← Адаб

Адаб · id 1012

ملامح يونانية في الأدب العربي

إحسان عباس

Полный текст (213 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ملامح يونانية في الأدب العربي هل ترجم العرب شعراً يونانياً ؟ سؤال لم تعد الإجابة عليه بالنفي، بعد أن توفرت لدينا نماذج من الشعر اليوناني المترجم. هل كانت الترجمة للشعر اليوناني أسراً عارضاً قررته المصادفة المحض؟ أيضاً سؤال لم تعد الإجابة عليه بالنفي، بعد أن وجدت لدينا ترجمة عامة لنماذج من شعر يوناني. هل توقف اهتمام العرب بالأدب والفكر اليونانيين عند هذا الحد؟ أن هذا الكتاب يحاول أن يبين ايضا كيف عمد العرب إلى مادة الفكر اليوناني والأساطير والخرافات اليونانية فوضعوها في أشكال أدبية متنوعة لتصبح أقرب إلى النفوس، سواء أكان الوعاء الذي اتخذوه لها شعراً أو رسالة أو مقامة.

стр. 2

الإهداء " إلى رودلف ماخ الصديق العالم، ذكرى أيام جميلة؟ بصحبته - في برنستون " إحسان

стр. 3

شكر وتقدير يدين هذا البحث بالفضل للجامعة الأمريكية في بيروت التي منحتني فرصة التفرغ للبحث العلمي (١٩٧٥ - ١٩٧٦) ثم لجامعة برنستون التي استضافتني سنة أخرى (١٩٧٦ - ١٩٧٧) لأتمكن من إنجاز دراساتي، وفي مقدمتها هذه الدراسة؛ وأنا إذ أشكر للجامعتين فضلهما الكبير؟ على المستوى العام - أحب أن أنوه بالمساعدات القيمة التي تلقيتها من أصدقائي الأساتذة في دائرة دراسات الشرق الأدنى؟ على المستوى الخاص - فلهم جميعا أوفى الشكر والتقدير؛ وما كان البحث أن ينجز على هذا النحو، لولا المكتبة الغنية بجامعة برنستون، ولولا العون الذي تلقيته من الصديق رودلف ماخ الذي يسر لي الاطلاع على كل ما احتاجه من مخطوطات، وكان اطلاعه الغزير نعم العون لي في كثير من المواقف. وأخيرا؟ وليس أخرا - أجد هذه الدراسة مدينة بالفضل للدكتورة وداد القاضي التي قدمت لي مساعدات قيمة فيما يتصل بالمراجع الألمانية المعتمدة في هذا البحث، وقرأت المسودة؟ قبل ذهابها إلى المطبعة - ونبهتني فيها إلى أمور كثيرة؛ فالله يجزيها عني وعن العلم خير الجزاء. إحسان عباس

стр. 4

تمهيد يمثل هذا البحث في مجموعه - محاولة للإجابة على سؤالين يختلطان معا أحيانا، أولهما: ماذا ترجم العرب من أدب يونان، وثانيهما: ما هي الطرق التي استغل فيها الأدب العربي الثقافة الإغريقية، سواء أكانت تلك الثقافة علما أو أدبا أو فلسفة. ومهما يكن من شيء، فإن القول بتقبل الأدب العربي لمؤثرات أجنبية، ليس انتقاصا من أصالته، أو استهانة بعناصر تلك الأصالة؟ على أساس من هذا الإيمان، جرى القلم في فصول هذا البحث، وفي تطويره، بعد أم كانت نواته الأولى محاضرة بالإنكليزية، ألقيتها في جامعة هارفارد، بتاريخ ٢٥ آذار (مارس) ١٩٧٦. وإذ تحدد السؤالان على هذا النحو، وجدتني أبذل الجهد في الإجابة عليهما من زاوية الأدب العربي وحده، فتلك خطوة ضرورية، وإن لم تكن مكتملة، وحسبي أن أضع أمام الدراستين ما يمكن أن يكون تمهيدا متواضعا لبحوث أخرى قد تجد من يحققها بوسائل أكثر واستعداد أشد، فإذا استطاعت هذه المحاولة أن تثير بعض الجهود إلى ذلك، فإنها لن تكون غير ذات نفع. جامعة برنستون ٢٠ يناير (كانون الثاني) ١٩٧٧

стр. 5

نظرة في مصادر هذا البحث (١) لما كانت الزوايا التي تحاول هذه الدراسة أن تلم بها متعددة، لم يكن من الطبيعي أن تستقطبها نواة واحدة مشتركة من المصادر، تعد أصلا تتفرع عنه سائر المصادر والمراجع، فربما كانت إشارة صغيرة في كتاب كبير لا علاقة مباشرة له بالثقافة اليونانية ذات أهمية بالغة في لفت نظر القارئ إلى حقيقة كبيرة؛ ولهذا كان على الدارس ألا ييأس من تتبع المصادر على اختلاف موضوعاتها ومنتمياتها، وإن أدى به الأمر إلى أن لا يعثر على شيء يستند المقولة الكبرى في بحثه. وأنا على يقين من أن التفلية الدقيقة لمصادر أخرى لم يتح لي أن أطلع عليها، رغم ما بذلته من جهد شاق في تتبع المصادر الميسورة، سواء منها ما أثبته في قائمة المراجع وما لم أثبته، جديرة بأن تضيف إلى هذا الموضوع استطلاعات جديدة، وفي كل حين تجود الأيام بمستكشفات لم تكن متيسرة، وينتفي القول التعميمي: " ما ترك السالف للخالف شيئا " انتفاء تاما. وهنالك حقيقتان لا بد من الإشارة إليهما لاتصالهما اتصالاً مباشرا بالتيار العام في هذه الدراسة؛ أولهما أن عهد الترجمة لم ينتظر مجيء المأمون، ولا كان وليد رغبته الجارفة في الثقافة الهيلينية، وإنما كان قد بدأ قبل ذلك بكثير، في فترة ما في الدولة الأموية (بين سنتي ١٠٥ - ١٣٢) ، والشواهد على ذلك مثبتة في مقدمتي على عهد أردشير (٢) ؛ وقد اتجه البحث إلى هذه الناحية، وظهرت فيه نتائج طيبة، وإن لم تبلغ بعد مرحلة القول الفصل في هذا الأمر (٣) ؛ وفي سبيل تأكيد هذا الاتجاه، وقفت عند المحتوى اليوناني؟ في أدب الرسالة - كما يمثله عبد الحميد الكاتب. وثانية الحقيقتين ظاهرة المنافسة بين أنصار الثقافة الفارسية وأنصار الثقافة اليونانية (٤) ؛ ففي المرحلة

стр. 6

الأولى؟ فترة سالم الكاتب وابن المقفع - تغلب أنصار الثقافة الفارسية، إذ لم يستطع سالم؟ فيما يبدو - وهو ميال إلى الثقافة اليونانية، أن يباري منافسا قويا مثل ابن المقفع الذي اضطلع بدور كبير في نقل الثقافة الفارسية، بل يبدو أنه كان حينئذ نقلة آخرون لتلك الثقافة عدا ابن المقفع، وشاهد ذلك الكتاب الذي رآه المسعودي باصطخر سنة ٣٠٣ وكان مما ترجم عن الفارسية لهشام بن عبد الملك، وفيه علوم كثيرة من علوم الفرس وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياستهم مما لم يوجد في كتب أخرى (١) ؛ وما دام المسعودي لم ينسبه إلى ابن المقفع، فربما أشار هذا إلى وجود مترجم آخر أو مترجمين آخرين. وكان أكثر المنقولات عن الفارسية يتصل بالسياسة عامة؛ سواء أكانت الكتب المترجمة تتناول قواعد السياسة النظرية أو العهود أو سير الملوك أو آداب الآيين، حتى وقر في النفوس حينئذ أن " السياسة " مقصورة على الفرس، مثلما أن فضيلة الشعر مقصورة على العرب؛ ولهذا كان اتجاه سالم ومن حوله ينحو نحو ترجمة آثار سياسية يونانية دون سواها، وكان في مقدمة ذلك تلك الرسائل المنحولة لأرسطاطاليس، ليوازوا بذلك جهود أنصار الثقافة الفارسية في هذا المضمار. ومع أن الحقبة الثانية من حقب الترجمة قد اتجهت إلى الآثار اليونانية الفكرية والعلمية، وعرجت على النصوص السياسية تتطلبها حيثما وجدتها، وترجمها إلى العربية، فإن الصبغة " الفارسية " في السياسة، ظلت هي المسيطرة في هذا الجانب الثقافي، وخاصة لأن أغلب السياسيين حول المأمون كانوا من الفرس، حتى المأمون نفسه لا يزال يأمر معلم الواثق بالله أن يعلمه؟ بعد كتاب الله - عهد أردشير ويحفظه كليلة ودمنة (٢) ؛ وقد ظلت طبقة البيروقراطية في الدولة تتجه نحو الثقافة الفارسية، فالكاتب يكتفي بأن يروي لبزرجمهر أمثاله، ولأردشير عهده ولابن المقفع أدبه، وبأن يصير كتاب مزدك معدن علمه ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته (٣) ؛ ويظل الحذر من الثقافة اليونانية إلى ما بعد ذلك بزمن عند مؤلفي كتب الأدب، أمثال ابن قتيبة، فإن ما أورده مما يتصل بالسياسة من تراث الفرس، لا يقف إلى جانبه تلك الأقوال

