Полный текст (366 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الدرس: ٥ أثر الإيمان في حياة الأمة .
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(أثر الإيمان في حياة الأمة)
من آثار الإيمان: ترابط المسلمين وتآخيهم، وصيانة الأعراض، والحياء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أثر الإيمان في حياة الأمة:
إن للإيمان أثر عظيم في حياة الأمة؛ إذ الإيمان هو المحرك الأساسي لحياة الأمة، وهو الطاقة التي تنتشر في كيانها، فالإيمان يدعو إلى كل خير وينهى عن كل شر؛ لأن من يؤمن بالله تعالى حقًّا يقوم بأوامر الله، وينتهي عن كل ما نهى الله تعالى عنه، أي: يلتزم بشرع الله الذي أنزله الله تعالى على رسوله في كتابه الكريم، وبما شرعه الحق أيضًا على لسان نبيه الكريم سيدنا محمد ﷺ .
فالإيمان عندما يحيا في النفوس تجد النفوس حيية طيبة كريمة تعمل الخير وتسعى إلى الخير لكل الناس فالمؤمن حيي كريم يحافظ على الناس وعلى أموال الناس وعلى أعراض الناس وعلى أنفس الناس، وهناك أحاديث من خلالها نعرف أثر الإيمان على حياة الأمة وهي أحاديث كثيرة من خلالها نعرف أوصاف المؤمن الحق في نفعه لأمته وللبشرية جمعاء من هذه الأحاديث ومن أوائلها حديث شعب الإيمان إذ هذا الحديث جعل للإيمان خصالًا يتخلق بها المؤمن سميت شعبًا، والشعبة هي الخصلة هذه الشعب، أي: الخصال كلها داعية للخير، وأخلاق نبيلة عالية فاضلة نابعة من هذه الشعب منها مثلًا الحياء، ومنها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول المسلم: لا إله إلا الله.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان)) وفي رواية: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).
стр. 73
من آثار الإيمان: أن المؤمن يقف بجوار أخيه المؤمن عند الشدائد ويكون معه في السراء والضراء إن أصابه خير هنأه، وإن أصابته مصيبة عزاه إن احتاج أعطاه؛ فالمؤمن للمؤمن كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
قال ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ وروى البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود في (سننه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه)).
وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
قال ذلك السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الثاني ص ١٨٤: ومن آثار الإيمان في نفس المؤمن أنه هين لين، يألف إخوانه، ويألفوه، ويتودد إليهم، ويتقرب لهم يحبهم ويحبونه، يقدم لهم النفع والخير، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، ولا خير في من لا يقدم النفع إلى الناس، ولو بالكلمة الطيبة، والنصيحة المفيدة؛ فخير الناس أنفعهم للناس.
روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يألف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف)).
وروى الدارقطني في الأفراد والضياء في المختارة عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يألف ويؤلف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس)).
стр. 74
وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس)) قال السيوطي: حديث حسن.
وقال ﷺ : ((المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه اشتكى كله وإن اشتكى عينه اشتكى كله)) رواه مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير ﵄ وقال ﷺ ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) رواه أحمد ومسلم.
إن أثر الإيمان في حياة الأمة أثر عميق؛ فمن آثاره: أنه يحافظ على الأعراض فترى المؤمن يغار لعرضه، وعرض إخوانه؛ فلا يقبل الفاحشة على نفسه، ولا على أهله، ولا على إخوانه المؤمنين، والمجتمع الذي يغار أهله من أجل العرض مجتمع نقي طاهر بعيد عن الفواحش كل البعد وبعيد عن الخنا والزنا، وعن كل ما يخدش الحياء.
روى الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يغار، والله أشد غيرةً؛ إن المؤمن راض بقضاء الله وقدره، صابرٌ على ما يقع به من الله، يحمد الله تعالى على كل حال، إن كان في خير شكر، وإن كان في ضراء صبر، وأمره كله خير)).
قال ﷺ : ((المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله)) رواه النسائي عن ابن عباس وروى البخاري بسنده أن رسول الله ﷺ قال: ((عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا لله، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن)) وروى أبو نعيم في (الحلية) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ -
стр. 75
قال: ((المؤمن منفعة إن ماشيته نفعك، وإن شاورته نفعك وإن شاركته نفعك، وكل شيء من أمره منفعة)) رواه السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الثاني ص١٨٥ وروى البيهقي بسنده عن مكحول مرسلًا، أي: حديث مرسل أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمنون هينونَ لينونَ، كالجمل الأنف إن قِيْدَ انقَادَ، وإذا أُنيخَ على صخرةٍ استَنَاخَ)).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبخاري في الأدب المفرد، قال ذلك السيوطي في (الجامع الصغير) الجزء الثاني ص١٨٥.
ولقد ذكرنا سابقًا أن من أثر الإيمان أن يشيع الحياء في المجتمع، وسنقف وقفة مع حديث الحياء. روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان وفي رواية الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).
إن الحياء خلق كريم يدعو إلى فعل الطيبات، والبعد عن المنكرات، خلق يبعث على فعل الفضائل، والتحلي عن الرذائل؛ ولهذا دعا ﷺ إليه في أحاديث كثيرة غير هذا الحديث من هذه الأحاديث أن رسول الله ﷺ : ((مر على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال له ﷺ : دعه؛ فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)) وفي رواية: ((الحياء خير كله)).
وجاء في الحديث أيضًا أن النبي ﷺ قال: ((إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلامِ الحياء)) وقال ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع
стр. 76
ما شئت وكان ﷺ يوصف بأنه أشد حياء من العذارء في خدرها)) ودعا ﷺ إلى أن يتخلق المسلمون بالحياء الحقيقي. فقال ﷺ لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحيي والحمد لله فقال ﷺ : ليس ذلك وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)).
يقول الشيخ موسى شاهين لاشين في فقهه: هذا الحديث عندما شرحه في كتابه (المنهج الحديث): تكلف جماعة من العلماء حصر شعب الإيمان بطريق الاجتهاد ولم يتفقوا على نمط واحد وبعضهم قسمها إلى أعمال القلب معتقدات ونيات، وإلى أعمال اللسان، وإلى أعمال البدن وبعضهم أخذ يعدها سردًا دون تقسيم، وبعضهم ذهب إلى أن العدد أريد به التكثير دون التحديد من قبيل قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠) أي: مهما تستغفر لهم فالمراد التكثير وليس حقيقة العدد. وقال هؤلاء: إن ذكر البضع للترقي فيكون المعنى أن شعب الإيمان أعداد مبهمة وكثيرة، بل أكثر من الكثير.
والحق: أن محاولة حصر شعب الإيمان محاولة غير سليمة من النقل فالبعض يمكن إدخاله في البعض، كما يمكن عده مستقلًّا، وكل من تكلف حصر الشعب لم يخل من الاعتراض، ولا يقدح عدم معرفةِ حصر الشعب على التفصيل في الإيمان؛ إذ أمرها يحتاج إلى توقيف، وكل ما بينه رسول الله ﷺ أعلى هذه الشعب وأدناها، كما ثبت في الصحيح: ((أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).
