← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عرض متسلسل لمنهج حازم وفي سبيل الاطلاع على ما قاد به حازم لابد من أن تقيم ترتيباً جديداً للخطوات التي سار فيها، متذكرين في كل خطوة، إن هذا الناقد أسلم نفسه إلى وضع القواعد ولم يحاول التمثيل إلا في النادر، فجاء كلامه نظرياً، ولكنه سلم مما تورط فيه ابن رشد من التباين بين القاعدة والمثال؛ وقد نمر أثناء إعادة الترتيب على أمور لها ما يشابهها عند النقاد الآخرين، ولكن الرغبة في الكشف عن " التصور الكلي " لمنهج حازم يجعلنا نتغاضى عن هذا التكرار. ما هو الشعر لم ينف حازم أن الشعر كلام موزون مقفى (١) ، ولكنه وقف من هذا التعريف عند ناحية التأثير أي فعل الشعر في التحبيب والتنفير، وذلك لأن الشعر يعتمد على عناصر تكفل له هذه القدرة منها: حسن التخييل أو المحاكاة أو الصدق أو الأغراب (٢) ولكن " أحسن الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته وقويت شهوته أو صدقه أو خفي كذبه وقامت غرابته " (٣) ، وأردأ الشعر ما كان بضد ذلك، وهذا النوع الرديء جدير بألا يسمى شعراً؛ ذلك هو تعريف الشعر بالنسبة لتأثيره، أما من حيث الإبداع فإنه وليد حركات النفس أي وليد انفعالات تتناوب النفوس بين قبض وبسط (نزاع إلى ونزوع عن) وحركات النفس بين بسائط ومركبات، تتضمن الارتياح والاكتراث وما تركب منهما - وهي الطرق الشاجية، وتحت هذه يقع الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزوع والخوف والرجاء، ومن قيام الشعر بوصف هذه الانفعالات، تتولد المعاني الشعرية التي سنتحدث عنها فيما

стр. 527

بعد (١) ؛ ولا بد لإبداع الشعر في أكمل الوجوه من ثلاثة عوامل خارجية: (أ) المهيئات: وأهمها البيئة ذات الهواء المعتدل والمطعم الطيب والمناظر الجميلة، والنشأة بين الفصحاء الذين دربوا على الإحساس بالإيقاع، وحفظ الكلام الفصيح. (ب) الأدوات: وهي العلوم التي تتناول الألفاظ والأخرى التي تتناول المعاني. (ج) البواعث: وهي نوعان: إطراب وآمال (فالإطراب كعوامل الحنين والآمال كالاستشراف إلى العطاء وما أشبه) . ولهذا قلما يبرع في الشعر إلا من نشا في بقعة فاضلة وفي أمة فصيحة (ليجود اللفظ) وحدته آمال إلى التجويد وإعمال الروية، وخلق لديه الحنين رقة في الأسلوب. ولا بد لكمال الإبداع من عوامل داخلية، وهي توفر ثلاث قوى لدى الشاعر: (أ) القوة الحافظة: وذلك بان تكون خيالات الفكر منتظمة متمايزة، نعرف طبيعة الموضوع الذي يقبل عليه الشاعر فترفده بالتصور المناسب، دون أن يعتكر خياله فيقع في التخليط وعدم انتظام الصور. (ب) القوة المائزة: وهي التي تعين الشاعر على ان يميز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض مما لا يلائم. (ج) القوة الصانعة: وهي التي تتولى ربط أجزاء الألفاظ والمعاني

стр. 528

والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض مع الاحتفاظ بالتدرج. فإذا اجتمعت هذه القوى معاً في شاعر أطلق عليها " الطبع الجيد ". ويبدو لنا من هذا المدخل إلى الشعر معظم الخصائص التي يتصف بها منهج حازم، فهو منهج قائم على الانتقاء والتنسيق والقياس؛ فهو قد انتقى من نقاد الفلاسفة تعريفه لماهية الشعر وعلاقته بحركات النفس، ومن الجاحظ القول بأثر البيئة والعرق (وذلك شيء شارك في جانب منه ابن قتيبة) ، ووقف مع جميع النقاد القائلين بحاجة الشاعر إلى الثقافة (العلوم) وكذلك هو في حديثه عن البواعث؛ أما حديثه عن القوى الحافظة والمائزة والصانعة فإنها قياس على ما وجده لدى الفلاسفة (وخاصة ابن سينا) من الحديث عن قوى النفس: قوة الفنطاسيا والقوة المصورة والقوة المخيلة والقوة الوهمية والقوة الحافظة الذاكرة (١) ؛ وتبدو قيمة هذا الجمع في سيطرة حازم على مختلف الجوانب التي نجدها مبعثرة هنا وهناك - على مر الزمن - عند كثير من النقاد. الفرق بين الشعر والخطابة وقضية الصدق والكذب ومما يزيد حد الشعر وضوحاً إقامة التفرقة بينه وبين الخطابة، وقد كان لابد لحازم من أن يتصدى لهذا الموضوع خضوعاً للأثر الفلسفي الذي استوحاه من الفارابي وابن سينا، ويبدو انه هنا لم يحاول أن يجري في مضمار من تقدموه وإنما انفرد باستنتاجات جديدة. فقد قرر هنا أن الشعر قائم على التخييل وإن الخطابة قائمة على الإقناع، وكان الفارابي قد قال إن الأقاويل الشعرية كاذبة بالكل لا محالة لأنها قائمة على التخييل، ورغم ذلك فإنها ترجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس (القياس) وأن لهذا التخييل قيمة

стр. 529

البرهان في العلم. وسمى هذا التخييل باسم المحاكاة، وان المحاكاة لذلك أهم عنصر في الشعر، ولكنها ليست عنصراً في الخطابة، إذ تقوم الأقاويل الخطابية على الإقناع فهي صادقة بالمساواة (أي أن الصدق والكذب فيها متساويان) ؛ ولكن حازما ذهب من الأسس التي وضعها - أو صاغها - الفارابي في منحى آخر. فالخطابة تقوم حقاً على الإقناع ولكنها تعتمد على تقوية الظن لا على إيقاع اليقين ومن ثم كانت غير صادقة إلا أن عدل بها عن الإقناع إلى التصديق؛ أما التخييل في الشعر فإنه - كما قال الفارابي - قد ينقل الشيء على ما هو عليه أو يخيله على غير ما هو عليه، فهو أحق بأن يقال فيه: إن مقدماته تكون (إذا نقل الشيء على ما هو عليه) صادقة وتكون (إذا خيل الشيء على غير ما هو عليه) كاذبة (١) . وبعد أن يحدد حازم طبيعة السولوجسموس الشعري وهو أنه يرد دائماً محذوف إحدى المقدمتين أو النتيجة لأنه لا حاجة به إلى الإطالة في التفصيل (إذ في قوة القول نفسه ما يدل على المحذوف) يتجه حازم إلى القول بأن ما كان من الأقاويل القياسية مبنياً على تخييل وفيه محاكاة فهو قول شعري سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو خطابية، يقينية أو مشتهرة أو مظنونة؛ وعلى هذا فالقول الشعري يقبل من الخطابة بمقدار، ويظل على ذلك قولاً شعرياً. فالأقاويل الصادقة تقع في الشعر ولكنها لا يصح أن تقع في الخطابة لان الإقناع بعيد من التصديق، إذ هو مبني على الظن الغالب، والظن مناف لليقين (٢) . وقد تقع فيه الأقاويل الكاذبة لأنه قد يبدأ بمقدمات مموهة وهو شعر في الحالين، لأنه لا يسمى شعراً بمقدار ما فيه من عنصري الصدق والكذب وإنما بمقدار ما فيه من محاكاة أو تخييل (٣) .

стр. 530

على أنا إذا نظرنا نظرة تفصيلية إلى الشعر من زاوية الصدق والكذب وجدنا الصدق يتعين في أحوال منها تحسين حسن ليس له نظير، فهذا يجب أن تكون الأقوال فيه صادقة، وتقبيح قبيح ليس له نظير، وهو في حكمه كالاول، وتحسين حسن له نظير، ويقع الصدق فيه كثيراً وخاصة لأنه يعتمد مبدأ التوسط في المحاكاة، وتقبيح قبيح له نظير، وهو كسابقه، أما من ناحية الكذب فالقول قد يبنى على الاختلاق الإمكاني كأن يصف الشاعر حبه وشجاه من غير أن يحب أو يحس بالشجى، وهذا لا يعلم كذبه من ذات القول، ولا يحكم عليه بالكذب، وقد يبنى على الاختلاق الإمتناعي والإفراط الإمتناعي والإستحالي وفي هذه جميعاً يكون القول كاذباً. أما الإفراط الإمكاني فلا يتحقق ما هو عليه من صدق أو كذب لا من ذات القول ولا من بديهة العقل، ولذلك لا يوصف بالكذب. يتبين من هذا إن الأقاويل الشعرية بعضها واقع (حاصل) وبعضها مختلق، وكلا القسمين يكون في ثلاث حالات اقتصار أو تقصير أو إفراط، فالأقاويل الحاصلة صادقة في حالي الاقتصاد والتقصير، وما كان إمكانياً فإنه يتحمل الصدق والكذب، ثم تكون الأصناف التالية كاذبة: الحاصل الممتنع، والحاصل المستحيل، والمختلق المقصر، والمختلق الاقتصادي والمختلق الإمكاني، والمختلق الإمتناعي، والمختلق الإستحالي. وإذا أنعمنا النظر في هذا الإحصاء وجدنا أن ما يدخل فيه الكذب أكثر عدداً مما يدخله الصدق، إلا إن حازماً بعد هذا كله يرجع من حيث بدأ فيرى أن الاعتبار في الشعر ليس بالنظر إلى الصدق والكذب بل بالنظر إلى التخييل، وأن الصدق والكذب أمران يرجعان إلى المفهومات لا إلى الدلالات، بل يخطو خطوة أبعد فيزعم أن الصدق أقدر على التحريك من الكذب، إذ التحريك في الصدق عام والتحريك في الأقوال الكاذبة خاص، ولخصوصيته كان ضعيفاً؛ ومن ثم فإن الصدق في المواد الشعرية أفضل. ويستنتج من

