رسالته في أبي تمام والتطور في رأيه النقدي
إلا ان ابن المعتز لم يكن دائماً ذلك الناقد التأثري الذي تتملكه صيحات الإعجاب أمام الأثر الادبي، وإنما نعتقد أن كتاب " طبقات الشعراء " يمثل مرحلة متأخرة في حياته، ودليلنا على ذلك موقفه النقدي من أبي تمام، إذ يبدو أن هذا الموقف مر بمرحلتين: مرحلة تمثلها رسالة مستقلة كتبها في نقد أبي تمام (١) ومرحلة يمثلها كتاب الطبقات.
وقد احتفظ لنا التوحيدي بمقدمة تلك الرسالة (٢) ، وهي مقدمة تدل على موقف ابن المعتز ومنهجه في نقده، يقول فيها " سهل الله عليكم سبيل الطلب، ووقاكم مكاره الزلل فيما رأيت من تقديم بعضكم الطائي على غيره من الشعراء أمراً ظاهراً، وهو أوكد أسباب تأخير بعضكم إياه عن منزلته في الشعر لما يدعو إليه اللجاج؛ فأما قوله فيه فإنه بلغ غايات الإساءة والإحسان، فكأن شعره قوله:
إن كان وجهك لي تترى محاسنه ... فغن فعلك بي تترى مساويه وقد جمعنا محاسن شعره ومساوئه في رسالتنا هذه، فرجونا بذلك ابتداع (؟) المسهب في امتداحه، ورد الراغب عنه إلى إنصافه، واختصرنا الكلام إيثاراً (٣) لقصد ما نزعنا إليه وتوقياً لإطالة ما يكتفي بالإيجاز فيه؟ الخ ".
فخلاصة رأي الناقد في أبي تمام في هذه الرسالة " أنه بلغ غايات الإساءة والإحسان " أما في الطبقات فقد أصاب رأيه بعض التغير حيث قال: " واكثر ماله جيد والرديء الذي له إنما هو شيء يستغلق لفظه فقط، فأما أن يكون
стр. 107
في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا " (١) . غير أن نقده في الرسالة تطرق إلى أشياء أخرى من عيوب أبي تمام مثل رداءة المعنى وإخفاق المطابقة وسرقة المعنى دون أن يحسن أخذه والاستعمال الغريب والإغراق في المدح، وتعليقاته في أثناء ذلك قاسية حادة مثل قوله: " وهذا من الكلام الي يستعاذ بالصمت من أمثاله ". وقال عندما أورد لأبي تمام استعارة " شيب الفؤاد ": فيا سبحان الله ما أقبح مشيب الفؤاد. وما كان اجرأه على الأسماع في هذا وأمثاله " (٢) .
أما في الناحية اللفظية فقد عابه باستعمال الألفاظ الغريبة مثل " الدفقي " و " القاصعاء " و " النفقاء " ثم قال: " إنها من الغريب المصدود عنه وليس يحسن من المحدثين استعمالها لأنها لا تجاوز بأمثالها ولا تتبع اشكالها، فكانها تشكو الغربة في كلامهم " (٣) .
وبين موقفه من قضية السرقة، وهو يشبه آراء نقاد آخرين من معاصريه فقال: " ولا يعذر الشاعر في سرقته حتى يزيد في إضاءة المعنى أو يأتي بأجزل من الكلام الأول، أو يسنح له بذلك معنى بفضح به ما تقدمه ولا يفتضح به وينظر إلى ما قصده نظر مستغن عنه ولا فقير إليه " (٤) ، ثم بين أن العيوب التي عدها وأورد شواهدها من شعره لم تكن إلا نماذج وأنه أسقط ذكر عيوب أخرى ولم يثبتها في رسالته. ومع أن تعليقات ابن المعتز في رسالته هذه ما تزال تأثرية فإنها تبين أن وقوفه إلى جانب المحاسن والمساوئ يهدف إلى شيء من الموضوعية، غير أن القطعة التي بقيت من
стр. 108
الرسالة لا تتضمن سوى ذكر المساوئ، التي ترتفع إلى حد الاتهام المتحامل أحياناً. كان يقال إن أبا تمام أخفى الشعر الذي يشبه شعره حين صنع مختاراته لتخفي سرقاته، وذلك ما أشرنا إليه فيما سبق عند الحديث عن حماسة أبي تمام.
أبو تمام ومذهبه سبب في تأليف كتاب البديع
ويصح لنا أن نقول إن أبا تمام كان يمثل " مشكلة فنية " لدى ابن المعتز، وان هذه المشكلة بدأت مبكرة في تصوره لها، وكانت سبباً من الأسباب التي وجهته إلى تأليف كتاب البديع، ليدل على أن هذا الفن موجود عند العرب وفي القرآن والحديث وكلام الصحابة، وان المحدثين لم يكونوا مبتكرين له وان " حبيب بن أوس من بعدهم شغف به حتى غلب عليه وتفرغ فيه واكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف " (١) .
وقد كان ابن المعتز على وعي بأن هذا الفن لم يعرفه العلماء باللغة والشعر القديم ولا يدرون ما هو وما هي الأنواع التي تقع تحته، وانه مبتدع في استقصائه لصوره وأنواعه غير مسبوق إلى ذلك؛ وقد ألف كتابه سنة ٢٧٤ وكان أول من نسخه منه هارون بن يحيى بن أبي المنصور المنجم (٢) . وفنون البديع عنده خمسة وهي: الاستعارة والتجنيس والمطابقة ورد إعجاز الكلام على ما تقدمها والمذهب الكلامي؛ وقد كان الجاحظ ذكر البديع وأورد أمثلة منه في البيان والتبين، وهو صاحب مصطلح " المذهب الكلامي " بغقرار ابن المعتز نفسه، وبعض المصطلحات الأخرى إنما هي مما استعمله الناس قبل ابن المعتز، فالاستعارة مثلاً مصطلح قديم. كذلك
стр. 109
يفهم من خبر مروي عن أبي الحسن علي بن الحسن الأخفش أن الخليل والأصمعي كانا يعرفان " الطباق " (١) ويروي أحدهم عن الأصمعي حديثاً في المطابقة، وانه كان يمثل عليها بقول زهير:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا وقول الفرزدق:
لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار (٢) (يريد التطابق بين كذب وصدق؛ وبين لا يغدرون ولا يفون) .
ولكن فضله إنما يتمثل في حشد الشواهد لها من النثر والشعر في القديم والحديث.
ومع أن الكتاب قد سمي باسم " البديع "، وهو موضوعه الرئيس، فإن ابن المعتز أضاف إليه " بعض محاسن الكلام والشعر " لتكثر فائدة كتابه، فتحدث في الالتفات والاعتراض والرجوع وحسن الخروج وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل العارف والهزل الذي يراد به الجد والتضمين والتعويض والكتابة والإفراط في الصنعة وحسن التشبيه، فكأنه كان يضع كتاباً في البلاغة، مصراً على أن لفظة " البديع " لا تتناول إلا الخمسة الأولى. والكتاب يمثل مع " البيان والتبين " النواة لعلم البلاغة العربية، ولا يمس النقد الأدبي إلا بطريقة عارضة، من حيث أن النقاد من بعد شغلوا أنفسهم ببعض هذا المصطلح البلاغي في تقويمهم للشعر. غير ان الروح التي أملت الكتاب كانت تمثل جانباً من الحركة النقدية في القرن الثالث، على نحو طريف معكوس، فبدلاً من إنصاف الشعر المحدث، ذهب ابن المعتز ينصف القديم، وعن
стр. 110
هذه الطريق أكد أن البديع لم يكن بدعاً مستحدثاً، وغنما كان الفضل فيه للقدماء، فالبديع إذن جزء من الموروث الكبير، وهو بهذا ذو أصول راسخة، وليس العيب فيه وإنما العيب في الإفراط في استخدامه، والإفراط مذموم في كل الأمور.
