← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لابن المعتز والحالي والعاطل وحلية المحاضرة والصناعتين للعسكري واللمع للعجمي والعمدة لابن رشيق " (١) - ستة مصادر مما يضع أسس المصطلح البلاغي، دون التمرس بالمشكلات النقدية الكبرى التي تصدت لها الموازنة والوساطة وأسرار البلاغة. وقد اقتصر ابن الأثير على كتابين مشرقيين، لكن أسامة وعبد اللطيف البغدادي يشير إلى أثر مغربي في الاتجاه النقدي حين يتخذان من " العمدة " لابن رشيق مصدراً هاماً يتكئان عليه؛ وهكذا تكتمل الحلقة النقدية، فبعد أن كان المشرق هو المؤثر في خلق تيار نقدي في المغرب (ومن ضمنه الأندلس) نجد المغرب حينئذ يلعب دور المؤثر. تأثير الأندلس في مصر وبلوغ الأثر الفارسي إليها ولم يقتصر تأثير المغرب على النقد، بل تعدى ذلك إلى الفنون الأدبية نفسها، إلا أن مصر كانت أكثر تقبلاً للأثر المغربي من الشام والعراق، وخاصة في إقبالها السريع على فن الموشحات. ونتيجة لذلك تمايزت البيئات الثلاث في نوع الأثر الخارجي، فغلب على الشام والعراق الأثر الفارسي متمثلاً في فن الدوبيت الذي أقبلت عليه الأذواق واعتبرته فناً مستقلاً إلى جانب الشعر والمواليا (٢) ؛ حقاً إن الأثر الفارسي وصل إلى مصر نفسها، إذ نجد ابن سناء الملك مثلاً يجعل خرجات بعض موشحاته فارسية، ولكن تأثير الموشح في مصر كان أبعد وأظهر، ولعل اهتمام الأدباء

стр. 562

والنقاد في هذه الأقطار الثلاثة بالدوبيت والمواليا والموشح غنما كان مرحلة أولية في خطوة كبيرة لم يجرؤوا على القيام بها، وهي الاعتراف الأدبي بفنون زجلية مختلفة شاعت حينئذ في تلك البلاد، ونحن نعلم انه في القرنين السادس والسابع، على أقل تقدير، غلب " الكان وكان " على البيئة العراقية، وكان في مبدأ أمره مقصوراً على الحكايات والخرافات، ونظم فيه بعض الوعاظ الرقائق والزهديات، ثم اقتبسه الملاحون في دجلة فاصبح أناشيدهم الخاصة، وتولع به أهل البطائح بشكل خاص حتى أصبح يسمى البطائحي (١) ؛ وغلب على البيئة المصرية فن زجلي سمي " البليق " وشغف به الناس وعدوه مستقلاً بعض الاستقلال عن الزجل بمعناه العام (٢) - ومع ذلك لا نجد ناقداً تصدى لتلك الفنون أو حاول التوقف عند قيمتها، أو لمح الانقسام الحادث بين الشعب والطبقات المثقفة في نوع الزاد الأدبي الذي يفيء إليه كل منهما، حتى ابن الأثير الناقد الذي ينصح كل من يتصدى للشعر والخطابة " أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم " (٣) ، والذي أفاد من قول امرأة سمعها تندب ابنها وتقول فيه " كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهم وقع في الكيس " فأعجب بعيارتها واستعارها في إحدى رسائله - هذا الناقد يتحدث عن بعض تلك الفنون الشعبية بطريق السماع، وكأنه لم يسمع بنفسه أحداً يتغنى بها أو ينشدها إلا حين نبه لذلك فيقول: " وبلغني ان قوماً ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات وينادون بالسحور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر، وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئاً منه فوجدت

стр. 563

فيه معاني حسنة مليحة ومعاني غريبة وغن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة " (١) . الموشح في البيئة المصرية وقد تعرفت البيئة المصرية إلى فن الموشح في دور مبكر، نقله إليها المهاجرون الأندلسيون، وأقدم نماذجه التي وصلتنا ربما يرجع إلى النصف الثاني من القرن السادس (٢) ، ولكنه عند أواخر هذا القرن كان قد شاع - فيما اقدر - شيوعاً كبيراً، وفي أواخر ذلك القرن وفي القرن الآلي كثر المهاجرون من أمثال: ابن اليسع الذي ألف لصلاح الدين " المعرب عن أخبار المغرب " وابن دحية وأخيه وابن سعيد ومحمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال الذي يروي عنه ابن ظافر كثيراً من القصص الأندلسية في " بدائع البدائه "، وقد اقدر أن هذا الزجال عرف المصريين إلى فنون الزجل الأندلسي أيضاً كما قام المهاجرون الآخرون بإشاعة الموشح، ونحن نعلم أن الأندلسيين كانوا يرون في الموشحات مصدر فخر لهم كما قال ابن دحية في المطرب: " وهي زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي اغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق " (٣) ويستفاد مما ذكره ابن سناء الملك ان المصريين كانوا - ربما قبل عصره - يقلدون الموشحات الأندلسية ويستعيرون خرجاتها في موشحاتهم (٤) .

стр. 564

الشعر الأندلسي في مصر ولم يقتصر تأثير الأندلس في البيئة المصرية على الموشحات. بل أقبل المصريون على الشعر الأندلسي نفسه، وعرفوا المصادر الأندلسية الهامة من مثل الذخيرة وقلائد العقبان، وأدرجوا الشعر الأندلسي الذخيرة وقلائد العقيان، وأدرجوا الشعر الأندلسي في مؤلفاتهم، وتصدوا لبعضه بالدراسة والنقد، وقد تفاعلت بعض المظاهر البيئية مع هذا الأثر الأندلسي الوافد، ومنحت الاتجاه النقدي صبغة مميزة، ويتضح لنا عند دراسة أشهر النقاد حينئذ المعالم التي تميز ما يمكن أن يسمى " المدرسة المصرية " في النقد. ابن سناء الملك وأثر القاضي الفاضل فيه وفي طليعة هؤلاء القاضي السعيد هبة الله بن جعفر بن سناء الملك (٥٤٥ - ٦٠٨) صاحب " دار الطراز "؛ ولا نستطيع أن نتحدث عنه - بل عن أكثر نقاد مصر في هذه الفترة - دون أن نذكر القاضي الفاضل، الذي كان يحتل دور المعلم والراعي للأدباء في مصر حينئذ، وتعد صلته بابن سناء الملك صلة توجيه ونقد وتشجيع؛ وهذه حقيقة تتضح حين نعلم انه كان في رسائله يلح دائماً على أن يكتب إليه ابن سناء الملك - حين كان القاضي الفاضل في الشام - بآخر ما نظمه، بل يطلب أن يرسل إليه مسودات شعره ليرى ما يجري فيها من تنقيح وتغيير. يقول ابن سناء الملك: " وكانت عادتي معه ﵀ أن يطالبني بالوقوف على مستودات شعري ويرى ما ضربت عليه وما أثبته، فربما رأي ما ضربت عليه خيراً مما أثبته فيناقشني في الحساب ويطالبني بالجواب ويوضح لي وجه الخطأ والصواب، هذه عادتي معه من أول ما أدبني وعلمني وهذبني " (١) . ومعنى ذلك أن القاضي الفاضل كان يقوم بدور الناقد؛ وقد أورد ابن سناء الملك نماذج من نقد الفاضل لبعض قصائده وكلها يشير إلى أن الفاضل كان ينظم قصيدة نثرية

стр. 565

- إن صح التعبير - في نقده لشعر تلميذه، ولكنه بين الحين والحين كان ينبهه إلى بعض المآخذ، فقد انتقده مرة لأنه استعمل قافية التاء المضمومة: " فأما التائية المرفوعة فلا يقربها ولا يقر بها، فما أعجبني لا لأنها غير معجبة بل لأني اعلم أن الله لو حشر الأولين والآخرين ما قدروا ان يكملوا هذه القصيدة من ذلك الجنس، ولا أحاشي من ذلك الكرام الكاتبين، فضلاً عن الأندلس، وإذا كانت لا تدرك فلتترك..؟ " (١) ؛ وانتقده مرة أخرى لأنه أورد في قصيدة سينية كلمة " الكنس " في قوله: صليني وهذا الحسن باق فربما ... يعزل بيت الوجه منه ويكنس وقال له: " وبيت يعزل ويكنس أردت أن أكنسه من القصيدة لان لفظة الكنس غير لائقة بمكانها قبلاً " (٢) ، فاعتذر ابن سناء الملك بأنه إنما اتبع في ذلك ابن المعتز، وان طريقته في الشعر هي طريقته، وأن طبعه لم يستطع أن يجاري البحتري لتفوقه الكبير، وانه نبا عن شعر أبي تمام إذ يكثر من مثل " سلم على الربع من سلمى بذي سلم "، فأجابه القاضي الفاضل بقوله: " ولا حجة للقاضي السعيد فيما أحتج به في الصواب فقط " وأحاله على كتاب العمدة لابن رشيق ليعرف المآخذ التي تورط فيها ابن المعتز، ولم تعجبه وقفته من الطائيين: " وقد تعصب القاضي السعيد على أبي تمام فنقصه وحطه، وللبحري فأعطاه أكثر من حقه، وما أنصفهما " (٣) .

