← Адаб

Адаб · id 1012

ملامح يونانية في الأدب العربي

إحسان عباس

Полный текст (213 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذه القصة؟ وإن لم توجد في خرافات إيسوب - تدل على أن نقل كليلة ودمنة إلى العربية، في حدود هذه الحقبة التي نومئ إليها، كان يمثل رغبة الناس في هذا اللون من الأمثال، كما أنه أيضا كان ذا أثر في توجيه الأنظار إلى الينابيع الفارسية والهندية التي يستمد منها ذلك الأدب. وحين نجد أن أبان بن عبد الحميد اللاحقي وغيره قد نظموا قصص كليلة ودمنة (١) ، ليسهل حفظها في أغلب الظن، وأن سهل بن هارون قد عارضها بكتاب سماه " ثعلة وعفرة " (٢) يتجلى لنا أن الاهتمام بهذا اللون من الأدب كان آخذا في الازدياد، رغم أن مصادرنا من القرن الثالث لا تؤيد هذه الحقيقة على نحو مباشر (٣) ، ولكن يحق لنا أن نعتبر مصادر القرن الرابع، مصداقا على ما كان يجري في القرنين السابقين، وبخاصة كتب المختارات المتنوعة مثل البصائر للتوحيدي، فإنما هي عودة إلى تنسيق ضروب النشاط الأدبي في ذينك القرنين السابقين. ولما كان ما يهمنا من ذلك الأدب هو مدى لقائه بنظيره اليوناني، فإني سأعرض؟ في إيجاز - نماذج تمثل ذلك اللقاء، على أن يرد أكثر الحكايات بشكله الكامل، في ملحق خاص بها (٤) . ١ - قصة الشيخ الذي نصب للعصافير فخا، وضربه البرد، فكلما قبض على عصفور، دمعت عينه مما كان يصك وجهه من برد الشمال، فظنته العصافير امرءا صالحا رقيق الدمعة، فقال عصفور منها: لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه (الحيوان ٥: ٢٣٨ - ٢٣٩ وملحق بابريوس رقم: ١٩٣، ص ٤٥٨) ، وقد مرت حكاية أخرى عن مناسك نصب فخا (انظر: ٧٢ فيما تقدم) ، ويمكن أن تقارن

стр. 72

القصتان بثالثة رواها صاحب العقد (٣: ٦٨) عمن صاد قبرة فرجته أن يطلقها على أن تقدم له ثلاث نصائح. ويبدو أن هذا النوع من القصص قد كان ملائما للتعبير عن الحقيقة الخادعة تحت مظهر نسكي. ٢ - قصة الذئب الذي أخذ يعدد الذنوب على الحمل افتئاتا، لكي يسوغ لنفسه أكله (١) (الدرة الفاخرة: ٢٩٤ وانظر الميداني ١: ٣٠٢ والزمخشري ١: ٢٣٣ وبابريوس رقم ٨٩، ص: ١١١ وفايدرس، الكتاب الأول رقم: ١، ص: ٩١) ويبدو أن هذه القصة قد وضعت في صيغة شعرية، في عهد مبكر، إذ جاءت على هذا النحو (٢) : وأنت كذئب السوء إذ قال مرة ... لعمروسة والذئب غرثان مرمل أأنت الذي من غير جرم سببتني ... فقال متى ذا قال ذا عام أول فقال ولدت العام بل رمت ظلمنا ... فدونك كلني لا هنا لك مأكل ٣ - قصة الحمار الذين يهين الفيل بقوله له: " يا أخي "، وإذ يستغرب الفيل هذه القرابة يشير الحمار إلى الشبه بين غرموله وخرطوم الفيل (الدرة الفاخرة: ٥٥٢ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٦ وفايدرس، الكتاب الأول رقم: ٢٩، ص: ٢٢٥ وقد جمعت هذه القصة أيضا عند فايدرس معنى الاستعلاء الذي أدى بالليث إلى أن يعف عن دم الخنزير لئلا يلطخ به شاربه) . ٤ - قصة الأسد والثعلب والذئب الذين اصطحبوا معا في رحلة صيد، فصادوا حمارا وظبيا وأرنبا، وسئل الذئب أن يقوم بالقسمة فأعطى الحمار للأسد والأرنب للثعلب واحتفظ لنفسه بالظبي، فخبطه الأسد فأطاح رأسه، قم أقبل على الثعلب وطلب إليه إجراء القسمة فقال الثعلب: الحمار لغدائك والظبي لعشائك والأرنب في ما بين ذلك، وقد تعلم القسمة العادلة من رأس الذئب الطائح عن جثته (الدميري ١:

стр. 73

١٦١ - عن المعافى بن زكريا النهرواني (٣٩٠/٩٩٩) صاحب كتاب أنيس الجليس ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٧ وملحق بابريوس رقم: ١٤٩، ص: ٤٤٩، وفي الحديث عن " حصة الأسد " انظر أيضا بابريوس رقم: ٦٨، ص: ٨٣ وفايدرس، الكتاب الأول، رقم: ٥، ص: ١٩٩) . ٥ - قصة الأسد الذي اعتل فزارته جميع السباع إلا الثعلب، فكاد له الذئب، فانتقم منه الثعلب بأن جاء عائدا للأسد ووصف له دواء يشفيه من مرضه وهو مرارة الذئب، فضربه الأسد، وكان ضعيفا، فسلخ بعض جلده، ومضى الذئب ملطخا بدمه والثعلب يصيح في أثره " يا صاحب السراويل الأحمر، إذا جلست عند الملوك فأعقل كيف تتكلم " (البصائر ٢: ٧٢٧ وكتاب الأذكياء لابن الجوزي والدميري ١: ١٦١ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٦ ودالي رقم: ٢٥٨، ص: ٢٠٠ - ٢٠١ وبابريوس ص: ٤٧٣) . ومع أن العبرة في الروايتين متفقة، فثمة فروق أساسية بينهما، منها أن الدواء في القصة الأيسوبية هو جلد الذئب ومرارته، وهو هنالك يموت ولا ينجو بنفسه، وإنما يقف الثعلب فوق جثته شامتا ويقول: " لا بد للمرء من أن ينصح الملك بالحب ر بالكراهية ". ٦ - قصة الثعلب (أو الذئب) الذي ابتلع عظما فبقي في حلقه، فاستخرجه الكركي بأجر فلما طالب بأجره قال له الثعلب إن أجرتك خروج رأسك صحيحا من حلق الثعلب (البصائر ٢: ٧٠٢ - ٧٠٥ والكلم الروحانية: ١٣١ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٦ وبابريوس رقم: ٩٤، ص ١١٥ وفايدرس، الكتاب الأول رقم: ٨، ص: ٢٠١) . ٧ - قصة الكلب الذي عدا خلف غزال، فقال الغزال: أنك لن تلحقني لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك (البصائر ٢: ٣٠٥ وعند بابريوس عن كلب وأرنب بري، رقم: ٦٩، ص: ٨٥ وعند الدميري ١: ١٦٠ عن كلب وثعلب وعند ابن الجوزي: ٢٥٥ عن كلب وذئب) . ٨ - قصة الجمل الذي قيل له أتصعد أو تهبط؟ فقال: ذهب الاستواء من الأرض؟! (البصائر ٧ الفقرة رقم: ٦٢ وبابريوس رقم: ٢٨، ص: ١٥) .

стр. 74

٩ - قصة الرجل الذي أراد أن يثبت لأبنائه فائدة الاتحاد، فعرض عليهم أن يكسوا حزمة من عصي مجتمعه فما قدروا، ولكن كل واحد منهم كان يقدر على ان يكسر العصا مفردة (١) (بابريوس رقم: ص: ٦٣، وأعتقد أنها مبكرة في تاريخها، وأنها تنسب للمهلب بن أبي صفرة، وإنما أضعها هنا، بحسب الترتيب الزمني (أواخر القرن السابع) لأنها تروى عن زاوي بن زيري أحد زعماء البربر في الفتنة البربرية في الأندلس (انظر لسان الدين ابن الخطيب، الإحاطة ١: ٥٢٣) . ١٠ - قصة الجدي الذي وقف على سطح، وشتم ذئبا مارا، فقال له الذئب لست أنت الذي تشتمني إنما يشتمني الموضع الذي أنت فيه (الكلم الروحانية: ١٣١ - ١٣٢ وبابريوس رقم: ٩٦، ص: ١٢٥) . ١١ - قصة ثعلب رأى أفعى فوق جرزة شوك وقد حملها السيل فقال: هذه السفينة لا يصلح أن يصلح أن يكون لها إلا مثل هذا الملاح (الكلم الروحانية: ١٣٢ والمجتنى رقم: ٤ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٧ وانظر تخريجها عند روزنتال، حيث يذكر أن لها شبها في قول من أقوال أحيقار، النص العربي رقم: ٢٨) . ١٢ - قصة ثعلب أراد أن يصعد حائطا فتعلق بعوسجة فجرحته فلما لامها قالت: لقد أخطأت حين تعلقت بي وأنا من عادتي أن أتعلق بكل شيء (الكلم الروحانية: ١٣٢ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٧ وملحق بابريوس ص: ٤٢٥ رقم: ١٩ وهي عند دالي رقم ١٩، ص: ١٠٢) . ١٣، - ١٤ - قصة الكلب الذي عير الأسد بنكوله، وقصة الخنزيرة التي عيرت اللبؤة بقلة الأولاد (وقد مرت القصتان ص: ٥٠؟ ٥١، وهما عن ابن بطلان، ومر تخريجهما) .

