تاريخ الأدب الأندلسي
تصدير
هذا هو الكتاب الثاني في تاريخ الأدب الأندلسي أقدمه لدراسة الظاهرة الأدبية في عصر أمراء الطوائف ودولة المرابطين بعد أن قدمت الكتاب الأول، ودرست فيه الأدب الأندلسي في عصر سيادة قرطبة.
ولم أتقيد فيه كثيرا بالمنهج الذي سرت عليه في الكتاب الأول؟ إلا في الخطوط الكبرى - وذلك لاختلاف في العصرين وفي طبيعة المادة المتيسرة عن كل منهما. وبينا أسهبت في ترجمة الشعراء المشهورين هنالك، أحجمت عن إفراد ترجمات خاصة بالمشاهير من الشعراء والأدباء هنا، واكتفيت بما قلته عن بعضهم في سياق الفصول العامة.
وقد كانت الصعوبة الكبرى في إعداد هذا الجزء هي الحصول على مصادر هذا العصر الذي ادرسه وأهمها ما يزال مخطوطا. على أن الجزء الذي حصلت عليه منها؟ بالتصدير أو النسخ - كان ذا عون كبير في تصويري للعصر، وإمدادي بالمادة الأولية اللازمة لبناء هذه الفصول، وإذا كان كتاب " الذخيرة " بأجزائه المطبوعة والمخطوطة قد غلب على تصوري لهذا العصر، فما ذلك إلا لان هذا الكتاب كله؟ على ضخامته - خاص بالعصر الذي ادرسه، وهو اشمل الكتب
стр. 2
الأندلسية، وأغزرها مادة، حين يكون عصر الطوائف والمرابطين موضوع بحث.
ولست ازعم ان كل ما قلته في هذا الكتاب؟ أو جله - جديد على القراء أو دارسي الأدب الأندلسي، ولكن القارئ المنصف سيلمس أنني حاولت شيئا ما في بناء، مثلما حاولت إعطاء قيمة للنظرة والحكم حيث رأيت ذلك لازما أو حيث وجدت الجيد مسعفا والطاقة ملبية، وأنني عنيت بالكشف مثلما عنيت بتأسيس هذه الدراسة على أصول تاريخية نقدية معا. وبما أنى استمد اكثر شواهدي من المخطوطات، رأيتني أحيانا استكثر من الأمثلة رجاء أن يشركني القارئ في استبانة وجه القضية أو طبيعة الحكم.
وأنا مدين في إنجاز هذه الدراسة لصديقين أمداني بما احتاجه من مصورات للمخطوطات الأندلسية، وهما الأستاذان فؤاد السيد أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية، ومجمد رشاد عبد المطلب، سكرتير معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، فلولا مبادرتهما إلى تزويدي بما طلبته من مصورات لعجزت عن الوفاء بإنجاز هذه الدراسة. فشكري الخالص لهما، ولصديقي الدكتور احمد أبو حاكمة أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم الذي أرسل ألي صورة عن كتاب " الذيل والتكملة " للمراكشي عن النسخة المحفوظة بالمتحف البريطاني.
أما القراء الذين وجدوا في كتابي السابق شيئا يستحق ثنائهم وتشجيعهم فأرجو أن يجدوا في هذا الكتاب ما يجعلني دائما عند حسن ظنهم، والله يوفقنا جميعا لما فيه الخير.
الجامعة الأمريكية ببيروت
في آذار (مارس) ١٩٦٢ إحسان عباس
стр. 3
مقدمات تاريخية
- ١ -
كانت الفتنة البربرية التي تحدثت عنها في كتاب سابق، حقيقة يمكن الحدس بوقعها، لدى من كان يرى ببصيرته عوامل الانفصال والتجزؤ كامنة تحت سطح الظاهر الموحد الذي سعى المنصور ابن أبي عامر ليحفظ به حين ذهب يستكثر من الجنسيات المختلفة في الجيش. وكان انقسام تلك الجنسيات، واستقلال الزعماء البارزين في كل منها مرهونا بزوال الحاكم القدير، ولذلك ما كادت شئون الدولة بعد المصور تقع في حوزة حجاب ضعفاء وخليفة مسلوب الإرادة حتى اشرأبت الأعناق إلى الفتنة، وتباينت أهواء العناصر التي لم يدركها النماذج والأنصار، وعمت الفوضى بلاد الأندلس، وأخفقت كل المحاولات التي بذلها المخلصون الحادبون على وحدة البلاد ورسم الخلافة؟ أخفقت في إعادة الأموية، وأنقسم الثغر الذي كان في حاجة شديدة إلى رابطة جامعة، في ولايات، وكان أصحاب تلك الولايات يمثلون العناصر القوية في الجيش اعني الموالي
стр. 4
العامرين والبرابرة وبعض الظاهرين من أبناء العرب.