стр. 566

وقد يوحي هذا الموقف النقدي بأن القاضي الفاضل كان محافظاً في ذوقه، ولكن سرعان ما ندرك سعة التذوق لديه حين نجده أحد المعجبين بهذا الفن الجدي - اعني الموشح - وان تلميذه كان يعرض عليه بعض موشحاته، ومن أمثلة ذلك قوله: " وقفت على موشح الجلنارة (١) ، وهو أحسن من الموشح الجلناري الذي كان زينة أعياد الخلفاء، واجدر منها بالنفاسة من القيمة والزيادة في البقاء، ومما ينفك يغايظنا بهذه الملح، ويومض إلينا بهذه اللمح، فإذا سألناه في إباحة معاقلها، وجلاء عقائلها تمنع وإنما يتمنع من يخاف التبذل بالبذل، وهذه المحاسن لا يخاف عليها الملال، ولا (٢) يتطرق إليها الابتذال، ولا يختلط بزها ببز، ولا يوقع على مفصلها بحز " (٣) . توجيه ابن سناء الملك لاختيار شعر ابن الرومي ومن ضروب المران الذي كان يأخذ به ذلك الأستاذ الناقد تلميذه، أن يطلب إليه اختيار شعر هذا الشاعر أو ذاك، فقد كلفه مرة باختيار شعر ابن الرومي، فاختار منه حرف الهمزة ثم توقف، فكتب إليه يذكره بذلك، فكان رد ابن سناء الملك: (فأما ما أمر به المولى في شعر ابن الرومي فما المملوك من أهل اختياره، ولا من الغواصين الذين يستخرجون الدر من بحاره، لأن بحاره زخارة، وأسوده زآرة، ومعدن تبره مردوم بالحجارة، وعلى كل عقيلة ألف نقاب بل ألف ستارة، يطمع ويؤيس، ويوحش ويؤنس، وينير ويظلم، ويصبح ويعتم، شذرة وبدرة، ودرة وآجرة، وقبلة بجانبها لبسة، وحرة بجوارها قحبة، ووردة قد حف بها الشوك، وبراعة قد غطى عليها النوك، لا يصل الاختيار إلى الرطبة حتى يتجرح بالسلا، ولا

стр. 567

يقول عاشقها هذا الملح قد أقبل حتى يقول قد تولى؟ " (١) . أن الالتفات إلى ابن الرومي استمرار لذلك الكشف الذي بدا في القرن الرابع، وبقي - بل أزداد بروزاً - لدى نقاد القرن الخامس وخاصة ابن رشيق، الذي عد ابن الرومي أحق الناس بلقب شاعر. ولكن ابن سناء الملك قد أقر بعجزه عن صنع مختار من شعره، وعلل ذلك بالتفاوت فيه. وتجاوز أسباب أخرى أو لم يدركها؛ وليس في الكتاب ما يدلنا ماذا كان رد الفعل لدى القاضي الفاضل إزاء هذا النقد. توجيهه لاختيار شعر ابن رشيق كذلك وجه القاضي الفاضل تلميذه لعمل اختيار من شعر ابن رشيق، وكان هذا مراناً أسهل من سابقه، إذ أنجز ما طلبه إليه، وأرسل الاختيار لأستاذه، وأفاده التمرس بهذا حين نبهه إلى ما يعانيه شعر ابن رشيق من اتكاء على شاعره المفضل - ابن المعتز - وعلى المتنبي، حتى قال: " ولو لم يكن يخلق الله ابن المعتز والمتنبي لما كان ابن رشيق يعرف الشعر فضلاً عن أن ينظمه، ولا أن يعلمه، وهو ينهب أشعار هذين الرجلين نهباً قبيحاً، ولا سيما ابن المعتز " (٢) ثم أورد أمثلة من منهوبات ابن رشيق، وجرى بذلك في سياق النقاد الذين تحدثوا عن السرقات، وتوجه خاطره إلى التوقف عند المعاني المشتركة. ابن سناء الملك يستخلص قواعد الموشح إن المساجلات بين القاضي الفاضل وابن سناء الملك تدخل في صميم النشاط النقدي، ولكنها قاصرة على تدريب فرد من الناس ليجود شعره، ويوسع افقه في القدرة على تمييز الجيد من الرديء في الشعر؛ وهي وحدها لا تجعل من ابن سناء الملك ناقداً ذا مذهب نقدي واضح المعالم؛ غير أنه يستحق اسم الناقد لشيء آخر، وذلك في موقفه من الموشح، الفن الطارئ

стр. 568

الجديد على المشارقة؛ فقد تفتح له ذوقه على نحو لم يتيسر لشخص آخر من معاصريه؛ صحيح عن وقفته أمام الموشح تمثل " شعوراً بالنقص " إزاء بدعة جديدة، ولكن ذلك الإقدام على تلك البدعة كان يتطلب جرأة في الذوق، وقد تمثلت هذه الجرأة لدى ابن سناء الملك في وجهتين: أولاهما محاولة التجديد في التقليد، فهو لا ينكر انه يحاكي الأندلسيين، ولكنه لا يريد أن يفعل كما فعل غيره من المصريين فيستعير الخرجات من موشحات المغاربة، يقول " فكنت إذا عملت موشحاً لا استعير خرجة غيري بل ابتكرها واخترعها ولا أرضى باستعارتها؟ واخترعت أوزاناً ما وقعوا عليها (أي المغاربة) ، ولم يبق شيء عملوه إلا عملته إلا الخرجات الأعجمية فأنها كانت بربرية (١) فلما اتفق لي أن تعلمت اللغة الفارسية عملت هذا الموشح وغيره وجعلت خرجته فارسية بدلاً من الخرجة البربرية " (٢) . أما الوجهة الثانية - وهنا تتميز روح الناقد - فهو لإقدامه على استخراج قواعد للموشح، وذلك أمر لم يقدم عليه الأندلسيون أنفسهم. ولست أشير هنا وحسب إلى القواعد التي رسمها لشكل الموشح؛ وتآلفه من أقفال واغصان، وعدد أجزاء كل بيت، إلى غير ذلك من شئون يدركها من يقارن نماذج مختلفة من الموشحات، فتلك دراسة علمية تجيء صائبة أو مخطئة بمقدار ما لدى الدارس من شواهد؛ ولكني أشير أيضاً إلى التفننات المختلفة في طبيعة الموشح، وما حديثه عن الخرجة إلا من هذا القبيل إذ يقول " وقد تكون الخرجة عجمية اللفظ بشرط ان يكون لفظها في العجمي سفسافاً نفطياً ورمادياً زطياً، والخرجة هي ابرز الموشح وملحه وسكره، ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي أن تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وإن

стр. 569

كانت الأخيرة، وقولي السابقة لأنها التي ينبغي أن يسبق الخاطر إليها ويعملها من ينظم الموشح في الأول، وقبل أن يتقيد بوزن أو قافية " (١) ؛ على إننا يجب أن لا نقلل من قيمة القواعد التي استخرجها ابن سناء الملك، فإنها تدل على عقلية تنظيمية في النقد، وغن لم يعطنا فيها مقاييس واضحة، تعين على تذوق الموشح أو استكمال نواحي الجمال فيه، وحسب ابن سناء الملك انه لم يسبق إلى هذه الدراسة، وانه أيضاً لم يأت بعده من يكمل ما صنع. ولا نعرف ناقداً آخر في مصر توقف عند الموشحات بالنقد، أو عني بوضع قواعد واحكام نقدية نظرية، وإنما انصرف النقاد في الأكثر إلى النقد التطبيقي، وفي هذا الباب تجاوزوا الانشغال بالمتنبي، حتى نكاد لا نجد لهم حكماً يتعلق به وبشعره، وانصرفوا إلى نقد شعراء آخرين، من المعاصرين وغيرهم. ابن جبارة وكتابه نظم الدر في نقد الشعر وإذا كان القاضي الفاضل قد رفع من شعر ابن سناء الملك بتلك التقريظات المغالية، التي لا تتوقف كثيراً عند التعمق والتحليل، فغن القاضي الرئيس ابن جبارة علي بن إسماعيل (٥٥٤ - ٦٣٢) (٢) قد قصر جهده النقدي في كتابه " نظم الدر في نقد الشعر " على تبيان المآخذ والمساوئ في شعر ابن سناء الملك، ولا ندري هل كان مدفوعاً إلى ذلك بداعي المنافسة، أو بداعي ميله إلى نقض تقريظات القاضي الفاضل؛ وهذا الكتاب الذي يسميه الصفدي أيضاً " تعليقته التي أملاها على شعر ابن سناء الملك " (٣) ، لم يصلنا ولكن الصفدي احتفظ بنماذج منه في شرحه على لامية العجم، من ذلك قوله معلقاً على هذين البيتين لابن سناء الملك:

стр. 570

ومليحة بالحسن يسخر وجهها ... بالبدر يهزا ريقها بالقرقف لا أرتضي بالشمس تشبيهاً لها ... والبدر بل أكتفي بالمكتفي " وهذا نوع من الجنون والاختلاط، وذلك أن هذا الشاعر كثيراً ما يسمع الشعر ويختلط فيه ذهنه، فيأتي به على غير ما يقتضيه، فإن ابن المعتز انشد البيت (١) وأراد كونها في الحسن كالشمس التي هي آية النهار أو كالبدر الذي هو آية الليل أو كالمكتفي الذي هو خليفة الأرض في عظم الشان وكبر السلطان، فنقله هذا الشاعر إلى الحسن، ومن أين للمكتفي صفة الحسن، والذي دلت عليه التواريخ أنه كان أسمر أعين قصيراً؟ " (٢) . ووقف عند قول ابن سناء الملك: ألا فارفعي ذا الشعر عنا فإننا ... نغار عليه من ملاعبة الحجل عجبت له إذ يطمئن معانقاً ... أما أذهل الخلخال خوف بني ذهل بشوك القنا يحمون شهد رضابها ... ولابد دون الشهد من إبر النحل فاتهمه بفساد المعنى ونقضه وانه أراد أن يمدحهم فهجاهم لأنه جعل طعن رماحهم كإبر النحل، وإبرة النحل لا أثر لها ولا ألم يحصل منها؟ " ولولا وقوع هذا الشاعر في شعره وقلة معرفته وقصور فكره لما قال: بشوك القنا يحمون شهد رضابها، وكيف يحمى الشهد بالشوك (٣) "؟ وقال ابن سناء الملك: لها ناظر يا حيرة الظبي إذ رنا ... به كحل ناداه يا خجلة الكحل