لهج ابن المعتز بالبديع في مجالسه الخاصة
وقد عرف ابن المعتز بين أبناء عصره باللهج بالبديع والإحساس الدقيق في استكشاف نماذجه وبحثه عنها في الأدب العربي القديم، حتى كانوا يسلمون له السبق في هذا الميدان؛ قال فيه الصولي أنه " كان يتحقق بعلم البديع تحققاً ينصر دعواه فيه لسان مذاكراته " (١) . ويروي الحاتمي عن الصولي أن ابن المعتز سال بعض المجتمعين في مجلسه من فرسان الشعر: ما احسن استعارة للعرب اشتمل عليها بيت من الشعر؟ فقال الأسدي، قول لبيد:
وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فجعل للشمال يداً وزماناً؛ قال أبو العباس (أي ابن المعتز) : هذا حسن وغيره أحسن منه، وقد أخذه من قول ثعلبة بن صعير المازني:
فتذكرت ثقلاً رثيداً بعدما ألقت ذكاء يمينها في كافر
قال: وقول ذي الرمة اعجب إلي منه وغن تأخر زمانه:
ألا طرقت مي هيوماً بذكرها ... وأيدي الثريا جنح للمغارب وقال بعضهم: بل قول لبيد:
стр. 111
ولقد حميت الحي تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها فقال أبو العباس: هذا حسن، ولكن يعدل عنه إلى قول لبيد (الأول) ؛
وقال آخر: قول الهذلي:
ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها قال أبو العباس: هذا بديع، وأبدع منه في استعارة لطيفة الاسبيداع قول الحصين بن الحمام المري لأنه جمع الاستعارة والمقابلة في قوله:
نطاردهم نستودع البيض هامهم ... ويستودعون السمهري المقوما فقال بعضنا: بل قول ذي الرمة:
أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ... ولف الثريا في ملاءته الفجر فقال أبو العباس: هذا لعمري نهاية الخيرة، وذو الرمة أبدع الناس استعارة، إلا أن الصواب " حتى ذوي العود والثرى - بواو النسق - لان العود لا يذوي ما دام في الثرى " (١) ؟؟ وهكذا استمر حضور ذلك المجلس يوردون استعارة بعد أخرى وابن المعتز في كل تعليقاته ينبئ عن ذوق فني دقيق في الحكم على أنواعها، وهو أمر يشير إلى الوجهة الفنية التي حفزت ابن المعتز إلى تأليف كتاب في البديع.
стр. 112
الاتجاهات النقدية في القرن الرابع
стр. 113
الاتجاهات النقدية في القرن الرابع
أبو تمام - المتنبي - أرسطو، وأثرهم في نقد القرن الرابع
لولا ثلاثة أشخاص كانوا قوى دافعة في توجيه النظرية الشعرية في نقد القرن الرابع، لقدرنا أن يكون حظ ذلك النقد في الاتساع أقل مما أتيح له، ولكن أولئك الأشخاص الثلاثة جعلوا للنقد محوراً ومجالاً، سواء أكان ذلك في الحدود النظرية أو التطبيقية، واضطروا النقاد إلى أن يتعمقوا سبر غور العلاقة بين النظر والتطبيق فيحققوا للنقد شخصية متميزة بعض التميز. أما تلك القوى التي نشير إليها فهي أبو تمام وأرسطو والمتنبي. ولذلك يمكن أن يدرس معظم النقد في القرن الرابع في ثلاثة فصول هي: الصراع النقدي حول أبي تمام، والنقد في علاقته بالثقافة اليونانية، ومعركة النقد التي دارت حول المتنبي.
وقد استعمل النقد في هذه المجالات جميع الوسائل التي ورثها من العصر السابق، ومما قبله من عصور، ولم يطرح منها إلا ما كانت تفرضه مناسبة دون أخرى، ومن الطبيعي أن نجد أبا تمام يشغل النصف الأول من القرن الرابع وأن يقابله المتنبي في النصف الثاني، وأن يظل التمرس بالثقافة اليونانية مستمراً طوال القرن، بل أن يتعداه إلى ما بعده.
стр. 114
محاولات أخرى، وكتب نقدية لم تصلنا
غير أن هذه الصور النقدية الثلاث - وهي أوسع مجالات النقد في القرن الرابع - يجب إلا تحجب عن أنظارنا الجهود النقدية الأخرى: فهناك محاولة أبن طباطبا في " عيار الشعر "، وأكبرها عمقاً، ولكنها تكاد تعتمد اعتماداً كلياً على صفاء الذوق الفني؛ كذلك فإن المبادئ النقدية استخدمت في دراسة الإعجاز القرآني على يد جماعة من غير النقاد فيهم الخطابي والرماني والباقلاني، وذلك مجال آخر حقيق بالدرس والنظر، وكل صورة من هذه الصور النقدية وغيرها تضيق أو تتسع بحسب ما وصلنا من مصادر؛ ولذا فإن البحث في نقد القرن الرابع قد يحظى بمزيد من الخصب حين تستكشف كتب ألفت في الشعر، ولا نعرف عنها شيئاً سوى الأسماء: ذلك من كتاب " المدخل إلى علم الشعر " لمحمد بن الحسن بن يعقوب العطار (- ٣٥٥) وكتاب " الترجمان في الشعر " للمفجع البصري (- ٣٢٧) (١) و " كتاب الشعر " لمحمد بن الحسين بن محمد الفارسي أبن أخت أبي علي الفارسي (- ٤٢١) وكتاب " خضارة " في نعت الشعر لأبي الحسين أبن فارس (- ٢٩٥) .
النقد في كتاب الصاحبي
أما ما أورده أبن فارس في كتاب الصاحبي عن الشعر فإنه كرر فيه تعريف قدامة بن جعفر للشعر بأنه " كلام موزون مقفى دال على معنى " ثم زاد على ذلك قوله " ويكون أكثر من بيت " حتى ينفي من الشعر ما جاء موزوناً اتفاقاً؛ ثم ذكر الأسباب التي جعلت النبي منزهاً عن الشعر وفي جملتها أن الشعر يقوم على الكذب، تلك النظرية التي دافع عنها قدامة بقوة. وتحدث
стр. 115
عن ركوب الشعراء للضرورات والجوازات، ومن ملاحظاته التي تستحق التنويه قوله في تفاوت الشعراء " وقد يكون شاعر أشعر وشعر أحلى وأظرف فأما أن تتفاوت الأشعار القديمة حتى يتباعد ما بينها في الجودة فلا " (١) ، وهو يرى أن الاختيار الذي يزاوله الناس إنما هو شهوات، كل يستحسن شيئاً حسب شهوته (٢) ؛ والتعبير عن اختلاف الأذواق بالشهوات أمر طريف حقاً، قد يومئ إلى أن أبن فارس - وهو اللغوي الذي يهمه الشعر للاستشهاد - لم يكن يرى أن هناك أشياء تجمع عليها الأذواق المتباينة.
النقد في اختيار الخالدين المسمى الأشباه والنظائر
وقد ذهبت بعض الجهود النقدية في اتجاه عملي، يمثل النقد فيه ناحية ضمنية أو شبه ضمنية وخاصة في كتب الاختيار؛ ومن أهم المختارات العامة حماسة الخالديين التي تسمى " الأشباه والنظائر "، ويمثل هذا الكتاب عودة إلى إبراز روائع الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين حين وجد المؤلفان أن إقبال الناس على المحدثين قد طغى على كل ما عداه، وقد رسما لهما منهجاً هو العدول عن شعر المشاهير لكثرتها في أيدي الناس، على أنهما لم يخليا كتابهما من بعض الشعر المحدث، وكان من أهم الشئون النقدية التي وقفا عندها التنبيه إلى المعاني المخترعة والمتبعة، وذكر النظائر والأشباه وتبيان المعنى المسروق (٣) ؛ وتعليقات الخالديين تتفاوت بين شرح للمعنى أو التنويه بحسن التشبيه أو حسن التقسيم أو جودة المعنى وأشباه ذلك؛ وهما لا ينتقصان الشعر المحدث، بل يريان أن أشعار المحدثين وتدقيقهم في المعاني أضعاف ما للمتقدمين إلا أن المتقدمين لهم الاختراع وللمحدثين
стр. 116
الاتباع " (١) ويوردان قطعة لمسلم بن الوليد يصف فيها مشي امرأة ثم يعلقان على ذلك بقولهما " لولا أن شرطنا ألا نقدم في هذا الكتاب إلا أشعار المتقدمين ثم نأتي بعد ذلك بالنظائر للمحدثين والمتقدمين لكان سبيلنا أن نجعل هذه الأبيات الأمام في هذا المعنى لجودة ألفاظها وصحة معانيها وإنها واسطة القلادة في هذا المعنى " (٢) . ومع إن " الأشباه والنظائر " تشبه " المفضليات " من حيث اعتمادها شعر غير المشاهير، فإنها تختلف عنها وعن حماسة أبي تمام وعن كثير من كتب الاختيارات بوضوح كثير من الأسس النقدية فيها من خلال المفاضلة والمقارنة وإرسال الأحكام والتعليقات، هذا إلى إنها حافلة بتوضيح الجو العام في كثير من القصائد وذلك بإيراد المناسبة التي استدعتها؛ ونظرية السرقات فيها تمثل ما شاع حول هذه النظرية في نقد القرن الرابع وهي أن من أخذ المعنى وزاد فيه وحسن في لفظه كان أحق به من السابق إليه (٣) .