стр. 75

١٥ - تمثل برسيس (Persius) (١) لما بلغة أن عدوه اغتابه فقال: بلغنا أن كلبا وقردا اجتازا بمقبرة سباع، فقال القرد للكلب، اصعد بنا نترحم على إخواننا هؤلاء، فقال الكلب: ومن أين بينكما معرفة؟ فقال القرد: سبحان الله! ما اعلم شيئا من هذا، ولكني كنت أود أن يكون أحدهم حاظرا وتقول هذا (رسائل ابن بطلان، الورقة: ١٦٢ وبابريوس رقم: ٨١، ص: ١٠١ والملحق ص: ٤٣٥ - ٤٣٦ حيث تخريجها) . ١٦ - ذكروا أن فيلسوفا أودع بعض أمناء قضاة أثينية ثوبا فضاع عنده فأغتنم به الفيلسوف غما شديدا، فعير بذلك، فقال: بلغنا أن خطافة عششت في مجلس قاض فسرقت الحية فراخها، فعزاها الطير فلم تتعز فأنكر ذلك عليها فقالت: والله ما بكائي لتفردي دون الطير بهذه الرزية وإنما بكائي لما يأتي علي من الجور في مجلس الحكم (رسائل ابن بطلان، الورقة: ١٦٢ وتاريخ الحكماء: ٣٠٩ وبابريوس رقم: ١١٨، ص: ١٥٥) . هذه نماذج وحسب، يمكن أن يضاف إليها غيرها، وبعضها قد عرفه العرب مترجما عن الإغريق (مثل ٦، ١٠ - ١٦) ، وبعضها مشترك بين أمم مختلفة، كما أن قسما منها قد يكون عربيا خالصا (انظر رقم: ٨) ، وقد زاد نطاق التلاقي بين الأدبين بعد إذ أصبح " كليلة ودمنة " جزءا من التراث العربي (٢) ، كما أن نطاق الخرافات الأيسوبية أتسع على مر الزمن، فنسب إلى إيسوب كثير من الحكايات التي كانت من قبل تروى عن غيره، وأكتفي هنا بإيراد مثلين:

стр. 76

١ - قصة مصارع كان يفتخر فقيل له إنه لا معنى لافتخاره لأنه لم يغلب من هو أقوى منه أو من هو مثله وإنما غلب من هو دونه (رويت لسيمونيدس الشاعر في الكلم الروحانية: ١١٩ ومنتخب الصوان: ٨٨ وانظر فايدرس رقم: ١٣، ص: ٣٩١) . ٢ - قول ديوخانس لرجل أصلع شتمه: أما أنا فلا أشتمك ولكنني أغبط شعرك على مقدمة رأسك فإنه قد استراح منك (الكلم الروحانية: ١٠٩ وملحق بابريوس رقم: ٢٤٨، ص: ٤٧١) . وقد تم للخرافات العربية اتجاه جديد حين ابتعد بعضها عن دائرة العبرة الأخلاقية، وأصبح جزءا أساسيا من الفكاهات الشعبية أو النقد الاجتماعي والفكري والسياسي، وان لم تبارح الدائرة العامة للأمثال. وتتجلى السخرية الفكاهية في مثل: قالت الخنفساء لأمها: ما أمر بأحد إلا بزق علي، قالت: من حسنك تعوذين (١) ، ومن التعليقات الفكرية الحادة ما تنطوي عليه القصة التالية: دخل كلب مسجدا خرابا فبال على المحراب، وفي المسجد قرد نائم، فقال الكلب: أما تستحي أن تبول في المحراب؟! فقال الكلب: ما أحسن ما صورك حتى تتعصب له (٢) . أما النقد السياسي المباشر فتصوره هذه القصة: كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لإبنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب، فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن، ولكن إن دام والينا علينا؟ سلمه الله - سنة واحدة فعلت لك ذلك (٣) ، ونختم هذا اللون بهذه الحكاية. نظر ثعلب إلى حمل يعدو فقال: ما وراءك؟ قال: جعلت فداك، سخرت الحمير والبغال، فقال: وما أنت والحمير والبغال، قال: أخاف جور السلطان (٤) . وأحيانا أصبحت

стр. 77

هذه الخرافات مادة لتصوير بعض جوانب من العصبية، كالمفاضلة بين البلدان مثلا، ومن أوضح الأمثلة على ذلك قصة الثعلب الشامي والثعلب العراقي، ودعوى الأول، وقدرة الثاني على ابتكار الحيلة للنجاة (١) . ومهما يكن من أمر هذه الصبغة التي أصبحت تمثلها بعض الخرافات، فإن الأثر الإيسوبي ظل ملموسا على مر الزمن، وتغلغل هذا الأثر في أعماق الحياة الشعبية حتى أصبح جزءا منها، وقد مر بنا كيف احتفظت الأمثال العامية حتى القرن العاشر الهجري؟ وربما بعده - بقصة الذبابة التي شاءت أن تحط على نخلة أو جميزة (٢) ، ومن غير المستبعد أن يكون هذا الأثر قد واكب الآداب العامية منذ أن بدأت تأخذ حيزها إلى جانب الأدب الفصيح، ونحن نجد في الأمثال التي احتفظ بها الوهراني في مناماته، هذا المثل: " قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني؟ لم يتركني ورائي، الحجر الذي من ورائي " (٣) وهو مما ورد في أمثال إيسوب (٤) ، وفي ذلك الأدب الشعبي نجد الجمل الذي تجنب الأدب الفصيح أن يمس جانبه بالسخرية (٥) ، يصبح؟ كما هو أحيانا في بعض خرافات إيسوب - موضع سخرية وتندر، من ذلك هذا المثل الذي أورده الوهراني: " قالوا للجمل: ما لرقبتك معوجة؟ قال: وأي شيء في مقوم حتى تكون رقبتي مقومة؟! " (٦) ، وهذا المثل الآخر الذي أورده الأبشيهي: " قالوا للجمل زمر،

стр. 78

قال: لا شفف ملمومة، ولا أيادي مفرودة " (١) ، ومن ثم يتجلى كيف ظل الأدب الشعبي يهتم بهذا النوع من الأمثال والخرافات، ولعل من أبرز الشواهد على ذلك، إدخال قصة " أحيقار " كلها ضمن الإطار القصصي في ألف ليلة وليلة، ذلك الكتاب الذي ينبئ أيضا عن عدد من مواطن اللقاء مع الأساطير الإغريقية (٢) .

стр. 79

" ٥ " " ترجمة الشعر الخمري اليوناني إلى العربية " نظرة في بيئة الأندلس والقيروان " قد يقال إن ما ترجمه العرب من أشعار الأمم الأخرى لا يتعدى أقوالا موجزة اختلط فيها الشعر بغير الشعر، وهي تندرج في معظمها في باب الحكم وتشتبه بها حتى ليعز التمييز بينهما، فإذا تجاوزوا ذلك استأثرت باهتمامهم الأمثال والخرافات التمثيلية، فإذا تجاوزوا هذه أيضا وقفوا عند نوع من المنظومات ليس لها من الشعر حظ إلا الوزن، عرفوها عند الهند واليونان، ولعلهم تأثروها فيما نظموه من العلوم، من ذلك كتاب دروثيوس الصيداوي (القرن الأول ب. م.) في الفلك، وهو يتألف من ستة فصول أو كتب، على وزن سداسي (Hexameter) ، وقد ترجمه أو اختصره ثوفيل الرهاوي (- ٧٨٥) (١) وشرحه عمر بن الفرجان (- ٨١٥) (٢) ، ويقول الأستاذ كريمر إنه كان ذا أثر لدى العرب وغيرهم يفوق الأثر الذي تركته الأعمال الشعرية الأخرى المترجمة عن أصل إغريقي (٣) ، ولا بد أنهم عرفوا كتب ديمقراطيس نفسه في الأدوية وأنهما مكتوبة بشعر موزون في اليونانية (٤) وأن ديمقراطيس نفسه قد وصف الدواء المتخذ

стр. 80

باللعابات التي استخرجها ماناقراطس بشعر موزون ذي ثلاثة مصاريع (١) ، ولعلهم لم ينتظروا حتى عهد أبي الريحان البيروني ليعرفوا أن للهند كتبا في العلوم مقدرة بأوزان كالأراجيز (٢) ، وأنهم اختاروا أن تكون منظومة ليسهل استظهارها (٣) . قد يقال كل ذلك، ما دامت مصادرنا لا تزال تظن علينا بأي تغيير ولو جزئي، في الصورة العامة، وربما كانت إضافة شيء يسير إلى الصورة السابقة أمرا عزيزا، فلا أقل من وضعها في أبعاد جديدة وتحت أضواء كاشفة، وهذا هو ما ستحاول تحقيقه الفصول التالية. أما هنا، فإن تتبع المصادر في سبيل استنطاقها عن شيء جديد يضاف إلى الصورة المعروفة، هو الحافز الأول، وفي هذا الصدد كان لا بد من الاتجاه إلى الأندلس والقيروان. ومن المستبعد أن تكون الأندلس قد تلقت تأثيرا مباشرا من الأدب اليوناني، وإنما اعتمدت على ما ترجم من آثار يونانية في المشرق، ولكن المثقفين، وغير المثقفين بالأندلس كانوا يحسنون اللاتينية أو صورة منها، وقد كانوا يتحدثون بهذه اللغة منذ عهد مبكر، وكان المثقفون منهم يدركون دقائق الفروق بينهما وبين العربية، وعندما وضع ابن حزم كتابه في تقريب حد المنطق، توقف عند بعض المصطلحات فقال: " ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام "، وقال في موضع آخر من كتابه هذا " ولهذا المعنى في اللطينية لفظة لائحة البيان (٤) " والشواهد على اتقان الأندلسيين للغة اللاتينية كثيرة، ونحن نعلم أن الأندلسيين ترجموا كتاب أوروسيوس (هروسيس) ، وهو كتاب في التاريخ، وصل إليهم في عهد عبد الرحمن الناصر (٥) ، وقد بقيت نسخة من هذا الكتاب محفوظة بمكتبة جامعة كولومبيا (تحت رقم، X ٨٩٣. ٧١٢ H) ، وقد وصف هذه النسخة، وترجم بعض أجزائها إلى الإيطالية

стр. 81

الأستاذ دلافيدا (١) . وعند اطلاعي على هذه النسخة تبين لي أنها في الحق تضع القارئ أو المثقف الأندلسي يومئذ في جو عجيب من الأخبار والأساطير والأشعار اليونانية والرومانية. فمن قرأ تاريخ أوروسيوس عرف قصة الحروب الطروادية وصلة أوميرس (ميرش الشاعر) بها، فهنالك نص واضح على أن سبب الحروب إنما كان اختطاف زوجة أمير من أمرائهم اسمها إلانة (Helen) وأنه " كان لابتزازها خبر يطول وصفه " وأن جميع الروم الغريقيين احتموا لها " وتحالفوا وتعاهدوا على خراب مدينة طروية (Troy) ؟ فغزوها بنحو من ألف مركب وحاصروها عشر سنين "، ثم كيف تم فتحها على نحو عجيب بعد أن سفكت الدماء وهلكت أمم " مثل الذي وصفه ميرش الشاعر في شعره الواضح الفصيح، إلى ما وصفه غيره من الشعراء وواضعي القصص ". ولا بأس من إيراد قصة الحصان الخشبي كما يرويها أوروسيوس: " وذلك أن الروم الغريقيين لما عجزوا عنها بعد محاصرتهم إياها عشر سنين عملوا صورة صورة من خشب عظيمة، مثقوبة تدور على فلك، وأدخلوا فيها خمسمائة مقاتل، ثم أمرهم المشير عليهم بذلك أن يضربوه بالسياط ضربا وجيعا فضربوه وتركوه مع الصورة، ثم احتملوا ودخلوا مراكبهم وعبوا كتائبهم يظهرون الانصراف إلى بلدهم، فلما خرج أهل المدينة وجدوا الصورة والمضروب أمامها، فسئل عنها فقال لهم: إن هذه الصورة وثنهم الذي يعبدونه، وكانوا قبل ذلك قد أظهروا عبادتها حينا، وكنت أنا خادمه وقسه، فلما كشفوني عن قوله في أمر هذه المدينة أعلمتهم عنه أنها غير مأخوذة ولا مقدور عليها، فغضبوا من أجل ذلك علي فضربوني كما تروي، وكان وجيها فيهم، معروفا عندهم، وأنا أعلمكم أنه رب صدوق، فإن أكرمتموه أعانكم عليهم ودلكم على هلاكهم، ففرحوا بذلك، ثم أخذوا الصورة وجروها على فلكها، حتى وصلت المدينة، ولما يسعها باب فتحوا لها ثلمة في السور، فلما كان الليل أقبل الذين كانوا أظهروا الانصراف إلى بلدهم؟ " وقد قرب هذا الكتاب إلى المثقفين بعض الأساطير وعرفهم بها، من ذلك أسطورة رجل من الحدادين في الروم اسمه ديدال (Daedalus) وابنه ييقار (icaros) وأنهما عملا