стр. 7

اليسيرة التي نسبها إلى اليونانيين؛ وقد عبر ابن قتيبة عن هذا الحذر في أدب الكاتب حين قال يصف المثقف في عصره: " وأنحرف إلى علم قد سلمه له ولأمثاله المسلمون، وقل فيه المتناظرون، له ترجمة تروق بلا معنى، واسم يهول بلا جسم، فإذا سمع الغمر والحدث الغر قوله: الكون والفساد، وسمع الكيان المفردة، والكيفية والكمية والزمان والدليل والأخبار المؤلفة راعه ما سمع؟.. " (١) . وتمثل تلك الصرخة التي أطلقها ابن الداية؟ الذي كان هو وأبوه من محبي الثقافة اليونانية - حلقة في سلسلة تلك المنافسة بين أنصار الثقافتين، في حقل السياسة على وجه الخصوص؛ إذ يتصور ابن الداية أن شخصا قد أخذ يبين؟ بحق - فضل الفرس في السياسة، ولكن جماح التعصب لم يقف به عند هذا الحد، وإنما دفعه إلى تنقص اليونانيين في هذا الشأن، وكرر ذلك على سمع صاحبه، مما اضطر ابن الداية إلى أن يقدم له نموذجا من آراء اليونانيين في الحقل السياسي لكي يستطيع صاحبه أن يدرك " محلهم من حسن السيرة وفضلهم على غيرعم في السياسة " (٢) ؛ وسواء أكانت هذه التوطئة " حيلة " تأليفية، أو حقيقية واقعة، فأنها تصور رد ابن الداية على طغيان الأدب السياسي الفارسي حينئذ. وكان على أنصار الثقافة اليونانية أن يقوموا برد آخر، في حقل متصل بالسياسة، وهو " الآداب "، فقد كاد يستقر في الأذهان أيضا أن قواعد الآداب وقف على الفرس؛ ولهذا نرى جهودا كبيرة تبذل في حقبة الترجمة على يد حنين وغيره من التراجمة لنقل الأقوال الحكمية اليونانية، موازاة لما يقوم به أنصار الثقافة الفارسية أمثال الحسن بن سهل من نقل جاويدان خرد وغيره من آثار الفرس (٣) ؛ وكان ما ينقله

стр. 8

التراجمة من تلك الأقوال يقع تحت اسم ((Gnomonologia أو (Florilegia) ويضم أقوالا حكمية وأشعاراً لا تفترق في كثير عن الأقوال الحكمية، وأكثر المقصود فيها الغاية الأخلاقية، كما تؤدي إليه لفظة " أدب " التي تطلق على ما يترجم أو ينقل عن الفارسية، وقد لقيت تلك الأقوال عناية كبيرة، وخاصة بعد مرحلة الترجمة، إذ أفردت بالتأليف، أو نثرت على نطاق واسع في الكتب الأدبية. ومن الممكن أن نتبين في هذه الدراسة أربعة خطوط متوازية في مختلف فصولها، إذ هي تعالج الشعر المترجم، وتحوير الحكم النثرية في صور شعرية، وتشكيل الأدب السياسي في قوالب وصور أدبية، واللقاء على مستوى الأمثال والخرافات والأساطير بين الأدبين، ومن ثم كان من الممكن أيضا معالجة مصادرها في أربعة أقسام كبرى: ١ - مصادر الشعر: إن القول بأن العرب عرفوا الشعر اليوناني؟ أو على وجه أدق تلقوا ما عرفوه منه - بطريقة عارضة (١) ، لا يزال يلجأ إلى النماذج الشعرية التي وردت في ترجمة كتابي الشعر والخطابة لارسطاطاليس، وفي بعض التعليقات عليهما، وقد استطاعت النماذج الواردة في هذين الكتابين، رغم ما أصاب بعضهما من تحريف؟ أن ترسخ في نفوس طلاب الثقافة اليونانية أهمية أوميرس (٢) وتدل على مكانته بين اليونانيين وخاصة لدى ارسطاطاليس الذي كان يحتفظ بديوان شعره معه فلا يفارق متكأه (٣) . ويمثل كتاب " تحقيق ما للهند من مقولة " وكتاب " الآثار الباقية " للبيروني مصدرا هاما لبعض الأقوال الشعرية العارضة، التي تتميز عن النماذج الأخرى المنقولة بدقة قرابتها إلى الأصل، وبصحة نسبها. ويقدم كل من البيروني وتاريخ أوروسيوس (هروشيس) نموذجين للجو العام الذي عاش فيه الشعر اليوناني نفسه، أعني بذلك جو الأسطورة، إذ يوردان عددا من

стр. 9

الأساطير اليونانية، كما ينفرد أوروسيوس بنشر المعلومات عن الشعر الروماني وشعراء الرومان، وعلى التوسيع من مدلول كلمة " شعر " وعلى مشاركة عدة أمم فيه. ويمكن الإضافة إلى هذه المنقولات العارضة، وخاصة من الأقوال والأشعار المنسوبة إلى أوميرس، إذا تتبع الدارس نصوصا يونانية أخرى مثل الرسائل المنحولة إلى أرسطاطاليس، ففيها غير قليل من تلك الأقوال، ولتلك الرسائل وما شابهها مصادر متعددة، ولكن يمكن الإشارة هنا إلى مخطوطات ثلاث محفوظة في كوبريللي وآيا صوفيا والفاتح (١) . غير أن ترجمة الشعر اليوناني لم تكن دائما عارضة، وإنما هناك ترجمة عامدة، قصد القائمون بها الشعر لذاته، ونقلوه ليعرفوا العرب بأقوال شعرية يونانية، وقد كان هؤلاء يميزون دائما بين هذه الأقوال الشعرية والأقوال الحكمية، وعلى ذلك فان عدم الصحة في نسبة تلك الأقوال الشعرية لا يقلل من شأن الغاية المعتمدة في ترجمتها، ومن ذلك تلك الأشعار المنسوبة إلى أوميرس التي ترجمها اصطفن بن بسيل (معاصر حنين بن إسحاق) وكلها من اللون الأيامبي. وقد وصلتنا في كتاب " منتخب صوان الحكمة " (٢) وعنه نقل بعضها الشهرستاني في الملل والنحل، وهي أقوال تولاها الدارسون المحدثون بالدراسة؟ كما سأعرض عند الحديث عنها في الفصل الخاص بأميرس - وردها إلى أصولها، وقد أصبحت تعرف بين هؤلاء الدارسين بأسم " الأقوال المناندرية " نسبة إلى شاعر يوناني اسمه مناندر (Menander) . ولدى ابن هندو صاحب كتاب " الكلم الروحانية في الحكم اليونانية " فصل يتضمن صورة من هذه الأقوال الشعرية. ونتقدم خطوة أخرى في هذه الترجمة العامدة للشعر حين نجد في كتاب " قطب السرور " للرقيق القيرواني (حوالي ٤٢٦) مقطعات شعرية؟ أقوالا - تنتمي كلها، بسبب طبيعة الكتاب (إذ هو في وصف الأنبذة والخمور) إلى الشعر الخمري، ولا تزال هذه القطع تتطلب مزيدا من البحث، لردها إلى أصولها، ومعرفة صاحب كل مقطوعة منها على التعيين. ٢ - مصادر الحكم النثرية: ليس من هذه الدراسة البحث في الحكم النثرية نفسها، ولكن التعرف إلى

стр. 10

مصادرها يعد أمرا ضروريا إلى درس ما جرى لهذه الحكم حين استغلت في الصور الأدبية العربية، وبخاصة عند إدراجها في الشعر. وقد لقيت هذه الحكم عناية واهتماما بالغين خلال العصور، لطبيعتها الإنسانية والأخلاقية، فلم يقتصر الاهتمام بها على طلاب الفلسفة، وإنما شمل بعض الدارسين ممن كان يقف من الفلسفة موقف الحذر أو الانكار، فأدرجت في كتب الأدب من مثل مؤلفات الجاحظ وعيون الأخبار لابن قتيبة والعقد لابن عبد ربه والمجتنى لابن دريد، حيث عقد فصلا مستقلا لأقوال الفلاسفة اليونانيين (١) ، كما نثر أبو حيان التوحيدي عددا كبيرا منها في كتابيه " البصائر والذخائر " و " الامتناع والمؤانسة " وفي كتب أخرى له لم تصلنا، ويبدو أن أبا حيان مر بمرحلتين: مرحلة النقل عن المصادر السابقة، في البصائر، وكانت معرفته بالثقافة الفلسفية لا تزال محدودة، ولذا فهو لا يسمي من الفلاسفة إلا قليلا، ويجعل تلك الأقوال مصدرة بقوله: " وقال فيلسوف " ومرحلة التعرف المباشر إلى الفلسفة عن طريق أبي سليمان المنطقي ومدرسته، كما يبدو ذلك واضحا في الامتناع. وفي محاضرات الراغب الأصفهاني عدد منها وإن لم يكن كثيرا، وعدد أكثر في التذكرة الحمدونية لابن حمدون، وقد جرى أسامة بن منقذ على منهاج ابن دريد في إفراد فصل خاص بها (٢) ، بعد أن نثر في تضاعيف كتابه " لباب الآداب " عددا منها، وربما كان ما ورد منها في " ربيع الأبرار " للزمخري معتمدا في أكثره على بصائر التوحيدي. كما اهتم بها المؤلفون في السياسة مثل أبي الحسن العامري في كتابه " السعادة والإسعاد " والطرطوشي في " سراج الملوك "، أو من جمع بين الموضوعين؟ اعني السياسة والأدب - مثل ابن هذيل الأندلسي في كتابه " عين الأدب والسياسة "، ومثل هذه المصادر لا تذكر على وجه الاستقصاء، فذلك أمر يبدو غير مستطاع، لضياع كثير من تلك المصادر، أو لوجود كثير منها في صورة خطية، بعيدة عن متناول الأيدي. فإذا تجاوزنا هذه المصادر الأدبية والسياسية بحثا عن المصادر الأصيلة لتلك الحكم وجدنا أن العناية بها مرت في مرحلتين: مرحلة الترجمة في الحقبتين المشار إليها آنفا