وفي بعض روايات الصحيح: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) وبعضهم رجح علي رواية بضع وستين شعبة لأن العدد المتيقن في الروايتين هو البضع والستون
стр. 77
وهذا كله مبني على أن العدد مقصود محدد أما من يرى أن العدد هنا للتكثير غير مراد تحديده فلا إشكال في اختلاف الروايات فإن قيل رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير كي يحجم صاحبه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكيف يكون مثل هذا شعبة من الإيمان قلنا إن مثل هذا ليس بحياء شرعي، بل عجز ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف من حيث إنه انقباض من خوف أن يذم فهو يشبه الحياء، وليس بحياء شرعي.
فالحياء الشرعي خير كله، والحياء الشرعي لا يأتي إلا بخير فالتغير والانكسار الذي يعتري الإنسان من خوف ما يعاب عليه منه الشرعي الممدوح الموصوف بالسكينة والوقار، فالتغير، والانكسار الذي يعتري الإنسان من خوف ما يعاب عليه منه الشرعي الممدوح الموصوف بالسكينة والوقار، ومنه المذموم غير الشرعي، فإن كان الانقباض عن محرم فهو واجب، وإن كان عن مكروه فهو مندوب.
أما الانقباض عن واجب أو مندوب فليس حياء شرعيًّا، ومنه انكسار النفس وانقباضها عن السؤال في العلم مع الحاجة إلى السؤال، والحياء الشرعي درجات أعلاها أن يستحي المتقلب في نعم الله أن يستعين بها على معصيته وفيه يقول ﷺ لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحيي والحمد لله، فقال: ليس ذلك، وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وأن تذكر الموت والبلى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
ويؤخذ من هذا الحديث تفاوت مراتب الإيمان وأن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى الإيمان ثم يحث الحديث على التخلق بخلق الحياء ولقد
стр. 78
كتب الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- في كتابه خلق المسلم تحت عنوان الحياء كلامًا طيبًا، فقال: الحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان، فهو يكشف عن قيمة إيمانه، ومقدار أدبه، وعندما ترى الرجل يتحرج من فعل ما لا ينبغي، أو ترى حمرة الخجل تصبغ وجهه إذا بدر منه ما لا يليق. فاعلم أنه حي الضمير، نقي المعدن، ذكي العنصر وإذا رأيت الشخص صفيقًا بليد الشعور لا يبالي ما يأخذ، أو يترك؛ فهو امرؤ لا خير فيه، وليس له من الحياء وازع يعصمه عن اقتراف الآثام، وارتكاب الدنايا، وقد وصى الإسلام أبناءه بالحياء، وجعل هذا الخلق السامي أبرز ما يتميز به الإسلام من فضائل.
قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء)) رواه مالك في (الموطأ) كانت الصرامة ملحوظة في تعاليم اليهودية على عهد موسى ﵇ وكانت السماحة ملحوظة في تعاليم المسيحية على عهد عيسى ﵇ وقد تميز الإسلام بالحياء والأديان كلها تأمر بالفضائل جملة وتحاسب عليها جملة وقد أراد النبي الكريم ﷺ أن يجعل من حساسية المسلم بما في الفضيلة من خير، وبما في الرذيلة من شر أساسًا يدفعه إلى الاستمساك بالأولى، والاشمئزاز من الأخرى أساسًا يدفعه إلى الاستمساك بالأولى أي: بالفضائل والاشمئزاز من الأخرى، أي: الرذيلة حياء من ترك الخير، ومن فعل الشر بغض النظر عن الثواب والعقاب كما قال ابن القيم:
هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرمِ
أليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعمِ
وكان النبي ﷺ أرق الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة وأعمقهم شعورًا بالواجب، ونفورًا من الحرام، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه)) رواه مسلم.
стр. 79
إن الإيمان صلة كريمة بين العباد وربهم ومن حق هذه الصلة بل أثرها الأول تزكية النفس وتقويم الأخلاق وتهذيب الأعمال ولن يتم ذلك إلا إذا تأسست في النفس عاطفة حية تترفع بها أبدًا عن الخطايا، وتستشعر الغضاضة من سفاسف الأمور، أما الإلمام بالمحاقر دون تورع، والوقوفع في الصغائر دون اكتراث؛ فذلك دلالة فقدان النفس لحيائها ثم فقدانها لإيمانها.
قال رسول الله ﷺ : ((الحياء والإيمان قرناء جميعًا؛ فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)) وعلة ذلك أن المرء حينما يفقد حياءه يتدرج من سيئ إلى أسوأ، ويهبط من رذيلة إلى أرذل ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل، وقد روي عن رسول الله ﷺ حديث يكشف عن مراحل هذا السقوط الذي يبتدئ بضياع الحياء، وينتهي بشر العواقب قال ﷺ : ((إن الله إذا أراد أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء؛ فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممْقَتًا، فإذا لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنًا مخونًا، فإذا لم تلقه إلا خائنًا مخونًا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا، فإذا لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا نزعت منه ربقة الإسلام)).
وهذا ترتيب دقيق في وصفه لأمراض النفوس، وتتبعه لأطوارها، وكيف تسلم كل مرحلة خبيثة إلى أخرى أشد نكرًا إن الرجل إذا مزق الحجاب عن وجهه، ولم يتهيب على عمله حسابًا، ولم يخش في سلوكه لومةَ لائم مد يد الأذى للناس، وطغى على كل من يقع في سلطانه، ومثل هذا الشخص الشرس لن يجد قلبًا يعطف عليه، بل إنه يغرس الضغائن في القلوب وينميها، وأي حب لامرئ جريء على الله، وعلى الناس لا يرده عن الآثام حياء، فإذا سار الشخص بهذه المثابة لم يؤتمن على شيء قط؛ إذ كيف يؤتمن على أموال لا يخجل من أكلها، أو على أعراض لا يستحي من فضحها، أو على موعد لا يهمه أن يخلفه، أو على واجب لا يبالي أن
стр. 80
يفرط فيه، أو على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها، فإذا فقد الشخص حياءه، وفقد أمانته أصبح وحشًا كاسرًا ينطلق معربدًا وراء شهواته، ويدوس في سبيلها أزكى العواطف؛ فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة، وينظر إلى آلام المنكوبين، والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة إن أثرته الجامحة، وضعت على عينيه غشاوة مظلمة، فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويعريه بالمزيد، ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض، فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام.
