← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشعر لابن طباطبا، كتاب في تبيين غلط قدامة في نقد الشعر، كتاب في تفضيل شعر امرئ القيس على الجاهليين، كتاب في (نثر) ما بين الخاص والمشترك في المعاني: " تكلم فيه على الفرق بين الألفاظ والمعاني التي تشترك فيها العرب ولا ينسب مستعملها إلى السرقة، وإن كان قد سبق إليها، وبين الخاص الذي ابتدعه الشعراء وتفردوا به ومن اتبعهم؟ " (١) ؛ فالآمدي سيطر على التراث النقدي حتى عصره. وتصدى بالتعقب لأهم اثرين نقديين ظهرا في أوائل القرن الرابع وهما عيار الشعر، ونقد الشعر؛ ولم يعتمد طرقة المناقشة لأخطاء من سبقوه وحسب، بل كان ناقداً بناء، وكان منهجه واضحاً في اكبر اثر نقدي وصل إلينا من آثاره وذلك هو " كتاب الموازنة بين الطائيين ". ان الصورة الكاملة للآمدي الناقد لا يمكن ان يتحقق اكتمالها دون اطلاعنا على مجموع آثاره النقدية، ولكن لا سبيل لنا في هذا الصدد، غلا الاعتماد على " الموازنة " ما دامت المؤلفات الأخرى ما تزال محجوبة. الآمدي يحس أنه الناقد الحق الذي صوره ابن سلام وقد كان الآمدي صورة ذلك الإحساس الذي عبر عن ابن سلام بإيجاز حين ميز دور الناقد، وعبر عنه الجاحظ بالثورة على النوع الموجود من النقد والنقاد في عصره الأول؛ فكأن الآمدي كان يحس أنه الناقد الذي اجتمعت له الآلات الضرورية للنقد، وانه قد آن الأوان لتصبح لهذا الناقد شخصيته المميزة، وحكمه الذي يؤخذ بالتسليم؛ أن النقد " علم " يعرف به الشعر، وليست تكفي فيه الوسائل الثقافية مهما تنوعت، لأن حفظ الأشعار أو دراسة المنطق أو معرفة الجدل أو الاطلاع على اللغة أو الفقه ليست هي الطريق التي تكفل لصاحبها إحراز " علم الشعر "؛ يقول الآمدي: " وبعد فلما لا تصدق نفسك أيها المدعي وتعرفنا من أين طرأ

стр. 142

لك الشعر؟ أمن اجل أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعراء وانك ربما قلبت ذلك وتصفحته أو حفظت القصيدة والخمسين منه؟ فان كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك فلما لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقتك، فإنك دائماً تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده؟. ثم أني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بان شارفت شيئاً من تقسيمات المنطق أو جمل من الكلام والجدل، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام، أو حفظت صدراً من اللغة، أو أطلعت على بعض مقاييس العربية، وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعانات ومزاولة ومتصل عناية فتوجهت فيه وسهرت. ظننت ان كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى؟. " (١) ولذلك يشكو الآمدي - كما شكا الصولي - من كثرة المدعين للمعرفة بعلم الشعر؛ وان الناس في العادة يرجعون في شئون الخيل والنقد والسلاح وما أشبه إلى العالمين بهذه الأمور، إلا في الشعر فانهم يبادرون إلى القول فيه وهم لا يحسنون، مع أن التمييز بين بيت وبيت - وكلاهما جميل الموقع - يحتاج إلى عالم بالصناعة، مثلما يحتاج من يميز بين فرسين فيهما علامات العتق والنجابة أو بين جاريتين متقاربتين في الوصف سليمتين من كل عيب. وإذا كان الناس يسلمون الحكم في كل صناعة لأهلها فمن الواجب ألا ينازعوا الناقد في حكم أصدره. ذلك لأنه مهيأ لذلك بالطبيعة أولاً وبكثرة النظر في الشعر والأرتياض له وطول الملابسة فيه. ولكن كيف يعرف المرء أنه قد اصبح ناقداً يحق له إصدار أحكام نقدية؟ هنا يحدد الآمدي هذا اللون من الامتحان: " وبعد فأني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بهذه الصناعة او الجهل بها، وهو ان تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فان عرفت علة

стр. 143

ذلك فقد علمت، وان لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بان تتأمل شعر أوس ابن حجر والنابغة الجعدي فتنظر من أين فضلوا أوساً. وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم بن أبي بن مقبل فتنظر من أين فضلوا بشراً؟. فإن علمت من ذلك ما علموه ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموا وأخروا من أخروه. فثق حينئذ بنفسك واحكم يسمع حكمك؟ فأن قلت: انه قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل ذلك منك حتى تذكر العلل والأسباب؟ " (١) . طريق الناقد الحق هي الموازنة المعللة الموازنة المعللة هي الطريقة التي يثبت بها المرء انه قد أصبح ناقداً، فليكن الآمدي ذلك الناقد، وليقم الموازنة المعللة، لا بين اثنين حكم في أمرهما قدامى العلماء، بل بين اثنين من المحدثين، هما أبو تمام والبحتري، فالموازنة - أي الكتاب - ثمرة هذا التحدي. ليثبت الآمدي أن ناقداً من طرازه يقف في مستوى العلماء القدامى، عن لم يكن بقدرته على التعليل والتحليل أوضح مقاما. منزلة كتاب الموازنة في تاريخ النقد، ومنهج المؤلف فيه فكتاب " الموازنة " وثبة في تاريخ النقد العربي، بما اجتمع له من خصائص لا بما حققه من نتائج. ذلك لانه ارتفع عن سذاجة النقد القائم على المفاضلة بوحي من " الطبيعة " وحدها دون تعليل واضح، فكان موازنة مدروسة مؤيدة بالتفصيلات التي تلم بالمعاني والألفاظ والموضوعات الشعرية بفروعها المختلفة، وكان تعبيراً عن المعانات التي لا تعرف الكلل في استقصاء موضوع الدراسة من جميع أطرافه، ولهذا جاء بحثاً في النقد واضح المنهج، ليس فيه إلا اليسير من الاستطرادات الجزئية، وقد

стр. 144

بين المؤلف منهجه بقوله: " وأنا أبتدئ بذكر مساوئ هذين الشاعرين لأختم محاسنهما، وأذكر طرفاً من سرقات أبي تمام وغير ذلك من غلطه في بعض معانيه، ثم أوازن من شعريهما بين قصيدة وقصيدة إذا اتفقنا في الوزن والقافية وإعراب القافية ثم بين معنى ومعنى فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك وتنكشف، ثم أذكر ما أنفرد به كل واحد منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد باباً لما وقع في شعريهما من التشبيه وباباً للأمثال أختم بهما الرسالة، ثم أتبع ذلك بالاختيار المجرد من شعريهما وأجعله مؤلفاً على حروف المعجم ليقرب تناوله ويسهل حفظه وتقع الإحاطة به إن شاء الله تعالى " (١) ، ونحن إذا استثنينا التلاحم المنهجي الذي قام عليه " نقد الشعر " لقدامة لا نجد بعده ما يقاربه في انتحال صفة " الرسالة " العلمية مثل كتاب الموازنة، أضف إلى ذلك أن كتاب الآمدي قد استغل جميع وسائل النقد التي عرفت في عصره: من تبيان للمعاني المسروقة ومن سلوك سبيل القراءة الدقيقة والفحص الشديد، ومن الاحتكام إلى الذوق الفردي حيناً وإلى الثقافة حيناً آخر، مما سنقف عنده في سياق هذا البحث. واحتفل الآمدي كما يحتفل كاتب الدراسة العلمية، بكل ما كتب في الموضوع نفسه، وناقش مؤلفات من تقدموه برأ] هـ وذكائه وإنصافه. لم الموازنة؟ ولكن لم الموازنة لو كانت لتفضيل أحد الشاعرين - تصريحاً - على الأخر، لكانت محدودة الهدف واضحة الغرض، ولكن الآمدي يصرح بأنه لن يطلق القول في أيهما أشعر " لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين، لان الناس لم يتفقوا على أي الأربعة اشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير

стр. 145

والأعشى ولا في جرير والفرزدق والأخطل ولا في بشار ومروان والسيد ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم والعباس بن الأحنف لاختلاف آراء الناس في الشعر وتباين مذاهبهم فيه " (١) . وإذا لم يكن التفضيل ممكناً فهل التسوية بينهما ممكنة؟ الآمدي لا يرى ذلك، مخالفاً لكثير من الناس عدوا الطائيين طبقة ذهبوا إلى المساواة بينهما، فهما في رأيه مختلفان: " لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام، فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور النمري وأبي يعقوب الخريمي المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف صاحب صنعة ويستكره الألفاظ والمعاني وشعره لا يشبه شعر الأوائل ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم أبن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أني لا أجد من أقرنه به لأنه ينحط عن درجة مسلم، لسلامة شعر مسلم وحسن سبكه وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته " (٢) . وأحب أن تقف عند قوله " وما فارق عمود الشعر المعروف " فإن هذا التعبير يواجهنا هنا لأول مرة، وأن تتأمل قوله في أبي تمام " وعلى أني لا أجد من قرنه به " وتتساءل: إذا كان أبو تمام لا يقترن بأحد من أبناء مذهبه وطبقته فهل من الممكن أجراء الموازنة بين شاعرين متباعدين في الطريقة؟ أليست هذه الموازنة كوضع حديد في كفة ميزان ووضع نحاس في كفة أخرى، ولا يكون الحكم بعد ذلك إلا حول أيهما يرجح بالآخر من حيث الكم لا من حيث النوع؟ وعلى هذا يظل السؤال الأول " لم الموازنة؟ " وارداً دون جواب.