стр. 82

أجنحة من ريش وكانا يطيران بها (١) ، ولكن الأهم من ذلك أنه يضع أولئك المثقفين في جو من الشعر، يبعدهم إبعادا كاملا عن التصور بأن العرب وحدهم هم المتميزون بفضيلة الشعر. ففي كل موقف اسم شاعر أو أسماء شعراء، فالحروب بين فارس وأثينا وإسبارطة وصفها بلقاط الشاعر والحروب بين الاقطانيين والطشاليين (Thessalians) وصفها أيضا هذا الشاعر نفسه، وفي حرب المشانيين (Messenians) واللجذمونيين (Lacedaemonians) كان أمير اللجذمونيين هو تراؤش الشاعر (Tyrtaios) فلما غلب قومه وتهيبوا القتال نظم قصيدة أنشدها إياهم فحييت بها قلوبهم وعادوا للقتال وأبلوا فيه بلاء حسنا. وفي زمان شحشار (Xerxes) ملك الفرس كان يعيش بأثينا الفلاسفة اشيليوس (Aeschylus) وبناروش (Pindarus) وشفقلاؤس (Sophocles) الذين إليهم أشعار المراثي. ومن الطريف هنا أن كلمة " المراثي " تطلق على التراجيديا، وأن الذين استغلوا كتاب الشعر شرحا واقتباسا إنما سموها " المدائح ". وتتسع دائرة الحديث عن الشعر: فسليمان شاعر على ما يحكيه ديوان أخبار الأنبياء، له في الكلام الموزون ألف قصيدة وخمس قصائد في طريق التهليل، على مثل ما كان الأنبياء يستعملون فيه موزون الكلام في عصرهم ذلك. وشبيلة (Sibyl) العالمة تنسب إليها الأشعار وأنواع من الكهانات والعلوم. وللرومان شعراءهم من أمثال مرقش (Marcus) وفرقيلش (Virgil - Virgilius) وججرون (Ciceron) . كذلك ترد في الكتاب إشارات إلى مواطن من الشعر الروماني، منها قوله عند الحديث عن بعض الحروب: " وهي الحروب التي قال فيها فرقيليش أشعاره المعروفة عند العامة (٢) ، وفرقيليش هذا هو الذي يقول في سبأ: " أن أغصان البخور للسبأيين خصوصا ". وثمة شاعر روماني آخر يقول في نهر صرنة الذي فاض عندما غزا أنيبال (Hannibal) إيطاليا: " ناهيك بالأبحر التي مادتها صرنه ". ومن ذلك؟ وهو شيء يلفت النظر حقا - أن المترجم نقل بعض الشعر الروماني إلى شعر عربي، أو

стр. 83

لعله حاكي الشعر الروماني بقول من عنده، فقد جاء هنالك: وفي ذلك (أي في محاولة صلب المسيح) يقول مركش الشاعر الروماني، وكان مجوسيا (في كلمة طويلة) : لما رأى الناس الكسوف مخالفا ... لسبيله حسبوه ليلا سرمدا فرحت له الدنيا وظنت أنه ... أمرا عليها لا يزال مؤبدا وفيها يقول: صلبت بنو يعقوب يوما ربها ... إيسوعها فاديها الممجدا ظنت بأن تخفي بذلك أمره ... وأبى الإله بأمره إلا الهدى ثم ذكر الحواريين فقال: وكأنني حينا بنور إياته ... يعلو ويسمو في الدهور مؤيدا وقد يكون لهذا الشعر في ذاته قيمة يسيرة أو لا يكون، ولكن وجوده يفتح أفقا جديدا للأمل في وجود صور أخرى من هذا اللقاء، بين الأدبين العربي والروماني، ترى ألم يتساءل المثقفون الأندلسيون عن ماهية أشعار فرقيليش المعروفة عند العامة، ثم ألم يحاولوا التعرف إليها؟ أما القيروان فإن المجالات الثقافية التي توفرت في زمن بني زيري، وخاصة في عهد باديس وابنه المعز، ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والاستجلاء، وقد تحملنا الأسماء الأدبية التي لمعت في تلك الفترة مثل عبد الكريم النهشلي وابن شرف وابن رشيق والحصري الضرير والحصري صاحب زهر الآداب، على القول بأننا هنا نواجه ثقافة عربية خالصة، ولكن التفاتة إلى زاوية أخرى قد تجعل هذا الحكم يبدو متحيزا، وحسبنا أن نذكر راعي الأدب والأدباء في عصره ومن بأسمه ألف ابن رشيق كتاب العمدة أعني علي بن أبي الرجال، فقد كان مضطلعا بالثقافة اليونانية، وكتابه " البارع " في علم النجوم خير دليل على ذلك، ففي هذا الكتاب نقول مستفيضة عن المصادر المترجمة والمؤلفة في هذا العلم، وقد احتفظ بكثير مما ترجمه توفيل أو فسره عمر بن الفرخان من

стр. 84

كتاب دروثيوس المنظوم؟ الذي تقدم ذكره - وخاصة في باب " الاختبارات " (١) . وفي الكتاب ما يدل على أن ابن أبي الرجال كان يمارس العمل بالنجوم أيضا فهو ينبئنا أنه حكم اعتماداً على حساباته النجومية في عدة أحداث، ويقول إن المعز بن باديس طلب إليه أن يستخرج مدة ولاية ثقة الدولة أحمد بن الحسين أمير صقلية، فحكم بأن المدة ستكون سبع عشرة سنة شمسية ونصفا، فلما بلغها وزاد عليها مدة جمعة قتل، كذلك استكشفه المعز عن مدة ولاية المنصور بن عبد الله بن محمد لبيت المال فوجد أنها خمسة وخمسون شهرا، قال: فو الله متا زاد عليها سوى أحد عشر يوما، قال: " وقد جربت وحكمت في عدة من العمال وولاية الثغور والمدن والدواوين وبيت المال عدة لا أحصيها، فما انخرم منها شيء واطردت على سنن واحد؟ " (٢) ، ولا نستبعد أن يكون لعلي بن أبي الرجال الذي كان في رأي ابن رشيق مجليا في فني المنظوم والمنثور على السواء (٣) أثر في من حوله من طلاب العلم والأدب، وفي توجههم وجهة الثقافة اليونانية، وحين نتذكر أثر ابن أبي الرجال والميدان الذي استأثر باهتمامه لا نستغرب أن يقول ابن رشيق، " ومن فضائله (أي الشعر) أن اليونانيين إنما كانت أشعارهم تقيد العلوم والأشياء النفيسة (٤) والطبيعية التي يخشى ذهابها " (٥) . وفي مثل ذلك الجو نستطيع أن نفهم موقف عبد الكريم النهشلي في النقد على نحو أوضح، فهو يسرع إلى المقارنة بين العرب (٦) ، وينظروا إلى قسمة الشعر من زاوية الخير والشر (٧) ويجيز الفوارق المتأتية لا عن اختلاف المقامات والأزمنة وحسب، بل عن اختلاف البلاد أيضا " ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن

стр. 85

عند أهل غيره " (١) ، ولا إخال إلا أن هذا كله يعود إلى شيء من أثر الثقافة اليونانية. ولم تكن تلك الحلقة الثقافية التي التأمت حول ابن أبي الرجال إلا نتاجا طبيعيا لتلك الحقبة الباديسية، التي يمثلها المؤرخ الكبير إبراهيم الرقيق (حوالي ٤٢٥/١٠٣٣) (٢) وقد كان إبراهيم جامعا لضروب من الثقافات الضرورية لمن يقوم بدور النديم ودور المؤرخ، وإذا كانت لفظة " الرقيق " صفة تتوجه إليه، لا إلى أبيه، فربما أوحى ذلك أنه لم يكن بعيدا بحكم الانتماء عن ثقافات أخرى غير العربية. مهما يكن من شيء فإن اطلاعه على الثقافة اليونانية أمر تشهد به مؤلفاته، وخاصة كتابه " قطب السرور "، فلأول مرة يقدم لنا هذا الكتاب أشعارا يونانية مترجمة إلى العربية، لا في الحكمة والأمثال والخرافات، ولا في المنظومات العلمية، وإنما في موضوع آخر كنا نظن أن العرب قد وقفوا فيه من يحس بالاكتفاء والرضى الذاتي فيه، وذلك هو شعر الخمر. ففي الفصل عقده الرقيق بعنوان " منافع الأشربة ومضارها على مذاهب الفلاسفة " (٣) ، لم يكتف بالإحالة على آراء جالينوس وبقراط وكتاب روفس في الشراب ترجمة قطسا ابن لوقا وكتاب " الكرمة " لارسطاطاليس وآراء أطباء العرب مثل إسحاق بن عمران ومحمد بن زكريا الرازي، وإنما ضمن ذلك الفصل شعرا في الخمر لشعراء يونان. ولسنا نستطيع أن نجزم إن كان الرقيق؟ وأصله قد يغري بالقول إنه كان يعرف لغة أخرى غير العربية - هو الذي ترجم تلك الأشعار، أو أنه وجدها مترجمة ونقلها، وإن كان قد وجدها مترجمة فمتى ترجمت، وهل كان مترجمها مشرقيا أو مغربيا؟ وإن كان قد نقلها فهل تم ذلك عن طريق مصادره الطبية أو الأدبية، وإذا كانت الثانية فما هي تلك المصادر؟ أسئلة كثيرة لا يمكن الإجابة عليها، على أن ثمة ما يوحى بأنه كان يعرف اليونانية، إذ قال في التعليق على إحدى المقطعات المترجمة: " وهذا بكلام اليونانيين شعر موزون " (٤) ، وهي قولة يحاول أن يؤكد بها أن الأصل

