← Адаб

Адаб · id 1012

ملامح يونانية في الأدب العربي

إحسان عباس

Полный текст (213 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والدك فقال: لأن أبي كان سبب حياتي الفانية ومؤدبي سبب حياتي الباقية (١) . ففي هذا القول تجاوز؟ لا يعدم تسويغا - لذلك النص الصريح في الدين على حق الوالدين، واقتران طاعتهما بطاعة الله تعالى، وها هنا نحن نجد مقارنة بين المؤدب والأب، وتميزا بينهما في المفاضلة، ولكن لا بد من أن نقر هنا بأن الآيات القرآنية تنص على شيئين هما الطاعة والرفق ثم ما يتبع من بر وحدب، بينا تقوم النظرة المنسوبة للأسكندر على الإجلال والتعظيم. وقد كان هذا الجواب، حافزا قويا لعدد من مثقفي القرن الرابع يحاكموه، فهو نموذج بارز من الإجابة إلا أنه لا يزال يفسح مجالا لوجهات نظر أخرى، وقد تناوله كل من أبي زكريا الصيمري وأبي سليمان المنطقي والنوشجاني وأبي محمد الأندلسي (٢) بالإعجاب الذي لا يحول دون إبداء الموقف الذاتي، ولهذا عبر كل منهم عن نظرته الفكرية لو أن السؤال وجه إليه: فقال الصيمري: لو قيل لي هذا لقلت: لأن أبي كان قضى وطرا بالطبيعة فعرضت، ومعلمي يفجر من أجلي أوطارا فكملت به (٣) . وقال المنطقي: لو قيل لي هذا لقلت: لأن ابي أفادني الطبيعة التي انطلقت علي بالكون والفساد، ومؤدبي أفادني العقل الذي به انطلقت إلى ما ليس فيه كون أو فساد. وقال النوشجاني: لو قلت أنا لقلت: لأن أبي كونني بالعرض، ومعلمي زينني في كوني بالعرض. وقال الأندلسي: لو قلت أنا لقلت: لأن أبي قيدني فأوثق، ومعلمي حل قيدي وأطلق.

стр. 107

٢ - النموذج الثاني؟ وهو أقرب إلى جو الأدب من النموذج السابق - مستمد من موقف المفكرين عند تابوت الاسكندر، فهناك رواية تقول؟ وليس هنا موطن البحث في قيمتها التاريخية - إن الأسكندر توفي في أرض العراق ثم نقل إلى الإسكندرية ليدفن فيها، وقد تجمع عدد من الفلاسفة والحكماء عند قبره، وقال كل منهم قولة في تأبينه إذ طلب إليهم عظيمهم أن يقول كل واحد منهم قولا " يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا " (١) . وقبل أن أتحدث عن قوة هذا الأنموذج وما أثاره لا بد من وقفة عند هذه الأقوال نفسها، فهي؟ فيما يبدو - قد ترجمت في دور مبكر، تم ذلك قبل عهد حنين بن اسحاق، وربما أمكن نسبتها إلى أيام سالم وجهوده هو ومن حوله في الترجمة. وتثير هذه الأقوال عددا من الأسئلة حولها، وفي مقدمة هذه الأسئلة: كم كان عددها عندما ترجمت أول مرة؟ إنه لم يتح لي الإطلاع على نوادر الفلاسفة لحنين، ولكن اليعقوبي لا يورد منها إلا تسعة، ثم نجدها عند سعيد بن البطريق اثنين وثلاثين، وعلى نحو مقارب عند المسعودي والثعالبي، ومع أن المبشر بن فاتك يورد منها أربعة عشر، فإنه يوضح أنه لم يوردها جميعا: " وقال جماعات أخر من الناس من الحكمة والموعظة مثل ما قال هؤلاء، وحذفته اختصارا، وقد أوردته وباقي أخباره في تاريخي الكبير مستوفى على تمامه " (٢) . وهناك نصان يعتمدان أصلا واحدا هو " صوان الحكمة "، الذي يقترن باسم المنطقي وهما منتخب منه، ومختصر له، وعدد هذه الأقوال في المنتخب خمسة، وفي المختصر ثلاثة وعشرون، وقد يقال إن صانع المنتخب حذف ما شاء على أساس الانتقاء، ولكن التوحيدي وهو تلميذ أبي سليمان وصاحبه المرافق له في فترة غير قصيرة من حياته يقول ان الحكماء الذين تحدثوا حول تابوت الاسكندر كانوا عشرة (٣) ، فهل قيد التوحيدي هذا

стр. 108

قبل أن يعرف أبا سليمان؟ وهل ظل يجهل أن لأستاذه كتابا يسمى " صوان الحكمة " بحيث لا نراه يقف عنده أو يسميه أبدا؟ إن العدد الذي يورده التوحيدي لا يختلف كثيرا عن ما ذكره اليعقوبي، وربما كان هذا الرقم يشير إلى عدد تلك الحكم في القرن الثالث، حتى إذا كان القرن الرابع أصبحت هذه الحكم تزيد على الثلاثين، فإذا رجعنا إلى مخطوطة كوبريللي (١٦٠٨) وهي متأخرة كثيرا ففي تاريخها؟ وجدنا هذه الأقوال قد بلغت ثلاثة وخمسين قولا، فكيف نفسر هذه الزيادة المطردة؟ قد يكون سبب ذلك تعدد المصادر التي أخذت عنها تلك الأقوال واختلافها فيما تورده منها، وفي مخطوطة كوبريللي ما يفيد الاعتماد على نسختين سابقتين تنفرد إحداهما بعدد من الأقوال لا يرد في الأخرى، وهذا يؤدي إلى الافتراض بأن الترجمة المبكرة لهذه الأقوال قد خلفتها ترجمة أو ترجمات متوالية أضافت كثيرا إلى النواة الأولى، ولعل المقارنة بين أبن البطريق والمسعودي؟ وهما متعاصران - يوضح هذا الخلاف في الأصول المعتمدة، فالأقوال متقاربة في العدد إلا أن ابن البطريق ربما كان يعتمد مصدرا سريانيا، ولهذا فإن المؤرخين لا يتفقان إلا في اثني عشر قولا مما يوردانه، ثم ينفرد كل منهما في سائرها. وقد عثر الأستاذ بروك على صورة سريانية من هذه الأقوال وجدها أقرب إلى ما أورده ابن البطريق والمكين وأبو شاكر مما هي إلى ما أوردته المصادر العربية (١) ، وإذا تقدمنا خطوة أخرى في المقارنة واتخذنا المسعودي والثعالبي محورا لها، وجدنا التقارب في العدد موجودا إلا أن الاتفاق لا يتعدى أحد عشر قولا، ينما ينفرد الثعالبي عن سائر المصادر، لا عن المسعودي وحده، في ثمانية عشر قولا لا يشاركه في بعضها إلا مصدر متأخر عنه مثل زهر الآداب لعله ينقل عنه أيضا. فهل نقول إن الثعالبي يعتمد مصدرا فارسيا قد تفرد في أكثر ما أورده من تلك الأقوال؟ أن تعدد المصادر واختلافها أمر محتمل، بل لعله السبب الأهم لا في تفسير الزيادة المطردة وحسب، بل في الخلافات الواردة في صياغة

стр. 109

بعض النصوص المشتركة (١) ، غير أن لهذه الخلافات نفسها أسبابا أخرى منها اختلاف المترجمين وتفاوتهم في الميل إلى " تعريب " الأسلوب المنقول، ويبدو أن مثل هذا الميل كان موجودا في الدوائر الأدبية، وأنه كان أحيانا يعمي الأصل وينقل القول المترجم إلى حيز جديد، وهذه ظاهرة ستعالج على نحو مفصل تال. أما هنا فيكفي أن أقول: إن من قبيل هذا الانسياق وراء أضواء الأسلوب؟ في الحالين - ورود القول التالي على صورتين أسلوبيتين متفاوتتين: المسعودي: يا عظيم السلطان اضمحل سلطانك كما اضمحل ظل السحاب؟ وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الرباب. صوان الحكمة: ما كنت إلا ظل سحاب اضمحل، لما أظل، فما نحس لملكك أثرا ولا نعرف له خبرا. فالتصرف الأسلوبي في العبارتين واضح ومقصود، والمعنى الأساسي واحد. ومن صور التصرف اليسير في الترجمة دون محاولة لرفع المستوى البلاغي، ما يتصل بتلك القولة التي تومئ إلى أن الأسكندر وضع في تابوت من ذهب، وأن المفارقة قد تمت، بين الحياة والموت، فهو في الحياة كان يخزن الذهب، وفي حال الموت أصبح الذهب " خازنا " لجسده. ابن البطريق: كفى بهذا عبرة أن الذهب كان بالأمس كنزا للأسكندر فأصبح الأسكندر اليوم بالذهب مكنوزا. المسعودي: هذا الإسكندر الذي كان يخبأ الذهب فصار الذهب يخبأه. الثعالبي: ما زال الإسكندر يكنز الذهب حتى كنزه الذهب الآن. المبشر: كان الإسكندر يكنز الذهب والفضة ويصونه، والآن أصبح الذهب يصونه ويكنزه.