النقد في تشبيهات أبن أبي عون
وهناك اختيارات اعتمدت قاعدة صورية لا موضوعية أو جمعت بين الاثنتين جاعلة الأولى هي الأساس المقدم، واعني بذلك كتب التشبيهات وفي طليعتها كتاب أبن أبي عون في هذا الموضوع. ومن الطريف أن أبن أبي عون يرى الشعر قائماً على ثلاثة أنحاء: المثل السائر والاستعارة الغريبة والتشبيه الواقع النادر (٤) وإنما خرج عن هذه الأقسام الثلاثة فكلام وسط أو دون طائل فيه ولا فائدة معه، وإن أجل هذه الأنحاء وأصعبها على صانعها التشبيه وذلك أنه لا يقع إلا لمن طال تأمله ولطف حسنه وميز بين
стр. 117
الأشياء بلطيف فكره (١) ؛ وقد وعد أبن أبي عون أن يتبع كتابه في التشبيهات بكتاب في الاستعارة وكتاب في الأمثال؛ وهذه قسمة للشعر عجيبة، كما أن قول أبن أبي عون أن التشبيه أصعب من الاستعارة أو من المثل السائر، ربما لم يقره الذين يمارسون صنعة الشعر. وقد كثرت العناية بالتشبيه في القرن الرابع وأفردت فيه مؤلفات، منها كتاب لحمزة بن الحسن، وكتاب " روائع التوجيهات في بدائع التشبيهات " لنصر بن يعقوب، الذي ألف أيضاً كتاب " ثمار الأنس في تشبيهات الفرس " (٢) ؛ وإن التوفر على التشبيهات في المشرق والمغرب، يدل على أن الاهتمام بالصورة الأدبية، هو الذي أخذ يسيطر على الذوق العام، إلى أن تتضاءل القصيدة في نظر النقاد بحيث تصبح عدداً من الصور المختارة لروعتها.
السرقات في نقد القرن الرابع
وقد شغل النقد في القرن الرابع كثيراً بالكشف عن السرقات؛ وسوف يتضح هذا في النقد الذي دار حول أبي تمام والبحتري والمتنبي؛ غير أن هناك شعراء آخرين ألفت كتب في الحديث عن سرقاتها، ومما وصلنا في هذا الموضوع " سرقات أبي نواس " لمهلهل بن يموت بن المزرع (- ٣٣٤) ؛ وتذكر المصادر كتاباً عاماً في السرقات لجعفر بن محمد أبن حمدان الموصلي (- ٣٢٣) ، يقول أبن النديم؛ ولم يتمه، ولو أتمه لاستغنى الناس عن كل كتاب في معناه (٣) . ولعل التأليف في السرقات يربو على المؤلفات في أي موضوع آخر.
وسنتحدث في الصفحات التالية عن أهم الظواهر النقدية في القرن الرابع،
стр. 118
مع ملاحظة الناحية الزمنية في كل مبحث على حدة، بقدر المستطاع، على أن نذكر أن النقد المتأثر بالثقافة اليونانية كان من أقل التيارات ظهوراً في مجال التطبيق لأمور تتبين أثناء العرض المسهب لذلك الاتجاه، في موضوعه من هذه الدراسة.
стр. 119
اعتماد الذوق الفني في إنشاء نظرية شعرية
(عيار الشعر لابن طباطبا - ٣٢٢)
لمحة عن ابن طباطبا
عاش الشاعر أبو الحسن محمد بن احمد بن طباطبا (١) بأصبهان وتوفي فيها، وله كتب ألفها في الأشعار والآداب أشهرها " عيار الشعر "، وهو من الكتب التي لفتت إليها التوحيدي فأكثر من النقل عنه في البصائر وفي " المنتزع "، كما تأثر به آخرون من بعد، وفي الرد عليه ألف الآمدي: " نقض عيار الشعر " (٢) ، وقد نعده في تاريخ النقد الأدبي حلقة متممة لما جاء به ابن قتيبة. إذ يبدو انه أطلع على مقدمة " الشعر والشعراء " وأفاد من الأحكام والنظرات التي وردت فيها، وكانت لديه أثارة من ثقافة فلسفية أو اعتزالية أفادته في تعميق نظرته عامة وإن لم تلهمه أحكاماً بعينها، كما أنها لم تمنح كتابه أتساقاً في التبويب والتأليف، ولذلك جاء مقالة استطرادية في النقد معتمدة على صفاء الذوق الفني دون سواه.
стр. 120
تعريف الشعر عند أبن طباطبا
يعرف ابن طباطبا الشعر بأنه " كلام منظوم " وإن الفرق بينه وبين النثر إنما يكمن في النظم، وإن نظمه معلوم محدود، ويجب أن نقر بأن هذا التعرف على قصوره لم يتعرض لذكر التقفية التي سيتعرض لها قدامة بقوة، ولكنه يشارك تعريف قدامة في النص على أن الشاعر مستغن عن العروض، إذا كان صحيح الطبع والذوق.
ثم يتناول - كما تناول ابن قتيبة قبله - ثقافة الشاعر فينص على ضرورة " التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الأعراب والرواية لفنون الآداب والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر والتصرف في معانيه، في كل فن قالته العرب فيه؟ الخ " (١) .
اتباع السنة العربية في الشعر
اتباع " السنة " أو الموروث هو معتمد ابن طباطبا في النقد، وهو على تضييقه في هذه الاتباعية ينفذ إلى أغوار عميقة توضح انه لا يرى الشعر شيئاً منفصلاً عن البيئة والمثل الأخلاقية وإن لم يستطع أن يطبق على معاصريه قانون " تغير البيئات والأزمنة ". فللعرب طريقة في التشبيه مستمدة من بيئتهم لان " صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو على أوصافهم ما رواه منها وفيها. وفي كل واحدة منها في فصول الزمان على اختلافها من شتاء وربيع وصيف وخريف؛ من ماء وهواء ونار وجبل ونبات وحيوان وجماد وناطق وصامت ومتحرك وساكن. وكل متولد من وقت نشوئه وفي حال نموه إلى حال انتهاءه " (٢) . وقبل أن يسرع الشاعر إلى رد بعض تشبيهاتهم، عليه ان يتفحصها مفتشاً عن معناها " فأنهم أدق طبعاً من أن
стр. 121
يلفظوا بكلام لا معنى تحته " فإذا استبان ذلك لطف موقعه لديه (١) . وللعرب مثل عليا هي متكأهم في المدح والهجاء " منها في الحلق: الجمال والبسطة، ومنها في الخلق: السخاء والشجاعة والحلم والحزم والعزم والوفاء والعفاف والبر والعقل والأمانة؟.. " (٢) فهذه مما يمدح به كما إن أضدادها تصبح موضوعاً للهجاء. على ان هناك حالات تؤكد هذه المثل، فالجود في حال العسر أهم من مجرد الجود، والبخل من الواجد القانع أشنع، وهكذا تتخذ هذه المثل نفسها مراتب متفاوتة تتشعب منها فنون من القول وصنوف من التشبيهات، وما من شك في أننا هنا نقترب اقتراباً شديداً من نظرية قدامة في هذا الصدد. كما سنبين ذلك في موضعه، ولكن يبدو أن كلاً من الناقدين كان يعمل على حدة دون أن يتأثر أحدهما برأي الآخر أو يسمع به.
للعرب إذن طريقة خاصة في التشبيه من وحي بيئتهم ولهم مقاييس يعتمدونها في المدح والذم؛ ولهم أيضاً سنن من معتقدات لا تفهم معانيها إلا بالتحصيل، وهي أشبه بالمنجم الأسطوري الذي لا بد للشاعر أن يغترف منه عند الحاجة، كسقيهم العاشق للماء على خرزة تسمى السلوان، وكضربهم الثور إذا امتنعت البقر عن الماء، وكحذف الصبي منهم سنه إذا سقطت في عين الشمس، وغير ذلك (٣) ، وكل ذلك يمثل " السنة " الكبرى التي يجدر بالشاعر ان يثقفها ليجيء شعره كأشعارهم.