وللحياء مواضع يستحب فيها فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش، وأن ينزه لسانه عن العيب وأن يخجل من ذكر العورات فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها قال رسول الله ﷺ الحياء من الإيمان والإيمان من الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
ومن الحياء في الكلام: أن يقتصد المسلم في تحدثه بالمجالس؛ فإن بعض الناس لا يستحيون من امتلاك ناصية الحديث في المحافل الجامعة فيملئون الأفئدة بالضجر من طول ما يتحدثون، وقد كره الإسلام هذا الصنف قال رسول الله ﷺ : ((من تعلم صرف الكلام ليستبي به قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا)).
من آثار الإيمان: ترك أذى المسلمين، وهجرة الذنوب
ومن آثار الإيمان في الأمة أو في حياة الأمة أن المؤمن والمسلم سلم للمسلمين يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يقع منه إلا ما يفيد من حوله، وما ينفع إخوانه، فيده عفيفة عن الإساءة لأحد، وكذلك لسانه عف طاهر فلا هو بالبذيء، ولا الشتام، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا المتفحش كما أنه يهجر، ويترك كل ما نهى الله عنه.
стр. 81
روى الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه)) يقول الشيخ الدكتور موسى شاهين لاشين في شرح هذا الحديث: يعتمد صرح الإسلام ومجتمعه الكامل على قاعدتين قاعدة إيجابية، وهي فعل الخير من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وكل عمل بناء.
والقاعدة السلبية -أي: قاعدة الترك، والكف هذه القاعدة الثانية هي المقدمة يعني قاعدة الكف والترك، وهي الأهم؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية من هنا اهتم الشرع بتهذيب أبنائه، وإبعادهم عن المساوئ والرذائل، وإيذاء بعضهم بعضًا؛ فجعل المسلم الحق هو الذي يسلم الناس من لسانه ويده، وبقية جوارحه.
المراد بالمسلم في الحديث المسلم والمسلمة فالتعبير بالمسلم للتغليب والنساء شقائق الرجال يسري عليهن حكمهم إلا ما خص بنص من الشرع الحكيم، من سلم المسلمون فيه جناس الاشتقاق وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد.
والتعبير أيضًا بلفظ المسلمون من قبيل التغليب أيضًا والمسلمات من لسانه ويده أراد من اليد ما هو أعم من العضو المعروف فيراد بقية الأعضاء كما يراد اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، فالمراد من سلم المسلمون من شره مطلقًا والمهاجر أي الهاجر فالمفاعلة ليست من الجانبين كلفظ المسافر وقيل إن من هجر شيئًا؛ فقد هجره ذلك الشيء وإن كان جامدًا وهي هجرة بالقوة وبغير إرادة.
فقه الحديث: من علامة المسلم التي يستدل بها على حسن إسلامه سلامة المسلمين من شره وأذاه، بل إحسان المعاملة مطلوب مع غير المسلمين بل مع غير
стр. 82
الإنسان من الطير والحيوان، فذكر المسلمين في الحديث خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه، ولأن الأغلب أن سبب الإذاية المخالطة، وغالب ما يخالطهم المسلم عادة هم المسلمون؛ فنَبَّهَ على التحرز من إيذائهم التي قربت أسبابها، وخص اللسان، واليد بالذكر من بين سائر الجوارح؛ لأن اللسان هو المعبر عما في النفس واليد هي التي بها البطش والقطع والوصل، والأخذ، والمنع، والإعطاء، وقدم اللسان على اليد؛ لأن إيذاءه أكثر وقوعًا من إيذائها، وأسهل مباشرة، وأشد نكاية منها، ولهذا قال الشاعر:
جراحاتُ السنانِ بها التئامُ ... ولا يلتامُ ما جرح اللسانُ
ثم إيذاء اللسان يعم، ويلحق عددًا أكثر مما يلحقه إيذاء اليد، فقد يؤذي البعيد والقريب، والحاضر والغائب، والميت والحي، وأسرة، أو قبيلة، أو دولة بلفظ واحد بخلاف اليد؛ فذكر اللسان واليد مع غلبة مباشرتهما الأذى كالعنوان لكل ما يباشر الأذى من الأعضاء حتى القلب فإنه منهي عن الحسد والحقد والبغض والغيبة وإضمار الشر ونحو ذلك ولا يدخل في إيذاء المسلم إقامة الحدود؛ إذ هي إصلاح لا إيذاء وكل مأذون فيه شرعًا مهما آلم ليس من قبيل الإيذاء المحرم.
ويؤخذ من هذا الحديث: الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي وجماع ذلك حسن الخلق وهو درجات أعلاها درجة الأبرار، وهم الذين لا يؤذون الذر ولا يضمرون الشر، وفي الحديث رد على المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما أن في الحديث الدعوة إلى العفو والصفح وترك المؤاخذة أولى من المطالبة والمعاقبة قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (الشورى: ٤٣).
стр. 83
والحديث يحث على هجر الفسق والعصيان، وفيه أيضًا: أن عدم الإيذاء علامة ظاهرة من علامات المسلم، وليس معنى ذلك أن من سلم المسلمون من لسانه ويده يكون كامل الإسلام، وإن قصر في الواجبات الأخرى؛ فظهور علامة قد تكون غير معبرة عن باطن حقيقي لا تثبت بها الحقيقة الكاملة، نعم من لم يسلم المسلمون من أذاه لا يكون مسلمًا كامل الإسلام، وإن كان مسلمًا في الجملة.
ما كتبه الشيخ سيد سابق ﵀ تحت عنوان "ثمار الإيمان "
ولقد كتب الشيخ سيد سابق -رحمه الله تعالى- كلامًا طيبًا مفيدًا تحت عنوان "ثمار الإيمان" في كتابه القيم (العقائد الإسلامية) من ص٧٤ إلى ٧٨ يحسن بنا أن أقرأها عليكم، يقول تحت عنوان "ثمار الإيمان":
وإذا عرف الإنسان ربه من طريق العقل والقلب؛ أثمرت له هذه المعرفة ثمارًا يانعة وتركت في نفسه آثارًا طيبة ووجهت سلوكه وجهة الخير والحق والسمو والجمال وهذه الثمار نجمل بعضها في ما يلي:
١ - تحرر النفس من سيطرة الغير؛ وذلك أن الإيمان يقتضي الإقرار بأن الله هو المحيي المميت الخافض الرافع الضار النافع، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٨) إن الذي عوق البشرية عن النهوض حال بينها وبين الرقي والخضوع للاستبداد سواء أكان هذا الاستبداد استبدادًا سياسيًّا للحكام، والرؤساء أم استبدادًا كهنوتيًّا لرجال الدين والكهنوت، وبتقرير الإسلام لهذه الحقيقة قضى على هذا الأسر، وأطلق حرية الإنسان من سيطرة هؤلاء المستبدين التي لازمته قرونًا طويلة.
стр. 84
٢ - والإيمان يبعث في النفس احتقار الموت، والرغبة في الاستشهاد من أجل الحق إن الإيمان يوحي بأن واهب العمر هو الله وأنه لا ينقص بالإقدام ولا يزيد بالإحجام فكم من إنسان يموت، وهو على فراشه الوثير وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥).