стр. 110

الحصري: كان الملك يخبأ الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه. آيا صوفيا: كنت بالأمس للذهب جامعا واليوم الذهب قد جمعك. فهذه ستة أقوال تختلف في الصياغة اختلافا يقل أو يكثر، فأما أن يكون اختلافا ناشئا عن الترجمة نفسها وإما أن يكون ناشئا عن الرواية بالمعنى دون التقيد الدقيق في الألفاظ، والأمر الثاني مألوف بكثرة. على أن تزايد تلك الأقوال واختلافها؟ وهما أمران مقترنان أحيانا - إنما نجما عن نوع من الوضع، غير متعمد، فهؤلاء المؤرخون الذين رووا هذه الأقوال لم يحاولوا الكذب، ولكن الحمل على المعنى جعل نوعا مما أثبتوه يشبه الوضع عن حسن نية: مثل ذلك جميع تلك الأقوال التي تقع بين قطبي: كان؟ فصار، فإذا كانت الجملة الأصلية المقولة عند تابوته مثلا: طان آسرا فصار أسيرا، فمن السهل في الرواية على المعنى أن تجيء في صور مختلفة " ناطقا صامتا، قاتلا مقتولا، غالبا مغلوبا، مرتفعا متضعا، قاهرا مقهورا،؟ الخ (١) بل من السهل أن يتم التصرف في هذا المعنى على صيغ أخرى تبتعد عن التقابل ين طرفي المفارقة، وكل هذا عند رواته لا يعني كذبا في الوضع لأنه يظل ينقل روح المعنى المراد، ومما يقارب ذلك معنى " العظة " بالموت، فإن إيرادها في صور مختلفة يحمل معنى الوضع غير المتعمد كما يجمع إلى ذلك أحياناً وهما في حقيقة المعنى الأصلي أو نسيانا له إذا كانت الرواية من الذاكرة، فمن تلك الصور: المسعودي: قد كنت لنا واعظا فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك. ابن البطريق: لا تعجبوا ممن لم يعظنا في حياته ثم قد صار بموته لنا واعظا. فنحن نرى هنا أن المسعودي قد ناقض ابن البطريق إذ زعم الأسكندر كان واعظا للناس في حياته بينا هو عند ابن البطريق لم يفعل ذلك، ثم ان ابن البطريق نفسه تحدث عن هذه العظة في قولتين أخريين، مؤدى إحداهما أن العامة تتعظ بموت الملوك كما أن الملوك يتعظون بموت العامة (رقم ٤٣ في الملحق) وأن الإسكندر ما اتعظ بعظة أبلغ من وفاته (رقم ٤٤) وهما يمثلان تفريعين صغيرين على الأساس الأول لهذه الحكمة،

стр. 111

ويورد الثعالبي تفريعا آخر عند المقابلة بين النطق والعظة: قد كنت أمس أنطق وأنت اليوم أوعظ (رقم: ٥٨) ثم نجد لدى الشهرستاني انطلاقة جديدة ينكر فيها وعظ الإسكندر للناس في حياته (كما هي الحال عند ابن البطريق) ولكنه وعظهم في مماته، إلا أن الجديد هنا أن عدم الوعظ كان اختيارا وأن الوعظ كان اضطرارا (رقم: ٨٠) ، هل كل هذه الأقوال ترجع إلى أصل واحد؟ يبدو أن الأمر كذلك، ولكن استغلال المعنى الواحد من عدة أنحاء يدل على البراعة أيضا، وأن هذا النوع من التشقيق مبني على الأصل. وشبيه بهذا التفريع تولد داخلي أعانت عليه نزعة أخلاقية زهدية دينية تتحرك بقوة في موقف الموت، وليس من الضروري أن يتم ذلك على أيدي الرواة العرب بل لعلهم وجدوه في الرواية المسيحية السريانية فنقلوه على حاله، أو بشيء يسير من التغيير، ولا نكران في أن كثيرا من هذه الأقوال إنما حور عن أصله؟ أو وضع أصلا - ليلائم بعض المشاعر الدينية التي تزهد في الدنيا أو تؤمن بالبعث، والأقوال التالية أمثلة على ذلك: ١ - أعجب لمن كانت هذه سبيله كيف شرهت نفسه بجمع الحطام البائد والهشيم الهامد (الملحق: ١٥) . ٢ - إن دنيا يكون هذا آخرها فالزهد فيها أولى أن يكون في أولها (٢٤) . ٣ - هذه طريق لا بد من سلوكها فارغبوا في الباقية كرغبتهم في الفانية (٣٤) . ٤ - ما أرغبنا في ما فارقت وأغفلنا عما عانيت (٨٢) . ٥ - خرجنا إلى الدنيا جاهلين وأقمنا فيها غافلين ونخرج عنها كارهين (٨٩) . ٦ - قل للملوك ليس بعد الحياة إلا الموت، ولعل ما بعد الموت أشد من الموت (٩٦) . ٧ - قل للملوك ما الحياة بثقة فيرجى غدها ولا الموت بغابر فيؤمن يومه (٩٧) . ٨ - لو كان له يقين لم ينصب نفسه لجمع ما تخلف عنه (١٠٧) . وحين يصرح المسعودي بأن القول الثاني إنما صدر عن أحد نساك الهند، فإنما ذلك إشارة إلى هذا الوتر الزهدي القوي الذي يتخلل أقوال أولئك الحكماء.

стр. 112

ولعل جانبا من هذا التكاثر قد تم بالنقل المعاكس فنحن نعرف مثلا صلة أبي العتاهية بهذه الأقوال؟ وذلك ما سيتم توضيحه في فصل تال - ولكن يبدو أن بعض أسباب الوصل بين أقوال الحكماء وأبي العتاهية إنما تمت بطريق معاكس، فأبو العتاهية هو الذي يقول " لدوا للموت وابنوا للخراب " وبسبب من تلك الصلة يعكس الأمر، وينقل قول أبي العتاهية ويدرج بين أقوال الحكماء على أنه لواحد منهم ويصبح: " الآن علمت أنك ولدت للموت وبنيت للخراب " (١) . كذلك حدث؟ فيما أعتقد - في كثير من صور الرثاء المألوفة عند العرب مثل: ١ - انظروا كيف خر الطود الشامخ ونضب البحر الزاخر وسقط القمر الطالع (٧٤) ٢ - قد كان هذا الأسد يصيد الأسود والآن وقع في الحبالة (٥٩) ٣ - انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى وإلى ظل الغمام كيف انجلى (١٧) ولن يغيب عن التأمل في هذه الأقوال وجود تيارين متضاربين فيها: أحدهما مليء بالأسف على الأسكندر وعلى العظمة التي زالت والقوة التي تلاشت، والثاني حافل بالشماتة والتقريع (٢) ، ومهما نحاول أن نقول إن الروح الزهدية التي تقؤع من يجمع المال للوارث (٣) ، وتتحدث كثيرا عن الأجل والأمل (٤) وتشجب السعي الدائب من أجل الدنيا (٥) ، هي المسئولة عن ذلك فإنها لا تكفي وحدها لتفسير التيار الثاني، خصوصا وان الإسكندر لدى المسلمين لم يكن محض ملك، ولا عد جبارا في الأرض، وإنما كان لدى الكثيرين هو ذا القرنين الذي اضطلع بعبء الإصلاح (٦) ، فهل هناك عامل آخر؟ أو عوامل أخرى ساعدت النزعة الزهدية على إبراز جانب التقريع والشماتة في تلك الأقوال؟ حقا إننا نجد هذا التيار في الصور المبكرة عند ابن البطريق والمسعودي مثل: " أيها الساعي المغتصب جمعت ما خذلك؟ الخ (رقم: ٦ في الملحق) ، ولكن

стр. 113

الأقوال الدالة على الشماتة؟ في هذه الفترة - تظل أضعف بكثير من الأقوال التي تدل على الأسف، حتى نصل إلى الثعالبي، فنجدها قد ازدادت كثيرا، وهناك نقرأ: ١ - كل يحصد ما يزرعه فاحصد الآن ما قد زرعت (٦٠) ٢ - استرحت من أشغال الدنيا فانظر كيف تستريح من أهوال الأخرى (٦٢) ٣ - ما ينبغي لك ذلك التجبر أمس مع كل هذا الخضوع اليوم (١) (٥٧) ٤ - ما كان أغناك عن إماتة الخلق الكثير مع موتك هذا السريع (٦٣) ٥ - دخلت الظلمات لطلب نور الحياة ولم تعلم أن مصيرك إلى ظلمة التابوت (٦٨) فهذه الأقوال وغيرها؟ مما انفرد به الثعالبي - تقوي الظن بأنها وليدة بيئة فارسية، كان رضاها عن الأسكندر المغتصب، الذي سيحصد ما زرع ويلقى جزاء جبروته أقل بكثير من رضى الروايات الأخرى مسيحية كانت أو إسلامية. إلا أن هذه الروح في الرواية الفارسية قد وجدت من بعد عونا من النزعة الزهدية العامة. ويقف القول الخامس فيما تقدم عن دخول الظلمات وطلب نور الحياة فريدا، وذا دلالة على محاولة استخراج تلك الأقوال من التحركات التاريخية للإسكندر نفسه (أو على الأقل محاولة لاستخراجها من قصته تاريخية كانت أو أسطورية) . ومما يجب أن نلحظه في تلك الأقوال تسمية بعض قائليها وإغفال أكثرهم، واضطراب المصادر في أسماء المذكورين منهم، ونسبة القول لغير واحد، مما لن أحاول الوقوف عنده، بعد إذ أصبح ظاهرة تكاد تكون طبيعية في مثل هذه الأقوال. ولكن مما يلفت النظر أن اليعقوبي والمسعودي والمبشر بن فاتك لا يذكرون أسماء القائلين، ولعلهم كانوا على وعي بالخطأ التاريخي في جمع عدد من الأشخاص لا يجمعهم زمان، ولا يتأتى جمعهم في مكان، حول تابوت الإسكندر، ثم نجد ابتداء من المسعودي أنهم لم يكونوا جميعا من حكماء يونان بل كان فيهم بعض حكماء الهند ونساكها، وأنهم أيضا لم يكونوا جميعا من طبقة الفلاسفة والحكماء، وغنما كانوا يضمون صاحب مائدة الإسكندر وصاحب بيت المال وأحد الخزان (إلا أن يكون هؤلاء أيضا كانوا حكماء) كما برزت بينهم

