أخلفنا الغيث الهطال، ولا رفعت علينا من الرعب جبال، لا تظهر ولا تطال، ولا غير الله نعمنا، ولا خذلنا ولا أسلمنا، إلا لما عهد إلينا وأعلمنا، إذ يقول سبحانه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ".
وأما تأثره بابي العلاء فيتجلى في معارضته لملقى السبيل، وهو من رسائل المعري التي راوح فيها القول بين النثر والشعر، وجعلها مرتبة على الحروف الأبجدية ومن قول ابن أبي الخصال في بعض أجزائها (١) :
(حرف الراء) .
الحازم إذا ورد صدر، وإذا رأى فرصة ابتدر، لا يعاف الكدر، ولا يسخط القدر، ويعفو إن قدر: [خمس سجعات تتلوها خمسة أبيات]
لله من لم تنم حزامته ... مهما يرد في ملمة صدرا
إذا رأى فرصة قد ابتدرت ... قام لها في الركاب وابتدرا
وليس شيء إليه من كرم ... أحب من عفوه إذا قدرا
يؤثر بالصفو ذا مودته ... عن طيب نفس ويشرب الكدرا
إن جر ما لا يريده قدر ... أبدى رضاه وأكرم القدرا ٣ - الرسائل:
الرسالة من حيث غايتها قسمان: قسم فكري، أي غايته محاكمة الأشياء أو التأمل في بعض المشكلات دون التفات كبير إلى أسلوب بياني معين، ومن هذا النوع رسائل ابن باجة الفلسفية ورسالة " الحدائق "
стр. 282
لبن السيد البطليموسي، ورسالته المسماة " الانتصار " التي رد فيها على ابن العربي الفقيه حين تعقب أخطاءه في شرح سقط الزند، ومنها رسائل ابن حزم في الردود على مخالفيه، ورسالة لابن أرقم رد فيها على ما انتقده ابن سيده (١) ؛ وقسم بياني المنزع أي الغاية الأولى منه إظهار البراعة الأسلوبية، أو قل أن الاستقلال بالأسلوب فيه واضح المعالم، وقد يجتمع القسمان معا، إلا أن الفئة الثانية من الرسائل هي التي ستكون موضع الشاهد في هذه الدراسة.
أ - رسائل تنتحل شكل المناظرة:
يمكن أن نجد لها أصولاً في النثر المشرقي، ومن أمثلتها " رسالة السيف والقلم " (٢) لابن برد الأصغر وقد أجرى هذا الكاتب بينهما حوارا شديدا قاسيا يدخل في باب التساب والتهاجي والتبكيت، من مثل:
" فقال السيف: يا الله! استنت الفصال حتى القرعى، ورب صلف تحت الراعدة! لقد تحاول امتدادا بباع قصيرة، وانتفاضا بجناح كسيرة. أمستعرب والفلس ثمنك، ومستجلب وكل بقعة وطنك!! ".
" فقال القلم: من ساء سمعا ساء جابة، أستعيذ بالله من خطل أرعيت فيه سوامك، وزلل افتتحت به كلامك، أن ازدراءك بتمكن وجداني وبخس أثماني، لنقص في طباعك، وقصر في باعك، الا وان الذهب معدنه في العفر،
стр. 283
وهو انفس الجواهر، والنار مكمنها في الحجر وهي إحدى العناصر.. ".
ويشتد بينهما الجدال كثيرا، ولكنا نرى فاتحة الرسالة وخاتمتها إيمان الكاتب بقيمة كل منهما، فهما جوادان أو سهمان أو زهرتان من كمامة أو بارقتان توضحتا من غمامة وان المنافسة غير مستغربة منها، ولذلك تراهما بعد العنف الشديد يبادران إلى السلم يعتقدان لواءها، وإلى المؤالفة يردان ماءها، " وقالا إن تعششت أهواؤنا وتتفرق آراؤنا وقد جمعنا الله في المألف الكريم، واحلنا بمحل غير ذميم ". ولا ريب في أن هذه الرسالة مستمدة من واقع الحال في دولة الطوائف، وقد كتبها ابن برد في ظل الموفق أبي الجيش مجاهد العامري، وبما ان الجند هم عماد ملوك الطوائف، فقد تأخرت مرتبة أصحاب الأقلام لديهم، ومن هنا نلمح كيف يحاول ابن برد - وهو من أصحاب الأقلام - أن يدعو إلى التسوية بين الفريقين، مع ان الحوار الذي يجري يقوم على الحدة وقوة الهجوم المتبادل. فالتسوية إذن حلم من أحلام أصحاب القلم في دول تقوم علاقاتها الداخلية والخارجية على قوة الجند وحسن استعداهم وفي هذا المقام يمكننا أن نستأنس بآراء أندلسي من كتاب النظم وذلك هو الطرطوشي أبو بكر صاحب " سراج الملوك "، فانه لم يتحدث عن قيمة الكتاب في الدولة، ولكنه عقد في كتاب فصلا خصصه للحديث عن سيرة السلطان مع الجنود فقال (١) : " اعلم ان الجند عدد الملك وحصونه، ومعاقله وأوتاده، وهم حماة البيضة والذابون عن الحرمة، وهم جفن الثغور، وحراس الأبواب، والعدة للحوادث ". وقال في
стр. 284
موضع آخر من كتابه (١) : " أيها الجند! أقلوا الخلاف على الأمراء، فلا ظفر مع الخلاف ولا جماعة لمن اختلف عليه ".
ومن الرسائل التي تعتمد المناظرة ما كتب على ألسنة الأزهار، وأصوله مشرقية كذلك. ومن أمثلة تلك الرسائل رسالة ابن برد الأصغر في تفضيل الورد (٢) ورسالة حبيب الحميري في تفضيل البهار (٣) ولأبي عمر الباجي رسالة على لسان البهار (٤) ، كما أن لابن حسداي رسالة على لسان النرجس (٥) .
وتعتمد رسالة ابن برد على مقدمة يشرح فيها الناطق باسم الأزهار جمال كل نوع منها، ثم يذكر المجتمعين ان فيهم من يستحق الرياسة وهو " الورد "، وقام كل نور حضر ذلك المجلس فأدى شهادته.
فقال النرجس الأصفر: " والذي مهد لي حجر الثرى وأرضعني ثدي الحيا لقد جئت بها من لبة الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسر من التبعد له والشغف به والأسف على تعاقب الموت والرجعة دون لقائه، ما أنحل جسمي ومكن سقمي، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى فقد خف ثقل البلوى ".
ثم قام البنفسج وقال: " على الخبير شقطت، أنا والله المتعبد له، الداعي إليه، المشغوف به كلفا، المغضوض بيد النأي أسفا، وكفى ما بوجهي من ندب، وبجسمي من عدم نهوض، ولكن في التأسي بك، وفي الاستواء معك وحدان سلو ".
стр. 285
وبعد أن تتابع الخطباء، كتب الجميع كتابا بتفضيل الورد، ووضعوا فيه شهادتهم شعرا.
وقد جاء حبيب الحميري فاستعار الطريقة والسياق، وأربى على ابن برد بالإضافة والاطناب، أما ابن حسداي فلم يورد منظر الحوار في رسالته بين النرجس والأزهار الأخرى، وإنما جعل الحوار بينه وبين أحد الناس من خواص المقتدر بن هود، وذلك ان النرجس كان زاهيا بنفسه شاعرا بحسنه، فمر به ظريف من خواص الأمير، فقطف النرجس وحاوره قائلا:
" يا أيها الزهر الفارد، والنوار الشارد، الساحر بحدقه وأجفانه، الباهر بورقه وعقيانه، ما لي أرى قضبك غبراء ذابلة، ومنابتك شعثاء ناحلة ".
ولا ندري بم رد النرجس على هذا الظريف لأن ابن بسام لم يورد الرسالة كاملة وانما ندري ان النرجس عاد يفتخر بذاته ويقول:
" فليت الرياض تعلم بمكاني فتذبل كمدا، وتذوي حسدا، وتراني وقد أنرت في افقك البهيج، وزهرت في روضك الأريج، فأزل عني حسدهم بكبتهم، فقد شجاهم تقدمي قبل وقتهم ".
ويتضح من هذه الرسالة أن غا؟؟؟؟. غاية ابن برد من رسائله الزهريات القائمة على؟؟؟؟ بالنرجس إلى النديم المخلص أو الصديق الوفي الذي؟؟؟؟.له خيرا في ظل الأمير صاحبه. أما ابن برد فانه مشغول؟؟؟. بالحال السياسية في بلاط مجاهد العامري، فإذا أقام مناظرة بين السيف والقلم، سعى إلى التسوية بين الكتاب والجند، وهو يضمر ميلا خفيا إلى طبقة الكتاب
стр. 286
لأنه منهم، وإذا تحدث بالتسليم المطلق عن رياسة الورد وإقرار الأزهار له بذلك، فإنما يرمي إلى الإيماء بأن صاحبه متفرد بين الرؤساء تفرد الورد بين النوار، وأن هذا التفرد يجب أن يؤخذ بالتسليم الكامل، اعترافا بالحق كما اعترفت الأزهار دون تردد أو حقد بزعامة الورد، فإذا كان لا يرمز إلى صاحبه فلعله أن يكون قد رمز بذلك إلى ما يتمناه لنفسه من تسليم الكتاب له بالتقدم عليهم جميعا. ثمة إشارة ربما لم يقصدها ابن برد، وهي أن مجلس الجماعة في الأندلس ظل يعمل مثلما كان يعمل من قبل، ولكنه أصبح صوريا لا يملك المناقشة وإنما يبادر إلى التسليم.