ولما انقلبت الوحدة إلى تكثر أصبحت الأندلس دولا متعددة، لكل دولة حاكم وإدارة وجيش وحياة أدبية وفكرية شبه مستقلة، وأصبحت العلاقات بين الحكام قائمة على التحرز والحذر وإنفاق الأموال في بناء الحصون (١) والاستكثار من المرتزقة في حال الدفاع، إذ غدت مشكلة الحدود الداخلية أهم مشكلة وأبرزها بين أولئك الأمراء؛ أو أصبحت قائمة على طلب التوسع والغلبة وانقضاض القوي منهم على الضعيف في حال الهجوم. وفيما بين ذلك محالفات توجهها المآب العابرة، ثم لا تلبث من بعد ذلك ان تنفصم. وفي هذا فقد الأمراء القدرة حتى على التوحد المؤقت أمام الخطر المشترك، ذلك لأنهم رضوا أول الأمر؟ متفرقين - أن يدفعوا الجزية الروم، ثم عجزوا عن جمع الكلمة حين أصبحت الجزية مكسبا لا يكفي القوي الغالب، واصبح اقتصاص الحدود واقتضاض الفرص المؤاتية للغزو هو المبدأ السائد. بل لعلهم ذهبوا إلى ما هو ابعد من ذلك حين كانوا يحتكمون إلى صاحب الروم في خلافتهم الداخلية، أو حين يستعين به المضعوف منهم ليأخذ له بحقه. وبذلك تفتت الصخرة الصلبة المخوفة إلى أجزاء صغيرة واهنة، وأصبحت الأندلس معبرا لقوى الشمال والجنوب، فهي إما عرضة لغزو الروم، وهي إما جزء من المغرب، ولم يبق لها شخصيتها القديمة، لأن أمراءها شاءوا أن يفزعوا إما إلى الشمال أو إلى الجنوب، وفيما كانوا يتقاتلون على تحقيق أطماعهم الفردية الصغيرة وقعوا فريسة لأطماع خارجية.
فإذا شئنا الدقة قلنا نؤرخ هذا العصر؟ من الناحية الأدبية، إننا نؤرخ وقوع الأندلس بين قوتين ضاغطتين أو كلكلين ثقيلين تقع
стр. 5
بينهما صورة مضطربة لأمراء نسميهم " ملوك الطوائف "، يتفاوتون فيما بينهم قوة وضعفا وبقاء وزوالا، كما تتفاوت أحجار الشطرنج على الرقعة، في حرية الحركة وفي مدى البقاء والقدرة على الثبات. ومن أجل ذلك لم نعد الفتح المرابطي وسيادة المرابطين عصرا جديدا في تاريخ الأندلس الأدبي، لأنه على الرغم مما أحدثه الفتح من تغيرات في النفسية الأندلسية وفي بعض الأوضاع السياسية والاجتماعية فان الأندلس من الوجهة الثقافية والأدبية قهرت فاتحيها كما قهرت يونان من تغلبوا عليها ذات يوم. ومما كان الفتح المرابطي إلا تحقيقا لفعل القوة الضاغطة الآتية من الجنوب وقد يكون مركز الثقل الأدبي قد انتقل أحيانا إلى مراكش ولكن اكثر القائمين بذلك النشاط الأدبي كانوا يومئذ من الأندلسيين.