стр. 11

أعني فترة سالم الكاتب وفترة حنين بن إسحاق، على وجه لا يقبل الشك أن الحكم التي قالها الفلاسفة عند تابوت الاسكندر، كانت معروفة قبل حنين، وأن هذا ربما رجح ترجمتها في فترة سالم. وفي فترة حنين قام هو نفسه بترجمة كثير من الحكم وكذلك فعل ابنه إسحاق، وتلميذه اصطفن بن بسبيل، وأبو عثمان الدمشقي، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التنسيق والاستقصاء، وقد شغلت هذه المرحلة القرنين الرابع والخامس، والجهود التالية المبنية على ما بذل في هذين القرنين من جهد، وعلى ذلك يمكن ترتيب المصادر الأصلية لتلك الحكم على النحو التالي: ١ - كتاب نوادر الفلاسفة لحنين بن إسحاق: وصلنا برواية شخص اسمه محمد بن علي الأنصاري (١) ، وقد كان هذا المصدر المبكر أصلا معتمدا لدى المؤلفين في هذا الموضوع من بعد، وممن اعتمد عليه اعتمادا كبيرا ابن أبي أصيبعة كما أن مخطوطة كوبريللي (رقم: ١٦٠٨) تحتفظ بقسم كبير مما نقله حنين، بالإضافة إلى ما نقله إسحاق وغيرهما. ٢ - صوان الحكمة الذي يقرن باسم أبي سليمان المنطقي: لم يصلنا هذا الكتاب في صورته الأصلية، وإنما وصلنا في صورتين متفاوتتين، إحداهما تسمى: منتخب صوان الحكمة، والأخرى تسمى مختصر صوان الحكمة، وهذه الثانية من عمل زين الدين عمر ابن سهلان الساوي (٢) . وقد اعتمد مؤلف صوان الحكمة على عدة مصادر في طليعتها ما ترجم من أقوال الحكماء على يدي حنين ومدرسته (٣) . فقد أثبت الأستاذ رونتال (٤) أن الفصل عن تاريخ الأطباء في منتخب صوان الحكمة (٥) والمؤسس على مادة مأخوذة من

стр. 12

(John Philoponus) إنما كان من ترجمة إسحاق بن حنين، كما أن وصية فيثاغورس الذهبية (١) - حسب تقدير الأستاذ أولمان (٢) - إنما نقلها مترجم معاصر لحنين أو سابق له. ويقر مؤلف صوان الحكمة نفسه أن الأقوال المناندرية المنسوبة إلى أوميرس من ترجمة اصطفن بن بسيل تلميذ حنين (٣) . ووردت في ترجمة ديموقراطيس (٤) جملتان أوردهما الجاحظ؟ معاصر حنين - في رسالة التربيع والتدوير (٥) ، وقولة لزوسيموس وردت بين أقواله التي أوردها الجاحظ في كتاب الحيوان (٦) . ولا ريب في أن هناك مصادر أخرى اعتمدها مؤلف صوان الحكمة، ولكن الكشف عنها لا يتم إلا بعد مقارنة ما في هذا الكتاب بما جاء في غيره من أقوال الحكماء. وقد أفاد الشهرستاني من هذا الكتاب كثيرا في كتابه الملل والنحل في ما أورده من تلك الأقوال، كما أن صوان الحكمة كان أنموذجا لما جاء بعده من كتب في هذا الموضوع. ٣ - الكلم الروحانية في الحكم اليونانية لأبي الفرج ابن هندو: وما بين أيدينا منه صورة لم تنل حظها من التحقيق الدقيق كما أنها مؤسسة على مخطوطة ناقصة (٧) . ويمثل الكتاب مجموعة قيمة هامة من الحكم، بينها فصل عن شعر اليونان؟ كما تقدم القول - وفصل آخر عن الخرافات اليونانية. وتتميز بعض نصوص ابن هندو بدقتها إذا هي عورضت بالأصول اليونانية. ٤ - جاويدان خرد أو الحكمة الخالدة لمسكويه: يجمع أقوالا حكمية للفرس واليونان والعرب والهنود، ومع أن ما يخص اليونان منه لا يمثل إلا جزءا صغيرا فإنه هام للمقارنة مع سائر المجموعات، كما يبدو أنه اعتمد ما نقله حنين ومدرسته.

стр. 13

٥ - مختار الحكم للمبشر بن أضخم مجموعة لدينا من الأقوال الحكمية، ويتميز بمقدمات تحتوي معلومات بيوغرافية في أول كل ترجمة. ٦ - الأحاديث المطربة لابن العبري: للمؤلف كتاب بالسريانية يعرف بالقصص المضحكة، (وقد ترجمه بدج Budge إلى الإنكليزية) ، ولعل الأحاديث المطربة صورة وضعها بالعربية هو نفسه، وهو في ستة عشر فصلا وتحتل اليونانية الفصل الأول، وهذا النص نشره الأب لويس شيخو (١) . ٧ - روضة الأفراح ونزهة الأرواح لشمس الدين الشهرزوري، وهو لتأخر مؤلفه في الزمن يعتمد على المجموعات السابقة وخاصة على صوان الحكمة (٢) . ولا تتم صورة المصادر التي تورد الأقوال الحكمية دون العودة إلى أصول أخرى منها الكتب المؤلفة في تراجم الحكماء مثل كتاب ابن جلجل وطبقات الأمم لصاعد الأندلسي وتاريخ الحكماء للقفطي وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة، ومنها مجموعات لا يزال أكثرها مخطوطا، ونميز من بينها في هذا الصدد مخطوطة كوبريللي (١٦٠٨) والفاتح (٤٢٦٠) وآيا صوفيا (٥٣٢٣) وتمتاز الأولى من بينها بأنها جمعت القدر الأكبر من تلك الأقوال (٣) ، ويبدو أن ناسخها (أو جامعها الأول) قد اطلع على عدة صور من الحكم، ولهذا مثلا نجد أن حكم سقراط تجيء في غير موضع واحد، وكذلك هو حال النقل عن حنين وابنه اسحاق، وقد أدرج فيها عهد أردشير وحكم لسليمان بن داود مما يجعل بعض اجزائها غير قاصر على حكم يونان، ومن الهام أن أشير هنا إلى أن ما جاء فيها من حكم فيثاغورس وسليمان وابن سيرا (برسين في لباب الآداب) يتفق وما أورده أسامة في لباب الآداب (٤٤٣ - ٤٤٥) ، وإلى جانب هذه المخطوطات الثلاث رابعة بعنوان " مختار من كلام الحكماء الأربعة الأكابر (٤) " وهم فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، وقد قام الأستاذ غوتاس بتحقيقها والتعليق عليها في دراسته

стр. 14

التي تكررت الإشارة إليها، وقد اتضح للمحقق مدى صلتها بنص صوان الحكمة من أقوال الحكماء الأربعة، وأنها لا تعدو أن تكون رواية أخرى منه، قد أدخلت عليها بعض الإضافات، وأنها أقرب إلى مختصر الصوان منها إلى المنتخب، وأن جمعها قد تم على الأغلب في الثلث الأول من القرن الحادي عشر (١) . ولن يفوتنا هنا أن نذكر ذلك الفصل من أقوال الحكماء الذي ورد في كتاب " طب النفوس " لابن عقنين (١٢٢٦) وهو مؤلف بالعربية مكتوب بحروف عبرية، وقد حقق هذا الفصل وترجمه الأستاذ هالكن، وعليه كان اعتمادي في هذا البحث. أما الأقوال الحكمية التي رثى الحكماء بها الاسكندر فقد حاولت أن استقصي مصادرها الأدبية والتاريخية، وقد أفردتها في ملحق خاص بها (انظر الملحق الثاني) فلهذا لا حاجة بي إلى التنويه بأهم مصادرها في هذا المقام. ٣ - مصادر الفكر السياسي: سيتضح في هذه الدراسة أن الفكر السياسي اليوناني كان من أهم المواد التي عني الأدباء بالإفادة منها في مختلف الأشكال الأدبية، وفي مقدمة ذلك الرسائل المنحولة لارسطاطاليس، والأخرى المنحولة لأفلاطون. ويتفق الفكر السياسي في كثير من مصادره مع الأقوال الحكمية. ففي صوان الحكمة ومختار الحكم مثلا أقوال كثيرة تتصل بذلك الفكر. وربما كانت المخطوطات الاستانبولية الثلاث؟ المشار اليها من قبل - من أهم المصادر التي حفلت بالنصوص السياسية، كما أن المؤلفات ذات الطابع السياسي الأخلاقي مثل السعادة والإسعاد وسراج الملوك مصدر طبيعي لها. ولا يزال الفكر السياسي بحاجة إلى عناية من تحقيق ودرس، وقد نشرت بعض الرسائل في " مقالات فلسفية قديمة " لشيخو، وفي الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي، ويضم هذا الكتاب عهودا ثلاثة منسوبة لأفلاطون من صنع ابن الداية (وقد أعاد نشرها عمر المالكي بعنوان " الفلسفة السياسية عند العرب " دون أن يشير إلى ما

