← Адаб

Адаб · id 1012

ملامح يونانية في الأدب العربي

إحسان عباس

Полный текст (213 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فراغ

стр. 37

اللذين ينسبان إليه وهما الإلياذة والأوديسة لم يترجما إلى العربية، مع أنهما ترجما (أو ترجم بعضهما) إلى السريانية على يد ثوفيل الرهاوي في القرن الثامن الميلادي، حسبما ذكر ذلك أبو الفرج ابن العبري (١) ، ولكن تلك الشهرة ترجع إلى أن الدارسين للثقافة اليونانية وجدوا في مصادرهم شهادة موثقة في الثناء على أوميرس، وأنه كان عند يونان أرفع الشعراء منزلة (٢) وهم يقرأون أن ديوجانس الكلبي سئل من أشعر اليونانيين فقال كل واحد عند نفسه وأوميرس عند الجمهور (٣) ومما زكى هذه الشهادة وأيدها إعجاب كل من أفلاطون وارسطاطلليس وثناؤهما عليه واستشهادهما بشعره " لما كان يجمع فيه من اتقان المعرفة ومتانة الحكمة وجودة الرأي وجزالة اللفظ (٤) ". وقد وجدوا ارسطاطاليس بخاصة يكثر من ذكره في كتابيه الخطابة والشعر، ويمنحه التفوق في كل موقف ويميزه بالإجادة المطلقة، ولعل هذا الذي أوحى إلى ابن رشد أن يقول فيه: " فكان رب النعمة العظيمة بذلك عند اليونانيين وعظموه كل التعظم حتى اعتقدوا فيه أنه كان رجلا إلهيا، وأنه كان المعلم الأول لجميع اليونانيين (٥) ". وتندرج الأقوال الملحقة باسمه في ثلاثة أنواع: ١ - أقوال ومواقف حكمية يشارك فيها سائر الحكماء. ٢ - أشعار ثابتة النسبة له أو محتمل ثبوتها. ٣ - أشعار نسبت له وهي لغيره. ١ - الأقوال والمواقف الحكمية: أورد المبشر بن فاتك عددا كبيرا منها، وعند ابن هندو والشهرستاني والشهرزوري بعضها (٦) ، وفي بصائر التوحيدي عدد منها تحت عنوان

стр. 38

" ومن حكم اليونانيين (١) " دون ذكر لاسم أوميرس، مثل: آله الرئاسة سعة الصدر، عادة الصمت تورث عيا، اللجاجة تسلب الرأي، خضوع اللفظ يحلل الحقد، افرط الأنس مقدمة للجرأة، قوة العزم تنبل البغية. فهذه الأقوال مما نسبه المبشر به فاتك إلى أوميرس، ويبدو أن الأقوال الأخرى التي ذكرها التوحيدي إنما وجدها أيضا منسوبة له، ولكنه أوردها لليونانيين على التعميم، وتجنب ذكر أوميرس في كل كتاب البصائر. ومن المتعذر أن يقطع المرء بصحة نسبة هذه الأقوال والمواقف إلى أوميرس، وخاصة حين نجد المصادر تخلط في نسبتها، فقد روى المبشر أن أوميرس استرق واشتراه بعضهم فقال له المشتري: لأي شيء تصلح؟ قال: للحرية (ص: ٣٠) ثم روى المؤلف نفسه هذا الموقف نفسه لارسيجانس (ص: ٢٩٧) وروى الشهرستاني له قوله: الكرم يخرج ثلاثة عناقيد: عنقود الالتذاذ وعنقود السكر وعنقود السفاهة (٢) ، وهو قول رواه المبشر منسوبا إلى خروسيس (٣) (ص: ٣٠٠) ، وحكي عنه أنه كان يقول: كل الناس يحمل مزادتين واحدة في مقدمة وأخرى في مؤخرة، فالتي في المقدم ينظر بها سيئات غيره وعثراته، والتي في المؤخر لا ينظر بها إلا سيئات نفسه وعثراتها. وقد روى المبشر هذا القول مرتين: مرة لأوميرس (ص: ٣٧) ومرة لأرسورس (ص: ٣٠٠) وأورده ابن هندو (ص: ١٠١) منسوبا لديمستانس الخطيب، وهذا القول نفسه مروي عن ايسوبيوس (Aesop) (٤) ، ولهذا الخلط وما أشبهه أسباب مختلفة، سيجيء الحديث عنها في ما يلي. ٢ - أشعار ثابتة النسبة له أو محتمل ثبوتها: أكثر هذه الأشعار وردت على شكل شواهد وأمثلة موضحة، سواء في كتاب الخطابة

стр. 39

وكتاب الشعر أو غيرهما، ولكنها لا تفيد معرفة مباشرة بقصائد أوميرس، وقد وضح الأستاذ كريمر أن بعض هذه النصوص قد أسي فهمها (١) ، وأن المترجم كان يكمل النص اليوناني، اعتمادا على معرفته بالنص السرياني، كما حدث في هذين البيتين اللذين يمثلان مطلعي الإلياذة والأوديسية: أنبئينا أيتها الآلهة عن غضب أخيلوس أنبئينا يا موسا (Muse) عن الرجل الكثير المكايد الذي حسم أمورا كثيرة من بعد ما خربت المدينة العامرة إليون (٢) . وفي كتاب الخطابة نصوص أخرى بعضها ذو حظ من الدقة مثل: أن الغضب لأحلى من الشهد (ابن رشد: لأحلى من قطرات العسل) (٣) ، وبعضها قد انحرف عن جادة الدقة مثل قوله يصف إنسانا يندب ميتا: أنه لما تكلم بذلك صرخوا صرخة فاجعة لذيذة (٤) ، وهذا تحوير لقوله هنالك " ثار في قلوبهم حنين إلى البكاء " (الإلياذة ٢٣: ١٠٨) وكذلك جاء عند كل من ابن سينا وابن رشد " إن هذه المدينة إذا فتحت عنوة ستلقى من مالاغروس (Meleagros) كل شر، وكذلك الناس كلهم، فإنه يهلك الناس ويشب الحريق في المدينة حتى يحرقها بأسرها ويعترف كل بولده، أي ينوح كل باسم ولده: يا ولدي فلان (٥) "، وإذا قارنا هذا القول بما ورد في الإلياذة (٩: ٢٩١ - ٥٩٤) اتضح فيه إساءة فهم المعنى الأصلي، وخطأ المناسبة، وإلحاق إضافات ليست من الأصل. ولدى البيروني في " تحقيق ما للهند من مقولة " ثلاثة أقوال لاوميرس (٦) : أولها: ولست أدري ماذا يعنون بإضافة الصوت إلى السماء وأظنه شبيها بما قال أوميرس شاعر اليونانيين: " إن ذوات اللحون السبعة ينطقن ويتجاوبن بصوت حسن " وعنى الكواكب

стр. 40

السبعة وقد وقف الأستاذ كريمر عند هذا القول، وربط بين فكرة اللحون وآراء فيثاغورس ثم قال: فإذا قبلنا أن يكون البيت الذي رواه البيروني لأوميرس نقلا عن تعليق لفيثاغورس فإن هذا ليس بمستبعد (١) . وثاني الأقوال التي أوردها البيروني هو: لأن اقراطس الشاعر سمى الفلك زوس، وكذلك قال أوميرس: " كما تقطع الثلج من زوس " وفيه إشارة إلى ما ورد في الإلياذة (١٩: ٣٥٧) (٢) . وثالث تلك النصوص قول أوميرس في الحديث عن غلقسياس (Galaxy) ؟ أي المجرة - " إنك جعلت السماء الطاهرة مسكن الأبد للآلهة، لا تزعزعه الرياح ولا تبله الأمطار ولا تتلفه الثلوج، بل فيه الصحو البهي بلا سحاب يغشاه (٣) " الاوديسية ٦: ٤٢ - ٤٥. ٣ - أشعار نسبت إليه وهي لغيره: يظهر بعض هذه الأشعار عند حنين بن إسحاق في نوادر الفلاسفة، ولكن أكبر مجموعة منها وردت في صوان الحكمة الذي يقرن باسم أبي سليمان المنطقي، وهو كتاب لم

стр. 41

يصلنا في صورته الكاملة، وإنما لدينا منه اجتزاءان: أحدهما يسمى مختصر صوان الحكمة، صنعة عمر بن سهلان الساوي، والثاني: منتخب صوان الحكمة، وعن هذا الكتاب نقل كل من الشهرستاني والشهرزوري صاحب روضة الأفراح ونزهة الأرواح. وقد وردت مجموعة من هذه الأشعار عند معاصر لأبي سليمان وهو أبو الفرج ابن هندو في كتابه الكلم الروحانية، ولكنه لم ينسبها إلى أوميرس وإنما وضعها تحت عنوان " مما نقل من أشعارهم (أي اليونانيين) إلى العربية " (١) وقد عني الأستاذ كريمر في مقالته التي تكررت الاشارة اليها من قبل وفي ملحق المقالة (٢) بدراسة هذه المجموعة، وتلاه الأستاذ منفرد أولمان، الذي انطلق من حيث بلغ كريمر، في دراسته، وقام بنشر هذه الأقوال وترجمتها، وردها إلى مصادرها (٣) ، وأعاد نشرها الدكتور فهمي جدعان في مقالته " هوميرس عند العرب " (٤) . وخلاصة ما توصل إليه البحث في هذه الأقوال أنها؟ حتى حين تحمل سمات إسلامية - صحيحة النسبة إلى يونان، وهي ليست من صنع شاعر واحد، وإنما هي تنسب لعدة شعراء، فهم يوربيدس ومناندر وديفيلوس وغيرهم، إلا أن القسم الأكبر من هذه الأقوال لا يعرف قائلوه، ويدل الترتيب الذي اتبعه ابن هندو وأبو سليمان المنطقي على أن هذه الأقوال نقلت من مصادر مرتبة بحسب الترتيب الأبجدي اليوناني، وتعرف تلك المجموعات التي تحتوي الأقوال المناندرية نسبة إلى مناندر الشاعر الكوميدي (٣٤٣ - ٢٩٢ أو ٢٩١ ق. م) مع أنها ليست كلها لمناندر؟ كما تقدم القول -، وقد يرجع بعض هذه المجموعات المناندرية إلى القرن الثاني قبل المسيح، ويرى باحثون آخرون أنه يمكن إرجاعها إلى القرن الأول، وردها بعضهم إلى القرن الرابع ب. م، وهما يكن من شيء فإن هذه المجموعات كانت تتزايد على مر الزمن، خدمة لأغراض تعليمية.