- ٢ -
ولم يتشبث الأندلسيون بعيد الفتنة، طويلا، بالرمز الذي تأوي إليه الجماعة الإسلامية، أعني اسم الخلافة ورسمها، على ما كانت حال المشارقة، ولكن بني المنتسبين إلى العلوية حاولوا ان تكون لهم امرة المؤمنين، كما فعل الفاطميون بمصر. وكان من ذلك أعلن صاحب اشبيلية القاضي ابن عباد أن الخليفة هشاما المؤيد (آخر خليفة ذي بيعة من الأمويين) ما زال على قيد الحياة، إذ عمد إلى شخص يدعى " خلف " الحصري شبيها بهشام فدعا الناس إلى بيعته من وراء حجاب - رجاء ان يستمد من وجود الخلافة في اشبيلية سندا معنويا لنفسه. ولكنه
стр. 6
بعد سنوات استنفذ مآبه من هذه الإشاعة فأعلن أن هشاما قد مات، المزعوم نهاية للرمز المقدس. وتلك " اخلوقة لم يقع في الدهر مثلها " كما يقول ابن حزم (١) .
والحق أن سياق الأحداث بعيد الفتنة مباشرة كان محيرا لذي الوعي المتيقظ، سواء أكان الرجل الواعي فقيها أو شاعرا، أما الفقيه الذي نقدر فيه الوعي، مثل ابن حزم، فقد أقضت مضجعه الحال التي صارت إليها الأندلس دون إمامة، وظل يحس انه بعيد عن التعاطف مع تلك الإمارات المتنابذة، إلا لم يلبث ان انصرف إلى حومة الفقه والمطارحات الجدلية، وقد تكيف وعيه بحسب المشكلات الصغيرة التي تعرض بين الحين والحين، وأعرض عن التفكير في المشكلة الكبرى، مشكلة الوحدة والرابطة القوية.
وأما المؤرخ الواعي الذي يمثله ابن حيان فأصابه الذهول لما أصاب البلاد من تفكك وما دهم قرطبة " عاصمة الخلافة " من تخريب، ولكنه بعد وقت غير طويل أمسك بالقلم ثانية ليكتب؟ نزولا على الأمر الواقع - تاريخ تلك الممالك نفسها. " وأنسأتني المدة أن لحقت بيدي منبعث هذه البربرية الشنعاء المدلهمة، المفرقة للجماعة، الهادمة للمملكة المؤثلة، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية، ففاضت أهوالها تعاظما أولهني عن تقييدها، ووهمني ان لا مخلص منها، فعطلت التاريخ إلى ان خلا صدر منها.. (٢) " ثم جرى القلم بعد احتباس وعاد المؤرخ سيرته الأولى، بل عاد يكتب، ليقدم ما يكتبه إلى " أكرم خاطب، وأسنى ذي همة، الأمير المؤثل الإمارة المأمون ذي
стр. 7
المجدين الكريم الطرفين يحيى بن ذي النون (١) .
وأما الشاعر الواعي فانه بكى قرطبة قليلا وتحسر على ما فات وتلدد في تيه الضياع زمنا يفتش عن الحامي الذي يرتزق من عطاياه، وينفق لديه سلعته، وما لبثت الأمور ان عادت تجري مجرها، واذا كل أمير لدى أي شاعر هو أعظم الناس وأكرمهم وأشجعهم جنانا ولسانا، وأصبح الشاعر كالفقيه الصنيعة والمؤرخ المحدود الأفق، بل فاقهما في توسيع الهوة بين الحاضر والماضي، وفي " التسوير " حول أميره بسياج من الثناء الطويل العريض، سياج يوهم به صاحبه انه حقيق بخير ما تمنحه الأقدار، وانه كفاء بما بين يديه وما دونهما، وذلك ترسيخ لمعنى الفرقة، وقصر نظر عن التمرس بالمشكلة العامة. ولولا إثارة من شكوى سوء الحال يومئذ لكان الشعر الأندلسي مغلفا على المتطلبات الصغيرة التي تستدعيها المناسبات كأن يتبارى شعراء بطليموس في وصف فرس للمتوكل في كفله ست نقط (٢) ، أو يكدون قرائحهم لوصف الأعذار الذنوني (٣) . ولكن لم يحن الحين للحديث عن الشعر، فلذلك موطن آخر.