أما حبيب الحميري فانه حين فضل البهار مناقضة لابن برد، لم يلحظ سوى الشكل الأدبي الذي يريد إظهار براعته من خلاله. وقد ذهب أبو عمر الباجي إلى تفضيل البهار أيضا في رسالة كتبها إلى المقتدر بن هود، وهي في جملتها تذكير بالذات، والتميز على الاقران، والتخلص من حسد الحاسدين، وفيها يقول:
" أطال الله بقاء المقتدر مولاي وسيدي، ومعلي حالي ومقيم أودي، وأعاذني من خيبة االعناء، وعصمني من إخفاق الرجاء، ولا أشمت عدوا من الرياض يناصبني، وحاسدا من النواور يراقبني، وقد علم الورد موقع إمارتي، وغني بلطف إيمائي عن عبارتي، وأنها تحية الزهر حياك بها، وخبيئة الدهر ذخرها لك وأهلك لها، وقد أتيت في أواني، وحضرت وغاب أقراني، ولم أخل من خدمتك رتبتي ومكاني ".
ولا بأس من أن نرى رمزا كالذي رأيناه في رسالة النرجس لابن حسداي، ولكني لا أتشدد في تعيين طبيعة هذا الرمز حقا، لأن
стр. 287
الصلة بين هذه الرسائل وبين الجو الزمني والتاريخي الدقيق الذي أنشئت فيه لم تحدد، ولو قال أحد النقاد إن هذه الرسائل تمثل تنافس الجواري لاجتياز قلب أحد الأمراء، لما كان قوله هذا خطأ.
وإذا شئنا أن نتصور رأي الأندلسيين أنفسهم في هذه الرسائل، فيحسن ان نرجع إلى رسالة الباجي هذه، إذ كانت في نظر كاتب قدير مثل ابن الحناط نموذجا بلاغيا رفيعا، وله فيها فصل قال فيه: وبعثت إليك برسالة الوزير الكاتب أبي عمر الباجي في البهار؟ منقولة بخطي على اختلاله واختلاف أشكاله - إلا أن الرسالة، وموضعها من البلاغة والجزالة، يغطي على قماءة خطي، ودناءة ضبطي، فاجتلها؟ أعزك الله - عروس فكر، لحظها خير، ولفظها سحر، ومعناها بديع، ومنتماها رفيع " (١) .
وما دام الحديث عن رسائل المناظرة قد وقف بنا عند فكرة الرمز في هذه الرسائل فتستميح القارئ عذرا في الاستطراد قليلا للإجابة على السؤال التالي: هل نستطيع أن نتخذ من أنواع أخرى من الرسائل رموزا لأمور أبعد من ظاهرها؟ وخاصة في تلك الموضوعات الصغيرة التي يتصدى الكتاب لمعالجتها في أسلوب جاد ملحمي؟
وإنما الذي أثار هذا السؤال نوع من الرسائل نجد أنموذجه في رسالة كتبها أبو الربيع سليمان بن احمد القضاعي وخاطب بها يوسف بن حسداي الاسلامي، وقد طلب منه آلة نجار خدم عنده، فوجه بها حاشا الميشار (٢) .
وفيها يقول:
" وقد أنكرت أشد الإنكار، بجلك بالميشار، وأعملت
стр. 288
الفكرة في النظر إلى بعض مراميك، والبحث عن غموض معانيك، فلاحت لي درية مرماك، وأشرفت مطلا على مغزاك، وجدست بعد تسديد سهام التوهم، ورميت عن قسي التفهم، ان علة ضنانك به من اجل ما مر ببالك ذكر الشجرة التي أشرت وفيها يحيى بن زكريا ﵇، فتحرجت ان تخرج من حريمك آلة، كانت سببا إلى حدث مشؤوم، بسفك دم نبي كريم ".
فالقضاعي هنا يعرض بابن حسداي لأنه كان؟ قبل إسلامه - يهوديا ويمضي في التعريض بقوله: أن الخشبة التي كان يريد ان ينشرها ليس فيها يحيى، وإنما فيها الأرضة التي أكلت منساة سليمان [لاحظ أيضاً أن الكاتب اسمه سليمان] ثم يذكره ان من بخل بالتافه اليسير فقد ارتكب أسوأ بخل، وربما تآلفت الأضداد، وتشتت الأنداد، وأفادت غير المطلوب، وحالت دون المرغوب: " ألم تر إلى موسى ﵇ كيف أقبس نارا فاقتبس أنوارا، ووافد البراجم: كيف شم القتار وأم قدما إلى النار؟ ". ثم يتهكم القضاعي بحظوظ الكتاب، ويسخر ممن يحتلون المناصب منهم، وهم غير أهل لها، فيقول: " وألم تعاين الكتابة - التي أنت قطبها، وهي أجل صناعة - ربما عدل بها عن نبلاء المحسنين إلى الدخلاء الأميين الذين لا يعملون الكتاب إلا أماني ". [وقوله من الدخلاء، وقوله لا يعلمون الكتاب إلا أماني غمز شديد، فالآية القرآنية منصرفة إلى أهل الكتاب أنفسهم.] ثم يعيب كتاب زمانه بأنهم يستعملون المعاني المتبذلة السوقية والألفاظ الرذلة العامية التي يعافها الخاصي لسفلتها ويجتنبها العامي لخلاقتها، ويشبه أولئك الكتاب بأنهم " يرقعون خيش الصوفية برقيق البرود المرسية ".
стр. 289
وبعد ذلك ينتقل القضاعي إلى وجهة أخرى من الهزل والتهكم، فيصور قيمته الميشار؟ على نحو جاحظي - ويخطئ من يحقره، قائلا:
" وهو من الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس، وهو من إرهافه ورقة غراره واضطراب متنه مناسب لحسام الكمي البطل، وحامله غير أعزل، وان شئت استمجدت منه زنادا، أو شفارا حدادا، ومن بديع أعاجيبه أن المدى إن لم تكن مفلولة فهي أبرئ، والميشار لا يحسن قضبه، حتى يفلل غربه، ومن آلات الميشار عصاه التي تثقفه أن ينآد، وتسدده إذا حاد ".
لا نستطيع أن تقول إن هذا الضرب من الرسائل ذو عمق رمزي، وإنما هو يمثل تفننا في ضروب السخرية، ويتوصل به الكاتب إلى أغراضه عن طريق اختياره لموضوع صغير، يحمله ما شاء من نظراته ولمزاته.
ب - الزرزوريات:
أصل هذا النوع من الرسائل استثارة لفظية عابرة طورها الكتاب لإبراز البراعة في التفكه والسخرية. وأول مبتدئ لها الكاتب الوزير أبو الحسين بن سراج (١) فانه خاطب بعض أهل العصر برسالة يشفع فيها لرجل يعرف بالزريزير، يقول في فصل منها:
" كتبت أحرفي والود صقيل الوذائل، مطول الخمائل، جميل البكور والاصائل، والله تعالى يزيد أزهاره وضوحا، وأطياره صدوحا، وظباءه تيامنا وسنوحا؛؟. يصل به، وصل الله علوك، وكبت عدوك، شخص من الطيور، يعرف بالزريزير، أقام لدينا أيام التحسير، وزمان
стр. 290
التبلغ بالشكير، فلما وافى ريشه، ونبت بأفراخه عشوشة، أزمع عنا قطوعا، وعلى ذلك الأفق اللدن تدليا ووقوعا، رجاء أن يلقى في تلك البساتين معمرا. وعلى تلك الغصون حبا وثمرا ".
أدار ابن سراج رسالته كلها على أن المتحدث عنه زرزور، واستعار المصطلح المتصل بالطيور من تحسير وشكير وريش وفرخ وعش وقطوع؟ الخ؛ وأعجبت الرسالة أدباء الأندلس بطريقة ما فيها من إيماء واستعارات، فعارضها أبو القاسم ابن الجد (١) برسالة أقامها على ضروب مختلفة من التلاعب، ومنها:
" لئن سمي زريزير، لقد صغر للتكبير، كما قال حريقيص، وسقط يحرق الحرج؛ ودويهية، وهي تلتهم الأرواح والمهج. ومعلوم أن هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور في فهم التلقين، وحسن اليقين، فإذا علم الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطق لسانه بالقبيح، ثم تراه يقوم كالنصيح، ويدعو إلى الخير بلسان فصيح، فمن أحب الاتعاظ، لقي منه قس إياد بعكاظ، أو مال إلى سماع البسيط والشديد، وجد عنده نخب الموصلي للرشيد ".
وكتب ابن الجد رسالتين أخريين في الموضوع نفسه، ووجه الكلام في واحدة إلى العتاب، وعاد في الثانية إلى معنى الشفاعة. وعرضت بعض تلك الرسائل على الكاتب أبي بكر عبد العزيز بن سعيد البطليموسي (٢) فعارضها برقعة قال فيها:
" ويصل به، وصل الله سعودك، من الطير نطاق،
стр. 291
من غير ذوات الأطواق، يميس من المسك في حبرة أو طاق، صغروه على جهة التعجب والإشفاق، كما صغر سهيل وذؤيب وهذيل، وقيل العذيق والجذيل، وكما صغروا العذيب، وقال عمر (رض) أخاف على هذا العريب، وكقولهم يا سميراء، وقوله ﵇ لعائشة يا حميراء؟. أقام عندنا زمانا، لا يتألف إلا رندا وبانا، ولا يلتقط إلا عنايا أو سيسبانا، يتدرج في البساتين، يتطلب العنب المنتقى والتين ".