стр. 42

وقد جاء في منتخب صوان الحكمة في تقديم هذه المقطعات، " وهذه بعض مقطعات من أشعار أوميرس التي تسمى يامبو (Iambio) فيها معان حسنة، وترتيبها على حروف اليونانيين، نقلها اصطفن إلى العربية (١) ". واصطفن هذا هو ابن بسيل، كان ترجمانا معاصرا لحنين، وقد نقل كثيرا من الكتب العلمية، من أهمها كتاب ديسقوريدس في النبات، وكان حنين يتصفح ما يترجمه، وكان هو يقارب حنينا في النقل، إلا أن عبارة هذا الثاني أفصح وأحلى (٢) ، وقد صرح المنطقي بأن اصطفن قام بالترجمة عن اليونانية مباشرة (٣) . وعدد هذه الأقوال التي ترجمها اصطفن ٣٥٠ قولا عند أولمان (ويضاف اليها ٩٢ قولا لمترجم آخر) وعند جدعان ٢١٣ قولا (يضاف اليها ٢٨ قولا عن كتاب الشهرستاني) ، وسبب هذا الفرق أن أولمان أضاف ما وجده عند الشهرزوري وما في مختصر صوان الحكمة. وعند المقارنة بين المصادر التي أوردت الأقوال المناندرية نجد اضطرابا في نسبة القول الواحد إلى اثنين أو أكثر (٤) ، وهذه القضية تثير السؤالين التاليين لماذا يحدث الاضطراب في نسبة قول ما أولا؟ ولماذا نسبت هذه الأقوال إلى أوميرس، وهي ليست له، ثانيا؟ من الطبيعي أن يحمل بعض هذا الاضطراب على أخطاء النساخ وأوهامهم، وعلى صعوبة الأسماء اليونانية وتشابه بعضها بالبعض الآخر حين ترسم بالحروف العربية، كما أنه قد ينشأ عن جهل بالقائل الأصلي، إذ قد ينزع أحدهم متمثلا بقول قديم، فيظن أنه صاحب ذلك القول، فينسب إليه دون صاحبه الحقيقي، ومن أمثلة ذلك ما يروى من أن رجلا عليه ثياب فاخرة وقف على فيثاغورس فتكلم ولحن في كلامه فقال له

стр. 43

فيثاغورس: إما أن تتكلم بكلام يشبه لباسك أو تلبس لباسا يشبه كلامك (١) ، فهذا القول نفسه ينسب للمبرد (٢) ، ولا تفسير لذلك إلا أن المبرد تمثل به في موقف مشابه. كذلك فإن بعض الأقوال إذا ترجمت من اليونانية إلى العربية أشبهت أقوالا سائرة في العربية، فاختلطت بذلك نسبتها، فالقول: " لا يكسب الإنسان الحسنة إلا بالتعب " من أقوال يوربيدس (٣) ، ومع ذلك فلو نسبه أحدهم لأحد حكماء المسلمين لجازت النسبة. وكثيرا ما يحور المترجمون في النصوص المنقولة بعض تحوير لتشبه شيئا موجودا في تراث اللغة التي ينقلون إليها. وقد يكون المترجم أمينا غاية في الأمانة، إلا أن مصادره مضطربة تنسب القول الواحد لعدة أشخاص. فقد لاحظ الأستاذ شتروماير أن هذا القول: " إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذان ليكون ما يسمعه أكثر مما يتكلم به " قد ورد في المصادر الإغريقية واللاتينية منسوبا إلى ديموقريطس وديموستين وزينون الرواقي واكزنوقراطس وافقطيطس، فلما نقل إلى المصادر العربية نسب أيضا إلى سقراط وأفلاطون وديوجانس (٤) . وقد تكون شهرة القول ودلالته على وجهة أخلاقية معينة سببا في نسبته لغير واحد، فهذا القول: " لولا قولي إني لا أعلم تثبيتا أني أعلم لقلت إني لا أعلم "، ومثله " ما كسبت من فضيلة العلم إلا علمي بأني لا أعلم "، يشير إلى حث على التواضع محمود في العلماء، ولهذا يمكن أن ينسب لغير واحد (٥) . وكثير من هذا التصرف يرجع إلى طبيعة الأقوال الحكمية والمنهج المتبع في النظر إليها، فهي على خلاف علم الحديث لا توثق بالرواية، ولا يهم اسم قائلها بمقدار ما يهم

стр. 44

الناس منها محتواها الأخلاقي، ولهذا لا يدقق الرواة في إلحاقها بصاحبها الحقيقي، وعلى هذا فمن الخطر في الدراسة الأدبية الاتكاء الكثير على هذه الأقوال في تبين شخصية المدروس ومنهجه العلمي ونظراته الفكرية. وقد يبلغ التهاون حدا بعيدا يصيب بعض الأقوال والمواقف التي أصبحت من الشهرة والسطوع بحيث لا يمكن نسبتها إلا إلى شخص واحد، فقصة المرأة التي وقفت تشتم زوجها، فلما أعياها صمته وهدوءه صبت عليه الماء فقال لها دون أن يفارقه هدوءه " كنت تبرقين وترعدين وأما الآن فقد أمطرت " مشهورة عن زوجة سقراط، ومع ذلك نجدها منسوبة إلى كل من فيثاغورس وأنكساغوراس (١) . وأبين من ذلك قصة الحكيم الذي اتخذ الحب مسكنا له، فهذه القصة معروفة عن ديوجانس الكلبي، ومع ذلك فإن المصادر العربية نسبتها إلى سقراط. جاء في مختار الحكم: " وقال له بعض تلامذته: أيها المعلم كيف لا نرى عليك أثر حزن؟ فقال له سقراط: لأني لا أملك ما إن عدمته أحزنني، فقال له سوفسطائي كان حاضرا: فإن انكسر الحب؟ وكان سقراط يأوي إذ ذاك في كنف حب - فقال سقراط: إن انكسر الحب فلا ينكسر المكان " (٢) ، ولهذا عرف سقراط في المصادر العربية باسم " سقراط الحب "، وقد قصر ابن أبي أصيبعة سكناه الحب على الفترة التي كان فيها مع الملك في المعسكر " فكان سقراط يأوي في عسكر ذلك الملك إلى زير مكسور يسكن فيه من البرد وإذا طلعت الشمس خرج منه فجلس عليه يستدفئ في الشمس " (٣) ويبدو أن الشهرستاني لم يأخذ الحكاية علة معناها الظاهري فتأول الحب بمعنى الجسد الإنساني (٤) أما القفطي فروى الحكاية على وجهها الظاهري فقال: " ويعرف بسقراط الحب لأنه سكن حبا وهو الدن " (٥) .

стр. 45

ولاستكمال الصورة أيضا نقلت قصة ديوجانس مع الملك، ونسبت إلى سقراط. فقد روي أن سقراط كان يوما يتشرق في الشمس على ظهر الحب الذي يأوي إليه، فوقف عليه الملك فقال: يا سقراط ما الذي منعك من إتياننا؟ فقال: الشغل أيها الملك بما يقيم الحياة، فقال الملك، لو أتيتنا كفيناك، فقال له سقراط: لو علمت أني أجد ذلك لزمتك ما لزمتني الحاجة إلى ذلك، فقال له الملك: فسل حاجتك، قال: حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعتني المرفق بالشمس، فدعا له بكسى فاخرة من الديباج وغيره والذهب، فقال له سقراط: وعدت بما يقيم الحياة وبذلت [ما] يقيم الأموات، ليس لسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود، الذي يحتاج إليه سقراط [هو] معه حيث توجه " (١) ، ولا ريب في أن الدافع إلى تحوير مثل هذه الرواية من ديوجانس إلى سقراط، إنما كان تأكيدا للصورة الزهدية الكبرى التي ارتسمت في الأذهان لذلك الفيلسوف، ولكن من المستبعد أن يكون هذا التحوير قد جرى على أيدي الرواة المسلمين، وأغلب الظن أنه كان من فعل بعض النقلة قبل ذلك، ليمنحوا سقراط طابعا مسيحيا. وقد يطول بنا القول لو أردنا مزيدا من الأمثلة؟ فهي كثيرة حقا - ولهذا نقتصر على هذا القدر ففيه كفاية. أما لماذا حولت الأقوال الشعرية المناندرية عن مناندر وغيره ونسبت إلى أوميرس، فقد يكون الأمر فيه ما قاله الأستاذ كريمر وهو أن أوميرس كان معروفا أكثر من مناندر (٢) ، ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، نعم كانت شهرة اوميرس قد طغت بحيث حجبت كل اسم آخر، حتى ان ابن رشد حين وجد أمامه في كتاب الخطابة " قال الشاعر " غيرها وجعلها " قال أوميرس " (مع أن الشاعر هو يوربيدس) (٣) ،