стр. 8
- ٣ -
من هم لولئك الأمراء الذين نطلق عليهم اسم: ملوك الطوائف "؟ وما هي إماراتهم؟ لو كان المجال مجال الدراسة التاريخية، من أجل التاريخ نفسه، لكان الإسهاب أمرا معقولا بل مطلوبا لازما، أما في هذه المقدمة فان الإيجاز هو الأمر الضروري، وعلى هذا نستطيع أن نقسم أولئك الأمراء في أربع فئات:
ا - موالي العامرية
حكموا في شرق الأندلس أي في المرية ومرسية وبلنسية ودانية وما والاها من جزائر. فكانت المرية ومرسية تحت حكم خيران العامري (٤٠٥ - ٤١٩) ثم خلفه فيهما زهير العامري (٤١٩ - ٤٢٩) وبعده انشطرت المدينتان في دولتين فأصبحت المرية من نصيب بني صمادحٍ (٤٣٣ - ٤٨٤) وأصبحت مرسية من نصيب بني طاهر (٤٢٩ - ٤٧١) ؛ أما دانية والجزائر فكانت لمجاهد العامري وابنه اقبال الدولة من بعده (٤٠٠ - ٤٦٨) إلى أن ضمها بنو هود إلى ملكهم وسقطت (٤٨٤) في يد المرابطين. وشهدت بلنسية عددا من الأمراء توالوا عليها إلى أن ثار فيها القاضي ابن جحاف (٤٨٥ - ٤٨٧) ومن يده أخذها السيد القنبيطور (٤٨٧) ومنه استولى عليها المرابطون.
стр. 9
ب - البربر:
١ - بنو زيري الصنهاجيون في غرناطة ومالقة: نظم هذه الامارة حبوس ابن ماكسن، وكون لها جيشا، وعقد بينه وبين الأمراء جيرابه روابط المودة، وحاول شيئا من التوسع فاستولى على قبره وجيان، وخلفه ابنه باديس فكانت بينه وبين زهير العامري صاحب المرية حرب، قتل فيها زهير وكاتبه ابن عباس، ثم مد نظره إلى ما في يد بني حمود، وكانوا قد ضعفوا فاستولى على مالقة، وهنا اصطدم بابن عباد في نزاع من أجل الفوز بتلك المدينة، فكان النصر له على عباد وقد طال حكم باديس والقى شئون الدولة إلى وزيره اليهودي ابن النغرالة، وإلى نفوذ النساء في القصر، حتى ساءت الحال، وثار أهل غرناطة باليهود فقتلوا منهم مقتلة. ولما توفي باديس خلفه حفيده عبد الله بن بلقين صاحب المذكرات، وتجددت المنافسة بينه وبين ابن عباد إلى أن سقطت طليطلة في يد الفونسو السادس (الاذفونش) ملك قشتاله، واتفق أمراء الأندلس على الاستعانة بالمرابطين. وكان المرابطون هم الذين ازالوا عبد الله عن ملكه (٤٨٤) .
٢ - بنو الأفطس أصحاب بطليموس (وقد انتسبوا إلى قبيلة تجيب العربية، ولكن الثابت انهم من البربر) كانت مملكتهم واسعة، اشتبك صاحبها من جهة مع بني عباد في معارك متعددة، ومع بني ذي النون من جهة اخرى، ومن اشهر رجالها محمد بن الأفطس الملقب بالمظفر (٤٦١) الذي وقف ضد فرناندو (فردينايد الأول) ملك قشتالة. وأخيرا وافق على ان يدفع الجزية لذلك الملط، ومنهم المتوكل ابن الأفطس الذي شهدت المملكة في عهده شيئا من الاستقرار، إلى إن أزال المرابطون دولته.
стр. 10
٣ - بنو ذي النون في طليطلة: (وهي الثغر الأوسط، ومن الممالك المواجهة لحدود الممالك الأسبانية، ومن ثم كان موقعها هاما لمن يستولي عليها) . ومن رجال هذه الدولة إسماعيل بن ذي النون الملقب بالظافر، وولده يحيى الملقب بالمأمون، وحكم هذا الثاني ثلاثة وثلاثين عاما، وكان على نزاع مع ابن هود صاحب سرقسطة وابن عباد صاحب اشبيلية، وقد استعان المأمون بفرناندو ضد بني هود، في مقابل دفع الجزية وإقراره له بالسيادة، عندئذ ذهب ابن هود أيضا يستعين بفرناندو.