стр. 15

صنعه الدكتور بدوي) وكتاب سر الأسرار المنسوب لارسطاطاليس. ٤ - مصادر الخرافات والأمثال: في اللقاء بين الأدبين على مستوى الأمثال والخرافات، وبخاصة الحكايات على ألسنة الحيوانات، كان لا بد من العودة إلى ثلاثة أنواع من المصادر (أ) كتب الحيوان ككتاب الجاحظ وكتاب الدميري، وليس لدى الجاحظ ميل كبير إلى هذه الخرافات، أما الدميري فإنه يعتمد في هذه الخرافات على مصادر سابقة، (ب) كتب الأمثال، وتحتفظ بعض مصادر الأمثال المبكرة بخرافات قليلة تتصل اتصالا مباشرا ببيئة الجاهلية، ولكن منذ حمزة الأصفهاني يبدو الاهتمام بهذه الخرافات أكثر فقد أفرد في أواخر كتابه " الدرة الفاخرة " فصلا خاصا بها. وتمثل أمثال العامة ذخيرة هامة في هذا المجال، ولهذا كان لابد من الاعتماد على ما أورده الثعالبي منها في " التمثيل والمحاضرة " وما أورده الابشيهي في المستطرف، (ج) كتب الأدب، فقد ورد منها في العقد " جانب. إن لم يكن كثيرا، كما أن التوحيدي؟ الذي أهتم كثيرا بأدب العامة وأمثالهم - قد أورد منها في البصائر عددا غير قليل. واقتفى الراغب الأصفهاني خطوات حمزة فأفرد لها في أواخر محاضراته بابا خاصا، وكذلك فعل أبن الجوزي في كتاب أخبار الأذكياء، وقد حرصت على أن أبعد من هذه الحكايات ما ورد منها في كليلة ودمنة وغيره من المصادر الفارسة مثل " مرزبان نامه " وصنوه " فكاها الخلفاء "، وإذا تجاوزنا هذه المصادر الرئيسية وجدنا هذه الخرافات تستأثر باهتمام ابن هندو فيعقد لها فصلا في كتابه " الكلم الروحانية " وهي تلك الخرافات المترجمة عن يونان، وفي هذا السياق يقع أيضا جهد أبن بطلان فيما يتعلق بالحكايات التي أوردها في رسائله، والتي نقل عنه القفطي بعضها في أخبار الحكماء. واضح أذن أن المثقفين كانوا يعرفون أن بعض الحكايات ترجم مباشرة عن اليونانية، وبعضها الآخر قديم لا يعرف أصله، ولهذا جرى عرض هذه الخرافات على قصص إيسوب وبابريوس وفايدرس، وعلى الخرافات البابلية واليهودية، من أجل المقارنة، واستيفاء متطلبات هذه الدراسة.

стр. 16

تلك نظرة عاجلة لا تستطيع أن تصور تماما طبيعة المصادر الضرورية في سياق هذه الدراسة، ولكنها تعطي لمحة عنها، على أن نتذكر أن الحاجة إلى مصادر فرعية، كانت دائما ضرورية. وقد أفدت في دراستي هذه من بحوث عدد كبير من الدارسين الغربيين (ممن أثبت أسماءهم وأسماء بحوثهم في ثبت المراجع) ووجدت الكثير من العون في تعليقاتهم وآرائهم، ولولا خطواتهم في هذا الميدان، لكان لهذه الدراسة شأن آخر.

стр. 17

" ١ " موقف العرب من الشعر اليوناني ومدى معرفتهم به إذا وضع الدارس أمام عينيه فرضية مريحة؟ مرهونة بما استكشف حتى اليوم من مصادر - مفادها أن العرب لم يترجموا شعرا يونانيا، ومن ثم لم يتأثر أدبهم بذلك الشعر، لم يبق عليه إلا أن يحشد الأسباب التي أدت إلى ذلك، وخاصة إذا كان هذا الدارس ينظر نظرة مقارنة إلى ما تم في عصور الترجمة من نقل للفلسفة اليونانية وعلوم يونان. فقد يجد؟ وهو محق في ذلك - أن العرب كانوا يرون لهم في شؤون الشعر والبلاغة والفصاحة تفوقا يميزهم عن سائر الأمم، سواء أكان لهذا الشعور ما يسوغه أم لا، وأنهم لذلك كانوا يشعرون أن لا حاجة بهم إلى أخذ تراث الأمم الأخرى، خضوعا لهذا اللون من الاكتفاء الذاتي. ثم إن الأدب اليوناني، سواء أكان بطوليا أو مسرحيا أو غنائيا، كان يتكئ على تراث وثني، يتعارض تماما والتوحيد الصارم، ولهذا لم يكن في الإمكان ترجمته، فإذا ما ترجم منه شيء؟ مهما يكن قليلا - فلا بد من تحويره ليتفق والروح التوحيدية. ولما كان العرب يعتقدون أن تميزهم يرجع في الدرجة الأولى إلى القدرة على التعبير، ولما كان عصر الترجمة قد واكب ظهور الشعوبية التي تعيب على العرب تخلفهم في شتى الميادين، لم يشأ هؤلاء العرب أن يقروا بحاجتهم إلى معرفة ما لدى الأمم الأخرى من أدب، فإن مثل هذا الإقرار يسلبهم أبرز أنواع التفوق، أعني الميدان الأدبي. ومما يدل بقوة على أن العرب لم يترجموا الآثار اليونانية الكبرى في الأدب، ما تم

стр. 18

لديهم حينما ترجموا " كتاب الشعر " الذي يستند على شواهد أدبية، فقد وضح بقوة أن التراجمة والمعلقين على هذا الكتاب من أمثال أبي بشر يونس بن متى والفارابي وابن سينا وابن رشد وحازم القرطاجني، قد عجزوا عن فهم ما فيه من مصطلح وعن الإفادة الصحيحة من قواعده وأحكامه، لأنه لم يكن لديهم أمثلة مترجمة؟ وبالتالي أمثلة أصلية - تدلهم على مفهوم الملحمة أو المأساة. وفي إبان عصر الترجمة، قرر الجاحظ مبدأ يعد ذا حظ كبير من الصواب، إلا أنه رغم ذلك شديد الخطورة، وذلك هو أن " الشعر لا يستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب (١) " ومثل هذا المبدأ من شأنه أن ينفر الناس من ترجمة الشعر إلى العربية، أو يجعل أية محاولة في هذا السبيل قليلة الجدوى، وقد بقي هذا الرأي حيا على الزمن، حتى ردده أبو سليمان المنطقي في (القرن الرابع) حين قال: " ومعلوم أن أكثر رونق الشعر ومائه يذهب عند النقل، وجعل معانيه يتداخلها الخلل عند تغيير ديباجته (٢) "، ولكنه لم يكن حائلا دون الترجمة في كل وقت، وإنما اصبح عذرا للمترجم واعتذارا عن الشعر المترجم، إذا هو بدا؟ حقا - فاقد المائية والرونق في شكله النثري. وقرن الجاحظ إلى مبدأه ذاك مبدأ آخر حين أعلن أن " فضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب (٣) "، ولعل هذا الحسم لا يتجشمه إلا من اطمأن من نفسه إلى معرفة واسعة بعدة لغات؟ أو على الأقل باللغات المشهورة في عصره، وهبنا فهمنا أن " فضيلة الشعر " هنا تعني " فضيلة إتقان الشعر " أي البلوغ فيه إلى درجة لا مثيل لها في اللغات الأخرى، فإن هذا المبدأ أيضا حجاب دون شعر الأمم الأخرى، وربما حمل في ذاته، إلى الشعور بالاستعلاء في هذه الناحية، تثبيطا لمن حاول أن يعرف ما لدى تلك الأمم من شعر. ثم إن قصر " فضيلة الشعر على العرب " أمر داخل فيما أصبح يسمى المميزات الفارقة

стр. 19

لكل أمة على حدة، وهو شيء يأخذ بالظاهر الأغلب، وعن ذلك عبر صاحب الامتناع والمؤانسة حين قال: " فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم والعلم والحكمة، وللهند الفكر والروية والسحر والأناة، وللترك الشجاعة والإقدام، وللزنج الصبر والكد والفرح، وللعرب النجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان (١) ". ومن أطراف ما يمر به المرء متصلا بهذا الموضوع ما ورد في رسالة السياسة العامية المنسوبة إلى ارسطاطاليس فإن الكاتب يقرن فيها بين العرب والهند في مميزات شتى منها: أنهم على السنة " ولهم الكرم والمروءة والأنفة وبذل الأموال والصبر في اللقاء ولزوم الغيرة والمعرفة بالشعر والسعة في الكلام؟ " ثم ينصح الإسكندر بإن يكثر لهم من المخاطبة " فإنهم يأنسون باللفظ ويميلون إلى حسن الكلام "، ويملي عليه كتابا يكتبه إليهم وفيه: " واعلموا أن الشعر جزء من أجزاء كثيرة من الحكمة فتنازعوا على طلب الحكمة (٢) .. "، وفي هذا ما فيه من إقرار اليونانيين أنفسهم بما للعرب من تفوق في هذه الناحية، إلا أنها مفردة لا بد من موازنتها بسائر أجزاء الحكمة، وهذا ما يفسر؟ أو يسوغ - إقبال العرب على ترجمة حكمة اليونانيين والفرس، تتميما واستكمالا لما ينقصهم، حسبما تمليه هذه النصيحة المنسوبة لارسطاطاليس. ولا ريب في أن موقف الجاحظ كان ينبع من إيمانه العميق بإن العرب ذوو حظ متفرد في البلاغة، وفيهم نزل القرآن لما أوتوا من ذوق أدبي رفيع، وربما زاد من تمسكه بهذه النظرة أمران: أولهما بعض النماذج الأدبية المترجمة، وهذه؟ مهما يكن حظها من الروعة في لغتها الأصلية - تفقد كثيرا من روائها وروعتها حين تقرأ في غير لغتها، والثاني أن الجاحظ كان يتخذ من هذه الفكرة سندا يدافع به عن العرب، ضد الشعوبية، وبه يثبت فضل العرب وتميزهم عن سواهم من الأمم، ويرى في شعرهم " ديوانا " كاملا للمعارف الإنسانية، ويسوءه؟ من ثم - أن يرى كتاب عصره - مدفوعين بروح معادية للعرب وتراثهم - يبحثون عن ثقافتهم في كتاب مزدك ودفتر كليلة ودمنة وأمثال بزرجمهر (٣) .