стр. 86

لديه على غير ما توحي به الترجمة، إن لم يكن ينقل ذلك التعليق عن شخص آخر. من هم أصحاب هذه القطع الشعرية؟ من الصعب أن يقال في هذا الصدد قول دقيق، لأن أسماء الشعراء قد حرفها النساخ، ولأن بعض الأسماء قد تصرف بها المحقق، على هواه، كما أن المؤلف نفسه في حالات أخرى لم يذكر أسم الشاعر. أما القطع نفسها فتتفاوت طولا بين سطر وعشرة أسطر، غير أنها جميعا تتمتع برفعة في الأسلوب، حتى إن إحداهما لترد في معظمها على شكل مسجوع (١) ، وهذا أمر قد يجعلها مستساغة أكثر لدى القارئ العربي، ولكنه يلقي شكا على الدقة في الترجمة. ولكن من اللافت للنظر أن جمال الأسلوب ليس وقفا على القطع الشعرية بل إنه يشمل أقوال الحكماء والأطباء التي وردت في هذا السياق. أما من حيث المحتوى فيجب أن أقرر أن جميع القطع تمجد صفات الخمر، ما عدا قطعة واحدة منسوبة لأفلاطون (٢) ، وربما كانت تلك القطع بذلك تثبت قوة انتسابها إلى الشعر. ويتطلب اسطفن الرهاوي (٣) - صاحب إحدى القطع - وقفة خاصة إذ يقر المحقق أن الاسم غير واضح في النسخة الأصلية، ولست أعتقد أنه اسطفن ابن بسيل الذي ترجم الأقوال المناندرية، لأنه ٠في أعلى تقدير - مترجم لا منشىء، ورغم اهتمامه الكبير بترجمة الأشعار اليونانية، فانا لا نستطيع أن ننسب إليه المقطعة التي أوردها الرقيق، كما لا نستطيع أن نصدق أن الرقيق يدرجه بين الحكماء والفلاسفة، وعلى هذا فإن في سند الرواية سقطا، ولا بد فإن لم يكن الأمر كذلك فربما افترضنا أن صاحب هذه القطعة العميقة شاعر يوناني قد تحرف اسمه أو تصحف. وفي القطعة المنسوبة إليه نبرة من التوحيد، وهذا غير مستغرب في الآراء والأفكار الفلسفية اليونانية المنقولة إلى العربية، لأنها قد حورت لتطابق المشاعر الإسلامية. ويجري نص القطعة المشار إليها على النحو التالي: - ١على أي شيء نشكر رب الكل ومبدع الأشياء، أعلى اصطناعه الخمرة أم على أنه ملكنا إياها وأباحها لنا مع أباح من الذهب والفضة، فمن بين محروم ومرزوق،

стр. 87

لأن هذه الثلاث معادن بها قوام هذا العالم، والخمرة أفضل الثلاثة، لأنه الاثنين جوهر البدن، والخمرة جوهر الروح، لأن النفس تتربى بالخمر وتسر بها وتفرح لها، والبدن يتربى بالآخرين ويسر بهما ويفرح لهما، والخمرة تستعمل من داخل والجوهر من خارج، والداخل أفضل (١) . ٢ - والقطعة الثانية المؤلفة من سطر تنسب إلى الحكيم (٢) مع التأكيد بأنها ترد في شعره لا في حكمته، ولكن من هو الحكيم المقصود؟ ذلك أمر لا يمكن تبينه، فهو قد يكون ارسطاطاليس كما قد يكون أوميرس، يقول الحكيم: " الخمرة جوهر ذائب والجوهر خمرة جامدة "، وهذا القول قد ورد نصا عند أبي نواس (٣) : أقول لما تحاكيا شبها ... أيهما للتشابه الذهب هما سواء وفرق بينهما ... أنهما جامد ومنسكب ٣ - وترد القطعة دون ان يذكر اسم ناظمها، ولكن لا مجال للشك؟ حسب تصريح الرقيق - بأن صاحبها شاعر، وهي تتحدث عن الشراب على النحو الآتي: " هو أخو إخوان ونديم ندمان، يشربه أقوام كرام يشاكلونه في الأفعال، يتصاحبون ويتزاورون، ويتحابون ويتآلفون، لا كأقوام يرون الحسنات مساوئ والمساوئ حسنات، غفران الذنوب طبع لهم، وترك الأحقاد سنة لهم، لا يتجاوزون طبعهم ولا يتركون سنتهم، الحسنة الصغيرة عندهم عظيمة، والسيئة العظيمة عندهم صغيرة مغفورة " (٤) . هذه القطعة السابقة هي التي شغفها الرقيق بقوله: " وهذا بكلام اليونانيين شعر موزون "، والقطعة تتحدث عن المشاكلة بين الخمر والشاربين في كرم الطباع، على

стр. 88

أساس من التكافؤ، وتذكر أيضا من هذه الناحية بقول أبي نؤاس (١) : والخمر قد يشربها معشر ... ليسوا إذا عدوا بأكفائها ثم تأخذ في الحديث عن فضائل الندامى في الألفة والتغاضي والمغفرة، وربما كان الحديث عن أخلاق الندامى في الشعر العربي مستفيضا، ولكن هذه القطعة ما تزال تنفذ إلى خصائص فيهم يمر بها الشعر العربي مجملا دون تفصيل. - ٤ والقطعة الرابعة تنسب إلى من اسمه لبيروس، ومن الصعب أن نجزم أهو شاعر أم لا، ووقوع هذه القطعة بين اقتباستين شعريتين لا يمكن أن يتخذ دليلا على أنها مقطوعة شعرية، ومع ذلك فإن طبيعتها ترجح أنها شعر، يقول لبيروس: " ينتقد بالخمرة الناس فيعرف الزائف منهم والمغشوش كالحجر الذي يحك به الذهب فيعرف خالصه من مغشوشه، كذلك الخمر في الأشربة إن عدت فيما يطرب النفس وينشر السرور والفرح ويسلي الأفكار الرديئة كانت حقيقة بذلك، وإن عدت فيما يزيل الهموم ويذهب الغموم اجتمع ذلك فيها، وإن قلنا إنها تنشط الكسلان وتروي العطشان وتشجع الجبان وتسخي البخيل فيعطي الجزيل ويراه نزرا قليلا وتعزي عن المصائب وتسلي عن العشق المبرح، ولولاها لم تعمل الملاهي، ولكانت الأحزان والهموم دائمة لا تبرح، لكنها تزيلها وتذهب بها وتبدلها بأضدادها " (٢) . وأول ما يلفت النظر في هذه القطعة طبيعتها التحليلية، فهي تبدأ بالقاعدة العامة. " الخمر محك وصيقل " ثم تذهب بعد ذلك في جزئيات تتحدث عن نواحي مختلفة من الآثار الإيجابية للخمر، مع إغفال التعرض لآثارها السلبية، وتلك الآثار الإيجابية تتردد في الشعر العربي، وليس فيها شيء كثير يميزها من حيث المحتوى، ولكنها؟ من ناحية ثانية - تذكر بشعر للشاعر اليوناني ألقايوس (Alcaeus) (٣) ، إذ يقول في إحدى قطعه: " إن كان امرؤ يشكو ألما فليشرب؟ وإذ قال لك بعضهم: لا خير

стр. 89

في الشراب فقل له: أغرب عن وجهي " (١) ويقول في أخرى: " وخير دواء أن تدعو بالخمر وتمعن في الشراب " (٢) ولا ريب في ان هذا الموضوع عام شائع في الشعر الخمري، ولا يسعفنا على ترجيح نسبة المقطوعة السابقة إلى القايوس (وإن كان رسم الكلمة قد يلتبس برسم لبيروس) . - ٥ وآخر هذه القطع الشعرية أطرفها نسبة لأنها لشاعرة اسمها طريطاوس، وقد أنجبت يونان شاعرات كثيرات، أبعدهن شهرة صافو، ومنهن من عرفن بنظم " أغاني الخمر " وهي قصائد ليس من الضروري أن تتحدث عن الخمر، وإنما كانت تنشد في احتفالات باخوس، ومن أولئك الشواعر مثلا براكسيلا (٣) غير أن المحير في نسبة هذه القطعة التي أوردها الرقيق أن الاسم " طريطاوس " لا ينصرف إلى المؤنث، وإنما هو صورة من الاسم (Tyrtaeus) وهو اسم شاعر إيوني عاش في إسبارطة أيام الحروب المسينية (٦٨٥ - ٦٦٨ ق. م.) (٤) ، غير أنه ليس فيما تبقى من شعره ما يشير إلى اهتمامه بموضوع الخمر، وعلى هذا فمن العسير أن ننشئ صلة بينه وبين القطعة المترجمة، وأقرب صورة أخرى للاسم هو اسم (myrtis) وهو اسم لشاعرة من معاصري بندار (٥) ، وتظل المشكلة نفسها قائمة لأن هذه الشاعرة لم يبق لها من المقطعات ما ينبئ باتجاه خمري. وتقوم هذه القطعة: " الشراب معدن اللذات وجالب المسرات، يطيب النفوس،

стр. 90

ويصرف البؤس ويعفي على النحوس ويولد طرب الجليس، ويشد القلب ويزيل الكرب، ويذكي الأذهان ويغسل الادران، وينير البصر ويصفي الكبد، ويغرس العلوم ويوفر الحلوم، إذ كان بقصد واعتدال، وإذا جاوز الحد وزاد عادت أفعاله إلى الأضداد " (١) : ومن الواضح أن موضوع القطعة هو أثر الخمر أو " مآثرها الإيجابية " وأنها بذلك تنحو منحى القطعة السابقة. وإذا نحن قارنا بين هذه الأقوال الشعرية وقول مترجم عن أرسطاطاليس لم نجد فرقا كبيرا لا في الموضوع ولا في مستوى الصياغة. يقول ارسطاطاليس " إن الذي استخرج القوة التي غيرت ماء الكرم حتى صيرته خمرا يتولد عنها لشرابها الفرح والسرور، قد أتى بشيء تقصر عنه عقول المستنبطين، وقد أتى بما فاق وعلا كل قوة شجرية، وقد أشرقت الأرض بفعله وأزهرت بصنيعه، لأن نور الخمرة لا يعدله نور من الأنوار الأرضية، وإذا عدت المحاسن كلها وجدتها قد كملت فيها فصارت غاية المحبوب ونهاية المطلوب، وكما أنها ملكه الأشجار صار من يشربها ملكا بها، ومن فضائلها؟. الخ " (٢) فهذه القطعة أعرق في الشاعرية من القطع السابقة. ومن المؤسف أن النص يضطرب عند بداية إيراد الأشعار، إذ يورد الرقيق أن اليونانيين يسمون القوة التي تعيد ماء الكرمة خمرا؟ وهي تلك القوة التي تحدث عنها ارسطاطاليس - " القوة المتقدمة في الشرف على جميع الأنوار " لأنها أشرف الشجر وماؤها أشرف المياه " لأنها تولد السرور والفرح " وبعد هذا تأتي عبارة " ففي خيرها أكون باقي حياتي " وهي عبارة شعرية تدل على أن ما قد سقط من النص كان اقتباسا شعريا، لقول المؤلف بعده " وقال شاعر آخر "، إلا أن ننسب كل ما تقدم إلى بيلسون، المذكور في أول الفقرة، وعندئذ يكون بيلسون هو الشاعر المقصود، وبذلك تصبح القطع التي أوردها الرقيق ستا (إذا عددنا قطعة اصطفن الرهاوي بينها) . ولكن ما هو الوجه الصحيح لهذا الاسم " بيلسون "؟ ذلك ما لم يمكن التوصل إليه كما هي الحال في الأسماء الأخرى.