غزا المأمون هذا بلنسية واستولى عليها، وحاول الاستيلاء على قرطبة فلم يمكنه ابن عباد من ذلك. ولما تولى الأمر حفيده يحيى القادر اضطرمت من حوله الفتن حتى فر ولجأ الفونس يستعين به على إرجاعه إلى مملكته، فأعانه على ذلك. غير إن الفونس استولى على طليطلة، فأدرك أمراء الطوائف طبيعة ما يحيط بهم من خطر.
٤ - بنو رزين أصحاب السهلة: مؤسس الدولة هذيل بن عبد الملك في شنتمرية، وكان هذا جبارا عسوفا محبا للترف، وخلفه ولده أبو مروان عبد الملك (٤٩٦ت) وقد طال أمد حكمه كتى بلغ ستين عاما. أدى لجزية لألفونس بعد سقوط طليطلة. وخلفه ابنه حسام الدولة يحيى، فلم يكن بشيء، ومنه استولى المرابطون على شنتمرية (٤٩٧) وخلعوه.
ج - العرب:
١ - بنو عباد اللخميون في اشبيلية (٤١٤ - ٤٨٤) : مؤسس الدولة هو القاضي اسماعيل بن عباد، بدأت أولا في اشبيلية، ثم ظلت تتسع حتى أصبحت اكبر دولة من دول الطوائف، فقد استولي المعتضد على لبلة وعلى حصون
стр. 11
من مملكة بني الأفطس وعلى ولبة وعلى جزيرة شلطيش وشنتمرية الغرب. ثم فتح مدينة شلب وولى عليها ابنه المعتمد، وبذلك أصبحت الدولة تمتد من شرقي الوادي الكبير حتى المحيط الأطلسي غربا والجزيرة الخضراء جنوبا. إلا أن المعتضد كان كغيره من ملوك الطوائف يدفع الجزية لفرناند. ولما جاء المعتمد سار على سياسة أبيه في التوسع فاستولى على مرسية وتحرش بمملكة غرناطة، وفاوض الفونس ليحالفه كي يحتلا غرناطة معا؛ وكان ابن عمار رسوله إليه. وظل المعتمد يدفع الجزية لألفونس حتى اضطر إلى الاستعانة بالمرابطين بعد سقوط طليطلة.
٢ - بنو هود الجذاميون: أصحاب سرقسطة أو الثغر الاعلى، تولوا عليها بعد ان زالت دولة التجيبيين التي لجأ إليها الشاعر ابن دراج؛ واول بني هود سليمان الذي كان في حرب مع المأمون بن ذي النون، ولجأ كل منهما إلى ملك من ملوك الاسبان يستعين به في هذا الخلاف. وقبل موت سليمان قسم مملكته بين اولاده الخمسة منها خمس ممالك متنابذة. وأبرز الاخوة أحمد الملقب بالمقتدر، وقد تغلب على ثلاثة من اخوته وقامت بينه وبين الرابع حسام الدولة منازعات طويلة وفي عهده غزا النورمانيون مدينة بربشتر (٤٥٦) فتقاعس عن انجادها لأنها من املاك أخيه ثم فاد إلى ضميره واعان على استردادها. وكان المقتدر يدفع الجزية لملوك قشتالة، واستعان بالسيد القنبيطور ومن معه من جنود مرتزقة، وكذلك استولى على دانية (٤٦٨) . وتججد الفتنة بين خلفائه فعاد كل من المؤتمن، واخيه المنذر يستعين بالأجانب، وكان المؤتمن يعتمد على جهود السيد القنبيطور، وكان هذا البطل الأجنبي هو العقل المدبر واليد الفعالة لدى المؤتمن، وبجهوده تم الاستيلاء على بلنسية. وقد اتخذه المؤتمن أداة يصد بها زحف المرابطين حتى وجد ان شانجة (شانسو) الاراجوني
стр. 12
يهدد مملكة سرقسطة، فلجأ إلى حماية المرابطين إلى أن قتل (٥٠٣) وتسلم المرابطون المدينة بدعوة من أهلها.
