← Адаб

Адаб · id 1015

تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)

إحسان عباس

Полный текст (321 стр.). Показаны 316–321 · переход к 321.

стр. 316

والسواحل، إلى أن رأينا البحر يسير إلينا وتسير إليه، ويعلو علينا تارة ونعلو عليه، تلعب بنا أمواجه وتبعد عنا أحناؤه وأضواجه، إلى ان ساخت في البحر سوخا، وبقينا نبوخ في الماء بوخا، فسبحنا سبحا طويلا، واستفدنا جلدا وحويلا، إلى أن خرجنا إلى جزيرة عريضة، ذات مرابع خصيبة وأرض أريضة؟.. واستيقظنا من تلك الغمرات، وصحونا من تلك السكرات، فعلمنا انه حيوان بحري أصحر ثم أبحر ". وبعد ذلك يصف كيف هبط فوقهم شيء كأنه السحابة الظليلة، وظهر لهم شيخ فأخبرهم ان ما ركبوه هو سلحفاة البحر " سبحان من قضى لكم بالنجاة، ووازى بكم أرض البجاة " وأن السحابة الظليلة ليست سوى فرخ العنقاء، وان الشيخ شهده وهو فرخ صغير توفيت أمه فزقه بيده وتقديرا من ابن العنقاء لهذه التربية فانه يزور الشيخ في كل شهر " فكم جلب إلي من ماء النيل وخصني من ماء دجلة والفرات بكل عذب فرات، وحباني من سيحان وجيحان بكل رزق طيب وريحان " ثم قال لهم الشيخ: " ابشروا بالنجاة والفوز والخلوص إلى البر؟ يا بني إذا سكن وجشم ووكن فتدرجوا على ذناباه، إذا أسبله، وإياكم وإياه إن أقبله، ثم صعدوا على زمكاه إلى فقارة، وتحفظوا من عطفة منقاره وسورة وقاره، ثم اعلقوا بأطراف ذلك الريش، وكونوا من كتده على عريش، حتى تنفذوا كالسهم المريش، فانه سيقع بكم على أباطح وسهوب؟ " وهكذا طار بهم ابن العنقاء وألقى بهم في رياض مونقة عرفوا من بعد أنها من أرياف النيل وشطوطه. وفي هذه المقامة التي تعتمد على المغامرات البحرية ما يذكر بقصة النندباد، ولعلها كانت قد عرفت بالأندلس. وهنا يجب ان نتذكر البيئة البحرية عامة في قصص الرحالة الاندلسيين، ثم كيف تمثل طرف منها في قصة حي بن يقظان، وربما كان لقصة الفتية المغررين أثر في هذه

стр. 317

التصورات نفسها. وهذا موضوع منفرد يحتاج ان يدرس على ضوء الرحلات البحرية الأندلسية والأساطير التي بلغت الأندلسيين عن رحلات المشارقة أنفسهم. ومن الطريف أن يتأمل القارئ ما كان يدور في خيال السرقسطي كلما جعل الهند أو غزنة مكان الأحداث في مقامته. ففي السادسة عشرة وهي المثلثة جعل طريقه بعد ذلك إلى بيت فيه لعب وقمار. وفي مقامته السابعة والأربعين حين كان المسرح هو جزائر الهند اختار ان يكون السهر مع الجواري ومجلس الغناء هو " المصيدة " التي ينصبها أبو حبيب لصاحبه السائب. ولعل أهم مقاماته في تصوير جانب العيوب الاجتماعية مقامتان هما مقامة الدب وفيها يصور الشيخ أبا حبيب يتكسب من ترقيص دب له، وأناس مجتمعون من حوله، والمقامة التاسعة والاربعون، وفيها يصوره وهو قد انتحل مهنة الطب والعرافة معا، فهو يداوي فتى معه يظهر المرض وشقه مائل والزبد من فمه سائل، بالعزائم، ويقول مخاطبا الجن: " يا مارد سهمك صارد، يا مريد ماذا تريد، ما أطغاك ما اعصاك، ما ابعدك عن الخير وأقصاك، اخرج يا واغل، فانك شاغل، أبعد يا خاتل، فانك قاتل ". ثم ينادي على سلعته معلنا مهارته وحذقه: " أيها عندي في هذا الشأن سراير، وخبايا من الحكمة وضراير، أخذتها عن العلماء، ولقنتها من الحكماء، أين من شكا من هذه الاعراض؟ أين من رمي من هذه الأغراض؟ أين من لحقته آفة؟ أين من برحت به علاقة أو شأفة؟ أين من خامرته الأشواق والوساوس؟ ولعبت به الأجراس والوساوس. أين من سحره ساحر؟ أو دحره داحر؟ اين من لقعته عين أو رهقه دين؟ علي الضمان وأنا