стр. 91

وعلى الجملة تمثل هذه القطع نغمة جديدة في سياق الصلات بين الأدبين اليوناني والعربي، وتشير إلى أن الترجمة لم يبق وقفا على الأشعار الحكمية والعلمية وإنما شملت أيضاً جانبا من الشعر الغنائي. وقد تكشف الأيام لنا عن جوانب أخرى إلى جانب الشعر الخمري، فإن كتاب الرقيق قد قوى مثل هذا الاحتمال، إذ ما كان أحد قبل ظهور هذا الكتاب يظن أن العرب عنوا أدنى عناية بالشعر الغنائي عند اليونانيين.

стр. 92

فراغ

стр. 93

" ٦ " استخدام الفكر السياسي اليوناني مادة في الرسائل الأدبية حاولت في الفصول السابقة أن أصور جوانب من اللقاء بين الأدبين اليوناني والعربي عن طريق الترجمة، وسأحاول فيما يلي أن أتحدث عن طرق أخرى تم فيها استخدام الفكر الإغريقي في قالب أدبي عربي، سواء أكان ذلك القالب رسالة أو شعرا أو مقامة، وسواء أكان اللقاء بين الأدبين اقتباسا للمضمون أو محاكاة له. ولعل من أول ضروب هذه اللقاءات اقتباس عبد الحميد الكاتب المعارف اليونانية في السياسة، واستخدامها في رسائله، وقد حاول الدكتور طه حسين أن يقول إن أسلوب عبد الحميد متأثر ببعض معالم الأسلوب اليوناني (١) ، ولكن هذه القضية ليس من السهل إثباتها أو القول برأي قاطع أو محتمل فيها، والأقرب إلى الاحتمال أن عبد الحميد كان مطلعا على ما ينقل في عصره من الثقافات المختلفة وخاصة الفارسية واليونانية. فأما الفارسية فهناك إجماع من الروايات على أن عبد الحميد كان صديقا لابن المقفع، وكان ابن المقفع؟ دون ريب - داعية للثقافة الفارسية بما ينقله أو يترجمه أو يلخصه عنها، ومن المستبعد؟ والصلة وثيقة بين الرجلين - ألا يتأثر عبد الحميد بذلك اللون من الثقافة. وأما اليونانية فإن عبد الحميد كان ختنا لسالم مولى سعيد بن عبد الملك، وكان سالم كاتبا عند خلفاء بني أمية حتى عهد هشام بن عبد الملك ولا يستبعد أن يكون

стр. 94

عبد الحميد قد تخرج به وسلك طريقه ونسخ على منواله، ومن المعروف أن سالما هذا " نقل من رسائل ارسطاطاليس إلى الاسكندر ونقل له وأصلح هو " كما يقول ابن النديم (١) ، وأن رسائله التي عرفها ابن النديم كانت نحو مائة ورقة. وعلى هذا يصح أن يقال إن سالما أتاح لعبد الحميد الاطلاع على أدب سياسي منسوب إلى يونان. وقبل المضي في تبيان هذه الناحية أبادر إلى القول بأن تلك الرسائل ليست صحيحة النسبة إلى أرسطاطاليس، وإنما نحلت له، ولكن العرب ظلوا قرونا طويلة يتكئون عليها ويقتبسون منها دون أن يخالجهم شك في نسبتها. وتحتاج عبارة ابن النديم شيئا من المحاكمة فقوله " نقل " يعني أن سالما كان يعرف اليونانية أو السريانية حتى يقوم بهذا العمل، ثم قوله " ونقل له وأصلح هو " يشير إلى أنه اعتمد على جهود بعض المترجمين والنقلة، وهذا يعني أحد شيئين: أن سالما لم يكن يعرف إحدى اللغتين وهذا شيء يبطله قوله " ونقل " أو أن مشاغله الكثيرة في الدولة جعلته يستعين في بعض ما نقل بأحد النقلة، فهو على التوجيه الأخير قد قام بعملين بالنقل المباشر والإصلاح لما نقله غيره، ومعنى الإصلاح هنا منح المنقول في الأسلوب وصوغه في قالب بليغ مقبول، بحيث يلتبس بأسلوب سالم نفسه عندما ينشئ، أو يقاربه كثيرا. وعندي أن عبارة ابن النديم يجب أن تقرأ " نقل؟ أو نقل به " وأن الشك في أي الأمرين هو الذي حدث يعود إلى ابن النديم، وعلى ذلك فإن المرجح أن سالما لم يكن يحسن اليونانية أو السريانية، وإنما حكم أسلوبه البلاغي في ما أعانه به بعض المترجمين. وأي الأمرين كان فإنه يشير إلى جهود مبكرة في النقل، قبل أن يبدأ عصر الترجمة المنظم، ولهذا ما يؤيده في شهادة أخرى أوردها المسعودي، فقد ذكر أنه رأى عام ٣٠٣ كتابا باصطخر يشتمل على علوم كثيرة من علوم الفرس وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياستهم وأن ذلك كان مما ترجم لهشام بن عبد الملك في سنة ١١٣هـ؟ (٢) ، فلم يكن نقل الرسائل المنسوبة إلى ارسطاطاليس هو الجهد الوحيد الذي تم في أواخر الدولة الأموية، وحسبنا أن نتذكر جهود ابن المقفع في النقل عن الفارسية، وأنه من غير الممكن أن يكون قد تنبه لذلك أو باشره في السنوات القليلة التي عاشها في ظل الدولة العباسية (٣) .

стр. 95

أين هي رسائل ارسطاطاليس إلى الاسكندر التي نقلها سالم أو نقلت له؟ إن ضياع معظم آثار سالم الأصيلة أو المنقولة يجعلنا نتوقف دون القطع بأن الصورة التي وصلتنا من هذه الرسائل هي عينها التي عرفها سالم. نعم هناك ثلاث مخطوطات تحتوي على هذه الرسائل (١) ، عدا ما هو موجود منها منفردا، وقد قام الأستاذ ماريو غرنياسكي بدراسة هذه المخطوطات على نحو دقيق في مقالتين كبيرتين (٢) ، حاول فيهما أن يثبت أن قسما من تلك الرسائل كان ولا بد من عمل سالم، وأتى على ذلك بأدلة من خلال فحصه للنصوص ومقارنته لهذه الرسائل بأصول يونانية، ومن أدلته تلك أن الرسائل تشير إلى جو الدولة الأموية، ولا تعرف كثيرا مما طرأ من تغير بعد نشوة الدولة العباسية، فالكاتب يتحدث كثيرا عن الموالي والعبيد، وإذا ذكر نظام الجيش تحدث عن الصفوف ولم يذكر الكراديس إلا عند الحديث عن الترك، وهو يصور الترك عدوا مخوف الجانب، كما كانوا في الدولة الأموية، وأن الخراسانيين شعب محارب " إذا مالوا إلى مقاتلة ثبتوا فيها وإذا رغبوا في أحد أحبوه وطال شكرهم له " ولكنه لا يذكر أبدا أنهم عماد جيش الدولة، كما أصبح حالهم أيام العباسيين، ثم إن المسؤول عن هذه الرسائل كان ذا مكانة عالية في الدولة، وتلك هي حال سالم الذي كان أثيرا عند هشام حتى إنه كان يقرأ عليه ما يرد من كتب ولا يدخل عليه منها إلا ما يسره (٣) ، إلى غير ذلك من أدلة (٤) ، هي أشبه بالتلمس الذي لا يبلغ اليقين أو يشارفها، ثم كأن هذه الأدلة تفترض أن سالما كان مؤلفا لتلك الرسائل، فإن لم يكن كذلك فإنه حور في الأصل كثيرا حتى يتناسب ومفهوماته عن الدولة ونظم الحرب وأحوال الأمم، ومع أن شيئا من التحوير قد يتم في مثل هذه الحال فإنه لا يمكن أن يبلغ الدرجة التي تصورها أدلة الأستاذ

стр. 96

غرنياسكي. ومهما يكن من شيء فإن هناك ما قد يرجح أن بعض تلك الرسائل سابق لعهد الترجمة المنظمة، وربما كان الأستاذ غرنياسكي على صواب حين يرى أن الرسالة في السياسة العامية تمثل صورة قديمة من الرسائل المترجمة، ولكن التباين الشاسع أحيانا بين أساليب تلك الرسائل مجتمعة، يجعلني أعتقد أن ما جاء في المخطوطات المذكورة ليس من الضروري أن يكون من عمل ناقل واحد، وأن ما ينتمي إلى سالم منها ما يزال بحاجة إلى إثبات، وهذه قضية لا تؤثر كثيرا في طبيعة هذا البحث، لأن هناك فرقا واسعا بين أن يقال إن سالما عرف رسائل منسوبة إلى ارسطاطاليس وأن يقال إن تلك الرسائل أو بعضها هي نفسها التي وصلتنا في المخطوطة الفلانية، فإذا انهارت كل الأدلة التي توفق بين القولين، بقي القول الأول ثابتا بشهادة ابن النديم وبعض القرائن الأخرى. وأهم هذه القرائن اثنتان: أولاهما أن نعرض بعض هذه الرسائل على أسلوب سالم نفسه. وتعترض هذا الأمر صعوبات منها ندرة ما وصلنا من كتابات سالم وصعوبة الحكم لدى المقارنة بين الأساليب، وتقارب أساليب عصر ما في كثير من الخصائص، ومع ذلك فإن محاولة ما لا بد من أن تبذل في هذه الناحية، وقد بقي لدينا نتف يسيرة من رسائل سالم (١) ، ولكن يبدو أن له رسالة تامة كتبها عن هشام بن عبد الملك إلى عمرو بن سعيد يهدئ فيها من روعه لأن خالدا القسري استخف به واستهان بمقامه، وقد أوردها الطبري غير منسوبة (٢) ، وجاءت مقترنة باسم سالم في كتاب " العطاء الجزيل في كشف غطاء الترسيل " لنحمد بن أحمد البلوي الأندلسي وهو يضم مجموعة من رسائل المشارقة والمغربة موزعة على أبواب مختلفة (٣) . يقول سالم في هذه الرسالة: " أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك وفهم ما ذكرت من تسليط [خالد] عليك لسانه في مجلس العامة، مستحقرا لقدرك ومستصغرا لقرابتك بأمير المؤمنين، وإمساكك عنه تعظيما لأمر أمير المؤمنين وسلكانه وتمسكا بوثائق عصم