стр. 146

الموازنة ذات مظهر علمي موهم باستغلال الإحصاء اكبر الظن أن الموازنة كانت في حينها تلبية " علمية المظهر " والمنهج لحاجة ذلك الصراع الدائر بين المتطرفين من الفريقين؛ وكان هذا التطرف يرى الحسنات عند واحد ويقرن غليها السيئات عند آخر، ثم يعمى كل منهما عن سيئات صاحبه. فمن حق الموازنة ان تكون قائمة على الحساب: هذه حسنة يقابلها حسنة وهذه خمس سيئات يقابلها أربع، فإن شئت بعد ذلك أن تقوم بعملية جمع وطرح، استطعت ان تصل إلى نوع من الحكم قائم على الدقة الإحصائية، وهو على أية حال أسلم من الحكم المرسل، الذي يأخذ الأمور بالجملة دون التفصيل. ومن السذاجة أن تقول إن هذا أشعر من ذاك، وإن شئت قلت غير حافل بتهمة السذاجة، ولكنك عندئذ تعلن عن انتمائك إلى فريق من النقاد والمتذوقين بأكثر مما تدين الشاعر الذي لا تحب شعره. الموازنة نظرياً نقطة التقاء المنصفين وعملياً توقع الآمدي في التناقض وتلك غاية أخرى تكفل الموازنة تحقيقها وهي ان تكون نقطة الالتقاء بين المنصفين من كلا الفريقين: وبها ينكشف الغطاء عن مذهبين متوازيين عاشا جنباً إلى جنب في تاريخ الشعر العربي وتاريخ الذوق العربي. وأنا لنعجب من الآمدي كيف يزعم أن هناك ما يسمى " عمود الشعر القديم " وهو أدق الناس إحساساً بتعايش هذين المذهبين: الأول مذهب الشعراء المبتكرين للمعاني ويصح أن نسميه مذهب امرئ القيس كان خارجاً على " عمود الشعر القديم "؟ أستمع إلى الآمدي يصور المنصفين من أصحاب البحتري: " ووجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها والإبداع والإغراب فيها؟. وإذا كان هذا هكذا مسلكه فقد سلموا له الشيء الذي هو

стр. 147

ضالة الشعراء وطلبتهم وهو لطيف المعاني. وبهذه الحالة دون ما سواها فضل امرؤ القيس، لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام، حتى أهن لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره. ولكن كسائر الشعراء من أهل زمانه. إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم " (١) . ثم أستمع إليه يصور موقف المنصفين من أصحاب أبي تمام: " ووجدت أكثر أصحاب أبي تمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ وجودة الرصف وحسن الديباجة وكثرة الماء وإنه أقرب مأخذاً وأسلم طريقاً من أبي تمام ويحكمون مع هذا بأن أبا تمام أشعر منه؟ وهذا مذهب من جل ما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني " (٢) ، أيحق للآمدي بعد ذلك أن يقول - كأنه يردد رأي الجاحظ - " ودقيق المعاني موجود في كل أمة وفي كل لفة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه " (٣) وهل " أهل العلم بالشعر " على من يفضلون قرب المأخذ واختيار الألفاظ وقرب الاستعارات؟ الخ؟ إنك ترى التناقض واضحاً هنا في تصور الآمدي لتياري النقد، بسبب من ميله الذاتي إلى الفريق الثاني، وأكبر الظن أنه انقاد لهذا الميل الذاتي نفسه، وأنه استوحى هذا الميل حين هجن طريقة أبي تمام وفسرها على غير وجهها بقوله: " وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة وكانت عبارته مقصرة

стр. 148

عنها ولسانه غير مدرك لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن أتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر - قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة فإن شئت دعوناك حكيماً أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً ولا ندعوك بليغاً، لأن طريقتك ليست على طريقة العرب ولا على مذهبهم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء؟ " (١) ؛ فهذا التصوير لا ينطبق على شعر أبي تمام، والمتعسف منه في اللفظ والمعنى لا يشمل إلا أبياتاً معدودة بشهادة الآمدي نفسه، ولو صح أن أبا تمام كان فيلسوفاً أو حكيماً لما جازت الموازنة بينه وبين البحتري، ولكانت محاولة الآمدي من أساسها منقوضة لأنها مبنية على الموازنة بين شاعر وفيلسوف. عمود الشعر نظرية خدمة للبحتري وأنصاره فأبعدت الموازنة عن الإنصاف وليس من شك في أن الآمدي كان يؤثر طريقة البحتري ويميل إليها. ومن اجل ذلك جعلها " عمود الشعر " ونسبها إلى الأوائل وصرح بأنه من هذا الفريق دون مواربة: " والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وغنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني واخذ العفو منها كما كانت الأوائل تفعل مع جودة السبك وقرب الماتى، والقول في هذا قولهم وإليه أذهب " (٢) ، وهذا يستتبع أن نسأل: هل يستطيع الموازنة المنصفة من كان لديه مثل هذا الميل ابتداءً؟ لقد أتهم الآمدي في القديم بأنه تحامل على أبي تمام، قال أبو الفرج منصور بن بشر النصراني الكاتب: " كان الآمدي النحوي صاحب كتاب الموازنة يدعي (هذه) المبالغات على أبي تمام

стр. 149

ويجعلها استطراداً لعيبه إذا ضاق عليه المجال في ذمه " (١) ، وقال ياقوت في تقييم الموازنة: " وهو كتاب حسن وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه. ونسب إلى الميل مع البحتري فيما أورده والتعصب على أبي تمام فيما ذكره، والناس بعده فريقين: فرقة قالت برأيه حسب رأيهم في البحتري وغلبة حبهم لشعره، وطائفة أسرفت في التقبيح لتعصبه، فإنه جد وأجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري. ولعمري أن الأمر كذلك. وحسبك أنه بلغ في كتابه إلى قول أبي تمام " أصم بك الناعي وإن كان أسمعا " وشرع في إقامة البراهين على تزييف هذا الجوهر الثمين فتارة يقول: هو مسروق، وتارة يقول هو مرذول، ولا يحتاج المتعصب إلى أكثر من ذلك، إلى غير ذلك من تعصباته، ولو أنصف وقال في كل واحد بقدر فضائله لكان في محاسن البحتري كفاية عن التعصب بالوضع من أبي تمام " (٢) . وتعقب الشريف المرتضى بعض تعسفه في التخريج فمن ذلك: " ورأيت الآمدي يطعن على قوله - عمرت مجلسي من العواد - ويقول: لا حقيقة لذلك ولا معنى لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من المشيب ولا أن أحداً أمرضه الشيب ولا عزاه المعزون عن الشباب، وهذا من الآمدي قلة نقد للشعر وضعف بصيرة بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء ولم يرد أبو تمام بقوله - عمرت مجلسي من العواد - العيادة الحقيقية التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى وذوي الأوجاع، وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفية، فكأنه أراد أن شخص المشيب لما زارني كثر المتوجعون لي والمتأسفون على شبابي والمتوحشون من مفارقته، فكأنهم في مجلس عواد لي، لأن من شأن العائد للمريض أن يتوجع ويتفجع " (٣) .

стр. 150

وليس يخلو الذين اتهموه بالتعصب على أبي تمام من أن يكونوا بعض الفريق الذي يحب أبي تمام ويستقل ما يقال في مدحه ويستثقل كل شيء يعاب به. أو أن يكون الآمدي قد ظلم أبا تمام فعلاً. فأما تعقب المرتضى له فليس هو اتهاماً له بالتعصب، وغنما هو اتهام بالجهل وعدم الإدراك للنقد الصحيح. ونحن نقول أن من كان يميل إلى طريقة البحتري ثم يتكلف الموازنة بينها وبين طريقة أبي تمام فإنه قادر على أن يظلم أبا تمام ويتعصب عليه. ولا ريب في أن الآمدي حاول أن يكون منصفاً، وظهر بمظهر المنصف في مواطن عديدة، ولكن ميله كثيراً ما كان يوجهه رغماً عنه، كما كان يحدد مجال الرؤية عنده بالنسبة لأبي تمام، ويوسع من حدودها بالنسبة للبحتري. فقد عرض لسرقات أبي تمام من جميع الشعراء على نحو تفصيلي. فلما وصل إلى البحتري، اكتفى بكر ما سرقه البحتري من أبي تمام وحسب، زاعماً أنه إنما يفعل لك " لان أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام " (١) . ثم يقول بعد لك: " فأما مساوئ البحتري من غير السرقات - فقد حرصت واجتهدت أن اظفر له بشيء يكون بازاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه وجودة طبعه وتهذيب ألفاظه - من ذلك إلا أبياتاً يسيرة؟ " (٢) ؛ وقد يكون الآمدي مخلصاً فيما قال - بحسب مدى الرؤية - ولكن وجود الميل الكمين يجعلنا نظن أن هناك قوة توجهه لكي لا يرى ما يمكن ان يعده آخرون من عيوب البحتري. وليس في الإنصاف أن يقال: ما دام أصحاب أبي تمام يدعون له ابتكار المعاني فلا بد من إبراز ما أخذه من معاني غيره، ذلك أن الآمدي يعترف بان أبا تمام شاعر يحسن الغوص على المعاني، ومع ذلك فإنه لم يفرد في كتابه فصلاً لبيان بدائعه، واكتفى بالمقارنة في الموضوعات بينه وبين البحتري. كذلك فإن التعليقات الجارحة