стр. 571

وأثقلها الحسن الذي قد تكاثرت ... ملاحته حتى تثنت من الثقل فقال ابن جبارة: " قوله لها ناظر: تحققنا ذلك، ثم قال: يا حيرة الظبي، ولم يحار مع وجود المقاربة وعدم المباينة؟ ثم جعل العلة في حيرته وجود الكحل، أن هذه قريحة قريحة، وفكرة غير صحيحة؟ وقوله: وأثقلها الحسن: هذا قلب المعنى الذي ليس بمعنى؟ وكان ينبغي ان يقول: أثقلتها الملاحة التي تكاثر حسنها؟ وهل ينثني الإنسان من الثقل؟ إنما يمشي قطعة واحدة في حال الثقل " ثم قال: " وكلت شرح هذا البيت لعجزي عن معناه إلى عريف الحمالين فعساه يعرف معناه " (١) . واتهمه في قصيدة له رائية مطلقة يمدح فيها القاضي الفاضل بأنه سرق بعض معانيه من ابن عمار وأبي الطيب، ولكل منهما قصيدة على هذا الوزن (٢) . ابن ظافر وتعقبه لابن شهيد وما دام كتاب " نظم الدر " أو التعليقة غير موجود لدينا، فليس في مقدور الدارس أن يكون فكرة متكاملة عنه، غير أن هذه النماذج النقدية تري مبلغ تدقيق ابن جبارة في الجزئيات، وتهجمه بألفاظ هجائية على ابن سناء الملك، ووقفته من بعض أشعاره موقف المتهكم؛ إلا ان بعض الأشعار التي اختارها لنقده التطبيقي بينة التكلف، ولهذا يصدق على نقده ما قاله الصفدي في مؤاخذاته " أجاد في بعضها وتعنت تعنتاً زائداً في بعضها " (٣) . ولدينا نموذج آخر من هذا النقد التطبيقي لدى علي ابن ظافر الأزدي (- ٦٢٧) (٤) في تعليقه على قصيدة لابن شهيد الأندلسي مطلعها (٥) : أما الرياح بجو عاصم ... فحلبن أخلاف الغمائم

стр. 572

وفي التفات الناقد إلى قصيدة أندلسية ما يؤكد ما تقدمت الإشارة إليه من احتفال النقاد في مصر بشعر الأندلس - إلى جانب الاهتمام بالموشحات؛ غير أن تعليق ابن ظافر على قصيدة ابن شهيد لا يتجاوز أمرين اثنين، أولهما: محاسبة الشاعر على اللفظة الموهمة مثل لفظة " لقيط " و " قاد " في قوله: فكأنني فيهم لقيط قاد من آساد دارم ... فكان تعليقه " غفل عن نفسه إذ شبهها بولد زنا قواد، وغن كان قصد لقيط ابن زرارة الدارمي وقواد الفرسان إلى الحروب " وهذا نقد أشبه بالنكتة، وهو يمثل ضيق الناقد بألفاظ أصبحت تحتمل معاني من السباب او نبو الموقع في الاستعمال الدارج، ومثل هذا أيضاً قد عابه ابن الأثير، كما سيتضح من بعد. وأما الشيء الثاني فهو تبيان السرقة، وهو باب واسع دخل فيه كثير من النقاد، ومن ذلك قول ابن شهيد: قمنا نصفق بالأكف لها ونرقص بالجماجم ... فقد ذهب ابن ظافر إلى أنه أخذه من قول الناجم: تشدو فنزمر بالكؤوس لها ونرقص بالرءوس ... والحديث عن السرقة في حال ابن شهيد خاصة، لا يقدم كثيراً ولا يؤخر، فقد مر بنا أنه كان يؤمن بان الشاعر القدير هو الذي يستطيع ان يأخذ فيخفي الأخذ.

стр. 573

ابن ظافر واهتمامه بشعر البديهة والحق أن جهود ابن ظافر النقدية، ليست مما يؤهله ليكون من مقدمي النقاد، فقد غلب عليه ميله إلى التاريخ وجمع الأخبار، ويدل كتابه " بدائع البدائه " على أنه كان مأخوذاً بالقدرة التي تستطيع أن ترسل الشعر عفو الخاطر، غير أنه لم يزد في هذا الكتاب على تعريف البديهة والارتجال والإجازة والتمليط؟ الخ، وحشد الحكايات المناسبة لكل نوع، دون نقد أو تحليل، إلا أن الكتاب نفسه قائم على فكرة نقدية خطرة وهي إحلال البديهة والارتجال محلاً عالياً في التقدير، وإظهار البراعة الذاتية فيها إلى جانب براعة الآخرين. ولنا على هذا الكتاب تعليقتان هامشيتان: أولاهما أن ابن ظافر يعد ابن الرومي " إمام الشعراء " (١) ، وهذا يؤكد ما ذكرناه عن منزلة ابن الرومي في البيئة المصرية، والثانية: مدى اهتمام ابن ظافر بأخبار الأندلس، بل محاولته تقليد الفتح بن خاقان نفسه في الحكايات المسجوعة. اهتمامه بالتشبيه وربما صح ان نعد كتاب " غرائب التشبيهات " لعلي بن ظافر جهداً ثالثاً في النقد، إلا أن ما قيل في بدائع البدائه يصدق على هذا الكتاب، فهو حشد للنماذج في أبواب معينة، مع اهتمام خاص بتشبيهات الأندلسيين. أن كتاب " غرائب التشبيهات " يقف في صف الكتب التي ألفت في هذا الموضوع من قبل، وهو جهد نقدي " بالقوة " إذ يحمل في ثناياه حقيقة العلاقة بين الذوق العام في العصر، وبين الصور التي تتمتع بالغرابة، وان كانت الغرابة دائماً نسبية.

стр. 574

المصطلح البديعي وابن أبي الإصبع وقد اهتم النقد في مصر بتقرير المصطلح البديعي في صورته الواسعة، وكان زكي الدين ابن أبي الإصبع (- ٦٥٤) صاحب " تحرير التحبير " من فرسان هذا الميدان، ويشبه هذا الكتاب في طبيعة جهده العام كتاب أسامة بن منقذ " البديع في نقد الشعر "، إلا انه يتميز عن كتاب قدامة في أمرين هامين، أولهما: محاولته في التوسع الإحصائي لفنون البديع ابتداءً من ابن المعتز حتى عصر المؤلف، وثانيهما: اتساع مجال المصادر التي اعتمد عليها في تأليف هذا الكتاب، ولذلك يمن ان يكون تحرير التحبير صورة لتطور المصطلح البديعي وللمقارنة بين المصطلحات لدى النقاد على مر الزمن حتى عصر المؤلف، كما انه صورة لجهد المؤلف نفسه في ما استطاع ان يضيفه إلى هذا المصطلح؛ غير أن هذا كله جهد شكلي، كان يوجه النقد إلى مزيد من الوقوف عند الجزئيات، ويعمي طريقه بكثرة المصطلحات، دون ان يضيف إلى حقيقته شيئاً جوهرياً؛ بل أن أسامة بن منقذ كان اكثر وعياً منه بحقيقة النقد حين ختم كتابه بتخليص النصائح التي تنفع الشاعر والناثر؛ من مثل النهي عن التعقيد في المعاني والتقعر في الالفاظ، وترديد ما قاله ابن طباطبا حول نظم الأبيات متفرقة ثم محاولة الربط بينهما، والإلحاح على تهذيب القصيدة أسوة بالحطيئة وزهير، وتخير الأوزان والقوافي الحسنة، وحسن التأتي في الاخذ، ومجاراة قدامة في المدح بالأخلاق دون الصفات الجسمانية، وتفصيل المدح على قدر الممدوح، وإجراء الملاءمة بين المعاني والألفاظ، قال: " واعلم ان محاسن الشعر ثلاثة: التطبيق والتجنيس والمقابلة، ومحاسن المعاني ثلاثة: الاستعارة والتشبيه والمثل " (١) - أمورا ليست سوى تكرار لكثير من المواقف والآراء القديمة التي مررنا بها، ولكنها تشعرنا أن أسامة حين استعمل كلمة " نقد "، كان يدرك ان لهذا بعداً آخر غير المستوى البديعي. غير أن لابن أبي الإصبع كتاباً أشد صلة بالنقد من تحرير التحبير