стр. 114

زوجة روشنك وأمه. ومن الطريف أن القول المنسوب إلى زوجته قد ألمح إلى تلك الشماتة التي تحدث عنها آنفا: " وأن كان هذا الكلام الذي سمعت منكم معاشر الحكماء فيه شماتة فقد خلف الكأس الذي تشرب به الجماعة " (١) . وتستحق القولة المنسوبة إلى أم الأسكندر وقفة خاصة، لتباينها في المصادر على نحو واضح: ١ - ابن البطريق ومخطوطة كوبريللي (٢) : قد بالغتم في التعزية والذي كنت أحذره على الأسكندر قد صار إليه، فلم يبق له ملك ولا عليه، فليكثر في الدنيا زهدكم وأعطوا الحق من أنفسكم، فقد قبلت تعزيتكم. ٢ - اليعقوبي ومختصر الصوان والمبشر (٣) : العجب يا بني لمن بلغت السماء حكمته وأقطار الأرض ملكه ودانت له الملوك عنوة كيف هو اليوم نائم لا يستيقظ وساكت لا يتكلم، فمن ذا يبلغ الإسكندر عني فيعظم حباؤه مني وتجود منزلته عندي بأنه وعظني فاتعظت وعزاني فتعزيت وصبرت، ولولا أني لاحقة به ما فعلت، فعليك السلام يا بني حيا وميتا فنعم الحي كنت ونعم الهالك أنت. ٣ - مروج الذهب: لئن فقد من ابني أمره فما فقد من قلبي ذكره (٤) . ٤ - الثعالبي: يا بني قد كنت أرجوك وبيني وبينك بعد المشرقين وقد أمسيت منك الآن وأنت أقرب إلي من ظلي. فإذا كان كل قسم من هذه الأقسام يمثل مجموعة من الروايات، فإن المجموعة الأولى

стр. 115

تتمشى وروح الزهد العامة في الأقوال، كما أن الثالثة والرابعة أوجز من أن تنسب إلى أم ثاكلة. وتتميز المجموعة الثانية بأنها قد جمعت جانبا غير قليل مما نثر في الحكم، مع الإلحاح على تذرع الأم الثاكلة بالصبر والعزاء، وإذا وضعناها إلى جانب قولة أخرى أوردها المبشر بن فاتك نفسه وجدنا الانتقال من الصبر إلى الجزع واضحا تماما حيث يرد على لسانها " قد ولت الدنيا عني، وهد الموت ركني، وأذعنت بحلول الزوال علي، والدوام لبارئ الكل الحي الذي لا يموت ولا يزول ولا يفنى. وكل مرضعة فللموت تربي، وللفناء تغذو وإلى الثكل تصير، فما العوض من فراق الحبيب وثمرة القلب ومنى النفس!! ما أرى أن في الدنيا وطنا ولا مقرا بعد هلاكه إلا بأن أهيم مع الوحوش إلى أن يكرمني الله باللحوق بدار الحبيب " (١) ، ومن تأمل هذه الاختلافات في الأقوال المنسوبة لأم الأسكندر أدرك أنها تمثل مواقف مختلفة، بحسب نفسيات الذين كانوا يتصورون أنا تشهد تابوت ابنها وبحسب تفاوت أمزجتهم وانتماءاتهم. لقد أطلت القول بالحديث عن أقوال الحكماء لأنها اكتسبت أهمية لا في تاريخ الأدب العربي وحسب بل في الأدب السرياني والفارسي والتركي، وشاعت في الغرب منذ القرن الثاني عشر الميلادي (٢) ، ولست أنوي أن أتحدث هنا عن ما تركته من أصداء غير مباشرة في الأدب العربي، فقد بان من الأمثلة السابقة مدى التلاقي؟ اطرادا وعكسا - بين هذه الأقوال وبين المرثية العربية، وإنما أكتفي بعرض صورة واحدة تمثل دور المحاكاة، - بقوة الأنموذج - كما أوضحت في مطلع هذا الفصل، وهذا يقضي عودة إلى مدرسة أبي سليمان المنطقي، ومؤرخها المخلص أبي حيان التوحيدي. وتتصل المناسبة بوفاه عضد الدولة الذي ينعته أبو سليمان المنطقي بالملك السعيد (٣) ، وقد كان هذا الملك يرعى أبا سليمان ويفضل عليه، ولهذا نجده يقول بعد وفاته: " من يذكرني وقد مضى الملك؟ رضوان الله عليه - ومن يخلفه في مصلحتي ويجري على عادته معي، ومن يسأل عني ويهتم بحالي، هيهات! فقد والله بالأمس من يطول تلفتنا إليه ويدوم تلهفنا عليه؟ إن الزمان بمثله لبخيل - كان والله شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال وملتقى القفال ومحقق الأقوال والأفعال؟ " (٤) "، ويبدو أن فضل عضد الدولة

стр. 116

لم يقف عند أبي سليمان، وإنما عم رجال مدرسته، ولهذا لا يستغرب أن يقف أولئك الفلاسفة وعهم أساتذتهم؟ أبو سليمان - يؤبنون عضد الدولة على نحو ما فعل الحكماء عند تابوت الإسكندر، وعلى ضوء المناسبة نستطيع أن نحدد تاريخ الأقوال لاتصالها بوفاة عضد الدولة (أي سنة: ٣٧٢/٩٨٢) وتلك الأقوال قد ذكرها أبو حيان في كتاب الزلفة؟ وهو من كتبه التي لم تصلنا حتى اليوم - فقال: " لما صحت وفاة عضد الدولة كنا عند أبي سليمان السجستاني، وكان القومسي حاضرا والنوشجاني وأبو القاسم غلام زحل وابن المقداد والعروضي والأندلسي والصيمري، فتذكروا الكلمات العشر المشهورة التي قالها الحكماء العشرة عند وفاة الإسكندر " (١) . وكان الذي اقترح عليهم محاكاتها هو الأندلسي فاستحسن أبو سليمان اقتراحه، وكان أول القائلين، ثم توالى بعده أصحابه على الترتيب الآتي: ١ - المنطقي: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها وأعطاها فوق قيمتها، وحسبك انه طلب الربح فيها فخسر روحه في الدنيا. ٢ - الصيمري: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم بها فهذا انتباهه. ٣ - النوشجاني: ما رأيت غافلا في غفلته ولا عاقلا في عقله مثله، لقد كان ينقض جانبا وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يرى أنه غانم. ٤ - العروضي: إما إنه لو كان معتبرا في حياته لما صار عبرة في مماته. ٥ - الأندلسي: الصاعد في درجاتها إلى سفال، والنازل من درجاتها إلى معال. ٦ - القومسي: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبا عنها جدت له، انظر إلى هذا كيف انتهى أمره وإلى أي حظ وقع شأنه، وإني لأظن أن الرجل الزاهد الذي مات في هذه الأيام ودفن بالشونيزية احفظهما واعز ظهيرا من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة. ٧ - غلام زحل: ما ترك هذا الشخص استظهارا بحسن نظره وقوته، ولكن غلبه ما منه كان، وعنه بان.

стр. 117

٨ - ابن المقداد: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف. ولا يخفى ما في هذه الأقوال من استجلاب للجو الزهدي حول الدنيا وشؤونها، وإذا استثنينا القولين اللذين يقران لعضد الدولة بحسن النظر وقوة الركن، فإن الأقوال الأخرى إما تنحو نحو التعميم وإما تحاول أن تغض من قيمة الطموح الدنيوي كما يمثله ملك، وقد تتفق في بعض دلالتها مع بعض ما جاء في أقوال الحكماء الذين أبنوا الإسكندر. ولعل إيمان أولئك المفكرين؟ ولو نظريا - بالسيرة الفلسفية التي يمثلها سقراط هو المحرك في هذا كله، إذ كم يبدو التباين جليا بين ما يقوله أبو يليمان المنطقي في لحظة فلسفية وبين ما يقوله في وصف عضد الدولة في لحظة شعوره باليأس من السند المادي. وكذلك سائر هؤلاء المفكرين فإنهم تجنبوا أن يذكروا ما كان للرجل من أثر في تشجيع العلم والفلسفة، وكان قمة ما يصبون إليه لا أن يحاكوا الأقوال الزهدية يمثلها وحسب، بل أن يعتقدوا؟ وشيخهم أبو سليمان دليلهم إلى ذلك - أن كل ما يمكن أن يقال في ذلك الموقف قد أتى عليه أبو إسماعيل الهاشمي الخطيب حين قال على المنبر يوم الجمعة يرثي عضد الدولة: " كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه جنة تقيك، ماذا صنعت بأموالك والعبيد، ورجالك والجنود، وبخولك العتيد، وبدهوك الشديد، هلا صانعت من عجل (؟) على السرير، وبذلت له من القنطار إلى القطمير، من أين أتيت وكنت شهما حازما، وكيف مكنت من نفسك وكنت قويا صارما؟ " (١) ، فكل هذه الأقوال ترد موردا واحدا، وإن كانت خطبة الخطيب أبلغ أسلوبا. ولدى سبط أبن الجوزي تعليق يقول فيه: " بين كلام هؤلاء وأولئك المتقدمين المتكلمين على تابوت الإسكندر كما بين الملكين في المساواة " (٢) . وليس الأمر كذلك بإطلاق، ولكن الذين حاكوا الأقوال القديمة حددوا لأنفسهم مجالا ضيقا، فلم يستطيعوا أن يقولوا شيئا يتعدى دائرة الزهد إلا قليلا.