стр. 531

هذا أن من قال " إن مقدمات الشعر لا تكون إلا كاذبة " إنما هو امرؤ كاذب. حقاً إن الشعر لا يقصر على الكذب، وبهذا قال من ذهب إلى " أن أعذب الشعر أكذبه " فإنهم لم يقولوا إن الصدق فيه معدوم ولكنهم فضلوا جانب الكذب فيه على جانب الصدق، فجاء حازم ينصر قضية الصدق مترسماً ما قرأه لدى ابن سينا (١) حيث قال: " وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون كاذبة " (٢) وحيث قال: " فإن كونه (أي الكلام المخيل) مصدقاً غير كونه مخيلاً أو غير مخيل " (٣) - وخلاصة القول هنا: إن الشعر إنما ينظر إليه من ناحية تأثيره وقدرته على إحداث الانفعال النفساني. فقد يكون صادقاً والصدق فيه قادر على إحداث الانفعال. وحينئذ يكون الكاذب القادر على إحداث الانفعال خيراً منه، ويستشهد حازم بقول الفارابي " الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة أن ينهض السامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أم ما من طلب له أو هرب عنه " (٤) ، وكأنه لم يطلع على قول الفارابي: إن الأقاويل الشعرية كلها كاذب، ولهذا ساوى بين موقفه وموقف أبن سينا. وقد اتهم حازم المتكلمين بإشاعة نسبة الكذب إلى الشعر (دون أي شيء من الصدق) زاعماً انهم احتاجوا إلى الكلام في إعجاز القرآن، فدرسوا مقدمات في الفصاحة والبلاغة ضللتهم، وسكت حازم عن سائر التهمة، وأعتقد انه أراد أن يقول إن نسبة الكذب إلى الشعر إنما كانت لجعله في منزلة بعيدة عن القرآن القائم كله على الصدق؛ لكنه بدلاً من أن يقول ذلك اتهمهم بضعف بضاعتهم في النقد لأن المقدمات اليسيرة في الفصاحة والبلاغة لا تكفي؛ لابد في صناعة البلاغة من إنفاق العمر، " فهي البحر

стр. 532

الذي لم يصل أحد إلى نهايته " (١) . وبهذه الوقفة من موضوع طال حوله افتراق النقاد حسم حازم الخلاف نظرياً، حين أخرج قضية الصدق والكذب من طبيعة الشعر جملة وركز على أهمية " التخييل ". وأظهر أن الجدل حول هذه القضية إنما كان تجاوزاً عن دائرة " الانفعال " إلى منطقة الدلالات في الأقوال نفسها، وإن النقاد بدلاً من أن يسألوا هل هذا صدق أو كذب كان عليهم أن يسألوا عن " المحاكاة " ومدى تأثيرها. أقسام المحاكاة وتأثيرها أطال حازم القول في أقسام المحاكاة بالنظر إليها من زوايا وعلاقات مختلفة. فهي من حيث الغاية مثلاً تنقسم إلى محاكاة تحسين ومحاكاة تقبيح، ومحاكاة مطابقة، وهذه الثالثة ربما كانت في قوة الأوليين. وقد اعتمد في هذا على قول ابن سينا " فظاهر أن فصول التشبيه هذه الثلاثة: التحسين والتقبيح والمطابقة " وهذا إيجاز لقول أرسطو إن الرسام أو الشاعر قد ينقل الشيء كما هو أو أدنى مما هو أو كما يجب أن يكون. ثم تنقسم المحاكاة من جهة ما تخيل الشيء في قسميه، قسم يخيل لك الشيء كما هو في نفسه ومثاله الصورة التي يضعها الرسام أو التمثال الذي ينحته المثال، وقسم يخيل لك الشيء في غيره ومثاله صورة الشيء في المرآة؛ ثم تنقسم المحاكاة بحسب التنوع إلى المألوف والمستغرب، وما يتفرع عن هذين من مقابلات. وهكذا يمضي حازم في القسمة والتفرع ويتطرق إلى أشياء جزئية يستمد من طبيعة التركيب العربي نفسه. وإذا سلك الشاعر في المحاكاة مسلك التحسين أو التقبيح، فإنه يستطيع أن يحقق غايته - في نظره إلى الشيء أو إلى الفعل أو إلى الاعتقاد - بأربع وسائل:

стр. 533

(١) أن يحسن الشيء (أو يقبحه) من جهة الدين وأثره في النفس. (٢) أن يحسن الشيء بمطابقته للعقل أو يقبحه لخروجه على مقتضى العقل. (٣) أن يحسن الشيء من جهة الخلق أو يقبحه لمنافاته للخلق. (٤) أن يحسن الشيء بربطه بالناحية النفعية في الدنيا أو يقبحه لما قد يجلبه من ضرر في هذه الناحية، فإذا أراد أن يقبح عشق الشيخ لفتاة صغيرة أعتمد ذم التصابي في حال المشيب، لكن إذا كان العاشق شاباً أضاف إلى ذلك تقبيح العلاقة باستثارة ما لدى النساء من قبح أخلاقي كالغدر والملالة وما أشبه ذلك (وهو تقبيح من جهة العقل) (١) ، أما محاكاة الشيء بما يطابقه، فالمذهب الأمثل فيها محاكاة الحسن بالحسن والقبيح بالقبيح (٢) وأي تفاوت في المقدار أو اللون قد يفسد المحاكاة، أما الهيئة فلا يلتفت فيها إلى التفاوت (لأن الهيئة تؤخذ جملة ولا تؤخذ تفصيلاً) ، ويبدو من كل ذلك أن مفهوم حازم للمحاكاة متسع وإنها تشمل كل صور التعبير (أو النقل) ولكن المحاكاة التشبيهية تحتل من دراسته مقاماً هاماً، بحيث يعود ما دامت نماذجه مستمدة من الشعر العربي الغنائي إلى تغليب معنى التشبيه على المحاكاة. وحين تناول حازم سبب قوة المحاكاة على التأثير عاد إلى ابن سينا ونقل ما قاله أرسططاليس في التذاذ النفوس وانفعالها بالمحاكاة من حيث هي محاكاة، وبما زاد فيها من طبيعة التوافق الموسيقي، وقد فسر حازم هذا التوافق الموسيقي بتلذذ السمع بجمال العبارة الشعرية وذلك يشبه لذة العين

стр. 534

برؤية الشراب في إناء من الزجاج أو البلور. وهو أمر لا يتأتى من وضع الشراب في آنية خزفية، وهذا الجمال يعتمد على اختيار مادة اللفظ وتلاؤم التركيب، وفي هذا تنفرد الأقاويل الشعرية عن غيرها من الأقاويل (١) . غير إن المحاكاة ليست دائماً على درجة واحدة من التأثير، وإنما يكون تأثيرها مساوياً لمقدار الإبداع فيها ومحدداً بحسب استعداد النفس لقبولها، والاستعداد النفسي يعني حالة معينة تكون فيها النفس مستعدة لتقبل محاكاة ملائمة لتلك الحالة، أو هو استعداد عام وذلك يعني " الإيمان بالشعر "، وهذا ما قد فقد في العصور المتأخرة، ولما فقد الشعر منزلته في النفوس، ضاع تأثير المحاكاة أو ضعف إلى الغاية؛ وقد عرضنا من قبل لرأي حازم في هوان الشعر على الناس في عصره (٢) . ويتطرق حازم بعد ذلك إلى سؤال دقيق: وهو لماذا لا يكون التذاذ الناس بالشيء المحكي نفسه أكثر من التذاذهم بالمحاكاة نفسها؟ لم لا تكون اللذة الحادثة من رؤية امرأة جميلة اكبر بكثير من رؤية تمثال فني لتلك المرأة؟ فيقول أن اللذة حادثة في الحالين إلا أنها مختلفة في طبيعتها. فاللذة من رؤية الشيء نفسه. نابعة من حسن ذلك الشيء، أما اللذة من المحاكاة فإنها نابعة من " التعجيب ". ثم إن الشيء المحكي ربما لم يكن حسناً في كل حال، ولكن تخييله بالمحاكاة لا ينفي قدرته على العجيب في كل حال؛ ولنأخذ مثالا من الطبيعة: إن منظر الشمعة أو المصباح ربما كان جميلاً، ولكن انعكاس صورة الشمعة أو المصباح على صفحة مائية صافية أجمل بكثير من الشيئين في الواقع، أولاً لحدوث إقترانات جديدة (بين الضوء وصفحة الماء) وثانياً لان هذه الصورة اقل تكراراً من رؤية الشمعة نفسها، والنفس إلى ذلك أميل ذهاباً مع الاستطراف (٣) .