ومع أن المعارضة لا تخلو من قصور، فان كل واحد من هؤلاء الكتاب حاول أن يتفنن على طريقته مازجا تفننه بالتهكم، حتى إذا بلغ هذا الموضوع إلى ابن أبي الخصال نقله من الرسالة إلى الخطبة، وأطال في صدر كلامه التحميدات والأدعية (١) ، وحاول شيئا من التجديد يناسب هذه الفاتحة الجادة، فذهب إلى أن الزرزور كبرت سنة وأحب أن يتخلى عن هذا اللقب الذي لم يعد لائقا به، فأفقد الموضوع روح الهزل التي توفرت لدي من تقدمه:
" وما أقبح بمن جاوز الستين، وأوهنت الأيام حبل عمره المتين، وقطعت أو كادت منه الوتين، أن يوسم على ساعة من الكبر بزور، أو يلقب بزرزور، ولا سيما من أدرج القرآن بين جنبيه، وأرهفت الحكم من جانبيه، وشهد كل نادي خير، وأنصت له الجلة كأن على رءوسهم الطير ".
ويقترح؟ وهنا موطن لسخرية من نوع حديد - أن ينتحل لقب " الهدهد " لفضائل في هذا الطير الذي كان رسول سليمان، وأخبره بأمر
стр. 292
سبأ، واستنكر عبادتهم للشمس، ثم ينشد في ذلك قصيدة ويشفعها بقوله:
" قد رتلت ورجعت، وترنمت وسجعت، وهدرت وهدلت، وولولت وعندلت، وقصدت وجرت، وحول هذا درت، وتلونت ألوانا، ودونت من مفاخركم ومآثركم ديوانا، ونفست في المآتم والاتراح، وأنست في المكارم والأفراح ".
ومعنى هذا أن ابن أبي الخصال، افتتح موضوعه بخطبة دينية وانتهى به إلى مقامة وجعل " الهدهد " الجديد صورة من بطل المقامات. ومرة أخرى تناول هذا الكاتب موضوع الزرزور (١) ، على نموذج الخطبة الدينية، وأطال في الأدعية والتحميدات ولم يحاول أن ينفي التسمية وإنما وصف الزرزور وعدد مآثره:
" فهو منمنم الدواج، بديع الائتلاف والازدواج، يباسطهم البعيد والقريب، ويطارحكم المستعمل والغريب، يلقط الإحسان حبا، ويضمره حبا، ويلفظه لؤلؤا رطبا، لا جرم أنه سابق الحبشة، والمصلي بعد أنجشة، يحدو القلوب إلى تقاها، وينفث على الذنوب رقاها، ويكحل العيون بألذ من كراها، ويسري إلى الأرواح بألطف من سراها،؟.. وإن أنطقني نوالكم نطقت، وأن صدقني إحسانكم صدقت ".
ثم ينشد الزرزور قصيدة، متحدثا عن الجود والفضل، مستثيرا الهمم إلى ذلك، ويشفع القصيدة بثانية وثالثة ورابعة، وفيما بين ذلك يهزمهم إلى الجود وإلى ان يقرضوا الله قرضا حسنا: " ومثلكم جعل
стр. 293
المعروف نقدا، وتابعه سردا ".
تحول ابن أبي الخصال بالموضوع، فأصبح المتحدث فيه هو الزرزور نفسه، وليس شخصا يحتاج شفاعة وتوصية، وإذا هذا المتحدث حين يكلم الناس عن توبته أو يستشيرهم إلى السخاء من أجله، وينال نقودهم عن طريق الوعظ صورة لبطل المقاومة، وهو أيضا ذلك البطل نفسه حين يمزح بين النثر والشعر في نطاق واحد معلنا عن مهارته في هاتين الناحيتين.
ج - رسائل في وصف الرحلات:
التقت الرسالة والمقامة على إظهار هذا اللون الأدبي أي أصبحت كلتاهما قصة طواف ينتقل فيه الأديب من مدينة إلى مدينة ومن حوزة أمير إلى حوزة أمير آخر. ومن خير المقامات تمثيلا لقصة الرحلة مقامة أبي حفص عمر بن الشهيد؟ وستجيء في موضعها - أما الرسائل فتمثلها رسائل لأبي عبد الله محمد بن مسلم سماها " طي المراحل " وخاطب بها ابن أغلب صاحب ميورقة (١) . وهي تشير إلى ذلك القلق الذي كان يحمل صاحبه على مغادرة الوطن، فيطرق أبواب المدن واحدة بعد أخرى. وابن مسلم يصور في هذه الرسائل كيف حملته الأسفار المرهقة سنوات وسنوات: " فجئنا فلانة [يكني عن إحدى المدن] وقد سد بابها، ونام بوابها، والسيل قد طمى، يحمل غثاء أحوى، فلم نشك في أن نفوسنا ذائقة الموت، حتى إذا بلغت النفس التراق، وقيل من راق، وأشعر صاحب الحصن بمكاني، وقص عليه شاني، فأمر بفتح باب المدينة، وآواني إلى دار حصينة، وتقدم بالضرام فأجج،
стр. 294
وبالطعام فروج، وبالمدام فشب وأسرج، وقلنا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وكفانا المحن. "
ثم يصف كيف لجأ إلى مدينة المرية، ولقي المعتصم بن صمادح، فرحب به وحاول ان ينزله عنده على الإكرام فأعلمه انه ماض لعليته ويتصدى ابن مسلم في رسالته لوصف الطبيعة وجمالها حيث يحل، كما يصور جانبا من ترف الحياة الاجتماعية عند من كان ينزل بهم من الأثرياء، إذ يطاف عليهم بصحاف من فضة، وجفان كالجواب أترعت من كل أرب، ويتوضأون بطساس من التبر وأباريق رصعت بالدر، ويقول في بعض تلك الفصول:
" وطلعت منها شجرة مباركة النوى، أصلها ثابت وفرعها في السما، صبغ عودها من الحلي المنيل، وقام عمودها كالأنبوب السقي المديل، والتقت أفنانها التقاء الصعدة بالصعدة، فبينا نحن نعجب من شأنها، ونستغرب مناظر زهرها وأفنانها، إذ سطع من جرثومتها دري المجمر، وارتفع من خلال ملبسها غبار العرف المعطر؛ من دون أن يبدو إلى العيان نارها، وتعلم أن توقد هنديها وغارها، فقلت: تبارك الله كيف تحرق نار خامدة، وتورق أشجار نحسها جامدة ".
ويصف كذلك مجالس الغناء والشراب وطرفا من حياته التي قضاها في ظل المظفر أبي مناد صاحب غرناطة ويسرف في وصف مجالس الخمر، ويتحدث عن شتاء قارس أدركه عند خروجه من غرناطة، فعرج على الحاجب سيف الدولة أبي الفتوح، ووصف حسن تلقيه له، وهو في أثناء ذلك يورد بين القطع الوصفية نصوص رسائله التي كان يبعث بها إلى الوزارة، ثم يصف كيف توجه إلى حضرة المعتضد بن عباد باشبيلية
стр. 295
وعرج قبل ذلك على قرطبة، ومن المفيد ان نتصور معه كيف كانت تلك المدينة العامرة قد حالت بها الحال:
" إلا أنها كرداح مستها زمانة، ورعلة أدركتها من السن مهانة، لم يبق فيها إلا رسوم من الحسن، كإنشاء الطرف وان مالت أجفان، وخطوط من الجمال كاعتدال الأنف وان سقطت اسنان، لكنها لم تفارق عطرها، وان كانت بعد عروس، ولا تركت بزها، وان لم تطمع بمسيس، ولا دنست أثوابها وان كانت أسمالاً، ولا عقت شبابها وان تجاوزت اكتهالا؟.. ووقفت بالقصر المرواني، وطفت على المصنع القحطاني، وانتبذت إلى المتنزه العبد الرحماني، فإذا الثلاث الأثافي والديار البلاقع، فأخذت بالشبه في ديار ثمود، اسكب الدموع وأمجد المعبود، فقيل ها هنا كانت قصورهم، وهنالك هي قبورهم، قد صارت مفاصلهم ترابا، ومساكنهم يبابا ".
وهذا القطعة تعد من تلك الوقفات الباكيات التي أثارها زوال العمران الأموي واندثار المجد العربي بقرطبة بسبب الفتنة البربرية. وقد وقف ابن مسلم عند جامع قرطبة، فصور عظمة بنيانه وزخارفه، وهكذا إلى أن بلغته رحلته حضرة المعتضد باشبيلية فأنزله على الإكرام والقبول والبشاشة وزوده بالتحف والهدايا.
وقد أثر الاهتمام بالناحية البيانية في طبيعة هذه الرسائل فحرمها من تصوير دقيق لحياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية وطرق معايشتهم.
والرحلة؟ في داخل الأندلس وخارجها - كانت مصدر أدب غزير طوال القرون، وكان الشوق إلى الرحلة مثيرا لفن من الترسل طريف؛ وإذ كانت رحلات الأندلسيين تحملهم في الغالب إلى الديار المقدسة فقد رأى بعض المتدينين الذين لا تسعفهم حالهم على السفر شيئا من
стр. 296
التعزية المفعمة بالأشواق إذا هم بعثوا برسائلهم إلى الرسول الكريم نفسه مع الذين يشدون الرحال إلى قبره الطاهر. ويستوي في هذا شوق من صدر عن الحجاز وهو يحب المعاودة، وشوق من لم يتح له الذهاب إلى الحرم المكي والقبر النبوي.