стр. 151

التي يصدرها أحياناً في التعقيب على شعر ابي تمام تشير إلى ان ميله كان يستبد به ويخرجه إلى تسجيل تأثراته الانفعالية في نزق وضيق. كقوله: " وقوله (ان من عق والديه لملعون - البيت) من أحمق المعاني وأسخفها وأقبحها، وقد زاد في الحمق بهذا المعنى على معنى البيت الذي قبله. وطم عليه وعلى كل جهالاته في معانيه؟ وما المستحق والله للعن غيره إذ رضي لنفسه بمثل هذا السخف " (١) . ومثل هذا الانفعال يرد في مواطن أخرى من كتابه كقوله في التعليق على أحد الأبيات: " فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية. خبرونا كيف يجاري البين وصلها وكيف تماشي هي مطلها. ألا تسمعون ألا تضحكون "؟ (٢) . المهم أن اطمئنان القارئ في عدالة الآمدي لا يستبعد أن يهتز ويضطرب. وان تثور في نفسه أسئلة موشحة بالتشكك: أترى الآمدي لا يتعسف هنا في التأويل؟ أتراه لم يبالغ هناك في الاعتماد على ذوقه الخاص؟ الست تراه يدافع عن موقف واضح الضعف عند البحتري؟ ألا تعتقد انه لا يمكن - بقوة ميله - أن يضع على لسان أصحاب أبي تمام حججاً أقوى مما يضعه على لسان صاحب البحتري في تلك المقدمة التي نسجها على مثال المناظرات الكلامية بين الفريقين بحيث يذكرنا بما صنعه الجاحظ من إجراء المناظرة بين صاحب الكلب وصاحب الديك (٣) ؟ أليس هو الذي يدين أبا تمام بأشد تهم يوجهها إليه أعداؤه محيلاً أحياناً على غيره. ناسباً الرأي

стр. 152

لسواه مع أنه قد يكون هو صاحب ذلك الرأي في مثل قوله: " وأنا اذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه والساقط من معانيه والقبيح من استعاراته والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه على ما رأيت المتذاكرين بأشعار المتأخرين يتذاكرونه وينعونه عليه ويعيبونه به؟ فأن الشاعر قد يعاب اشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره وبالإبداع جميع فنونه، فان مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجة سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة التعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه السبيل حتى سقط شعره، لان لكل شيء حداً إذا تجاوزه المتجاوز سمي مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه وإحالة إلى الفساد صحته وإلى القبح حسنه وبهائه، فكيف إذا تتبع الشاعر ما لا طائلة تحته من لفظة مستغثة لمتقدم أو معنى وحشي، فجعله إماماً واستكثر من أشباهه ووشح بنظائره. أن هذا لعين الخطأ وغاية في سوء الاختيار " (١) . وأصحاب البحتري لا يقولون في أبي تمام أسوأ من هذا التعليق. عمود الذوق (أو سنة العرب) مرتكز آخر إلى جانب عمود الشعر ويأوي الآمدي في نقده إلى ركن شديد، يجعله أساساً لنظرته النقدية وهو الرجوع في كل أمر يختلف فيه المتذوقون والنقاد إلى ما تعارفته العرب وأقرته وأثر عنها، فكما ان على الشاعر ان يلتزم عمود الشعر، فغن على الناقد ان يلتزم (عمود الذوق " وغلا فلا معنى للدربة والتمرس وطول النظر في آثار السابقين، فمن هذه الدربة يتكون ذوق الناقد، ومنها يستدل على ما جرت به العادة، فيتمكن من الحكم على إحسان الشاعر أو إساءته بالنظر إلى ما جرت عليه العرب في طريقها؛ ولا يقف هذا الأمر عند حدود اللفظ وما يجوز في الاستعمال وما لا يجوز بل يتجاوزه إلى دقائق المعاني والصور والاخيلة، فغذا قال أبو تمام:

стр. 153

أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع ان تزداد طول وقود قيل له: " هذا خلاف ما عليه العرب وضد ما يعرف من معانيها لان المعلوم من شان الدمع ان يطفئ الغليل ويبرد حرارة الحزن ويزيل شدة الوجد ويعقب الراحة، وهو في أشعارهم كثير موجود ينحى به هذا النحو من المعنى " (١) ولسنا نريد أن نقول إن هذا القانون يقتل الإبداع ويهمل اعتبار الطبيعة الإنسانية التي تؤمن بتغير الأذواق وتبدلها، فذلك تحكيم لقواعدنا فيما كان يظنه النقاد القدماء منهجاً صائباً في عصرهم. ولكنا نقول ان هذا القانون متعسف لأنه يفترض اللجوء إلى قاعدة لا يمكن تحديدها. فمن هو الذي يستطيع أن يزعم لنفسه وللناس أنه قد أحاط بما يسمى " طريقة العرب " في الاستعمالات اللغوية والتصويرية. ولماذا يعمد الآمدي نفسه كلما رأى أثراً قديماً مشبهاً بطريقة أبي تمام إلى الاعتذار عنه وعده من النادر أو الشاذ؟ أليس هذا النادر صادراً عن عربي، تقبله ذوقه واقره خياله - وهو خيال عربي - ولم نسمع أنه طواه استهجاناً أو قابله الناس حينئذ بالاستغراب. قانون " عمود الذوق " يقتل الاستعارة وإذا كان الآمدي - خدمة لقانونه هذا - قد تناول القواعد القديمة من اعتماد كل أصول اللياقة وعلى قانون منتهى الجودة وعلى ما أشبه هذين من أصول نقدية قديمة وجعلها مقياساً كبيراً يكثر اللجوء إليه عندما يجد الناس مخالفين له في ذوقه، فإنه قد تجاوز حدود تلك القواعد التي كانت تقف عند المواصفات الشكلية إلى صميم العملية الشعرية. وبيان ذلك أن الشعر لا يتأثر كثيراً إذا أخطأ الشاعر فجعل ذيل فرسه طويلاً،

стр. 154

أو استعمل السوط في حثه على الجري. أو خيل إليه أن الفستق من البقول، أو ظن أن صاحب الفيل لابد أن يكون قوياً كالفيل؛ ومن السهل أن تحاكم المبالغة لديه إلى مقياسك الفني إذا قال: فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور أو قال: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق كل هذه أخطاء جزئية؛ ولكن الشعر يصاب في الصميم إذا قلنا للشاعر: إنك لا تستطيع ان تقول: " وضربت الشتاء في أخدعيه " لان العرب لا تستعمل مثل هذه الاستعارة. فإذا قيل لنا، ولكن أحد شعراء عبد القيس يقول: ولما رأيت الدهر وعراً سبيله ... وأبدى لنا ظهراً أجب مسلعا ومعرفة حصاء غير مفاضلة ... عليه ولوناً ذا عثانين أجدعا وجبهة قرد كالشراك ضئيلة ... وصعر خديه وأنفاً مجدعا فإنه لا يغني عنا كثيراً أن نقول له: " هذا الإعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في هجائه للدهر وجاء بها هازلاً؟ " (١) . حملة الآمدي على استعارات أبي تمام بعبارة أخرى: إن اخطر ما في هذا الاحتكام إلى طريقة العرب هو ما يصيب الاستعارة، لان تعقب الاستعارة يعني التدخل في التشخيص والقدرة الخيالية لدى الشاعر. ولذلك تجد الآمدي قد عد بعض استعارات أبي تمام ثم قال معلقاً عليها: " فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه الألفاظ - للدهر اخدعاً ويداً تقطع من الزند، وكأنه يصرع، وجعله يشرق بالكرام ويفكر ويبتسم وان

стр. 155

الأيام بنون له، والزمان ابلق، وجعل للمدح يداً ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلماً تارة ومرتداً أخرى والحادث وغداً؟ وظن ان الغيث كان دهراً حائكاً وجعل للأيام ظهراً يركب، والليالي كأنها عوارك والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الصباح الأبلق، وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والغثاثة والبعد من الصواب " (١) . ثم أراد أن يفهمنا بان هذه الاستعارات خارجة عما نهجه العرب: " وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله أو كان سبباً من أسبابه "، ودافع عن صورة الليل في قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازاً وناء بكلكل وعن قول زهير: وعري أفراس الصبا ورواحله ... وقد يتحدث الآمدي لفريق من أبناء عصره بهذا فيدركون أن استعارة امرئ القيس صحيحة النسبة للخيال العربي (وإن كان قد عاب امرأ القيس بهذا البيت من لم يعرف موضوعات المعاني والاستعارات في رأي الآمدي) وان استعارة زهير كذلك مقبولة سائغة، ولكن من الصعب علينا اليوم ان نميز ذلك تمييزه، بعد أن اختلطت علينا استعاراتنا بالاستعارات المستمدة من الخيال الأجنبي حتى ألفنا هذا الخليط العجيب، وربما لم يكن من الجفاء أن أصرح باني لم أقف مرة عند قول زهير " وعري أفراس الصبا " إلا وجدت فيه من الغرابة ما يعمي علي وجه تصوره، وان لا أجد فرقاً بين تصوير