стр. 575

وهو " الميزان في الترجيح بين كلام قدامة وخصومه " ولكن هذا الكتاب لم يصلنا. صورة النقد بمصر ومجالاته تلك هي حال النقد بمصر في هذين لقرنين، ويمكن تلخيص دوره في تاريخ النقد العربي بالأمور الآتية: (١) وضع قواعد الموشح. (٢) الاستمرار في إبراز دور ابن الرومي. (٣) محاولة ساذجة في النقد التطبيقي. (٤) العودة إلى النقد " بالقوة "، أي النقد المعتمد على اختيار الصور الغريبة. (٥) التوسع بالمصطلح البديعي إلى أقصى حدوده. ضياء الدين ابن الأثير وجرأته واعتداده بنفسه ولم يكن ضياء الدين ابن الأثير (- ٦٣٧) بعيد الشبه بسابقه أسامة، وبلاحقه ابن أبي الاصبع، في ما اختاره من تقرير حدود البديع العام، لولا عناصر في شخصيته تفرقه عنهما، فالحقيقة أن النواة الأولى في كتابيه " المثل السائر " و " الجامع الكبير " إنما هي شرح المصطلح البديعي، ولكن ما يحيط بتلك النواة، يحوي خطرات نقدية، تميز ابن الأثير عن صاحبيه، بل تميزه عن كثير من النقاد، حين تجعل أهم غاية لديه هي إبراز دور الناقد القدير في " تعليم البيان " - تلك المشكلة التي تمرس بها ابن شهيد في رسائله، وتوفر عليها ابن الأثير من خلال التطبيق الذي أجراه على نماذج من نثره أولاً، ثم على نماذج من نثر الآخرين او شعرهم؛ ولا ريب في أن الجرأة والاعتداد بالنفس اللذين يبلغان لديه حد الغرور قد كانا ستاراً يحجب بهما ضعف تحصيله الثقافي، وعدم تنوعه، فهو قد قرا كثيراً من الشعر واطلع على كثير مما ألف في النقد والبلاغة، ثم انهمك من خلال ذلك كله في شق طريقه في الترسل، محاولاً ان يتفوق على

стр. 576

القاضي الفاضل. ولما كانت طريقته النثرية تعتمد في أساسها كثيراً على حل المنظوم، فإنها تحولت بنقده في وجهتين، أولهما: تقريب المسافة بين الشعر والنثر، والثانية: ملاحقة المعاني ومحاولة تصنيفها وحصر أنواعها. تقريب المسافة بين الشعر والنثر كما فعل ابن طباطبا ففي الوجهة الأولى رفض رأي الصابي في التفرقة بين الكتابة والشعر، وكانت تلك التفرقة تقوم في جانب منها على أن الشعراء إنما يشغلون أنفسهم بالوصف والحنين والغزل والمدح والهجاء، وان المترسلين يكتبون في موضوعات أخرى مثل إصلاح فساد أو تحريض على جهاد (١) ، فهو يرد على هذا الرأي وينكره ويرى أن لا فرق بين الشعر والنثر في الموضوع (٢) ؛ ولكن الشعر والنثر لا يتطابقان تمام التطابق، بل تبقى بينها مسافة صغيرة تعينها فروق صغيرة أيضاً منها ان المعاني في الشعر أغزر، والسر في ذلك ليس في قصور النثر عن ذلك، وإنما لان الشعر كان اغلب على العرب على مر الزمن، فأودعوه كل المعاني (٣) ، ولهذا صح لمن يريد إجادة النثر أن يدرس الشعر أولاً لكي يهتدي إلى المعاني التي ينثرها ويحلها في رسائله وإنشاءه. كذلك فان الشعر قد يتقبل الغريب الحسن من الألفاظ، بينما تجيء تلك الألفاظ نفسها نابية في النثر (٤) ، وعلى هذا صاغ ابن الأثير قاعدة عامة للفروق بين ذينك الفنين بقوله: " فأعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور " (٥) .

стр. 577

المعنى هو المقدم في تاريخ الشعر العربي؛ وحديثه عن السرقة وأما في الوجهة الثانية فإن ابن الأثير سحب إيثاره للمعنى على تاريخ الأدب العربي كله، فتصور أن العرب كانت دائماً وأبداً تهتم بالمعاني، وان الاهتمام باللفظ إنما يدل على تقدير للمعنى، إذ هو محاولة لإبرازه في احسن صورة، يقول: " اعلم أن العرب كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأشرف قدراً في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها، لأنها لما كانت عنوان معانيها وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها وبالغوا في تحسينها ليكون ذلك أوقع لها في النفس واذهب بها في الدلالة على القصد؟ فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورققوا حواشيها وصقلوها أطرافها فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني؟ " (١) وقد أدته عنايته بالمعاني إلى أن صنف رسالة في المعاني المبتدعة (٢) وألف كتاباً آخر سماه " عمود المعاني " (٣) ؛ وخلاصة رأيه في هذه الناحية أن المعنى الذي يتوارد عليه عدة شعراء يدعى " عموداً "؛ ويكون المعنى (أو العمود) ذا شعب، ففي تلك الشعب يتم الانفراد للشاعر الواحد دون سواه؛ فإذا كان المعنى مما استقل بنفسه بحيث لا يستطيع أحد ان يأخذه أو يفرع عليه (أي يقيم له شعبة جديدة) فمثل هذا المعنى لا يطلق عليه اسم العمود، لان صاحبه قد انتهى فيه إلى غايته، ولا تخرج المعاني عن هذين الصنفين (٤) ؛ والصنف الأول هو الذي يمكن ان يتحدث فيه الناقد عن سرقة الشعراء بعضهم من بعض؛ وقد جعل ابن الأثير تداولهم للمعاني في ثلاث درجات (١) درجة النسخ ومنها وقوع الحافر أو أخذ المعنى مع أكثر

стр. 578

اللفظ (٢) ومنها السلخ وقسمه في ١٢ ضرباً (٣) ومنها المسخ وهو قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة؛ ومجموع أنواع الأخذ على هذا الاعتبار ستة عشر نوعاً (١) ؛ وقد حصرها ابن الأثير في موضع آخر في خمسة أقسام: أخذ اللفظ والمعنى جميعاً (توارد الخواطر) ، واخذ المعنى دون اللفظ، واخذ المعنى مع بعض اللفظ وخلطه بألفاظ أخرى، واخذ بعض المعنى وبعض اللفظ، وأخذ بعض المعاني والإتيان بألفاظ جديدة؛ على أن القسم الثاني وهو أخذ المعنى دون اللفظ ينقسم عنده إلى عشرة أقسام، أغربها وأحسنها ابتكر له ابن الأثير اسماً من عنده حين دعاه " شبكة المعاني " لارتباط المعاني فيه بعضها ببعض على خفاء في الارتباط، ومن أمثلته قول أبي تمام: رعته الفيافي بعدما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه وقول البحتري: شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر ركبا القنا من بعد ما حمل القنا ... في عسكر متحامل في عسكر فأبو تمام وصف الجمل بأنه بعد ان كان يرعى منابت الأرض رعته الأرض فهزل، من كثرة السير، والبحتري يريد انهما كانا يحملان الرمح فلما كبرا حملتهما العصا (٢) ؛ ومدار الأمر في كل ذلك على الأخذ المتقن، ولا نستطيع ان نتوقع شيئاً غير ذلك من رجل يقيم نثره على التصرف بالمعاني الجيدة الواردة في التراث الشعري، ولهذا يرى أن السبق إلى معنى من المعاني لا يمثل إلا حقيقة التقدم في الزمن، ولو تقدم المتأخرون لسبقوا إلى المعاني كما سبق الأوائل (٣) .

стр. 579

نتائج ولوع ابن الأثير بالمعاني وقد ترتب على تولع ابن الأثير بالمعاني نتائج هامة في تقييمه للشعر والنثر؛ منها انه لم يعد يطيق قبول المعنى العادي وهو يغربل الشعر بحثاً عن المبتدع، وإذا مر بمعنى عادي حاول أن يسلط عليه تصوره وذكاؤه ليرفع من مستواه، وهذا هو شأنه حين قرا بيت المنخل: ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير ... فإنه لم يرض أن يكون المقصود " باليوم المطير " محض اقتران دخوله على صاحبته بيوم ماطر، وإنما يذهب خاطره إلى ما هو اعمق من ذلك، فان اليوم المطير يمنع الناس من السفر والنقلة، ولهذا أراد الشاعر ان يصور مدى جرأته بهذا القول وهو يومئ إلى انه دخل على تلك الفتاة وزوجها حاضر في البيت (١) ؛ أما إذا كان الشاعر يريد محض نزول المطر فقد " خاب وخسر ". ومن تلك النتائج أيضاً أن ذوقه اخذ ينبو عن الغزل الذي كان يجري بالشكوى العفوية والمعاني الإنسانية العامة، ويرى في توليدات المعاني الغزلية لدى كل من أبي الطيب وأبي تمام ارفع ما بلغه الشعر الغزلي (٢) . كذلك فإنه حين وجد أن موضوعات الشعر لدى الإسلاميين ثم لدى المحدثين من بعدهم أكثر اتساعاً من موضوعات الجاهليين، وقدر ان المعاني لديهم أوفر واغزر سقط الجاهليون نسبياً في نظره، واستقر رأيه على أن اعظم شعراء العربية على الإطلاق هم أبو تمام والمتنبي والبحتري، الأولان بسبب المعاني، والثالث بسبب اللفظ، " وهم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء " (٣) ؛