стр. 535

معاني الشعر في اغلبها جمهورية قرر حازم وحدة المنبع في الشعر حين رده كله إلى أصل واحد، وجعله وليد حركات النفس، ولكن هذه الحركات النفسية تشتمل على ثلاثة عناصر (١) العوامل المحركة (٢) المتحركين (٣) العوامل المتحركة والمتحركين معاً؛ وعلى هذا لا تعدو معاني الشعر أن تكون وصفاً للحركات أو وصفاً لأحوال المتحركين أو وصفاً لأحوال الاثنين معاً (والثالث هو الأكمل) (١) . ولما كانت الغاية الكبرى من المعاني الشعرية (أو من الأقاويل الشعرية في صورتها المكتملة) هي إحداث التأثير والانفعال في النفوس الإنسانية بحيث تحمل على عمل شيء أو اعتقاده أو تجنبه. كانت أدخل المعاني في الصناعة الشعرية وأعرقها فيها هي ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان، واشتركت في قبولها (أو النفور منها) نفوس الخاصة والعامة (٢) بحكم الفطرة أو العادة؛ وذلك أن تجمع المعاني بين أن تكون معروفة ومؤثرة في آن معاً، أو أن تصبح مؤثرة بعد أن تعرف. وأحسن الأشياء التي تجمع المعرفة والتأثير معاً هي ما فطر الناس على استلذاذه أو التألم منه، وهذا يعني أن الشعر من هذه الناحية يتناول: (١) ما هو مفرح كلقاء الأحبة واجتلاء الروض والماء (٢) وما هو مفجع كالفرقة (٣) وما هو مستطاب كلذة انصرفت يتلذذ الإنسان بذكراها؛ هذه الأمور تتصور بالفطرة، ولذلك يمكن أن نسميها " المتصورات الأصيلة " ويقابلها " المتصورات الدخيلة " وهي التي لا يوجد لها في نفوس الجمهور أثر لفرح أو ترح أو شجو، وإنما هي مكتسبة، كتلك الأغراض التي تستمد

стр. 536

من العلوم والصناعات والمهن، وبعض هذه قد يكون معروفاً عند الجمهور كالأغراض المستمدة من المهن، ورغم ذلك لا يحسن إيرادها في الشعر، كما أن بعض المعاني التي لا يعرفها الجمهور، وإذا كان تعريفهم بها ممكناً فإنها تظل متعلقة بالإدراك الذهني، وهذا النوع المتعلق بالإدراك الذهني لا يصلح للشعر، وأكثر الناس يستبرد وقوع المعاني الذهنية فيه، ولا يوردها في شعره إلا من أراد أن يموه على الناس بأنه عالم شاعر. والشاعر الحق لا يدرج في شعره إلا المعاني التي تحرك الجمهور وتؤثر في النفوس؛ لذلك يمكن القول على وجه الإجمال (مع استثناءين سبقا) إن المعاني الجمهورية هي المادة الأصلية للشعر، وهي التي لا يتألف كلام فصيح عال إلا منها؛ وقد ترد فيها معان أوائل (مقصودة في نفسها) أو معان ثوان (أي استدلالات تقوي المعاني الأوائل) ؛ ولذلك كانت خير التصورات ما صلحت لإيراد النوعين من هذه المعاني متعاقبين، وذلك لا يكون أيضاً إلا بالعودة إلى المعاني الجمهورية القائمة في أصل الفطرة الإنسانية (١) . التجربة الشعرية تستمد من الحياة وبعضها من الثقافة مما تقدم يتبين لنا كيف إن حازماً ربط بين الشعر وبين الحياة الطبيعية أو حياة الحس عامة، وانه حاول أن يبعد الشعر عن العلم قدر استطاعته؛ وجعل ينبوع الشعر من حركات النفس، ومصبه النفوس الإنسانية في مدى تقبلها أو أعراضها بحسب الفطرة (أو بقوة الاكتساب الذي يرقى إلى درجة العادة) ؛ ولهذا كان من الطبيعي أن يوجه الشاعر ليستمد معانيه من التجربة الحسية، بحيث ترتسم صور المحسوسات في خياله، ثم يستطيع خياله أن يقيم ضروب العلاقات بينها؛ غير أنه في مقدور الشاعر أن يؤيد التجربة المستمدة من

стр. 537

عالم الطبيعة بقوة التخيل والملاحظة والتجربة المستمدة عن طريق الثقافة، كدراسة ما جرى من قبل في تجارب غيره من الشعراء والأدباء أو ما أورده المؤرخون والقصاص، أو ما تبلور من التجربة الشعرية في صورة أمثال، والإفادة منه زائداً على التجربة الطبيعية، وشاعريته هي التي تستطيع أن تهديه إلى كيفية التصرف بهذا الزاد الثقافي في شعره (١) ؛ وهو في الأمرين يجب أن يخضع شعره للتناسب الصحيح والتطالب الحتمي بين ضروب المعاني من أضداد وأشباه ومتقاربات؟ الخ وقد حدد له البلاغيون نماذج من هذه المناسبات كالمطابقة والمقابلة والتقسيم والتفسير؟ الخ وعليه أن يراعي ذلك، فإن هذه المذاهب في مناسبات المعاني بعضها لبعض، إنما استخرجت من نماذج شعرية سابقة، سارع الذوق إلى استحسانها (٢) . كذلك عليه أن يتدبر العيوب، أي المناحي السلبية، التي تنشأ عن الإخلال بصور المناسبات والتطالبات والتطابقات كالاستحالة بسبب الإفراط في المبالغة وفساد التقسيم وفساد التقابل والغموض؟ الخ (٣) . الغموض والوضوح في الشعر ويتفرع عن الحديث في المعنى، حديث حازم عن الغموض والوضوح في الشعر، مع إن حازماً يقر أن بعض أنواع الغموض لابد أن يتوفر في الشعر مثل اللغز والكناية، والإشارات إلى الأحداث الماضية والقصص مما يتطلب من القارئ ثقافة خاصة، فإنه في الجملة منحاز إلى جانب الوضوح، فبعد أن يعد وجوه الغموض الناجمة عن طبيعة المعنى (كدقة المعنى أو تحمله لأوجه من التأويل) وعن طبيعة العبارة (كالتقديم والتأخير أو طول العبارة وكثرة المعترضات؟ الخ) نراه يصف للشاعر حيلاً يستطيع

стр. 538

أن يخفف لها من درجة الغموض في شعره أو يزيلها، فإذا كان المعنى نفسه دقيقاً وجب على الشاعر أن يؤديه بأبسط عبارة أو أن يقرن المعنى بما يناسبه من الأمور التوضيحية؛ وانتصاراً منه للوضوح ين باعتماد القصص المشهورة حتى لا تكتسي الإشارات بالغموض، وينصح الشاعر أن يبتعد عن العبارات المتعلقة بصنائع أهل المهن، أو العبارات الدالة على المعاني العلمية (١) . قضية السرقة وتتصل قضية السرقة أيضاً بموضوع المعاني، ومما يميز نقد حازم انه مر بها مروراً عابراً، فجاءت كأنها قضية هامشية في نقده؛ وفي أثناء تعرضه لها قسم المعاني في قسمين: (١) قديمة متداولة، (ب) جديدة مخترعة، والقسم الأول مثل ما شاع بين الناس من تشبيه الشجاع بالأسد، ومثل هذا القسم لا تدخله سرقة لان معانيه ثابتة في وجدانات الناس مرتسمة في خواطرهم، وينشق عن هذا القسم نوع آخر من المعاني يعتمد الزيادة في المتداول أو قلبه أو التركيب عليه؛ غير أن المرتبة العليا في الشعر تتمثل في استنباط المعاني: " من بلغها فقد بلغ الغاية القصوى من ذلك، لأن ذلك يدل على نفاذ خاطره وتوقد فكره حيث استنبط معنى غريباً واستخرج من مكامن الشعر سراً لطيفاً "، وهذا النوع المبتكر لا يمكن أن يسرق وإنما يتحاماه الشعراء لضيق المجال في إخفاء السرقة؛ وهذه الأنواع من المعاني تحدد مراتب الشعراء، لأنها أربع درجات: اختراع واستحقاق وشركة وسرقة " والسرقة كلها معينة وإن كان بعضها اشد قبحاً من بعض " (٢) .

стр. 539

أغراض الشعر وبعد ان استعرض حازم موقف النقاد السابقين في قسمة الشعر إلى أغراض (١) عاد يطلب مبدأ الوحدة الذي طلبه قدامة حين جعل أغراض الشعر نابعة من منبع واحد أخلاقي هو الفضيلة (وما يناقضها) وإنها ترتسم في صورة واحدة هي المدح (وما يناقضه) ؛ ولكنه اختار طريقاً جديدة لإبراز هذه الوحدة فقال: " عن الأقاويل الشعرية لما كان القصد بها استجلاب المنافع واستدفاع المضار، ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك، وقبضها عما (لا) يراد، بما يخيل لها فيه من خير أو شر، وكانت الأشياء التي يرى إنها خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم يحصل، وكان حصول ما من شأنه أن يطلب يسمى ظفراً، وفوته في مظنة الحصول يسمى إخفاقاً، وكان حصول ما من شأنه أن يهرب عنه يسمى أذاه أو رزءاً، وكفايته في مظنة الحصول تسمى نجاة، سمي القول في الظفر والنجاة تهنئة، وسمي القول بالإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسياً وإن قصد تحسرها تأسفاً، وسمي القول في الرزء ان قصد استدعاء الجلد على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ذلك سمي تفجيعاً، فإن كان المظفور به على يدي قاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل وسمي ذلك مديحاً، وإن كان الضار على يدي قاصد لذلك فادى ذلك إلى ذكر قبيح سمي ذلك هجاء، وإذا كان الرزء يفقد شيء فندب ذلك الشيء سمي ذلك رثاء؛ ولما كانت المنافع كأنها تنقسم إلى ما يكون بالنسبة والملاءمة مثل ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس فيحصل لها بمشاهدة تلك الصور المناسبة لها نعيم وابتهاج؟. وغلى ما يكون بالفعل والاعتماد مثل ما يعتمده الإنسان من إسعاف آخر بطلبته فيكون في إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمال أو بتشفي النفس فقط مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان؟.. اقتضى ذلك انقسام الذكر الجميل إلى ما يتعلق من المنافع بالأشياء المناسبة لهوى النفس وسمي