стр. 20

ولا أظنه غاب عن الجاحظ أن كل أمة كانت ذات نصيب من الأدب والشاعر، وأن اليوان - بالذات - كان لديهم شعرهم الخاص بهم، وهو الذي يروي أن زوسموس اليوناني سئل كيف يعلم الناس الشاعر، وهو ليس بشاعر، فأجاب: زوسيمون كالمسن الذي يشحذ ولا يقطع (١) . وحين يبتعد شبح الشعوبية، يصبح الإقرار بحظ الشعوب الأخرى من الشعر والأدب جملة أمرا طبيعيا، يقول الزبير بن بكار: (٢٥٦/٨٢٩) كان لي غلام يسوق أهجنا لي ويرطن بالزنجية شيئا يوقع عليه شبه شعر، فمر بنا رجل يعرف لسانه، فاستمع له ثم قال، إنه يقول: فقلت لها أنى أهتديت لفتية ... أناخوا بجعجاع قلائص سهما فقالت كذاك العاشقون ومن يخف ... (٢) عيون الأعادي يجعل الليل سلما والشاهد أن ذلك الغلام الزنجي كان يتغنى بكلم موزون في لغته، فأما الترجمة لما قال، فإنها تومي إلى تقارب بين المعنيين، في أغلب الظن، لا أنها ترجمة دقيقة. وفي عصر الجاحظ نفسه سمع حنين بن إسحاق (٢٦٠/٨٧٣) ذات مرة ينشد شعرا بالرومية لأوميرس رئيس شعراء يونان (٣) ، ولا ريب في أن الذي سمعه وأدرك أنه يتغنى بشعر، وأن الشعر إنما كان لأوميرس، كان يشارك حنينا في الاطلاع على شيء من الشعر اليوناني في لغته الأصلية. وإلى حنين وغيره من التراجمة يعود الفضل في اتساع المعرفة؟ نسبيا - بدور اليونان في الشعر، حتى إذا بلغنا إلى الفارابي وجدنا أن تلك المعرفة بلغت حدا من السعة لم تتجاوزه من بعد إلا قليلا. ويعتمد الفارابي في أحكامه نظرة موضوعية مقارنة، فهو وقف على أشعار كثير

стр. 21

من الأمم (١) لا على أشعار العرب واليونان وحسب، فعرف أن العرب يعنون بنهايات الأبيات أكثر من سائر الأمم الأخرى، وأنهم لا يجعلون التلحين أو النغم المرافق للإنشاد جزءا من الشعر نفسه، بينما تفعل ذلك بعض الأمم الأخرى، فإذا قرئت أشعارها دون اللحن بطل وزنها (٢) ، ويتطرق الفارابي من ذلك إلى مشكلة أخرى وهي: إذا تمت عناصر التخيل في القول ولكنه لم يبن على وزن وإيقاع محدد، فهل يسمى شعرا؟ ويجيب على ذلك بقوله: إنه لا يعد شعرا وإنما هو: قول شعري (٣) . ويقارن بين الوزن في الشعر العربي والشعر اليوناني فيرى كلا منهما قائما على وحدات تعرف عند العرب بالأسباب والأوتاد وعند اليونانيين بالمقاطع والأرجل (٤) . وإذا تناولنا الفارابي أصناف الشعر وجد أنها إما أن تتنوع من ناحية الأوزان أو من ناحية المعاني، وهو على وعي بأن العلماء المعاصرين له الذين تحدثوا عن أشعار العرب والفرس تناولها من ناحية المعاني فقسموا الأشعار إلى الأهاجي والمدائح والمفاخرات والألغاز والمضحكات والغزليات (٥) ، وما ذلك إلا لأن الشعراء في جميع الأمم خلطوا أوزان أشعارهم بأحوالها، أي أنهم نظموا في المديح أو الرثاء على عدة أوزان، وانفرد اليونان بين الأمم بأن خصصوا لكل موضوع وزنا مستقلا، فوزن المدائح غير وزن الأهاجي، ووزن الأهاجي غير وزن المضحكات (٦) ، فإذا قلنا إن من أنواع الشعر اليوناني الطراغوذيا والقوموذيا كان معنى ذلك أن الطراغوذيا يشمل موضوعا ووزنا يحددان طبيعته ويميزانهعن القوموذيا. وقد عد الفارابي من أنواع الشعر اليوناني ثلاثة عشر نوعا منها الطراغوذيا وديثرمبي وقوموذيا وإيامبو وأفيقي (Epic) وريطوري (٧) ، وعرف كل نوع منها، فكان مما قاله في تعريف الطراغوذيا: هو نوع من الشعر له وزن معلوم يلتذ به كل من سمعه من

стр. 22

الناس أو تلاه، يذكر فيه الخير والأمور المحمودة المحروص عليها ويمدح بها مدبر والمدن، وكان الموسيقاريون يغنون بها بين يدي الملوك، فإذا مات الملك زادوا في أجزائها نغمات أخرى وناحوا بها على أولئك الملوك. وفي تعريف ديثرمبي قال: نوع من الشعر له وزن ضعف وزن طراغوذيا يذكر فيه الخير والأخلاق الكلية المحمودة والفضائل الانستنية، ولا يقصد به مدح ملك معلوم ولا إنسان معلوم لكن تذكر فيه الخيرات الكلية؟ وأما أيامبو فهو نوع من الشعر له وزن معلوم تذكر فيه الأقاويل المشهورة سواء كانت تلك من الخيرات أو الشرور، بعد أن كانت مشهورة مثل الأمثال المضروبة. وكان يستعمل هذا النوع من الشعر في الجدال والحروب وعند الغضب والضجر (١) . وقد خلص الفارابي من دراسته هذه إلى أن ما شعر به أهل اللسان العربي من القوانين الشعرية بالإضافة إلى ما جاء في كتاب الشعر لأرسطو وفي كتاب الخطابة له أيضا إنما هو نزو يسير (٢) ، وإذا كان هذا في ظاهره حكما على عدم اتساع النظرية النقدية عند العرب، فلا بد أن يكون حكما غير مباشر على الشعر نفسه، فقد ذهب الفارابي، وتابعه ابن رشد؟ من تصورهما الخاص لمعنى قيام الشعر اليوناني على الخير والتحبيب به ودفع الشر والتنفير منه - إلى أن الشعر العربي في أكثره منغمس في النهم والكرية (٣) وزاد ابن رشد قوله: وذلك أن النوع الذي يسمونه النسيب إنما هو حث على الفسوق، ولذلك ينبغي أن يجنبه الولدان، ويؤذبون من أشعارهم بما يحث فيه على الشجاعة والكرم، فإنه ليس تحث العرب في أشعارها من الفضائل على شيء سوى هاتين الفضيلتين، وإن كانت ليس تتكلم فيهما على طريق الحث عليهما وإنما تتكلم فيهما على طريق الفخر (٤) . وقال في موضع آخر: ولكون أشعار العرب خلية من مدائح الأفعال الفاضلة وذم النقائض أنحي الكتاب العزيز عليهم (٥) .

стр. 23

وفي المائة سنة التي تلت وفاة الفارابي (٣٣٩/٩٥٠) تواجهنا ظاهرة تلفت النظر حقا، وهي زيادة الاهتمام بأدب الحكمة اليوناني: كان قسم كبير من هذا الأدب قد ترجم في فترة مبكرة، فكان هم المثقفين في الحقبة التي أشير إليها أن يجدوا النظر فيما كان قد ترجم، وأن يعيدوا إبرازه، أو أن يترجموا أشياء جديدة لم تكن قد ترجمت من قبل (١) . وهنا علينا أن نلحظ أمرا هاما راعاه أولئك المثقفون أو بعضهم، فإنهم كانوا حريصين على الفصل بين أدب الحكمة وبين الشعر، كذلك فعل أبو سليمان المنطقي في الفصل الذي عقده لاوميرس (٢) ، وعلى ذلك جرى ابن هندو في " الكلم الروحانية " فإنه بعد أن نسب الأقوال الحكمية لكل فيلسوف على حدة، عقد فصلا خاصا بعنوان " مما نقل من أشعارهم إلى العربية (٣) "، ومن بعد تلك الحقبة التزم الشهرستاني (٥٤٨/١١٥٣) بهذا المبدأ، وخاصة في ترجمة أوميرس، جريا على ما أختطه أبو سليمان (٤) . وقد كان لهذا الفصل بين النوعين قيمة محدودة ذلك لأنه دل بأمانة على مصادر الترجمة، ولكن طبيعة الشعر المترجم، كانت شديدة الشبه بالأقوال الحكمية، حتى ليمكن القول إن هذا الشعر لم يترجم إلا لأنه كان يمثل وجها من وجوه الحكمة اليونانية، وأن روعته الشعرية لم تكن هي لحافز الأول على الاهتمام به. وإذا كانت تلك النماذج الشعرية قد أثبتت أن الشعر لم يكن مقصورا على العرب، فإنها لم تزد على أن أكدت أن اليونان قوم حكماء، وأن حكمتهم لا تقل في أهميتها عن " أدب " الفرس. من هنا يتبين لنا أن طلاب الثقافة اليونانية وقعوا في دائرتين مغلقتين، فهم إما عرفوا منزلة اليونان في الشعر، وبعض النماذج الشعرية، عن طريق كتابي الشعر والخطابة لارسطاطاليس وما حولهما من شروح كشرح ثامسطيوس، وإما عرفوا أقوالا شعرية؟ غير دقيقة النسبة - لا تفترق في كثير عن الحكم. ولا نعرف أحدا استطاع أن يخرق هاتين الدائرتين سوى أبي الريحاني البيروني (بعد ٤٤٢/١٠٥٠) وسبب ذلك أن أبا الريحان لم يقع كما وقع الفارابي وابن سينا وابن رشد ضحية لنماذج أدبية لا يعرفها، كما يقع من يقرأ " كتاب الشعر " دون أن يعرف حقيقة المأساة والملهاة مثلا، وإنما كانت