وقال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ (آل عمران: ١٥٤) وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: ٧٨).
الثمرة الثالثة من ثمار الإيمان يقول: والإيمان يقتضي الاعتقاد بأن الله هو الرزاق، وأن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: ٦) وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: ٦٠).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت: ٦٢)، وإذا سيطرت هذه العقيدة على النفس تخلص الإنسان من رذيلة البخل والحرص، والشره والطمع، واتصف بفضيلة الجود والبذل، والعطاء، والأنفة، والعفة، وكان إنسانًا مأمول الخير، مأمونَ الشر.
стр. 85
والطمأنينة أيضًا أثر من آثار الإيمان: طمأنينة القلب، وسكينة النفس قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح: ٤).
وإذا اطمأن القلب، وسكنت النفس شعر الإنسان ببرد الراحة وحلاوة اليقين، ودخل الأهوال بشجاعة، وثبت إزاء الخطوب مهما اشتدت، ورأى أن يد الله ممدودة إليه، وأنه القادر على فتح الأبواب المغلقة، فلا يتسرب إليه الجزع، ولا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلا قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢٥٧).
والإيمان يرفع من قوى الإنسان المعنوية ويربطه بمثل أعلى وهو الله مصدر الخير والبر والكمال وبهذا يسمو الإنسان عن الماديات ويرتفع عن الشهوات ويستكبر على لذائذ الدنيا ويرى أن الخير والسعادة في النزاهة والشرف وتحقيق القيم الصالحة ومن ثم يتجه المرء اتجاهًا تلقائيًا لخير نفسه ولخير أمته ولخير الناس جميعًا وهذا هو السر في اقتران العمل الصالح بجميع شعبه وفروعه بالإيمان إذ أنه الأصل الذي تصدر عنه وتتفرع منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (يونس: ٩) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٤) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: ١١).
وإذا اهتدى القلب فأي شيء من الخير يفوته، والحياة الطيبة يعجل الله بها للمؤمنين في الدنيا قبل الآخرة وتتمثل هذه الحياة في ولاية الله للمؤمن وهدايته
стр. 86
له، ونصره على أعدائه وحفظه مما يبيت له وأخذه بيده كل ما عثر أو زلت به قدم؛ فضلًا عما يفيضه عليه من متاع مادي يكون عونًا له على قطع مرحلة الحياة في يسر، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧).
وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: ٣٠) وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: ٥٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: ٩٦) وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (يونس: ٩٨).
وقد انتهى العالم إلى هذه الحقائق الإيمانية، ولا يتسع المجال لإثبات شهادات كبار العلماء، وتسجيل ما شاهدوه، ونكتفي هنا بتسجيل ما نشر بجريدة الجمهورية يوم السبت ٢٩/ ١١/ ١٩٦٢ قالت الصحيفة تحت عنوان العلماء يلجئون إلى الدين لعلاج مرضى الأمراض العقلية، عزاء وسلوان لأولئك الذين تشبثوا بدينهم، ولم يتزعزع إيمانهم في أحلك لحظات المدنية وأنصعها -أقصد تلك اللحظات التي يتشدق فيها دعاة النظريات العتيدة، وفي مقدمتها نظرية النشوء والارتقاء لدارون، ويتشدقون فيها بأن الدين بدعة، وبأن الإنسان يقف وحده في هذا الكون كما زعم "جوليان هكسلي" جد الكاتب الفيلسوف البريطاني الكبير "الدوسي هكسلي".
стр. 87
إن علماء الأمراض العقلية لا يجدون اليوم سلاحًا أمضى، وأبعد فاعلية لعلاج مرضاهم من الدين والإيمان بالله، والتطلع إلى رحمة السماء والتشبث بالرعاية الإلهية، والالتجاء إلى قوة الخالق الهائلة، عندما يتضح عجز كل قوةٍ سواه، لقد بدأت التجربة في مستشفى بولاية نيويورك، وهو مستشفى خاص بمرتكبي الجرائم من المصابين بالأمراض العقلية، بدأت التجربة بإدخال الدين كوسيلة جديدة للعلاج بجانب الصدمات الكهربائية لخلايا المخ، والعقاقير المسكنة، والمهدئة للأعصاب؛ فكانت النتيجة رائعة.
إن أولئك الذين تعذر شفاؤهم، بل فقدوا الأمل فيه انتقلوا من عالم المجانين إلى عالم العقلاء، أولئك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم، وهم مسلوبو الإرادة، باتوا يسيطرون على إرادتهم، وتفكيرهم، وتصرفاتهم ويذرفون الدمع ندمًا، وكلهم أمل في رحمة السماء، ومغفرة الله، واستسلم العلماء، ورفعوا أيديهم إلى السماء يعترفون بضعهم، ويعلنون للدنيا.
أن العلم يدعو إلى الإيمان، وليس أبدًا يدعو إلى الإلحاد.
هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 88
الدرس: ٦ علامات الساعة، وحكم الإيمان بها .
стр. 89
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(علامات الساعة، وحكم الإيمان بها)
علامات الساعة في حديث جبريل ﵇
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
ولنبدأ برواية حديث جبريل ﵇ الذي جاءت فيه هذه العلامات، نتناول هذا الحديث بطرقه المتعددة كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده وكما رواه غير مسلم أيضًا.
روى الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- بسنده في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد بياض الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال: رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا ثم قال ﷺ لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال ﷺ فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)).
ورواه مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجلًا فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله
стр. 90
وملائكته وكتبه وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله ما الإسلام: قال: الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنك إلا تراه فإنه يراك، قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها - الأشراط يعن: علاماتها- إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس؛ فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم جمع بهيمة في البنيان؛ فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا ﷺ قول الحق : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤).
قال: الراوي وهو سيدنا أبو هريرة: ((ثم أدبر الرجل فقال: رسول الله ﷺ ردوا علي الرجل، فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا فقال رسول الله ﷺ : هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم)).
نتناول في درسنا هذا في مقدمته المراد بالساعة، والأسماء التي وردت لها في القرآن الكريم، وبيان أنها غيب، أي: أن ميعادها غيب لا يعلمه إلا الله، كما سنتعرض إلى أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، ونبين أن الدين الإسلامي باقٍ، وظاهر إلى قيام الساعة.
أولًا المراد بالساعة يوم القيامة: وهو المعروف باليوم الآخر كما جاء في رواية من روايات هذا الحديث أعني حديث جبريل ﵇ وجاء كثيرًا باسم اليوم الآخر في آيات القرآن الكريم.