стр. 156

الشتاء " مشخصاً " ذا أخدعين وبين قول ذي الرمة " تيممن يافوخ الدجى فصد عنه ". ولست بسبيل الدفاع عن استعارات أبي تمام ولكني أقول إن تعقب الآمدي لهذه الاستعارات، قد أصاب الطريقة الشعرية نفسها؛ وإذا كان النقد ذا أثر في تربية الذوق، فإن نقد الآمدي وأشباهه قد حال دون تكثير الطبقة التي تتذوق الجدة في الاستعارة، وتقبل على ما يكمن في طبيعة الخيال الخلاق من إبراز الحياة في صور جديدة. وغني لأحس أن وراء بعض أحكام الآمدي أثراً دينياً، فاكثر استعارات أبي تمام التي يجدها الآمدي غثة إنما تتعلق بالدهر والزمان وربما ارتبط هذا - ارتباطاً شعورياً أو لا شعورياً - بما يروى في الأثر " لا تسبوا الدهر؟ ". الصلة بين ابن طباطبا والآمدي في الاتباعية وهذا الذي ذهب إليه الآمدي من الاحتكام إلى طريقة العرب، يذكرنا أيضاً بالمنهج الذي اختاره ابن طباطبا في " عيار الشعر "، حين حدد طريقة العرب في التشبيه، إلا أن الآمدي أربى عليه وكمل عمله، حين اهتم بالاستعارة، وبذلك التقت جهود ناقدين كبيرين على ضرورة مقاربة الحقيقة أو ما سماه ابن طباطبا الصدق في التشبيه، ولهذا نفسه اتفق الناقدان على رفض قول من قال: " أعذب الشعر أكذبه " فقال الآمدي معلقاً على أبيات للبحتري: وقد كان قوم من الرواة يقولون أجود الشعر أكذبه، ولا والله ما أجوده إلا اصدقه إذا كان له من يخلصه هذا التخليص ويورده هذا الإيراد على حقيقة الباب " (١) .

стр. 157

خضوع الآمدي الذي يحتكم إلى طريقة العرب لمؤثرات أجنبية دون أن يفهمها ومن غريب أمر الآمدي الذي يبني أكثر نقده على الاحتكام إلى طريقة العرب يستأنس أحياناً بثقافة فلسفية في الحديث عن صناعة الشعر، وهو إنما يعتمد ذلك ليسند مذهبه في إيثار حسن التأليف، قال: " وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي: جودة الآلة وإصابة الغرض المقصود وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة من غير نقص فيها ولا زيادة عليها، وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها بل هي موجودة في جميع الحيوان والنبات " (١) ؛ ثم يذكر أن كل محدث مصنوع يحتاج إلى أربع علل: علة هيولانية وعلة صورية وعلة فاعلة وعلة تمامية، فإذا طبقنا هذا على الشعر: كانت العلة الهيولانية هي الآلة أو المادة (أي الألفاظ) ثم تكون إصابة الغرض هي العلة الصورية، ثم تكون صحة التأليف مقابلة للعلة الفاعلة، فإذا انتهى الصانع إلى تمام صحته من غير نقص منها ولا زيادة عليها فتلك علة تمامية، وعلى هذا " فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه (بعد صحة المعنى) ، فكل من كان أصح تأليفاً كان أقوم بتلك الصناعة ممن أضطرب تأليفه " (٢) ، وغير خاف أننا لا نستطيع مناقشة الآمدي في هذا التشبيه الذي استمده من الفلسفة، لأنه لم يفهمه، فالعلتان الأولى والثانية (الهيولانية والصورية) تقابلان في الشعر ما أطلق عليه نقاد العرب أسمي (اللفظ والمعنى) أما العلة الفاعلة فهي " قوة الخلق " التي تجعل من الاتصال بين الهيولي والصورة تفرداً يميز بين قوام وقوام، وأما العلة التمامية، فهي إن صدقنا الآمدي في استعمال المصطلح تساوي العلة الغائية.

стр. 158

فكيف توصل الآمدي إلى القول بأن صحة التأليف هي أقوى الدعائم بعد صحة المعنى؟ ومم يكون التأليف إذا لم يكن المعنى (الصورة) أحد ركنيه الكبيرين؟ وقد أدرك الآمدي أن العلة الفاعلة هي " تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة " ثم نسي أن هذا التأليف هو الخلق - أو الصنع - حين تحدث عن الشاعر، ولو كان أدرك أبعاد هذا التمثيل لما تمسك بقوله إن ما خرج عن طريقة العرب فإنه غير مقبول، ذلك لأن " الخلق " أو " الصنع " يحتاج حرية لم يدركها الآمدي، وما نلومه لأنه لم يدركها. والحق أن الآمدي لو تعمق الثقافة الفلسفية لتنازل عن أشياء كثير من قواعده، ولكنه كان فيما قد يدل عليه كتابه سطحياً في هذه الناحية. الذوق الخاص والأحكام التأثرية، ومعاداة العمق في المعنى ولا نستبعد أن يكون الآمدي قد درس علم الكلام، غير أنه لم يتأثر به في النقد إلا تأثراً شكلياً. كما رأينا في صياغته للمقدمة على شكل حوار كلامي جدلي بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري، وكما نرى في سائر كتابه من قوة عارضته في الجدل، وقدرته على المماحكة. وقد كان ذا قدرة على التأويل والتخريج، اتضحت في معالجته لقراءة الشعر واستنباط الوجوه المحتملة فيه، ولكنه إذا تعدى هذه القراءة الدقيقة نبا ذوقه عن ضروب العمق، وخاصة إذا كان عمقاً معنوياً، وسمى ما يجيء به أبو تمام أحياناً " فلسفة " هرباً من تسميته بالشعر، وهو مخلص في هذا لذوقه، يكاد لا يحيد عنه، ولذلك يمكن أن نقول إن نقده يحمل سمات " أهل الظاهر "، فهو لا يستطيع أن يتقبل ذوقياً إلا المعنى القريب الذي يسلم للقارئ نفسه في صياغة جميلة إسلاماً مباشراً، دون إعمال خيال أو إجهاد فكر، ولا يجد لذة في التعمية والإنبهام وما يمكن أن يجيء في شكل أحجية.

стр. 159

الشعر لديه عالم مستقل من النغمة العذبة واللفظة المألوفة والمعنى المألوف، لا دخل له بالأفكار المتفردة والصياغة المتعملة والإشارات البعيدة، وهو في هذا شبيه بابن طباطبا، إلا أنه لا يهتم اهتمام أبن طباطبا بكيفية الصياغة، ولا يعرف كثيراً عن العلاقة الصناعية بين القصيدة والرسالة، وإنما يتذوق الصياغة الجميلة إذ رآها دون أن يبحث كثيراً عما يمنحها صفة الجمال، ولذلك تجده في أحكامه يسرع إلى القول بأن هذا " ما لا غاية وراءه في الحسن والصحة والبراعة " أو " حسبك بهذا حسناً وحلاوة " إلى عشرات من هذه الوقفات الذوقية الخالصة التي لا تعتمد شيئاً مما قرره في نظريته من تعليل. وتتملكه صيحات الإعجاب. كأن يقول بعد رواية أبيات للبحتري: " هذا والله هو الشعر لا تعليلات أبي تمام بطباقه وتجنيسه وفرط تقعره وكثرة إحالاته " (١) ، أو يقول: " وهذا والله الكلام العربي والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله " (٢) ، أو يقول: " وهذا إحسان البحتري الذي لا يفي ببراعة معناه شيء " (٣) ، أو يقول: " وهذا هو الذي يأخذ بمجامع القلب ويستولي على النفس " (٤) ، وقد ينال أبو تمام إعجابه فيقول: " وهذا ما لا مدفع لجودته وحسنه، وكأنه صفوة خاطر أبي تمام " (٥) ، أو يقول: " وقال أبو تمام في النائل النزر القليل ما هو فوق كل حسن وحلاوة " (٦)

стр. 160

نشأة الآمدي التأثرية وأثرها في نقده وليس السبب في هذا صعوبة التعليل واعتماد الآمدي على حكم " الطبيعة " الذي يبيح للناقد أن يبدي رأيه فيما لا يمكن تعليله، ولا هو وليد ضحالة بسبب ضعف الثقافة الفلسفية، وإنما هو نتيجة النشأة التأثرية، فيما أقدر، فقد بدأ الآمدي منذ سنة ٣١٧ يحاول اختيار الجيد من شعر الطائيين، وكان ذوقه قد حدد وجهته في أخذ ما يأخذه وطرح ما لا يستسيغه، وفي هذه المرحلة يكون الإعجاب شيئاً لا يعلل، ويظل هذا الإعجاب هو المحرك الكبير دون أن يهتدي الناقد إلى إدراك الأسس الجمالية في الشيء الجميل، وقد عاشت هذه التأثرية مع الآمدي، حين شاء أن يكون ناقداً موضوعياً، وظلت تلاحقه بآثارها القديمة، ولذلك كان كثيراً ما يضيق ذرعاً بالموضوعية المتزمتة ويثور ذوقه عليها، ويستسلم إلى تعليقات تأثرية فيها الكثير من الإسراف في الحمل على المشاهد وفيها التجني وفيها إلى ذلك طرافة ساخرة، وإليك أمثلة منها: ١ - قال أبو تمام: " مهاة النقا لولا الشوى والمآبض "، فقال الآمدي: يقول: أنت مهاة النقا لولا قوائمها فإنها ليست كقوائمك وكذلك المآبض. وفي البقر أشياء أخر ليست في الناس منها القرون والأذناب وسائر خلقها؟ الخ (١) . ٢ - وقال أبو تمام في الغزل: " ملطومة بالورد " يريد حمرة خدها: فلم لم يقل مصفوعة بالقار ويريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء جسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها؛ إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ وأسخفه وأوسخه (٢) .