стр. 46

ولكن هذا لم يكن شيئا عاما. وليسمن شك عندي في أن ما نسبه حنين إلى أوميرس وجده منسوبا كذلك، وأن اصطفن كان أمينا في ترجمته، وان الاضطراب يعود أولا إلى المصادر التي اعتمدا عليها، فقد كان من عادة النساخ إذا رتبوا أقوالا لأحد الحكماء أن يبدأوا باسمه عند أول قولة ثم يضعون بعد ذلك كلمة مثل " وقال " أو " وله "، فإذا جاء ناسخ قليل الاعتناء وحذف الجملة الأولى، اضطربت النسبة، وأصبح كل ما يجيء بعد ذلك منسوبا إلى قائل آخر (١) . ثم إن كل ناسخ أو صانع مختارات كان يطلق لنفسه العنان في الحذف والجمع، حسبما يمليه عليه ذوقه، وفي هذا مجال آخر للاضطراب (٢) وإذا صح أن كلا من حنين واصطفن قد ضللته المصادر الأصلية، فقد كانت صورة أوميرس الشاعر الحكيم في نفسيهما تتيح توكيدا قويا لذلك التضليل، وهذا أمر لم يقتصر على أوميرس وحده. وقد أقترح الدكتور فهمي جدعان أن يكون بعض الأقوال الواردة في منتخب صوان الحكمة صحيح النسبة إلى أوميرس، وأحال بذلك على قصيدة مفقودة للشاعر تدعى " مرغيتس " (٣) وهي تعد شبيهة بالكوميديا، وخاصة وأن بعض الأقوال التي نسبت إليه يقوم على السخرية، ولكنه عاد فأبدى شيئا من التحفظ تجاه هذا الرأي (٤) ، لأن الأستاذ أولمان كان قد أرجع كثيرا من تلك الأقوال إلى أصولها اليونانية، وليس فيها ما يرتد إلى أوميرس نفسه. ومن تأمل هذه الأقوال وجدها؟ كما رآها الدكتور جدعان - تنقسم في قسمين أساسيين " أحدهما جاء يعبر عن حكمة الخير والشر وعن الأمثال التي تعبر عن خبرة عميقة وفذة في الحياة وفي معرفة الأمور الإلهية والإنسانية، وثانيهما هازل ناقد ساخر ينصب على موضوعات محددة كالمرأة والزواج اللذين يحظيان بأكبر نصيب من النقد والسخرية " (٥) . وبوجه تفصيلي تعلي هذه الأقوال من قيمة الأدب وتتحدث عن الفضيلة

стр. 47

عامة وما يندرج تحتها من عدل وعفة وضبط للسان وغير ذلك كما تشجب الغضب والحسد والعجب والنقمة والعداوة والنميمة والكذب، وفيها مجموعة عن الصداقة والأصدقاء ومجموعة أخرى عن الغربة والغرباء، ومما يندرج تحت هذه المجموعة الأخيرة (١) : ١ - إذا كنت غريبا فسر بسيرة سنن البلد. ٢ - إذا رأيت مسكينا غريبا فلا تخدعهم [كذا] . ٣ - إن الغربة صعبة لوجوه كثيرة. ٤ - إن أحسنت إلى الغرباء فاعلم أنك تكافأ في بعض الأوقات. ٥ - أعن بصيانة الغرباء ولا تقصر في ذلك. ٦ - كن صديقا صالحا للغرباء الصلحاء. ٧ - إذا أمكنك الزان فلا تكلم غريبا البتة. ٨ - إن العفة صالحة وهي للغرباء نافعة جدا. ٩ - إذا كنت غريبا فقلل من الفضول فإن ذلك خير لك. ١٠ - إن من الناس من شأنهم الإحسان إلى الغرباء. ١١ - إن السكوت أصلح للغريب من الكلام. ١٢ - إذا كنت غريبا فأكرم من يضيفك. ١٣ - أنصف الغرباء فلعلك تكون غريبا يوما ما. وموضوع الغربة والغريب قد طغى على تفكير مثقفي القرن الرابع (عصر أبي سليمان المنطقي ناقل هذه الحكم) وخاصة على كتابات التوحيدي، غير أن هذه النصائح العملية الموجهة إلى الغريب نفسه حينا وإلى من يعامل الغريب تقف موقف المفارقة مما صار إليه الموضوع لدى التوحيدي، فهو هنالك قد أصبح محاولة لتحديد الغريب، ومبلغ ما يلقاه من تجهم ورد وإذلال في الحياة العملية، وتصويرا للغربة الصوفية في علاقة الإنسان بالله (٢) .

стр. 48

ومسحة الترجمة واضحة على هذه الأقوال حتى إن بعضها يظل غامض الدلالة بسبب انتزاعه من قرينته الموضحة مثل: إن أحسنت الصبر على الأعراض كنت سعيدا (١) ، ومثل: إن العمر سمي عمرا لأنه يكتب بمشقة (٢) (فمثل هذا القول يعتمد على الإيحاءات التي تتضمنها كلمة " عمر " في اليونانية) ومثل: إن في الأشرار شيئا من اللذة. (٣) كذلك لا تزال فيها لمحات غير إسلامية مثل: " إن والديك آلهة لك " أو " الوالدان آلهة كبار عند من يعقل " أو " من لا يعقل شيئا من الشر فهو إلهي " (٤) وقد اضطر المترجم أن يوضح القولة الأخيرة بما يشبه التوجيه حين قال: يريد بالالاهي الشريف كالملائكة. ومن اليسير أن تقرن معظم هذه الأقوال بما يشبهها في الأدب العربي شعره ونثره، ومن ذا الذي يقرأ (٥) : - كثير من له بخت ولا عقل له. - قد يصلح البخت سوء الفعال. - إذا حضر البخت تمت الأمور. - أكثر أمور الناس بالبخت لا بجودة الرأي. ثم لا يتذكر ذلك الأدب المستفيض في العربية حول هذا الموضوع من مثل (٦) : - الجد أنهض بالفتى من عقله ... فأنهض بجد في الحوادث أو ذو - لا تنظرن إلى عقل ولا أدب ... إن الجدود قرينات الحماقات - لا تعجبن لأحمق ... نال الغنى من غير كده

стр. 49

ولعاقل ما يشتعل ... فكلهم يسعى بجده - عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود وعشرات من مثل هذه الأقوال، وكذلك هو الحال فيما يتصل بموضوعات الشيخوخة (١) ، وتقلب الناس في صداقاتهم بحسب ما يعتري المرء من غنى وفقر (٢) ، وعدوى المصاحبة للأردياء وأن القرين يقتدي بقرينه (٣) ، وغير ذلك مما يعز حصره. وأفتقدت الأقوال المناندرية رواءها الشعري، وبذلك لم تضف شيئا إلى الأدب العربي، ولا فتحت أمام قرائها آفاقا جديدة، إلا أنها؟ من وجهة أخرى - رسخت بعض ضروب التجربة وأكدتها حين بينت أن كثيرا من حصيلة تلك التجربة لا يتغير بتغاير الأمم وتقادم الأزمان.

стр. 50

فراغ

стр. 51

" ٣ " الخلط بين أوميرس وايسوبيوس (ايسوب) يعطينا المثل الذي أوردناه عن سقراط؟ فيما تقدم - مثلا لاستقطاب شخصية ما، عناصر متفرقة من شخصيات أخرى، ومثل هذا الشيء نفسه حدث في حال أوميرس، فإن إبراز دور الحكيم واختفاء شخصية الشاعر الملحمي، قد أفسح المجال لا لتنسب أقوال غيره إليه وحسب، بل لتضفي عليه صفات وخصائص مستمدة من شخصيات أخرى. ذلك نوع من محاولة خلق " النموذج " وهو أمر يكاد يكون ميلا مستقرا في الجبلة العربية، نشهده في الأمثال وسير الرجال ومجالات التفوق، فامرؤ القيس " نموذج " شعري، مثلما أن حاتما نموذج مطلق في الكرم، وذلك شلأن قيس في الحب. ولم يكن الأخذ بنسبة الاشعار المناندرية والاقوال الحكمية إلى أوميرس، ولا أنصراف لفظة " الشاعر " اليه عند ابن رشد، إلا نوعا من هذا التصور، أسعف عليه خطأ محبب في طبيعة المصادر المعتمدة. حكى أوميرس أن رجلا من الفلاسفة كسر به في البحر فقال: أيها الناس اقتنوا ما إذا كسر بكم في البحر سبح معكم فإذا سلمتم به يبقى عليكم وهي العلوم والفضائل (١) . إن هذه الحكاية على هذا النحو المقتضب محفوفة بشيء من الغموض، وهي تنسب للشاعر سميونيدس (٥٥٦ - ٤٦٨ ق. م) فقد ذكر أن سميونيدس قام برحلة لزيارة مدن آسيا (الصغرى) ليمدح الفائزين في الألعاب الأولمبية، وفيما هو في السفينة هبت عواصف

стр. 52

شديدة جعلتها تجنح بركابها، فكل من كان على ظهر السفينة؟ عدا سيمونيدس - كان لديه ما يحرص على حمله رجاء أن ينتفع به إذا كتبت له السلامة، ووصل الشاعر إلى البر وغرق كثير ممن أثقلوا أنفسهم بحمل الحوائج، ولما وصل سيمونيدس والقلة الذين نجوا إلى مدينة كلازوميني (Clazomenae) أقرب المدن إلى المكان الذي وصلوا إليه، التقى سيمونيدس من عرفه من لحن القول، لأنه كان معجبا بشعره، فرحب به وأكرمه، أما بقية الناجين فأخذوا يستجدون الناس ليقيموا أودهم، وبذلك كانت فضيلة الشعر التي يحملها سيمونيدس أينما توجه هي السبب في ما لقيه من بر وإكرام. وقال سيمونيدس للقوم الذين نجوا: " لقد أخبرتكم أنني أحمل معي جميع مقتنياتي، أما أنتم فقد ضيعتم ما كنتم تقتنون، في هذه العجلة " (١) . وفي رواية مختار الحكم: أن الحكيم الذي كسر به المركب، عمل شكلا هندسيا على الأرض، فرآه قوم فمضوا به إلى ملك تلك الجزيرة، فوقع بأن يكتب إلى سائر البلدان: " أيها الناس اقتنوا ما إذا كسر بكم البحر مركب سار معكم، وهي العلوم الصحيحة والأعمال الصالحة " (٢) . ومناللافت للنظر أن هذه الرواية تعلي من شأن العلم، بينما تذهب الرواية اليونانية إلى إبراز قيمة الشعر، ولكن الروايتين تومئان إلى مدلول واحد، وهي ترجيح القنية الفكرية على القنى المادية، ومثلهما في هذا الصدد رواية ثالثة تحكى عن ديوجانس وهي أنه مر بعشار فقال له العشار: أمعك شيء، فقال: نعم ووضع مخلاته بين يديه ففتشها العشار فلم يجد فيها شيئا، فقال: أين ما قلت؟ فكشف عن صدره وقال: ها هنا حيث لا تقدر عليه ولا تراه (٣) .