стр. 122
الشعر نتاج الوعي المطلق
غير أن هذا الالتزام بالسنة - لدى ابن طباطبا - لا يعدو مرحلة الاستعداد والتثقيف والدرس والتحصيل، لأنه لا يلبث عند الخوض في طريقة بناء الشعر أن يقضي قضاء مبرماً على ما سماه النقاد بشعر الطبع عند العرب، وان يعتمد صنعة جديدة المضمون والطريقة في النظم، وتعد نظرته هذه ابتعادا صارخاً عن مفهوم " الغريزة " إذ يصبح الشعر لديه " جيشان فكر " - قائماً على الوعي التام المطلق، خاضعاً للتفقد في اللفظة بعد اللفظة والشطر بعد الشطر والبيت أثر البيت، فهو لا يعترف بطاقة تنظم السياق أو انفعال يبعث تدافع القول، وإنما القصيدة لديه كالرسالة تقوم على معنى في الفكر، فإذا أراد الشاعر نظماً وضع المعنى في فكره نثراً ثم أخذ في صياغته بألفاظ مطابقة، وقد تأتيه أبيات غير متناسقة فيأخذ في تنسيها حتى تطرد وتنتظم، فإذا وجد موضعاً يحتاج بيتاً لاستكمال السياق نظمه وأدرجه في موضعه، فإذا انتهت القصيدة عاد عليها يحاكم ألفاظها فاستغنى عن كل لفظة مستكرهة ووضع بدلها لفظة سهلة نقية، " وغن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو احسن، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه وطلب لمعناه قافية تشاكله " (١) ، ويقول أيضاً في موضع آخر من كتابه: " وينبغي للشاعر أن يتأمل شعره وتنسيق أبياته ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم معانيها له ويتصل كلامه فيها ولا يجعل ما قد ابتدأ وصفه أو بين تمامه فصلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه؟ كما انه يحترز من ذلك في كل بيت. فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها. ويتفقد كل مصراع. هل يشاكل ما قبله؟ " (٢) .
стр. 123
تضاؤل المسافة بين القصيدة والرسالة
لقد كان من الممكن لدى بعض النقاد السابقين أن تتخذ بعض قواعد البلاغة الخطابية مقاييس للشعر، أما ابن طباطبا فمحا الفروق بين القصيدة والرسالة النثرية في البناء والتدرج واتصال " الأفكار ": " إن للشعر فصولاً فصول الرسائل فيحتاج الشاعر إلى ان يصل كلامه على تصرفه في فنونه صلة لطيفة فيتخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة؟ بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله " (١) . وقطع القول الفصل ان: " الشعر رسائل معقودة والرسائل شعر محلول " (٢) ، ولكن يظل هناك فرق بين القصيدة والرسالة: فقد يجوز في الرسالة ان يبنى فيها كل فصل قائماً بنفسه، أما القصيدة فلا يجوز فيها ذلك بل يجب أن تكون كلها " ككلمة واحدة، في انتباه أولها بآخرها نسجاً وحسناً وفصاحة وجزالة ألفاظ ودقة معان وصواب تأليف " (٣) . غير أن هذا ليس فرقاً بين كل قصيدة وكل رسالة وغنما هو فرق بين القصيدة ونوع معين من الرسائل لا تعتمد فيه وحدة البناء. ومن ثم يضع ابن طباطبا معياراً للشعر المحكم المتقن وذلك انه إذا نقض بناؤه وجعل نثراً لم تبطل فيه جودة المعنى ولم تفقد جزالة اللفظ (٤) .
стр. 124
الوحدة في القصيدة وحدة بناء
ومن هذا يتضح ان القصيدة قد تتعدد موضوعاتها، وان الوحدة فيها قد تكون وحدة بناء وحسب، فتلك هي الغاية الكبرى من هذا التدقيق في التوالي والتدرج وإقامة العلاقات بين الاجزاء. والصورة الصناعية لا تفارق خيال ابن طباطبا في عمل الشعر، فالشاعر تارة كالنساج الحاذق (١) ، وتارة كالنقاش الرقيق الذي " يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان " وتارة هو كناظم الجوهر يؤلف بين النفيس الرائق ولا يشين عقوده برص الجواهر المتفاوتة نظماً وتنسيقاً (٢) . ومن ثم تصور ابن طباطبا الوحدة في العمل الفني كالسبيكة المفرغة من جميع أصناف المعادن (٣) ، حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً؟ لا تناقض في معانيها ولا وهي في مبانيها ولا تكلف في نسجها (٤) - صنعة خالصة لا تنبعث فيها حركة من نمو ولا تمازجها حياة عضوية، تلك هي صورة " الوحدة " عند هذا الناقد الذي لا يعرف إلا التأني العقلي الواعي في التقدير والرصف.
مأزق الشعر المحدث، هو السر في اختيار هذه الطريق
هل كان هذا وليد طريقة ذاتية في الشعر؟ هل كان فهماً خاصاً لما أثر عن " عبيد الشعر " امثال زهير والخطيئة من تفضيل الحولي المحكك؟ أكبر الظن انه كان تعبيراً عن أزمة الشاعر المحدث، الذي كان في رأي ابن طباطبا في محنة: " والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشد منها على من كان قبلهم لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح وحيلة لطيفة وخلابة ساحرة، فإن أتوا بما قصر عن معاني
стр. 125
أولئك ولا يربي عليها لم يتلق بالقبول وكان كالمطروح المملول " (١) ، فإذا شاء هذا الشاعر المحدث أن يأتي بما يحظى بالقبول كان لابد له من التدقيق في الصنعة أضعاف ما كان يمارسه منها الشاعر القديم.
قلة المعاني لدى الشاعر المحدث وطريقته في تحصيلها
ومن ىمن بان مجال المعاني قد ضاق على الشاعر المحدث فلا بد له من قانون للأخذ والسرقة، وقانون ابن طباطبا شبيه بما ذكرنا عن غيره من النقاد في القرن الثالث: " وإذا تناول الشاعر المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه " (٢) . كيف يمكن للشاعر أن يأخذ المعنى من غيره بحيث يخفى أخذه على النقاد؟ إن من يعلم الشاعر كيف يصنع قصيدته بيتاً بيتاً بل كلمة كلمة لابد له من ان يعلمه طريقة من السرقة لا يناله فيها الحد: على الشاعر ان يستعمل " المعاني المأخوذة في غير الجنس الذي تناولها منه، فإذا وجد معنى لطيفاً في تشبيب أو غزل استعمله في المديح، وغن وجده في المديح استعمله في الهجاء، وغن وجده في وصف ناقة او فرس استعمله في وصف الإنسان، وغن وجده في وصف الإنسان استعمله في وصف بهيمة، فإن عكس المعاني على اختلاف وجوهها غير متعذر على من احسن عكسها واستعمالها في الأبواب التي لا يحتاج إليها، وإن وجد المعنى اللطيف في المنثور من الكلام أو في الخطب والرسائل فتناوله وجعله شعراً كان أخفى واحسن " (٣) . وتعود صورة الجوهري الصائغ إلى ذهن ابن طباطبا فيشبه هذا الأخذ بعمل الصائغ الذي يذيب الحجر الكريم ويعيد صياغته بأحسن مما كان عليه " فإذا أبرز الصائغ ما صاغه في غير الهيئة
стр. 126
التي عهد عليها واظهر الصباغ ما صبغه على غير الذي عهد قبل، التبس الأمر في المصوغ وفي المصبوغ.. " (١) .
صورة العلاقة بين اللفظ والمعنى
وقد يقف النقد المعاصر موقف المخالفة الصريحة والمباينة التامة لرأي ابن طباطبا هذا، ولكنه لابد ان يكبر فيه - من هذه الناحية - شيئين: أولهما هذا التصور الذي لا يختل أبداً لصورة القصيدة في نفسه، وثانيهما هذا الإلحاح الشديد على نوع من الوحدة لا نجده كثيراً عند غيره من النقاد. وحين قلنا إنها وحدة لا تنبعث فيها حركة من نمو كنا نشير إلى هذا المجاز " المعدني " أو " الصباغي " الذي قد استولى على خياله، حتى اضعف لديه صورة مجاز آخر قائم على الحياة النابضة. وذلك هو تصوره للعلاقة بين المعنى واللفظ في القصيدة على نحو العلاقة بين الروح والجسد، وهو ينسب هذا الرأي لبعض الحكماء: " والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه كما قال بعض الحكماء: الكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه " (٢) وذلك تصور يجعل الصلة بين اللفظ والمعنى عند ابن طباطبا أوضح مما رسمه ابن قتيبة، على أنه ربما لم يقتصر في العلاقة بينهما على الوجوه الأربعة التي عدها القتبي، لأنه لا يريد ان يلتزم بقسمة منطقية. فهناك أشعار مستوفاة المعاني سلسلة الألفاظ، وأشعار غثة الألفاظ باردة المعنى، وأشعار حسنة الألفاظ واهية تحصيلاً ومعنى، وأشعار صحيحة المعنى رثة الصياغة، وأشعار بارعة المعنى قد أبرزت في أحسن معرض وأبهى كسوة وارق لفظ، وأشعار مستكرهة الألفاظ قلقة القوافي رديئة النسج (دون إشارة ما تتضمنه من المعاني) ، مما يشير إلى أن ابن طباطبا يصدر في حديثه عن مستويات مختلفة، وعن تذوق خالص لا علاقة له بالتقسيم المنطقي.