стр. 540

ذلك نسبياً، وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضى النفس وسمي ذلك؟ كما تقدم - مديحاً؟ الخ (١) . من هذا التفصيل في أغراض الشعر - وجميعها يرتد إلى الظفر أو النجاة (وتقيضيهما) نرى كيف عانى حازم قسمة أخرى للانفعالات النفسية لكي يذكر النسيب بين أنواع الشعر. وهو ذلك الفن الذي أبى الخضوع تماماً لقسمة قدامة من قبل؛ على أي حال لم يكن حازم وهو الذي جعل الشعر وليد حركات النفس (المعتمد على المعاني الجمهورية) بحاجة إلى كل هذا العناء في سبيل إقامة " منطق " خاص بأغراض الشعر، ذلك انه لو قال أن الغرض الشعري الواحد صورة من حالة نفسية في لحظة ما، لكان ذلك وحده كافياً لرد الأغراض إلى منبع واحد، وإذن لتحققت " وحدة الانطلاق " دون اللجوء إلى هذه المشقة في التفريعات. أما حديث حازم بعد ذلك عن الشئون التي يجب على الشاعر مراعاتها في كل من المدح والنسيب والرثاء والفخر والاعتذار؟ الخ، فلا تخرج عن عموميات ما جاء به النقاد السابقون من وصايا (٢) . نظم الشعر يقول حازم: " اعلم ان خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن " (٣) ؟ لا يعني بذلك أن الشعر يصدر عن فكر فقد قرر أن الشعر وليد حركات النفس، وغنما يعني هنا " صدق الإحساس " بالتجربة الواقعية، فاحسن الناس نسبياً من أحس بالألم من جراح التجربة، ولكنه يستدرك - كما فعل من قبل - حين يمنح الخيال حقه في التعويض عن تلك التربة، وهذا الخيال يتكون عن طريق الثقافة ودراسة طرق السابقين حتى تصبح لدى الشاعر " قوة على

стр. 541

التشبه " (identification) ؛ وقد تكون هذه القوة عامة في الشاعر، فهو يحسن استغلالها في أي موضوع أو غرض شعري، ومنهم من تكون فيه قاصرة متميزة، فهو لا يحسن ذلك إلا بالدرجة المستمرة. القوى الضرورية لنظم الشعر فنظم الشعر إذن يحتاج إلى طبع أو دربة (بعد وجود المهيئات والأدوات والبواعث) وكلا الشيئين معقود بقوة الخيال لدى الشاعر، وقوة الخيال تفترض شيئاً من التصور الذي يحيط بما يريد الشاعر تحقيقه، ولذلك فإن عليها أن ترسم (١) المقاصد الكلية (٢) طريقة إيراد تلك المقاصد وأسلوب إيرادها (٣) ترتيب المعاني في الأسلوب المتخير (٤) تشكل المعاني في عبارات (٥) تخيل المعاني واحداً بعد آخر بحسب الغرض (٦) مكملات المعاني وزينتها (٧) ملاءمة تلك المعاني للإيقاع (٨) ملاءمة المعنى الملحق بالمعنى الأصلي لاكتمال البيت الواحد (١) . ولا يمكن تحقيق ذلك كله إلا إذا توفرت لدى الشاعر عشر قوى وهي: (١) القوة على التشبيه فيما لا يجري على السجية ولا يصدر عن قريحة بما يجري على السجية ويصدر عن قريحة. (٢) القوة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها والمعاني الواقعة في تلك المقاصد.. (٣) القوة على تصور صورة تكون بها أحسن ما يمكن (من حيث توالي أجزائها) . (٤) القوة على تخيل المعاني بالشعور بها؟. (٥) القوة على ملاحظة الوجوه التي يقع بها التناسب بين المعاني.

стр. 542

(٦) القوة على التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والدلالة على ذلك المعاني. (٧) القوة على التخيل في تسيير تلك العبارات متزنة؟. (٨) القوة على الالتفات من حيز إلى حيز والخروج منه إليه والتوصل به. (٩) القوة على تحسين وصل بعض الفصول ببعض والأبيات ببعضها؟. (١٠) القوة المائزة حسن الكلام من قبيحه بالنظر إلى نفس الكلام وموضعه (١) . إن من يقرأ هذا التقسيم يتذكر ما قاله ابن طباطبا حول نظم القصيدة، غير أن ابن طباطبا كان يتحدث عن الخطوات العملية، بينا حول حازم هذه الخطوات إلى " قوى " قائمة في طبيعة الشاعر؛ ولو قال إن " قوة الخيال "؟ وهي قوة واحدة - تستطيع أن تحقق هذا وما هو أكثر منه، لما لجا إلى هذا الالتواء، ولكن حازماً - كما اتضح في غير موطن - مسرف في شغفه بالتقسيمات، لان لها دلالة على ثقافة منطقية. ويستمر حازم في سياق هذه القسيمة فيرى ان من اجتمعت فيه هذه القوى كاملة فهو الشاعر الكامل، الذي يقوى على تصور " كليات المقولات " ثم من حصل له قسط متوسط من هذه القوى، فهو الشاعر المتوسط (الذي تغلب الدربة لديه على الخيال) ثم من حصل له قسط قليل من تلك القوى، وهم أدعياء الشعراء ومنهم المتلصصون المغيرون على ما لدى غيرهم - " وهم شر العالم نفوساً وأسقطهم همماً وهم النقلة للألفاظ والمعاني على صورها في الموضع المنزل منه من غير أن يغيروا في ذلك غلا ما لا يعتد به " (١) .

стр. 543

التأهب للنظم فإذا أراد الشاعر أن ينظم قصيدة كان عليه أن يتخير الوقت والحالة النفسية - متبعاً في ذلك ما جاء في وصية أبي تمام للبحتري (١) - ومن ثم يستحضر في خياله المعاني ثم يقسمها في فصول مرتبة، مختاراً الوزن الملائم، والعبارات، ويجب أن يتجنب الشاعر الحالات النفسية التي تعوق دون النظم كالكسل في الخاطر أو التشتت فيه أو استيلاء السهو عليه أو تكلفه لمواد العبارات (لأنها قليلة) ، وأن يحاذر وهو يصوغ شعره من أن يكون قدر الوزن فوق قدر المعنى أو العكس، أو يكون المعنى دقيقاً داعياً إلى إيراد عبارة عنه على صورة يقل ورودها عفواً، أو يكون المعنى من المعاني التي يقل عنها التعبير في اللغة، فالخاطر يكد كثيراً لإيرادها موزونة (٢) . الشعراء قسمان في عملية النظم والشعراء في عملية النظم اثنان: (١) شاعر مرو يحتاج الروية قبل ان ينظم وحال النظم وعند الفراغ، وبعد الفراغ من النظم، وهذا يعني انه يعتمد على قوة التخيل والقوة الناظمة وقوة الملاحظة وقوة الاستقصاء. وقد تصيب الروية تغييراً في المعنى أو تغييراً في العبارة " طلباً للغاية القصوى من الإبداع " (٢) شاعر مرتجل، وأحسن حالاته حين يجيء بقول مستقصى تقارنت فيه المعاني، وأسوأ حالاته أن يكون قوله غير مستقصى ولا مقترن (٣) . أما العبارة في النظم فيجب أن يراعي الشاعر فيها حسن التأليف وتلاؤمه (في الحروف والكلمات) والتسهل في العبارات وترك التكلف، ومراعاة حسن الوضع (في تقارب الألفاظ وتطالبها) ومجانية الزيادة والحشو، ومن ثم اختيار العبارات المستعذبة الجزلة.

стр. 544

مناسبة الوزن في النظم للغرض والكشف عن خصائص الأوزان وفي سبيل مناسبة الوزن للغرض، درس حازم علم العروض دراسة جديدة وهي حقيقة بان تنال اهتماماً لا يتسع له هذا المقام، وإنما أشير منها هنا إلى حملة حازم على بحر المضارع ونبو ذوقه عنه (١) وتعليله اتخاذ البيت ثم الشطر ثم القافية مصطلحاً في الشعر العربي (٢) ، وحديثه عن " تسلسل " القصيدة - رغم أن البيت وحده - في ذلك الشعر، ورغم ان حديثه عن هذه الناحية يشبه الخوض في الشئون المتافيزيقية فإنه حري بالاقتباس، يقول: " ويجب أن تعلم أن أبيات الشعر، وإن كانت أوئلها منفصلة عن اوئلها، فإن النظام فيها في تقرير الاتصال على استدارة، إذ كان وضع الأوزان الشعرية وترتيبها زمانياً لا يمكنك فيه ان ترجع بالنهاية إلى زمان المبدأ بل تكون بينهما فسحة من الزمان ولابد. وترتيب البيت المضروب ترتيب مكاني، إذا بدأت بأي موضع شئت منه ثم درت عليه تأتي لك أن ترجع إلى الموضع الذي بدأت منه بنقلة مستديرة على اتصال من غير أن يكون بين المبدأ والنهاية فسحة، والأوزان وإن لم يمكن أن يعاد بالنهاية فيها إلى زمان المبدأ فإنها على تقدير ذلك؟ الخ " (٣) . ويؤكد حازم على أن كل غرض من أغراض الشعر يستدعي نوعاً من الأوزان (٤) ، ثم يتحدث عن خواص كل بحر من البحور وما يناسبه " فالعروض الطويل تجد فيه أبداً بهاء وقوة، وتجد للبسيط سباطة وطلاوة وتجد للكامل جزالة وحن اطراد؟ الخ (٥) . ثم يتحدث عن وضع القافية

стр. 545

وصلتها بنظرته إلى مبدأ التناسب (١) ؛ ويرى حازم أن القصيدة تتكون من " فصول " متناسقة مترابطة، وان لكل فصل شروطاً لابد من توفرها كالترتيب والاستقصاء وإيراد المعاني الجزئية؟ الخ (٢) ، وسبب قسمة القصيدة إلى فصول " أن النفوس " تسأم التمادي على حال واحد وتؤثر الانتقال من حال إلى حال،؟ وتستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر واستجداد الشيء بعد الشيء؟ وتنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة إذا أخذ مأخذاً واحداً ساذجاً ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتنان في أنحاء الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهياً في الكثرة إذا أخذ من شيء مآخذه التي من شانها ان يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة؟ " (٣) ومعنى ذلك كله أنه لابد في الشعر من الملاءمة بينه وبين حال الملتقى ومراعاة الشئون النفسية عامة، وقد سخر حازم أمر الانتقال من تسويم رؤوس الفصول إلى مرحلة التعجب إلى التذكر؟ إلى الاعتبار بذم الدنيا في قصيدة للمتنبي، ليدل على أن قسمة القصيدة إلى فصول إنما يراد به إشباع حاجة النفس إلى التنويع (٤) ؛ وقد عاد حازم في هذا الفصل إلى مصطلحين مشتقين من صفات الخيل وهما " التسويم " و " التحجيل "؟ فالتسويم في الفواتح والتحجل في الخواتيم - وهو بذلك يدل على انه لم يترك مصطلحاً يمكن الإفادة منه في منهجه النقدي إلا حشده لهذه الغاية؛ وفي سبيل ملاءمة القصيدة للأحوال النفسية للمستمعين، شرح حازم كل غرض من الأغراض كالنسيب والمدح والرثاء، وأبان عن الشرائط التي يجب توفرها في حالتي التسويم والتحجيل، أو كما قال النقاد القدامى في المطلع والتخلص والاستطراد والختام (٥) .