стр. 24

مصادره علمية تستشهد بالأدب، وعلى هذا قد تكون معرفته بالأدب اليوناني عارضة، ولكنها؟ في النهاية - معرفة دقيقة لارتباطها بالحقائق العلمية. بل لعل طبيعة الموضوعات التي عالجها البيروني في كتابيه " تحقيق ما للهند من مقولة " و " الآثار الباقية عن القرون الخالية " هي التي جعلته ينطلق إلى جذور الأدب اليوناني، لا إلى الأدب وحسب، وأعني بذلك الأسطورة اليونانية نفسها، وهي التي تحاشاها كل من كتب قبله، لأنها قد تتعارض والإيمان بالتوحيد. ولعل بعض الأمثلة التالية يوضح ما أعنيه: (١) ولدزوس (Zeus) في جبل ديقطاون (Dicte) في قريطي (Grete) حيث كانت والدته تخبؤه من أبيه قرونس (Gronus) لئلا يبتلعه كما ابتلع غيره، ثم ما في التواريخ المشهورة من تزوجه بالنساء المعروفات واحدة بعد أخرى وإحبال بعض منهن مغصوبات غير منكوحات، ومنها أورفة (Europa) بنت فونيكوس (Phoenix) الذي أخذها منه أسطارس (Asterius) ملك اقريطي وأولدها بعده مينوس (Minos) وردمنتوس (Rhadamanthys) وذلك بعد زمان خروج بني اسرائيل من التيه إلى فلسطين، وما ذكر أنه مات بأقريطي ودفن بها في زمان شمسون الاسرائيلي، وله سبع مائة وثمانون سنة، وأنه سمي زوس لما طال عمره بعد أن كان يسمى ديوس (Deus) وأن أول من سماه بهذا الأسم ققرفس (Gecrops) الملك بأثينية؟. (١) . (٢) إن نقطانيبوس (Nectanebus) ملك مصر لما هرب من أردشير الأسود واختفى في مدينة ما قيدنيا (Macedonia) يتنجم ويتكهن، احتال على اولمفيذا (Olympias) أمرأة بيلبس (Philippus) ملكها وهو غائب حتى كان يغشاها خداعا ويري نفسه على صورة أمون الإله في شبح حية ذات قرنين كقرني الكبش إلى أن حبلت بالأسكندر، وكاد بيلبس عند رجوعه أن ينتفي منه وينفيه، فرأى في المنام أنه نسل الإله آمون، فقبله وقال: لا معاندة مع الآلهة (٢) . (٣) فإن اراطس (Aratus) يقول في ظاهراته ورموزه على البرج السابع: تأمل

стр. 25

تحت رجلي البقار؟ أي العواء - في الصور الشمالية العذراء التي تأتي وبيدها السنبلة المنيرة؟ يعني السماك الأعزل - وهي إما من الجنس الكوكبي الذي يقال إنه أبو الكواكب لبقديمة، وإما متولدة من جنس آخر لا نعرفه، وقد يقال إنها كانت في الزمن الأول مع الناس في حيز النساء غير ظاهرة للرجال، واسمها عندهم العدل (Justice) وكانت تجمع المشيخة والقوام في المجامع والشوارع، وتحثهم بصوت عال على الحق، وتهب الأموال التي لا تحصى، وتعطي الحقوق، والأرض حينئذ تسمى ذهبية، وما كان أحد من أهلها يعرف المراء المهلك في فعل أو قول، ولا كان فيهم فرقة مذمومة، بل كانوا يعيشون عيشا مهملا، وكان البحر مرفوضا غير مركوب بسفن، وإنما كانت البقر تأتي بالمير. فلما أنقرض الجنس الذهبي وجاء الجنس الفضي عاشرتهم غير منبسطة، واختفت في الجبال غير مخالطة للنساء كما كانت من قبل، ثم كانت تأتي عظام المدن وتنذر أهلها وتعيرهم على سوء الأعمال وتلومهم على إفساد الجنس الذي خلفه الآباء الذهبيون وتخبرهم بمجيء جنس شر منهم، وكون حروب ودماء ومصايب عظيمة، فإذا فرغت عنهم إلى الجبال، إلى أن انقرض الفضيون، وصار الناس من جنس نحاسي، فإستخرجوا السيف الفاعل للشر، وذاقوا لحم البقر، وهم أول من فعل ذلك، فأبغضت العدل (Justice) جوارهم، وطارت إلى الفلك: وقال مفسر كتابه: إن هذه العذراء هي بنت زوس وكانت تخبر الناس في المجامع بالشرائع العامية، والناس حينئذ خاضعون للحكام، غير عارفين بالشر والخلاف، لا يخطر ببال أحد منهم شغب ولا حسد، يعيشون من الحرث ولا يسلكون البحر في تجارة أو حرص، وهم على طبيعة في الصفاء كالذهب، فلما انتقلوا من تلك السيرة وصاروا غير حافظين للحق لم تعاشرهم العدل، ولكنها كانت تشاهدهم وتسكن الجبال، فإذا أتت محالفهم بكراهة هددتهم، لأنهم كانوا ينصتون لقولها كآبائهم، ومن أجل ذلك لم تكن تظهر للذين يدعونها كما كانت تفعل أولا، فلما أتى الجنس النحاسي بعد الفضي واشتبكت الحروب ونشأ الشر، عزمت على أن لا تكون معهم البتة وأبغضتهم وصارت إلى الفلك (١) . (٤) ومن أساطير اليونانيين أن أيفسطس (Hephaestus) عشق أثينا (Athene) وراودها فدافعته حفظا للعذرة، واختفى لها في بلاد أثنية، وأراد القبض عليها فطعنته

стр. 26

بحربة حتى تركها، وأرسل النطفة على الأرض فكان منها أرقتونيوس (Erichthonius) وأنه جاء على عجلة مثل رخ الشمس ومعه ممسك الأعنة (the Gharioteer) راكب (١) . لقد كانت الأسطورة هي الحجاب الكثيف دون فهم الشعر اليوناني وتذوقه، ترى لو أنها وجدت؟ في تاريخ مبكر - تسامحا في التقبل كالذي فعله البيروني، هل كانت تؤدي إلى لقاء من نوع آخر بين الأدبين اليوناني والعربي؟ ويختلف البيروني عمن سبقه اختلافا جوهريا، لعله من أثر اطلاعه على أساطير يونان والهند، وإجراء المقارنات بينهما، وذلك أنه لم يحاول أن يسخر حكمة اليونان وأدبهم، أو يحورهما، في سبيل خدمة التوحيد، إى قليلا كأن يعتقد أن ما يسميهم الحنفاء آلهة إنما هم الملائكة؟ نقلا عن أفلاطون في طماوس (٢) - إذ كان يعرف أن زوس مثلا يجمع عندهم بين البشرية وما لا يتصل بالبشرية، ويقرأ في افتتاح كتاب اراطس في الظاهرات قوله في تمجيد زوس: وأنه الذي نحن معشر الناس لا ندعه ولا نستغني عنه، ملأ الطرق ومجامع الناس، وهو رؤوف بهم مظهر للمحبوبات، ناهض بهم إلى العمل، مذكر بالمعاش، مخبر بالأوقات المختارة للحفر والحرث (٣) ؟. " ويردد مع جالينوس قوله: " نحب أن نعرف أي زوس عنى اراطس: الرمزي أم الطبيعي لأن اقراطس الشاعر سمى الفلك زوس (٤) ؟ "، أما من عداه، فأنهم لخضوعهم لفكرة التوفيق بين الدين والفلسفة سارعوا إلى اكتساب المفهومات اليونانية معاني إسلامية توحيدية، ذلك شيء يكاد يكون عاما في الفلسفة، غير أنه امتد أيضا إلى الأدب نفسه، ولعل القول الذي اقتبسه أبو سليمان المنطقي من أوميرس يوضح ذلك، فقد قال أوميرس: " لا خير في كثرة الرؤساء (٥) "، وهو قول يعود إلى الالياذة (٢٠٤٠٢) وإن كان ناقصا. (٦)

стр. 27

وحين يعلق عليه المنطقي؟ ويتابعه في ذلك الشهرستاني - بقوله " وفي هذا كفاية لمن تأمل ريع هذه الكلمة واحتواها على معان جليلة جعلها كل من تكلم في التوحيد من الفلاسفة والمتكلمين بعده قدوة وعمدة فيما أثبتوه من ذلك " (١) نعلم أن المعنى اتخذ في خدمة غرض غير الذي وضع له، ومن الطبيعي تبعا لهذا المنهج طمس أكثر الدلالات الوثنية عند نقل الأشعار اليونانية، وربما لم يبق من هذه الدلالات إلا إثارة باهتة هنا وهنالك، كما في هذا القول المنسوب إلى أوميرس: " إن المغلوب من قاتل الله البخت (٢) ". وقد كان من أثر النظر إلى الشعراء اليونانيين والشعر اليوناني من خلال منظار الحكمة، نشوء تصورات خاصة بالشعراء أنفسهم، فليس شعرهم في معظمه حثا على الفضائل وحسب، وإنما هم أنفسهم أيضا ذوو منهج سلوكي خاص، فهم يترفعون عن الإسعاف في المهاترة، ويوجهون الأقوال اللاذعة عن طريق التلميح والتمثيل، وهذا هو معنى قول ابن بطلان: " بلغنا عن شعراء اليونانيين أنهم كانوا إذا راموا في الهجاء إمضاء عزيمة القوة الغضبية لم يخرجوا بذلك عن تدبير الناطقة (٣) ". ثم إن اتقان البيروني للغة السنكريتية منحه بعدا جديدا في النظر، فهو شغوف بإجراء المقارنات بين الهنود واليونان والعرب، كلما وجد إلى ذلك سبيلا، غير أنه لم يتحدث عن قواعد الشعر أو أصول البلاغة عند الهنود وإنما وقف وقفة طويلة عند علم العروض، لأهمية هذا العلم عندهم، إذ يجعلون كتبهم في سائر العلوم منظومة حتى يسهل استظهارها (٤) ، وكما عمل العرب " من الأفاعيل قوالب لأبنية الشعر وأرقاما للمحرك منها والساكن يعبرون بها عن الموزون، فكذلك سمى الهند لما تركب من الخفيف والثقيل