стр. 127
تأثير الشعر - كنظمه - عميل عقلي خالص عن طريق جمال " الاعتدال "
ولما كان ينظم الشعر في رأي ابن طباطبا عملاً عقلياً خالصاً، كان تأثير الشعر عقلياً كذلك، لأنه مقصود بمخاطبة الفهم، ووسيلته إلى هذه المخاطبة هي " الجمال " أو الحسن، والسر في كل جمال الاعتدال كما أن علة القبح هي الاضطراب، ولذلك لا يتحقق جمال الشعر إلا بالاعتدال - أي الانسجام - القائم بين صحة الوزن وصحة المعنى وعذوبة اللفظ، فإذا تم له ذلك كان قبول الفهم له كاملاً، فإذا نقص من اعتداله شيء أنكر الفهم منه بقدر ذلك النقصان، والفهم هو القوة التي تجد في الشعر " لذة "، مثلما ان كل حاسة تلتذ بما يليها وتتقبل ما يتصل بها: " فالعين تالف المرأى الحسن وتقذى بالمرأى القبيح الكريه، والأنف يقبل المشم الطيب ويتأذى بالمنتن الخبيث، والفم يلتذ بالمذاق الحلو ويمج البشع المر؟ الخ " (١) ؛ ها هنا موقف لابد من ان يستوقفنا في تاريخ النقل العربي، وهو الإلحاح على فكرة المتعة المترتبة على الجمال في الشعر، وتعريف العلة الجمالية بأنها " الاعتدال " دون أي عامل آخر، حتى لقد نعد ابن طباطبا واحداً من النقاد الجماليين في هذا الموقف، ولكن سرعان ما تصبح هذه المتعة نفسها وسيلة أخلاقية لان الحالة اللذية التي يقع فيها المتلقي تتجاوز فادتها حد الاستمتاع بالجمال، إذ تصبح في نفاذها إلى " الفهم " كقوة السحر، ويكون اثر الشعر الجميل عندئذ أن يسل السخائم ويحلل العقد ويسخي الشحيح ويشجع الجبان (٢) ، ومع ان الناقد يربط بين الغايتين اللذية والأخلاقية فانه اكثر جنوحاً إلى تأكيد المتعة الجمالية الخالصة، لأنها هي التي تتحقق في " الفهم " أولاً (٣) .
стр. 128
الصدق - يسبب الاتجاه العقلي - أساس الشعر
وما دام الفهم هو منبع الشعر ومصبه، فلا غرابة أن يجعل ابن طباطبا عنصر " الصدق " أهم عناصر الشعر وأكبر مزاياه؛ لان هذا الصدق صنو للاعتدال الجمالي في حرم الفهم: " والفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق؟. ويستوحش من الكلام الجائر الخطأ الباطل " (١) ، فالجمال والحق (أو الصدق) مترادفان هنا في الدلالة، فهذا الصدق يعني السلامة التامة من " الخطأ " في اللفظ و " الجور " في التركيب و " البطلان " في المعنى، أي هو أن يتمتع الشعر بالاعتدال بين هذه العناصر جميعاً، فإذا هو بسبب هذا الصدق شيء جميل، لان " ميزان الصواب " قبل ما فيه من لفظ ومعنى وتركيب.
ضروب الصدق ومواطنه في الشعر وأزمة الشاعر المحدث بالنسبة للصدق
ذلك هو الصدق في محمله العام، ولكنه لابد من أن يتحقق أيضاً في الفنان نفسه وفي بعض عناصر العمل الفني، ولهذا كانت لفظة الصدق متفاوتة الدلالة عند ابن طباطبا:
(١) فهناك الصدق عن ذات النفس بكشف المعاني المختلجة فيها والتصريح بما يكتم منها والاعتراف بالحق في جميعها (٢) ، وهذا يشبه ما نسميه " الصدق الفني " أو " إخلاص " الفنان في التعبير عن تجربته الذاتية.
(٢) وهناك صدق التجربة الإنسانية عامة وهذا يتمثل في قبول الفهم للحكمة " لصدق القول فيها وما أتت به التجارب منها " (٣)
стр. 129
(٣) وهناك الصدق التاريخي، وذلك يتمثل عند " اقتصاص خبر أو حكاية كلام "، وهنا يجيز ابن طباطبا للشاعر إذا اضطر ان يزيد أو ينقص على شرط أن تكون " الزيادة والنقصان يسيرين غير مخدجين لما يستعان بهما وتكون الألفاظ المزيدة غير خارجة من جنس ما يقتضيه، بل تكون مؤيدة له وزائدة في رونقه وحسنه " (١) .
(٤) ونوع رابع من الصدق قد ندعوه " الصدق الأخلاقي " وهو ما لا مدخل فيه للكذب بنسبة الكرم إلى البخيل او نسبة الجبن إلى الشجاع، وإنما هو نقل للحقيقة الأخلاقية على حالها، وهذا يتبين في المدح والهجاء كما يتبين في غيرهما من الفنون، وهو موقف يذكرنا بثناء عمر (رض) على زهير وانه كان يمدح الرجل بما فيه، ولكن من المدهش أن نجد سذاجة ابن طباطبا او مثاليته ترى في كل الشعر قبل عصر المحدثين ما رآه عمر في زهير: " ومع هذا فان من كان قبلنا في الجاهلية الجهلاء وفي صدر الإسلام من الشعراء كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق فيها مديحاً وهجاء وافتخاراً ووصفاً وترغيباً وترهيباً إلا ما قد احتمل الكذب فيه في حكم الشعر من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه وكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحق والمخاطبات بالصدق ... " (٢) . أما المحدثون فلم يعودوا يستطيعون هذا النوع من الصدق، ولذلك أصبح تقدير شعرهم إنما ينصرف إلى معانيهم المبتكرة وألفاظهم المنتظمة ونوادرهم المضحكة. والأناقة العامة التي تمازج أشعارهم " دون حقائق ما يشتمل عليه المديح والهجاء وسائر الفنون التي يصرفون القول فيها " (٣) . ومثل
стр. 130
هذا التصور يفسر لنا لم كانت " السنة " العربية في الشعر تملك لب ابن طباطبا، ذلك لأنه لم يكن يرى المثل الأعلى الفني في تلك السنة وحسب، بل لأنها كانت في تصوره مثالاً أخلاقياً كذلك.
(٥) أما النوع الخامس من الصدق فهو الصدق التصويري أو ما يسميه ابن طباطبا " صدق التشبيه " وهو ينص عليه في غير موطن من كتابه؛ على الشاعر أن " يتعمد الصدق والوفق في تشبيهاته " (١) ، وأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى (٢) ، وللتشابه أنحاء: منها الصورة والهيئة والمعنى والحركة واللون والصوت، فكلما زاد عدد هذه الأنحاء في التشبيه " قوي التشبيه وتأكد الصدق فيه " (٣) ومن التشبيهات التي أجمعت فيها الصورة واللون والحركة والهيئة قول ذي الرمة:
ما بال عينك منها الدمع ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب
وفراء غرفية أثاى خوارزها ... مشلشل ضيعته بينها الكتب فما كان من التشبيه صادقاً قلت في وصفه " كأنه " أو قلت " ككذا " وما قارب الصدق قلت فيه: تراه أو تخاله أو يكاد (٤) ، فإذا خرج الشاعر عن الصدق انتقل إلى الغلو والإفراط، وذلك عيب. ومتى تضمن الشعر صفات صادقة وتشبيهات موافقة وأمثالاً مطابقة تصاب حقائقها ارتاحت غليه النفس وقبله الفهم (٥) . فإذا توفرت للشعر
стр. 131
أنواع الصدق، وتوفر للشاعر صدق التجربة جاء شعراً جميلاً معتدلاً مؤثراً، هكذا يجب ان " ينسق الكلام صدقاً لا كذب فيه وحقيقة لا مجاز معها فلسفياً " (١) .
جور مذهب ابن طباطبا على قوة الخيال والتشخيص في الشعر
ولا يتضح لنا كم كان التزام ابن طباطبا بالحقيقة شديد الجناية على النقد إلا إذا نحن قرأنا بعض الشواهد التطبيقية لديه. فهو يعيب قول المثقب العبدي على لسان ناقته:
تقول وقد درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني لأن الحكاية عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة. ثم يعد من الإيماء المشكل قول الشاعر:
أومت بكفيها من الهودج ... لولاك هذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتني ... حباً ولولا أنت لم اخرج فهذا إفراط لان " الإيماء " لا يتحمل كل هذه المعاني التي قالتها.