стр. 118

فراغ

стр. 119

" ٨ " إعادة صوغ الفكر السياسي اليوناني في أسلوب أدبي من السهل أن ندرك لماذا احتل الفكر السياسي مقاما هاما بين المسلمين، فهذا الفكر؟ سواءا أكان فارسيا أو يونانيا أو غير ذلك - هو أهم زاد ثقافي للأمراء والحكام، وهو أيضا المادة الثقافية الأولى التي يعول عليها الكاتب أو من يرشح نفسه ليكون كاتبا مترسلا في الديوان، ولماذا كانت الكتابة في معظمها ديوانية فإن شعلة هذا النوع من الفكر ظلت مضاءة على مر الزمن، رغم تغير الأزمان والأمكنة، وفي طليعة هذا اللون من الفكر تجيء الكتب التي يمكن أن يطلق عليها " مرايا للأمراء "، وهي نصائح سياسية تسدى للأمير أو ولي العهد حتى يكون سياسيا ناجحا، وتقوم على قاعدة أخلاقية، وعن طريق هذه القاعدة ترتبط بالدين، وينظر إليها بشيء كثير من التقدير، حتى وإن كانت مصادرها بعيدة كل البعد عن أصول الإسلام. وقد لحظ أبو الحسن العامري ٠أن الأدب الكبير لابن المقفع إنما يعتمد القواعد الأخلاقية التي جاءت في كتاب المجوس " الأبستا " وانه مع تقدمه في ذلك غير لائق شيئا منه بالقرآن " وكيف يظن به ذلك وقد علم أن الشرف الأنسي عند ملوك العجم كان معلقا بالأنساب، وكانوا يحرمون على رعاياهم الترقي من مرتبة إلى مرتبة، وفي ذلك ما يعوق التراكيب السوية عن كثير من الشيم الرضية، ويعقد الأنفس الأبية عن حيازة الدرجات العلية " (١) ، ومع ذلك فإن العامري نفسه

стр. 120

حين كتب " السعادة والإسعاد " لجأ إلى اقتباس كثير مما ورد في " الأدب الكبير " دون أن يسميه (١) . ومثل ذلك يمكن أن يقال في كثير من الكتب التي ترجمت عن الفرس كعهد أردشير وكتاب الآيين وكتاب التاج في أخلاق الملوك وغيرها، فأن معظمها أصبح " معتمد " المرشحين لولاية الأمور، وقد عرفنا أن عهد أردشير كان مما يؤخذ أولياء العهود بدراسته والتعمق فيه مع أن أساسه قائم على طبقية مصمتة لا مجال لتخطيها، وشيء من وصولية عملية، وإنكار تام لمصطلح " العدالة " والاستغناء عنه بمصطلح " الحزم ". وكان من جراء الإتمام الكبير بهذا اللون من الفكر أن أقبل الناس فيه على الترجمة والتأليف إقبالا كبيرا، فبعد عبد الحميد وابن المقفع نجد طاهر بن الحسين يكتب عهدا لابنه عبد الله حين ولاه المأمون ديار ربيعة، وينال العهد إعجاب المأمون فيأمر باستنساخه وتفريقه في الأمصار (٢) ، ونجد عمارة بن حمزة يكتب رسالة " الخميس " وهي التي كانت؟ كما يقول ابن خلكان - تقرأ لبني العباس (٣) . ويستمر الأمر على ذلك، فينتزع ابن الداية مما زعم أنه رموز كتاب السياسة لأفلاطون ثلاثة عهود، ويطول بنا القول لو شئنا أن نحصر الإسهام في هذا الحقل عل مر الزمن، ولكن حين نرصد الظاهرة نفسها نستطيع أن نتبين جهدا آخر في هذا النطاق يتمثل في أمرين: أولهما صياغة الحكمة السياسية الأخلاقية في أقوال تسير بين الناس ويسهل حفظها، كما فعل أبو الحسن علي بن محمد الصغاني صاحب كتاب " الفرائد والقلائد في الاستعانة على حسن السياسة " (٤) .

стр. 121

وثانيهما؟ وهو ما يهمنا في هذا الصدد - إعادة " ترجمة " الآثار اليونانية بأسلوب رفيع، كما أشرت إلى ذلك في الفصل السابق، لا لكي يسهل حفظها وحسب، بل لكي تصبح نموذجا أدبيا يحتذيه الكاتب، وإذا أقتبس منه خفي اقتباسه، واندرج ما اقتبسه ضمن أسلوبه المتوازن المسجوع. وكان من أوائل النصوص السياسية المنقولة إلى العربية الرسائل المحولة إلى ارسطاطاليس وخاصة رسالة بعنوان " السياسة في تدبير الرياسة " أو " سر الأسرار " فيما كتبه للإسكندر، وهي الرسالة التي يعتقد الأستاذ غرنياسكي أن أساسها الأولي تمثله " رسالة في السياسة العامية " المنحولة أيضا له، ولتي ربما كانت من النصوص التي نقلها سالم أو نقلت له. وقد حظيت تلك الرسائل المنحولة لأرسطاطاليس وبخاصة رسالته في السياسة العامية التي تطورت من بعد في ما سمي " سر الأسرار " بما لم يحظ به غيرها من عناية استنساخا واقتباسا وإضافة، ولكن الذي يهمنا؟ في هذا المقام - هو أنها وجدت من يعيد صياغتها في أسلوب مسجوع لتصبح قطعة أدبية لا محض رسالة سياسية. متى حدث ذلك وعلى يد من؟ لا أجد على هذين السؤالين جوابا قاطعا حتى الآن، وإن كنت أعتقد أن " نظم " الرسالة قد يكون من فعل صاحب " الفرائد والقلائد " فإن لم يكن الأمر كذلك فصاحب الفرائد إنما يقلد محاولات سابقة في هذا المضمار، ولدينا ما يثبت أن بعض المحاولات لإعادة كتابة بعض الرسائل السياسية أو بعض أجزائها بأسلوب جزل مسجوع قد تم في القرن الرابع أو قبله، فقد أورد أبو حيان التوحيدي في " الإمتاع والمؤانسة " صورة من هذه الصياغة الأدبية بين مجموعة من الحكم القصيرة التي أظن أيضا أن يد التحوير قد مستها، وتجري العبارة التي أوردها التوحيدي كما يلي: " تجرع من عدوك الغصة إن لم تنل الفرصة، فإذا وجدتها فأنتهزها قبل أن يفوتك الدرك، أو يصيبك الفلك، فإن الدنيا دول تبنيها الأقدار، ويهدمها الليل والنهار " (١) ، وليست العبارة في صورتها هذه إلا " ترجمة " لقول ينسب إلى أرسطاطاليس وهو " افترص من عدوك الفرصة واعلم أن الدنيا دول " (٢) .

стр. 122

وعندما نصل إلى لباب الآداب لأسامة بن منقذ نجد العبارة التي أوردها أبو حيان بنصها (١) بين مجموعة من الأقوال السياسية التي خضعت لهذا النوع من الصياغة، وفيها قسط غير قليل مما يعد " ترجمة " جديدة لعبارات من رسائل أرسطاطاليس: ١ - فهذه العبارة: تفقد أمور عدوك قبل أن يطول ذراعه، وارتق الفتق قبل أن يتمكن فاتقه، لا تطلب ما بعد عنك حتى يستوي ما قرب منك، لا تخل فكرك ليلك ونهارك، فإذا أنشأت حربا فأعظمها، وإذا أشعلت نارا فألهبتها (٢) . قد نظم بعض أجزائها على النحو التالي: تفقد أمر عدوك قبل أن يمتد باعه، ويطول ذراعه، وتكثر شكته، وتشتد شوكته، وعالجه قبل أن يعضل داؤه، ويصعب دواؤه، فكل أمر لا يداوى قبل أن يعضل، ولا يدبر قبل أن يستفحل، يعجز عنه مداويه، ويصعب تداركه، وتلافيه ولا تشغل نفسك بإصلاح ما بعد عنك حتى تفرغ من إصلاح ما قرب منك (٣) - إذا أنشأت حربا فأرهجها، وإذا أوقدت نارا فأججها (٤) . وإليك أيضا بعض العبارات الأخرى مقارنة بما صارت إليها عند إعادة صياغتها: ٢ - سر الأسرار: يا اسكندر لا تباشر الحروب بنفسك (٥) . للباب الآداب: ولا تباشر الحرب بنفسك، فإنك لا تخلوا في ذلك من ملك تخاطر به، أو هلك تبادر إليه (٦) . ٣ - السعادة والإسعاد: صير استشارتك بالليل فإن الفكر فيه أجلى وأجمع (٧) .