стр. 318

الزعيم، وله النعيم ". وربما لم تنفرد المقامات السرقسطية بشيء كثير من التجديد، ولكنها لا تخلو من التفرد الجزئي إذا قورنت بالمقامات المشرقية. ٩ - مقامتان لمحارب بن محمد بن محارب الوادي آشي: لم تصلنا مقامته في القاضي عياض، وانما وصلتنا واحدة كتب بها إلى القائد عبد الله بن ميمون، وبطلها اسمه " فتح بن ميسور " ومكانها مدينة صور، والشخص الثاني فيها يدعى " ابن منصور " وهو شاب فصيح جميل نشأت بينه وبين فتح ميسور علاقة صداقة، ثم حكم الدهر بفراقهما، فإذا ابن ميسور يبلغ مدينة سلا، ثم تشوق إلى اللحاق بمدينة المرية، وفي سفره إليها مر بمدينة سبتة وقد هجر " طاغوت الصبا وجبته "، وظل يغذ السير حتى وصل وادي آش فرأى لحسن فيها " مقر إيراد وإصدار، وجمال قطر لا يجري على مقدار بلد حيثما توجهت منه ... قابلت الحسان من كل دار " وبينما هو يرتاح تحت شجرة توت إذا براكب معتم ملثم " جليل له همة تجله، قليل على ظهر المطية ظله "، وتحته فرس حسنة القد مصقولة الأديم، " مصفرة في لون العرجون القديم "، وينتهز محارب هذه الفرصة للاسترسال في وصف الفرس والصقر الذي مع الفارس؛ فوقف فتح يتعرف إلى الفتى ثم يذهب يماشيه مأخوذا بحسن حديثه، ولكنهما ما كادا يبتعدان قليلا في المسير حتى أمطرت السماء، وعندما بلغا مكانا يعرجان عليه عرجا نحو خيمة من الخيام وصلاها والناس نيام، فرحب بهما صاحب

стр. 319

الخيمة وقال " مرحبا بالسراة السراة، وبالوجوه الوجوه، انزلوا في رحب وسعة " وعندئذ أخذ فتح بسائل عن زعيم المحلة حتى عرف انه القائد الأجا أبو عبد الله بن ميمون " سيف هذه الملة، وحتف الطائفة الضالة المضلة " وسأل الرجل عنه فوصفه له واثنى عليه: " إن حابى فكرم للمال مبير، أو احتبى فيلملم أو ثبير "، ولما وصف الرجل بعض حليته وأدواته سأل فتح أن يصف له بعض غزواته فوصف له قدرته في الغزو البحري. فلما انتهى من وصفه ذكرته بلاغته ببلاغة صاحبه سعد ابن منصور " فحذر القناع عن صبح متلثم، ونطق غير لكن ولا تلعثم، فشممت رياه، وشمته فإذا هو إياه، وقلت: سعد؛ قال: سعد جمعتنا الليالي على غير وعد، والأمر لله من قبل ومن بعد ". وواضح أن الغية من المقامة هو مدح القائد ابن ميمون وذكر شجاعته في الحروب البحرية، والإطار الخارجي من فراق الصديقين ولقائهما يبدو مصطنعا غير ملائم، لأن اتخاذ صور مكانا لأول لقاء ثم تعريف الرجل المشرقي وهو الصوري بقائد مغربي يبدو واضح الافتعال. ولكن المقامة من أخف المقامات أسلوبا وألطفها عبارة. ١٠ - المقامة الدوحية أو العياضية الغزلية: يتصل منشئها أبو عبد الله محمد بن عياض اللبلي بصدر دولة الموحدين فهو لاحق بأواخر هذا العصر الذي نتحدث عنه. وأولها: " قال ميزان الأشواق، ومعيار المحبين والعشاق، نبت بي معاهد الاحباب، في ريعان الشباب، لقينة أذكت نيرانها، وألقت بمسقط الرأس جرانها، فامتطيت الليل طرفا، ومزقت السنان طرفا ". ويصف اللبلي تنقله محمولا على جناح القلق منحدرا أو صاعدا وكان يكلف " بالبلدة الحمراء " لما عرف من طيبها وخصبها

стр. 320

فأوصله إليها حادي الاغتراب. ومن شعره في المقامة: عربد بالهجر والعتاب ... نشوان من خمرة الشباب طغا على ريقه حباب ... فاحتجت الخمر بالحباب وهذه هي القصة التي احتفظ بها ابن سعيد من هذه المقامة. المقامات الأندلسية في العصور التالية: ذكرنا عددا من المقامات التي ظهرت في العصور التالية من الأدب الأندلسي ولكن أكثرها لم يصلنا، وقد وصلنا بعض ما ألفه لسان الدين ابن الخطيب والمقامات النخلية للنباهي ومقامة تسريح النصال للزجال ومقامة العيد للأزدي، وليس فيها ما يشير إلى تطور ما في طبيعة المقامة أو موضوعها، فقد كانت مقامات لسان الدين في الاكثر تدور حول الرحلات ووصف البلدان، وكانت مقامات النباهي بالمفاخرة بين الكرمة والنخلة. أما تسريح النصال فان الشعر أغلب عليها من النثر وهي هزلية في طابعها وأما مقامته في أمر الوباء فالخطاب فيها موجه إلى " حمراء الملك " والمقامة احتجاج عليها لأنها تبقي السلطان في مكان قد فشا فيه الوبأ، مع أنه كان يفضل الانتقال إلى مالقة. وتعتمد مقامة العيد للأزدى على الكدية والحيلة، وهي من خير المقامات تصويرا للبيئة الشعبية الغرناطية في عصر لسان الدين بن الخطيب. ومهما يكن من أمر المقامة واعتمادها على المحاكاة والتقليد فقد اصطبغ بعضها باللون المحلي وكان لها أثر في أدب يهود أسبانيا وربما كان لها أثر في الأدب الأسباني نفسه (١) .

стр. 321

خاتمة حاولت في الصفحات السابقة أن أرسم الصورة التي بلغها الأدب الأندلسي في تطوره، أثناء عصر ملوك الطوائف ودولة المرابطين، فبعد مقدمات تنعكس ظلالها على الحياة الأدبية، درست تطور الأدب في ناحيتي الشكل والموضوع. ثم أفردت فصولا لكل من الموشحات والأزجال وضروب النثر في ذلك العصر. ولعلني بعد استقصاء الآثار الأدبية، من شعر ونثر، لأهم أدباء تلك الفترة أستطيع أن أخصص لكل منهم دراسة خاصة على حدة، والله الموفق.