تلخيص عام لموقفه النقدي
ولكن ذلك هو ابن طباطبا في نقده، يرى اتباع السنة حيث أمكن ذلك أمراً لازماً. وينفي الفرق بين القصيدة والرسالة إلا في النظم ويتصور الوحدة في القصيدة وحدة مبنى قائم على تسلسل المعاني والموضوعات. بحيث تكون " العملية " الشعرية عملاً عقلياً واعياً تمام الوعي. ويعتبر التأثير الآتي من قبل الجمال - وهو الاعتدال - تأثيراً في الفهم على شكل
стр. 132
لذة كاللذة التي تجدها الحواس المختلفة في مدركاتها، وإذا كان الاعتدال ميزة للجمال في الكيان الكلي، فان الصدق - على اختلاف مفهوماته - هو الذي يهيئ الفهم لقبول المحتوى والتجربة؛ ذلك موقف نقدي فيه شذوذ حتى على بعض مفهومات النقد المعاصرة حينئذ. إلا أنه موقف متكامل، وفي تكامله سر انفراده، بين سائر المحاولات النقدية.
стр. 133
٢ - الصراع النقدي حول أبي تمام
أبو تمام لدى نقاد القرن السابق
كانت الظاهرة التي يمثلها أبو تمام في الشعر قد شغلت النقاد والمتذوقين في القرن الثالث، ثم ورثها نقاد القرن الرابع وأمعنوا فيها، وقد مر بنا كيف ألف فيه أبن المعتز (- ٢٩٦) رسالة مستقلة، ويتضح مما جاء فيها انقسام الناس إزاءه - في دور مبكر - في فريقين، حتى جعل أبن المعتز أسباب التحامل عليه لجاجاً في الخصومة التي اضطلع بها من ينفرون من طريقته، لأفراط الذين يقدمونه ويتعصبون له (١) . ومن قبله كشف أحمد بن أبي طاهر (- ٢٨٠) بعض المعاني التي سرقها أبو تمام من غيره (٢) ؛ هذا في باب التأليف، أما الخصومة الشفوية حوله فقد كانت واسعة النطاق، ولم تسكن نائرتها في القرن الرابع، بل لعلها ازدادت في النصف الأول منه حدة، كما أن حركة التأليف في الانتصار له أو في تبيان عيوبه قد اتسعت؛ وكان الجانب الأكبر من جهد نقاد القرن الثالث في مجالسهم وفي ما كتبوه عنه يميل إلى إبراز عيوبه؛ وقد تحددت تلك العيوب في سرقته لبعض المعاني
стр. 134
وفي تعسفه للاستعارة وبعض وجوه البديع الأخرى وفي الابتداءات البشعة وفي استعماله لألفاظ وحشية غريبة وفي استغلاق بعض معانيه، وهذه هي أهم المظاهر التي تناولها بالتفصيل أيضاً نقاد القرن الرابع.
رسالة أبن عمار القطريلي في أخطاء أبي تمام
فكتب أحمد بن عبيد الله بن عمار القطريلي (- ٣١٩) (١) رسالة يبين فيها أخطاءه في الألفاظ والمعاني، وأبن عمار هو صديق أبن الرومي، وكان هذا الشاعر يلقبه " العزير " لكثرة تسخطه على ما تجيء به الأقدار، إذ كان محارفاً في الرزق، ويقول أبن النديم أنه توكل للقاسم بن عبيد الله ولوالده وصحب أبا عبد الله محمد بن الجراح؛ وله عدة مؤلفات منها مما يتصل بالنقد كتاب في تفضيل أبن الرومي وكتاب في مثالب أبي نواس، وأنفرد الآمدي بذكر مؤلفه في أبي تمام (٢) ، ووصفه بالتحامل على أبي تمام وأنه طعن فيما لا يطعن عليه، وأحتج بما لا تقوم به حجة؛ ويؤخذ من بعض الأمثلة التي أوردها الآمدي أن أبن عمار كان يورد البيت من شعر أبي تمام دون أن يدل على وجه العيب فيه، فقد أورد قوله:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما مريت في أنه برد ثم اكتفى بأن علق على البيت بقوله: هذا الذي أضحك الناس منذ سمعوه إلى هذا الوقت (٣) ؛ وإذا كان الآمدي قد وصف أبن عمار بالإسراف
стр. 135
فحسبنا هذا، لأن الآمدي نفسه لم يكن ممن يقدمون أبا تمام أو يتعصبون له، وموقف أبن عمار هذا مرده إلى الاحتكام للهوى، فقد كان على صداقته لأبن الرومي يعيب شعره ويحمل عليه بشدة، فلما مات أبن الرومي ألف كتاباً في تفضيله وبيان محاسن شعره؛ ومثل هذا الناقد لا يصاب في رأيه من قبل المقدرة على الحكم المصيب وإنما يصاب من قبل العناد والذهاب مع حب المخالفة، وإلا فإن الآراء النقدية التي وصلتنا لأبن عمار - في غير أبي تمام - تدل على قوة النفس ونفاذ في البصر ووضع للحسنة إلى جانب السيئة كقوله في بشار: " بشار أستاذ المحدثين الذي عنه أخذوا ومن بحره اغترفوا وأثره اقتفوا، يأتي من الخطأ والإحالة بما يفوت الإحصاء مع براعته في الشعر والخطب؟ " (١) ؛ وقوله في أبي العتاهية: " كان أبو العتاهية من سوقة الناس وعامتهم، وكان طبعه وقريحته أكثر من أضعاف ما أكتسبه من أدبه واقتناه من علمه، إذ كان في شبيبته بألف أهل التواضع حتى عوتب في ذلك، وقيل أنه كان يحتمل زاملة المخنثين، فقيل له: مثلك يضع نفسه هذا الموضع؟ فقال: أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم، وذلك بين في شعره سيما في النسيب؟ " (٢) ، فإن من يضع حسنات بشار إلى جانب سيئاته ومن يلمح أثر الطبقة الاجتماعية في شعر أحد الناس، لا يعد ناقداً سطحياً، يذهب مع التأثر الأول والانطباع السريع.
انتصار الصولي لأبي تمام
وكان موقف بي بكر محمد بن يحيى الصولي (- ٣٣٥) رداً على أمثال أبن عمار ممن حاولوا أن يغمطوا أبا تمام حسناته، فكتب أخبار أبي تمام، وصدره برسالة إلى مزاحم بن فاتك بين الأسباب التي دعته إلى ذلك، وهو يشكو في رسالته تسور المثقفين من أبناء عصره على ما لا يحسنون، بأدنى طلب وقل حظ من ثقافة، ويعتذر عن العلماء الذين يستشهد أحياناً
стр. 136
بصدوفهم عن الشعر المحدث بقوله إن هذا الشعر لم يذلله النقد والرواية، أما الصنف الآخر الذي يعيب أبا تمام فإنهم يفعلون ذلك طلباً للشهرة، أتباعاً لقول من قال: " خالف تذكر " (١) ، وقدم أمثلة مما يعيبونه عليه، ومن ذلك قوله في قصيدة فتح عمورية:
تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت ... أعمارهم قبل نضج التين والعنب وهو مما عابه أيضاً أبن المعتز من قبل فقال: " وقد سبق الناس إلى عيب هذا البيت قبلي وهو خسيس الكلام " (٢) ، فدافع عن هذا البيت بأنه إن كان ذكر التين والعنب مما لا يرد في الشعر فقد ورد في شعر أبن قيس الرقيات وغيره، وإن لهذا البيت صلة بما قاله الروم: " أن هؤلاء (يعني جيش المعتصم) إن أقاموا إلى زمان التين والعنب لا يفلت منهم أحد " (٣) ، ثم عقب على ذلك بقوله: " ولو وهم أبو تمام في بعض شعره أو قصر في شيء لما كان ذلك مستحقاً أن يبطل إحسانه، كما أنه قد عاب العلماء على امرئ القيس ومن دونه من الشعراء القدماء والمحدثين أشياء كثيرة أخطأوا الوصف فيها؟ فما سقطت بذلك مراتبهم، فكيف خص أبو تمام وحده بذلك لولا شدة التعصب وغلبة الجهل؟ " (٤) .