стр. 546

طرق الشعر (جد وهزل) إن ملاءمة الشعر للنفوس أو منافرته لها - حسبما تقرر في الفقرة السابقة - هو المقياس الكبير الذي تقاس به حقيقة الشعر من حيث طرقه والحيل اللازمة فيه وأساليبه ومنازعه، وهي المواد التي سننفرد كلاً منها بالقول. فأما من حيث الطريقة فإن للشعر منهجين: الجد والهزل، وطريقة الجد تصدر الأقاويل فيها عن مروءة وعقل بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك، وطريقة الهزل تصدر الأقاويل فيها عن مجون وسخف، وفي الطريقة الأولى يجب تجنب الهزل، والابتعاد بها عما ألف في الطريقة الهوزلية من أنواع التاليف، أي يجتنب فيها الساقط المولد من الألفاظ ويعتمد فيها اللفظ العربي المحض الصريح في الفصاحة، ويعتمد فيها من المعاني ما لا يشين ذكره ولا يسقط مروءة المتكلم، وأما الطريقة الهزلية فقد تستعير شيئاً من الطريقة الجدية (وليس العكس) وقد قال سقراط، حكاية الهزل لذيذ سخيف أهلها وحكاية الجد مكروهة، وحكاية الممزوج منهما معتدل، ولا نقبل على شاعر يحكي كل جنس، بل نطرده وندفع ملاحته وطيبه ونقبل على شاعرنا الذي يسلك مسلك الجد فقط " (١) . ومن الواضح أن الذي قاد حازماً إلى هذه القسمة تأثره بالنقد اليوناني مختلطاً، فالقسمة إلى جد وهزل هي قسمة الشعر إلى طراغوذيا وقوموذيا، وأما قول سقراط " بل نطرده؟ الخ " فإنه يومئ إلى ما قاله أفلاطون في الجمهورية من الإقبال على الشاعر الذي ينسجم وما تتطلبه مصالح تلك الجمهورية، وطرد الشعراء الذين يهزلون حين ينسبون الخصام إلى الآلهة وما أشبه، ولكن دراسته للمنطقة المشركة بين الطريقتين، وتصوره لها، إنما هما مستمدان من طبيعة دراسته لنماذج هذين اللونين في الشعر العربي (٢) .

стр. 547

الحيل الشعرية وفي الشعر حيل يلجأ إليها الشاعر لإنهاض النفوس نحو الحث على الفعل أو الحض على تركه، وهذه الحيل إذا اتصلت بالقول والموضوع سميت محاكاة - وهي عماد الشعر - فإذا اتصلت بالقائل والمتلقي (الشاعر والجمهور) فهي دعامة لتقوية التأثير؛ غير إن المحاكاة قد تحتاج أحياناً إلى ما يعضدها كالاستدلالات الخطابية. أما الشاعر نفسه فإن الحيلة المتصلة به هي استناده كثيراً إلى ضمير المتكلم، وأما الحيلة المتصلة بالسامع فهي استغلال صيغة الأمر وما شابهها (مع التنويع اللازم في الحالين لدفع السأم) ؛ " وكذلك لا ينبغي أن يستمر في كلام طويل على وصف حالة ساذجة، بل التركيب في الأحوال واقتران بعضها ببعض مما يجب أن يعتمد، مثل اقتران وصف حالة المحب بوصف حالة المحبوب " (١) ؛ ولعل أهم ما تؤديه الحيل الشعرية في حال الشاعر نفسه هو " إيهام بأنه صادق " أما بالنسبة للمستمع فهو الاحتيال على إثارة انفعاله " بتقريظه بالصفة التي من شأنها أن يكون عنها الانفعال " (٢) . إن الحيل الشعرية أمور زائدة على صدق المحاكاة، ولكنها جزء من الإبداع الشعري لتحقيق المستوى المطلوب من التأثير. الأساليب الشعرية وتنقسم الأساليب الشعرية في ثلاثة أقسام: (١) الأسلوب الخشن (٢) الأسلوب الرقيق (٣) الأسلوب المتوسط بين هاتين الصفتين، ومن هذه الأقسام الثلاثة تتركب عشرة أنواع تجمع بين الحظوظ المختلفة من هذه الأقسام. ولما كان الشعر موجهاً إلى الجمهور، فان الأحوال النفسية لهذا الجمهور إما ان تكون (١) اللذة (٢) الألم (٣) اللذة والألم متكافئين وعلى هذا الاعتبار تتنوع الأقوال - بحسب بساطتها وتركيبها - في الأنواع الآتية:

стр. 548

(١) أقوال مفرحة (٢) أقوال شاجية (٣) أقوال مفجعة (٤) أقوال مؤتلفة من سارة وشاجية (٥) أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة (٦) أقوال مؤتلفة من شاجية ومفجعة (٧) أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة وشاجية؛ وكان حظ النفوس من هذه الأقسام بحسب استعدادها، ولهذا كان الأسلوب المعتمد هو ما يوافق السامع، وهذه الموافقة تراعي لدى البسيط الأحوال الطيبة السارة، ولدى الرقة الأحوال الشاجية، ولدى الألم الأحوال الفاجعة؛ فالمستطاب من هذه الأحوال وصف المدركات الحسية من عناق ولثم وماء وخضرة ونسيم وخمر وغناء؟. الخ والأحوال الشاجية تتعلق بالألم بعد اللقاء والجور بعد العدل؟ الخ (وأبو الطيب ماهر في وصف هذا اللون من التغير) والأحوال المفجعة وصف ما يلحق العالم من فساد وتغير وفناء؟ ويجب أن يراوح الشاعر ففلا يستمر على ذكر المعاني الموحشة بل يشغلها بما يؤنس النفس، إلا أن كان يتحدث عن موضوع لا يمكن فيه النقلة (كالحرب) ؛ ومما يهيئ الاسترواح للنفوس المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية لارتياح النفوس للنقلة، وينبغي ان يكون الإقناع في الشعر تابعاً للتخييل وان لا يستكثر من التخييل في الخطابة والإقناع في الشعر، وإنما يتم ذلك بإيجاز فإذا ساوى في العكس (بان جعل الأقاويل الشعرية خطابية والخطابية شعرية) فقد خرج بكلتا الصناعتين عن طريقهما (وقد كان المتنبي فارس هذه الخطة في المعاقبة الملائمة بين الشعر والخطابة) (١) . ماذا نعني بالأسلوب الشعري؟ إذا كان الاستمرار بالألفاظ على نسق معين يسمى نظماً، فإن الاستمرار بالمعاني على نسق مرسوم يسمى أسلوباً، " فالأسلوب هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية " (٢) ولهذا كان الأسلوب الشعري محتاجاً إلى " الاطراد

стр. 549

والتناسب والتلطف في الانتقال " (١) . المنازع الشعرية " أما المنازع فهي رد الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم وأنحاء اعتماداتهم فيها وما يميلون بالكلام نحوه أبداً ويذهبون به إليه حتى يحصل بذلك الكلام صورة تقبلها النف أو تمتنع من قبولها " (٢) - لقد ميز حازم الطريقة الشعرية والأسلوب الشعري - وهو هنا يتسلل بدقة إلى تمييز شيء جديد قد نسميه " الاستمرار على أسلوب شعري مؤثر " - أو المذهب - كمنزع أبن المعتز في التشبيه ومنزع البحتري في وصف الطيف، وقد يتفرد الشاعر في منزعه، أو يقتفي أثر شاعر، فتصبح طريقته مركبة من عدة طرائق، وأحياناً يكون مفهوم " المنزع " - " القانون العام في شعر شاعر ما " فالقانون العام في شعر المتنبي مثلاً هو طريقته المفضلة في توطئة صدور الفصول للحكمة؛ ومقطع القول أن المنزع يمثل " العنصر البارز " في الطريقة الشعرية، فإذا كان هنالك شاعر يبني عبارته على التضاد أو على منحى من الاستعمال التعبيري فلذلك هو منزعه. " وحسن المآخذ في المنازع التي ينزع بالمعاني والأساليب نحوها يكون بلطف المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطراد في المعاني والاتلاج إلى الكلام من مدخل لطيف " (٣) وقد يكون حسن المنزع أحياناً مما لا يمكن تعليله.