стр. 123

لباب الآداب: ولتكن مشاورتك بالليل فإنه أجمع للفكر، وأعون على الذكر، ثم شاور في أمرك من تثق بعقله ووده (١) . ٤ - السياسة العامية: وصير الأرزاق على الضعيف، وصير رزق الجندي ما يحمله ويحمل عياله؟ وإذا أمرت بالأرزاق فأنجزها لهم؟ وأي صاحب لقاء أو بطريق أو جندي اتهمته، فإن كانت له درجة فأسقطها، وإن كان جنديا، وكان ذلك أول فعله فأصفح عنه، وإذا كان يوم الحرب قربت الأمناء يكتبون بين الصفين ما يحدث في كل ناحية، ثم غنمهم على ذلك وأبرز لهم العطايا فإنهم يبذلون أنفسهم لها؟ وأجر الأرزاق على ولد الشهيد في الحرب وما أشبه ذلك، وأجر الأرزاق على الجرحى سوى أرزاق العامة، ومن ضرب في وجهه فكافئه بجائزة، ومن ضرب في ظهره فوبخه بالكلام فقط، ومن قطعت يده وبطلت له جارحة فقد وجب عليك رزقه بقية عمره. (٢) . لباب الآداب: وقال الحكيم: أفض على جيشك سيب عطائك، واصرف إليهم أحسن عنايتك وإرعائك، فإنهم أهل الأنفة والحمية، وحفظة الحوزة والرعية، وسيوف الملك وحصون الممالك والبلدان، وأوثق الأصحاب والأعوان، بهم تدفع العوادي، وتقهر الأعادي، ويزال الخلل، ويضبط العمل، قوي ضعيفهم يقو أمرك، وأغن فقيرهم يشد أزرك، وامنحهم قبل الفرض، واختبرهم عند العرض. ولا تثبت منهم إلا الوفي الكمي الذي لا يعدل عن الوفاء، ولا يجبن لدى االهيجاء، فإن المراد منهم قوة العدة، لا كثرة العدة. وإن أصاب أحدهم في وقعة تندبه لها، أو حملة تبرزه فيها، ما يعطله عن اللقاء، ويؤخره عن الاكفاء، فلا تمح اسمه، ولا تمنعه رسمه، وأن قتل في طاعتك، واستشهد تحت رايتك، فأكفل بنيه، وذب عن أهله وذويه، فإن ذلك يزيدهم رغبة في خدمتك، ويسهل عليهم بذل المهج والأرواح في نصرة دولتك ودعوتك (٣) . وفي هذه الأمثلة المقارنة نموذج لمن شاء أن يتصور كيف أصبحت الوصايا السياسية رسائل أدبية، ذات أسلوب مسجع، ولكن المثل الأخير منها يحمل مشكلة جديدة، ذلك لأن التطابق بينه وبين النقل الأسلوبي محمول على الجملة لا على التفصيل، ولعل

стр. 124

" المترجم " هنا ناظر إلى نص آخر أو إلى نصوص أخرى غير هذا النسوب لارسطاطاليس، ذلك أن بعض الشبه يربط ما جاء هنا وبين نص منسوب لعلي بن أبي طالب (١) ، وربما حملنا هذا على القول بأن " الحكيم "؟ أو الذي نظم أقوال الحكيم - كان يتصيد كل ما يهمه في هذا المضمار، فالحكيم هنا لفظة لا تشير إلى رجل بعينه، وإنما قد تعني كل من يمكن أن تقتبس الحكمة عنه (٢) . وقد أورد أسامة مجموعة من هذه الأقوال السياسية المحبوكة على هذا المنوال، ونسبها إلى " الحكيم " ولما لم يكن في مقدوري أن أرد جميع صور هذه الصياغة إلى الآثار المنحولة لارسطاطاليس، فإن خير ما أختم به هذا الفصل أن أثبت مجموعة من تلك الأقوال، تمثل مزيدا من الشواهد على هذه الطريقة، فربما اهتدى البحث لأصولها " الساذجة " فيما بعد: ١ - حاجة السلطان إلى صلاح نفسه أشد من حاجته إلى صلاح رعيته، وفائدته في إحسان سيرته، أعظم من فائدته في ثبات وطأته، لأنه إذا أصلح نفسه صلحت رعيته، وإذا أحسن سيرته ثبتت وطأته، ثم يبقى له جميل الأحدوثة والذكر، ويتوفر عليه جزيل المثوبة والأجر، لأن السلطان خليفة الله في أرضه، والحاكم في حدود دينه وفرضه، قد خصه الله بإحسانه، وأشركه في سلطانه، وندبه لرعاية خلقه، ونصبه لنصرة حقه، فإنه أطاعه في أوامره ونواهيه تكفل بنصرة، وان عصاه فيهما وكله نفسه. (٣) . ٢ - من ملكه الله من أرضه وبلاده، وائتمنه على خلقه وعباده، وبسط يده وسلطانه، ورفع محله ومكانه، فحقيق عليه أن يؤدي الأمانة، ويخلص الديانة، ويجمل السيرة،

стр. 125

ويحسن السريرة، ويجعل الحق دأبه المعهود، والأجر غرضه المقصود، فالظلم يزل القدم، ويزيل النعم، ويجلب النقم، ويهلك الأمم. ٣ - من أعرض عن الحزم والأحتراس، وبنى على غير أساس، زال عنه العز واستولى عليه العجز، وصار من يومه في نحس، ومن غده في لبس. ٤ - من جد في حرب عدوه وقتاله، واحتال في قتله واستئصاله، يشغل بذلك قلبه، ويسخط ربه، وينفق عليه ماله، ويكد فيه نفسه ورجاله، ثم يكون من أمره على غرر، ومن حربه على خطر، ولو استعطفه بلطف مقاله، واستصلحه بحسن فعاله، واتخذه وليا صفيا يشاركه في الخير والشر، ويساهمه في النفع والضر، ويعضده غي الأحداث والعوادي، وينجده على الأضداد والأعادي، لكان أصلح له في دينه ودنياه، وأعود عليه في بدئه وعقباه " (١) . وهذه القطعة الأخيرة تختلف عما في الرسائل المنحولة لارسطاطاليس وغيرها من حيث أنها تنص على التلطف للعدو ومحاولة استعطافه واستصلاحه إلى أن يصير صفيا، إذ أن أكثر تلك الأقوال إنما تخص على الحذر والتنبيه والكيد، وما إلى ذلك، وهذا الاختلاف يومئ إلى أننا يجب أن نبحث عن مصدر آخر لأمثال هذه الحكم (٢) . ومهما تتنوع هذه الأقوال وتتعدد مصادرها فإني أراها جميعا تنتمي إلى مصدر واحد، كتاب أو رسالة، حين تكون على هذا النحو من الأسلوب المسجوع. ولكن هل ينقل أسامة عن هذا المصدر بترتيب أو لا؟ ذلك ما لا يمكن القطع به. ولعل سائلا أن يسأل: ما الجديد الذي قدمته هذه المحاولة؟ والجواب على ذلك أنها تفعل شيئا كثيرا سوى تقريب الأدب السياسي لمن يحبون جزالة الأسلوب

стр. 126

وحلاوة الموسيقى، فبسط العبارات لم يضف شيئا إلى النظرية السياسية أو إلى المواقف الأخلاقية. ولكن هذا العمل؟ من وجه آخر - يقف شاهدا على مدى افتتان فريق من الناس بلون من ألوان الفكر اليوناني وعلى محاولتهم إشاعته عن طريق التحلية والتنميق (١) .

стр. 127

" ٩ " تحوير الحكم والأمثال اليونانية في صورة نظم ما تقدم في الفصل السابق من تحوير الأدب السياسي المنسوب إلى يونان في أسلوب نثري جزل مسجوع، يجمع بين ما ظنه أصحابه من جمال المحتوى والشكل معا، كان؟ فيما يراه - مسبوقا بحركة أخرى، أوغل في الزمن، تم فيها نقل الأمثال والحكم من صورتها النثرية إلى نظم؛ هي حركة تستطيع أن تسميها ترجمة من العربية إلى العربية، سواء أكانت الأصول يونانية أو فارسية، وهذه الحركة تتمثل في ثلاثة تيارات، أولها: ظاهر جلي، ذو حدود واضحة وإمارات شاهدة، وذلك يتمثل في ما قام به أبان اللاحقي وسهل بن نوبخت وعلى داود في نقل كليلة ودمنة إلى الرجز، وفي نقل حكم الهند وغيرها (١) ، وهي حركة تصميمية عامدة، كانت تخضع لرغبة بعض المولعين بالثقافات الأجنبية، فقد ذكر محمد بن داود في طبقات الشعراء أن يحيى بن خالد اشتهى حفظ كتاب كليلة ودمنة، فقلبه له أبان شعرا ليسهل عليه حفظه (٢) ، والثاني تيار لا لا حدود له، رأى في الحكم والأمثال ملكا شعبيا، يستطيع كل من شاء أن يستمد منه وأن يتصرف به حسبما يحلو له، وقد مر بنا من نقل الحكايات في صورة شعر مثل واضح في قصة الذئب والحمل (٣) ، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أمثلة أخرى، منها قول

стр. 128

بعضهم في ذئب رباه مع غنمه، فعدا حين كبر على شاة له فأكلها: فرست شويهتي وفجعت طفلا ... ونسوانا وأنت لهم ربيب نشأت مع السخال وأنت طفل ... فما أدراك أن أباك ذيب إذا كان الطباع طباع سوء ... (١) فليس بمصلح، طبعا، أديب ويجب ألا تستوقفنا كثيرا نسبة هذا الشعر إلى أعرابي، فجهل القائل هنا هو الشيء المهم، إذ أنه يؤكد أن هذا الشعر وأمثاله إنما أصبح تركة شعبية خالصة، تحمل في ذاتها أهميتها دون أن تكون نسبتها لمن قالها أمرا هاما. والظن قوي بأن هذا اإتجاه قد بدأ يستقوي منذ أواخر العصر الأموي، لأنه ذو دلالة على مرحلة ثقافية معينة، يصبح فيها اتكاء على التراث، وتقدير قيمته، أمرا أصيلا، وإذا نحن نظرنا إلى الشعر قبل ذلك وجدنا النزع بالحكاية الخرافية غير شائع كثيرا، وأن الميل يكاد يكون أقوى لاستشهاد بالقصص الإنسانية مثل حكاية السمؤال؟ في شعر الأعشى - وحكاية زرقاء اليمامة في شعر النابغة، أو قصة كعب بن مامة وقصير والقارظ العنزي وأمثال ذلك، حتى إذا بلغنا إلى شعر الكميت في الفترة التي أتحدث عنها، وجدنا النزع بالخرافة الحيوانية يكثر ويطغى على ما سواه إلى أن يكاد يصبح مذهبا أدبيا، كما في قوله (٢) : كما رضيت جوعا وسوء ولاية ... لكلبتها في آخر الدهر حومل وقوله (٣) : فعل المقرة للمقالة خامري يا أم عامر