الصولي يستنكر إبراز العيوب وإغفال الحسنات
ومجمل رأي الصولي أن النقد لا يكون بإبراز بعض العيوب والتشهير بالشاعر من أجلها وإغفال ما له من حسنات كثيرة إزاءها؛ فكيف إذا كانت تلك العيوب مجتبلة، ونسبة التقصير إلى الشاعر مفتعلة؛ أبو تمام - في رأي الصولي - مؤسس مذهب سلكه كل محسن بعده فعائبه يكشف عن جهله وحقارة منزله: " وقد كان الشعراء قبل أبي تمام يبدعون في البيت
стр. 137
والبيتين من القصيدة فيعتد بذلك لهم من أجل الإحسان، وأبو تمام أخذ نفسه وسام طبعه أن يبدع في أكثر شعره، فلعمري لقد فعل وأحسن، ولو قصر في قليل - وما قصر - لغرق ذلك في بحور إحسانه، ومن الكامل في شيء حتى لا يجوز عليه خطأ فيه، إلا ما يتوهمه من لا عقل له؟؟ " (١) .
موقف الصولي من العلاقة بين الشعر والدين
وقد نبه الصولي إلى ناحية لم يشر إليها أحد قبله - فيما أقدر - وهي ناحية كان بعض الناقدين يتخذ منها منفذاً للطعن في أبي تمام، وتلك هي المعتقد الديني، فقد أتهم أبو تمام بأنه كان يخل بفروضه، ونسب إليه بعضهم قوله وقد دخل عليه وبين يديه شعر أبي نواس ومسلم حين سأله الداخل عنهما: هما اللات والعزى وأنا أعبدهما من دون الله مذ ثلاثون سنة، وقد دافع الصولي عن هذه الناحية من زاوية صحة الخبر ومن زاوية النقد الأدبي فقال مصوراً موقفه النقدي: " وقد أدعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سبباً للطعن على شعره وتقبيح حسنه، وما ظننت أن كفراً ينقص من شعر ولا أن إيماناً يزيد فيه " ثم حاول أن ينفي عنه التهمة جملة بقوله: " فكيف يصح الكفر عند هؤلاء على رجل، شعره كله يشهد بضد ما اتهموه به؟ " (٢) ؛ وهذه قضية خطيرة في النقد، ومن استقلال النظرة النقدية في تاريخ النقد العربي أن نجد هذا الفصل التام فيها عند الصولي ثم عند الجرجاني - كما سنرى من بعد.
الحق أن كتاب الصولي - رغم موقفه الدفاعي - يعد في كتب السيرة أكثر مما يعد في كتب النقد، ولذلك أعرضنا عما فيه من شهادات
стр. 138
العلماء التي أوردها المؤلف ليؤيد بها رأيه في الشاعر المفضل لديه، واكتفينا بما فيه من عناصر نقدية؛ غير أن كل من تعرض لأبي تمام كان في الغالب مضطراً للوقوف عند البحتري لأن الذين كانوا يغضون من شأن الأول كانوا؟ في الأكثر - يكبرون من الثاني. ولذلك لم يكتف الصولي بشهادة البحتري لأبي تمام بل وقف عند بعض المعاني التي أخذها البحتري إما أخذاً جزئياً وإما نقلاً للمعاني والألفاظ، واعتذر عن عدم الإكثار من ذكر الأمثلة بان بعض أهل الأدب ألف في أخذ البحتري من أبي تمام كتاباً، وانه من ثم يكره إعادة ما ألف (١) .
بشر بن يحيى النصيبي وجهوده في الكشف عن سرقات البحتري
ترى هل يشير الصولي بذلك إلى أبي الضياء بشر بن يحيى النصيبي؟ لقد ترجم ابن النديم للنصيبي هذا ترجمة موجزة (٢) . نقلها ياقوت في معجم الأدباء (٣) . وقد جاء فيها أنه كان شاعراً قليل الشعر، وذكر له مما يتصل بالنقد كتابه في سرقات البحتري من أبي تمام، وكتاباً آخر سماه " كتاب السرقات الكبير " إلا أنه لم يتممه. ولكنا لا نعرف متى توفي أبو الضياء وغنما يغلب على الظن انه يعد من نقاد القرن الرابع، فإذا كانت إشارة الصولي تتوجه إليه فمعنى ذلك ان كتابه كان - ولابد - معروفاً قبل عام ٣٣٥.
وقد وطأ أبو الضياء لبحث السرقات بقوله: " ينبغي لمن ينظر في هذا الكتاب أن لا يعجل بان يقول: هذا مأخوذ من هذا حتى يتأمل المعنى دون اللفظ ويعمل الفكر فيما خفي، وغنما المسروق في الشعر ما نقل معناه دون
стр. 139
لفظه، وأبعد آخذه في أخذه " (١) ، وقد عد الآمدي مما أورده أبو الضياء أربعة وستين بيتاً واقر ان البحتري قد أخذ معناها من أبي تمام، من مثل:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود أخذه البحتري فقال:
ولن تستبين الدهر موضع نعمة ... (٢) إذا أنت تدلل عليها بحاسد ثم قسم الآمدي بعد ذلك ما أورده أبو الضياء في ثلاثة أنواع:
(١) معان جارية في عادات الناس معروفة لديهم يهتدي غليها البحتري مثلما يهتدي أبو تمام، ولا يقال فيها إن شاعراً سرقها من الآخر. فالناس يقولون: " العير إذا رأى السبع اقبل إليه من شدة خوفه منه " ومن هنا استطاع أبو تمام ان يقول: " قد يقدم العبر من ذعر على الأسد " وتمكن البحتري من ان يستغل هذا المعنى المتعارف فقال:
فجاء مجيء العبر قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره (٢) معان قال أبو الضياء إنها مسروقة إلا انه اخطأ لأنه ليس بين كل معنيين منها أي تناسب، وذلك مثل قول أبى تمام:
واقسم اللحظ بيننا إن في اللحظ لعنوان ما يجن الضمير ... وقول البحتري:
سلام وإن كان السلام تحية ... فوجهك دون الرد يكفي المسلما
стр. 140
وليس بين المعنيين أدنى صلة.
(٣) معان زعم أبو الضياء أنها مسروقة، ولكن الاتفاق فيها في الألفاظ وهذا غير محضور على الشاعر، كقول أبي تمام:
لا يدهمنك من دهمائهم عدد ... فان أكثرهم أو كلهم بقر وقول البحتري:
علي نحت القوافي من معادنها ... (١) وما علي إذا لم يفهم البقر ومجموع هذه الأبيات في الأنواع الثلاثة واحد وأربعون بيتاً، فيكون مقدار ما عرفناه من كتاب أبي الضياء يشمل مائة بيت وخمسة أبيات. وقد أخبرنا الآمدي أنه بتكثير الشواهد قد " بلغ غرضه في توفير الورق وتعظيم حجم الكتاب " (٢) ؛ وهو تهكم من الآمدي، ولكن يبدو ان أبا الضياء قد اعتمد الاستقصاء، ولذلك وقع في بعض المآخذ التي تعقبه فيها الآمدي بحق، فكتابه في النقد لا يتناول إلا موضوعاً واحداً هو الحديث عن السرقات الشعرية.
الآمدي ومؤلفاته في النقد
فإذا بلغنا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي (- ٣٧٠) (٣) ، نكون قد وصلنا إلى أول ناقد متخصص، جعل النقد أهم ميدان لجهوده، وفيه كتب اكثر مؤلفاته، فمن ذلك: كتاب معاني الشعر للبحتري، كتاب الرد على ابن عمار فيما خطا فيه أبا تمام (ولعله دخل في كتاب الموازنة) ، كتاب في ان الشاعرين لا تتفق خواطرهما، كتاب في إصلاح ما في عيار
стр. 141
الشعر لابن طباطبا، كتاب في تبيين غلط قدامة في نقد الشعر، كتاب في تفضيل شعر امرئ القيس على الجاهليين، كتاب في (نثر) ما بين الخاص والمشترك في المعاني: " تكلم فيه على الفرق بين الألفاظ والمعاني التي تشترك فيها العرب ولا ينسب مستعملها إلى السرقة، وإن كان قد سبق إليها، وبين الخاص الذي ابتدعه الشعراء وتفردوا به ومن اتبعهم؟ " (١) ؛ فالآمدي سيطر على التراث النقدي حتى عصره. وتصدى بالتعقب لأهم اثرين نقديين ظهرا في أوائل القرن الرابع وهما عيار الشعر، ونقد الشعر؛ ولم يعتمد طرقة المناقشة لأخطاء من سبقوه وحسب، بل كان ناقداً بناء، وكان منهجه واضحاً في اكبر اثر نقدي وصل إلينا من آثاره وذلك هو " كتاب الموازنة بين الطائيين ". ان الصورة الكاملة للآمدي الناقد لا يمكن ان يتحقق اكتمالها دون اطلاعنا على مجموع آثاره النقدية، ولكن لا سبيل لنا في هذا الصدد، غلا الاعتماد على " الموازنة " ما دامت المؤلفات الأخرى ما تزال محجوبة.
