحاكًا مزاحًا
стр. 312
فقال: لأغيظنك؛ فجاء إلى أناس جلبوا ظهرًا؛ يعني جابوا ظهرًا محملًا، فقال: ابتاعوا مني غلامًا عربي ًّ افارهًا وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنت م تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا علي غلامي، فقالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص، والقلائص يعني جمال نوق، فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال للقوم: دونكم هو هذا خذوه، فجاءوا القوم فقالوا: قد اشتريناك، قال صويبت: هو كاذب أنا رجل حر، فقالوا: قد أخبرنا خبرك وطرحوا الحبل في رقبته فذهبوا به، فجاء أبو بكر فأ ُ خبر، فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه، فضحك منها النبي ﷺ وأصحابه حولًا؛ سنة كاملة يضحكون من الذي حدث، أو من هذه القصة.
عن عبد الحميد بن صيفي، عن أبيه، عن جده قال: إ ن صهيبًا قدم على النبي ﷺ وبين يديه تمر وخبز، فقال: ((ادن ُ فك ُ ل ْ))، فأخذ يأكل من التمر، فقال له النبي ﷺ : ((أن بعينك رمدًا)) فقال: يا رسول الله إنما أكل من الناحية الأخرى فتبسم رسول الله ﷺ جاءت الرواية وضحت هذا؛ كانت عينه اليمنى هي التي بها الرمد وداعبه النبي ﵊ فقال: ((إن بعينك رمدًا لا تأكل تمراً)) فقال الرجل: آكل من الناحية الأخرى؛ يعني آكل من ناحية العين السليمة، فتبسم رسول الله ﷺ
من ذكائه ودعابته.
باب: من جاء في الترهيب من الجدال والمراء، وهذا لون من أدب الحديث؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((جدال في القرآن كفر)).
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) ثم تلا هذه الآية ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف: ٥٨).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن العب د الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاح، ويترك المراء وإن كان صادقًا))
стр. 313
لين الكلام واختيار الألفاظ
أما لين الكلام واختيار الألفاظ؛ فذلك أدبًا عظيم من آداب الحديث، بل من أهمها، ولقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو إلى لين الكلام واختيار الألفاظ وعدم التنابز بالألفاظ، كما جاءت أحاديث شريفة تدعو إلى لين الكلام.
فمن الآيات الكريمة الجامعة لهذا الأمر ما جاء في سورة " الحجرات " قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١١، ١٢)، وقال تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
ومن الأحاديث الشريفة في ذلك؛ قال ﷺ : ((ألينوا الكلام، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلون الجنة بسلام)).
وإليكم ما كتبه فضيلة الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله تعالى - في هذا الموضوع في كتاب (خلق المسلم) قال: تحت عنوان؛ أدب الحديث: نعمة البيان من أجل النعم التي أسبغها الله تعالى على الإنسان، وكرمه بها على سائر الخلق: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٤) وعلى قدر جلال النعمة يعظم حقها ويستوجب شكرها ويستنكر كنودها؛ أي جحودها.
стр. 314
وقد بين الإسلام كيف يستفيد الناس من هذه النعمة المسداة، وكيف يجعلون كلامهم الذي يتردد سحابة النهار على ألسنتهم طريقًا إلى الخير المنشود؛ فإن أكثر الناس لا ينقطع لهم كلام، ولا تهدأ لهم ألسنة؛ فإذا ذهبت تحصي ما قالوا وجدت جله اللغو الضائع أو الهذر الضار، وما لهذا ركب الله الألسنة في الأفواه، ولا بهذا تقدر الموهبة المستفادة؛ قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٤٤).
ينبغي أن يسا ئ ل المرء نفسه قبل أن يتحدث إلى الآخرين؛ هل هناك ما يستدعي الكلام؟ فإن وجد داعيًا إليه تكلم، وإلا فالصمت أولى به، وإعراضه عن الكلام حيث لا ضرورة له عبادة جزيلة الأجر، قال عبد الله بن مسعود ﵁: والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. رواه الطبراني.
وقال عبد الله بن عباس ﵄ خمس لهم أحسن من الدرهم الموقفة - يعني الجيدة - لا تتكلم فيما يعنيك؛ فإنه فضل - يعني زيادة لا داعي لها - ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا؛ فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعيب، ولا تماري حليمًا ولا سفيهًا؛ فإن الحليم يقليك - يعني يبتعد عنك - وأن السفيه يؤذيك، وا ذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به، وا عفي مما تحب أن يعفيك منه، وا عمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذة بالإجرام.