стр. 580

ثم أرتفع أبو تمام بين هؤلاء الثلاثة وقصر عنه المتنبي إلا في الحكم والأمثال والإبداع في وصف مواقف القتال (١) ؛ كذلك يمكن أن ينسب إلى تولع ابن الأثير بالمعاني نفوره من الشئون الشكلية الخالصة مثل محاولات الحريري في التفنن بإيراد لفظة معجمة وأخرى غير معجمة. على نظام مستمر في بعض رسائله، ومثل محاولة شاعر مغربي أن يصنع من القصيدة شجرة يقرا كل بيت فيها على ضروب من الأساليب اتباعاً لشعب تلك الشجرة واغصانها وذلك " ضرب من الهذيان. والأولى به وبأمثاله ان يلحق بالشعبذة " (٢) . النقد الإحصائي والمفاضلة المطلقة وهذه النزعة أسلمت ابن الأثير إلى نوع من النقد الإحصائي إذ أن عدد المعاني المبتكرة - في المقام الأول - هو الذي يقرر تفوق الشاعر أو الناثر. فلأبي تمام عشرون معنى مبتدعاً أحصاها ابن الأثير، فوجدها أهل صناعة البيان أمراً مستكثراً، ولكن ابن الأثير نفسه عد معانيه المبتكرة (أي معاني ابن الأثير) فوجدها أكثر من ذلك عدداً (٣) ؛ وقد مضى ابن الأثير يحكم هذه الطريقة الإحصائية ليجعل منها أهم مقياس نقدي، وقرنها أولاً بالمفاضلة بين المعاني سواء اختلفت أو اتفقت، نعم أن المفاضلة بين المعاني المتفقة أمر سهل، غير أن المفاضلة بين المعاني المختلفة وإن أنكرها بعض النقاد فإنها ممكنة كذلك، ولكنها اعسر وأدق مطلباً (٤) ؛ وإذا كانت المفاضلة بين معنيين في بيتين متباعدين أمراً عسيراً فإن الطريقة الإحصائية مسعفة في المفاضلة بين قصيدتين، وذلك بعد الجيد في هذه والجيد في هذه، وكذلك هي مسعفة في المفاضلة بين ديوانين فإذا كان ديوان أحد الشعراء يحتوي

стр. 581

على٥ آلاف بيت منها أربعة آلاف جيدة، وديوان الشاعر الثاني يحتوي على ستة آلاف بيت منها أربعة آلاف جيدة، حكم بالتفوق للأول على الثاني (١) . وقد أجرى ابن الأثير دراسة تطبيقية للمفاضلة بين قصيدتين فاختار اثنتين تشتركان في موضوع واحد مثل قصيدة البحتري في وصف الذئب وقصيدة الشريف الرضي في الموضوع نفسه، فوجد - بطريق الإحصاء - أن البحتري لم يصف من الذئب سوى عظم قدّه وطول ذنبه وبريق أنيابه وانطوائه لشدة جوعه، أما الشريف فإنه لم يغادر شيئاً يتعلق بالذئب إلا ذكره، إذ وصف العلاقة النفسية بينه وبين الذئب، بينما أجاد البحتري في وصف هذه الناحية، فالبحتري من هذه الناحية أشعر، كما أن الشريف الرضي في وصف الذئب نفسه أشعر، وهما بذلك متكافئان (٢) . ثم قارن بين قصيدتي البحتري والمتنبي في وصف الأسد، فوجد - من طريق الإحصاء أيضاً - أن معاني أبي الطيب أكثر عدداً إذ ذكر الأسد وصورته وهيئته وأحواله في انفراده ومشيته وبخله مع شجاعته، وأنفته وتوصل إلى وصف شجاعة الممدوح التي قصر البحتري همه على إبرازها، فالمتنبي أفضل من البحتري - في هذه القصيدة - في الغوص على المعاني، والبحتري افضل في حلاوة السبك (٣) . الإحصاء يميز مراتب المعاني وإحصاء مراتب المعاني يفضي إلى التصنيف، وخير مثال على ذلك نظرة ابن الأثير إلى شعر المتنبي، فهو خمسة أقسام، " خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من الشعر الذي يساويه فيه غيره،

стр. 582

وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من وجودها، ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها هي التي ألبسته لباس الملام، وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام " (١) ؛ وهذا شغف بالقسمة لوجه القسمة، وإلا فلو انك جعلت شعر أبي الطيب في ثلاثة أصناف في عشرة، أو فيما بين ذلك. لوجدت المجال النسبي يفسح للقسمة صدره سواه قلت الأقسام أو كثرت. الغالبية العظمى مقياس لبراعة الشعر ومكانته ومن الطبيعي بعد ذلك أن تصبح الكثرة العددية هي المقياس في الحكم على تفوق الشاعر، فإذا شئت أن تعلم شاعر (أو كاتب) فانظر إلى رأي الناس فيه؛ عن الإجماع هنا، أو شبه الإجماع، هو الذي يقرر مكانته، ولكن لفظة " الناس " لدى ابن الأثير يجب ان تؤخذ في شيء من الحذر؛ لأنها تعني " طبقة المثقفين " في عصره - على الأرجح - او في أي عصر؛ ومهما يكن من شيء، فنحن نسمع فلأول مرة ناقداً يأنس إلى هذا اللون " الديقراطي " في تقييم الشعر، فيأخذ برأي الأكثرية، دون أن يتنبه إلى شعر أبي الطيب " وماذا يقال في رجب خمسة أسداس العالم مجمعون على فضله وتقدمه؟ وذاك أن جميع بلاد المشرق من أذربيجان إلى حدود الصين لا يتمارون في أنه أشعر الشعراء قاطبة، وهذه البلاد أكثر من نصف المعمور، وأما باقي البلاد من المغرب والجنوب والشمال فإن منهم من وافق المشارقة في تفضله على الشعراء قاطبة، ومنهم من يسوي بينه وبين المجيدين من الشعراء، ومنهم من يغض منه ويقع فيه، وعلى هذا فإن الأكثر له وجزء يسير ليس له " (٢) ، ويبدو أن هذا الشغف بالإحصاء والتصنيف والاتكاء

стр. 583

على فضيلة العدد غنما هو محاولة واضحة من ابن الأثير، للظهور بمظهر من يعرف المنطق والحساب، ويبدو ذا حظ من الثقافة الأجنبية - حينئذ - رغم عدم اطلاعه عليها. الجمهور مرجع في الحكم ومصدر للمعاني وما دام عمل الأديب والناقد هو الحركة الدائبة في البحث عن المعنى، فإن " الجمهور " ليس هو المرجع الأخير في الحكم وحسب، بل إن ذلك الجمهور من أهم مصادر المعاني، وفي سبيل المعاني نزل ابن الأثير المستكبر المتشامخ إلى طبقات الشعب وإلى الأسواق والدكاكين يبحث عنها، لان الأديب في نظره " يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس وإلى ما يقوله المنادي في السوق " (١) ، ومن أجل هذا نراه يقف على المعانيب الدائرة في العامة، كما يعبرون بها، غذ يقولون مثلاً " أقلع عينك بعينك "؟ من حديث النساء على المعازل - ومثل " إذا ظهر اسمك فالق منجلك " - وهو من أحاديث الحصادين (٢) -، غير أن هذا الالتفات كان نظرياً في معظمه، إذ كان ابن الأثير شديد الحساسية ضد الابتذال والتكرار، أو ضد الألفة الحادثة عنهما في المعاني، ومثل هذه الألفة اغلب على ما يتناقله الناس في أحاديثهم اليومية. المعنى المبتدع معيار الإجادة وهو أهم من الصورة الشعرية " المعنى المبتدع " - هو المحور في كل هذه الحركة الدائبة، سواء حين يكون المرء أديباً أو ناقداً، ولذلك لا نستغرب أن يكون ابن الأثير الناقد شديد الانجذاب إلى المعاني الذهنية، وان يفضلها على " الصور " الشعرية؛ وها هو حين يدعو إلى المفاضلة بين المعاني المتباعدة يقابل بين صورة من شعر امرئ القيس:

стр. 584

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي وبين حكمة للنابغة: ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب فيفضل بين النابغة - من جهة المعنى - " لأنه تضمن حكمة تعرب عن تجربة الأخوان فيتأدب بها الغر الجاهل، ويتنبه لها الفطن الاريب، والناس أحوج إلى معرفته من معرفة التشبيه الذي يتضمنه بيت امرئ القيس، وغاية ما فيه أنه رأيي صورة فحكاها في الممائلة بينها وبين صورة أخرى، وليس ثم سوى ذلك، وبيت النابغة حكمة مؤدبة تستخرج بالفكر الدقيق " هذا السياق كله: المفاضلة بين معنيين لا علاقة بينهما، كل منهما منتزع من مصدر، وينزعان إلى هدفين مختلفين، وإعلاء رفع نتاج " الفكر الدقيق " على الصورة - لم يكن خطراً على مهمة الشعر، بل كان خطراً على أهم الركائز الشعرية وهي " الصورة " التي لم يستطع ابن الأثير أن يرى فيها " وصفاً " مبتدعاً، لأنه لا يريد إلا " معنى " مبتدعاً، ولهذا فإنه أحس بشيء من النفور تجاه الشعر الذي يكثر أصحابه من استعمال الصور، واتهم الشعراء الذين يكثرون من التشبيه بأنهم تورطوا في كثير من الغثاثة، نعم إنه كان يؤمن بان التشبيه مذهب عسير، وانه مقتل من مقاتل البلاغة، لأن نقل " المعنى عن طريق التشبي أمر يعز فيه الصواب، بخلاف كفاية التشبيه لنقل صورة، ولهذا فإنه " قلما أكثر منه أحد إلا عشر، كما فعل ابن المعتز من أدباء العراق، وابن وكيع من أدباء مصر، فإنهما أكثرا من ذلك لاسيما في وصف الرياض والأشجار والأزهار والثمار، لا جرم انهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت على محك الصواب " (١) .