стр. 53

فإذا لم نقل إن شخصية أوميرس تلتبس هنا بشخصية سيمونيدس أو ديوجانس (لأنه يروي الحكاية عن غيره) ، فإنه يصلح أن يكون رمزا لهذا المفهوم الذي تعبر عنه الروايتان، ويشترك مع كل من الشاعر والحكيم في نظراته إلى بعض شئون الحياة. وهذا قد يكون شيئا طبيعيا مقبولا، غير أن الأمر الذي يستوقف النظر ويثير الدهشة حقا التباس شخصية أوميرس بشخصية ايسوبيوس (ايسوب: ايجازا) ، إن قلة المعلومات التاريخية التي لدينا عن الشاعر لا تمكن المرء من أجراء المقارنات بين الأخبار المروية عنه وعن إيسوب، كما أن قلة هذه المعلومات ربما كانت السبب في إفساح المجال لذلك الخلط بين الشخصيتين، بالإضافة إلى أسباب أخرى، أشرت إلى نماذج منها فيما تقدم. فالحديث عن أسر أوميرس وبيعه واسترقاقه وإقامته في الرق مدة طويلة ثم عتقه بعد ذلك، وما يتصل بهذه الأحداث من أقوال (١) إنما هو ترديد لقصة إيسوب التي قد تكون بدورها أيضا قصة ملفقة من عدة قصص، للخيال فيها دور كبير (٢) . روى المبشر بن فاتك أن أوميرس لما عرض للبيع قال له الذي أراد شراءه: أترى أن أشتريك؟ فقال له: بعد لم تشترني، أمشيرا في مالك جعلتني (٣) ؟ ووردت هذه القصة في المجتنى لابن دريد على نحو مقارب: " وأسرييوش وأراد رجل شراءه فقال له: أشتريك؟ فقال كيف تشتريني وأكون لك عبدا بعد ما اتخذتني وزيرا (يريد بعدما شاورتني في ابتياعي) (٤) ، واسم اسيوش قد يقرأ بسهولة " أيسوبيوس " والقصة واردة في ترجمة ايسوب عندما أراد شراءه ختنثوس (Xanthus) الفيلسوف (٥) . وعلى هذا السياق نفسه يمكن أن تحمل الرواية الأخرى التي جاء فيها: واشتراه بعضهم فقال له: لأي شيء تصلح، فقال: للحرية (٦) ، فإن أقوى الروابط بين شخصيتي أوميرس وايسوب

стр. 54

أن كليهما يحسن الإجابة الحادة المسكتة ويستطيع أن يفاجئ السائل غير ما قد يتوقعه من جواب، فإذا سأل: من أين أنت؟ (مثلا) قال: من أبي وأمي (١) . ويتصور إن البطلان الشاعر أوميرس نموذجا للطريقة اليونانية لدى الشعراء، فهو إذا هاتره أحدهم لم يهجه مباشرة وإنما رد نازعا بمثل خرافي، فقد جاءه مرة أبانو الماجن فقال: اهجني بهجائك إذا لم أكن أهلا لمديحك، فقال اوميرس: لست فاعلا ذلك أبدا، فقال له: إني أمضي إلى رؤساء اليونانيين وأشعرهم بنكولك، فقال له مرتجلا: بلغنا أن كلبا حاول قتال أسد بجزيرة قبرص، فامتنع الأسد أنفة منه، فقال له الكلب: إني لأشعر السباع بضعفك، فقال السبع: لأن تعيرني الأسد بالنكول عن مبارزتك أحب إلي من أن ألوث شاربي بدمك (٢) (وهي القصة التي تروى عن الحمار والخنزير البري عند فايدرس ١: ٢٩) (٣) . ومرة أخرى لجأ أوميرس إلى هذه الطريقة نفسها حين افتخر عليه إبرخس (Hipparchus) الشاعر بكثرة الشعر وسرعة العمل وعيره ببطء عمله وقلة شعره، فقال أوميرس: بلغنا أن خنزيرة بإنطاكية عيرت لبوة بطول زمان حملها وقلة الولد فافتخرت عليها بضد ذلك، فقالت اللبوة: لقد صدقت، إني ألد الولد بعد الولد، ولكن أسد (٤) (وتروى عن اللبوة والثعلب في قصص إيسوب (٥) وهي كذلك في الكلم الروحانية: ١٣١ وابن العبري: ٥٠) . ويمكننا أن نرد هذا التوافق بين الشخصيتين وأقوالهما وطريقتهما إلى الأسباب العامة التي ذكرناها عند الحديث عن الاضطراب في نسبة القول الواحد إلى غير واحد من الناس، ولكن لا بد من أن نضيف هنا شيئا آخر، وهو أن المجموعة التي تعرف باسم

стр. 55

خرافات ايسوب، لم تكن بطبيعة الحال من تأليف رجل واحد، وإنما تمثل تراثا واسعا، بعضه يوناني وبعضه غير يوناني، وأن اليونان عرفوا هذا اللون من الخرافات في عهد مبكر، يرقى إلى أيام ايسيودس (Hesiod) (١) ، وليس ثمة ما يمنع أن يرقى إلى أيام أوميرس نفسه. وقد كان هذا اللون من الأدب شفويا وشعبيا في آن معا، يدور على الالسنة، ويستغله المتمثل به بحسب مقتضى الحال أما لعبرة أخلاقية أو لتوضيح مسألة أو لتأكيد موقف جدلي (٢) . وقد أشار أرسطاطاليس إلى أهمية هذا اللون وفائدته في الخطابة وأورد ابن سينا مثالين من تلك الخرافات: أحدهما قول أحد المشيرين لقومه: إياكم وأن تصيروا بحالكم إلى ما صار إليه الفرس، عندما زاحمه الأيل في مرعاه ونغصه عليه ففزع إلى إنسان من الناس يعتصم بمعونته ويقول له: هل لك في إنقاذي من يدي هذا الايل؟ فأنعم الإنسان له الإجابة على شرط أن بالتقام ما يلجمه، وبتمطيته ظهره وهو ممسك قضيبا، فلما أذغن له صار فيما هو شر له من الايل، والثاني قول آخر: إني أوصيكم أن تستنوا بسنة الثعلب الممنو بالذبان، فقال له: وما فعل ذلك الثعلب؟ قال: بينما ثعلب يعبر نهرا من الأنهار إلى العبر الآخر إذ اكتنفته القنصة وحصل في حومة الكلب، فلم ير لنفسه مخلصا غير الانقذاف في وهدة غائرة انقذافا أثخنه، وكلما راود الخروج منه أعجزه، فلم ير إلا الاستسلام، وهو في ذلك إذ جهدته الذبان محتوشة إياه، وإذا في جواره قنفذ يشاهد ما به من الغربة والحيرة ولذع الذباب وانحلال القوة، فقال له: هل لك يا أبا الحصين في أن أذب عنك؟ فقال: كلا، ولا سبيل إلى ذلك، وإنه لمن الشفقة الضائرة ومن البر العاق، فقال له القنفذ: ولم ذلك؟ قال: اعلم أن هؤلاء الذبان قد شغلت المكان فلا موقع لغيرهم من بدني، وقد امتصت ريها من دمي، فهي الآن هادئة، فإن ذبت خلفها جماعة أخرى غراث كلبي تنزف بقية دمي (٣) . كذلك فإن العناصر التي يمثلها إيسوب من حدة وسرعة خاطر ومفاجأة وإفحام وعمق في الحكمة، كانت محببة لدى العرب، مستقرة في تراثهم منذ عهد بعيد، فلا غرابة إذا هم رأوها أيضا في شخص مقدم في الشعر والحكمة مثل أوميرس، فانبهم لديهم التمييز بين الرجلين. وهذا ينقلنا إلى الحديث عن شخصية إيسوب وأدبه عند العرب، في الفصل التالي.