стр. 129

وقوله (١) : كما خامرت في حضنها أم عامر ... لدى الحبل حتى عال أوس عيالها وقوله في الرخمة؟ ونفى عنها الحمق ونسبها إلى الكيس (٢) : وذات اسمين والأسماء شتى ... تحمق وهي كيسة الحويل لها خب تلوذ به وليست ... بضائعه الجنين ولا مذول ومثل هذا كثير في شعره وهو يشير إلى بداية الوعي بقيمة الخرافات الحيوانية، والتنبيه لا لاستعمالها في الشعر وحسب، بل اعتمادها في المواقف المختلفة. ويبدو أن الحكم من نثر إلى شعر يتم على نطاق واسع، وأول الشواهد عليه انتثار عدد كبير من الأقوال الحكمية المنظومة التي بقيت في المصادر دون نسبة، وإن كان الظن قويا بأن القسم الأكبر منها قد ألحق بشعراء عرفوا بهذا الاتجاه، وكانوا كثيري العدد في هذه الفترة التي أتحدث عنها. وهذا يسلمنا إلى الحديث عن التيار الثالث، وهو تيار أشبه شيء بالانتحال وليس به، ويمكن أن نسميه تضمينا أو اقتباسا، للحكم الأجنبية، عن طريق الغوص العامد في الثقافات الأجنبية، وشدة الإعجاب بها، ولعل في صلة أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي بالفارسية ما يصلح أن يتخذ نموذجا لغيره، وخلاصة قصته أن رجلا اسمه يحيى بن الحسن دعا غلاما له وكلمه بالفارسية، ودخل العتابي فسمع ما يتحدثان به فكلم يحيى بالفارسية، فقال له: أبا عمرو، ما لك وهذه الرطانة؟! فقال: بلدكم هذه ثلاث قدمات، وكتبت كتب العجم التي في الخزانة بمرو، ثم قدمت نيسابور وجزتها بعشرة فراسخ إلى قرية يقال لها ذودر فذكرت كتابا لم أقض حاجتي منه، فرجعت إلى مرو فأقمت شهرا، فقال له يحيى: لم كتبت كتب العجم؟ فقال العتابي: وهل المعاني إلا في كتب العجم والبلاغة، اللغة لنا والمعاني لهم (٣) . فإذا عرفنا بعد ذلك أن العتابي أفرد فنون الحكم

стр. 130

بالتأليف (١) ، وانه انتحى في شعره منحى في شعره منحى الحكمة، لم نستغرب ذلك. ويكاد يكون من الأمور المسلمة أن اللقاء بتلك الثقافات الأجنبية، بالإضافة إلى عوامل أخرى كالموجة الزهدية والحركة الاعتزالية والأوضاع الاقتصادية العامة وغيرها، هو الذي خلق طبقة من الشعراء الحكماء من أمثال سابق البربري وصالح بن عبد القدوس ومحمد بن حازم الباهلي وصالح بن جناح ومحمود الوراق والعتابي وأبي العتاهية: ويتميز هؤلاء الشعراء بنوع من الحكمة اللسانية التي تدعو نظريا إلى قيم أخلاقية، ربما لم يتقيد أحد منهم بها سلوكه العملي. وأكبر الظن أن هذه الحكمة التي عرفوا بها لا تعدو أن تكون في معظمها تضمينا للقواعد الأخلاقية المأخوذة عن اليونانيين والفرس والعربي، مما يتصل بآداب السلوك والمعاملة والنظرة إلى شؤون الحياة عامة. ولعل الأرجوزة " ذات الأمثال " لأبي العتاهية؟ إن لم تكن نقلا مباشرا مما ينتسب إلى التيار الأول - إنما كانت من هذا القبيل (٢) ، ويقال إنها كانت تضم أربعة آلاف مثل، بقي منها ٦٢٠ شطرا وليس بين الحكم المجموعة فيها اتصال في كثير من الأحيان، بل كثيرا ما يقترن في شطرين متجاورين حكمتان لا رابطة بينهما، كما أن الحكم المتصلة بموضوع واحد، كالدنيا والموت، تجيء في مواضع متفرقة، دون أن تسلم من التكرار في المعاني، وعلى رغم طغيان النغم الزهدي على الأرجوزة فإن فيها ميلا واضحا إلى إبراز دور " العقل " وقيمته. وأحيانا يستوقف القارئ مثل قوله (٣) : لكل شيء معدن وجوهر ... وأوسط وأصغر وأكبر وكل شيء لاحق بجوهره ... أصغره متصل بأكبره أو قوله (٤) : نتائج الأحوال من لا ونعم ... والنفس من بين صموت وعدم

стр. 131

فإن مثل هذه الإشارات الموجزة ذات المنحى الغامض؟ بسبب إيجازها - لا تمكننا من الاهتداء إلى منتماها وأصلها، وإن كانت تبدو غربية في سياق زهدي يتوسل كثيرا بالقيم الدينية. وقد مرن أبو العتاهية؟ وغيره من شعراء الحكمة في عصره - على تكوين القصيدة الحكمية من عدد من الحكم التي تقوم بينها رابطة أو يضبطها تدرج، حتى أصبحت القصيدة تمثل قفزات متباعدة، وكان في ذلك اكبر جور على الوحدة النفسية أو الشعرية في القصيدة العربية آنئذ. وهذه مقطوعة نجدها في ديوان أبي نواس، وهو من هو قدرة على حوك القصيدة في استرسال مترابط، إلا أنها أبيات مرسلة، كل بيت منها يقوم وحده (١) : عدوك ذو العقل خير من الصديق لك الوامق الأحمق ... وما ساس أمرا كذي شيبة ... بصير بما ساس مستوثق وما أحكم الرأي مثل امرئ ... يقيس بما قد مضى ما بقي وصمتك من غير عي اللسان ... أزين من هذر المنطق فالبيت الأول صياغة للحكمة القائلة: " عدو عاقل خير من صديق جاهل (أحمق) ، والثاني ترجمة لقولهم " رأي الشيخ خير من مشهد الغلام " والثالث يشير إلى الاعتبار بما مضى في الحكم على ما هو حاصل، والأخير في فضيلة الصمت دون عي. ترى أكانت قصيدة الحكمة؟ في هذا التفكك - تنظر إلى موروث سابق؟، من الغريب أننا إذا عدنا إلى العصر الجاهلي، وجدنا أبيات الحكمة في معلقة زهير، والقصيدة الدالية المنسوبة لعدي بن زيد (٢) ، ووصية يزيد بن الحكم لابنه (٣) ، وما أشبه ذلك، تجري على هذا المنوال أيضا، وأننا إذا قارناها بالحكم والوصايا المأثورة عن

стр. 132

حكماء الجاهلية، وجدنا أن تلك الحكم والوصايا أشبه شيء بخطرات فكرية لا يربطها سلك واحد، سوى كونها كلها تذهب مذهب القواعد الخلقية، ولكن الموقف؟ وخاصة في الشعر - يتطلب تدقيقا، وربما كانت القصيدة التالية تصور ما أذهب إليه: إن كنت لا ترهيب ذمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل فأخش سكوتي إذا أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل فالسامع الذم شريك له ... ومعظم المأكول كالآكل مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل فهذه القطعة؟ وإن لم تكن مبنية على حكم مفككة، بل جاءت متدرجة في سياقها - تنسب لكعب بن زهير (١) ، ثم هي أيضا تنسب لمحمد بن حازم الباهلي (٢) ، وقد لحظ ابن هندو أن قوله فيها " فالسامع الذم شريك له " يشبه قول أفلاطون " المصغي إلى الذم شريك لقائله " (٣) ، وقد استغل هذا المعنى نفسه محمود الوراق فقال (٤) : فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه وقد أورد البكري البيت دون نسبة، على نحو غريب (٥) : وشاهد الهاجي شريك له ... ومطعم الخنزير كالآكل وكل الدلائل تشير إلى أن القطعة وليدة ذلك الجو الحكمي في عصر متأخر كثير عن عصر كعب، وحين تختلط الرواية على هذا النحو، ولا يميز بين شعر كعب وشعر

стр. 133

محمد بن حازم، فليس من المستبعد أن تكون عملية مماثلة قد تمت في أبيات زهير الحكمية، فأضيفت إلى المعلقة وهي واضحة في مغايرتها لها، وحملت على عدي بن زيد قصيدته الدالية، ونحلت لغيره أشعار من هذا القبيل، وكان كل ذلك من نتاج جو الحكمة الذي زادته الترجمة لحكم الأمم الأخرى اتساعا وكثافة. وفي نقل الحكم المنثورة إلى شعر، لا يمكن أن يطمئن المرء إلى قول حاسم في أن هذه الحكمة أو تلك مأخوذة عن أصل يوناني. فالعصر الذي أتحدث عنه قد أتسع صدرا لأنواع من الحكم نقلت عن أمم مختلفة، وقد تنسب الحكمة الواحدة حينا إلى الفرس وحينا إلى اليونان وتارة إلى الهند، ثم تجدها ذات أصول راسخة في البيئة العربية منذ عهود قديمة، وهذه الحكمة التالية التي أعتقد أنها منظومة عن أصل نثري، ترد على هذا النحو (١) : وقد يرجى لجرح السيف برء ... وجرح الدهر ما جرح اللسان ومرة أخرى تجيء كالآتي: جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان وتروى على نحو آخر: وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جرح اللسان وتتصل هذه الحكمة بقول امرئ القيس: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان ووضعها الاخطل في صورة أخرى حين قال: والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر ...