стр. 97

طاعته، على مؤلم ما تداخلك من قبيح ألفاظه وشرة منطقه، وإكبابه عليك عند إطراقك عنه، مرويا ما أطلق أمير المؤمنين من لسانه وأطال من عنانه ورفع من درجته ونوه من خموله، وكذلك أنتم؟ آل سعيد - في مثلها عند هذر الذنابى وطائشة أحلامها صمت من غير ما إفحام تنهضون بأحلام تخف الجبال عندها وزنا، وقد أحمد أمير المؤمنين تعظيمك إياه وتوقيرك سلطانه وشكره، وجعل أمر خالد إليك عزله واقراره، فإن عزلت أمضى عزلك، وأن أقررت فتلك منة على خالد لا يشكرك أمير المؤمنين فيها " (١) . يمكن أم يسمى هذا أسلوب الأناة الفكرية حيث يعمد الكاتب إلى الامتداد بالجملة قبل أن يبلغها غايتها ولذلك قد يعمد الكاتب فيه إلى جمل فرعية معتمدة على الجملة الأصلية، إما بإيراد جمل وصلية أو بالخروج إلى حيز متفرع عن الحال الموصوفة: " تعظيما لأمير المؤمنين وسلطانه وتمسكا بوثائق عصم طاعته على مؤلم ما تداخلك من قبيح ألفاظه وشره منطقه واكبابه؟ الخ " ففي بدئه " على مؤلم؟ " تفريع جديد على الأصل/ ولكنه لا ينسى أبدا أن التفريع له حظ الأصل، من الجمل المتعاطفة والمزدوجات، فبعد قوله تعظيما؟ وتمسكا " يورد " من قبيح؟ وشرة؟ واكبابه "، فإذا انتقل إلى تفريع جديد قال: " مرويا فيما أطلق؟ وأطال؟ ورفع؟ ونوه؟ " وبذلك تتركب الفقرة من مستويات متدرجة إلا أنها مستويات مفسحة ممطوطة، تمنح الفكر المتأمل حظا من النقلة دون وثب أو عجلة (٢) . ضع إزاء هذا ما جاء في إحدى الرسائل: " أما بعد فإن دوائر الأسباب ومواقع العلل وإن كانت ساعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين، فانا جد واجدين لمس

стр. 98

الاضطرار إلى حكمتك، غير جاحدين للإقرار بفضلك، والاستنامة إلى مشورتك والاجتباء لرأيك والاعتقاد لأمرك ونهيك، لما بلوناه من جدا مغبة ذلك علينا، وذقنا من جنى منفعته حتى صار ذلك بنجوعه فينا وترشيحه لعقولنا (١) كالغذاء الذي تلتاط به الطباع بالتقوت به؟ وقد كان مما سيق إلينا من النصر والفلج، وأتيح لنا من الظفر والقهر وبلغنا في العدو من النكاية ما يعجز القول عن وصفه ويقصر اللسان عن أداء مفترض الشكر للمنعم به " (٢) . لاحظ في هذا الأسلوب ورود الجملة الوصلية " وإن كانت ساعدتنا "؟ وهي فرعية، ثم هذا الاسترسال مع " الإقرار؟ والأستنامة؟ والاجتباء.. والاعتقاد " ثم التفريع على التفرع " بنجوعه؟ وترشيحه "؟ ثم العودة إلى التعداد المسترسل " سيق، أتيح، بلغنا؟ " وأدل من كل ذلك " مفترض الشكر للمنعم على الأنعام به " فلو لم تكن الأناة المسترسلة هي القاعدة لاكتفى الكاتب بقوله " مفترض الشكر للمنعم ". إن العيب في هذا البرهان أنه ينقل فيما ينقل إحساسا ذاتيا بطبيعة الأسلوب، ولكن هب أنه أصبح مقبولا بنوع من الإحساس الغامض لموسيقى الأسلوب وإيقاعه فإنه يظل يشكو من عيب آخر، وهو أن هذه السمة تنطبق على عصر لا على كاتب واحد، وحين تقرأ ابن المقفع أو عبد الحميد أو حتى الجاحظ؟ بعد زمن - تكاد تقف مبلسا إزاء الفوارق الداخلية التي تميز أسلوب كل واحد منهم. إن هذه دراسة لم يحاولها أحد بعد، أعني وضع السمات الفارقة التي تميز كل كاتب عن غيره من أبناء عصره، ويزداد الأمر صعوبة حين تجد كاتبا قديرا مثل أبي إسحاق الصابي، يعيش في عصر، ويكتب بأسلوب عصر آخر. ولكن مهما يكن من شيء فإن الرسالة التي اقتبست منها آنفا لا بد أن تكون قد كتبت في عصر سالم وعبد الحميد وابن المقفع. وفي الرسالة المتعلقة بالسياسة العامية ملامح كثيرة من هذا الأسلوب مما قد يجعل على القول بأنها تمثل ما قام به سالم أبو العلاء أو أحد من معاصريه. أما القرينة الثانية؟ وهي الأمم فيما يتصل بهذا البحث - فهي العثور على أناس معاصرين

стр. 99

لسالم، تأثروا بتلك الرسائل وأفادوا منها، وانعكست بعض مادتها في كتاباتهم. وهنا يبرز؟ دون مواربة - دور عبد الحميد، أظهر معاصر لسالم وأجدر من يمكن أن يتأثر به من خلال التلمذة والمعاصرة، وحالنا مع عبد الحميد خير من حالنا مع سالم من حيث تنوع ما وصلنا من رسائله وخاصة بعد الإطلاع على مخطوطة " العطاء الجزيل " التي تحوي من رسائله أربع عشرة رسالة لم يكن معروفا منها سوى رسالة واحدة (١) . وفي كل ما وصلنا من كتابات عبد الحميد تقف رسالته إلى عبد الله بن مروان ولي العهد حين وجهه أبوه لمحاربة الضحاك الشيباني الخارجي متميزة بين سائر رسائله في هذا الصدد، فهذه الرسالة؟ حسبما أوردها ابن أبي طاهر طيفور في كتابه " اختيار المنظوم والمنثور " - تحمل تاريخ ١٢٩ من الهجرة، وموضوعها في السياسة الحربية (٢) ، ولهذا فإن ما قد تحمله من شبه برسائل ارسطاطاليس إنما يدور حول هذا الموضوع نفسه. وقد لمح الأستاذ غرنياسكي بعض شبه بين ما جاء في رسائل ارسطاطاليس ورسالة عبد الحميد (٣) ، وكان هذا في الحق هو المنطق الصحيح لإثبات أن تلك الرسائل كانت معروفة في ذلك الدور الكبير المبكر. وأحب أن لا يتبادر إلى الذهن أن عبد الحميد قد اقتبس معلوماته في السياسة الحربية عن الرسائل المنسوبة إلى أرسطاطاليس، فإنه قد لازم مروان بن محمد مدة طويلة منذ أن كان مروان واليا بأرمينية (١١٤/٧٣٢) إلى أن قتلا معا، بعد معركة الزاب (١٣٢/ ٧٤٩) ، ومهما ينس التاريخ من مآثر مروان فإنه لا ينسى جهوده في تنظيم الجيوش، وفي سياسة الحروب، ولكن الذي أعنيه هنا أن عبد الحميد كان نموذج المثقف في عصره، وأنه بالإضافة إلى معرفته التجريبية في شتى شئون الحياة كان يجمع إلى تلك المعرفة اطلاع المثقف على ما لدى الفرس واليونان وغيرهم من الأمم في قواعد الحرب والسلم، وأنه حين كتب رسالته إلى ولي العهد فإنه كان يستمد من التجربة والثقافة معا، ولا ريب في أن الرسائل المنسوبة إلى ارسطاطاليس قد أعطته القالب العام للمشورة في شئون الحرب، حتى أننا لو فرضنا أن الجانب التاريخي في رسالته لم يكن حافزا واقعيا، فإن

стр. 100

صوغها؟ أنموذجا فيما يمكن أن يتبع في مثل ذلك الموقف - لم يكن لينقصها حظها من الأصالة والفائدة والقيمة العملية. وتجيء رسالة عبد الحميد في قسمين واضحين: أولهما يتضمن حديثا عن السلوك الأخلاقي الذي يجب أن يتصف به القائد الحربي من جميع الوجهات، والثاني القواعد الحربية التي يجب أن يأخذ بها في جميع المراحل داخل نظام الجيش وعند التعبئة أو الرحيل أو النزول أو خوض المعركة، وقد بلغ من الدقة في هذه الأمور بحيث أصبحت رسالته ركازا لبعض ما كتب في الفن الحربي من بعد. ويبدو أنه في القسم الأول منها خضع لجانب من ثقافته الفارسية كما خضع في بعض جوانب القسم الثاني للثقفة اليونانية، ولكنه سلك في كل ذلك مسلكا بارعا حقا، فأعتمد في الجانب الأخلاقي، الذي يشغل القسم الأول؟ جانب التركيز: " ومن ذلك أن تملك أمورك بالقصد وتصون سرك بالكتمان، وتداوي جندك بالإحسان، وتداوي حقدك بالأنصاف، وتذلل نفسك بالعدل، وتحصن عيوبك بتقويم أودك، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردي، وأناتك فوقها الملال وفوت العمل، ومضاءتك فدرعها روية النظر واكفها بأناة الحلم؟ " (١) - وهذه وغيرها صفات وجوانب قد عولجت بالتفصيل فيما نقله ابن المقفع عن الفرس في " الأدب الكبير ". حتى إذا تناول القواعد الحربية - وهي القسم الأهم من الرسالة - عالجها بالتفصيل والتحليل، فهذه اقولة المجملة في رسائل أرسطاطاليس " حصن العورة، واضبط الضيعة، وأذك العيون، واجتهد في الاحتراس " (٢) تنحل في عدة فقرات، تبدأ كل فقرة بواحدة من هذه النصائح: " حصن جندك (١٨٩) ؟ ثم أذك عيونك (١٩٠) ؟ واعلم أن موضع الأحراس (١٩٤) ؟ ". وإذا قال ارسطاطاليس: واجعل الحرب آخر أمرك " (٣) عانيا بذلك إدراك ما لا بد من إدراكه بالمكيدة بدل الحرب، وجدنا عبد الحميد يقف عند هذه القاعدة في موضعين يقول في أولهما: " اعلم أن الظفر ظفران أحدهما وهو أعم منفعة وأبلغ في حسن الذكر قالة وأحوطه سلامة، وأتمه عافية، وأعوده عاقبة، وأحسنه في الأمور موردا،