٣ - بنو القاسم الفريون في البونت: مؤسس هذه الإمارة عبد الله ابن قاسم وخلفه ابنه محمد عين الدولة (٤٢١ - ٤٣٤) ثم أحمد عز الدولة (٤٤٠) وقد تعرضت هذه الدولة الصغيرة لغارات السيد القنبيطور ودفعت له الجزية حتى استولى عليها المرابطون (٤٩٧) .
٤ - بنو حمود الحسنيون: رشحوا انفسهم للخلافة في الفتنة، فأصبح علي بن حمود خليفة بقرطبة وتلقب بالناصر (ت ٤٠٨) وولي بعده أخوه القاسم بن حمود المأمون؛ ثار عليه ابن أخيه بن علي بمالقة واستولى على قرطبة (٤١٣) وتلقب بالمعتلي وكذلك غلب على الجزيرة الخضراء ولكن امده بقرطبة لم يطل إلى أن قتل (٤٢٧) . فبويع إدريس بن علي ومن بعده حسن بن يحيى وكان الصراع بين الحموديين أ، فسهم سبب ضعفهم وكذلك كان بنو عباد يطمحون إلى الاستيلاء على مملكتهم حتى تم ذلك عام (٤٤٦) وبذلك زالت الدولة الحمودية في الجزيرة مثلما زالت من مالقة عام (٤٤٩) . ويجب ان نذكر ان بني حمود كانوا عربا ولكن اعتمادهم كله كان على العناصر البربرية أو السودانية.
د - موالي الأموية:
وهم؟ في هذا المقام - بنو جهور أصحاب قرطبة، وأول القائمين منهم بالأمر أبو الحزم بن جهور، باختيار من شعب قرطبة. وتشمل هذه الامارة مدنا اخرى منها جيان وبياسة وأبدة، وقد قامت سياسة أبي الحزم على التآلف والمصانعة دون الحرب. ولما توفي (٤٣٥) خلفه
стр. 13
ابنه الوليد بن جهور فسار على سيرة ابيه. وبين أطماع بني عباد وبني ذي النون في قرطبة سقطت المدينة في يد العباديين وزالت دولة بني جهور بعد أربعين سنة من الحكم.
وهذه نظرة سريعة شديدة الايجاز، ولكنها تدل على جانب من الخلافات بين أولئك الأمراء، مثلما تشير إلى اعتمادهم على عون الأجنبي وعلى رضاهم بدفع الجزية، حتى كان استقلالهم في حقيقته تبعية مقنعة أو كما قال أحد المؤرخين: " وصاروا للفنش (ألفونس) عمالا يجبون له الأموال لا يخالف أمره أحد ولا يتجاوز له الحد " (١) . ولا بد من الإشارة إلى إنني لم أورد في هذا المقام جميع الإمارات، ولا سياق التتابع على الإمارة الواحدة ولا وقفت عند الصراع الطويل بين الإمارات المختلفة.
وليس هنالك من تفاوت كبير بين هذه الإمارات، فيما تنتهجه من نظم سياسية أو إدارية، فالسيد فيها ذو سلطان مطلق يميل في أغلب الأحيان إلى الاستبداد والاستهانة بالدماء وانتهاز الفرص، مع ميل إلى الاستكثار من أسباب الترف وضروب العمران. وهو يعتمد على وزير أو وزراء من طبقة الكتاب أو الفقهاء؛ وللوزير الكاتب مكانة هامة في الدولة لأنه اللسان المعبر عن سياستها وعلاقتها بأسلوب لبق أو قوي. أما العلاقة بين هذا السيد فهي علاقة الجباية نظرا لحاجته إلى المال لأعداد الجند وغير ذلك من شئون دولته وأسباب ترفه.