стр. 28

بالتقديم والتأخير وحفظ الوزان في التقدير دون تعديد الحروف ألقابا يشيرون بها إلى الوزن المفروض (١) "، والبيت الشعري عند الهنود يتكون كما في العربية من شطرين، يسمى كل واحد منهما رجلا " وهكذا يسميها اليونانيون أرجلا (٢) "، ويثني البيروني من ثم على الخليل بن أحمد لأنه كان موفقا في الاقتضابات، ولكنه لا يستبعد أن يكون الخليل قد سمع عما لدى الهند من موازين شعرية، كما ظن به عض الناس (٣) . وصلة الخليل بالثقافات الأجنبية؟ سواء أكانت هندية أو يونانية - موضوع تحوم حول الظنون، ولم يكن البيروني منفردا في الإشارة إليه. ولعل الأسطورة التي رواها الزبيدي إنما هي تعبير غير مباشر عن الظن في أنه كان يعرف اليونانية، فقد قال الزبيدي: " ويروى أن ملك اليونانية كتب إلى الخليل بن أحمد كتابا باليونانية، فخلا بالكتاب شهرا حتى فهمه، فقيل له في ذلك، فقال: قلت إنه لا بد من أن يفتتح الكتاب ببسم الله أو ما أشبهه، فبنيت أول حروفه على ذلك، فاقتاس لي (٤) ". ولما تحدث شمس الدين محمد بن ابراهيم بن ساعد الانصاري أستاذ الصفدي عن عروض الشعر اليوناني، قدر أن الخليل ربما وصل إلى علمه شيء من عروض يونان (٥) . وبعد اليروني وابن بطلان قل أن نجد رغبة أصيلة في الكشف عن منابع جديدة في أدب يونان، فإذا التقينا دارسا مخلصا للمعرفة كالشهرستاني (٥٤٨/١١٥٣) وجدناه يتكىء على مصادر القرنين السابقين، وليس الحديث عن الشعر اليوناني عنده إلا مكملا للصورة العامة التي يريد رسمها للفكر اليوناني، وقد أصاب الشهرستاني حين ذكر أن وجود الشعر في أمة يونان كان قبل الفلسفة (٦) ، ولكنه خالف كل من تقدمه في قوله إن الشعر اليوناني لا يعتمد على وزن، وأن الوزن ليس ركنا في الشعر عندهم " بل الركن في الشعر إيراد المقدمات المخيلة فحسب، ثم قد يكون الوزن والقافية معينين

стр. 29

في التخيل (١) "، وقد تقدم رأى الفارابي في هذا الموضوع، وهو حتما أدق مما قاله الشهرستاني. وقد أصبح ما أورده ابن سينا في كتاب " الشفاء " عن الشعر والخطابة أهم مرجع للدارسين الذين يعنون بالثقافة اليونانية. فعلى ذلك الكتاب اتكأ صاحب لابن الأثير (٦٣٧/١٢٣٩) وهو يحاوره في شؤون النقد والبلاغة، واستنتج ابن الأثير حين أطلع عليه أن كل الذي ذكره ابن سينا " لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا "، يقول ابن الأثير: " ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي ابن سينا في الخطابة والشعر، وذكر ضؤوبا من ضروب الشعر اليوناني يسمى اللاغوذيا (لعلها: طراغوذيا) وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي، ووقفني على بعض ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا (٢) ". وواضح أن ابن الأثير لم يدرك أن أبن سينا يعرض كتابا يونانيا أو كتابين يونانيين وأنه لا ينشىء قولا في الشعر من عند نفسه، ثم إنه جمع بين الخطأ والصواب في جملة واحدة حين قال: " لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا " فهو ليس لغوا، ولكن صاحب الكلام العربي لا يستطيع حقا الإفادة منه لأنه لم يكن لديه ذلك النوع من الشعر المسمى " طراغوذيا ". غير أن ابن الأثير أساء فهم ما قرأه من وجه آخر، فهو قد ظن أن الإنشاء الشعري يقوم على نحو منطقي من متقدمين ونتيجة، وأعاد إلى الذهن ذلك الصراع القديم بين الشعر والمنطق حسبما أوجزه البحتري في قوله: كلفتمونا حدود منطقكم ... الشعر يغني عن صدقه كذبه ولهذا نجده يقول: " بل أقول شيئا آخر وهو أن اليونان أنفسهم لما نظموه

стр. 30

من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ونتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر (١) ". فإذا انتقل ابن الأثير إلى ميدان آخر ذي شواهد واضحة فارقته غلواؤه، وهذا الميدان هو الأدب الفارسي، ففي معرض حديثه عن الفرق بين الشاعر والناثر، وأن الأول إذا قال قصيدة من مائتي بيت أو أكثر لا يجيد في كل بيت، وأن الكاتب مهما يطل فهو مجيد في كل ما يأتي، التفت إلى الشعر الفارسي فقال: " وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها. فإن شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا، وهو شرح قصص وأحوال ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بشاهنامه، وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحائهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر (٢) ". وليس هذا موضع مناقشة ابن الأثير في المقارنات المختلة التي يجريها هنا، وإنما أوردت ذلك للدلالة على أنسه بالمعرفة لما يجري عند الفرس، حين كان صيت الشاهنامه ذائعا، والبنداري قد ترجم بعضها إلى العربية (بين ٦١٥ - ٦٢٤) ، ونفرته من الأدب اليوناني، لجهله به وعدم وجود نماذجه لديه، وربما كان ابن الأثير يعرف الفارسية، فهناك في أقواله ما يوهم أنه كان يعرفها ويعرف لغات أخرى من بينها اليونانية، وإذا كان من الممكن التسليم بمعرفته للفارسية، لشيوعها في العصر الأيوبي، فمن المستبعد أن تكون اليونانية بين اللغات التي يعرفها (٣) .

стр. 31

وكان كتاب الشفاء أيضا معتمد حازم القرطاجني (٦٨٤/١٢٨٥) في تصوره للشعر اليوناني، فهو ينقل عن ذلك الكتاب في غير موطن من كتابه: " منهاج البلغاء وسراج الأدباء " ومن خلاله يكرر ما قاله الفارابي وابن سينا عن اعتماد كل نوع شعري عند اليونان على وزن حاص (١) . ويضيف إلى ذلك ثلاثة مفهومات أخرى وهي: ١ - أن الشعر اليوناني يرتكز إلى الأساطير والخرافات التي تفترض وجود أشياء لا حظ لها من الواقعية. ٢ - أن الشعر اليوناني أيضا يتكئ على خرافات حول أمور موجودة، تشبه خرافات كليلة ودمنة وخرافة " ذات الصفا " التي ذكرها النابغة الذبياني. ٣ - أن لهم طريقة خاصة في الشعر يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه وتنقله (٢) . فإذا تجاوزنا هذه المفهومات لم نجد لليونان نصيبا كبيرا في الشعر، ولهذا ما يزال حازم يعتقد أن الشعر اليوناني ضيق المجال إذا هو قيس بالشعر العربي، ويذهب إلى أن " أرسطو " لو عرف الإبداع في الشعر العربي لزاد ما وضع من القوانين الشعرية (٣) ، وهو قول يناقض ما قاله الفارابي (٤) . وإنما جرا حازما على قوله هذا ما وعد به ابن سينا في آخر كتاب الشعر بقولة: " ولا يبتعد أن نجتهد نحن فنبدع في علم الشعر المطلق؟ كلاما شديد التحصيل " فكأن حازما ظن أن ابن سينا كان ينوي أن يضيف قواعد جديدة؟ بناء على الشعر العربي - إلى القواعد التي وضعها أرسطاطاليس (٥) . وقد يحسن بنا أن نتوقف هنا، لنتذكر طبيعة التحول الذي طرأ على فكرة الجاحظ بأن " فضيلة الشعر مقصورة على العرب "، وكيف ساعد الانفتاح على الأمم الأخرى

стр. 32

ولغاتها وآدابها في توسيع دائرة التعرف والمقارنة، وكأنما كان ابن خلدون يلخص هذه الدورة الطويلة من التطور ويرد على الجاحظ ومن ذهب مذهبه حين يقول: " أعلم أن الشعر لا يخص بالسان العربي فقط، بل هو موجود في كل لغة، سواء كانت عربية أو عجمية، وقد كان الفرس شعراء وفي اليونان كذلك، وذكر منهم في كتاب المنطق أوميرس الشاعر وأثنى عليه، وكان في حمير أيضاً شعراء متقدمون (١) ".