стр. 161

٣ - وقال أبو تمام: يقول أناس في حبيناء عاينوا ... عمارة رحلي من طريف وتالد أأظهرت كنزاً أم صبحت بغارة ... ذوي غرة حاميهم غير شاهد فقلت لهم لا ذا ولا ذاك ديدني ... ولكني أقبلت من عند خالد وهذا من معاني العوام أن يقولوا لمن رأوا حاله قد حسنت: على من أغرت أو أي كنز وجدت؟ وما ظننت مثل هذا ينظم في شعره. وقوله: " أقبلت من عند خالد " كلام فارغ. وإنما كان ينبغي لمن ابتلاه الله بهذا المعنى أن يقول في جوابهم: نعم كنز خالد. وأغار على ندى خالد، ولكنه لعمري بين المعنى في البيت الثاني وعرفهم عمارة رحله بأن قال: جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد وهذا وأبيه معنى متناه في برده وغثاثته وركاكته، ولشتيمة الممدوح عندي بالزنا أحسن وأجمل من جذب نداه حتى يخر صريعاً؟ ولو لم يعلمنا أن ذلك كان غدوة السبت كيف كان يتم برد المعنى (١) !! ٤ - وقال أبو تمام: شكوت إلى الزمان نحول جسمي ... فأرشدني إلى عبد الحميد لو كان عبد الحميد طبيباً كان يمون معنى البيت مستقيماً لأن الرجل المعتر الطالب الجدوى لا يشكو نحول جسمه إلى ممدوحه الذي يلتمس الفضل منه، وإنما يشكو إليه اختلال الحال وقصور اليد، فأما أن يشكو إليه نحول الجسم فإن ذلك غاية الخناعة والنذالة والانحطاط في المسألة، إنه يخبره بشدة جوعه وأن ذلك هو أذاب لحمه، وهذا لا يقوله شاعر على هذا الوجه (٢) .

стр. 162

٥ - وقال أبو تمام: فلاذت بحقويه الخلافة والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله أتته معداً قد أتاها كأنها ... ولا شك كانت قبل ذاك تراسله فالبيت الأول جيد بالغ، والبيت الثاني في غاية السخف والرداءة لأنه جعل الخلافة قد أتته وجعله قد أتاها، وكان ينبغي أن يقتصر على إتيانه إياها أو إتيانها إياه وهو أجود، فأما أن يجمع بين الحالين فما وجهه؟ وكان ينبغي أن يعلمنا لما توجه كل واحد إلى صاحبه: أين التقيا؟ أفي منتصف الطريق؟ وقصد هذا الرجل الأغراب في الألفاظ والمعاني، ومن هاهنا فسد أكثر شعره (١) . وشبيه بهذه التأثرية في الذوق، نوع من العناد في الرأي، فإذا استثنيت أشخاصاً يحترم الآمدي آراءهم كأبن الجراح وأبن المعتز وبعض العلماء الآخرين، تجد الآمدي لا يطيق رأياً سابقاً، بل يثيره هذا الرأي إلى المخالفة والمعارضة. ومن حسن حظ أبي تمام أن يكون قد عاب معنى من معانيه ناقد سابق، ليجيء الآمدي فيدافع عما عابه غيره، إلا أن هذا ليس كثيراً في الكتاب. الأركان النقدية في كتاب الموازنة بعد ذلك كله يمكن أن نقول إن كتاب الموازنة يعتمد على ثلاثة أركان نقدية كبرى وهي: ١ - الكشف عن السرقات: فقد عد لأبي تمام ١٢٠ بيتاً أخذ معانيها عن الشعراء، ثم ناقش أبن أبي طاهر في ما عده من سرقات أبي تمام فصحح له ٣١ بيتاً أيده في أنها مسروقة، ورد مما عده أبن أبي طاهر خمسة عشر بيتاً فكأن كل ما

стр. 163

أخذه أبو تمام من غيره ١٥١ معنى، على حسب هذا الإحصاء، ثم عد للبحتري ثمانية وعشرين بيتاً أخذها من غير أبي تمام وأربعة وستين موضعاً أخذ معانيها من أبي تمام. وناقش أبا الضياء فيما خرجه من سرقات البحتري ورد عليه ودافع عن البحتري. هذا مع تصريح الآمدي بأنه لم يستقص سرقات البحتري كما استقصى سرقات أبي تمام. ولو فعل لكانت المعاني التي أخذها البحتري أكثر. إذ كان ما أخذه من شاعر واحد قد بلغ أربعة وستين معنى. وللآمدي موقف خاص من قضية السرقة، فهو على تتبعه لها، يحس أنها ليست من العيوب الكبيرة بقوله " وكان ينبغي آلا أذكر السرقات فيما أخرجه من مساوئ هذين الشاعرين لأنني قدمت القول في أن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوئ الشعراء، وخاصة المتأخرين إذ كان هذا باباً ما تعرى منه متقدم ولا متأخر " (١) . ترى من هم هؤلاء العلماء الذين يعتمد الآمدي حكمهم في هذا المجال، ونحن قد رأينا أن الكشف عن السرقة قد أصبح في القرن الثالث غاية كبيرة من غايات النقد وانه ظل كذلك فيما تلا من عصور. أتراه يعتذر بهذا عن صاحبه البحتري، لأنه لا يريد أن يعني نفسه باستقصاء سرقاته؟ مهما يكن من أمر فغن لدى الآمدي مقياساً للسرقة وهو أن ما جرى على الألسن وشاع من المعاني أو اصبح كالمثل السائر بين الناس فإنه لا يعد سرقة إذا اشترك فيه الشاعران (٢) ، كذلك فغن ما كان اتفاقاً بين ألفاظ معينة لا يعد سرقاً (٣) . وبهذا دافع عن البحتري في أكثر ما اتهم به من سرقة، وهذا مقياس جيد ولكن الصعوبة فيه إنما تكون في تحديد مدى الشيوع والسيرورة والجريان على الألسنة، ومن شاء مال بهذا المقياس في حال الدفاع أو الهجوم، ولكنه رغم ذلك، مقياس لا باس به، ولو

стр. 164

أخذ به النقاد بعد الآمدي لوفروا على أنفسهم كثيراً من الجهد الذي بذلوه في تتبع السرقات. ٢ - القراءة الدقيقة: والغاية منها الكشف عن الخطأ في استعمال الألفاظ، وفي المعاني، فمن ذلك تخطئته لأبي تمام في قوله: حلت محل البكر من معطى وقد ... زفت من المعطي زفاف الايم إذ قال إن استعمال أبي تمام للأيم بمعنى الثيب خطا (في مقابل البكر) ، قال " وقد غلط في الايم بعض كبار الفقهاء فجعلها مكان الثيب، وذلك لحديث روي عن النبي ﷺ (١) وهو خطا قد وقع البحتري في مثله (٢) . ومن ذلك استعمال أبي تمام للفظة " العنس " بمعنى " العانس " ولم ترد في اللغة إذ العنس من أسماء الناقة. ومن أخطائه قوله: الود للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب فقد أخرج الأقارب من " العرف " مع انهم من أولى الناس به. وقد سار الآمدي في هذا التدقيق إلى أبعد الحدود، وكان يعلم أن القراءة الدقيقة لابد لها من الوقوف على الرواية الأصلية، ولذلك اعتمد الرجوع إلى الأصول من ديوان أبي تمام؛ فعندما قرأ بيت أبي تمام: دار أجل الهوى ان لم ألم بها ... في الركب ألا وحيي من منائحها

стр. 165

فأنكر استعمال " إلا " ورأى إن وجه الكلام أن يقول الشاعر: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عيني من منائحها "، ومن اجل أن يتأكد إن الرواية صحيحة عاد إلى أصل معتمد، قال: " وقد كنت أظن إن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وإن غلطاً وقع في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخة العتيقة التي لم تقع في يد الصولي وأضرابه فوجدت البيت في غير نسخة مثبتاً على هذا الخطأ " (١) . ومثل هذا التحري من أهم واجبات الناقد الذي يتعقب الشعر بالقراءة، ولكنه في ثنايا ذلك يفصح عن قلة ثقته بالصولي (وأضرابه) ممن صنعوا ديوان أبي تمام، وينسب إليهم بعض ما وقع في رواياته من خطا، وقد اعتمد الآمدي من ديوان أبي تمام على عدة نسخ منها نسخة أبي سعيد السكري وأبي العلاء محمد بن العلاء (٢) . على إن الآمدي لا يخلو في تدقيقه من التحكم، فلفظة " الأيم " التي مرت مثلاً قد تقبل دون ذلك الجدل الطويل الذي وضعه الىمدي، والماخذ الكبير على الذاهبين مذهب الدقة هذا انهم يتقيدون بوجهة نظر واحدة ولا يصححون ما عداها، فإذا روى أحد علماء اللغة تفسيراً للفظة لا يوافق المشهور لم يقبلوه، وليس كذلك موقف الشاعر، ثم أن الألفاظ تنزلق أحياناً انزلاقاً يسيراً عما وضعت له، بمرور الزمن، وهذا مبدأ لا يحترم أمثال الآمدي القائلون بالتدقيق، كذلك فان للكلام وجوهاً من التأويل يحتمل معها تخريجه على غير ما رآه الآمدي؛ فكيف إذا صدقنا ابن المستوفي بان الآمدي كان يغير رواية الشعر عمداً ليحدث ثغرة في شعر أبي تمام (٣) ؟ أن هذه تهمة تعصف بالدقة التي يدعيها حين يزعم انه يرجع إلى أمهات النسخ. وثمة أمر تنبه له أبو العلاء المعري، وخلاصة رأيه إننا يجب ألا نسرع