стр. 56

فراغ

стр. 57

" ٤ " أثرايسوبيوس في الشخصيات والأمثال العربية وقضية اللقاء بين آثار الشرق والغرب تلقي شخصية إيسوب ظلالا على بعض الشخصيات الجاهلية والإسلامية؟ وبخاصة في القرنين الأولين - عن طريق الحوار، وفي موقف عبد المسيح بن بقيلة الحيري الذي بعث به قومه ليقابل خالد بن الوليد حين توجه لفتح الحيرة (١٣/٦٣٤) ما يعيد إلى الذهن بعض مواقف إيسوب على نحو احرفي، فقد سأله خالد حين حضر بين يديه: أين أقصى أثرك؟ قال: ظهر أبي، قال: ومن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: علام أنت؟ قال: على الأرض، قال ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: فمن اين أقبلت؟ قال: من خلفي، قال: فأين تريد؟ قال: أمامي، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال: أتعقل؟ قال: نعم وأقيد، قال: أحرب أنت أم مسلم، قال: بل سلم، قال: فما بال هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسفيه حتى يجيء حليم فينهاه (١) . وفي قصة الغضبان بن القبعثري مشابه من هذه الطريقة نفسها، حيث يتجنب المسؤول الجواب المباشر، ويحاول التلاعب اللفظي، فقد ذكر المسعودي أن الحجاج وجه الغضبان إلى بلاد كرمان ليأتيه بخبر ابن الأشعث، فلما ضرب خباءه هنالك، إذا هو بأعرابي قد أقبل عليه فقال: السلام عليك، فقال الغضبان: كلمة مقولة، قال الأعرابي: من أين جئت، قال، من ورائي: قال: وأين تريد؟ قال: أمامي، قال: وعلام جئت،

стр. 58

قال: على فرسي قال: وفيم جئت؟ قال: في ثيابي؟ " وفي تتمة قصة الغضبان عندما خرج على الحجاج، وحواره معه، استمرار لهذا النموذج أيضاً (١) . ويبدو أن هذه الطريقة كانت تلائم شخصيات بعض القضاة المتمتعين بحدة في الذكاء مثل الشعبي وشريح وإياس. فقد سئل الشعبي مرة، كيف بت البارحة؟ فطوى كساءه في الأرض ثم نام عليه وتوسد يده وقال: هكذا بت (٢) ، أما شريح (أو إياس) فإن الحوار بينه وبين عدي ابن أرطاة يمثل نموذجا واضحا لهذه الطريقة الايسوبية، مع مزجها بقسط غير قليل من السخرية والدعابة (٣) ، (ع عدي، ش شريح) . ع: أين أنت ش: بينك وبين الحائط ع: فاسمع مني ش: للاستماع جلست ع: إني تزوجت امرأة ش: بالرفاء والبنين ع: وشرطت على أهلها ألا أخرجها من بينهم ش: أوف لهم بالشرط ع: فأنا أريد الخروج ش: في حفظ الله ع: فاقض بيننا

стр. 59

ش: قد فعلت وإذا نحن أمعنا النظر في هذا الحوار وجدنا فيه صورة من خرافة جاهلية وردت على ألسنة الحيوانات (إيسوبية المنزع) وذلك حين ذهبت الأرنب تخاصم الثعلب عند الضب، فقالت الأرنب: يا أبا الحسل، قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت: فأخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت ثمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فأختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، فلطمني، قال: حر أنتصر لنفسه، قالت: فأقض بيننا، قال: قد قضيت (١) . أما شخصية لقمان التي أرجأنا الحديث عنها إلى هذا الموضع فإن التطابق بينها وبين شخصية إيسوب تم إلى حد كبير، كلا الرجلين كان عبدا دميم الخلقة، ثم أعتق، وكلاهما يرمز إلى أن بذلذة الهيئة والقماءة وقبح المنظر ليست مقياسا للذكاء ولا حائلا دون الحكمة، وهما يقفان عند حد قوله شقة بن ضمرة؟ وكان يشاركهما في دمامة المنظر، وقد وفد على النعمان، فأستهان به: " إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه (٢) "، وكلاهما له قصة مع سيدة تتعلق بهذين الأصغرين أيضا: لقمان أعطاه سيدة شاة وأمره بذبحها وأن يأتيه بأطيب ما فيها فذبحها وأتاه بقلبها ولسانها، ثم أعطاه في يوم آخر شاة أخرى وأمره أن يذبحها ويأتيه بأخبث ما فيها فذبحها وأتاه بقلبها ولسانها، فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إن طابا وأخبث ما فيها إن خبثا (٣) ، وفي سيرة إيسوب حديث طويل عن الملأدبة التي أقامها سيده لتلامذته، وأمره أن يطبخ لهم أحسن شيء وأطيبه، فلم يطبخ سوى الألسنة (٤) ، وكلاهما كان يستعمل ذكاءه لإنقاذ سيده من ورطة يقع فيها:

стр. 60

فقد قمر سيد لقمان، وكان شرط خصمه أن يشرب ماء النهر، وبعل بالأمر، فقال له لقمان: لا تغتم فإن لك عندي فرجا، قال: وما هو؟ إذا قال لك الرجل أشرب ما في هذا النهر فقل له أشرب ما بين الضفتين أو المد الذي يجيء؟ فإنه سيقول لك: أشرب ما بين الضفتين، فإذا قال لك فقل له: احبس عني المد حتى أشرب ما بين الضفتين، فإنه لا يستطيع أن يحبس عنك المد (١) ، ففعل ذلك سيده ونجا من الغرم. والفرق بين هذه الرواية وما ورد في سيرة إيسوب أن سيد إيسوب، كان في حال سكر، لا في جولة ميسر، وأنه تعهد بأن يشرب البحر، فأشار عليه إيسوب أن يقول لمن طالبه بالوفاء: ثمة أنهار كثيرة وجداول تصب في البحر، فأوقفوها عن الانصباب فيه لكي أشرب ماءه (٢) ". وإذا كانت شخصية لقمان تقترب من شخصية إيسوب، فإن حكمة لقمان جاءت أقرب إلى حكمة أحيقار الحكيم البابلي، وهذه مسألة لست أنوي أن أقف عندها، فأنها خارجة عن نطاق هذا البحث (٣) ولا ريب في أن هؤلاء الثلاثة يمثلون جوانب هامة من الأدب الحكمي في الشرق والغرب، ويقف لقمان حلقة وصل بين الحكيمين الآخرين. وحين نقرأ أن بعض أهل الجاهلية كان يحمل مجلة لقمان يثور لدينا هذا السؤال: أترى مجلة لقمان هذه كانت شيئا شبيها بأقوال أحيقار أو بخرافات إيسوب؟ ويبدو أننا بالنظر إلى أدب إيسوب أمام فرضية مقبولة: وهي أن ذلك الأدب كان معروفا لدى العرب في الجاهلية عن طريق اللغة الآرامية وعن طريق نصارى الحيرة بالذات (٤) ، فنحن نجد نماذج من الخرافات والأمثال الجاهلية مضمنة أيضا في أدب إيسوب، ولكن علينا أن نأخذ الشاهد بحذر، فقد أثبتت الكشوف الحديثة أن بعض

стр. 61

العناصر عند إيسوب ترجع إلى أصول مشرقية موغلة في القدم، وبخاصة إلى أصول سومرية، وهذا واضح في النتائج التي توصل إليها الأساتذة إدمند غوردن ون. س. كريمر ولامبرت في أبحاثهم (١) ، وربما أضيفت إلى خرافات إيسوب عناصر من أصل عربي خالص، وإن كان من المعتقد أنها في دور متأخر نسبيا. ونكتفي من الأمثلة السومرية بثلاثة لعلاقتها بهذا النوع من الأدب في اللغة العربية أيضا: (١) قصة الحيوان الذي ذهب يطلب قرنين فعاد مجدوع الأذنين: هذا الحيوان في الأمثال والخرافات السومرية هو الثعلب (٢) ، وفي الأمثال العبرية هو الجمل (٣) ، وكذلك هو عند إيسوب (٤) ، أما في الأمثال العربية فيقال إنه الحمار ولكن الأشهر أنه الظليم (٥) (أو النعامة) ، وقد جرى المثل العربي على إسقاط اسم الحيوان المقصود؟ عمدا فيما يظن - فجاء على هذه الصورة: " كطالب القرن، جدعت أذنه "، ولكن الظليم؟ أو النعامة - قد ذكر في الشعر القديم (٦) ، وإطلاق المثل على الظليم أنسب لأنه يوصف بأنه

стр. 62

" أصلم "؟ أي مقطوع الأذنين - كما أن اسمه قد يدل على ما لحق به من ظلم حين قطعت أذناه (١) ، وحين يذكر الثعلب أو الحمار في هذا المثل فإن ذلك لا يقصد إلى تعليل خاصة فيزيولوجية ثابتة وإنما يشير إلى حادثة بعينها. أما أين ذهب ذلك الحيوان، فأمر تتجاهله الرواية العبرية والعربية بينا تنص عليه الروايتان السومرية واليونانية، فهو في الأولى قد ذهب إلى إنليل وفي الثانية إلى زوس (Zeus) . ويبدو أن نقله إلى خرافات إيسوب قد تم عن السومرية والعبرية، بعد أن أجري التحوير الضروري المطلوب عليه، ولكن من الصعب أن نجد تفسيرا لتغيير الثعلب السومري وجعله جملا في خرافات العبرانيين واليونانيين، إلا أن يكون صغر أذني الجمل بالنسبة لجسمه هو السبب في ذلك. وترد الخرافة في كليلة ودمنة عن الحمار (٢) ، وهي هناك حافلة بتفصيلات لا نجدها في أية رواية من الروايات الأخرى سواء أكانت سومرية أو يونانية أو عربية. ويدخل فيها عنصر الأيل الذي رآه الحمار وهو يشرب فأعجب بقرونه وأحب أن يكون له مثلها، وظل يتحين الفرصة حتى ذهب إلى الدار التي يعيش فيها الأيل، وخاطبه فلم يستطع أن يفهم لغة الحمير، وضاق صاحب الأيل به ذرعا فضربه، فارتد إليه الحمار فكدمه، فعندئذ عمد الأيل إلى أذني الحمار فجدعهما. وأغلب الظن أن الأيل هنا تحريف عن " انليل "، والا فليس في المألوف أن يكون الأيل مما يدجن ويأخذه صاحبه إلى الماء ليسقيه. وربما كان حلول الحمار محل الظليم؟ أو النعامة - في الشعر العربي من تأثير كليلة ودمنة، إذ نجد الإشارة إلى ذلك في شعر محدث، فقد نسب إلى بشار قوله: فصرت كالعير غدا طالبا ... (٣) قرنا فلم يرجع بأذنين ومثله قول الآخر: ذهب الحمار ليستعير لنفسه ... قرنا فآب وما له أذنان وقول ثالث:

стр. 63

كمثل حمار كان للقرن طالبا ... (١) فآب بلا أذن وليس له قرن (٢) قصة البعوضة (أو الذبابة) التي حطت على ثور (أو فيل) ثم قالت له: استمسك كيما أطير: وجدت هذه الخرافة في مجموعة أمثال أشورية نسخت سنة ٧١٦ ق. م. عن نسخة أقدم (٢) ، وقد وردت كذلك خرافات إيسوب (٣) ، ولم أعثر عليها منسوبة إلى الجاهلية، ولكن لابد أن تكون قد عرفت في دور مبكر قبل نهاية القرن الثاني الهجري، فقد وردت في رسالة بعث بها إبراهيم بن الأغلب (١٩٦/٨١١) إلى خريش بن عبد الرحمن الكندي يقول فيها: " أما بعد فإن مثلك مثل البعوضة التي قالت للنخلة إذ سقطت عليها استمسكي فإني أريد الطيران، فقالت النخلة: ما شعرت بسقوطك فيكربني طيرانك (٤) "، وبوضع " النخلة " بدل " الثور " أو " الفيل " يتحاشى ضارب المثل تشبيه نفسه بالحيوان، ومن الطريف أن هذا المثل ظل يحتفظ بصورته هذه في الأمثال العربية العامية حتى وقت متأخر، فقد عده الابشيهي من أمثال النساء، ونصه: " باتت ناموسة على جميزة، قالت: صبحك الله بالخير، قالت: مين دري بك قبله (٥) ". (٣) قصة الثعلب الذي لم يستطع أن يحصل على عنقود العنب، فقال معزيا نفسه: هو حامض. تبدو القصة السومرية؟ على رغم ما أصاب النص من تشويه - حافلة بالتفصيلات (٦) ، فالحيوان هو الكلب وما اشتهاه عذق من التمر، وأما في خرافات إيسوب فإن الحيوان

стр. 64

ثعلب والثمر المشتهى عناقيد من العنب (١) ، ومن صور هذا المثل في العربية (٢) : أيها العاتب سلمى ... أنت عندي كثعاله رام عنقودا فلما ... أبصر العنقود طاله قال هذا حامض ... لما رأى ألا يناله وهي على الأغلب مستمدة من قصة إيسوب، ومما يلفت النظر أن المثل في العربية العامية يتجاوز عن ذكر الحيوان، ويرد على النحو الآتي: عنقود مدلى في الهوا، من لا يصل إليه يقول: حامض ما استوى (٣) . فهذه الأمثلة الثلاثة تدل على أن خرافات إيسوب ذات أصول موغلة في القدم، وأن منها ما هو مشرقي في أصله وليس نتاجا يونانيا خالصا، وأن التلاقي بين آداب الشرق والغرب؟ وخاصة في هذا المجال - كان أوسع نطاقا. ويذكر كلمنت الإسكندري أن ديموقريطس خلال رحلاته في المشرق اقتبس من أقوال أحيقار وضمنها كتاباته الأخلاقية، وقد كان الباحثون في مطلع هذا القرن يميلون إلى استبعاد هذه الرواية، ولكن الشهرستاني أورد ثلاث حكم لديموقريطس موجودة في نصائح أحيقار (٤) ، كما أن في الأدب اليوناني حكما أخرى تبدو مستمدة من أحيقار نفسه، مما يؤكد هذا التلاقي (٥) . فإذا عدنا إلى البحث عن العلاقة بين خرافات الجاهلين على ألسنة الحيوانات وبين أساطير إيسوب، وجدنا خرافات الجاهلية من هذا المنطلق تسير في نوعين متوازيين

стр. 65

تكاد تكون العلاقة بينهما واهية، النوع الأول خرافات تصور حياة الحيوانات وعلاقاتها فيما بينها وطبائعها وحيلها ومكايدها، دون أن يرمي إثارة عبرة أخلاقية، أو إعطاء مثال للسلوك، وكأن غرض هذا النوع من الخرافات أن يقول إن ما يجري في عالم الإنسان من تظالم وغصب واستبداد وما إلى ذلك موجود مثله في عالم الحيوان، كالخرافة التي تروي أن الضفدع كان ذا ذنب فسلبه الضب ذنبه (١) ، وكالقصة التي يشير إليها أمية بن أبي الصلت في شعره فيقول: بآية قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب إذ يقول الجاحظ في تفسير هذه الإشارة: " وفي كثير من الروايات من أحاديث العرب أن الديك كان نديما للغراب، وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا، وذهب الغراب ليأتيه بالثمن حين شرب، ورهن الديك، فخاس به فبقي محبوسا (٢) ". وإلى مثل هذا النوع تنتسب الأمثال المبنية على أفعل، مثل: آلف من كلب، أجرا من الذباب، أجهل من حمار، أحمق من نعامة، وغير ذلك، فإنها جميعا في تبيان طبائع الحيوان، وإلى ذلك يشير حمزة الأصفهاني بقوله: " فحين تأموا (أي العرب) أخلاق تلك البهائم، فألفوها متفرقة في أنواعها ثم رأوها مجتمعة في الإنسان الذي يجمع إلى حرص الذئب حذر الغراب، وإلى تدبير الذر كسب النمل، وإلى هداية الحمام حزم الحرباء، وإلى حراسة الكراكي ختل الثعلب، إلى غير ذلك من أخلاقها، قالوا عند ضرب الأمثال بأخلاق الإنسان، إن فلانا له جرأة الأسد ووثوب النمر وروغان الثعلب وختل الفهد (٣) ؟ ". غير أن العرب؟ من ناحية ثانية - أجروا الحيوانات مجرى الأناسي، فتصوروها تذهب مذهب الإنسان في التهاجي والتفاخر، وعقدوا بينها منافرات كالتي كانت تجري بينهم، فالقطاة والحجلة تهاجيا، فقالت الحجلة للقطا: قطا قطا أرى، أمعك بيضك ثنتان وبيضتي مائتان، فقالت القطاة: حجل حجل، أنت تفرين في الجبل، إذا بصرت

стр. 66

بالرجل (١) ، وشبيه بذلك منافرة الأرنب للوبر، إذ قالت الأرنب: وبر وبر، عجز وصدر، وسائرك حقر نقر، فقالت الوبر، اران اران، عجز وكتفان، وسائرك أكلتان (٢) ، وليس وراء هذا النثر المسجوع أية عبرة أخلاقية، وإنما هو مذهب من التعبير والتباهي، جرى عليه الناس أنفسهم في منافراتهم. أما النوع الثاني فهو تلك الخرافات التي تهدف إلى العبرة، ومنها ما يبدو عربيا خالصا، لا سمة فيه لمؤثرات خارجية، كقصة الغراب الذي قال لأبنه: يا بني إذا رميت فتلوص؟ أي تلو - فقال: يا أبت إني أتلوص قبل أن أرمى، وقصة الضب الذي قال لأبنه: يا بني أتق الحرش، فقال يا أبه وما الحرش؟ قال: أن يأتيك الرجل فيمسح بيده على جحرك ويفعل، ثم إن جحره هدم بالمرداة، فقال: يا أبت، أهذا الحرش، فقال: يا بني، هذا أجل من الحرش (٣) ، وها هنا تتبدى البساطة والإيجاز معا في الخرافات ومنها ما هو ذو صلة وثيقة بالمؤثرات الخارجية، كهذه القصة المستمدة من أحيقار؟ وإن كنا لا نقطع بأنها كانت معروفة لدى الجاهليين - وتقول القصة إن رجلا من بني إسرائيل نصب فخا فجاءت عصفورة فنزلت عليه فقالت: مالي أراك منحنيا، قال: لكثرة صلاتي انحنيت، قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي بدت عظامي، قالت: فمالي أرى هذا الصوف عليك؟ قال: لزهدي في الدنيا لبست الصوف، قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكأ عليها وأقضي حوائجي، قالت، فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إن مر بي مسكين ناولته إياها، قالت: فإني مسكينة، قال: فخذيها، فدنت فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها، فجعلت تقول: قعي قعي (٤) ؛ هذه القصة مروية عن وهب بن منبه، ونسبتها إلى رجل من بني إسرائيل قد جعلت

стр. 67

الأستاذ عبد المجيد عابدين يعدها من الخرافات التي تعود إلى أصل إسرائيلي (١) ، مع أنها بابلية في نسبتها، ولكن رواية وهب بن منبه لها تدل على دور المثقفين بالثقافة اليهودية أو المسيحية في إشاعة هذا اللون من الخرافات قبل الإسلام وبعده، في البيئة العربية والإسلامية، ولهذه الخرافة نظائر أخرى لا حاجة بنا إلى إيرادها (٢) . ومن هذا النوع ذي الصلة الوثيقة بالمؤثرات الخارجية خرافات نجدها عند إيسوب، وإن لم يكن من الضروري أن تعود في الأصل إلى البيئة اليونانية، ومن أقدم هذه الصور المشتركة قصة الرجل والحية، وهي ذات جذور عميقة في الأدب الجاهلي (٣) حتى لنجدها مسرودة في قصيدة تنسب للنابغة الذبياني، يقول فيها (٤) : وإني لألقى من ذوي الضغن منهم ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره فقالت له أدعوك للعقل وافيا ... ولا تغشيني منك بالظلم بادره فواثقها بالله حين تراضيا ... فكانت تديه المال غبا وظاهره فلما توفى العقل إلا أقله ... وجارت به نفس عن الخير جائره تذكر أنى يجعل الله جنة ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره فلما رأى أن ثمر الله ماله ... وأثل موجودا وسد مفاقره أكب على فأس يحد غرابها ... مذكرة من المعاول باتره فقام لها من فوق حجر مشيد ... ليقتلها أو تخطى الكف بادره فلما وقاها الله ضربة فأسه ... وللبر عين لا تغمض ناظره تندم لما فاته الذحل عندها ... وكانت له إذ خاس بالعهد قاهره