стр. 91
وجاء في روايات هذا الحديث أيضًا أنه يوم البعث وذلك عندما قال ﷺ لجبريل عند سؤاله عن الإيمان قال: له ﵊ في الجواب، وأن تؤمن بالبعث بعد اليوم، والساعة غيب لا يعلمه إلا الله فلا يعلم متى الساعة نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال ﷺ في هذا الحديث عندما تحدث عن علامات الساعة، وذلك في خمس لا يعلمهن إلا الله، ومن الخمس الساعة؛ لأنه ﷺ تلا قول الحق : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وهذا جبريل في هذا الحديث وهو ملك مقرب بل هو الملك الموكل إليه الوحي إلى الرسل لا يعرف متى تكون الساعة ملك من المقربين، ويجيبه سيد الخلق وخاتم الرسل بأنه لا يعرف أيضًا متى تكون؛ فالساعة غيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (الأحزاب: ٦٣).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (الشورى: ١٧، ١٨).
ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، أي: أن الإيمان يقبض، وينزع من الأرض فلا يكون في الأرض موحد يقول: الله الله؛ فتقوم الساعة على من بقي، وهم عندئذ شرار الخلق، إذ تقوم ريح لينة من قبل الحق يرسلها قبيل
стр. 92
قيام الساعة بلحظات، تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة فلا يبقى على وجه الأرض إلا شرار الخلق، عليهم تقوم الساعة قال ﷺ : ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)) قال ﷺ : ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) رواه مسلم، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود.
وقال ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال: في الأرض الله الله)) رواه مسلم أيضًا والترمذي وأحمد بن حنبل عن أنس بن مالك ﵁ ذكر ذلك السيوطي في الجامع الصغير في الجزء الثاني صفحة ٢٠٢ وقال ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع))، رواه الترمذي، وأحمد، والضياء عن حذيفة.
أما البشارة ببقاء الأمة الإسلامية، وأنها ظاهرة على الحق، وأنها باقية إلى قيام الساعة دليل هذه البشارة قال ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون))، رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁، ذكر ذلك السيوطي في الجامع الصغير في الجزء الثاني صفحة ٢٠٠ وقال ﷺ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة رواه الحاكم عن ابن عمر وقال: السيوطي حديث صحيح (الجامع الصغير) للسيوطي ج٢ ص٢٠٠.
وروى ابن ماجة بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تزال طائفة من أمتي قوامةً على أمر الله لا يضرها من خالفها)) (الجامع الصغير) للسيوطي أيضًا الجزء الثاني صفحة ٢٠٠ وخطب معاوية بن أبي سفيان ﵄ على المنبر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)) الحديث في (مختصر صحيح الإمام
стр. 93
البخاري) ص٣٠ حديث رقم ٦٤ في كتاب العلم في باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. المراد بأمر الله الأولى القيام بشرع الله.
والمراد بأمر الله الثانية: الساعة، أي: أن الأمة الإسلامية قائمة بأمر الله، أي: بشرعه عاملة بشرع الله إلى قيام الساعة. والمراد -كما قلت سابقًا- إلى قرب قيامها ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يبعث ريحًا أو يرسل ريحًا طيبة لينة قبيل قيام الساعة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة فلا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق فعليهم تقوم الساعة وقيام الساعة يبدأ بالنفخ في الصور قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣: ١٨).
وفي سورة الزمر ذكر الحق أن هناك نفختان نفخة أولى يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ربك ثم بعد زمن لا يعلمه إلا الله ينفخ للقيام للحساب والجزاء قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر: ٦٧: ٧٠).
وللساعة أسماء كثيرة جاءت في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة فمن أسمائها يوم القيامة أقسم على ذلك الحق أقسم بها باسمها فبين اسمها قال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (القيامة: ١) ومن أسمائها أيضًا الواقعة قال
стр. 94
تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقعة: ١: ٦).
وتسمى الساعة أيضًا بيوم البعث يعني يوم القيامة يوم الحساب يسمى أيضًا بيوم البعث قال تعالى: ﴿وَقال: الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٥٦) ويدل أيضًا على أن اسم الساعة يوم القيامة قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: ٦٠).
ومن أسماء الساعة أيضًا الآخرة وجاء ذلك كثيرًا في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: ١٦، ١٧) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢) فكل هذه الآيات ذكرت أن اليوم الآخر هو اسم من أسماء الساعة أو اسم من أسماء يوم القيامة، وتسمى الساعة أيضًا بيوم الدين قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: ١: ٣).
وتسمى أيضًا بيوم الحساب، قال تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب﴾ (غافر: ٢٧) كما أنها أيضًا تسمى بيوم الفتح قال
стр. 95
تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (السجدة: ٢٩) وتسمى -أي: الساعة- يسمى يومها بيوم التلاق قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: ١٤) وتسمى الساعة أيضًا بيوم الحساب قال تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب﴾. (غافر: ٢٧)
وتسمى أيضًا بيوم الفتح قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (السجدة: ٢٨، ٢٩) ويسمى يوم القيامة أيضًا، أو وتسمى الساعة بيوم التلاق قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ (غافر: ١٤: ١٧).
وتسمى أيضًا يوم القيامة بيوم الآزفة قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٨، ١٩).
وقال تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: ٥٧، ٥٨) من أسماء الساعة أيضًا يوم التغابن ويوم الجمع قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (التغابن: ٩) ويسمى بيوم الخروج قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤٢) كما يسمى أيضًا بيوم الخلود قال تعالى: في سورة ق: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (ق: ٣٤) كما يسمى أيضًا بيوم التناد قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: ٢٣، ٣٣).
стр. 96
ويسمى أيضًا بيوم الحسرة قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (مريم: ٣٩) ويسمى بالطامة الكبرى قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ (النازعات: ٣٤: ٣٦) وتسمى الساعة يعني يوم القيامة أيضًا يسمى بالصاخة قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٣: ٣٧).
وتسمى بالحاقة قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة: ١: ٣) كما تسمى بالغاشية قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (الغاشية: ١) وتسمى أيضًا بالزلزلة قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقالهَا * وَقال: الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة: ١: ٥).
وكون اسمها الساعة ورد في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: ١) وفي آيات كثيرة من القرآن الكريم جاء اسمها الساعة قال تعالى ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (فصلت: ٤٧) وجاء اسمها الساعة في حديث رسول الله ﷺ الذي يعرف بحديث جبريل الذي نحن بصدد الحديث فيه عندما رد ﷺ على سؤال جبريل عندما سأله متى الساعة، وفي قوله ﷺ ((مفاتيح الغيب خمس ما يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال ﷺ : ((بعثت أنا والساعة كهاتين، وضم إصبعيه السبابة والوسطى)) رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي عن أنس ﵁.
البعث وأدلته وشبهة منكريه والرد عليها:
قلنا سابقًا: إن البعث هو الساعة، وهو من أسماء يوم القيامة وتحت عنوان البعث وأدلته وشبهة منكريه والرد عليها. يقول الشيخ سيد سابق -رحمه الله تعالى-:
стр. 97
تحت عنوان البعث، ويبدأ اليوم الآخر بالبعث، وهو إعادة الإنسان روحًا وجسدًا، كما كان في الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم التام، ولا يستطيع الإنسان معرفة هذه النشأة الأخرى؛ لأنها تختلف تمام الاختلاف عن النشأة الأولى قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٠: ٦٢).