стр. 550

المفاضلة بين الشعراء مطلب نسبي هل تمكن المفاضلة بين الشعراء؟ لقد وجدنا كيف وضع الآمدي مبدأ الموازنة بين شاعرين، ومثل ذلك فعله من قبله ومن بعده من النقاد، حتى إذا كان ابن الأثير أباح المفاضلة لا بين شاعرين وحسب، بل بين الشعر الذي تتباعد موضوعاته. ولكن حازماً كان اقرب إلى الواقع من أي ناقد آخر في فهمه لمبدأ المفاضلة؛ كان حازم يدرك الحقائق الآتية التي أشار إليها أو وضحها في كتابه وهي: (١) أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أنماطه وطرقه، فشاعر يحسن فيما هو جزل متين، ولا يحسن طريقة الرقة واللطافة، وشاعر يحسن في غرض شعري كالنسيب دون الأغراض الأخرى. (٢) أن الشعر يختلف بحسب الأزمان وما فيها وما يولع به الناس مما له علقة بشئونهم، فهناك زمن تشيع فيه أوصاف الخمر والقيان وزمان آخر يشيع فيه وصف الحرب والغازات أو نيران القرى والسخاء؟ الخ. (٣) ان الشعر يختلف بحسب الأمكنة مما يلهم بعض الشعراء أن يصفوا الوحش (البادية) وآخرين أن يصفوا الخمر (الحاضرة) ؟ الخ. (٤) أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أحوال القائلين والموضوعات التي يحاولون فيها القول، فواحد يحسن الفخر، وآخر يحسن في المدح؟ الخ. لذلك كله فإن المفاضلة بين الشعراء أمر تقريبي ولا يجوز أن يؤخذ على سبيل القطع، والوصول في المفاضلة إلى درجة الجزم أمر غير ممكن، إنما يتم الترجيح فيها على سبيل التقريب، وتكون المفاضلة غير متيسرة في جودة الطبع وفضل القريحة، كما إنها قد تكون ممكنة إذا اجتمع الشاعران في غرض ووزن وقافية؛ ويجب أن ينال الشاعر من التقدير شيئاً كثيراً إذا

стр. 551

هو أجاد في تصوير ما لم يألفه، فإن إجادته في هذه الناحية يجب ان تكفل له التفضيل على شاعر آخر يحسن تصوير ما هو مألوف لديه. أما النقاد الذين جعلوا الزمن عاملاً في تفضيل شاعر على آخر فإنهم خارجون عن صناعة " النقد " جملة؛ وقد جرت في تاريخ النقد مفاضلات ينبغي ان نمر عنها عابرين لأنمها أقل من أن تستحق التوقف عندها. فإذا كانت البواعث والأسباب المهيئة لدى شعراء أكثر من غيرها لدى آخرين فحينئذ نقيم المفاضلة بينهم على هذا الأساس " كما نفضل شعراء العراق على شعراء مصر " - إذ لا تناسب في توفير الأسباب المهيئة لقول الشر " (١) . هل يمكن الحكم بكمال الشعر وأخيراً هل يمكن للناقد أن يحكم " بكمال " شعر ما؟ ذلك أمر يعز القول فيه لان الناقد يجب أن يتصدى عند الحكم لكل ما تحدثنا عنه من أنماط المعاني والنظام والأساليب والأوزان، واعتبار كل نمط من المعاني يصلح به نمط من اللفظ والنظام والأساليب والأوزان. واعتبار كل نمط من النظم بما يصلح به من أنماط اللفظ والمعاني والأساليب والأوزان، واعتبار كل نمط من أنماط الأساليب بما يصلح به من أنماط الألفاظ والمعاني والنظام والأوزان، واعتبار كل نمط من أنماط الأوزان بما يصلح به من أنماط اللفظ والمعنى والنظم والأسلوب؟ الخ " (٢) أي ان مهمة الناقد هي فحص جميع الصور التي وضعها حازم - من حيث علاقتها جميعاً - للخروج بحكم في ذلك، وهذا ما لا يمكن بلوغه في النقد الأدبي. خاتمة كان من الضروري أن نتبع هذا السياق في عرض آراء حازم في النقد لأسباب عديدة منها أن أسلوب حازم صعب. ولذلك كان في هذا العرض شيء من التبسيط، ومنها ان هناك مسائل عالجها حازم في مواطن متفرقة من

стр. 552

كتابه خضوعاً لمنهجه العام وتقسيماته، وكان لابد من رصدها وجمعها معاً في نطاق واحد لسهل الرؤية على القارئ؛ ومنها أن كثيراً من الأمور التي عرض لها حازم جزئيات تتصل بعلم البلاغة، وكان من اللازم عند بناء نظرية نقدية متكاملة له أن ننحي تلك الأمور جانباً. وان نخلص المادة النقدية، مما يحيط بها من شئون عارضة. وبعد ذلك كله يمكننا أن نسأل: ما هو موقف حازم - أو دوره - في تاريخ النقد العربي؟ شمولية النقد عند حازم أول ما يلاحظه الدارس لنقد حازم هي تلك الصفة الشمولية التي تميزه عمن جاء قبله من النقاد، ذلك انه حاول أن يفيد من الاتجاه الفلسفي المبني على كتاب أرسططاليس، ومن آثار النقاد العرب سواء منهم من تأثر بالثقافة اليونانية أو لم يتأثر، وان يجيب على أكثر المشكلات الهامة التي عرضت للنقد الأدبي على مر الزمن، من خلال منهج قائم على نوع من المنطق الخاص بصاحبه، ولكنه منهج شمولي أيضاً لا يغفل أبداً ثلاثية هامة كان النقاد يكتفون بالنظر إلى واحد دون الآخر من أضلاعها، وتلك هي (الشاعر والعملية الشعرية والشعر "؛ وقد أولى حازم هؤلاء الثلاثة عناية متساوية على وجه التقريب، فاستطعنا أن نجد لديه بحثاً عن " القوى النفسية " التي لابد منها لقول الشعر، صحيح إنه لم يستعمل لفظة " الخيال " كثيراً، ولكن ما كان بمقدوره أن يفعل ذلك حين أتخذ لفظة " التخييل " صنواً للمحاكاة، وبهذا البحث في القوى النفسية استطاع حازم أن يربط بين الفاعل (أو العلة) والنتيجة. وبينا كان منهج حازم يوحي بأنه امرؤ موغل في العقلانية نجد آراءه في النقد تبعد كثيراً عن هذه الصنعة (إلا أن يتورط فيها عفوراً بتأثير من قدامة) إذ نراه يرد الشعر إلى العوامل النفسية دون غيرها، ولا يغيبن عن البال أن استعماله لكلمة " فكر " أحياناً لا تعني الدلالة العقلية، فإن اهتمامه " بالمعاني الجمهورية " هو تأكيد للعلاقة القائمة بين الشاعر وعالم

стр. 553

الحس، ولهذا وجدنا لأول مرة ناقداً يتحدث عما نسميه اليوم " التجربة الشعرية " المستمدة من الواقع، والتي يمكن أن يرفدها الخيال والزاد الثقافي؛ وفي هذا يختلف حازم اختلافاً شديداً عن ناقد كبير آخر هو عبد القاهر الجرحاني، فإن الجرجاني الناقد جعل الشعر مربوطاً بالعقل، من جهة المعاني حتى في حالة التخييل، وبذلك قصر التخييل على الحيل العقلية في رفع درجة الشعر المخيل إلى درجة المعقول؛ ومن ثم كان التلذذ الناشئ عن تذوق الشعر لديه أمراً عقلياً. أما حازم فإنه استطاع لدقته أن يميز بين الحيل التمويهية والتخييل، صحيح إنه يعتقد أن التمويه متصل بالقائل والمتلقي، ولكن الحيل الشعرية إذا اتصلت بالشعر نفسه فهي محاكاة، وبهذا استطاع حازم أن يفصل بين التخييل من حيث هو مظهر عام يساوي المحاكاة، ومن حيث هو عنصر خاص قد يوازي التمويه. كذلك تجاوز حازم في نظريته الشعرية مشكلة " النظم " التي أطال الجرحاني الوقوف عندها؛ فتحدث حازم عن النظم بمعناه العام ولم يقصره على صورة السياق التأليفي إلا حين تخطاه إلى مراحل أخرى؛ فهو قد أقر أن النظم يتناول سياق الألفاظ، ولكنه أوجد إلى جانبه الأسلوب ليتناول سياق المعنى، وفي توفر النظم والأسلوب والمنزع لدى حازم يتم تخطيه لنظرية الجرحاني. الشعر وحركات النفس (لا العقل) ومن طبيعة النظريتين - في تباينهما - إلى الشعر ذهب الجرحاني إلى التعلق بالدقة في المعاني ليكفل للتذوق مراناً عقلياً، أما حازم فإن قصره الشعر على حركات النفس جعله يطلب الوضوح ويتأتى له من شيء النواحي. ويبدو ان حازماً عرف الجرحاني ولكنه لم يستطع ان يأخذ منه نظرته إلى معنى المعنى، وربما لم يفهمها أو ربما وجد منهجه يضطره إلى التحول بها عن واقعها، فلذلك ذهب إلى القول بالمعاني الأوائل والمعاني الثانوية، وهو لا يعني مستويين متفاوتين في التعبير، وغنما يعني معاني متساندة يوضح تاليها سابقها. ولكن

стр. 554

هذين الناقدين يتقاربان في التقليل من شأن السرقات في المعاني، وذلك لان نظرية النظم عند عبد القاهر تبيح التفاوت المستمر، مهما اهتدى شاعر بضوء شاعر قبله، وموقف حازم من المعاني الجمهورية يعني أن المصدر الذي يرده الشعراء واحد، وإنما يتم التفاوت في المعاني المبتكرة. اهتمامه بسبب تفلسفه بالوحدة في المنبع والغاية والتقاؤه بقدامة وككل ناقد متفلسف سعى حازم دائماً إلى مبدأ " الوحدة " فرآها - كما ذكرت سابقاً - في منبع الشعر وفي أغراضه، ومن طلبه للوحدة كان لابد من أن يلتقي بقدامة وان يعجب بقدرته المنطقية، فحاول ان يحاكي طريقته في إيجاد محور للأغراض الشعرية؛ ولكن قدامة استطاع أن يضلله في غير موطن، فهو قد تابع قدامة في إخضاع الشعر للحدود العقلية التي يقبلها المنطق مثل حسن التقسيم والمقابلة وما أشبه، مع انه كان في مقدور حازم ان يتجاوز هذا كله لقوله بانبثاق الشعر من قوى " تسمى المائزة والحافظة والصانعة) فإذا وجد شيء من هذه الأمور في الشعر؛ فليست هي التي تكفل له درجة كبيرة من التأثير، وكان التأثير من أهم ما حام حوله حازم في نقده؛ وقد حاول حازم ان يخرج من هذا المأزق الذي أوقعه فيه قدامة حين ختم هذه الملاحظات بضرورة إعطاء الحكم للشعراء، أي عدم اتهامهم بأنهم خرجوا على صحة التقسيم والتقابل إلا إذا عجز التأويل عن ذلك: " وكلما أمكن حمل بعض كلام هذه الحلبة المجلية من الشعراء على الصحة كان ذلك أولى من حمله على الإحالة والاختلال، لأنهم ثبت ثقوب أذهانهم وذكاء أفكارهم واستبحارهم في علوم اللسان وبلوغهم من المعرفة الغاية القصوى " (١) وكأنما أحس حازم أن القاعدة هي الشاعر لا تقسيمات قدامة وتفريعاته حول صحة المعاني وسلامتها.