فلأبي بكر ابن القصيرة رقعة أنشأها على لسان من صدر من بيت الله الحرام وقبر نبيه ﵇ (١) يقول فيها:
" ولما صدرت يا رسول الله عن زيارتك الكريمة، وقد ملأت هيبتك ومحبتك أرجاء فكري وفضاء صدري، وغشيني من نور برهانك ما بهزني وغمر قلبي، لحقني من الأسف لبعد مزارك، والحنين إلى شرف جوارك، ما أروع جوانحي التهابا وأوسع جوارحي اضطرابا، واشعر أملي عودا إلى محلك المعظم وإيابا، وكيف لا احن إلى قربك، وأتهالك في حبك، وأعفر خدي في مقدس تربك، وبك اقتديت فاهتديت، ولولاك ما صمت ولا صليت ولا سعيت، بل كيف لا يتحرك نحوك نزاعي، ويتأكد انقطاعي، وبك استشفاعي، وإليك مفزعي يوم [يدعو] الداعي. فلا تنس لي يا رسول الله حرمة عياذي بك ولياذي، وإسراعي إلى زيارتك وإغذاذي، واذكرني في اليوم العظيم المشهود، عند حوضك المورود، وظلك الممدود، ومقامك المحمود ".
وقد مرت بنا الإشارة إلى أن لابن أبي الخصال رسالتين بعث بهما إلى الرسول الكريم، في الأول يتشوق إلى زيارته، وفي الثانية يحمل
стр. 297
الحجاج ثلاث قصائد في مدحه. وفي مثل هذه الرسائل والقصائد حرارة الابتهالات، وهي وسيلة للتعبير عن التدين الكامن في النفوس. ولكنها بالنسبة للأندلس الآخذة بالضياع تشبث الغريق بحبل النجاة، وتنفيس عن الحيرة الدنيوية في ظل الأهواء المتنازعة والإمارات المنقسمة، وكلما اشتدت وطأة الحياة السياسية على الأندلسيين ومدنهم أصبح التفاتهم إلى " مصدر الدين " أقوى، وحنينهم إليه أشد، تعلقا منهم بخيط من خيوط الرجاء.
٤ - فن المقامات:
في أواخر العصر السابق؟ عصر سيادة قرطبة - وصلت الأندلس مقامات بديع الزمان ورسائله، وكان من أول المتذوقين لها الناسجين على منوالها ابن شهيد، واكثر ما أعجبه فيها تلك القطع الوصفية، ولذلك انشأ على مثالها قطعا في وصف الماء والبرغوث والثعلب والحلوى. وعرضت على أبي المغيرة ابن حزم رسالة لبديع الزمان في الغلام الذي خطب إليه وده بعد ان عذر فعارضها بأخرى (١) ولكن يبدو أن الاهتمام بمعارضة المقامات لم يكن غرضا للكتاب حينئذ، بل إن الاهتمام بمقامات الحريري حين ظهرت كان أشد، إذ أقبل الكتاب على معارضتها ومنهم ابن شرف القيرواني (٢) . ولعل سر ذلك راجع إلى الصلة بين بعض الأندلسيين والحريري، فقد وجد منهم من سمع منه مقاماته، ومن هؤلاء أحمد بن محمد بن خلف الشاطبي، سمعها مع أبي القاسم بن جهور في جمادى الأولى
стр. 298
سنة ٥٠٥ هـ؟ (١) ومنهم الحسن بن علي بن الحسن البطليموسي، سمعها منه ببستان ببغداد (٢) ؛ ومنهم أبو الحجاج القضاعي. ورواها عن تلامذة الحريري عبد الله بن إبراهيم الوادي آشي (٣) . وكان لأبي القاسم بن جهور أكبر أثر في نشرها بالأندلس إذ تلقاه عنه عدد كبير من التلامذة منهم محمد بن خليد التميمي (- ٥٥٩) ومحمد بن عبد الله اللبي (- ٥٧٠) ومحمد بن احمد بن محرز البطليموسي ساكن اشبيلية (- ٥١٣) وعنه حدث بها آخرون (٤) . وظل الدارسون يتدارسونها بعد هذا العصر الذي نتحدث عنه، ومن أشهرهم الشرشي أبو العباس احمد، حدثه بها ببلده الشيخ الفقيه أبو بكر بن أزهر الحجري وهو صهر ابن جهور وعنه أخذها، كما حدثه بها أبو بكر ابن مالك الفهري، وهو صهر آخر لابن جهور رواها عن صهره وعن القضاعي أيضا، وأجازه بها محمد عبد الله بن محمد الحجري عن القضاعي، وحدثه بها الرحالة ابن جبير الذي رواها عن أبي طاهر الخشوعي تلميذ الحريري، وكذلك حدثه بها أبو ذر مصعب الخشني، ولقي بها كثيرا من الشيوخ الآخرين بعد أن شرحها، وأفاد منهم ضبط ما احتاج إلى ضبطه. ويحدثنا الشريشي انه لم يترك شرحا لها إلا اطلع عليه، وعكف على استيفائه بسيطا كان أو مختصرا، حتى عثر أخيرا على شرح الفنجديهي، فأعاد النظر في كل ما كان صنعه من قبل (٥) . ومن هذا كله صنع شرحه الكبير وشرحين آخرين هما الأصغر
стр. 299
والأوسط. ومن الأندلسيين الذين شرحوا مقامات الحريري أيضاً محمد ابن أحمد بن سليمان المالقي الأصل (- ٦١٧) (١) ومنهم عبد الله بن ميمون العبدري الغرناطي (- ٥٦٧) (٢) . وكل هذا يصور مدى اهتمامهم بمقامات الحريري، والشروح التي حصلوا عليها من المشرق.
أما ما أنتجه الأندلسيون من مقامات سواء أكانت معارضة للبديع أو للحريري فانه يشغل الفترة القائمة بين ابن شهيد حتى القرن التاسع الهجري وفي ما يلي ثبت بأهم ما قدموه في هذا الفن، سواء وصلتنا صورته أو عرفنا اسمه فقط:
١ - مقامتان لأبي عبد الله بن شرف القيرواني.
٢ - مقامة لأبي حفص عمر بن الشهيد (٣) .
٣ - مقامة للأديب أبي محمد بن مالك القرطبي (٤) .
٤ -[مقامة] لعبد الرحمن بن فتوح تشبه مقامة ابن شرف النقدية (٥) .
٥ - مقامة لابن المعلم (٦) .
٦ - مقامة صنعها الفتح بن خاقان على الأستاذ أبي محمد البطليموسي وعليها رد يسمى الانتصار (٧) ، وقد نسبت لابن أبي الخصال فنفاها عن نفسه وتبرأ منها (٨) .
стр. 300
٧ - مقامة لابن ابي الخصال عارض بها الحريري (١) .
٨ - المقامات اللزومية للسرقسطي الاشتركويي (٢) .
٩ - مقامة لأبي اسحاق بن خفاجة الشاعر لم يبق منها إلا أبيات في ديوانه (٣) .
١٠ - مقامتان لمحارب بن محمد بن محارب الوادي آشي (- ٥٥٣) كتب إحداهما إلى القائل أبي عبد الله بن ميمون (٤) ، وكتب الأخرى في مدح القاضي بن موسى (٥) .
١١ - المقامة الدوحية لأبي عبد الله بن عياض اللبلي، وتسمى أيضاً المقامة العياضية الغزلية، وتنسب خطأ؟ أحياناً - إلى محمد بن عبد الرحمن بن موسى ابن عياض الشاطبي (٦) .
١٢ - سبع مقامات للأديب أبي الحسن ابن سلام المالقي (٧) .
١٣ - مقامات في أغراض شتى لعبد الرحمن بن محمد السلمي المالقي (٥٧١ -) (٨) .
١٤ - مقامة في أهل غرناطة لمحمد بن خلف الهمداني الغرناطي (٥٧٣ -) (٩) .
стр. 301
١٥ - مقامات لابن القصير عبد الرحمن بن احمد (- ٥٧٦) (١) .
١٦ - مقامة صنعت في ثلب بعض أعيان مالقة، ونسبت إلى علي بن جامع الأوسي، فخاف على نفسه مما عسى ان ينجر إليه منهم بسببها فخرج عن ذلك البلد (٢) .
١٧ - مقامة لأبي بكر الكاتب يحيى بن محمد الاركشي تسمى " قسطاس البيان في مراتب الاعيان " وممن ذكر فيها علي ابن عبد الله بن خلف الأنصاري (٣) .
١٨ - مقامات لسان الدين ابن الطيب ومنها مقامة السياسة (٤) وقامة وصف البلدان (٥) ومعيار الاختيار في الاختبار في أحوال المعاهد والديار، وخطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف (٦) .
١٩ - مقامة العيد لأبي محمد بن عبد الله الازدي (- ٧٥٠) (٧)
٢٠ - المقامات النخلية لأبي الحسن المالقي (٨) .
٢١ - مقامة " تسريح النصال إلى مقاتل الفصال " لأبي عمر الزجال (- ٨٤٤) ومقامة أخرى له في أمر الوباء (٩) . ويفهم من
стр. 302
كلام المقري في أزهار الرياض أن له عدة مقامات سوى هاتين المذكورتين.
ومن مجموع ما وصلنا من هذه المقامات يستطيع الدارس ان يتبين حقائق محددة عن طبيعة المقامة الأندلسية. فقد انتفت من بعضها قصة الكدية والحيلة المقترنة بها وأصبحت صورة من رسالة يقدمها شخص بين يدي أمر يرجوه أو أمل يجب تحقيقه، كما أن كثيرا من المقامات الأندلسية أصبح وصفا للراحة والتنقل في خل بلاد الأندلس، وفي هذا أيضاً شاركت الرسالة. وكان بعضها يمثل الاتجاه النقدي أو مواقف المنافرة والمفاخرة، أو يؤدي بعض الموضوعات الشعرية كالغزل والمدح والهجاء.
ولما التبست المقامة بالرسالة تؤدي مهمتها، فقدت " العقدة " وفقدت الشخصيتين الخياليتين فيها، وأصبحت على لسان كاتبها، وإذا لم تكن قصة لرحلة فقدت العناصر " الدرامية " جملة.