стр. 585

غير أن ابن الأثير بدلاً من أن يحدد الأسباب التي تجعل التشبيه مخفقاً، اكتفى بقوله إن " المعنى الصائب " يعز نقله عن طريق التشبيه. البحث في الشعر ينحصر في انتزاع المعاني المبتدعة وتظهر خطورة هذا المذهب النقدي على الشعر العربي جملة لا حين ننكر ان تكون القصيدة مجموعة مترابطة متنامية من الصور وحسب، بل حين نريدها حافلة بالمعاني المبتدعة، وإذا كان أبو تمام - وهو رب المعاني - لم يأت في حياته الشعرية بأكثر من عشرين معنى من هذا النوع، فمعنى ذلك أننا نطلب إلى الشاعر ان يحقق ما يلحق بالأعجاز، وبحق أدراك ابن الأثير انه كلما طالت القصيدة في الشعر العربي (كان تبلغ مئتي بيت أو ثلاثمائة) كان " الرديء " فيها كثيراً، وكان الجيد - الذي يريده ابن الأثير - قليلاً أو نادراً؛ وهذا الحكم صحيح إذا كنا لا نلتفت إلا إلى المعاني، ثم إلى المتفرد منها؛ ومن باب خفي يشير ابن الأثير إلى أن هذا هو السر في أن العرب ليست لديهم ملحمة مثل كتاب الشاهنامه " وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع القوم وفصحاؤهم على انه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها " (١) وفي هذا تجاوز كبير، فلو ان ابن الأثير حاكم الشاهنامة إلى قاعدة " المعنى " لحكم بان الإطالة لا تعني ابتكار المعاني أيضاً، ولكنه استعمل هنا مقياسين متفاوتين. غير أن التظاهر بالدقة الإحصائية والكلف بالمعنى، وهما ظاهرتان متلازمتان في نقد ابن الأثير، لم يحولا بينه وبين مبارحتهما حين كان يرخي العنان لطبيعته الحقيقية.

стр. 586

الطبيعة الإحصائية لا تتفق مع التعميمات الجارفة لم تكن الدقة الإحصائية جزءاً أصيلاً في طبيعته، وإنما كانت ستاراً دون نقائص يحسها في ثقافته الفلسفية العلمية، ولهذا فإن هذا لناقد الذي كان يلبس ثوب العالم سرعان ما كان يخلع عنه هذا الرداء المستعار وينطلق نحو الأحكام الجارفة متكئاً على مثل قوله " قد غربلت الأشعار قديمها وحديثها " (١) ، ومثل " ولقد تصفحت الأشعار قديمها وحديثها " (٢) ومثل " ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع وأنفذت شطراً منه في المحفوظ والمسموع " (٣) - يمهد بمثل هذه الأقوال ليستولي على ثقة القارئ، ثم يطالعه بمثل هذه الحكم " ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها على الشعراء " (٤) أو يورد قطعة غزلية لأبي تمام ويشفعها بقوله " وهل لكثير من المتقدمين أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ " (٥) أو يورد بيتاً للمتنبي ويعلق عليه بقوله " وهذا بمفرده يعدل دواوين كثيرة من الغزل، ولو لم يكن للمتنبي غيره لكفاه " (٦) ، ثم هو يطرب لهذه الأحكام الجارفة التي يوردها غيره ويقتبسها كأنها الحجة القاطعة في الفصل بين الآراء: يعجبه كثيراً قول رجل من أهل الشام (بيت واحد من قصيدة ابن الخياط يعدل ديوان ابن منير جميعه " فيقول " وهذا الرجل قد كان عارفاً الفصاحة والبلاغة فحكم حكم عارف لما يقول " (٧) ، ويعجبه قول ينسبه إلى أبي العلاء " لو تمثلت بائيات لأبي تمام ودالياته أشخاصاً وخرجت خلف نعشه لضاق بها الفضاء "

стр. 587

ويعلق عليه بقوله " ولقد صدق في قوله هذا وما قال إلا حقاً " (١) . التعلق بالمعنى لم يستطع إخفاء التعبد للفظ ولم يكن احتفاله الكثير بالمعنى ليخفي حقيقة هامة، وهي أن مارته - من حيث هو أديب - تعتمد على شيء كبير من البراعة اللفظية، ولهذا فإن جميع ما عبر به عن إعجابه بالمعنى لا يبلغ مستوى تعبيره الذي صور به شغفه باللفظ حين قال: " وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر وطرباً كطرب الألحان " (٢) . والعلاقة بين ابن الأثير الناقد والألفاظ تحتاج تحديداً ادق، فقد كانت الألفاظ تتمثل في نفسه مخلوقات وتماثيل " فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق ولطف مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم وتأهبوا لطراد، وترى الألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي " (٣) : ومن الأنصاف أن نقول هنا، أن ابن الأثير لا ينفك - في هذا المقام - يرى المعنى مجسداً من خلال اللفظ، فيسبغ صورته على اللفظ، وإلا فإن الألفاظ لا يمكن أن تتصور كما وصفها، وإنما هذه صورة عامة مستمدة من التآلف بين المعنى واللفظ لدى أبي تمام والبحتري، صورة مستمدة من الموسيقى ومن الكيان الكلي للمنهج العام الذي يؤثره الشاعر في فنه. غير أن هذا لا ينفي ان أبن الأثير ذو حساسية تبلغ حد المرض نحو طبيعة اللفظة نفسها - كان حضري المزاج يكره " وحشي الألفاظ وشظف العبارات " (٤) ، وكان " متنوفاً " في هذا الذوق، شديد الوسواس إذا

стр. 588

أحس بان اللفظة ذات إيحاءات رديئة من ناحية الدلالة على العورات، أو بأنها مبتذلة بين العامة (١) ، ولا يخلو هذا الموقف من بعض الاضطراب، فإن الذي يفتش عن المعنى بهذا القدر من الجهد لابد من أن يتسامح قليلاً في ناحية اللفظ؛ ولكن مما يقلل من هذا الاضطراب لدى ابن الأثير، رده على الخفاجي في الألفاظ التي تستحق أن تدخل في المنظوم، فقد ساير الخفاجي النقاد القائلين باستبعاد ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين من الشعر، ولكن ابن الأثير يرى أن صناعة المنظوم (والمنثور) مستمدة من كل علم وكل صناعة، لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه " (٢) ، ولهذا نجده يقبل في الشعر ألفاظاً ومصطلحات فقهية ومنطقية ونحوية يردها غيره، ممن هم أشد منه تعلقاً بطبيعة اللفظة المفردة (٣) . الطبيعة الهجومية في نقد ابن الأثير ذلك هو الموقف النقدي الذي يعد ابن الأثير على أساسه ناقداً ذا شخصية وفكرة واضحتين، ولكنه في سياق توضيحه لهذا الرأي عرض لكثير من الآراء النقدية السابقة فأقرها أو هاجمها بحدة، من خلال هجومه على أشخاصها، حتى لا يكاد يترك ناقداً أو بلاغياً أو منشئاً دون أن يغمز رأياً من آرائه؛ وفي أثناء هذا العمل راجع كثيراً من الىراء، فتهكم بآراء علماء العربية حول النقد كما وردت في الأغاني، وبقول الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما في بشار إنه أشعار الشعراء المحدثين، وعلق على ذلك بقوله: " وهم عندي معذورون لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام ولا على معاني

стр. 589

أبي الطيب ولا وقفوا على ديباجة البحتري " (١) وأنكر أن يكون الجاهليون: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى قمة في الشعر، لان كلاً منهم أجاد في معنى واحد اختص به، وهاجم النحويين واللغويين، وخص بهجومه ابن جني في شرحه لديوان المتنبي، مصرحاً بان النقد فن لا يؤخذ عن علماء العربية، وغن كان الناس جميعاً يتسورون عليه ويتكلمون فيه حتى أجلاف العامة؛ وهاجم المعري هجوماً عنيفاً لقوله: ليس في شعر أبي الطيب لفظة يمكن أن يوم عنها ما هو في معناها، وقال: " ولكن الهوى كما يقال اعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقة وأعماها عصبية، فاجتمع له العمى من جهتين " (٢) . وتعقب ابن أفلح في " مقدمته " التي ألفها في أقسام علم الفصاحة والبلاغة ووصفها بأنها قشور لا لب تحتها، وخاصة لقوله " أما المعاني المبتدعة فليس للعرب منها شيء وان اختص بها المحدثون " (٣) ، ورد عليه بأمثلة تبين خطاه في هذا الحكم. حماسة أبي تمام إزاء تقييم إحصائي ووقف وقفة هامة - وان لم تخل من التهجم - عند حماسة أبي تمام؛ فهاجم شراحها لأنهم لا يهتمون إلا بذكر الإعراب وتفسير الكلمات، والشعر ليس المراد منه ذلك. وأثنى على أبي تمام بأنه كان في اختياره " عارفاً بأسرار الألفاظ والمعاني " إلا انه وجد في الحماسة مواضع لا يرضاها وخاصة في باب الهجاء، ومثل استعمال ألفاظ (زبونات " و " تيحان " و " علي لحيتي " - فاللفظتان الأوليان لو وقعتا في الفرات لصار ملحاً أجاجاً، واللفظة الثالثة من الكلام السخيف؛ وأبو تمام ملوم في إيراد الأبيات التي تندرج فيها هذه الألفاظ وخاصة إذا جاءت في بيت يمكن حذفه