стр. 134

ثم نجدها نجدها في الأدب الكبير، الذي يفترض أنه مترجم عن الفارسية " جرح اللسان أشد من جرح اليد " (١) ، وترد كذلك في الحكم المنقولة عن اليونان (٢) . وها هنا أمر لابد من التوقف عنده، وهو أن العرب كانوا مشاركين في حضارة الشرق؟ قبل الإسلام وبعده - وأنهم أيضا عرفوا الحكمة اليونانية قبل عصر الترجمة بزمن طويل، مثلهم في ذلك مثل الفرس، الذين عرفوا شيئا كثيرا من الحكمة اليونانية منذ عهد الإسكندر، وربما قبل ذلك. وخير شاهد على ذلك كتاب الأدب الكبير، فإنه في شكله الذي نعرفه يمثل الحكمة الفارسية، وقد صرح أبو الحسن العامري أنه ذو صلة بكتاب " أفستا " في الحث على مكارم الأخلاق حين قال: " ولعمري أن للمجوس كتابا يعرف بأبستا وهو يأمر بمكارم الأخلاق ويوصي بها، وقد أتى بمجامعها عبد الله بن المقفع في كتابة المعروف بالأدب الكبير " (٣) ، ومع ذلك فإن اللقاء بين هذا الكتاب وبين ما جاء في الحكم المنقولة عن اليونانيين أمر لافت للنظر، وهو يبين مدى التماثل بين كثير من الحكم الفارسية وما نقله العرب من حكمة يونان. ولأقدم هنا بعض الأمثلة الموضحة: ١ - في الأدب الكبير: لا تتركن مباشرة جسيم أمرك فيعود شأنك صغيرا، ولا تلزم نفسك مباشر الصغير فيصير الكبير ضائعا (٤) . وفي رسالة منسوبة إلى أرسطاطاليس بعث بها إلى الإسكندر: وإنما الأمور كلها أمران صغير لا ينبغي أن تباشر وكبير [لا] ينبغي أن تكله إلى غيرك، ومتى باشرت صغار الأمور شغلتك عن كبارها، وأن وكلت كبارها إلى غيرك أضعت أكثر مما حفظت وأفسدت اكثر مما أصلحت " (٥) .

стр. 135

٢ - في الأدب الكبير: وليستوحش [الوالي] من الكريم الجائع واللئيم الشبعان فإنما يصول الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع (١) . أفلاطون: اتقوا صولة الكريم إذا جاع وبطر اللثيم إذا شبع (٢) . عمرو بن العاص، قال لمعاوية: أحذر طغيان اللئيم وخصاصة الكريم، فإن اللئيم إنما يصول إذا شبع، وأما الكريم فإذا جاع (٣) . كسرى: احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع (٤) . ٣ - في الأدب الكبير: وأعلم أن المستشار ليس بكفيل وأن الرأي ليس بمضمون، بل الرأي كله غرر لآن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة (٥) (وهو بنصه في السعادة والإسعاد لارسطاطاليس) (٦) وقد أورده المبشر في مختار الحكم دون نسبة على النحو التالي: من سوء الأدب وضعف الرأي ادلال المستشار بصوابه، ومن جهل المستشير أن يلوم المستشار على ما ينزل به من القضاء، لآن الرأي غير مضمون والعمل في ذلك بالتغرير " (٧) . ٤ - في الأدب الكبير: وأعلم أن اللئام أصبر أجسادا، والكرام أصبر نفوسا، وليس الصبر المحمود الممدوح بأن يكون الرجل جلدا وقاحا على الضرب، أو رجله قوية على المشي، أو يده قوية على العمل، فإن هذا من صفات الحمير، ولكن الصبر المحمود أن يكون للنفس غلوبا، وللأمور محتملا، وفي الضر متحملا؟ (٨) .

стр. 136

وفي البصائر: وقال فيلسوف: الكرام أصبر نفوسا واللئام أصبر أبدانا (١) . وفي السعادة والإسعاد: (دون نسبة) : اللئام أصبر أجسادا والكرام أصبر نفوسا، وصبر النفس أن يكون للهوى تاركا وللمشقة فيما يرجو نفعه محتملا (٢) . وفي مختار الحكم: وقال ارسطاطاليس أعلم أن اللئام أصبر أجساما والكرام أصبر نفوسا؟ الخ (كما جاء في الأدب الكبير) (٣) . ٥ - في الأدب الكبير: أبذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك عدلك وإنصافك (٤) . وقال اسقلبيوس: سبيل من له دين ومروءة أن يبذل لصديقه نفسه وماله، ولمن يعرفه طلاقة وجهه وحسن محضره ولعدوه العدل.. (٥) . ٦ - في الأدب الكبير: وأن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك منهم بصالح مروءتك قبل ولايته فافعل، فإن الوالي، لا علم له بالناس إلا ما علم قبل ولايته، فأما إذا ولي فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع (٦) . وقال سقراط: من استطاع أن يصحب من الملوك والولاة من عرفه قبل ولايته بالصلاح والثقة والأمانة، فليفعل، فإن الملك والوالي لا علم له بالناس إلا بما كان قد علم به قبل ولايته، فأما إذا ولي فكل الناس يلقونه بالتصنع والتعظيم (٧) .

стр. 137

وفي ما يسمى " الأدب الصغير " المنسوب؟ وهما - لابن المقفع حظ من هذه المشاركة، فمن ذلك: ٧ - في الأدب الصغير: أمور لا تصلح إلا بقرائنها: لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق (١) . فيلسوف: كثير من الأمور لا تصلح إلا بقرنائها: لا ينفع العلم بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق (٢) . فيلسوف: النظر محتاج إلى القبول، والحسب إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن، والقربى محتاجة إلى المودة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنجدة محتاجة إلى الجد (الجدة) (٣) . ٨ - وفي ما يسمى الأدب الصغير: الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار (٤) . هذا القول الذي يحسن الاستشارة ورد منسوبا لأفلاطون على نحو معكوس وذلك في قوله: " الملك هو كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذبا عذبت وإن كان مالحا ملحت " (٥) .

стр. 138

وهذا اللقاء بين الادبين يمتد إلى نواح أخرى فلا يقف قاصرا على الأدب الكبير والأدب الصغير، ولو أن دارسا جعل همه تتبع هذا اللقاء في الأدبين اليوناني والفارسي، لأجتمع له من ذلك حصيلة كبيرة، فهنالك؟ مثلا - أثر آخر ينسب لابن المقفع باسم " يتيمة السلطان " (١) ، نشر اعتمادا على مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٦٧٢ مجاميع؟ وهي ليست سوى حكم جمعت من جاويدان خرد وكليلة ودمنة في الأغلب ونقرأ فيها: " المرأة الصالحة عماد الدين وعمارة البيت وعون على الطاعة " (٢) ويقابل هذا في الأقوال المناندرية: " إن المرأة الصالحة ركن بيتها " (٣) ، وفي هذه اليتيمة أيضا: " فلا شيء أشد من الفقر وهو رأس كل بلاء " (٤) ، وفي الأقوال المناندرية: " لا يكون بؤس أشد من الفقر " (٥) ، ويقول مؤلف هذه اليتيمة: " أمور كثيرة لا يجترئ عليها إلا أهوج ولا يسلم منها إلا القليل: صحبة السلطان، وائتمان النساء على الأسرار وشرب السم للتجربة، وركوب البحر " (٦) ، ثم يقول في موضع آخر: " أربعة أشياء لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين " (٧) ومن الطريف أن النار وركوب البحر والمرأة قد جمعت أيضا في أحد الأقوال المناندرية: ثلاثة أشياء رديئة، البحر والنار والمرأة السوء " (٨) ، وفي طني أن الأمر في هذه المقارنات لا يقف عند هذا الحد، وإنما قد يطور على نحو أوسع، كما قدمت. ولو كان كليلة ودمنة هو موضوع المقارنة، لوجدنا فيه شواهد كثيرة من هذا اللقاء، ولكن ليس من الأنصاف اتخاذ هذا الكتاب موضوعا للمقارنة لأنه أصبح تراثا عالميا لا يقتصر على أمة دون أخرى. ومع ذلك فإن إيراد بعض الشواهد ضروري للدلالة

стр. 139

على هذه " العالمية " في الشيوع المشاركة. يقول بطليموس: " من كتم السلطان النصيحة والطبيب ما به من الداء، والأخ الشقيق العالم ما ينبغي أن يفضي اليه من السر فقد أرداد المصيبة لنفسه " (١) وفي كليلة ودمنة: " فإن من كتم السلطان نصيحة، والأطباء مرضه، والأخوان رأيه كان قد غش نفسه " (٢) ، وفي حكم بطليموس: " وينبغي للسلطان أن يعرف أولياءه على منازلهم بقدر الذي عندهم من الفضل والدين والمروءة، ثم تكون منازلهم عنده واستعانته بهم على قدر الذي عند كل واحد منهم من الغناء والمنفعة " (٣) ، وهذا مشبه لما في جاء في كليلة ودمنة: " ثم ان على الملك بعد ذلك تعاهد عماله والتفقد لأمورهم حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء، ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسنا بغير جزاء، ولا يقروا مسيئا ولا عاجزا على العجز والإساءة، فإنهم ان ضيعوا ذلك وتهاونوا به، تهاون المحسن واجترا المسيء ففسد الأمر وضاع العمل " (٤) . وقد يطول بنا القول لو ذهبنا نورد النصوص المتشابهة أو المشتركة بين كليلة ودمنة والحكم اليونانية، وبحسابنا أن نختم هنا بمثل واحد فقد جاء في خاتمة - كليلة ودمنة. " إن الآمر بالخير ليس بأسعد من المطيع له فيه، ولا الناصح بأولى النصيحة من المنصوح له بها، ولا المعلم بأسعد بالعلم ممن تعلمه منه " (٥) . ومن الطريف أن تكون هذه هي فاتحة رسالة منسوبة إلى أرسطاطاليس، خاطب بها الاسكندر، يقول فيها: " ليس الأمر بالخير أسعد به من المطيع له، ولا المعلم أقل انتفاعا بالعلم من المتعلم، ولا الناصح أولى به من المنصوح له بالمديح متى قبل " (٦) . ذلك حسبنا في هذه المقارنة، فإن المضي فيها. يخرج بنا عما أردناه لهذا الفصل. على أية حال لا أدري متى قل الميل إلى نقل الحكم والأمثل في صورة نظم، فإننا نجد ذلك الميل ما يزال قويا في عصر الثعالبي من منتصف القرن الخامس -