والمسلم لا يستطيع هذا إلا إذا ملك لسانه، وسيطر على زمامه بقوة فكبحه حيث يجب الصمت، وضبطه حين يريد المقال؛ أما الذين تقودهم ألسنتهم فإنما تقودهم إلى مصارعهم.
هذا بعض ما جاء في أدب الحديث وفي لين الكلام.
وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 315
الدرس: ١٩ الدعوة إلى التواضع، والتحذير من الكبر .
стр. 316
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(الدعوة إلى التواضع ، والتحذير من الكبر)
الدعوة إلى التواضع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن الإسلام دعا إلى التواضع وحبب فيه، وجاء في التواضع آيات قرآنية كريمة دعت إليه ورغبت فيه، لقد دعي رسول الله ﷺ إلى أن ينخفض جناحه للمؤمنين، وهي دعوة لكل مسلم ومسلمة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥).
ودعا رسول الله ﷺ إلى التواضع في أحاديث كثيرة، وبين ﷺ أن المسلم لا يزيده التواضع إلا عزًّا، وأن المتواضع قريب إلى الله قريب إلى الناس، وذكر ﷺ أن الله تعالى أوحى إليه أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد عن أحد، وبين ﷺ أن المسلم يتواضع لأخيه المسلم فلا يحقره ولا يستصغره؛ قال ﷺ : ((المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره؛ كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه)).
ولقد ذكرت سابقًا أن القرآن الكريم نزلت به آيات كريمة دعت إلى التواضع للناس؛ من هذه الآيات الآية التي ذكرتها آنفًا وهي قول الحق : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤) فبينت هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يحب أناس من المؤمنين ويحبونه؛ قدم محبته لهم على محبتهم إياه، وبين أن أهم وصف لهم أنهم متواضعون لله؛ فهم أذلة على المؤمنين؛ أي متواضعون للمؤمنين، وأعزة وأشداء على الكفار.
стр. 317
وهذا ما ورد أيضًا في قوله تعالى في سورة "الفتح": ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿(الفتح: ٢٩) فهم كما ترى أشداء على الكفار رحماء بينهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣).
فالناس من أب واحد هو آدم ﵇ وأم واحد هي حواء زوجة آدم؛ إذًا يجب التواضع لكل خلق الله؛ إذ كلهم لآدم، وآدم من تراب قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: ٣٢)، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: ٤٨، ٤٩).
ولقد ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) أحاديث جاءت في التواضع، نذكرها كما رواها، قال ﵀ باب: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، ثم قدم للأحاديث بآيات قرآنية نزلت في التواضع ذكرتها فيما سبق، وإليكم الأحاديث كما ذكرها في هذا الكتاب:
يقول الإمام النووي عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد)) رواه مسلم في (صحيحه).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) رواه مسلم.
стр. 318
وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله. حديث متفق عليه؛ أي كان ﷺ من تواضعه الجم يسلم حتى على الصبيان في الطرقات.
وعن أنس أيضًا ﵁ قال: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة -يريد المرأة- لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. رواه البخاري؛ أن يمشي مع الأمة التي تريد أن يمشي معها ليقضي لها حاجتها.
وعن الأسود بن يزيد ﵁ قال: سئلت عائشة ﵂ ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته قالت: كان يكون في مهنة أهله -يعني خدمت أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
وعن أبي رفاعة تميم بن أسيد ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأوتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها. هذا هو تواضعه ﷺ يقطع الخطبة ليجلس بجوار رجل يعلمه أمور دينه، ثم بعد ذلك يعود لإكمال خطبته ﷺ حديث صحيح رواه الإمام مسلم في (صحيحه).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال ﷺ : ((إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى)) يذهب الأذى عنها ينفضها من الأذى والتراب، ثم بعد ذلك يأكلها، هذا من باب التواضع يقول ﵊: ((إذا سقطت لقمة أحدكم -يعني وقعت منه على الأرض- فليمط -أي فليزل عنها الأذى- وليأكلها ولا يدعها للشيطان)) وأمر أن نسلت القصعة يعني نأكل من القصعة حتى آخرها؛ قال: ((فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)) رواه
стр. 319
مسلم، قد تكون البركة في الطعام في آخر لقمة يأكلها الإنسان أو في اللقمة التي سقطت منه، أو في آخر ملعقة في آخر الصحفة فكان ﷺ يأمر أصحابه بأن يسلتوا القصعة أن يأكلوا ما فيها حتى آخرها.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم)) قال أصحابه: وأنت، فقال: ((نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) رواه البخاري، نعم رعيت الغنم على قراريط؛ يعني على أجر معلوم لأهل مكة، ورعي الغنم يعلم الصبر ويعلم التواضع، فما من نبي من أنبياء الله كما جاء في هذا الحديث إلا ورعى الغنم، ونبينا ﷺ رعاها على قراريط لأهل مكة.
وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي ﷺ قال: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت)) والكراع والذراع هو شيء بسيط من اللحم، فذراع الشاة معروف، والكراع هو اللحم الذي يكون فوق ظلف الشاة يسمى بالكراع، وهو شيء قليل، ولكن لتواضعه ﷺ الذي يريد أن يعلمه للدنيا كلها يقول: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)) يعني يجيب الدعوة ولو كانت يسيرة، ويقبل الهدية ولو كانت يسيرة.
وعن أنس ﵁ قال كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء؛ وهذا اسم ناقته ﵊ لا تُسبق؛ إذا مشت مع النوق تسبق كل الجمال، أو يقول أنس: أو لا تكاد تسبق، فجاء إعرابي على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين؛ يعني حزن المسلمون كيف تسبق ناقة رسول الله ﷺ فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه ﷺ فيهم فطمأنهم فقال: ((حق على الله إلا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)) هذا هو التواضع الذي علمه ﷺ لأصحابه.
وعن التواضع كتب الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه (الأخلاق الإسلامية وأسسها) كتب تحت عنوان؛ فضل التواضع ابتغاء مرضاة الله، وإذ
стр. 320
حرمت النصوص الإسلامية الاستكبار بغير حق، وأبانت أن الكبر من قبائح أخلاق الإنسان حثت على التواضع؛ ابتغاء مرضاة الله ورغبت فيه، وأبانت أن من تواضع لله كافأه الله على تواضعه برفعه قال ﵊: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) وهذا من سنن الله في عباده.
كما أن من استكبر وتعالى على خلق الله أذله الله، ومن الملاحظ أن الناس يحبون المتواضع ويألفونه، ويكرهون المستكبر ويأنفون عنه ولا يألفونه، والسر في ذلك أن المتواضع ينزل نفسه إلى مستوى جلسائه فيعيش معهم بوداعة وانطلاق، ويعيش معهم ويعيشون معه بمثل ذلك فيتم بينه وبينهم الألفة والوئام، وذلك يولد المحبة بخلاف المستكبر فإنه يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه فيعيش وحده في جو نفسي متعاظم، ويحيط نفسه بسياج شائك لا وداعة فيه ولا انطلاق، وحين يرى جلساؤه ومعاشروه ذلك منه يبتعدون عنه بنفوسهم فلا يألفونه، ويرونه يضع نفسه فوقهم فيكرهونه، فكلتا الثمرتين من النتائج الطبيعية لكلا العملين، يضاف إلى ذلك أن المتواضع لا يثير في الناس دافع المنافسة فيكون مألوفًا محبوبًا بخلاف المستكبر فهو يثير في الآخرين دافع المنافسة بقوة فيكون مكروهًا غير مألوف للنفوس، لا سيما إذا كان هو في نظرهم دون المكانة التي يرفع نفسه إليها.
ولما كان التواضع من الأخلاق التي تملك القلب بالمحبة أمر الله رسوله بأن يخفض جناحه للمؤمنين مع أنه ﷺ رفيع المكانة في نفسه، عظيم المنزلة عند الله تعالى، فقال الله تعالى له في سورة "الحجر" ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: ٨٨)، فكان -صلوات الله وسلامه عليه- يخفض جناحه للمؤمنين؛ فلا يتعاظم عليهم، ولا يستكبر، ويجلس بينهم كواحد منهم حتى يدخل عليه وهو في أصحابه من لا يعرفه فيقول: أيكم محمد؟ وربما كانت توقفه الأمة، وتأخذ بيده
следующие страницы →