стр. 590

لأنه لا ضرورة له في السياق؛ وقد امتحن هذا الناقد قصيدة من اختيار أبي تمام ترك جانباً منها واثبت جانباً، فرأى ان المتروك يدل على سلامة الذوق لدى أبي تمام الناقد، لان ما أثبته من القصيدة يغني عما تركه، وهو الأجمل في القسمين؛ وتحكمت به ملكة الإحصاء أيضاً هنا، فعد في الحماسة أبياتاً تبلغ خمسمائة بيت، كان نفيها ضرورياً، وكان يريد ان يجمعها ويبين نزولها عن درجة الشعر الذي تضمنته الحماسة لولا انه خاف التطويل (١) . ولو مضينا نتتبع هجمات ابن الأثير على أصحاب البيان والنقد لسردنا أمثلة عديدة أخرى؛ كان الرجل على قسط غير قللي من حدة الطبع في معالجته للشعر والنثر او في تعليقه على الأشخاص، ولكنه اكثر النقاد إلحاحاً على المعنى وربما كان أوضحهم استعمالاً للطريقة الإحصائية في النقد، وأشدهم جرأة في النقد التطبيقي، لا على البيت المفرد، بل على القصيدة كاملة، وتلك تفرد منهجه النقدي، وهو منهج يشتمل على كثير من المحاذير والأخطار (٢) . تفرد ابن الأثير بسبب ضآلة من حوله لقد اقترن نقد ابن الأثير بقوة شخصيته فلهذا تميز عمن مارس النقد في هذه الفترة في مصر والشام والعراق، إذ كان أكثر النقاد سواه إما أن يقفوا عند حدود المحاولات الجزئية أو يكتفوا بجمع الشواهد للمصطلح البلاغي، فإن أراد أحدهم التفرد وسع من نطاق ذلك المصطلح. ولهذا يتضح مدى تفرد ابن الأثير بمقارنته بمن حوله؛ وتتميز شجاعته في إبداء

стр. 591

الرأي الذاتي على نحو ساطع إذا نحن درسناه جنباً إلى جنب مع جهد المظفر ابن الفضل بن يحيى العلوي الحسيني في كتابه " نضرة الاغريض ونصرة القريض ". صاحب نضرة الاغريض كان المظفر بن الفضل (- ٦٥٦) (١) فيما يبدو عراقي النشاة، ذا صلة بالوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، ومن أساتذته مؤدبه الشيخ أبو محمد ابن أبي البركات ابن البقال المقرئ، وهو يروي عنه عام ٦٠٢؛ وقد ذكر أنه ألف كتاباً آخر سماه " الرسالة العلوية " قصره على الحديث في الفصاحة حاذياً فيه حذو ابن سنان الخفاجي في كتاب " سر الفصاحة ". سبب تألفيه الكتاب ومنهجه فيه وكان الداعي إلى تأليفه كتاب " نضرة الاغريض " انه حضر ذات يوم مجلس ابن العلقمي وجرى فيه حديث الشعر، وتباينت الآراء حوله، فطلب إليه الوزير أن يضع كتاباً يبين فيه حدود الشعر وفضله، فامتثل لذلك، وانتهى من الكتاب في سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة (٦٤٢) (٢) ، وعنوان الكتاب يدل على أنه دفاع عن الشعر، وقد قسمه مؤلفه في خمسة فصول: (١) في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه (٢) فيما يجوز للشاعر استعماله وما لا يجوز (٣) في فضل الشعر ومنافعه وتأثيره في القلوب ومواقعه (٤) في كشف ما مدح به وذم بسببه وهل تعاطيه اصلح أم رفضه أوفر وارجح (٥) فيما يجب أن يتوخاه الشاعر ويجتنبه، ويطرحه ويتطلبه.

стр. 592

ترتيب جديد لما جاء في المصادر السابقة يشبه عمل الرندي وإذا استثنينا بعض الروايات التي أخذها المؤلف عن أبيه وعن مؤدبه ابن البقال لم نجد في الكتاب سوى ترتيب للروايات المتناقلة، فالمؤلف ينقل عن الرماني، وعن حلية المحاضرة للحاتمي - دون ان يسميه (١) - وعن الجاحظ وابن طباطبا (٢) وعن رسالة الصاحب في ذم المتنبي، وعن العمدة لابن رشيق (٣) ، ونجد فيه مجالاً لبعض الروايات الأندلسية؛ أما المادة الخارجة عن الآراء المنقولة من هذه المصادر وغيرها فإنها إعادة للقصص والحكايات المتوارثة من أقدم العصور كحكاية أم جندب، وحسان والنابغة في سوق عكاظ، وتلك القصص المتصلة بقيمة الشعر في رفعه لناس وخفضه لآخرين مثل قصة الحطيئة والزبرقان، وبني أنف الناقة وهجاء النجاشي لبني العجلان وغير ذلك مما حفلت به كتب تاريخ الأدب والكتب النقدية وخاصة العمدة النبي من الشعر، وناقش آراء بعض المفسرين في الآية " والشعراء يتبعهم الغاوون "، ولم يأت في مناقشته بشيء جديد. تعريف الشعر والتفرقة بينه وبين النثر وبعد أن حدد المؤلف ألفاظه شعر وشاعر، وقريض وقصيدة وقافية عرف الشعر بأنه " عبارة عن ألفاظ منظومة تدل على معان مفهومة وإن شئت قلت: الشعر عبارة عن ألفاظ منضودة تدل على معان مقصودة " وأورد للأصمعي قوله " الشعر ما قل لفظه وسهل ودق معناه ولطف، والذي إذا سمعته ظننت انك تناله فإذا حاولته وجدته بعيداً " وفرق بين النظم والشعر، مستشهداً بموقف أبي العلاء، حين كان يسمي بعض أنواع الشعر المتهافت

стр. 593

نظماً. ثم اخذ في الحديث عن البلاغة والإشارة والكناية والتشبيه والتجنيس.. الخ ومما يلفت النظر أن أكثر الأمثلة التي أوردها هنا تنتمي إلى الشعر الجاهلي والإسلامي واقلها مستمد من شعر المحدثين، وليس السر هنا في موقف نقدي معين، وإنما تلك هي طبيعة المصادر التي ينقل عنها، أي أن المؤلف لم يحاول أن يتعب نفسه في استقصاء شواهد جديدة غير الشواهد التي وردت في المصادر القديمة. حتى إذا بلغ إلى الحديث عن السرقات أيد ابن السكيت في قوله إن التوارد ليس مما اتفقت عليه الخواطر وغنما هو سرقة أيضاً. وليس بسبيل عرض الكتاب بحسب فصوله، ولكن لا ريب في أن الكتاب " دفاع عن الشعر " إلا ان المؤلف استعمل في هذا الدفاع أسلحة غيره، وكانت هذه الأسلحة قديمة، حتى إذا تحدث عن العيوب التي يجب ان يتجنبها الشاعر لم نجد لديه أيضاً سوى الايطاء والإقواء؟ الخ، وسوى الامتناع عن الفواتح الرديئة وإيراد ما يتطير منه، والوقوع في التناقض. افتقار المؤلف إلى التوازن في تأليفه وإلى الجرأة في الحكم ومن الواضح أن المؤلف يفتقر إلى كثير من التوازن في الإدراك فهو يضع الحث على تجنب السرقة مع " عدم التهكم في الهجاء "، ويجعل التهكم في الهجاء مساوياً للاستبهار في الفواحش، وينهى عن " التشبيهات الكاذبة " إلى جانب نهيه عن " الوحشي المتكلف " (١) ، كما يفتقر إلى شيء ولو قليل من جرأة ابن الأثير، فهو يوهم بأنه يورد رأيا يدل على موقف نقدي، ثم لا يلبث ان يترك هذا الرأي دون توضيح كاف: كذلك فعل حين حدثنا أن قوماً قد خلطوا الصنعة بالنقد والنقد بالصنعة ولم يفرقوا بين المصنوع والصنعة (٢) ، ثم أسرع في التخلص من الحديث حول هذه المشكلة؛ وكذلك هو حين تناول موضوع النقد وقرر انه " صناعة لا يعرفها حق معرفتها إلا من دفع إلى مضايق القريض وتجرع غصص اعتياصه

стр. 594

عليه وعرف كيف يتقحم مهاويه ويترامى إليه " (١) . ذاهباً بذلك إلى أن الناقد لا يحسن النقد إلا أن يكون ممن جرب الشعر، وهو رأي تردد كثيراً من قبل، ولكن المؤلف لم يزد على ذلك ولم يوضح هذا الموقف. أما مقارنته بين فناء السلطان الدنيوي وخلود الشعر في سياق دفاعه عنه. (امرؤ القيس ذهب هو وأبوه وملكه وأهلوه وغبر شعره وكلامه؛ زال سلطان الاكاسرة والتتابعة وبقي شعر النابغة.. الخ) (٢) فإنه يمشي في سياق وما ردده النقاد القدامى عن منزلة الشعر، وانه يرفع ويضع، وانه يؤثر في الأخلاق " فيشجع الجبان ويسمح البخيل ". ومن الكثير أن نحاسب المؤلف هنا على انعدام أي موقف نقدي في كتابه وعلى تبني مواقف الآخرين، وكل ما يمكن ان يقال هنا إن " نضرة الاغريض " من الأسماء الخادعة في تاريخ النقد، وان العلقمي أخطأ حين عهد إلى المظفر العلوي بالتصدي للحديث عن الشعر - وربما لم تكن هذه أكبر غلطات ذلك الوزير - وإذا كان المظفر نموذج النقد في بغداد في القرن السابع، فذلك دليل على أن النقد فيها كان مضمحلاً.