стр. 33

" ٢ " أوميرس الشاعر والموروث الأوميريسي عند العرب عرف طلاب الثقافة الإغريقية عددا من أسماء شعراء اليونان مثل ايسيودس (١) وبندارس (فندارس) (٢) وسيمونيدس (٣) وسوفقليس (٤) وأوريبيدس (٥) ، وألحقوا بكل منهم أقوالا في الحكمة (٦) ، ولكن لم يحتل أحد لديهم مكانة عالية كالتي احتلها أوميرس،

стр. 34

فهو أمرؤ القيس اليوناني (١) ، به بدئ الشعر، وكان زمانه في الفترة الواقعة بين أبقراط وجالينوس (٢) ، وفي قول آخر إنه كان بعد زمان موسى بخمسة قرون (٣) ، وإذا كان غيره من الشعراء قد اقتصر على الشعر فإنه كان يجمع إلى الشعر الحكمة، ولتقدمه في صناعة الشعر أصبح قدوة يحتذى، وعلى منواله نسج كل من جاءوا بعده وتعلموا منه (٤) . ويؤخذ من بعض الحكايات أنه كان في الشعر؟ في نظر بعض العرب - من المقلين (٥) . أما من حيث الخلفة فإنه كان معتدل القامة حسن الصورة أسمر اللون عظيم الهامة، ضيق ما بين المنكبين، سريع المشية كثير التلفت، بوجهه آثار الجدري (٦) . ومن صفاته أنه كان يحب المزاج ومداخلة الرؤساء، ويوصف أيضا بأنه كان مهذارا مولعا بالسب لمن تقدمه (٧) ، ولعل هاتين الصفتين إنما ألحقتا به من جراء الخلط بينه بعض الشخصيات الأخرى، وقيل إنه حين توفي كان له من العمر مائة سنة وثماني سنين (٨) . ولم تكن الشهرة التي نالها أوميرس مبنية بالدرجة الأولى على معرفة وثيقة بآثاره الشعرية، إذا نحن استثنينا من ذلك معرفة حنين المباشرة لشعره، فإن الأثرين العظيمين

стр. 35

صورة اوميروش الشاعر صورة اوميروس كما جاءت في مخطوطة برلين رقم ٧٨٥.Qu

стр. 36

فراغ

стр. 37

اللذين ينسبان إليه وهما الإلياذة والأوديسة لم يترجما إلى العربية، مع أنهما ترجما (أو ترجم بعضهما) إلى السريانية على يد ثوفيل الرهاوي في القرن الثامن الميلادي، حسبما ذكر ذلك أبو الفرج ابن العبري (١) ، ولكن تلك الشهرة ترجع إلى أن الدارسين للثقافة اليونانية وجدوا في مصادرهم شهادة موثقة في الثناء على أوميرس، وأنه كان عند يونان أرفع الشعراء منزلة (٢) وهم يقرأون أن ديوجانس الكلبي سئل من أشعر اليونانيين فقال كل واحد عند نفسه وأوميرس عند الجمهور (٣) ومما زكى هذه الشهادة وأيدها إعجاب كل من أفلاطون وارسطاطلليس وثناؤهما عليه واستشهادهما بشعره " لما كان يجمع فيه من اتقان المعرفة ومتانة الحكمة وجودة الرأي وجزالة اللفظ (٤) ". وقد وجدوا ارسطاطاليس بخاصة يكثر من ذكره في كتابيه الخطابة والشعر، ويمنحه التفوق في كل موقف ويميزه بالإجادة المطلقة، ولعل هذا الذي أوحى إلى ابن رشد أن يقول فيه: " فكان رب النعمة العظيمة بذلك عند اليونانيين وعظموه كل التعظم حتى اعتقدوا فيه أنه كان رجلا إلهيا، وأنه كان المعلم الأول لجميع اليونانيين (٥) ". وتندرج الأقوال الملحقة باسمه في ثلاثة أنواع: ١ - أقوال ومواقف حكمية يشارك فيها سائر الحكماء. ٢ - أشعار ثابتة النسبة له أو محتمل ثبوتها. ٣ - أشعار نسبت له وهي لغيره. ١ - الأقوال والمواقف الحكمية: أورد المبشر بن فاتك عددا كبيرا منها، وعند ابن هندو والشهرستاني والشهرزوري بعضها (٦) ، وفي بصائر التوحيدي عدد منها تحت عنوان

стр. 38

" ومن حكم اليونانيين (١) " دون ذكر لاسم أوميرس، مثل: آله الرئاسة سعة الصدر، عادة الصمت تورث عيا، اللجاجة تسلب الرأي، خضوع اللفظ يحلل الحقد، افرط الأنس مقدمة للجرأة، قوة العزم تنبل البغية. فهذه الأقوال مما نسبه المبشر به فاتك إلى أوميرس، ويبدو أن الأقوال الأخرى التي ذكرها التوحيدي إنما وجدها أيضا منسوبة له، ولكنه أوردها لليونانيين على التعميم، وتجنب ذكر أوميرس في كل كتاب البصائر. ومن المتعذر أن يقطع المرء بصحة نسبة هذه الأقوال والمواقف إلى أوميرس، وخاصة حين نجد المصادر تخلط في نسبتها، فقد روى المبشر أن أوميرس استرق واشتراه بعضهم فقال له المشتري: لأي شيء تصلح؟ قال: للحرية (ص: ٣٠) ثم روى المؤلف نفسه هذا الموقف نفسه لارسيجانس (ص: ٢٩٧) وروى الشهرستاني له قوله: الكرم يخرج ثلاثة عناقيد: عنقود الالتذاذ وعنقود السكر وعنقود السفاهة (٢) ، وهو قول رواه المبشر منسوبا إلى خروسيس (٣) (ص: ٣٠٠) ، وحكي عنه أنه كان يقول: كل الناس يحمل مزادتين واحدة في مقدمة وأخرى في مؤخرة، فالتي في المقدم ينظر بها سيئات غيره وعثراته، والتي في المؤخر لا ينظر بها إلا سيئات نفسه وعثراتها. وقد روى المبشر هذا القول مرتين: مرة لأوميرس (ص: ٣٧) ومرة لأرسورس (ص: ٣٠٠) وأورده ابن هندو (ص: ١٠١) منسوبا لديمستانس الخطيب، وهذا القول نفسه مروي عن ايسوبيوس (Aesop) (٤) ، ولهذا الخلط وما أشبهه أسباب مختلفة، سيجيء الحديث عنها في ما يلي. ٢ - أشعار ثابتة النسبة له أو محتمل ثبوتها: أكثر هذه الأشعار وردت على شكل شواهد وأمثلة موضحة، سواء في كتاب الخطابة

стр. 39

وكتاب الشعر أو غيرهما، ولكنها لا تفيد معرفة مباشرة بقصائد أوميرس، وقد وضح الأستاذ كريمر أن بعض هذه النصوص قد أسي فهمها (١) ، وأن المترجم كان يكمل النص اليوناني، اعتمادا على معرفته بالنص السرياني، كما حدث في هذين البيتين اللذين يمثلان مطلعي الإلياذة والأوديسية: أنبئينا أيتها الآلهة عن غضب أخيلوس أنبئينا يا موسا (Muse) عن الرجل الكثير المكايد الذي حسم أمورا كثيرة من بعد ما خربت المدينة العامرة إليون (٢) . وفي كتاب الخطابة نصوص أخرى بعضها ذو حظ من الدقة مثل: أن الغضب لأحلى من الشهد (ابن رشد: لأحلى من قطرات العسل) (٣) ، وبعضها قد انحرف عن جادة الدقة مثل قوله يصف إنسانا يندب ميتا: أنه لما تكلم بذلك صرخوا صرخة فاجعة لذيذة (٤) ، وهذا تحوير لقوله هنالك " ثار في قلوبهم حنين إلى البكاء " (الإلياذة ٢٣: ١٠٨) وكذلك جاء عند كل من ابن سينا وابن رشد " إن هذه المدينة إذا فتحت عنوة ستلقى من مالاغروس (Meleagros) كل شر، وكذلك الناس كلهم، فإنه يهلك الناس ويشب الحريق في المدينة حتى يحرقها بأسرها ويعترف كل بولده، أي ينوح كل باسم ولده: يا ولدي فلان (٥) "، وإذا قارنا هذا القول بما ورد في الإلياذة (٩: ٢٩١ - ٥٩٤) اتضح فيه إساءة فهم المعنى الأصلي، وخطأ المناسبة، وإلحاق إضافات ليست من الأصل. ولدى البيروني في " تحقيق ما للهند من مقولة " ثلاثة أقوال لاوميرس (٦) : أولها: ولست أدري ماذا يعنون بإضافة الصوت إلى السماء وأظنه شبيها بما قال أوميرس شاعر اليونانيين: " إن ذوات اللحون السبعة ينطقن ويتجاوبن بصوت حسن " وعنى الكواكب

стр. 40

السبعة وقد وقف الأستاذ كريمر عند هذا القول، وربط بين فكرة اللحون وآراء فيثاغورس ثم قال: فإذا قبلنا أن يكون البيت الذي رواه البيروني لأوميرس نقلا عن تعليق لفيثاغورس فإن هذا ليس بمستبعد (١) . وثاني الأقوال التي أوردها البيروني هو: لأن اقراطس الشاعر سمى الفلك زوس، وكذلك قال أوميرس: " كما تقطع الثلج من زوس " وفيه إشارة إلى ما ورد في الإلياذة (١٩: ٣٥٧) (٢) . وثالث تلك النصوص قول أوميرس في الحديث عن غلقسياس (Galaxy) ؟ أي المجرة - " إنك جعلت السماء الطاهرة مسكن الأبد للآلهة، لا تزعزعه الرياح ولا تبله الأمطار ولا تتلفه الثلوج، بل فيه الصحو البهي بلا سحاب يغشاه (٣) " الاوديسية ٦: ٤٢ - ٤٥. ٣ - أشعار نسبت إليه وهي لغيره: يظهر بعض هذه الأشعار عند حنين بن إسحاق في نوادر الفلاسفة، ولكن أكبر مجموعة منها وردت في صوان الحكمة الذي يقرن باسم أبي سليمان المنطقي، وهو كتاب لم
следующие страницы →