стр. 166

إلى تخطئة شاعر مثل أبي تمام كان كثير الإطلاع على الشعر، وكل ما نظن خطا عنده فلابد ان يكون سمعه في شعر قديم لتبحره في الرواية (١) . على ان هذا المنحى في النقد قد فتح باب الاجتهاد في تفسير أشعار أبي تمام، وجعل كل شارح من بعد يحاول توجيه المعنى؛ وفي بعض أبياته من الغموض ما يسمح بتطوير هذا اللون من النقد، كما يسمح بتعقب الآمدي والرد عليه في مواطن أساء تأويلها غفلة أو تعسفاً. وذلك شيء سيكون جانباً من مادة الحديث في نقد القرن التالي. ٣ - الموازنة: وهي أهم الأركان وأكبرها ومن أجلها في المقام الأول ألف الكتاب. وقد وضح الآمدي منهجه في هذه الناحية بقوله: " وأنا أذكر بإذن الله الآن في هذا الجزء أنواع المعاني التي يتفق فيها الطائيان وأوزان بين معنى ومعنى: وأقول أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه، فلا تطلبني أن أتعدى هذا إلى أن افصح لك بأيهما اشعر عندي على الإطلاق فأني غير فاعل ذلك؟.. فأني أوقع الكلام؟ على سائر أغراضهما ومعانيهما في الأشعار التي أرتبها في الأبواب، وأنص على الجيد وأفضله، وعلى الرديء وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التخليص وتحيط به العبارة. ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان ولا إظهاره إلى الاحتجاج وهو علة ما لا يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحداقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته وقلة دربته " (٢) فالموازنة في رأي الآمدي تتم على هذا النحو: ١ - اخذ معنيين في موضعين متشابهين. ٢ - تبيان الجيد والرديء مع إيراد العلة.

стр. 167

٣ - تبيان الجيد والرديء دون إيراد علة لان بعض الجودة والرداءة لا يعلل. ٤ - إصدار الحكم بان هذا اشعر من ذاك في هذا المعنى، دون إطلاق الحكم النهائي العام وهو " أيهما اشعر على الإطلاق ". وكان الآمدي يؤثر لو استطاع أن يوازن بين البيتين أو القطعتين إذا اتفقتا في الوزن والقافية وحركة الروي، ولكن ليس كل شعرين اتفقا هذا الاتفاق يدوران حول معنى واحد، فالاتفاق في المعنى هو المنطقة الصحيحة للموازنة. وحين تقدم إلى الموازنة التطبيقية قسم الشعر في موضوعات: كالوقوف على الديار، والغزل والمواعظ والآداب والمدح والوصف والفخر والعتاب والرثاء. واليأس والنجدة؟ الخ؛ وتحت كل باب كبير من هذه تندرج أقسام كثيرة، فتحت باب الرثاء مثلاً يجيء: عموم الفجيعة وجلال الرزء. البكاء على الفقيد، زوال الصبر على المفجوع، ذم الدهر والأيام لإخترامها الفقيد، تولي العيش وذهابه وتغير الأشياء لفقده، تخطي المنايا إلى الأشرف فالأشرف والأفضل فالأفضل؟ الخ. وتحت باب البأس والنجدة تقع فصول كثيرة مثل: وصف الجيش وكثافته. الرأي والتدبير في الحرب. وصف الحرب، وصف رجال الحرب، تشبيه الأبطال بالسباع. وصف الدروع. وصف القوانس والبيض، وصف الرايات، وصف الخيل في الحرب؟. الخ؛ ولكل موضوع إبتداءات، لذا فأن الآمدي يعمد إلى الموازنة أولاً بين تلك الإبتداءات. فلو أخذنا الابتداء بذكر الوقوف على الديار لوجدناه قد أورد فيه لأبي تمام خمسة وللبحتري سبعة ثم ختم ذلك بحكم قال فيه. " فهذا ما أبتدأ به من ذكر الوقوف. واجعلهما فيه متكافئين من أجل براعة بيتي البحتري الأولين. وانهما أجود من سائر أبيات أبي تمام، ولان للبحتري في الباب التقصير الذي ذكرته وليس لأبي

стр. 168

تمام مثله " (١) ، وفي البكاء على الديار كان حكمه أن البحتري أشعر (٢) ، ثم تكون الموازنة في غير أبيات الابتداء، وهكذا في كل الكتاب باباً بعد باب. ومن الملاحظ أن الأحكام أن الأحكام التي لا تعتمد على تعليل كثيرة جداً في هذه الموازنة؛ كما أن الآمدي أحياناً لا يصدر حكماً نهائياً، ويخرج أحياناً عن الحديث في شعر الطائيين - في موضوع ما - إلى الاستشهاد بما جاء في الموضوع لشعراء آخرين؛ وتتخلل أحكامه توجيهات للمعاني، ونقدات لاذعة لأبي تمام كالتي تعرضنا لها من قبل. وموطن الضعف في هذه الموازنة أنها تقوم على تجزئة القصائد، وهي بالعملية الاحصائية أشبه، كما أنها تتحدد بما لمحه الآمدي من مهان وردت في الشعر، وقد تجيء هناك معان لا شركة فيها، وقد يشترك اثنان في موضوع واحد. ثم يكون تناولها له على وجهين شديدي التباعد، فهي عمل لا ينتهي إلى غاية واضحة، كما أنه - حسبما ألمحنا من قبل - مفتعل باجراء موازنة بين شاعرين متباعدين في تصورهما لطبيعة الشعر، ولذلك تبدو أحياناً من قبيل العناء الباطل، فلو فرضنا - وهذا الفرض مستمد من إحصاءات الآمدي - أن للبحتري ابتداءات في ذم الزمان وليس لأبي تمام ابتداء في هذا الموضوع أبداً فما حصيلة ذلك؟ ماذا يمكن أن نقول وراء هذا التقرير؟ وإذا عرفنا أن الموضوعات التي تكافأ فيها الشاعران خمسون، وأن الموضوعات التي رجح فيها ميزان البحتري مائة، فهل معنى ذلك أن البحتري أشعر من أبي تمام؟ إن قضية الموازنة قد اقتضت من الآمدي جهداً في غير طائل، وردته إلى سذاجة المفاضلة مرة أخرى على الرغم من تذرعه بالعلل، ومن احتفاله بالتبويب والتقسيمز إنها إخضاع شيء لا يخضع للإحصاء، ظاهرها منطقي، وأصولها غير معتمدة على منطق، ومن الخير أنها لم تظل كذلك في تاريخ النقد العربي.

стр. 169

موقف الحاتمي من ابي تمام وقد كان الآمدي يصلح أن يكون ختاماً لهذا النقد الذي ايستثارته الخصومة حول أبي تمام والبحتري، في القرن الرابع، ولكنا نلتقي بناقد آخر يعد فيما يبدو من أنصار أبي تمام ذلك هو الحاتمي الذي سنقف عند وقفة طويلة حين نتحدث عن المعركة الدائرة حول المتنبي؛ وقد كانت فكرة " الصراع " حول أحد الشعراء خير ما يوجه الطاقة النقدية لدى الحاتمي، ومع أن كتابه " حلية المحاضرة " يمثل إرساء للقواعد النقدية القديمة مع استكثار من الأمثلة، فإنه تعرض فيه لأبي تمام، ذهاباً مع ميله إلى مقارعة الآخرين حول ما يحملونه من آراء. قال الحاتمي: " وجمعني ورجلاً من مشايخ البصرة، ومن يومى إلى مجلسه بالشعر بعض الرؤساء، وكان خبر ذلك الشيخ سبق إلي في عصبيته للبحتري، وتفضيله إياه على أبي تمام، ووجدت صاحب المجلس يؤثر استماع كلامنا في هذا المعنى، فأنشدت قولاً أنحيت فيه على البحتري إنحاء أسرفت فيه واقتدحت زناد الشيخ به، فتكلم وتكلمت، وخضنا في أفانين من التفضيل والمماثلة، فعلوته في جميعها علواً شهده من حضر المجلس، وكانوا جلة ... وأعيان أهل الأدب بالبصرة، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدئ ولا يخرج ولا يختم، فلو لم يكن للبحتري من الفضل عليه إلا حسن ابتدائه ولطف خروجه وبراعة انتهائه لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التي تزداد على التكرار حلاوة وجدة، ثم أقبل علي وقال: أين يذهب عنك حسن ابتدائه ... " (١) وأورد هذا الشيخ للبحتري مثلاً على حسن ابتدائه وخروجه وانتهائه؛ " قال ابو علي: وكنت ساكناً إلى أن استتم كلامه، فكأن جماعة أعجبهم ذلك عصبية على أبي تمام، فإني كنت كالشجا معترضاً في لهواتهم، وأسر كل واحد منهم إلى صاحبه