стр. 101

وأعلاه في الفضل شرفا، وأصحه في الرؤية حزما وأسلمه عند العامة مصدرا، ما نيل بسلامة الجنود وحسن الحيلة ولطف المكيدة " (١) ويقول في الموضع الثاني " اعلم أن أحسن مكيدتك أثرا في العامة وأبعدها صوتا في حسن القالة ما نلت الظفر فيه بحسن الروية وحزم التدبير ولطف الحيلة " (٢) . وإذا كانت نصيحة ارسطاطاليس في باب المكايد نوعين أولهما: " أدخل المكايد على عسكر عدوك بإفساد مياههم وبإلقاء البذور التي تهلك الدواب في مروجهم " (٣) وثانيهما " كاتب أشد قواد عدوك بأسا وأوفرهم نصيحة لعدوك لتوقع وهما في قلب عدوك على صاحبه الناصح له، واعمل على أن يقع كتابك بيد حراس عدوك " (٤) ، اختار عبد الحميد المكيدة الثانية وأهمل الأولى لأنها لا تتفق مع عقيدة الدينية، فقلب في ذلك: " وكاتب رؤساءهم وقادتهم وعدهم المنالات ومنهم الولايات وسوغهم التراث، وضع عنهم الإحن، واقطع أعناقهم بالمطامع، واستدعهم بالمثاوب، واملأ قلوبهم بالترهيب، أن أمكنتك منهم الدوائر وأصارتهم إليك الرواجح، وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه طاقة، ولا عليك أن تطرح إلى بعضهم كتبا كأنها جوابات كتب اليهم، وتكتب عل ألسنتهم كتبا تدفعها إليهم، وتحمل بها صاحبهم عليهم وتنزلهم عنده منزلة التهمة ومحل الظنة؟ " (٥) . ومن الطريف أن هذا المبدأ الذي تتضمنه الرسائل المنحولة لأرسطاطاليس قد ورد أيضاً في نصوص سياسية منحولة لأفلاطون، فلدينا ثلاثة عهود يقال إنها مستخرجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطون من تأليف أحمد بن يوسف المشهور بابن الداية (حوالي ٣٤٠/٩٥١) وقد جاء في العهد الأول منها: " وينبغي أن تسلك في مجاهدة من أعرق في الرياسة واضطلع بتدبير المدن أن قصدك غير هذا المسلك من بث الجواسيس في عسكره وإظهار الكتاب على ألسنة خواصه بطلب الأمان منك، وتضمنها ما صح عندك من

стр. 102

أسراره، ولتحمل هذا جواسيسه اليه فيضطرب أمره ويرتاب بمن كان يثق به، ومكاتبة من قدرت إجابته من جيشه من كاف حزم؟ " (١) . وإذا تحدث ارسطاطاليس عن نوع السلاح الذي به تؤخذ الأهبة على نحو موجز: " وربما احتاج إلى آلات يقابل بها مكايد العدو كمنجنيق ينصب بازاء منجنيق وعرادة إزاء عرادة " (٢) ، وجدنا عبد الحميد يطيل في هذه الناحية ويتفنن في وصف ضروب الأسلحة اللازمة في موضعين من رسالته، وبحسبنا هنا للتمثيل أن نقتبس جزءا مما جاء في الموضع الأول: " وخذهم من السلاح بأبدان الدروع ماذية الحديد، شاكة النسج، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير، وأسوق الحديد مموهة الركب، محكمة الطبع، خفيفة الصوغ، وسواعد طبعها هندي وصوغها فارسي، رقاق المعاطف بأكف واقية وعمل محكم، وبلق البيض مذهبة ومجردة، فارسية الصوغ، خالصة الجوهر، سابغة الملبس، واقية الجنن، مستديرة الطبع، مبهمة السرد وافية الوزن؟ معهم السيوف الهندية وذكور البيض اليمانية رقاق الشفرات مسمومة الشحذ غير كليلة الحد، مشطبة الضرائب معتدلة الجواهر صافية الصفائح لم يدخلها وهن الطبع ولاعابها أمت الصوغ؟ الخ " (٣) . ودقة عبد الحميد هنا؟ كما هي في غير موطن - دليل على مبلغ معرفته التجريبية، كما أنها قد تشير إلى ابتهاجه بإظهار تلك المعرفة. وفي النظرة إلى العدو يورد أرسطاطاليس هذه النصيحة: " ضع أمر عدوك على أن في الدرجة العليا من القوة ثم عامله بقدر ذلك، واقصده من قبل أن يطول وارتق الفتن قبل أن يتمكن من فاتقه " (٤) ويقابل هذا عند عبد الحميد: " معظما أمر عدوك لأكثر مما بلغك حذرا يكاد يفرط لتعد له من الاحتراس عظيما ومن المكيدة قويا " (٥) . غير أنه لا يفوتنا أن كثيرا من هذه القواعد الحربية كان قد اصبح متأثلا في كل أمة، بحيث يمكن أن يكون التشابه فيها أقل من الفروق التي تصلح لأمة دون أخرى،

стр. 103

فمبدأ تجنب القتال؟ ما كان إلى ذلك سبيل - أمر نجده أيضا عند الفرس، إذ ينقل ابن قتيبة عن الآيين: " ولا يحاربن جندا إلا على اشد الضرورة، وعلى حال لا يوجد معها من المحاربة بد " (١) ثم ينقل المؤلف نفسه نصيحة بهذا المعنى عن كتاب للهند " الحازم يكره القتال ما وجد بدا، لأن النفقة فيه من الأنفس، والنفقة في غيره من المال " (٢) . أما طرح الحسك في المواضع التي يتخوف فيها البيات فإنه يكاد يكون خطة عامة (٣) ، وقد نجد عبد الحميد يقول: " ثم ول على كل مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصتك " (٤) ، ونجد سابور يقول لابنه هرمز " اجعل على كل مائة رئيسا " (٥) ، ثم لا يكون هذا التشابه إلا تعبيرا عن قاعدة حربية أصبحت عامة لا يتميز فيها الفرس عن العرب ولا يستقل فيها هؤلاء دون اليونان، ولهذا فإن ميزة رسالة عبد الحميد ليست في هذه المشابه بمقدار ما هي في قدرته على توجيه القواعد العسكرية بحيث تلائم جيشا إسلاميا يحارب جيشا آخر، يعتقد أصحاب الأمر أن الجند فيه من الخوارج " المتسمين باسم الإسلام "، ولهذا لن نجد عند عبد الحميد حديثا عن مدى متابعة العدو عند الهزيمة أو حديثا عن الغنائم أو ما أشبه ذلك. ولكن مهما يكن من شيء فإن ميل عبد الحميد إلى التفنن والأصالة لم يستطع أن يحجب مقدار حركته في الإطار الثقافي الموجود لدى الفرس واليونانيين.

стр. 104

فراغ

стр. 105

" ٧ " معارضة مراثي الحكماء للاسكندر في الأدب العربي لم يكن موقف عبد الحميد إلا نموذجا واحدا من اعتماد الرسالة الأدبية على المادة اليونانية إلا أنه نموذج هام لسببين: أولهما حدوثه في دور مبكر من تاريخ الكتابة العربية، وثانيهما أنه يمثل تأثرا مباشرا لا محض تأثر مستمد من العيش في جو ثقافي عام، كما قد يحدث في العصور التالية، وحين نفرض أنه ليس المثل الوحيد، فإننا نرجو أن نعالج استمراره؟ في القالب الرسائلي - في غير هذا الموضع، ولكن حسبنا الآن ونحن نعرض نماذج من التأثر أن ننقل إلى صورة أخرى، تعتمد المحاكاة وسيلة لها، والمحاكاة في العادة لا تكون ظاهرة مرموقة إلا لقوة الأنموذج وتميزه. وتقف قصة الاسكندر في جوانب مختلفة منها نموذجا قويا يصلح للمحاكاة وخاصة لدى أبي سليمان المنطقي وتلامذته وأصحابه، وربما كانت ثمة قصص أخرى تفرض نفسها بقوة الأنموذج ولكنها لم تجد ناقلا شغوفا بالنقل عامة، وبقل الحكمة والفلسفة بخاصة، مثل التوحيدي. ونقف من هذه القصة عند نموذجين: ١ - أولهما قول الأسكندر وقد سئل: أيهما أحب اليك أبوك أو معلمك؟ فقال: معلمي؟ يعني ارطاطاليس - لأن والدي كان سبب كوني القريب وارسطاطاليس كان سبب تجويد كوني (١) . وفي رواية أخرى، قيل له إنك تعظم معلمك أكثر من تعظيمك

стр. 106

والدك فقال: لأن أبي كان سبب حياتي الفانية ومؤدبي سبب حياتي الباقية (١) . ففي هذا القول تجاوز؟ لا يعدم تسويغا - لذلك النص الصريح في الدين على حق الوالدين، واقتران طاعتهما بطاعة الله تعالى، وها هنا نحن نجد مقارنة بين المؤدب والأب، وتميزا بينهما في المفاضلة، ولكن لا بد من أن نقر هنا بأن الآيات القرآنية تنص على شيئين هما الطاعة والرفق ثم ما يتبع من بر وحدب، بينا تقوم النظرة المنسوبة للأسكندر على الإجلال والتعظيم. وقد كان هذا الجواب، حافزا قويا لعدد من مثقفي القرن الرابع يحاكموه، فهو نموذج بارز من الإجابة إلا أنه لا يزال يفسح مجالا لوجهات نظر أخرى، وقد تناوله كل من أبي زكريا الصيمري وأبي سليمان المنطقي والنوشجاني وأبي محمد الأندلسي (٢) بالإعجاب الذي لا يحول دون إبداء الموقف الذاتي، ولهذا عبر كل منهم عن نظرته الفكرية لو أن السؤال وجه إليه: فقال الصيمري: لو قيل لي هذا لقلت: لأن أبي كان قضى وطرا بالطبيعة فعرضت، ومعلمي يفجر من أجلي أوطارا فكملت به (٣) . وقال المنطقي: لو قيل لي هذا لقلت: لأن ابي أفادني الطبيعة التي انطلقت علي بالكون والفساد، ومؤدبي أفادني العقل الذي به انطلقت إلى ما ليس فيه كون أو فساد. وقال النوشجاني: لو قلت أنا لقلت: لأن أبي كونني بالعرض، ومعلمي زينني في كوني بالعرض. وقال الأندلسي: لو قلت أنا لقلت: لأن أبي قيدني فأوثق، ومعلمي حل قيدي وأطلق.