стр. 140

فقد أورد للشاعر أبي الفضل السكري المروزي أحمد بن محمد بن زيد مزدوجة ترجم فيها أمثالا للفرس، منها قوله (١) : من رام طمس الشمس جهلا أخطا ... الشمس بالتطيين لا تغطى أحسن ما في صفة الليل وجد ... الليل حبلى ليس يدرى ما تلد من مثل الفرس ذوي الأبصار ... الثوب رهن في يد القصار إن البعير يبغض الخشاشا ... ما كان لكنه في إنفه ما عاشا نال الحمار بالسقوط في الوحل ... ما كان يهوى ونجا من العمل نحن على الشوط القديم المشترط ... لا الزق منشق ولا العير سقط في المثل السائر للحمار ... قد ينهق الحمار للبيطار والعنز لا يسمن إلا بالعلف ... لا يسمن العنز بقول ذي لطف وكان هذا الشاعر مولعا بنقل الأمثال الفارسية إلى العربية، وقد جرى على ذلك في غير هذه الأرجوزة، وكان يجعل تلك الأمثال في قصائده، فمن ذلك (٢) : ما كنت لو أكرمت استعصي ... لا يهرب الكلب من القرص وقوله: طلب الأعظم من بيت الكلاب ... كطلاب الماء في لمع السراب وقوله: ادعى الثعلب شيئا وطلب ... قيل هل من شاهد؟ قال الذنب وليس ممكنا أن نقطع إن كانت هذه الأمثال فارسية قديمة أو مولدة في العصور الإسلامية، ولكن أنى كان الأمر، فإن الشغف بنقلها إلى شعر يؤكد ما أذهب اليه، كا يوضح نوعا من المنافسة بين كل من ناقلي الأمثال والحكم اليونانية والفارسية.

стр. 141

وقد أورد الثعالبي صورة أخرى من هذه الأمثال المترجمة، ولكنه لم يبين إلى أي عصر أو أي قوم تنتمي، ومن الغريب أنها ليست أرجوزة أو مزدوجة، وإنما هي شعر يجري على بحر السريع، وكل بيت منها يستقل بنفسه، وواضح أنها محاولة لإدراج أكبر عدد من الأمثال في نطاق واحد، فمنها (١) : انتهز الفرصة في وقتها ... والتقط الجوز إذا ينثر يطلب أصل المرء من فعله ... ففعله عن أصله يخبر كم ماكر حاق به مكره ... وواقع في بعض ما يحفر فررت من قطر إلى مثعب ... علي بالوابل يثعنجر إن تأت عورا فتعاور لهم ... وقل أتاكم رجل أعور ثم أورد الثعالبي أيضا لشاعر آخر هو أبو عبد الله الضرير الأبيوردي، قصيدة ترجم فيها أمثال الفرس منها (٢) : صيامي إذا أفطرت بالسحت ضلة ... وعلمي إذا لم يجد ضرب من الجهل وتزكيتي مالا جمعت من الربا ... رياء وبعض الجود أخزى من البخل كسارقة الرمان من كرم جارها ... تعود به المرضى وتطمع في الفضل ألا رب ذئب مر بالقوم خاويا ... فقالوا علاه البهر من كثرة الأكل وكم عقعق قد رام مشية قبجة ... (٣) فأنسى مشاه ولم يمش كالحجل يواسي الغراب لذئب في كل صيده ... وما صاده الغربان في سعف النخل

стр. 142

وهذه الصورة الجديدة من الترجمة لا تختلف كثيرا عن الأشعار المنظومة ابتداء في الحكمة وهي في وزنها وصياغتها تمثل محاولة تتفوق على كل ما سبقها في هذا المضمار. ويجب ألا نسرع إلى القول بأن الاهتمام بالأمثال والحكم الفارسية كان أكثر من الاهتمام بالأمثال والحكم اليونانية، فهذه الأخيرة لم تجد؟ فيما يبدو - من يتنبه لها ويؤرخها كما فعل الثعالبي.

стр. 143

" ١٠ " صهر معاني الحكم اليونانية في الشعر العربي للأقدمين نظرات، لا بد من أن نتوقف عندها مدققين متأملين؛ من ذلك مثلا قولهم إن أبا العتاهية كان " يرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره في الزهد والمواعظ وذكر الموت والحشر والنار والجنة " وأنه ربما كان ثنويا (١) أو أنه " كان خبيث الدين يذهب مذهب الثنوية، إلا أنه كان ناسك الظاهر " (٢) ؛ وقد يكون الذي أثار هذا الحكم معرفة بعض معاصريه بمدى الخلف بين القول والعمل لديه، ووجوده في عصر اشتدت فيه التهمة بالزندقة، ولكن الذي يهمنا اليوم من كل ذلك أن أبا العتاهية في حكمته إنما كان تلميذا للثقافتين الفارسية واليونانية، وقد رأينا كيف كان من أوائل الذين ترجموا الحكم والأمثال الأجنبية، وخلطوها بالقيم الإسلامية، وربما لم يكن بين الفئتين من تعارض، ولكن محض المحاولة يضع أبا العتاهية في صف ابن المقفع وغيره ممن كانت أهدافهم في هذا المنحى مظنة ميل إلى تراث غير إسلامي خالص؛ وإذا كانت الزندقة تتضمن مثل العودة إلى ذلك التراث، فإن أبا العتاهية كان زنديقا لأنه يؤمن بالأنموذج اليوناني للمثل الأعلى، أي أنه يرى السيرة الفاضلة في الحكيم لا في النبي، وحين نقرأ قوله (٣) :

стр. 144

إذا أردت شريف الناس كلهم ... فأنظر إلى ملك في زي مسكين فإننا نفهم أن شريف الناس؟ أي المثل الأعلى - هو الملك الفيلسوف، أي هو؟ دون مواربة - سقراط لو قيض له يضطلع له أن يضطلع بالمسؤلية السياسية (١) ، وإن ظن بعضهم " أن الملك في زي مسكين " إنما يتمثل في إبراهيم بن أدهم، ذلك الرمز المبكر للغني الذي رفض الدنيا. وقد لحظ الأقدمون أيضا مدى تأثر بعض الشعراء بالتراث المنسوب إلى يونان؛ فقول صالح بن عبد القدوس: وينادونه وقد صم عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيب ما الذق عاق أن ترد جوابا ... أيها المقول الألد الخطيب إن تكن لا تطيق رجع جواب ... فبما قد ترى وأنت خطيب ذو عظات وما وعظت بشيء ... مثل وعظ السكوت إذ لا تجيب قد قرنه ابن طباطبا بقول أحد الحكماء ممن ورثوا الإسكندر: " طالما كان هذا الشخص واعظا بليغا، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من وعظه بسكوته " (٢) . ولهم من أبي العتاهية موقف مشابه، نبه إليه كل من المبرد وابن طباطبا وأبي الفرج الأصفهاني والثعالبي والحصري والطرطوشي والراغب الأصفهاني (٣) ؛ فحين وقف أبو العتاهية على صديقه علي بن ثابت وهو يجود بنفسه، بكى طويلا ثم قال:

стр. 145

يا شريكي في الخير قربك الله ... فنعم الشريك في الخير كنتا قد لعمري حكيت لي غصص ... الموت فحركتني لها وسكنتا وحين دفن وقف على قبره يبكي بكاء طويلا ويقول: بكيتك يا علي بدمع عيني ... فما أغنى البكاء عليك شيا وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا وفي هذين الموقفين كان أبو العتاهية، معجبا أيضا بالأقوال التي ألقاها الحكماء عند تابوت الإسكندر، فقوله " حركتني وسكنتا " مأخوذ من قول أحد الحكماء " حركنا اإسكندر بسكونه " وقوله: " فأنت اليوم أوعظ منك حيا " من قول الآخر: " قد كنت أمس أنطق وأنت اليوم أوعظ " (١) . ويزيد المبرد على ذلك قوله: إن أبا العتاهية: " لا يكاد يخلي شعره مما تقدم من الأخبار والآثار فينظم ذلك الكلام المنثور ويتناوله أقرب متناول ويسرقه أخفى سرقة "؛ أما ابن طباطبا فيرى أن أبا العتاهية إنما ورد مورد صالح بن عبد القدوس إلا أنه جاء بالمعنى في لفظ موجز وصياغة أجمل. ويضيف الثعالبي أن أحد الحكماء قال في الإسكندر: " علمت أنك ولدت للموت وبنيت للخراب " وأن أبا العتاهية أخذ هذا المعنى أيضا فقال: لدوا للموت وابنوا للخراب ... (٢) فكلكم يصير إلى تباب قال الثعالبي: " وجدت أبا العتاهية كثيرا ما يقول في مراثيه وزهدياته على معاني هذه الكلمات " (٣) ؟ أي الكلمات التي قيلت في رثاء الإسكندر. ماذا يعني هذا كله؟ يعني لأننا نتجاوز ترجمة الأمثال والحكم إلى شعر؟ كما بينا في
следующие страницы →