أدلة البعث ولقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة على البعث مستدلا بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة ومبينًا أن الله قادر على كل شيء وعالم بكل شيء فلا تعجزه إعادة الأجسام لنفوذ قدرته ولا يضيع منها شيء لسعة علمه قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قال: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: ٧٨، ٧٩).
والإنسان وتطوره في الخلق وتحوله من حال إلى حال والأرض وما تخرجه من نبات مظهر للعلم والقدرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: ٥: ٧).
وإذا كان الله لم يعي بخلق السموات والأرض ولا يزال يخلق ويرزق ويحي ويميت فهل يستبعد بعد هذا المشهد المنظور أن يعيد الخلق مرة أخرى، قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (ق: ١٥).
стр. 98
إن إنكار البعث وإعادة الحياة مرة أخرى بعد هذه الدلائل البينة في الأنفس والآفاق لا معنى لها.
شبهة منكري البعث: لقد استبعدت طوائف من الناس هذه الحقيقة زاعمين أنها مخالفة لما عهدوه من السنن المألوفة ومستبعدين ذلك مستعظمين أمره؛ لأن عقولهم لا تكاد تصدق إعادة الحياة إلى الأجسام بعد تفرقها وتحللها وبعد أن يتداخل بعضها في بعض؛ فإن الإنسان بعد أن يموت يتحول جسمه إلى تراب، ثم يتحول التراب إلى نباتٍ، فيتغذى إنسانٌ آخرُ بذلك النبات، ثم يموت، وهكذا- الإنسان تحول كغيره، وهكذا تتداخل الأجسام بعضها في بعض، فكيف يبعث الناس بعد هذا التداخل يجيب علماء العقائد عن هذه الشبهة بأن للإنسان أجزاء أصلية، وأجزاء عرضية، والأجزاء الأصلية تبقى كما هي، والعرضية هي التي تتحول وهذه الشبهة قديمة، ولا تزال تتردد في صدر الكثير.
والقرآن ذكر هذه الشبهة وعالجها وأجاب عنها قال تعالى: ﴿وَقالوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ٢٤: ٢٦).
فهؤلاء الذين استنكروا البعث رد الله عليهم بأن استبعادهم لا معنى له لأنهم يجهلون عظمة الله، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وأنهم لا يبصرون في أنفسهم فهم أنفسهم أدل الدلائل وأقوى الحجج على نفي ما ينكرونه من البعث فالله أحياهم أولا وأماتهم ثانيًا، ولا تزال القدرة صالحة لإحيائهم مرة أخرى، وجمعهم مرةً أخرى يوم القيامة، ولا تزال القدرةُ صالحةً لإحيائهم مرة، وجمعهم مرة أخرى يوم القيامة، فأي استبعاد في هذا؟! قال
стр. 99
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: ٢٧).
اختلاف الناس عند البعث:
والناس يختلفون عند البعث اختلافًا كبيرًا حسب أعمالهم فالذين صلحت أعمالهم فالذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، وذكت نفوسهم يكونون أكمل أجسادًا وأرواحًا، والذين خبثت أعمالهم، وفسدت عقائدهم يكونون أنقص أجسادًا وأرواحًا، فعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: ((يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة وصنف ركبان وصنف على وجوههم قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال ﵊: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما أنهم يتقون بوجوههم كل جدب وشكوك الجدب ما ارتفع من الأرض)) الحديث رواه الإمام الترمذي في سننه عن أبي هريرة.
وفي حديث آخر يقول الرسول ﷺ : ((يحشر المتكبرون والمتجبرون يوم القيامة في صور الذر تتطؤهم الناس؛ لهوانهم على الله ) وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يبعث كل عبد على ما مات عليه -أي: إن من مات على خير- بعث على حال سارة ومن مات على شر بعث على حال شنيعة)) ومع كون البعث بالأجساد والأرواح إلا أن القوى الروحية تكون هي القادرة على التصرف في الأجساد فتستطيع قطع المسافات البعيدة في أقصر مدة والتخاطب والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة والنار ويكون مثلهم في ذلك مثل الملائكة والجن في قدرتها على التشكل وظهورها في أجساد تأخذها من مادة الكون وقد ثبت ذلك ثبوتًا علميًّا.
стр. 100
علامات الساعة التي وردت في حديث جبريل ﵇ ورد في حديث جبريل ﵇ بعض علامات الساعة، وليس كل العلامات وحديث جبريل هذا يسميه علماء الحديث بأم السنة فكما تسمى سورة الفاتحة بأم القرآن، حديث جبريل يعرفه العلماء بأم السنة العلامات التي أخبر بها ﷺ جبريل.
والأمة في هذا الحديث هي:
١ - أن تلد الأمة ربها وفي رواية: "ربتها" والمراد سيدها. والعلماء قالوا في ذلك -أي: السراري- يعني تختلط الأمور، وتكثر الحروب، ويحدث الهرج والمرج فيشتري الرجل المرأة لتخدمه؛ فتكون أمه هي التي تخدمه، ويكون هو ربها، أو تكون ابنتها ربتها وهذا أيضًا يشير إلى العقوق وعدم بر الوالدين وهذا يكثر، وينتشر قرب الساعة.
العلامة الثانية في هذا الحديث: أي: في حديث جبريل ﵇: أن يتطاول الحفاة العراة رعاء البهم في البنيان أي يتحول الناس من سكنى الصحراء والخيام إلى سكنى القصور، وأن يتفاخروا، ويتعالوا في البنيان سواء في جزيرة العرب أو في أي مكان في العالم؛ فعندما ورد هذا الحديث كان أغلب سكان العالم يعيشون في الصحراء، وفي الخيام ويرعون الأبقار والأغنام، وأوضح وأقرب دليل على ذلك الهنود الحمر الذين كانوا يسكنون أمريكا، وينتشرون في أفريقيا وغيرها.
فليس المراد بسكان جزيرة العرب فقط، قال: ابن حجر في علامة أن يتطاول الحفاة العراة رعاء البهم أو البهم في البنيان قال: والمراد بهم أهل البادية كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال: ما الحفاة العراة قال: العريب أو العريب، وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني عن طريق أبي حمزة عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من انقلاب الدين تفصح النبط، واتخاذهم
стр. 101
القصور في الأمصار" قال: القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان، والتفاخر به. قال ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) معقبًا على هذا القول: وقد شاهدنا ذلك في هذه الأيام.