وأكثر الذين كتبوا المقامات في الأندلس لم يراعوا أن تكون كتابا جامعا، وإنما كان هم الواحد أن ينشئ مقامة واحدة أو اثنتين أو بضع مقامات، إلا السرقسطي فان اتباعه للحريري، حتى في الناحية العددية، جملة ينشئ خمسين مقامة.
وسأحاول في ما يلي أن اعرض أهم المقامات التي تنتسب إلى الطوائف والمرابطين لأبين مميزاتها العامة، ومدى اتفاقها وافتراقها في الموضوع والطريقة:
стр. 303
١ - مقامة أبي حفص عمر بن شهيد:
وهي مقامة طويلة لم تصلنا كاملة وإنما حذف ابن بسام بعض فصولها لطولها، وهو في فاتحتها يتحدث عن صنعة الكتابة من حيث قيمتها في ذاتها ومن حيث فائدتها لصاحبها ويقول: " إن صنعة الكتابة محنة من المحن ومهنة من المهن والسعيد من خلدت دولة اقباله، والشقي من كانت رأس ماله، والعاقل من إذ أخرجها من مثابه لم يدخلها في مناقبه، لا سيما وقد تناولها يد كثير من السوق وباعوها بيع الخلق ". ويبدو أنه وجهها إلى الفقيه ابن الحديد (ابن الحديدي) ؟ وجعل أول المقامة مقدمة للدخول في موضوع، ويدور موضوعه حول قصة رحلة قام بها، وأول ما يطالعنا به مما تبقى من مقامته أنه مال إلى منزل بدوي ذي هيئة وزي " فهش وبش، وكنس منزله ورش، وصير عياله ناحية، وجمع أطفاله في زاوية " ويصف البيت الذي نزلوا فيه ولعله سخر من البدوي حين أخذ يبدي إعجابه بما يملك من زهيد المتاع ولكن البدوي أدرك سخريته ورد عليه بقوله:
يا أخي نحن على أنا نتاج بدوي ... سادة ناس لنا في هذه الدنيا دوي ... عندنا إن جاء ضيف شبع جم وري ... وإذا الدوي هو صوت ديك هرم أغرى البدوي صبيانه بالجري للقبض عليه، وهنا وقف الديك خطيبا وذكرهم بفضائله وأنه يوقظهم في الأسحار ويؤذون لهم بالليل والنهار واستثار فيهم الحمية لكي يتورعوا
стр. 304
عن قتله، فرقت له أنفس القوم ولاموا صاحب المنزل على نكران الجميل فلج وأبى إلا ذبحه ليشبع من لحمه الضيفان، وهنا عاد الديك إلى الكلام فاثنى على البدوي سوى محاولة ذبحه وغمز كرمه حين قارن بين هرمات الديوك التي لا يصلح لحمها طعاما وبين لحم الفروج للآكلين.
وفي فصل آخر نراه وقد وصل قرية من القرى المسيحية " دار البطاريق وملغب الكأي والآبريق " ووصف جمالها وجمال سكانها، وحلف القسيس عليهم أن ينزلوا فنزلوا وقد بهرهم جمال الغلمان والجواري فأكرمهم بضروب من البر، ثم ارتحلوا وإذا هم يواجهون كنيسة مهدومة فنظم أبو حفص قصيدة في وصفها. ثم استأنفوا السير فوجدوا قطعانا من السائمة سارحة في المروج، فشرب أبو حفص كثيرا من اللبن " وما زلت أورى هناك بالرائب والميس، حتى كاد كياني ينقلب إلى تيس " وجروا في طرد وصادوا كثيرا من طائر البرك، وعلى صخرة إلى جانب الماء نقش أو حفص قصيدة يصف فيها ذلك اليوم.
ولما عادوا إلى السرى مرة أخرى، تلقاهم شاب جميل يتقلد حساما فأخبرهم أنه منفلت آبق من الحصن ويريد أن يعتنق الإسلام فرارا مما كان فيه. وهذا هو كل ما تبقى من المقامة، وهو ينبئنا لأن المقامة هنا تطلق على قصة " نزهة " ووصف مشاهد وتضمين للوصف النثري بالشعر، وليس وراء مفهومها الظاهري فيما أرى، أية رموز أرادها صاحبها. أما لماذا قدمها لابن الحديدي وهل لها من صلة بالمقدمة عن فن الكتابة وهل يمكن من سياقها كله استنتاج غاية وراء إظهار البراعة البلاغية فتلك أسئلة لا نستطيع أن نجيب عنها.
стр. 305
٢ - مقامة أبي محمد بن مالك القرطبي:
كان أبو محمد يعيش زمنا بالمرية في ظل ابن صمادح على فقر بالغ، وبهذه المقامة خاطب ممدوحه المذكور، وقد اختار ابن بسام أيضا فصولا منها. والفصول الأولى منها كلها مدح وثناء على ابن صمادح وإعلان عن فرحة الكاتب واستبشاره بدولته، وتتصل المقامة بوصف يوم من أيام المعركة أو الاستعداد لها " لا تسمع إلا همهمة وصهيلا وقعقعة وصليلا فخلت الأرض تميل والجبال تكون كثيبا مهيلا لا تسمع إلا أصوات تلك الغمائم وضوضاة تلك الهماهم من وهواه صهيل ودرداب طبول، أزئير ليوث بآجام أم قعقعة رعد في ازدحام غمام "؟. ثم يصف ظهور ابن صمادح " حتى لاح لنا من ملك الأملاك وثابت القمرين في الاحلاك وجه جلا هبوة ذلك العثير والعجاج إلا كدر " وبعد ذلك عاد إلى وصف الجيش وأنواع الأسلحة فوصف الدرع والسيف والرمح وصفا مسهبا ووصف الخيل ذوات الألوان المختلفات من مبيض ومسود وورد واصفر ومحجل، ثم تحدث عن مضاء رأي ممدوحه وعن استسلام عدوه: " فرمى بيده صاغرا إلى السلم ثقة بعضو كظل المزنة الممدود، وكرم كشط اللخة المورودة، فلولا حلم كالجبال رصين، وجود كالسحاب هتون، لبادوا خلال تلك الديار كما بادت جديس في وبار، ونغلت تلك المنازل نغل الجلد، ومحت كما محت وشائع من برد ".
ثم وقف يؤنب الذين يغترون بفضل ممدوحه وكيف أنه حليم لكنهم يحرجونه في حلمه وصوب رأي نفسه في قصده وزعم انه لولا ذلك لكان له في الأرض العريضة مسارح ولكنه لن يستبدل سواه لأخلاقه التي خبرها
стр. 306
فيه فهو " ثالث القمرين وسراج الخافقين وعماد الثقلين المعتصم بالله (ذو) الرياستين " ثم يشكو حاله وكيف غادر زوجه وأولاده في حالة حاجة وعوز واعتذر عن عدم اشتراكه في الحرب معه بحاجة أولاده إليه: " ولولا أفرخ كزغب القطا يدبون في نائله دبيب الكرى فيستشفون علالتي ويستنزفون بلالتي لامتطيت من جدواه السابح اليعبوب وتقلدت من نداه الصارم الرسوب ".
وتختلف هذه المقامة عن التي تقدمت باعتماد اسلوبها على الامثال وحل الابيات الشعرية وتحوير معاني الأدباء والشعراء السابقين، كما ان موضوعها في المدح التهويلي ينقص حظها من طرافة الموصوفات في المقامة السابقة.
٣ - مقامة عبد الرحمن بن فتوح:
لم يسمها ابن بسام مقامة، ولكن صلتها بالمقامة أقوى من صلة سابقتها وهي تشبه المقامة النقدية التي أنشأها ابن شرف. وخلاصتها أن ابن فتوح كان ليلة في رمضان يطوف بالمسجد الجامع بالمرية (سنة ٤٣٠) وهو يردد بيتا فسمعه فتى حسن المنظر فسلم عليه واستحلفه إعادة ما قال فأعاده، فقال له انتو أخذته من العباس بن الأحنف، ثم سأله عن سبب ترديده البيت، فأخبره ان ذلك كان لفراق حبيب، فولى الفتى " وقد غرس في كبده ثمرة وده " وعاد ابن فتوح إلى بيته وذكرى ذلك اللقاء لا تزايله. وفي الفجر جاء الفتى وكان اليوم ماطرا فلم يجدا خمرا ليقطعا بها يومهما فتسليا بتذاكر شعراء بلدهم وأدبائه، وهنا كان الفتى هو السائل وابن فتوح المجاوب، فوضح رأيه في ابن برد وابن شهيد وابن زيدون وأبي بكر ابن الطبني.
стр. 307
وهذه مقامة في مضمونها وطبيعتها، ولا تشذ عن المقامة النموذجية إلا في ان صاحبها لم يتستر وراء اسم شخصية متخيلة، وحدد تاريخ اللقاء ليربط الحادثة ربطا بالواقع من حيث الزمان والمكان.
٤ - مقامة ابن المعلم:
اختار منها ابن بسام فصولا. وصاحبها ابن المعلم، كان أحد وزراء المعتضد، ويفتتحها صاحبها بالحنين إلى الماضي: " سقى عهدك أيتها الدمنة الزهراء كل عهد، وجاد قطرك أيها الروضة الغناء كل قطر، وسال عليك من ادمعي كل ملث هطال، وتناحت عليك من أضلعي كل جنوب وشمال " لأنه قضى هنالك عيشا رقيقا حرمه بعد ان استيقظ الدهر من هجمته وهب من غطيط رقدته وسكرته واسترد ما هب.