стр. 68

فقال تعالي نجعل الله بيننا ... على مالنا أو تنجزي لي آخره فقالت يمين الله أفعل إنني ... رأيتك مسحورا يمينك فاجره أبى لي قبر لا يزال مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره والقصة في الأساطير العربية أن أخوين خربت بلادهما فأرادا انتجاع مرعى، وكان في جوارهما واد فيه حية قد حمته، فنزلاه، فعدت الحية على أحدهما فقتلته، فحلف أخوه ليأخذن بثأره، فلما لقيها ليقتلها عرضت عليه الصلح وأن تعطيه دية أخيه، كل يوم دينارا، وحلف كلاهما للآخر، حتى كان أن تذكر الرجل أخاه، وكأنه وجد من العار أن يقبل الدية بديلا عن الثأر، فلما حاول قتلها أخطأها، وأصاب صفاة كانت عند جحرها، ثم ندم لما فاته الذحل؟ كما يقول النابغة - فأراد أن يتعاهدا ثانية، فأبت الحية ذلك، وقالت له: " كيف أعاودك وهذا أثر فأسك "؟. أما في خرافات إيسوب فخلاصة القصة أن حية قتلت ابنا لأحد المزارعين، فغضب، وحمل فأسه وذهب إلى وكر الحية ولبث يترقب ظهرها ليضربها حالما تبرز، فلما أخرجت الحية رأسها أهوى عليها المزارع بفأسه ولكنه أخطأها وأصاب صخرة كانت هنالك، ثم عرض على الحية نوعا من التسوية والمصالحة، فقالت له الحية: لا، لأني لا أستطيع أن أحس بمشاعر الصداقة نحوك بعد أن رأيت أثر فأسك في الصخرة، وأنت لا تستطيع أن تنسى حين تنظر إلى قبر ابنك (١) . والمقتول؟ حسب الرواية العربية - أخ لا ابن، كما أن هناك عنصرا هاما قد حذف من الرواية اليونانية وهو الذهب، فالحية حسب الرواية العربية قبلت المصالحة، وأخذت تعطي الرجل كل يوم دينارا، فلما استشعر الغنى رأى أنه لم يعد بحاجة إلى الحية، وأخذ يتذكر ما كان من فقد أخيه، ولكن للقصة رواية لاتينية لا تتحدث أولا عن مقتل ابن أو أخ، وإنما عن صداقة عقدت بين رجل وحية، يقدم الرجل بموجبها اللبن للحية وتقدم الحية إليه ذهبا، وأن زوجة الرجل أشارت عليه بقتل الحية، بعد إذ أصبح الذهب لديه وفيرا، وحين أخطأ الرجل الحية وأثرت ضربته في الصخر، هاجمت الحية غنمه وقضت على عدد كبير منها، ثم قتلت ابنه فأشارت عليه زوجته مرة أخرى أن يصالح الحية، وحين حاول الرجل ذلك وأخذ قعبا من لبن

стр. 69

ليقدمه لها، دلالة على حسن نيته، قالت الحية له: " لن نستطيع أن نعود إلى ما كنا عليه لأني حين أرى أثر الضربة سأتذكر الفأس، وأنت حين ترى سرير ابنك خاليا ستتذكر إساءتي إليك " (١) . هذه الخرافة ترجع فيما يقال إلى أصل هندي (٢) ، ومع ذلك فإننا نلحظ فيها تغييرا أساسيا في الرواية العربية، وذلك هو جعل المقتول أخا لا ابنا، لأن ذلك هو الذي يتفق مع النسبة الكبرى من قصائد الرثاء في العصر الجاهلي (٣) . وبعد العصر الجاهلي تصبح هذه الروايات أو الخرافات، جزءا هاما من الأدب الإسلامي، حتى إن رواتها لا يترددون في نسبة مثلها إلى الرسول. فقد نسب إلى النبي قوله: " مثل الذي يفر من الموت كالثعلب تطلبه الأرض بدين، فجعل يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني ديني، فخرج فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات (٤) ". وترد قصة الأثوار الثلاثة في خطبة لعلي ابن أبي طالب، على النحو التالي: " إنما مثلي ومثل عثمان كمثل ثلاثة أثوار كانت في أجمة، أبيض وأسود وأحمر، ومعها أسد فكان لا يقدر منها على شيء لاجتماعها عليه، فقال الأسد للثور الأسود وللثور الأحمر: إنه لا يدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور، ولوني على لونكما، فلو تركتماني آكله خلت لكما الأجمة وصفت، فقالا: دونك وإياه فكله، فأكله، ومضت مدة على ذلك ثم إن الأسد قال للثور الأحمر: لوني على لونك فدعني آكل الثور الأسود، فقال له: شأنك به، فأكله، ثم بعد أيام قال للثور الأحمر: إني آكلك لا محالة، فقال: دعني أنادي ثلاثة أصوات، فقال افعل، فنادى: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض (قالها ثلاثا) (٥) ، وهذه أيضا من قصص إيسوب (٦) .

стр. 70

وتعود إلى الظهور تلك القصة التي تتصل بأوميرس عن الليث الذي يأبى أن يلطخ شاربه بدم الخنزير، في رسالة كتب بها المنصور العباسي إلى ابن هبيرة، حين دعاه للمبارزة، ونص الرسالة: " يا ابن هبيرة إنك امرؤ متعد لطورك، جار في عنان غيك، يعدك الشيطان ما الله مكذبة، ويقرب لك ما الله مباعده؟ مثلي ومثلك أن أسدا لقي خنزير، قاتلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني اليه فقتلتك قيل: قتل خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان مسبة علي وإن قل، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت فأعلمت السباع أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عار كذلك أيسر علي من لطخ شاربي بدمك " (١) وورود هذه الحكاية على هذا النحو في تاريخ إسلامي مبكر، ينفي ما حاول ابن بطلان أن يرسخه في اذهاننا، وهو أن هذه الحكاية مترجمة مباشرة عن اللغة الإغريقية (٢) ، إلا أن نفترض أن مثل هذه الترجمة قد تم في تاريخ مبكر جدا قد يرجع إلى العصر الجاهلي. وفي عهد المنصور العباسي نفسه نصادف خرافة أخرى يرويها وزيره أبو أيوب المورياني، فقد كان أبو أيوب يخشى المنصور، فيما قيل، وإذا طلبه للمثول بين يديه اصفر وارتعد، فلما سئل عن سبب ذلك ضرب مثلا فقال: زعموا أن بازيا وديكا تناضرا، فقال البازي للديك: ما أعرف أقل وفاء منك، فقال: وكيف؟ قال: لأنك تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ها هنا وها هنا وصحت، وإن علوت حائط دار كنت فيها سنين طرت وتركتها وصرت إلى غيرها، وأنا أوخذ من الجبال وقد كبرت سني، فأطعم السيء القليل وأونس يوما أو يومين ثم أطلق على الصيد فأطير وحدي، فآخذه وأجىء به إلى صاحبي، فقال له الديك: ذهبت عنك الحجة، أما لو رأيت بازيين في سفود ما عدت اليهم أبدأ، وأنا كل يوم ووقت أرى السفافيد مملوءة ديوكا، وأقيم معهم، فأنا أوفى منك لو كنت مثلك (٣) .

стр. 71

وهذه القصة؟ وإن لم توجد في خرافات إيسوب - تدل على أن نقل كليلة ودمنة إلى العربية، في حدود هذه الحقبة التي نومئ إليها، كان يمثل رغبة الناس في هذا اللون من الأمثال، كما أنه أيضا كان ذا أثر في توجيه الأنظار إلى الينابيع الفارسية والهندية التي يستمد منها ذلك الأدب. وحين نجد أن أبان بن عبد الحميد اللاحقي وغيره قد نظموا قصص كليلة ودمنة (١) ، ليسهل حفظها في أغلب الظن، وأن سهل بن هارون قد عارضها بكتاب سماه " ثعلة وعفرة " (٢) يتجلى لنا أن الاهتمام بهذا اللون من الأدب كان آخذا في الازدياد، رغم أن مصادرنا من القرن الثالث لا تؤيد هذه الحقيقة على نحو مباشر (٣) ، ولكن يحق لنا أن نعتبر مصادر القرن الرابع، مصداقا على ما كان يجري في القرنين السابقين، وبخاصة كتب المختارات المتنوعة مثل البصائر للتوحيدي، فإنما هي عودة إلى تنسيق ضروب النشاط الأدبي في ذينك القرنين السابقين. ولما كان ما يهمنا من ذلك الأدب هو مدى لقائه بنظيره اليوناني، فإني سأعرض؟ في إيجاز - نماذج تمثل ذلك اللقاء، على أن يرد أكثر الحكايات بشكله الكامل، في ملحق خاص بها (٤) . ١ - قصة الشيخ الذي نصب للعصافير فخا، وضربه البرد، فكلما قبض على عصفور، دمعت عينه مما كان يصك وجهه من برد الشمال، فظنته العصافير امرءا صالحا رقيق الدمعة، فقال عصفور منها: لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه (الحيوان ٥: ٢٣٨ - ٢٣٩ وملحق بابريوس رقم: ١٩٣، ص ٤٥٨) ، وقد مرت حكاية أخرى عن مناسك نصب فخا (انظر: ٧٢ فيما تقدم) ، ويمكن أن تقارن