ومنه الحديث الآخر: ((لا تقوم الساعة إلا حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع)) ومنه قوله ﷺ : ((إذا وُسِّدَ الأمرُ يعني أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)) وكلاهما في الصحيح
قال ذلك ابن حجر منذ زمن بعيد، فما بالكم بما نراه اليوم؟، فحديث جبريل ﵇-أو ذكرت فيه- علامتان، الأولى: ((أن تلد الأمة ربها أو ربتها)) كما في رواية أخرى الثانية التطاول في البنيان، والتفاخر به خاصة من الحفاة العراة رعاء الشاء والبهم، أي: سكان البادية.
حكم الإيمان بعلامات الساعة
أقول إن حكم الإيمان بعلامات الساعة واجب ومنكر ومنكر هذه العلامات منكرٌ وجاحد لمعلوم من الدين بالضرورة وهو كافر؛ لأنه أنكر الحديث الشريف المتواتر، وأنكر كثيرًا من آيات القرآن الكريم التي صرحت بعلامات الساعة والتي سبق ذكرها.
ثبت وجوب الإيمان بهذه العلامات كما قلت من حديث جبريل الذي معنا ونقوم بدراسته، وبالقرآن الكريم، فحديث جبريل في نص جواب رسول الله ﷺ على أن الإيمان جزء من الدين؛ إذ لما قاله جبريل ﵇: ((ما علاماتها قال له ﷺ : أن تلد الأمة ربها أو ربتها، ويتطاول الحفاة العراة رعاة البهم في البنيان)).
стр. 102
وفي القرآن الكريم إخبار عن أشراط الساعة، فيجب الإيمان بها، ومنكر ذلك تلك الأشراط يكون كافرًا؛ لأنه يكون أنكر آية، أو آيات من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ أي أن من علامات الساعة انشقاق القمر، وقد انشق بالفعل، ولكنهم قالوا: سحر مستمر قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: ١: ٣) وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢، ٤٣) أي: أنت من علاماتها يا محمد.
وتوجد قراءة من القراءات السبعة المتواترة تقف على فيم، أي: يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم، ثم يكون الجواب أنت من ذكراها، أي أنت من علاماتها ولذلك قال ﷺ كما سبق بعثت أنا والساعة كهاتين وضم إصبعيه السبابة والوسطى)). وها هو الحديث كما رواه البخاري نرويه مرة أخرى للتذكر.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ بارزًا يومًا للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وأن تؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من الساعة، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاء الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ثم أدبر الرجل فقال ﷺ : ردوه، فلم يروا شيئًا. فقال ﷺ هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)) رواه البخاري رقم ٥٠ وفي مختصر صحيح البخاري في ص٢٤ برقم ٤٧.
стр. 103
الدرس: ٧ علامات الساعة الصغرى - علامات الساعة الكبرى .
стр. 104
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(علامات الساعة الصغرى - علامات الساعة الكبرى)
من علامات الساعة الصغرى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
علامات الساعة الكبرى:
إن للساعة علامات صغرى وعلامات كبرى وقبل الحديث عن العلامات الكبرى نتحدث باختصار عن العلامات الصغرى: إن علامات الساعة الصغرى كثيرة، وظهر منها الكثير والكثير. وفي حديث جبريل ﵇ السابق ذكر فيه علامتان.
العلامة الأولى: أن تلد الأمة ربها أو ربتها، العلامة الثانية: أن يتطاول الحفاة البهم رعاء الشاء في البنيان. والإمام العلامة ابن رجب الحنبلي تحدث عن هاتين العلامتين في كتابه القيم (جامع العلوم والحِكَم) عندما شرح حديث جبريل الذي يعرف بأم السنة. يقول ابن رجب -رحمه الله تعالى-: فقول جبريل ﵇: ((أخبرني عن الساعة، فقال النبي ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) يعني: أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء، وهذا إشارة إلى أن الله تعالى وحده استأثر بعلمها.
ولهذا في حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : ((في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾)) (لقمان: ٣٤) وقال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ (الأعراف: ١٨٧).
وفي (صحيح البخاري) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾)) الآية. وخرجه الإمام أحمد. ولفظه أن النبي ﷺ قال: ((أوتيت مفاتيح كل شيء إلا
стр. 105
الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾)) الآية. وخرج أيضًا بإسناده عن ابن مسعود قال: أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.
قوله: ((فأخبرني عن أماراتها)) يعني: عن علاماتها التي تدل على اقترابها وفي حديث أبي هريرة: ((أن النبي ﷺ قال: سأحدثك عن أشراطها)) وهي علامات أيضًا، وقد ذكر النبي ﷺ للساعة علامتين الأولى ((أن تلد الأمة ربتها)) والمراد بـ ((ربتها)) سيدتها ومالكتها. وفي حديث أبي هريرة ((ربها))، وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن؛ فتكون الأمُّ رقيقةً لسيدها وأولاده منها بمنزلته؛ فإن ولد السيد بمنزلة السيد؛ فيصيرُ ولَدَ الأمَةِ بمنزلةِ رَبها وسيدها.
وذكر الخطابي: أنه استدلَّ بِذَلِكَ من يقول: إن أم الولد إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، وإنها تنتقل إلى أولادها بالميراث، فتعتق عليهم، وإنها قبل موت سيدها تُبَاع، قال: وفي هذا الاستدلال نظر، قلت: أي ابن حجر: قد استدل به بعضهم على عكس ذلك، وعلى أن أم الولد لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد الأمة ربها، فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبًا إليه؛ لأنه سبب عتقها فصار كأنه مولاها، وهذا كما روي عن النبي ﷺ : ((أنه قال في أم ولده مارية لما ولدت إبراهيم ﵇ أعتقها ولدها))، وقد استدل بهذا الإمام أحمد؛ فإنه قال في رواية محمد بن الحكم عنه: "تلد الأمة ربتها، تكثر أمهات الأولاد"، يقول: إذا ولدت فقد عتقت لولدها، وقال: فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يبعن.
وقد فسر قوله: ((تلد الأمة ربتها)) بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنتُ فتعتق، ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بأنها أمها وقد وقع هذا
стр. 106
في الإسلام. وقيل: معناه أن الإماء يلدن الملوك. وقال وكيع معناه: تلد العجم العرب، والعرب ملوك العجم، وأرباب لهم.
والعلامة الثانية ((أن ترى الحفاة العراة العالة)) والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (الضحى: ٨). وقوله: ((رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) هكذا في حديث عمر، ووالمراد: أن أسفل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهُم حتى يتباهُونَ بطولِ البنيانِ، وزخرفته وإتقانه، وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاث علامات، منها أن تكون الحفاة العراة رءوس الناس، ومنها: ((أن يتطاول رعاءُ البُهْمِ في البنيان)). وروى هذا الحديث عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة. فقال فيه: "وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ملوك الناس".
قال: فقام الرجل فانطلق، فقلنا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت؟ قال: ((هم العريب)) وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد، عن يحيى بن معمر، عن ابن عمر. وأما الألفاظ الأول، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها.