واستشار له صاحبا من صرحاء إخوانه فأشار عليه ألا يترك داره ولا يهجر موطنه، وقال فيما قاله: " وأعيذك من ترهات لعل وعسى، فتحسب كل بيضاء شحمة وتظن كل سوداء ثمرة، وربما سقط العشاء بك على سرحان، وكل الناس بكر، وفي كل واد بنو سعد،
والرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا " فان كان ولا بد من الرحلة فليختر من الرؤساء أحسنهم، ولكنه ناقض نصح صديقه وركب رأسه، فصدمته الأيام وخيبت أمله: " ووجدت الناس أخبر تقله، من أمير لا اسميه ووزير أقحمت الواو فيه، وكاتب أمي وقاض جني ".
ثم قدم عليه رسول " مولاه " فخف إليه، فاستنشده ذلك المولى من شعره فأنشده مدحه فيه، ثم طلب إليه ان يسمعه المنثور بعد المنظوم فأسمعه سجعا هو بين النثر والشعر، وكان مما قاله: " هو
стр. 308
الإمام الطاهر والكوكب الزاهر والأسد الخادر والبحر الزاخر أوهب الملوك للذخائر.. الخ " فسر به ذلك الأمير وأدناه وقربه. وهذه المقامة شبيهة بمقامة القرطبي من حيث أنها تتكون من مقدمة مهيئة للمدح ثم يليها بعد ذلك ضروب من الثناء؟ وأغلب الظن انه قالها في المعتضد - كما أنها تعتمد سرد الأمثال اعتمادا كبيرا مثل رسالة ابن زيدون الهزلية في كثير من أجزائها.
٥ - مقامة الفتح ابن خاقان علي ابي محمد البطليموسي:
تسمى أيضا المقامة " القرطبية " وهي على نسيج المقامة المشرقية في أن بطلها المتخيل يحمل اسم " علي بن هشام "، يرتحل من ارض الشام قاصدا بلاد الأندلس طلبا للتعرف على الأدب والأدباء " وقبل ما وصفت لي بلنسية بهاء وسام، وقيل لي هم في ثغر الجزيرة ابتسام، فأنخت بها الجمل، وقد وافت الشمس الحمل، وصدح القمري وهدل، وقام وزن النهار فاعتدل ". وهنا يصف جمال بلنسية ويسأل عن حملة الأدب فيقال له: " وفيها الشيخ أبو محمد البطليموسي علة العلل وشفاء الظمآن من العلل، مطاف الطلبة وإمام الخالة الخلبة ". ويذهب للقاء البطليموسي فإذا به يلقى " بفتى له لألاء ورواء، عمامته بين الرجال لواء، فرعه أفرع، وجيده أتلع، وأنفه ممطول وخلقه مجدول؟. " ومع الفتى رفيق له يسمى ابن الطويل والآخر خليل له، وقعد إليهما فتناشدوا الأشعار. ثم يسألهما عن الشيخ البطليموسي، فيأخذ أحدهما في دمه بفاحش الصفات ومقذعها " يأتي المناكر في كل ناد، ويهيم في العمه في كل واد، لا يرجى له ارعواء، ولا يأسو جرحه دواء ". وحدثه كل واحد منهما بمنكرة من
стр. 309
فعلات البطليموسي قال علي بن هشام: " فلم ولج سمعي ما ولج، وانبلج من امر الشيخ ما انبلج، بالغت في الطعن وأمعنت في السباب واللعن، واستخرت الله في الظعن، ويممت حضرة ابن معن ". (يعني ابن صمادح) .
وتلك هي الغاية من المقامة، وقد بلغت حدا بعيدا في الإقذاع والطعن ورد عليها من اسمه الوزير أبو جعفر برسالة سميت رسالة الانتصار، ولمن لم يرد عليها البطليموسي فيما يبدو، وقد عاب صاحب الرد على كاتب المقامة أنه " يقع في لحم أخيه سبعا، ويرتاح فيما يحزنه صنعا، كلامه زور، ونظامه فجور، وثناؤه كذب، ومضماره لعب. إن ذكر العلماء أفحش، أو وصف الفقهاء أوحش ".
من هو مؤلف هذه المقامة؟ لقد نسبت إلى الفتح بن خاقان، ولكن هناك شكا كبيرا في نسبها إليه، لأن الفتح ألف كتابا مستقلا في ترجمة ابن السيد، أثنى عليه فيه كثيرا، ولا نعلم أن الخلاف دب بينهما قبل ذلك أو بعده، ثم إن بعضهم اتهم الكاتب أبا عبد الله بن أبي الخصال بكتابتها، فتنصل من ذلك في رسالة كتبها إلى أبي الحسن بن سراج، ونفى تلك المقامة عن نفسه ويقول في جملتها: " ما هذه المقامة إلا قيامة حشرت الكرام وحاشت، وما استثنت ولا حاشت، أصابت وأشوت، وصابت وأخوت، وعمت لتخص، وناجت لتعلن وتنص (وتغص) ، والمناجى لهيب، وقد يؤذي من المقة الحبيب، اللهم طهرها من دنس الدعوة واجعلني فيها مستجاب الدعوة، حتى ندعوها لأبيها ونتبع الأقسط عندك فيها؟. أولى لهذا المنهم (المتوهم) ، ساء ما حكم، ويا بعد توهم " (١) .
стр. 310
٦ - مقامة لأبي عبد الله بن أبي الخصال عارض بها الحريري:
يطلها الحارث بن همام وصاحبه المتنكر أبو زيد السروجي، أي ان ابن ابي الخصال في معارضته لم يغير الاسمين اللذين أجراهما الحريري في مقاماته. وتدور الحادثة في الريف، وقد دفع فيها الحارث إلى الفدادين " أهل الفخر والخيلاء ". والجو ماطر والسيول غامرة والفلاحون مبتهجون بما أصابهم من غيث، ويمر ببيت قد تحلق فيه الناس وصاحبه قد هش للمجتمهين وقام يخدمهم بنفسه، وإذا شيخ يتوسط الحلقة، يحثهم على بره وصلته ويستثير دوافع السخاء فيهم بفصاحته وتذلله ونحيبه، فإذا الصرر تفتح ويمطرون الشيخ منها بالدراهم " والشيخ يتلقف ولا يتوقف، ويلقط ما يسقط، ويدخر ولا يؤخر ". فلما انصرف الناس تسلل الحارث وراء الشيخ حتى كاد الشيخ ان يرميه بسهم ثم عرفه وقال له: " إنك لابن همام منذ الليلة " فنصحه الحارث أن يبيت عنده لأنه " بمنزلة لصوص وفي أهل خصاصة وخصوص " وحاول الحارث فيما يبدو أن يختلس ما معه من النقود ولكن الشيخ؟ وهو السروجي - كان شديد الحذر فلم يقبل ان ينام في الفراش الوثير بعد ان طعم الطعام الطيب، وقام بعد ان قال لصاحبه: " السهاد ولا هذا المهاد، والأرق ولا تلك السرق، والمحاش، ولا ذلك الفراش، كلني للبداوة وحمل الاداوة ". وفي الصباح وجده الحارث قد غادر مرقده وقد ترك رقعة فيها ثلاث قصائد، وعرف الحارث من أمر صاحبه أنه ذهب فشرب في إحدى الحانات واصبح محبوسا في جب لأن صاحب الحان ارتهنه بدينه.
وهنا تتحول المقامة إلى وصف الحان والشاربين ومن الحان من غلمان
стр. 311
وجوار وكيف ظل يتحيل على الخمار حتى عرف موضع صاحبه وعندئذ ذهب إليه واستخرجه وجلسا معا في الحان فقضيا يوما جميلا طلب الحارث على أثره من أبي زيد السروجي ان يخلده في شعر " فقلت يا أبا زيد أن لهذه الأيام أوابد كأوابد الوحش فقيدها بالسهام وخلدها في الأوهام، واعقلها بالمأثور، ووكل المنظوم بالمنثور " وتختتم المقامة بمقطوعة من السروجي.
وتختلف هذه المقامة عن مقامات الحريري في طولها وميل منشئها إلى ان يجرب قلمه في وصف عدة " مقامات "، فهناك منظر في الريف وآخر في بيت الحارث ثم ثلاث قصائد متتابعة ثم تفتيش عن السروجي ثم وصف الحان وحوار طويل بين الحارث ورب الحان، ثم اللقاء والحوار بين الحارث والسروجي، ثم وصف اليوم الذي ختمت به تلك الأحداث؛ ولا يلتزم هذا المنهج إلا كاتب لا يود أن ينشئ عدة مقامات متفرقة وإنما هو ينشئ مقامة أو اثنين ويحاول ان يعرض براعته في رسم مناظر متعددة يجمعها معا في مقامة واحدة.
٧ - المقامات اللزومية للسرقسطي:
هي خمسون مقامة عارض بها السرقسطي مقامات الحريري وتأثر في طبيعة سجعها؟ كما يوحي اسمها - بطريقة أبي العلاء المعري إذ بناها على لزوم ما لا يلزم، وقد كتب في آخرها أنها المقامات التميمية السرقسطية لأن مؤلفها هو أبو الطاهر محمد التميمي المنسوب إلى مدينة سرقسطة ويعرف بابن الاشتركوبي نسبة إلى اشتركوبي من أعمال تطيلة وقال ابن الزبير في ترجمته: كان لغويا أديبا شاعرا معتمدا في الآداب فردا متقدما في ذلك في وقته، قال: عليه اعتمدت في تفسير الكامل للمبرد لرسوخه في اللغة؛ وشعره كثير مات بقرطبة يوم الثلاثاء
стр. 312
الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة؟ أي في آخر عصر المرابطين -.