стр. 170

سراً يومئ إليه باستيلاء الرجل علي. فلما استتم كلامه وبرقت له بارقة طمع..؟.؟ ابتدأت فقلت: لست ممن يقعقع له بالحصى ولا تقرع له العصا. لا إله إلا الله، استنت الفصال حتى القرعى؛ يا سبحان الله! هل هذه المعاني إلا عون مفترعة قد تقدم أبو تمام إلى سبك نظارها، وأفتضاض ابكارها. وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أقفالها واتباعها؟.. " ثم رد الحاتمي معاني البحتري إلى أبي تمام؟ " قال أبو علي: فقلت له هذه حال صاحبك. فيما عددته من محاسنه التي هتكت بها ستر عواره، ونشرت مطاوي أسراره، حتى استوضحت الجماعة إن إحسانه فيها عارية مرتجعة ووديعة منتزعة. فاسمع ما قال أبو تمام في نحو أبياتك التي أوجبت الفضل في أساليبها لصاحبك. حين قال مبتدئاً: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الاوطار؟ وهل يستطيع أحد أن يبتدئ بمثل ابتدائه: طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... (١) . . . . . . . " ثم أورد أمثلة أخرى من إبتداءاته الجيدة ومن حسن تخلصه وغير ذلك من محاسنه. وإذا تجاوزنا عن غرور الحاتمي. وعن ميله الدائم إلى كسب الفلج في كل مناظرة. وعن طريقته التمثيلية في تصوير الحوار، وجدنا ان هذا الذي أورده يشبه لمحة صغيرة من جهد الآمدي. في الموازنة في الإبتداءات وحسن التخلص والخروج. ولا نستبعد أن يكون خصم الحاتمي في هذه المناظرة بالبصرة هو الآمدي نفسه. أن الحاتمي لم يأت بجديد في هذا الموقف،

стр. 171

ولكن هذا الفصل من كتابه يؤكد طبيعة المعركة التي أثارت كل ذلك النقد (١) .

стр. 172

النقد والأثر اليوناني مقدمة في حركة الترجمة وكتاب الشعر كانت حركة الترجمة في القرنين الثاني والثالث، قد قربت بين الثقافات المختلفة من هندية وفارسية ويونانية وعربية، وفتحت عيون المثقفين على مصادر علمية وفكرية جديدة، ولكنا إذا استثنينا الجاحظ في القرن الثالث، وجدنا ان هذه الثقافات المختلفة لم تترك آثاراً عميقة في البلاغة والنقد، حتى الجاحظ نفسه لم يمس الشعر من الزاوية الفلسفية إلا مساً رفيقاً؛ وكان من أسباب ذلك، الفصل الحاسم الذي أقامه النقاد والشعراء بين الشعر والمنطق، والموقف الدفاعي الذي اتخذوه من الشعر حين جعلوه موازياً أحياناً للعلوم المترجمة وبديلاً لها في أحيان أخرى. هذا على ان في المترجمات أموراً تتصل بالخطابة والشعر اتصالاً وثيقاً، كالصحيفة الهندية التي أشرنا إليها من قبل، وككتاب الخطابة وكتاب الشعر للأرسططاليس، فالأول كما حدثنا ابن النديم (١) يصاب بنقل قديم، إذ نقله إبراهيم بن عبد الله، وقيل أن إسحاق بن حنين نقله، ورآه ابن النديم نفسه بخط احمد بن الطيب السرخسي بنقل قديم، وكل هذا يشير إلى ان كتاب الخطابة كان موجوداً مترجماً في القرن الثالث؛ وأما الثاني فيبدو انه ترجم أيضاً في دور مبكر،

стр. 173

إذ اختصره الكندي (١) (المتوفى حوالي٢٥٢) ، وليس بثابت أن الكندي كان يعرف اليونانية، وإذا نفينا عنه معرفتها قدرنا انه اطلع على ترجمة قديمة؛ هذا ويذكر ابن النديم أيضاً للكندي " رسالة في صناعة الشعر " (٢) . فإذا كانت هي شيئاً آخر غير مختصر للبويطيقيا، فمن المرجح ان تحمل آثار ثقافته اليونانية. ترجمة أبي بشر متي بن يونس لكتاب الشعر وعادت جهود المترجمين تتناول كتاب الشعر من جديد في القرن الرابع، إذ يبدو ان الترجمة الأولى كانت غير موفقة، فترجمه أبو بشر متي بن يونس القنائي (- ٣٢٨) من السرياني إلى العربي، ثم أفاد منه الفارابي، ثم عاد تلميذه يحيى بن عدي (- ٣٦٤) فنقله نقلاً جديداً إلى العربية (٣) . تقييم لترجمة متي وقد وصلتنا ترجمة أبي بشر (٤) ، ولدى المطالعة الأولى يستطيع القارئ أن يحكم بأنها ترجمة رديئة، تدل على ان بين المترجم والنص حجاباً من عدم الفهم، لان النماذج الشعرية عند العرب لا تسعف عليه، ولان المصطلح من ثم قاصر عن أداء الأصل. ومع ذلك فان في هذه الترجمة نفسها مستويات متفاوتة: فبعضها مغلق لا يفهم ابداً، لقصور التعبير عن أداء الفكرة قصوراً تاماً، سواء أكان هذا من اضطراب الترجمة أم من تصحيف النساخ؛ وبعضها ذو دلالة واضحة في المعنى ولكنه عسير على التطبيق، ففكرة المحاكاة واضحة في قول المترجم " وكما ان الناس قد يشبهون بألوان

стр. 174

وأشكال كثيرة أو يحاكون، وذلك من حيث أن بعضهم يشبه بالصناعات ويحاكيها، وبعضهم بالعادات، وقوم آخر منهم بالأصوات - كذلك الصناعات التي وصفنا (يعني الشعر والديثرامب؟ الخ) جميعها تأتي بالتشبيه والحكاية باللحن والقول والنظم " (١) . غير أن هذا الوضوح لا يعني ان تطبيق فكرة المحاكاة على الشعر العربي كان أمراً في حيز التصور أو الإمكان. وقل مثل ذلك في التعبير عن فكرة التطهير (كآثارسيس) " وتعد الانفعالات والتأثيرات بالرحمة والخوف. وتنقي وتنظف الذين ينفعلون " (٢) ، ولكن أصولها التي يتأتى عنها التطهير غامضة مغلقة لا يفهمها المترجم للكتاب أو قارئه أو المزاول للنقد، ولهذا فأنها تظل فكرة غير ذات جذور. ومن هذه الفكر الواضحة أيضاً الفرق بين الشاعر والمؤرخ: " ولذلك صارت صناعة الشعر هي أكثر فلسفية واكثر في باب ماهية حريصة (٣) من أسطوريا (الأمور) ، من قبل أن صناعة الشعر هي كلية أكثر، فأما أيسطوريا فإنما تقول وتخبر بالجزئيات " (٤) . وبعض مستويات هذه الترجمة واضح في الدلالة ميسر في التطبيق إلا انه معتمد على خطا في التصور والفهم، وذلك كترجمة التراجيديا بالمدح والكوميديا بالهجاء، فان التطبيق المترتب على هذا الفهم سهل. ولكن الأسس خاطئة، ويمكننا أن نقول إن الخطأ في هذين المصطلحين لم يجر فحسب إلى تطبيقات خاطئة من بعد، بل جعل سائر الكتاب غير واضح للقارئ العربي، لان أكثر كتاب الشعر يدور على مفهومين المأساة والملهاة (وتمثل الملحمة جزءاً صغيراً منه) ، وحسبك أن تقرا قول أرسطو في العقد

стр. 175

والحل في المأساة على النحو الآتي: " وكل مديح فشيء منها حل وشيء منها رباط؟ فالرباطات التي من الابتداء إلى هذا الجزء؟ ومنها يكون العبور إما إلى النجاح والفلاح وإما لا نجاح ولا فلاح؛ وإما الانحلال (الحل) فهو ما كان من أول العبور إلى آخره " (١) حتى تعجب كيف يمكن لأي ناقد أن يتناول هذا المبدأ فيطبقه على شعر المديح. ولكن هذه الترجمة على سوءها. أو شيئاً شبيهاً بها. كان ذا أثر في النقد الأدبي. سيأتي بيانه في موضعه؛ وقبل ذلك يجب أن نتنبه إلى أننا حين نتحدث هنا عن الأثر اليوناني فلسنا نقصره على كتاب الشعر (أو كتاب الخطابة) . وإنما نعني به أثر الثقافة اليونانية جملة. قدامة بن جعفر ونقد الشعر علاقة قدامة بالثقافة اليونانية لا ريب في أن الثقافة اليونانية كانت من ابرز المؤثرات في قدامة بن جعفر. فقد كان ممن يشار إليه في علم المنطق وعد من الفلاسفة الفضلاء (٢) . وله تفسير بعض المقالة الأولى من السماع الطبيعي (سمع الكيان) لأرسطو (٣) وله كتاب في صناعة الجدل (٤) ، ويدل كتابه في الخراج على ثقافة حسابية دقيقة مثلما يدل - بشهادة أبي حيان التوحيدي - على أنه تناهى فيه