стр. 72

القصتان بثالثة رواها صاحب العقد (٣: ٦٨) عمن صاد قبرة فرجته أن يطلقها على أن تقدم له ثلاث نصائح. ويبدو أن هذا النوع من القصص قد كان ملائما للتعبير عن الحقيقة الخادعة تحت مظهر نسكي. ٢ - قصة الذئب الذي أخذ يعدد الذنوب على الحمل افتئاتا، لكي يسوغ لنفسه أكله (١) (الدرة الفاخرة: ٢٩٤ وانظر الميداني ١: ٣٠٢ والزمخشري ١: ٢٣٣ وبابريوس رقم ٨٩، ص: ١١١ وفايدرس، الكتاب الأول رقم: ١، ص: ٩١) ويبدو أن هذه القصة قد وضعت في صيغة شعرية، في عهد مبكر، إذ جاءت على هذا النحو (٢) : وأنت كذئب السوء إذ قال مرة ... لعمروسة والذئب غرثان مرمل أأنت الذي من غير جرم سببتني ... فقال متى ذا قال ذا عام أول فقال ولدت العام بل رمت ظلمنا ... فدونك كلني لا هنا لك مأكل ٣ - قصة الحمار الذين يهين الفيل بقوله له: " يا أخي "، وإذ يستغرب الفيل هذه القرابة يشير الحمار إلى الشبه بين غرموله وخرطوم الفيل (الدرة الفاخرة: ٥٥٢ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٦ وفايدرس، الكتاب الأول رقم: ٢٩، ص: ٢٢٥ وقد جمعت هذه القصة أيضا عند فايدرس معنى الاستعلاء الذي أدى بالليث إلى أن يعف عن دم الخنزير لئلا يلطخ به شاربه) . ٤ - قصة الأسد والثعلب والذئب الذين اصطحبوا معا في رحلة صيد، فصادوا حمارا وظبيا وأرنبا، وسئل الذئب أن يقوم بالقسمة فأعطى الحمار للأسد والأرنب للثعلب واحتفظ لنفسه بالظبي، فخبطه الأسد فأطاح رأسه، قم أقبل على الثعلب وطلب إليه إجراء القسمة فقال الثعلب: الحمار لغدائك والظبي لعشائك والأرنب في ما بين ذلك، وقد تعلم القسمة العادلة من رأس الذئب الطائح عن جثته (الدميري ١:

стр. 73

١٦١ - عن المعافى بن زكريا النهرواني (٣٩٠/٩٩٩) صاحب كتاب أنيس الجليس ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٧ وملحق بابريوس رقم: ١٤٩، ص: ٤٤٩، وفي الحديث عن " حصة الأسد " انظر أيضا بابريوس رقم: ٦٨، ص: ٨٣ وفايدرس، الكتاب الأول، رقم: ٥، ص: ١٩٩) . ٥ - قصة الأسد الذي اعتل فزارته جميع السباع إلا الثعلب، فكاد له الذئب، فانتقم منه الثعلب بأن جاء عائدا للأسد ووصف له دواء يشفيه من مرضه وهو مرارة الذئب، فضربه الأسد، وكان ضعيفا، فسلخ بعض جلده، ومضى الذئب ملطخا بدمه والثعلب يصيح في أثره " يا صاحب السراويل الأحمر، إذا جلست عند الملوك فأعقل كيف تتكلم " (البصائر ٢: ٧٢٧ وكتاب الأذكياء لابن الجوزي والدميري ١: ١٦١ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٦ ودالي رقم: ٢٥٨، ص: ٢٠٠ - ٢٠١ وبابريوس ص: ٤٧٣) . ومع أن العبرة في الروايتين متفقة، فثمة فروق أساسية بينهما، منها أن الدواء في القصة الأيسوبية هو جلد الذئب ومرارته، وهو هنالك يموت ولا ينجو بنفسه، وإنما يقف الثعلب فوق جثته شامتا ويقول: " لا بد للمرء من أن ينصح الملك بالحب ر بالكراهية ". ٦ - قصة الثعلب (أو الذئب) الذي ابتلع عظما فبقي في حلقه، فاستخرجه الكركي بأجر فلما طالب بأجره قال له الثعلب إن أجرتك خروج رأسك صحيحا من حلق الثعلب (البصائر ٢: ٧٠٢ - ٧٠٥ والكلم الروحانية: ١٣١ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٦ وبابريوس رقم: ٩٤، ص ١١٥ وفايدرس، الكتاب الأول رقم: ٨، ص: ٢٠١) . ٧ - قصة الكلب الذي عدا خلف غزال، فقال الغزال: أنك لن تلحقني لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك (البصائر ٢: ٣٠٥ وعند بابريوس عن كلب وأرنب بري، رقم: ٦٩، ص: ٨٥ وعند الدميري ١: ١٦٠ عن كلب وثعلب وعند ابن الجوزي: ٢٥٥ عن كلب وذئب) . ٨ - قصة الجمل الذي قيل له أتصعد أو تهبط؟ فقال: ذهب الاستواء من الأرض؟! (البصائر ٧ الفقرة رقم: ٦٢ وبابريوس رقم: ٢٨، ص: ١٥) .

стр. 74

٩ - قصة الرجل الذي أراد أن يثبت لأبنائه فائدة الاتحاد، فعرض عليهم أن يكسوا حزمة من عصي مجتمعه فما قدروا، ولكن كل واحد منهم كان يقدر على ان يكسر العصا مفردة (١) (بابريوس رقم: ص: ٦٣، وأعتقد أنها مبكرة في تاريخها، وأنها تنسب للمهلب بن أبي صفرة، وإنما أضعها هنا، بحسب الترتيب الزمني (أواخر القرن السابع) لأنها تروى عن زاوي بن زيري أحد زعماء البربر في الفتنة البربرية في الأندلس (انظر لسان الدين ابن الخطيب، الإحاطة ١: ٥٢٣) . ١٠ - قصة الجدي الذي وقف على سطح، وشتم ذئبا مارا، فقال له الذئب لست أنت الذي تشتمني إنما يشتمني الموضع الذي أنت فيه (الكلم الروحانية: ١٣١ - ١٣٢ وبابريوس رقم: ٩٦، ص: ١٢٥) . ١١ - قصة ثعلب رأى أفعى فوق جرزة شوك وقد حملها السيل فقال: هذه السفينة لا يصلح أن يصلح أن يكون لها إلا مثل هذا الملاح (الكلم الروحانية: ١٣٢ والمجتنى رقم: ٤ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٧ وانظر تخريجها عند روزنتال، حيث يذكر أن لها شبها في قول من أقوال أحيقار، النص العربي رقم: ٢٨) . ١٢ - قصة ثعلب أراد أن يصعد حائطا فتعلق بعوسجة فجرحته فلما لامها قالت: لقد أخطأت حين تعلقت بي وأنا من عادتي أن أتعلق بكل شيء (الكلم الروحانية: ١٣٢ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٧ وملحق بابريوس ص: ٤٢٥ رقم: ١٩ وهي عند دالي رقم ١٩، ص: ١٠٢) . ١٣، - ١٤ - قصة الكلب الذي عير الأسد بنكوله، وقصة الخنزيرة التي عيرت اللبؤة بقلة الأولاد (وقد مرت القصتان ص: ٥٠؟ ٥١، وهما عن ابن بطلان، ومر تخريجهما) .

стр. 75

١٥ - تمثل برسيس (Persius) (١) لما بلغة أن عدوه اغتابه فقال: بلغنا أن كلبا وقردا اجتازا بمقبرة سباع، فقال القرد للكلب، اصعد بنا نترحم على إخواننا هؤلاء، فقال الكلب: ومن أين بينكما معرفة؟ فقال القرد: سبحان الله! ما اعلم شيئا من هذا، ولكني كنت أود أن يكون أحدهم حاظرا وتقول هذا (رسائل ابن بطلان، الورقة: ١٦٢ وبابريوس رقم: ٨١، ص: ١٠١ والملحق ص: ٤٣٥ - ٤٣٦ حيث تخريجها) . ١٦ - ذكروا أن فيلسوفا أودع بعض أمناء قضاة أثينية ثوبا فضاع عنده فأغتنم به الفيلسوف غما شديدا، فعير بذلك، فقال: بلغنا أن خطافة عششت في مجلس قاض فسرقت الحية فراخها، فعزاها الطير فلم تتعز فأنكر ذلك عليها فقالت: والله ما بكائي لتفردي دون الطير بهذه الرزية وإنما بكائي لما يأتي علي من الجور في مجلس الحكم (رسائل ابن بطلان، الورقة: ١٦٢ وتاريخ الحكماء: ٣٠٩ وبابريوس رقم: ١١٨، ص: ١٥٥) . هذه نماذج وحسب، يمكن أن يضاف إليها غيرها، وبعضها قد عرفه العرب مترجما عن الإغريق (مثل ٦، ١٠ - ١٦) ، وبعضها مشترك بين أمم مختلفة، كما أن قسما منها قد يكون عربيا خالصا (انظر رقم: ٨) ، وقد زاد نطاق التلاقي بين الأدبين بعد إذ أصبح " كليلة ودمنة " جزءا من التراث العربي (٢) ، كما أن نطاق الخرافات الأيسوبية أتسع على مر الزمن، فنسب إلى إيسوب كثير من الحكايات التي كانت من قبل تروى عن غيره، وأكتفي هنا بإيراد مثلين:
следующие страницы →