والشخصيتان الرئيسيتان في المقامات هما السائب بن نمام والشيخ أبو حبيب وهو رجل سدوسي محتال أصله من عمان. وأحيانا يذكر في بعض المقامات شخص ثالث اسمه " المنذر بن حمام " ولا دخل له في أحداث المقامة وإنما هو رواية يتلقى حديث المقامة عن السائب بن تمام الذي يكنى بأبي الغمر ويتدخل في قصة المقامة أحيانا فتيان هما ابنا الشيخ السدوسي؟ أو أحدهما - والأول منهما حبيب والثاني غريب.
ولا تحمل كل واحدة من المقامات اسما علما كما فعل الحريري ومن قبله البديه، وإنما سمي بعضها كالسابعة فإن اسمها " البحرية " وسميت ثلاث أخر بنوع السجع السائد على كل واحد منها فواحدة تسمى المثلثة لأنها بنيت على ثلاث سجعات، واخرى تسمى المرصعة لتقابل عبارتها في سجعتين سجعتين، وثالثة تسمى المدبجة لتقابل كل عبارتين منها في ثلاث سجعات مثل " ريان الحداثة والشباب وريعان الدماثة والحباب ". أما المقامات الأخرى التي جعلت لها عناوين فهي الثامنة والعشرون وتسمى " الحمقاء " والموفية ثلاثين وهي مقامة الشعراء، والحادية والأربعون وهي مقامة الدب والتي تليها وهي الفرسية والثلاث التاليات وهي مقامة الحمامة والمقامة العنقاوية والمقامة الاسدية، والأخيرة وهي مقامة في النظم والنثر. وقد اتبع السرقسطي في كل مقامة من المقامات (٣٢ - ٤٠) طريقة خاصة في السجع فبني خمسا منها على الحروف فهناك الهمزية والبائية والجيمية والدالية والنونية، ثم بنى اثنين على نسق حروف ألف باء آخرين على نسق أبجد. وهذه المقامات (٣٢ - ٤٠) هي اشد مقاماته تصنعا وتكلفا وأما ما عداها فان السجع فيه سهل سائغ لا يحس قارئه فيه تعسفا أو مغالاة
стр. 313
وفيما عدا ذلك لم يحاول السرقسطي شيئا كثيرا من التلاعب في البناء والأحاجي وما أشبه ذلك كما فعل الحريري.
وإذا تتبعنا الناحية الجغرافية في مقاماته وجدناه أحيانا يخطئ في تصور الأمكنة فإذا تحدث عن أرض اليمن قال " فبينا أنا منها في عمان " كأنه يعد أرض عمان جزءا من اليمن، أو يقول في مقامة أخرى: " حتى إذا كان بذي المجاز من ارض الحجاز عرض له بين نجد وتهامة؟ " مطلقا هذا الوصف دون تحديد دقيق، وقد استمد أكثر أسماء الأماكن التي اختارها من نواحي الجزيرة العربية مثل اليمن وعدن والشحر وعسفان وظفار واليمامة والبحرين وزبيد والابواء. وكثيرا ما يغفل تسمية المكان ويكتفي بالقول إنه كان في ارض قفر أو صحراء، واختار من ارض الشرق والعراق والجزيرة أسماء مدينة السلام وسنجار وحران والانبتر والرقة وواسط والأهواز وأصبهان ومرو والري وصول والكرج. وتغلغل في الشرق الأقصى فجعل مكان الحوادث بعض جزائر الهند أو الصين أو غزنة، ومن ديار مصر والشام: الإسكندرية ودمياط وحلب وفلسطين. ولم تجر قصة مقامته في بلاد المغرب والأندلس إلا ثلاث مرات: مرة في القيروان وثانية في طنجة، وثالثة بجزيرة طريف، ولم يفدنا في الثالثة من هذه المقامات ذات الموطن المغربي أي شيء دقيق عن وطنه الأندلس، فكأننا لا نستطيع ان نجد في هذه المقامات صيغة محلية، كالتي وجدناها في بعض المقامات الأندلسية الأخرى وخاصة التي تصور رحلات في داخل الأندلس نفسها.
وإذا استثنينا المقامتين الثلاثين والخمسين وهما في الشعر والشعراء وفي النظم والنثر، وجدنا أن العقدة في اكثر المقامات الأخرى تقوم على تنكر الشيخ المحتال، وعلى مهارته في الوعظ، ووعظه غالبا تذكير بالآخرة
стр. 314
والموت، ثم انكشاف حال الشيخ للسائب بن تمام. وكثيرا ما يفر هذا الشيخ بعد ان يفوز بما يريد، لكنه في كل مرة يترك رقعة، فيها شعر يشرح فيه حاله وحيله. وقد يستعين الشيخ على إنفاذ حيلته بابنه حبيب فيجعله هو الخطيب الذي يستدر عطف الناس لحال ابيه، وقد يستعين بابنته إذ يتخذها جارية فيعرضها للبيع فإذا بيعت وقبض الثمن لم يسمح أمين البلد بإخراجها لأنها حرة لا يجري البيع عليها. أو قد يتخذ من السائب نفسه أداة لتحقيق أغراضه، كما في المقامة الحادية عشرة حيث يلتقي أبو حبيب بالسائب ويتصاحبان فيطلب إليه الشيخ ان يظهر لوثة وخنونا، ثم يلبسه أخلاق الثياب ويأخذه إلى حلقة القوم، ويحدثهم انه عاشق مجنون يهوى ابنة عمه وقد اصاره الحب إلى هذه الحال ويطلب إليهم مساعدته بالمال، فيجتمع المال منهم، والعاشق نفسه في حالة إغماء فيتركه إلى عناية الجماعة من حوله، ويعود إلى البيت الذي كانا ينزلان فيه بسنجار ويجمع ما فيه متاع ويهرب، وقد جازت حيلته على القوم وعلى السائب نفسه.
تلك هي شخصية المكدي التي استغلها الحريري وبديع الزمان، لم يغير السرقسطي في طبيعتها شيئا، وإنما غير في الحيل والأساليب، وجعل المقامة معرضا للبراعة الاسلوبية كما عاملها صاحباه من قبل. فمقامة يعرض فيها فنه في مدح الشيء ثم ذمه، وأخرى في وصف الدينار، وثالثة في وصف حال العاشق، ورابعة في وصف سرب من الحسان، وخامسة في مناجاة الطلول، وسادسة في تصوير القاضي الجائر، وقيمة الخداع والحيل في الحياة العامة، وسابعة في وصف الفرس، وهكذا.
وإذا كان من شيء يلفت النظر في مقامات السرقسطي، فذلك هو " العنصر البحري " في بعضها. ففي المقامة السادسة يقصد ميناء عدن
стр. 315
ويخطب في المجتمعين هنالك ويثني على روح المغامرة فيهم وحبهم للبحرية. ويقول لهم: (١٢ - ١٣) أذكركم بتلك البحور الزاجرة، والسفن الماخرة، والبحر العجاج، والماء الثجاج، وبالأعراف الجون، والغيابات والدجون، والغمرات المظلة، والأهوال المطلة، وبرنة القواطف، وأنة العواصف " فيستعير صفات البحر ليذكرهم بما يشبهها من أهوال يوم القيامة. وفي المقامة السابعة وهي البحرية؟ ومكانها مرفأ الشحر - يقوم بينهم خطيبا ويهول عليهم أمر السفر في البحر: " وما الذي حملهم على ركوب هذا العجاج، وخرق هذا الماء الثجاج، ولكنهم في البر منفسح ومجال، ودونكم من هوله أوحال وأوجال، كأنهم قد ملكتم عنانه وسلكتم نينانه؟. هل سدت عليهم المسالك أو طويت دونكم الممالك " ويحبب إليهم قصد الملوك، ويخذلهم عن المتاجرة مع الكفار، حيث يعانون عبادة النار، ويرون القرابين ويستمعون إلى ما لا يفهمون من رطانة، ثم يعود بعد أن نال أعطياتهم فيمدح لهم السفر في البحر: " وإن لهذا البحر لخبرا، وان به لآيات وعبرا، إلى مرافق ومنافع، ومتالع من الرزق ومدافع، فمن لؤلؤ ومرجان، وقاطف من ثمره وجان " وأخذ في هذا الضرب من عد لمميزاته ومنافعه.
ثم انه حين جعل مكان المقامة في إحدى جزائر الهند أو في الصين كان يفكر في هذه الرحلة البحرية كذلك. والمقامة العنقاوية التي وقعت أحداثها في الصين من أبرز المقامات لانه استمد فيها مادة من أقاصيص البحريين وحكاياتهم وتصرف بها. فقد جعل الشيخ في المقامة يقوم ليحدث الناس عن العجائب البحرية التي لاقاها في سفره، فقد أخبرهم انه كان ذات يوم يسير في قفرة ملساء: " فبينا نحن كذلك إذ انسابت تلك الأرض، واستدار بنا الطول والعرض، فطوينا المراحل، ورأينا الصحارى تمشي بنا
стр. 316
والسواحل، إلى أن رأينا البحر يسير إلينا وتسير إليه، ويعلو علينا تارة ونعلو عليه، تلعب بنا أمواجه وتبعد عنا أحناؤه وأضواجه، إلى ان ساخت في البحر سوخا، وبقينا نبوخ في الماء بوخا، فسبحنا سبحا طويلا، واستفدنا جلدا وحويلا، إلى أن خرجنا إلى جزيرة عريضة، ذات مرابع خصيبة وأرض أريضة؟.. واستيقظنا من تلك الغمرات، وصحونا من تلك السكرات، فعلمنا انه حيوان بحري أصحر ثم أبحر ". وبعد ذلك يصف كيف هبط فوقهم شيء كأنه السحابة الظليلة، وظهر لهم شيخ فأخبرهم ان ما ركبوه هو سلحفاة البحر " سبحان من قضى لكم بالنجاة، ووازى بكم أرض البجاة " وأن السحابة الظليلة ليست سوى فرخ العنقاء، وان الشيخ شهده وهو فرخ صغير توفيت أمه فزقه بيده وتقديرا من ابن العنقاء لهذه التربية فانه يزور الشيخ في كل شهر " فكم جلب إلي من ماء النيل وخصني من ماء دجلة والفرات بكل عذب فرات، وحباني من سيحان وجيحان بكل رزق طيب وريحان " ثم قال لهم الشيخ: " ابشروا بالنجاة والفوز والخلوص إلى البر؟ يا بني إذا سكن وجشم ووكن فتدرجوا على ذناباه، إذا أسبله، وإياكم وإياه إن أقبله، ثم صعدوا على زمكاه إلى فقارة، وتحفظوا من عطفة منقاره وسورة وقاره، ثم اعلقوا بأطراف ذلك الريش، وكونوا من كتده على عريش، حتى تنفذوا كالسهم المريش، فانه سيقع بكم على أباطح وسهوب؟ " وهكذا طار بهم ابن العنقاء وألقى بهم في رياض مونقة عرفوا من بعد أنها من أرياف النيل وشطوطه.