الآمدي يحس أنه الناقد الحق الذي صوره ابن سلام
وقد كان الآمدي صورة ذلك الإحساس الذي عبر عن ابن سلام بإيجاز حين ميز دور الناقد، وعبر عنه الجاحظ بالثورة على النوع الموجود من النقد والنقاد في عصره الأول؛ فكأن الآمدي كان يحس أنه الناقد الذي اجتمعت له الآلات الضرورية للنقد، وانه قد آن الأوان لتصبح لهذا الناقد شخصيته المميزة، وحكمه الذي يؤخذ بالتسليم؛ أن النقد " علم " يعرف به الشعر، وليست تكفي فيه الوسائل الثقافية مهما تنوعت، لأن حفظ الأشعار أو دراسة المنطق أو معرفة الجدل أو الاطلاع على اللغة أو الفقه ليست هي الطريق التي تكفل لصاحبها إحراز " علم الشعر "؛ يقول الآمدي: " وبعد فلما لا تصدق نفسك أيها المدعي وتعرفنا من أين طرأ
стр. 142
لك الشعر؟ أمن اجل أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعراء وانك ربما قلبت ذلك وتصفحته أو حفظت القصيدة والخمسين منه؟ فان كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك فلما لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقتك، فإنك دائماً تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده؟. ثم أني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بان شارفت شيئاً من تقسيمات المنطق أو جمل من الكلام والجدل، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام، أو حفظت صدراً من اللغة، أو أطلعت على بعض مقاييس العربية، وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعانات ومزاولة ومتصل عناية فتوجهت فيه وسهرت. ظننت ان كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى؟. " (١) ولذلك يشكو الآمدي - كما شكا الصولي - من كثرة المدعين للمعرفة بعلم الشعر؛ وان الناس في العادة يرجعون في شئون الخيل والنقد والسلاح وما أشبه إلى العالمين بهذه الأمور، إلا في الشعر فانهم يبادرون إلى القول فيه وهم لا يحسنون، مع أن التمييز بين بيت وبيت - وكلاهما جميل الموقع - يحتاج إلى عالم بالصناعة، مثلما يحتاج من يميز بين فرسين فيهما علامات العتق والنجابة أو بين جاريتين متقاربتين في الوصف سليمتين من كل عيب. وإذا كان الناس يسلمون الحكم في كل صناعة لأهلها فمن الواجب ألا ينازعوا الناقد في حكم أصدره. ذلك لأنه مهيأ لذلك بالطبيعة أولاً وبكثرة النظر في الشعر والأرتياض له وطول الملابسة فيه. ولكن كيف يعرف المرء أنه قد اصبح ناقداً يحق له إصدار أحكام نقدية؟ هنا يحدد الآمدي هذا اللون من الامتحان: " وبعد فأني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بهذه الصناعة او الجهل بها، وهو ان تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فان عرفت علة
стр. 143
ذلك فقد علمت، وان لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بان تتأمل شعر أوس ابن حجر والنابغة الجعدي فتنظر من أين فضلوا أوساً. وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم بن أبي بن مقبل فتنظر من أين فضلوا بشراً؟. فإن علمت من ذلك ما علموه ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموا وأخروا من أخروه. فثق حينئذ بنفسك واحكم يسمع حكمك؟ فأن قلت: انه قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل ذلك منك حتى تذكر العلل والأسباب؟ " (١) .
طريق الناقد الحق هي الموازنة المعللة
الموازنة المعللة هي الطريقة التي يثبت بها المرء انه قد أصبح ناقداً، فليكن الآمدي ذلك الناقد، وليقم الموازنة المعللة، لا بين اثنين حكم في أمرهما قدامى العلماء، بل بين اثنين من المحدثين، هما أبو تمام والبحتري، فالموازنة - أي الكتاب - ثمرة هذا التحدي. ليثبت الآمدي أن ناقداً من طرازه يقف في مستوى العلماء القدامى، عن لم يكن بقدرته على التعليل والتحليل أوضح مقاما.
منزلة كتاب الموازنة في تاريخ النقد، ومنهج المؤلف فيه
فكتاب " الموازنة " وثبة في تاريخ النقد العربي، بما اجتمع له من خصائص لا بما حققه من نتائج. ذلك لانه ارتفع عن سذاجة النقد القائم على المفاضلة بوحي من " الطبيعة " وحدها دون تعليل واضح، فكان موازنة مدروسة مؤيدة بالتفصيلات التي تلم بالمعاني والألفاظ والموضوعات الشعرية بفروعها المختلفة، وكان تعبيراً عن المعانات التي لا تعرف الكلل في استقصاء موضوع الدراسة من جميع أطرافه، ولهذا جاء بحثاً في النقد واضح المنهج، ليس فيه إلا اليسير من الاستطرادات الجزئية، وقد
стр. 144
بين المؤلف منهجه بقوله: " وأنا أبتدئ بذكر مساوئ هذين الشاعرين لأختم محاسنهما، وأذكر طرفاً من سرقات أبي تمام وغير ذلك من غلطه في بعض معانيه، ثم أوازن من شعريهما بين قصيدة وقصيدة إذا اتفقنا في الوزن والقافية وإعراب القافية ثم بين معنى ومعنى فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك وتنكشف، ثم أذكر ما أنفرد به كل واحد منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد باباً لما وقع في شعريهما من التشبيه وباباً للأمثال أختم بهما الرسالة، ثم أتبع ذلك بالاختيار المجرد من شعريهما وأجعله مؤلفاً على حروف المعجم ليقرب تناوله ويسهل حفظه وتقع الإحاطة به إن شاء الله تعالى " (١) ، ونحن إذا استثنينا التلاحم المنهجي الذي قام عليه " نقد الشعر " لقدامة لا نجد بعده ما يقاربه في انتحال صفة " الرسالة " العلمية مثل كتاب الموازنة، أضف إلى ذلك أن كتاب الآمدي قد استغل جميع وسائل النقد التي عرفت في عصره: من تبيان للمعاني المسروقة ومن سلوك سبيل القراءة الدقيقة والفحص الشديد، ومن الاحتكام إلى الذوق الفردي حيناً وإلى الثقافة حيناً آخر، مما سنقف عنده في سياق هذا البحث. واحتفل الآمدي كما يحتفل كاتب الدراسة العلمية، بكل ما كتب في الموضوع نفسه، وناقش مؤلفات من تقدموه برأ] هـ وذكائه وإنصافه.
لم الموازنة؟
ولكن لم الموازنة لو كانت لتفضيل أحد الشاعرين - تصريحاً - على الأخر، لكانت محدودة الهدف واضحة الغرض، ولكن الآمدي يصرح بأنه لن يطلق القول في أيهما أشعر " لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين، لان الناس لم يتفقوا على أي الأربعة اشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير
стр. 145
والأعشى ولا في جرير والفرزدق والأخطل ولا في بشار ومروان والسيد ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم والعباس بن الأحنف لاختلاف آراء الناس في الشعر وتباين مذاهبهم فيه " (١) . وإذا لم يكن التفضيل ممكناً فهل التسوية بينهما ممكنة؟ الآمدي لا يرى ذلك، مخالفاً لكثير من الناس عدوا الطائيين طبقة ذهبوا إلى المساواة بينهما، فهما في رأيه مختلفان: " لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام، فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور النمري وأبي يعقوب الخريمي المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف صاحب صنعة ويستكره الألفاظ والمعاني وشعره لا يشبه شعر الأوائل ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم أبن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أني لا أجد من أقرنه به لأنه ينحط عن درجة مسلم، لسلامة شعر مسلم وحسن سبكه وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته " (٢) . وأحب أن تقف عند قوله " وما فارق عمود الشعر المعروف " فإن هذا التعبير يواجهنا هنا لأول مرة، وأن تتأمل قوله في أبي تمام " وعلى أني لا أجد من قرنه به " وتتساءل: إذا كان أبو تمام لا يقترن بأحد من أبناء مذهبه وطبقته فهل من الممكن أجراء الموازنة بين شاعرين متباعدين في الطريقة؟ أليست هذه الموازنة كوضع حديد في كفة ميزان ووضع نحاس في كفة أخرى، ولا يكون الحكم بعد ذلك إلا حول أيهما يرجح بالآخر من حيث الكم لا من حيث النوع؟ وعلى هذا يظل السؤال الأول " لم الموازنة؟ " وارداً دون جواب.