стр. 555

صعوبة التخلص من تأثير قدامة كذلك وجد حازم نفسه مضطراً إلى أن يوفق بين رأيه الخاص فيما يستحق المدح أو الذم من الأفعال وبين رأي قدامة، وخلاصة رأي حازم الذاتي في هذا الموضوع أن إيثار النفس على البدن، ثم إيثار الغير على الذات هما الموضع الطبيعي للمدح (١) ، (وضدهما للذم) - وهذا الإيثار غاية ما تستطيع تحقيقه الإرادة الإنسانية؛ أما خلاصة رأي قدامة فهو أن المدح يتم بالفضائل الأربع الكبرى وهي: العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ ومع أن التناقض هنا غير واضح بين رأيي الناقدين فإن الإيثار معلم ذاتي بينما الفضائل الأربع مقياس اجتماعي؛ نعم ان الإيثار قد يكون محطاً لإكبار المجتمع، ولكنه أصعب من ان يصبح مقياساً عاماً؛ والإيثار أليق بمنهج حازم لأنه - وان ذكر المدح في شعره تقليداً للنقاد السابين - جعل أهم موضوعات الشعر هي المشاعر والمناظر والمسموعات ومواطن السرور ثم الأحوال الشاجية كالفرقة بعد اللقاء وتشكي الزمان والأمور المفجعة التي تذكر بالفناء وفساد العالم ومصير الناس؛ نعم إنه لم ينف المدح من قواعده أو شواهده، ولكن المدح لا يقوم في نطاق نظرية حازم إلا ان يكون وليد أحد طرفي البواعث التي هي الإطراب والآمال، فالمدح (أي شعر المدح) واحد من الأمور التي قد يولدها الأمل، ولكنه لا يحتل في نظرية حازم مقاماً عالياً بالنسبة للموضوعات الأخرى التي هي أعلق بالنفوس الإنسانية.

стр. 556

أثر ابن سينا والحقيقة أن حازماً أفاد في نقده كثيراً من ابن سينا، وفي شرحه التعميمي للمحاكاة ما قد يدل على انه كان فاهماً لهذه النظرية، ولكنه لم يستطع إلا أن يحصر أمثلته عليها في جانب التشبيه؛ كذلك قدم له ابن سينا مفهوماً واضحاً للفرق بين الشعر العربي واليوناني، ومهد له أن يقول إن أرسطو لو عرف الشعر العربي لزاد كثيراً في أحكامه، ومهما نتحفظ إزاء هذا القول فأنا لا نملك إلا أن نقول: لو أن هذا القدر من الشعر الغنائي كان معروفاً لأرسطو لعدل في نظرية المحاكاة أو لاضعاف إليها؛ وعن طريق التأثر بالفلسفة استطاع حازم أن يحل مشكلة الصدق والكذب في الشعر، بعد ان طال القول فيها لدى من سبقه من النقاد. وخلاصة القول أن حازماً يمثل المزح بين التيار اليوناني والتيار العربي في النقد بعد أن ظلاً منفصلين مدة طويلة، وهو رغم اعتماده على هذين المصدرين استطاع ان يرسم منهجاً متكاملاً لموقف نقدي محدد المعالم. بيان مصطلح حازم في كتابه ولا أرى باساً في ختام هذا الفصل في أن أوضح المصطلح الذي استعمله حازم في فصول كتابه، وان يكن ذلك المصطلح غير داخل على وجه الدقة في مفرماته النقدية؛ سمى حازم كتابه " منهاج البلغاء وسراج الأدباء " وجعل عنوانات الفصول والفقرات هكذا على التوالي: منهج - معلم - إضاءة - تنوير - معرف - مام. وهي اصطلاحيات تعيد إلى الذهن محاولة صاحب الريحان والريعان. فالمنهج (أو المنهاج) هو الطريق الواسعة ولذلك كان كل فصل بهذا العنوان (في الإبانة عن ماهيته) ، وعلى طول هذا الطريق " معلم " أي إشارة تدل على (طريق العلم) و " معرف " أي إشارة تدل إلى شئون الذهن والقواعد المتصلة بالتفريعات المنطقية، وان المعرف يدل في

стр. 557

الغالب على التقديرات النفسية؛ أما " المام " فإنه يدل على مذهب يفضي إلى غاية أو قصد. وهذه المصطلحات الثلاثة متصلة من عنوان الكتاب بلفظة " منهاج البلغاء "؛ غير أن الساري على الطريق بحاجة إلى " سراج " (القسم الثاني من العنوان) وهذا السراج هو الذي يمنح الماشي على المنهاج " إضاءة " و " تنويراً " والفرق بينهما أن الإضاءة اقل سطوعاً من التنوير، فكل فقرة تحمل عنوان إضاءة هي بسط لفطرة فرعية، وكل تنوير فهو مزيد بسط لفكرة جزئية قد تجيء في الإضاءة نفسها.

стр. 558

النقد في مصر والشام والعراق في القرنين السادس والسابع الوحدة الأدبية في هذه الأقطار ليس من السهل أن نفرد كل قطر من هذه الأقطار عند الحديث عن النقد الأدبي في القرنين السادس والسابع، لا لأن اثنين منهما وحسب - وهما مصر والشام - كانا تحت السيادة الأيوبية في معظم هذه الفترة، وإنما لأن الصلات الثقافية بين تلك الأقطار - من ناحية عامة - كانت قوية الحلقات، ثم لأن النقاد الذين نشأوا في هذه الأقطار، كانوا من حيث النشأة والثقافة يمثلون ذلك التمازج الثقافي؛ فعبد اللطيف البغدادي رحالة عرف مصر والشام معرفة مساكنة وتأثر، وابن الأثير الذي ينتمي إلى جزيرة ابني عمر، عاش في مصر والشام، والقاضي الفاضل وابن سناء الملك وابن ظافر وغيرهم، كانوا يعرفون الحدود الجغرافية بين تلك البلدان، دون أن تمنعهم تلك الحدود من أن يكونوا يوماً هنا ويوماً هنالك. النفرة من المؤثرات اليونانية وبينما كانت الأندلس تحاول منذ القرن الخامس أن تربط بين اتجاهين في النقد: عربي ويوناني، من خلال جهود ابن حزم وابن خفاجة وابن رشد وحازم القرطاجني، كان نقاد هذه الأقطار يتجافون - وكأنهم يعانون لا شعورياً نظرة عدائية تجاه ما أثارته الحروب الصليبية - عن كل اثر للثقافة اليونانية، ويتمسكون بما يعتقدونه " أصالة متفردة " للنظرة العربية في

стр. 559

مجال الشعر والنقد؛ فقد يتوقع المرء أن يجد لدى شخص مهتم بالثقافة الفلسفية مثل عبد اللطيف البغدادي أثراً ما لكتاب الشعر، ولكنه يفاجأ إذ يجد هذا الرجل في ميدان النقد مهتماً بتلخيص كتاب " العمدة " لابن رشيق. وربما توقف المرء طويلاً عند قول رجل حاد الذكاء قوي الاعتداد بالنفس مثل ابن الأثير وهو يقول في كتابه: المثل السائر: " إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر وخطيب تحضروا وسكنوا البلاد ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشر، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب ولا نطقوا منه، قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئاً منه ولا مسلم بن الوليد ولا أبو تمام ولا البحتري ولا أبو الطيب المتنبي ولا غيرهم، وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد وابن العميد والصابي وغيرهم؛ فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان، قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئاً مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي؟. وإذا وقفت على رسائلي ومكاتباتي - وهي عدة مجلدات - وعرفت اني لم اتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ ان صاحب هذا العلم من النظم والنثر، بنجوة من ذلك كله، وانه لا يحتاج غليه أبداً؟. ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي بابن سينا في الخطابة والشعر، وذكر ضرباً من ضروب الشعر اليوناني يسمى " اللاغوذيا " وقام فاحضر كتاب " الشفاء " لأبي علي ووقفني اليوناني يسمى " اللاغوذيا " وقام فأحضر كتاب " الشفاء " لأبي علي ووقفني على ما ذكره فلما وقفت عليه استجهلته فإنه طول فيه وعرض كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئاً " (١) .

стр. 560

ويفيد هذا النص الذي نقلناه عن ابن الأثير أموراً كثيرة، منها أنه كان في البيئة المشرقية من يؤمن بما قاله ابن سينا نقلاً عن اليونان، ولكن صوت مثل هذا المثقف، قد ضاع إزاء صوت ابن الأثير، وأن ابن الأثير كان يعتقد أنه لا حاجة بالنقد إلى كل ما قاله مفكرو اليونان - ما دام الشعر العربي هو مجال الحكم - وان الشعر العربي قد جرى في طريقه حتى عصر ابن الأثير، دون ان يكون للفكر اليوناني أثر في تكييفه واتجاهاته؛ وان ابن سينا - إذ يتحدث في النقد - يجهل الطبيعة العربية، ويتحدث إلى أهلها كأنه يتحدث إلى بعض الاعاجيم الغربيين عنها؛ ولا يستطيع أحد أن ينكر على ابن الأثير كثيراً مما قاله، لأنه كان يدرك إدراك الأديب المستقل في منحاه أن المقاييس اليونانية التي تمثلت في ترجمات كتاب الشعر وملخصاته لم تستطع أن تكون ذات تأثير في تيار الشعر العربي، ولكنه لم يسال نفسه: هل كان تيار النقد النابع من التصورات العربية الأصيلة قادراً على أن يؤثر في وجهة الشعر أيضاً؟ أعني: إلى أي حد استطاع النقد كله - ومن جملته نقد ابن الأثير - أن يكون ذا أثر موجه في حياة الشعر أو النثر؟ العودة إلى الينابيع العربية ولذلك كانت العودة إلى الينابيع العربية في النقد من أشد ما يميز التيار النقدي في مصر والشام والعراق - في هذه الفترة - وأن تكون تلك العودة قائمة على الاختيار المحدد لمصادر معينة من تلك الينابيع. فابن الأثير لم يجد ما ينتفع به من جميع ما يمثل التيار العربي في النقد سوى كتاب " الموازنة " للآمدي، و " سر الفصاحة " للخفاجي - مع الإشارة إلى أن الموازنة " أجمع أصولاً وأجدى محصولاً " (١) . وأسامة بن منقذ لا يجد ما يمثل النقد سوى العودة إلى المصادر السابقة وتلخيص ما فيها وترتيبه، ونعني بالمصادر السابقة ما أعان على رسم صورة للمحسنات الشكلية مثل " البديع