وفي هذه المقامة التي تعتمد على المغامرات البحرية ما يذكر بقصة النندباد، ولعلها كانت قد عرفت بالأندلس. وهنا يجب ان نتذكر البيئة البحرية عامة في قصص الرحالة الاندلسيين، ثم كيف تمثل طرف منها في قصة حي بن يقظان، وربما كان لقصة الفتية المغررين أثر في هذه
стр. 317
التصورات نفسها. وهذا موضوع منفرد يحتاج ان يدرس على ضوء الرحلات البحرية الأندلسية والأساطير التي بلغت الأندلسيين عن رحلات المشارقة أنفسهم.
ومن الطريف أن يتأمل القارئ ما كان يدور في خيال السرقسطي كلما جعل الهند أو غزنة مكان الأحداث في مقامته. ففي السادسة عشرة وهي المثلثة جعل طريقه بعد ذلك إلى بيت فيه لعب وقمار. وفي مقامته السابعة والأربعين حين كان المسرح هو جزائر الهند اختار ان يكون السهر مع الجواري ومجلس الغناء هو " المصيدة " التي ينصبها أبو حبيب لصاحبه السائب.
ولعل أهم مقاماته في تصوير جانب العيوب الاجتماعية مقامتان هما مقامة الدب وفيها يصور الشيخ أبا حبيب يتكسب من ترقيص دب له، وأناس مجتمعون من حوله، والمقامة التاسعة والاربعون، وفيها يصوره وهو قد انتحل مهنة الطب والعرافة معا، فهو يداوي فتى معه يظهر المرض وشقه مائل والزبد من فمه سائل، بالعزائم، ويقول مخاطبا الجن: " يا مارد سهمك صارد، يا مريد ماذا تريد، ما أطغاك ما اعصاك، ما ابعدك عن الخير وأقصاك، اخرج يا واغل، فانك شاغل، أبعد يا خاتل، فانك قاتل ". ثم ينادي على سلعته معلنا مهارته وحذقه: " أيها عندي في هذا الشأن سراير، وخبايا من الحكمة وضراير، أخذتها عن العلماء، ولقنتها من الحكماء، أين من شكا من هذه الاعراض؟ أين من رمي من هذه الأغراض؟ أين من لحقته آفة؟ أين من برحت به علاقة أو شأفة؟ أين من خامرته الأشواق والوساوس؟ ولعبت به الأجراس والوساوس. أين من سحره ساحر؟ أو دحره داحر؟ اين من لقعته عين أو رهقه دين؟ علي الضمان وأنا
стр. 318
الزعيم، وله النعيم ".
وربما لم تنفرد المقامات السرقسطية بشيء كثير من التجديد، ولكنها لا تخلو من التفرد الجزئي إذا قورنت بالمقامات المشرقية.
٩ - مقامتان لمحارب بن محمد بن محارب الوادي آشي:
لم تصلنا مقامته في القاضي عياض، وانما وصلتنا واحدة كتب بها إلى القائد عبد الله بن ميمون، وبطلها اسمه " فتح بن ميسور " ومكانها مدينة صور، والشخص الثاني فيها يدعى " ابن منصور " وهو شاب فصيح جميل نشأت بينه وبين فتح ميسور علاقة صداقة، ثم حكم الدهر بفراقهما، فإذا ابن ميسور يبلغ مدينة سلا، ثم تشوق إلى اللحاق بمدينة المرية، وفي سفره إليها مر بمدينة سبتة وقد هجر " طاغوت الصبا وجبته "، وظل يغذ السير حتى وصل وادي آش فرأى لحسن فيها " مقر إيراد وإصدار، وجمال قطر لا يجري على مقدار
بلد حيثما توجهت منه ... قابلت الحسان من كل دار " وبينما هو يرتاح تحت شجرة توت إذا براكب معتم ملثم " جليل له همة تجله، قليل على ظهر المطية ظله "، وتحته فرس حسنة القد مصقولة الأديم، " مصفرة في لون العرجون القديم "، وينتهز محارب هذه الفرصة للاسترسال في وصف الفرس والصقر الذي مع الفارس؛ فوقف فتح يتعرف إلى الفتى ثم يذهب يماشيه مأخوذا بحسن حديثه، ولكنهما ما كادا يبتعدان قليلا في المسير حتى أمطرت السماء، وعندما بلغا مكانا يعرجان عليه عرجا نحو خيمة من الخيام وصلاها والناس نيام، فرحب بهما صاحب
стр. 319
الخيمة وقال " مرحبا بالسراة السراة، وبالوجوه الوجوه، انزلوا في رحب وسعة " وعندئذ أخذ فتح بسائل عن زعيم المحلة حتى عرف انه القائد الأجا أبو عبد الله بن ميمون " سيف هذه الملة، وحتف الطائفة الضالة المضلة " وسأل الرجل عنه فوصفه له واثنى عليه: " إن حابى فكرم للمال مبير، أو احتبى فيلملم أو ثبير "، ولما وصف الرجل بعض حليته وأدواته سأل فتح أن يصف له بعض غزواته فوصف له قدرته في الغزو البحري. فلما انتهى من وصفه ذكرته بلاغته ببلاغة صاحبه سعد ابن منصور " فحذر القناع عن صبح متلثم، ونطق غير لكن ولا تلعثم، فشممت رياه، وشمته فإذا هو إياه، وقلت: سعد؛ قال: سعد جمعتنا الليالي على غير وعد، والأمر لله من قبل ومن بعد ".
وواضح أن الغية من المقامة هو مدح القائد ابن ميمون وذكر شجاعته في الحروب البحرية، والإطار الخارجي من فراق الصديقين ولقائهما يبدو مصطنعا غير ملائم، لأن اتخاذ صور مكانا لأول لقاء ثم تعريف الرجل المشرقي وهو الصوري بقائد مغربي يبدو واضح الافتعال. ولكن المقامة من أخف المقامات أسلوبا وألطفها عبارة.
١٠ - المقامة الدوحية أو العياضية الغزلية:
يتصل منشئها أبو عبد الله محمد بن عياض اللبلي بصدر دولة الموحدين فهو لاحق بأواخر هذا العصر الذي نتحدث عنه. وأولها: " قال ميزان الأشواق، ومعيار المحبين والعشاق، نبت بي معاهد الاحباب، في ريعان الشباب، لقينة أذكت نيرانها، وألقت بمسقط الرأس جرانها، فامتطيت الليل طرفا، ومزقت السنان طرفا ". ويصف اللبلي تنقله محمولا على جناح القلق منحدرا أو صاعدا وكان يكلف " بالبلدة الحمراء " لما عرف من طيبها وخصبها
стр. 320
فأوصله إليها حادي الاغتراب. ومن شعره في المقامة:
عربد بالهجر والعتاب ... نشوان من خمرة الشباب
طغا على ريقه حباب ... فاحتجت الخمر بالحباب وهذه هي القصة التي احتفظ بها ابن سعيد من هذه المقامة.
المقامات الأندلسية في العصور التالية:
ذكرنا عددا من المقامات التي ظهرت في العصور التالية من الأدب الأندلسي ولكن أكثرها لم يصلنا، وقد وصلنا بعض ما ألفه لسان الدين ابن الخطيب والمقامات النخلية للنباهي ومقامة تسريح النصال للزجال ومقامة العيد للأزدي، وليس فيها ما يشير إلى تطور ما في طبيعة المقامة أو موضوعها، فقد كانت مقامات لسان الدين في الاكثر تدور حول الرحلات ووصف البلدان، وكانت مقامات النباهي بالمفاخرة بين الكرمة والنخلة. أما تسريح النصال فان الشعر أغلب عليها من النثر وهي هزلية في طابعها وأما مقامته في أمر الوباء فالخطاب فيها موجه إلى " حمراء الملك " والمقامة احتجاج عليها لأنها تبقي السلطان في مكان قد فشا فيه الوبأ، مع أنه كان يفضل الانتقال إلى مالقة. وتعتمد مقامة العيد للأزدى على الكدية والحيلة، وهي من خير المقامات تصويرا للبيئة الشعبية الغرناطية في عصر لسان الدين بن الخطيب.
ومهما يكن من أمر المقامة واعتمادها على المحاكاة والتقليد فقد اصطبغ بعضها باللون المحلي وكان لها أثر في أدب يهود أسبانيا وربما كان لها أثر في الأدب الأسباني نفسه (١) .