وقوله ﷺ : ((الصم البكم العمي)) إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم، وفهمهم. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومتعددة، فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع)) وفي (صحيح ابن حبان) عن أنس عن النبي ﷺ قال: ((لا تنقضي الدنيا حتى تكون عندَ لكعِ ابن لكع)).
وخرج الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يغلب على الدنيا لُكَعٌ ابن لُكَع)) وخرَّجَ الإمام أحمد، والطبراني من
стр. 107
حديث أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((بين يديْ الساعة سنون خدَّاعة، يُتَّهَمُ فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه ينطقُ في أمرِ العامة)) وفي رواية: ((الفاسق يتكلم في أمر العامة)) وفي رواية للإمام أحمد: ((إن بين يدي الدجال سنين خداعة، يُصَدَّقُ فيها الكاذبُ، ويكَذَّبُ فِيهَا الصادق، ويخَوُّنُ فيها الأمينُ ويؤتمَنُ فيهَا الخائن)) وذكر باقي الحديث.
ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: ((إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهلِهِ؛ فانتظر الساعة)) فإنَّهُ إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء، وهم أهلُ الجهلِ، والجفاء رؤوس الناس، وأصحاب الثروة، والأموال حتى يتطاولوا في البنيان، فإنه يفسد بذلك نظامُ الدين والدنيا، فإنه إذا رأس الناس من كان فقيرًا عائلًا، فصار ملكًا على الناس سواء كان ملكه عامًّا أو خاصًّا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال.
فقد قال بعض السلف: لأن تمد يدك إلى فم التنين فيقضمها خيرٌ لك من أن تمدها إلى يد غنيٍّ قد عَالَجَ الفقْرَ، وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس، ولا تعليمهم بل همته في جبايةِ المَالِ واكتنازه، ولا يبالي بما فسد من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم.
وفي حديث آخر: ((لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها))، وإذا صار ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب، وكذب الصادق، واؤتمن الخائن، وخون الأمين، وتكلم الجاهل، وسكتَ العَالِمُ، أو عدم بالكلية، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 108
((إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل)) وأخبر أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.
وقال الشعبي: لا تقومُ الساعة حتى يصير العلمُ جهلًا والجهل علمًا، وهذا كله من انقلاب الحقائق، في آخر الزمان وانعكاس الأمور، وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((إن من أشراط الساعة أن يوضع الأخيار، ويرفعَ الأشرار)) وفي قوله ﷺ : ((يتطاولُونَ في البنيان)) دليل على ذمِّ التباهي والتفاخر؛ خصوصًا بالتطاول في البنيان، ولم يكن إطالةُ البناء معروفًا في زمن النبي ﷺ وأصحابه بل كان بنيانهم قصيرًا بقدر الحاجة.
وروى أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان)) خرجه البخاري، وخرج أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁: ((أن النبي ﷺ خرج فرأى قبةً مشرفةً، فقال: ما هذه؟ قالوا: هذه لفلان رجل من الأنصار، فجاء صاحبُها، فسلم على رسول الله ﷺ فأعرض عنه، فعل ذلك مرارًا، فهدمها الرجل)) وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده. فقال النبي ﷺ : ((كل بناء، وأشار بيده هكذا على رأسه أكثر من هذا فهو وبال)).
وقال حريث بن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان بن عفان ﵁ فأتناول سقفها بيدي". وروي عن عمر أنه كتب: "لا تطيلوا بناءكم؛ فإنه شر أيامكم" وقال يزيد بن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان -يعني: سلمان الفارسي ﵃ جميعًا- ألا نبني لك مسكنًا يا أبا عبد الله؟ قال: لم لتجعلني ملكًا؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتًا من قصب، ونسقفه بالبواري إذا
стр. 109
قمت كاد أن يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك، قال: كأنك كنت في نفسي.
وعن عمار بن أبي عمار، قال: "إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع، نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين" خرجه كله ابن أبي الدنيا. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده: بلغني عن ابن عائشة، حدثنا ابن أبي شميلة، قال: نزل المسلمون حول المسجد، يعني: بالبصرة في أخبية الشعر ففشا فيهم السَّرَق، يعني: السرقة، فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في اليراع، فبنوا بالقصب، ففشا فيهم الحريق، فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في المدر، يعني: يبنوا بالطين، ونهى أن يرفع الرجل سُمْكَهُ أكثرَ من سبعة أذرع. وقال: "إذا بنيتُم منه بيوتكم، فابنوا منه المسجد".
قال ابن عائشة: وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب، قال: من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن، ومن صلى فيه وهو من لبن خير ممن صلى فيه، وهو من آجر، يعني: من حجارة، وخرج ابن ماجه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)).
ومن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود بِيَعَهَا، وكما شرفت النصارى كنائسها)) أي: جعلتها عالية وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن ﵁ قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد قال: ((ابنوه عريشًا كعريش موسى)) قيل للحسن: وما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش" يعني: السقف.
ولقد جاءت بعض العلامات الصغرى في حديثٍ آخر للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- إذ روى حديثًا ذكر فيه: أن من علامات الساعة أن يُرفع العلم وأن ينتشر
стр. 110
الجهل، وأن يُشْرَب الخمر، وأن يظهر الزنا -والعياذ بالله- وأن يقل الرجال، وأن تكثر النساء حتى يكون للرجل الواحد خمسون امرأة، وذلك بكثرة الحروب، والهرج، والقتل للرجال؛ وأيضًا بسبب كثرة ولادة الإناث عن ولادة الصبيان.
وأما رفع العلم: فقد جاءت كيفيته في حديث آخر للبخاري بين فيه ﷺ "أن الله يقبض العلم بقبض العلماء؛ فإذا مات العلماء تولى أمور الناس رؤساءُ جهالٌ يسئلون؛ فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون". فموت العلماء بكثرة، وعدم وجود من يخلفهم في رتبتهم علامة من علامات الساعة، وقد مر هذا الحديث سابقًا.
رفع العلم، وثبوت الجهل، وشرب الخمر، وظهور الزنا، وقلة الرجال وكثرة النساء
قال البخاري ﵀ حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن أبي التيَّاح، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أشراط الساعة أن يُرْفَعَ العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)).
الرواية الأخرى لهذا الحديث: البخاري بسنده عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكُم أحدٌ بعدي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أشراطِ الساعة أن يَقِلَّ العلمُ، ويظهر الجهلُ، ويظهر الزنا، وتكثر النساءُ، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)) تخريج الحديث: هذا الحديث أخرجه البُخاري في كتاب العلم، وفي كتاب المحاربين، وفي كتاب الفتن، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المجلد الثالث ص٩٨، ١٥١، ١٧٦، وأخرجه الإمام الترمذي في كتاب الفتن، في باب: ما جاء في أشراط الساعة. الرواية الثانية: رواها البخاري في كتاب النكاح ورواها في كتاب المحاربين، ورواها في كتاب الأشربة،
следующие страницы →