стр. 595

فصل ختامي النقد الأدبي عند ابن خلدون

стр. 596

ابن خلدون والنقد الأدبي كل ذي حرفة يغلب مصطلح حرفته على شعره ليست لدينا صورة متكاملة عن النقد الأدبي في الأندلس أثناء القرن الثامن؛ وإذا استثنينا موقف ابن خلدون فكل ما لدينا شذرات أو إشارات إلى شيء من النشاط النقدي، فنحن نعلم مثلاً أن احمد ابن شعيب الجزنائي كاتب أبي الحسن المريني (توفي ابن شعيب سنة ٧٥٠) (١) " كانت له إمامة في نقد الشعر وبصر به " (٢) ، ومن ضروب هذا البصر أنه ذاكره ابن رضوان (٣) مرة في الشعر وانشده مطلع قصيدة لبعض شعرائهم وهو: لم أدر حين وقفت بالأطلال ... ما الفرق بين جديدها والبالي فقال له على البديهة: هذا شعر فقيه (من قوله: ما الفرق؟) وكان حكمه صائباً، ومرد هذا الحكم - في النظر - إلى مبدأ كان قد شاع في المغرب والمشرق وهو أن ألفاظ أصحاب كل حرفة تغلب على أشعارهم؛ وقد وضح الصلاح الصفدي (- ٧٦٤) هذا المبدأ بقوله: " وكل من عانى

стр. 597

النظم وغلب عليه فن من الفنون مال به ذلك الفن وغلبت عليه قواعده واستعملها في مقاصده الشعرية وتخيلات معانيه وظهر على ما يرومه اصطلاح ذلك الفن وأحكامه؛ ألا ترى إلى أبي الفتح البستي ومقاطيعه المشهورة في الآداب والحكم كيف يغلب عليها الألفاظ المنجمين (١) ؟؟. هذا الشيخ صدر الدين ابن الوكيل لما كان الفقه يغلب على فنونه نجد كلامه في الغالب إذا خلا من القواعد الفقهية ينحط عن رتبة الحسن " (٢) ، وهناك كثير من الأحكام الجزئية التي نجدها في نقد هذا العصر في المشرق والمغرب على السواء. المؤثرات التي وجهت ابن خلدون في موقعه النقدي وربما كان ابن خلدون اعظم ناقد في هذا العصر، رغم انه لم يزاول النقد الأدبي، ولم يمنحه من جهده الشيء الكثير؛ وقد تأثر ابن خلدون في تصوره وأحكامه في هذا الميدان بشيوخه وبثقافته الشخصية وبتجربته الذاتية في الشعر والنثر، فهو قد كان شاعراً ثم أضرب عن الشعر بعد مدة من الزمن، وكان ناثراً يكتب نثراً مرسلاً في عصر شديد الكلف بالأسجاع. حملته على الإكثار من البديع وقد أخذ ابن خلدون عن شيوخه آراء وافقت هوى في نفسه وفي طليعتها نظرة بعضهم بعين الاستهجان والاستنكار إلى الإكثار من البديع، فقد كان شيخه أبو البركات البلفيقي يتمنى لو أن الدولة تنزل العقوبة القاسية بمن ينتحل فنون البديع في نظمه أو نثره وان تعرضه للتشهير (٣) ، وكان شيخه الآخر الشريف السبتي يقول: " هذه الفنون البديعية إذا وقعت للشاعر أو

стр. 598

للكاتب فيقبح أن يستكثر منها لأنها من محسنات الكلام ومزيناته، فهي بمثابة الخيلان في الوجه يحسن بالواحد والاثنين منها ويقبح بتعدادها " (١) ؛ وإذا كان هذا هو رأي الشيوخ من الزاوية النظرية فان ابن خلدون طبقه من الناحية العملية حين اختار الأسلوب المرسل، قال حين جعله السلطان أبو سالم كاب السر: " وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل، ان يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الأسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء العالي منها على اكثر الناس بخلاف المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغرباً عندهم بين أهل الصناعة " (٢) . وقد يقال ان ابن خلدون شعر انه لا يستطيع أن يبلغ في النثر المسجع شأو ابن الخطيب الذي كان بشهادته " آية من آيات الله في النظم والنثر " (٣) ، ولكن المسالة ابعد غوراً من المنافسة الفردية، فابن خلدون لا ينكر ان في الأسجاع نسقاً عالياً، ولكنه قليل، ولذلك ذاق ذراعاً بالتكلف الذي كان يحيل الكتابة الإنشائية إلى ألفاظ منمقة دون محصل معنوي " فتنحل بالإفادة من اصلها وتذهب بالبلاغة رأساً ولا يبقى في الكلام إلا تلك التحسينات، وهذا هو الغالب اليوم على أهل العصر " (٤) وابن خلدون يؤمن أيماناً عميقاً بقيمة الفكرة، ولهذا فهو لا يرضى ان يبددها في ضباب كثيف من المحسنات اللفظية، ومن ثم عد دخول الصنعة في الكتابة الديوانية بداية الفساد فيها، واتهم الصابي بأنه أول من سلك هذا الطريق واتبعه فيه الكتاب " وإنما حمله عليه ما كان في ملوكه من العجمة والبعد عن صولة الخلافة المنفقة لسوق البلاغة؛ ثم انتشرت الصناعة بعده في منثور المتأخرين ونسي عهد الترسيل وتشابهت السلطانيات بالاخوانيات والعربيات بالسوقيات واختلط المعري بالهمل " (٥) .

стр. 599

ذم حشد المعاني في البيت الواحد وكذلك اخذ ابن خلدون عن أشياخه نفورهم من حشد المعاني وتزاحمها في البيت الواحد، مؤثرين السهولة والتبسيط والشعر الذي تسبق معانيه ألفاظه إلى الذهن؛ أما كثرة المعاني في البيت فذلك نوع من التعقيد، والتعقيد شيء كرهه نقاد الأندلس حتى حازم القرطاجني؛ وكان أشياخ ابن خلدون لذلك يعيبون شعر أبي إسحاق ابن خفاجة شاعر شرق الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد (١) . الالتزام بطريقة العرب وخروج المتنبي والمعري عنها وليس أدق في تصوير الذوق العام في الأندلس لدى شيوخ ابن خلدون وغيرهم من أهل الصناعة الأدبية، من قولهم " أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء لانهما لم يجريا على أساليب العرب من الأمم " (٢) ؛ ولم يكن هذا نابعاً عن عداء للفلسفة، بمقدار ما كان ناجماً عن ذوق يتجه نحو الربط بين الشعر والسهولة المطلقة، وهو رأي ربما كان ترجمة مشوهة لقصر " الشعر " على أمثال البحتري، وتسمية كل من المتنبي وأبي تمام " حكيماً) ؛ وهذا لا يدل على ان الذوق بعد حازم قد أصابه انحسار، وإنما يدل على أن وقفة حازم - في النظر إلى المتنبي - كانت خارجة عن الذوق العام في الأندلس والمغرب، ومنذ أن خفت حدة المحاكاة للمتنبي والمعري بعد عصر المرابطين والطوائف، اصبح النموذج الشعري العالي هو " الصورة الغريبة " - المرقص - كما رأينا عند ابن سعيد والشقندي وأضرابهما، وذلك أيضاً هو مقياس الذوق في المشرق.

стр. 600

الحفظ وأثره في تكوين الملكة الشعرية أما ثقافة ابن خلدون فكانت العامل الثاني في توجيه أحكامه وآرائه النقدية، وأعني بالثقافة هنا - على وجه الخصوص - محفوظات الرجل في مختلف الموضوعات، فقد أشار عليه أستاذه أبو عبد الله محمد بن بحر بحفظ الشعر، فحفظ " كتاب الأشعار الستة والحماسة للأعلم وشعر حبيب وطائفة من شعر المتنبي ومن أشعار كتاب الأغاني " (١) ، واجتمع إلى هذا ما حفظه من القرآن والأحاديث والعربية الفقه وما في بعض هذه العلوم من المتون كقصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في القراءات (٢) ، وان كان يقر بأن محفوظه كان قليلا (٣) ؛ ولكن هذه القلة كانت هامة في ذاتها، فإن اقتصاره مثلاً على كتاب الأغاني (في باب الكتب الأدبية) جعل لهذا الكتاب منزلة خاصة في نفسه حتى قال فيه: " فإن ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم وفيه لغتهم وأخبارهم وأيامهم وملتهم (٤) العربية وسيرتهم وآثار خلفائهم وملوكهم وأشعارهم وغناؤهم وسائر مغانيهم، فلا كتاب أوعب منه لأحوال العرب " (٥) ومثل هذا الحكم - الذي يمكن ان يرد في غير موطن - لا يصدر إلا عن قلة المحفوظ. غير أن المحفوظ أياً كان مقداره هو الذي قدم لابن خلدون فكرة ثابتة حول طبيعة الصناعة الأدبية من شعر أو نثر. وقد أبتدأ ابن خلدون من واقع الثقافة في عصره، فرأى أن الإنشاء " ملكة " لم تعد تتكون سليقة لان الناس يتعلمون اللغة تعلماً، وأن العامل الذي يكون تلك الملكة هو " الحفظ "
следующие страницы →