стр. 107

٢ - النموذج الثاني؟ وهو أقرب إلى جو الأدب من النموذج السابق - مستمد من موقف المفكرين عند تابوت الاسكندر، فهناك رواية تقول؟ وليس هنا موطن البحث في قيمتها التاريخية - إن الأسكندر توفي في أرض العراق ثم نقل إلى الإسكندرية ليدفن فيها، وقد تجمع عدد من الفلاسفة والحكماء عند قبره، وقال كل منهم قولة في تأبينه إذ طلب إليهم عظيمهم أن يقول كل واحد منهم قولا " يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا " (١) . وقبل أن أتحدث عن قوة هذا الأنموذج وما أثاره لا بد من وقفة عند هذه الأقوال نفسها، فهي؟ فيما يبدو - قد ترجمت في دور مبكر، تم ذلك قبل عهد حنين بن اسحاق، وربما أمكن نسبتها إلى أيام سالم وجهوده هو ومن حوله في الترجمة. وتثير هذه الأقوال عددا من الأسئلة حولها، وفي مقدمة هذه الأسئلة: كم كان عددها عندما ترجمت أول مرة؟ إنه لم يتح لي الإطلاع على نوادر الفلاسفة لحنين، ولكن اليعقوبي لا يورد منها إلا تسعة، ثم نجدها عند سعيد بن البطريق اثنين وثلاثين، وعلى نحو مقارب عند المسعودي والثعالبي، ومع أن المبشر بن فاتك يورد منها أربعة عشر، فإنه يوضح أنه لم يوردها جميعا: " وقال جماعات أخر من الناس من الحكمة والموعظة مثل ما قال هؤلاء، وحذفته اختصارا، وقد أوردته وباقي أخباره في تاريخي الكبير مستوفى على تمامه " (٢) . وهناك نصان يعتمدان أصلا واحدا هو " صوان الحكمة "، الذي يقترن باسم المنطقي وهما منتخب منه، ومختصر له، وعدد هذه الأقوال في المنتخب خمسة، وفي المختصر ثلاثة وعشرون، وقد يقال إن صانع المنتخب حذف ما شاء على أساس الانتقاء، ولكن التوحيدي وهو تلميذ أبي سليمان وصاحبه المرافق له في فترة غير قصيرة من حياته يقول ان الحكماء الذين تحدثوا حول تابوت الاسكندر كانوا عشرة (٣) ، فهل قيد التوحيدي هذا

стр. 108

قبل أن يعرف أبا سليمان؟ وهل ظل يجهل أن لأستاذه كتابا يسمى " صوان الحكمة " بحيث لا نراه يقف عنده أو يسميه أبدا؟ إن العدد الذي يورده التوحيدي لا يختلف كثيرا عن ما ذكره اليعقوبي، وربما كان هذا الرقم يشير إلى عدد تلك الحكم في القرن الثالث، حتى إذا كان القرن الرابع أصبحت هذه الحكم تزيد على الثلاثين، فإذا رجعنا إلى مخطوطة كوبريللي (١٦٠٨) وهي متأخرة كثيرا ففي تاريخها؟ وجدنا هذه الأقوال قد بلغت ثلاثة وخمسين قولا، فكيف نفسر هذه الزيادة المطردة؟ قد يكون سبب ذلك تعدد المصادر التي أخذت عنها تلك الأقوال واختلافها فيما تورده منها، وفي مخطوطة كوبريللي ما يفيد الاعتماد على نسختين سابقتين تنفرد إحداهما بعدد من الأقوال لا يرد في الأخرى، وهذا يؤدي إلى الافتراض بأن الترجمة المبكرة لهذه الأقوال قد خلفتها ترجمة أو ترجمات متوالية أضافت كثيرا إلى النواة الأولى، ولعل المقارنة بين أبن البطريق والمسعودي؟ وهما متعاصران - يوضح هذا الخلاف في الأصول المعتمدة، فالأقوال متقاربة في العدد إلا أن ابن البطريق ربما كان يعتمد مصدرا سريانيا، ولهذا فإن المؤرخين لا يتفقان إلا في اثني عشر قولا مما يوردانه، ثم ينفرد كل منهما في سائرها. وقد عثر الأستاذ بروك على صورة سريانية من هذه الأقوال وجدها أقرب إلى ما أورده ابن البطريق والمكين وأبو شاكر مما هي إلى ما أوردته المصادر العربية (١) ، وإذا تقدمنا خطوة أخرى في المقارنة واتخذنا المسعودي والثعالبي محورا لها، وجدنا التقارب في العدد موجودا إلا أن الاتفاق لا يتعدى أحد عشر قولا، ينما ينفرد الثعالبي عن سائر المصادر، لا عن المسعودي وحده، في ثمانية عشر قولا لا يشاركه في بعضها إلا مصدر متأخر عنه مثل زهر الآداب لعله ينقل عنه أيضا. فهل نقول إن الثعالبي يعتمد مصدرا فارسيا قد تفرد في أكثر ما أورده من تلك الأقوال؟ أن تعدد المصادر واختلافها أمر محتمل، بل لعله السبب الأهم لا في تفسير الزيادة المطردة وحسب، بل في الخلافات الواردة في صياغة

стр. 109

بعض النصوص المشتركة (١) ، غير أن لهذه الخلافات نفسها أسبابا أخرى منها اختلاف المترجمين وتفاوتهم في الميل إلى " تعريب " الأسلوب المنقول، ويبدو أن مثل هذا الميل كان موجودا في الدوائر الأدبية، وأنه كان أحيانا يعمي الأصل وينقل القول المترجم إلى حيز جديد، وهذه ظاهرة ستعالج على نحو مفصل تال. أما هنا فيكفي أن أقول: إن من قبيل هذا الانسياق وراء أضواء الأسلوب؟ في الحالين - ورود القول التالي على صورتين أسلوبيتين متفاوتتين: المسعودي: يا عظيم السلطان اضمحل سلطانك كما اضمحل ظل السحاب؟ وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الرباب. صوان الحكمة: ما كنت إلا ظل سحاب اضمحل، لما أظل، فما نحس لملكك أثرا ولا نعرف له خبرا. فالتصرف الأسلوبي في العبارتين واضح ومقصود، والمعنى الأساسي واحد. ومن صور التصرف اليسير في الترجمة دون محاولة لرفع المستوى البلاغي، ما يتصل بتلك القولة التي تومئ إلى أن الأسكندر وضع في تابوت من ذهب، وأن المفارقة قد تمت، بين الحياة والموت، فهو في الحياة كان يخزن الذهب، وفي حال الموت أصبح الذهب " خازنا " لجسده. ابن البطريق: كفى بهذا عبرة أن الذهب كان بالأمس كنزا للأسكندر فأصبح الأسكندر اليوم بالذهب مكنوزا. المسعودي: هذا الإسكندر الذي كان يخبأ الذهب فصار الذهب يخبأه. الثعالبي: ما زال الإسكندر يكنز الذهب حتى كنزه الذهب الآن. المبشر: كان الإسكندر يكنز الذهب والفضة ويصونه، والآن أصبح الذهب يصونه ويكنزه.

стр. 110

الحصري: كان الملك يخبأ الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه. آيا صوفيا: كنت بالأمس للذهب جامعا واليوم الذهب قد جمعك. فهذه ستة أقوال تختلف في الصياغة اختلافا يقل أو يكثر، فأما أن يكون اختلافا ناشئا عن الترجمة نفسها وإما أن يكون ناشئا عن الرواية بالمعنى دون التقيد الدقيق في الألفاظ، والأمر الثاني مألوف بكثرة. على أن تزايد تلك الأقوال واختلافها؟ وهما أمران مقترنان أحيانا - إنما نجما عن نوع من الوضع، غير متعمد، فهؤلاء المؤرخون الذين رووا هذه الأقوال لم يحاولوا الكذب، ولكن الحمل على المعنى جعل نوعا مما أثبتوه يشبه الوضع عن حسن نية: مثل ذلك جميع تلك الأقوال التي تقع بين قطبي: كان؟ فصار، فإذا كانت الجملة الأصلية المقولة عند تابوته مثلا: طان آسرا فصار أسيرا، فمن السهل في الرواية على المعنى أن تجيء في صور مختلفة " ناطقا صامتا، قاتلا مقتولا، غالبا مغلوبا، مرتفعا متضعا، قاهرا مقهورا،؟ الخ (١) بل من السهل أن يتم التصرف في هذا المعنى على صيغ أخرى تبتعد عن التقابل ين طرفي المفارقة، وكل هذا عند رواته لا يعني كذبا في الوضع لأنه يظل ينقل روح المعنى المراد، ومما يقارب ذلك معنى " العظة " بالموت، فإن إيرادها في صور مختلفة يحمل معنى الوضع غير المتعمد كما يجمع إلى ذلك أحياناً وهما في حقيقة المعنى الأصلي أو نسيانا له إذا كانت الرواية من الذاكرة، فمن تلك الصور: المسعودي: قد كنت لنا واعظا فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك. ابن البطريق: لا تعجبوا ممن لم يعظنا في حياته ثم قد صار بموته لنا واعظا. فنحن نرى هنا أن المسعودي قد ناقض ابن البطريق إذ زعم الأسكندر كان واعظا للناس في حياته بينا هو عند ابن البطريق لم يفعل ذلك، ثم ان ابن البطريق نفسه تحدث عن هذه العظة في قولتين أخريين، مؤدى إحداهما أن العامة تتعظ بموت الملوك كما أن الملوك يتعظون بموت العامة (رقم ٤٣ في الملحق) وأن الإسكندر ما اتعظ بعظة أبلغ من وفاته (رقم ٤٤) وهما يمثلان تفريعين صغيرين على الأساس الأول لهذه الحكمة،
следующие страницы →