стр. 561

لابن المعتز والحالي والعاطل وحلية المحاضرة والصناعتين للعسكري واللمع للعجمي والعمدة لابن رشيق " (١) - ستة مصادر مما يضع أسس المصطلح البلاغي، دون التمرس بالمشكلات النقدية الكبرى التي تصدت لها الموازنة والوساطة وأسرار البلاغة. وقد اقتصر ابن الأثير على كتابين مشرقيين، لكن أسامة وعبد اللطيف البغدادي يشير إلى أثر مغربي في الاتجاه النقدي حين يتخذان من " العمدة " لابن رشيق مصدراً هاماً يتكئان عليه؛ وهكذا تكتمل الحلقة النقدية، فبعد أن كان المشرق هو المؤثر في خلق تيار نقدي في المغرب (ومن ضمنه الأندلس) نجد المغرب حينئذ يلعب دور المؤثر. تأثير الأندلس في مصر وبلوغ الأثر الفارسي إليها ولم يقتصر تأثير المغرب على النقد، بل تعدى ذلك إلى الفنون الأدبية نفسها، إلا أن مصر كانت أكثر تقبلاً للأثر المغربي من الشام والعراق، وخاصة في إقبالها السريع على فن الموشحات. ونتيجة لذلك تمايزت البيئات الثلاث في نوع الأثر الخارجي، فغلب على الشام والعراق الأثر الفارسي متمثلاً في فن الدوبيت الذي أقبلت عليه الأذواق واعتبرته فناً مستقلاً إلى جانب الشعر والمواليا (٢) ؛ حقاً إن الأثر الفارسي وصل إلى مصر نفسها، إذ نجد ابن سناء الملك مثلاً يجعل خرجات بعض موشحاته فارسية، ولكن تأثير الموشح في مصر كان أبعد وأظهر، ولعل اهتمام الأدباء

стр. 562

والنقاد في هذه الأقطار الثلاثة بالدوبيت والمواليا والموشح غنما كان مرحلة أولية في خطوة كبيرة لم يجرؤوا على القيام بها، وهي الاعتراف الأدبي بفنون زجلية مختلفة شاعت حينئذ في تلك البلاد، ونحن نعلم انه في القرنين السادس والسابع، على أقل تقدير، غلب " الكان وكان " على البيئة العراقية، وكان في مبدأ أمره مقصوراً على الحكايات والخرافات، ونظم فيه بعض الوعاظ الرقائق والزهديات، ثم اقتبسه الملاحون في دجلة فاصبح أناشيدهم الخاصة، وتولع به أهل البطائح بشكل خاص حتى أصبح يسمى البطائحي (١) ؛ وغلب على البيئة المصرية فن زجلي سمي " البليق " وشغف به الناس وعدوه مستقلاً بعض الاستقلال عن الزجل بمعناه العام (٢) - ومع ذلك لا نجد ناقداً تصدى لتلك الفنون أو حاول التوقف عند قيمتها، أو لمح الانقسام الحادث بين الشعب والطبقات المثقفة في نوع الزاد الأدبي الذي يفيء إليه كل منهما، حتى ابن الأثير الناقد الذي ينصح كل من يتصدى للشعر والخطابة " أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم " (٣) ، والذي أفاد من قول امرأة سمعها تندب ابنها وتقول فيه " كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهم وقع في الكيس " فأعجب بعيارتها واستعارها في إحدى رسائله - هذا الناقد يتحدث عن بعض تلك الفنون الشعبية بطريق السماع، وكأنه لم يسمع بنفسه أحداً يتغنى بها أو ينشدها إلا حين نبه لذلك فيقول: " وبلغني ان قوماً ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات وينادون بالسحور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر، وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئاً منه فوجدت

стр. 563

فيه معاني حسنة مليحة ومعاني غريبة وغن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة " (١) . الموشح في البيئة المصرية وقد تعرفت البيئة المصرية إلى فن الموشح في دور مبكر، نقله إليها المهاجرون الأندلسيون، وأقدم نماذجه التي وصلتنا ربما يرجع إلى النصف الثاني من القرن السادس (٢) ، ولكنه عند أواخر هذا القرن كان قد شاع - فيما اقدر - شيوعاً كبيراً، وفي أواخر ذلك القرن وفي القرن الآلي كثر المهاجرون من أمثال: ابن اليسع الذي ألف لصلاح الدين " المعرب عن أخبار المغرب " وابن دحية وأخيه وابن سعيد ومحمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال الذي يروي عنه ابن ظافر كثيراً من القصص الأندلسية في " بدائع البدائه "، وقد اقدر أن هذا الزجال عرف المصريين إلى فنون الزجل الأندلسي أيضاً كما قام المهاجرون الآخرون بإشاعة الموشح، ونحن نعلم أن الأندلسيين كانوا يرون في الموشحات مصدر فخر لهم كما قال ابن دحية في المطرب: " وهي زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي اغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق " (٣) ويستفاد مما ذكره ابن سناء الملك ان المصريين كانوا - ربما قبل عصره - يقلدون الموشحات الأندلسية ويستعيرون خرجاتها في موشحاتهم (٤) .

стр. 564

الشعر الأندلسي في مصر ولم يقتصر تأثير الأندلس في البيئة المصرية على الموشحات. بل أقبل المصريون على الشعر الأندلسي نفسه، وعرفوا المصادر الأندلسية الهامة من مثل الذخيرة وقلائد العقبان، وأدرجوا الشعر الأندلسي الذخيرة وقلائد العقيان، وأدرجوا الشعر الأندلسي في مؤلفاتهم، وتصدوا لبعضه بالدراسة والنقد، وقد تفاعلت بعض المظاهر البيئية مع هذا الأثر الأندلسي الوافد، ومنحت الاتجاه النقدي صبغة مميزة، ويتضح لنا عند دراسة أشهر النقاد حينئذ المعالم التي تميز ما يمكن أن يسمى " المدرسة المصرية " في النقد. ابن سناء الملك وأثر القاضي الفاضل فيه وفي طليعة هؤلاء القاضي السعيد هبة الله بن جعفر بن سناء الملك (٥٤٥ - ٦٠٨) صاحب " دار الطراز "؛ ولا نستطيع أن نتحدث عنه - بل عن أكثر نقاد مصر في هذه الفترة - دون أن نذكر القاضي الفاضل، الذي كان يحتل دور المعلم والراعي للأدباء في مصر حينئذ، وتعد صلته بابن سناء الملك صلة توجيه ونقد وتشجيع؛ وهذه حقيقة تتضح حين نعلم انه كان في رسائله يلح دائماً على أن يكتب إليه ابن سناء الملك - حين كان القاضي الفاضل في الشام - بآخر ما نظمه، بل يطلب أن يرسل إليه مسودات شعره ليرى ما يجري فيها من تنقيح وتغيير. يقول ابن سناء الملك: " وكانت عادتي معه ﵀ أن يطالبني بالوقوف على مستودات شعري ويرى ما ضربت عليه وما أثبته، فربما رأي ما ضربت عليه خيراً مما أثبته فيناقشني في الحساب ويطالبني بالجواب ويوضح لي وجه الخطأ والصواب، هذه عادتي معه من أول ما أدبني وعلمني وهذبني " (١) . ومعنى ذلك أن القاضي الفاضل كان يقوم بدور الناقد؛ وقد أورد ابن سناء الملك نماذج من نقد الفاضل لبعض قصائده وكلها يشير إلى أن الفاضل كان ينظم قصيدة نثرية

стр. 565

- إن صح التعبير - في نقده لشعر تلميذه، ولكنه بين الحين والحين كان ينبهه إلى بعض المآخذ، فقد انتقده مرة لأنه استعمل قافية التاء المضمومة: " فأما التائية المرفوعة فلا يقربها ولا يقر بها، فما أعجبني لا لأنها غير معجبة بل لأني اعلم أن الله لو حشر الأولين والآخرين ما قدروا ان يكملوا هذه القصيدة من ذلك الجنس، ولا أحاشي من ذلك الكرام الكاتبين، فضلاً عن الأندلس، وإذا كانت لا تدرك فلتترك..؟ " (١) ؛ وانتقده مرة أخرى لأنه أورد في قصيدة سينية كلمة " الكنس " في قوله: صليني وهذا الحسن باق فربما ... يعزل بيت الوجه منه ويكنس وقال له: " وبيت يعزل ويكنس أردت أن أكنسه من القصيدة لان لفظة الكنس غير لائقة بمكانها قبلاً " (٢) ، فاعتذر ابن سناء الملك بأنه إنما اتبع في ذلك ابن المعتز، وان طريقته في الشعر هي طريقته، وأن طبعه لم يستطع أن يجاري البحتري لتفوقه الكبير، وانه نبا عن شعر أبي تمام إذ يكثر من مثل " سلم على الربع من سلمى بذي سلم "، فأجابه القاضي الفاضل بقوله: " ولا حجة للقاضي السعيد فيما أحتج به في الصواب فقط " وأحاله على كتاب العمدة لابن رشيق ليعرف المآخذ التي تورط فيها ابن المعتز، ولم تعجبه وقفته من الطائيين: " وقد تعصب القاضي السعيد على أبي تمام فنقصه وحطه، وللبحري فأعطاه أكثر من حقه، وما أنصفهما " (٣) .
следующие страницы →