стр. 176

بوصف النثر في المنزلة الثالثة من الكتاب (١) ، روى أبو حيان عن علي بن عيسى الوزير أنه قال: " عرض على قدامة كتابه سنة عشرين وثلاثمائة، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن وتفرد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب، ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض، ولكني وجدته هجين اللفظ ركيك البلاغة في وصف البلاغة حتى كأن ما يصفه ليس ما يعرفه، وكأن ما يدل به غير ما يدل عليه " (٢) وهذه الثقافة نفسها هي التي جعلته يشارك في النقد الأدبي، إذ لا تكاد تشك في أن المنزلة الثالثة من كتاب الخراج إنما كتاب صدىً لكتاب أرسطو في الخطابة، وإن استكماله لمراحل المنطق الأرسططاليسي (وكتاب الشعر مرحلة أخيرة فيه) هو الذي جعله يقوم بتأليف كتابه " نقد الشعر "، وأنه بحكم هذه الثقافة نفسها كان منحازاً إلى تقدير " المعنى "، ولذا ألف كتابه " الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام " (٣) ؛ ولكن يجب ألا ننسى أن صلته بثعلب وأمثاله من علماء القرن الثالث، هي التي وضعت في يديه المادة الأدبية الصالحة لسند آرائه النظرية. عدم إطلاع قدامة على نقد القرن الثالث ويبدو أن قدامة لم يعرف شيئاً عن كتاب " نقد الشعر " للناشئ، ولم يطلع على كتاب " عيار الشعر " لأبن طباطبا، لأنه يصرح بأنه لم يجد " أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً " (٤) ثم يقول: " فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلاً ما يصيبون؛ ولما وجدت الأمر على ذلك وتبينت أن الكلام في هذا

стр. 177

الأمر أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع متاب فيه، رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع " (١) ؛ فالنقد لدى قدامة " علم " ومجاله تخليص الجيد من الرديء في الشعر، أما سائر ما يتعلق بالشعر من علوم العروض والوزن والقوافي والغريب واللغة والمعاني، فليس مما يدخل في باب النقد إلا على نحو عارض، وقد أكثر الناس في التأليف في تلك العلوم وقصروا في علم النقد. حد الشعر عند قدامة ومنذ البداية يبدو قدامة متأثراً بالمنطق الأرسططاليسي، متجاوزاً المفهوم اليوناني للشعر، في آن معاً. فهو في حده للشعر، وفي حرصه على أن يكون ذلك الحد مكوناً من جنس وفصل يدل على أنه يترسم ثقافته المنطقية، " الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى " فكلمة قول: بمنزلة الجنس، وموزون فصل له عما ليس بموزون، ومقفى فصل عما هو موزون ولا قوافي له، ودال على معنى فصل له عما يكون موزوناً مقفى ولا يدل على معنى. غير أن وضعه " المقفى " صفة فاصلة للشعر تدل على أنه يؤثر أن يستقل بحديثه عن الشعر العربي، وأنه لا يحتاط كما أحتاط الفارابي من بعد بقوله " إن للعرب من العناية بنهايات الأدبيات التي في الشعر أكثر مما لكثير من الأمم التي عرفنا أشعارهم " (٢) ، ولا يحتاط شأن أبن سينا حين قال: " الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة " (٣) . وقد كان هذا التعريف مورطاً لقدامة على الصعيد المنطقي، لأن القافية لا تعدو أن تكون لفظة فهي جزء من " القول " أو ركن " اللفظ " أي هي داخلة في " اللفظ " وفي " المعنى " وفي " الوزن "، فإفرادها خروج

стр. 178

على المنطق. ولذا فإن قدامة وقع حيرة من أمرها. حين أراد أن يستكشف ائتلافها مع هذه العناصر. لأنها ليست وحدة قائمة بذاتها، ثم وجد - على سبيل التسامح - إنها يمكن أن تقع مؤتلفة مع المعنى. ومن ثم يتجه الحديث في الشعر إلى عناصره البسيطة (اللفظ - المعنى - الوزن - القافية) - ثم ينجه إلى المركبات (اللفظ والمعنى - اللفظ والوزن - المعنى والوزن - المعنى والقافية) فهذه ثماني وحدات: قسمة منطقية (أسعف فيها شيء من التساهل في أمر القافية) إلا أنها يجب أن تعتمد أساساً ثنائياً، لأن كلاً من العناصر البسيطة والمركبة قد يكون جيداً وقد يكون رديئاً، ولهذا كانت هذه الوحدات في حالتي الإيجاب والسلب ست عشرة. صورة موجزة لكتاب نقد الشعر ويظل الحديث عن عناصر: اللفظ، والوزن، والقافية، وعن ائتلاف اللفظ والوزن وائتلاف المعنى والقافية (وهو مفتعل) أمراً سهلاً ليس فيه تعقيد في حلي الوجوب والسلب أو الجودة والرداءة. ١ - فاللفظ يجب أن يكون سمحاً سهل مخارج الحروف من مواضعها. عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة (١) وعيوبه أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة وحشياً قائماً على المعاظلة. ٢ - والوزن يكون سهل العروض. فيه ترصيع. وعيوبه الخروج عن العروض والتخليع. ٣ - والقافية تكون عذبة الحرف سلسة المخرج فيها ترصيع، وعيوبها هي العيوب القديمة من إقواء وتخميع وإبطاء وسناد. ٤ - وائتلاف اللفظ والوزن أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر

стр. 179

تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وهذا يرجع إلى صناعتي المنطق والنحو، وعيب ائتلاف اللفظ والوزن: الحشو والتثليم والتذنيب والتغيير والتفصيل. ٥ - وائتلاف القافية مع المعنى أن تكون متعلقة بما تقدمها تعلق ملاءمة ونظم، بالتوشيح أو الإيغال، وعيبها في هذا الصدد أن تكون مستدعاة متكلفة يتعمد فيها السجع دون فائدة للمعنى. ولكن الصعوبة تجيء من المعنى؛ وهذا هو الباب الذي يشغل الجزء الأكبر من كتاب قدامة، إذ ما دام المنطق هو الأساس المعتمد فلابد من حصر المعاني (على قدر الإمكان) ثم حصر الصفات الموجبة والسالبة التي قد تلحقها. ولهذا يحدد قدامة المعاني بستة أنواع - كل منها ذو حدين: جيد ورديء، ولها سبع صفات: كل صفة موجبة ونقيضتها، وأنواع المعاني تقع في الأغراب الآتية: المديح - الهجاء - المراثي - التشبيه - الوصف - النسيب، ولكل غرض حسنات في المعاني وعيوب، ويكفي أن يقال إن العيوب نقض للحسنات. وتتوفر في المعاني الجيدة الصفات الآتية: صحة التقسيم - صحة المقابلات - صحة التفسير - التتميم - المبالغة - التكافؤ - الالتفات، وأضدادها المعيبة هي: فساد التقسيم - فساد المقابلات - فساد التفسير - الاستحالة والتناقض - إيقاع الممتنع - مخالفة العرف - نسبة الشيء إلى ما ليس له. هذه حال المعاني في وضعها البسيط، فإذا تركبت مع اللفظ كان ائتلافها يقتضي أن تتوفر المساواة والإشارة والإرداف والتمثيل والمطابقة والمجانسة ويقابل هذه الحسنات عيبان: الإخلال (النقص الذي يفسد المعنى) والزيادة التي تفسد المعنى، فإذا ائتلفت المعاني مع الوزن توفر: التمام والاستيفاء والصحة، وإذا أختل ذلك الائتلاف نتج عن ذلك القلب والبتر.

стр. 180

مصطلح قدامة تلك هي الصورة الخارجية لكتاب " نقد الشعر " أردنا وضعها على هذا النحو لتدل على أن الكتاب قد رسم حسب خطة دقيقة، لا تختل، لأن فكرة المؤلف واضحة تمام الوضوح في ذهنه، فهو مقتصد في الكلام، لا يخرج عن حدود موضوعه، ثم إن هذه الصورة تدلنا على أن قدامة قد حشد مصطلحاً كبيراً أصبح مادة، هامة في نقد الشعر وفي البلاغة على السواء، ودارسو المصطلح البلاغي يجدر بهم أن يعالجوا هذا الذي جاء به قدامة، فيردوه إلى أصوله: عربية كانت أو منطقية أو بلاغية يونانية، ويتتبعوا دورانه في الكتب البلاغية من بعد، واعتراض المعترضين عليه، واستبدال غيره به أو إقراره أو تحويره، ذلك ما لا أحاوله بإسهاب في هذا المقام لأنه هامشي في الجهد النقدي. غير أن هذا المصطلح نفسه يدل على انشغال قدامة بالتحديد والتقعيد، كان الرجل يحس بما انتشر في مجال النقد من فوضى ذوقية، وكان حريصاً على أن يعلم النقد، مثلما كان حريصاً على أن يكون علمه قائماً على منطق لا يختل، ولذلك حول النقد - مخلصاً في محاولته - إلى منطقية ذهنية وقواعد مدرسية ووضع له مصطلحاً، وليس بمستغرب أن يرى فيه معاصروه " أفرس الناس ببيت شعر " وأن يسألوه تحديد المصطلح البلاغي النقدي إذا أشكل عليهم منه شيء، فقد سأله عيسى أبن عبد العزيز الطاهري مرة عن الإشارة فقال: " هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة " فلما سأله مثلاً عليها قال: مثل قول زهير: فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء (١) وهذا وارد أيضاً في " نقد الشعر " (٢) ؛ وكذلك نجد أبا الفرج الأصفهاني
следующие страницы →