ولا يشذ عن كثيرا إلا بعض نزعات فردية كانت تنزع بصاحبها إلى العدل والمسالمة وإنصاف الرعية، وإلا النظام الذي استحدثه أبو الحزم ابن جهور في قرطبة فكان فريدا في نوعه وسط تلك النظم الفردية الجانحة
стр. 14
إلى الاستبداد. فان أبا الحزم لم يظهر بمظهر الإمارة، فزعم انه إنما يدير البلد حتى يتفق الناس فيما بينهم على من يولونه؟ بعيد الفتنة - وظل يقطن في داره التي كانت له قبل زوال الدولة الأموية، وأبى الانتقال إلى أحد القصور، وكان ما يجمعه من أموال الدولة يجعله بأيدي أمناء يشرف هو عليهم، وصير أهل الأسواق جندا له، وجعل أرزاقهم رؤوس أموال تكون بأيديهم، محصاة عليهم، يأخذون ربحها، ورؤوس الأموال باقية محفوظة، وفرق ﵈ وأمرهم يجعله في الدكاكين والبيوت، حتى إذا دهمهم أمر في ليل أو نهار كان سلاح كل واحد معه في بيته أو دكانه، فرخت الأسعار في زمانه ونشطت التجارة وتغالى الناس في أثمان المباني. وكان إذا سئل عن شيء قال: ليس لي عطاء ولا منع، هو للجماعة وانا رابه أمر أو عزم على تدبير أحضرهم وشاورهم، وإذا خوطب بكتاب لا ينظر فيه إلا أن يكون باسم الوزراء، وأقام علاقاته بجيرانه على الموادعة والمسالمة (١) .
وسار ابنه أبو الوليد على سيرته في درء الحدود حتى كان الأمن في زمنه خيرا مما كان عليه أيام قوة الشرطة في الدولة الأموية والعامرية، وتنافس ابناه على السلطة في حياته، وأخذ كل منهما يستميل إليه طائفة من الجند، ويصطنع طائفة من الرعية، فعمد أبو الوليد إلى تحديد سلطة كل منهما فجعل لعبد الرحمن وهو الأكبر أمر الجباية والإشراف على الموظفين والتوقيع في الصكوك السلطانية وأسباب النفقة، وجعل إلى عبد الملك الإشراف على الجند وأعطياتهم وتجريد البعوث (٢) .
стр. 15
ولكن سياسة المسالمة والمواعدة لم تكن لتحفظ دولة تقوم بين عدة دول فاغرة إلى الالتهام، محدوة بالجشع في التوسع. ولذلك فان دولة بني جهور زالت ولم تعمر طويلا.
- ٤ -
وأصيبت الأندلس؟ في عهد الطوائف - بثلاث هزات عنيفة تركت اثرا بعيدا من اشاعة القلق والخوف والتوجس من المستقبل، وردد الأدب صداها، ولهذا السبب يجدر أن نوليها شيئا من الشرح في هذا المقام:
وأولاها استيلاء النورمانيين (الاردمانيين) على بربشتر (٤٥٦) وبلغ خبرها قرطبة في صدر شهر رمضان من ذلك العام " فصك الأسماع وأطار الأفئدة وزلزل أرض الأندلس قاطبة وصير لكل شغلا يشغل الناس في التحدث به والتساؤل عنه والتصور لحلول مثله " (١) . وقد صور ابن حيان هذه الحادثة بدقة، وخلاصة ما قال إن جيش الاردمانيين حاصرونا وجدوا في قتالها، ولم يتحرك يوسف بن هود لنصرتها، ووكل أهلها إلى أنفسهم، فظل العدو يحاصرها أربعين يوما، حتى قلت فيها الأقوات، فألحوا عليها، ودخلوا المدينة الخارجية، فتحصن الناس في مدينتهم الداخلية، وكانت السقيا تستمد من سرب يفضي إلى النهر،
стр. 16
فوقعت فيه صخرة حالت دون تيسر الحصول على الماء، فاجتمع على أهلها الجوع والعطش، فطلبت الحامية الأمان، فكان ذلك لها. ولكن الاردمانيين غدروا بهم وقتلوهم جميعا ولم يطلقوا غير قائدهم ابن الطويل وقاضيهم ابن عيسى. واستولوا من الغنائم على ما لا يكاد يحصى كثرة، وزعموا أنه حصل لأكبرهم في حصته نحو ألف وخمسمائة جارية أبكار، ومن أوقار الأمتعة والحلي والكسوة خمسمائة جمل، وقيل إنه أصيب فيها قتلا وسبيا ما يبلغ خمسين ألفا. وترك قائد الاردمانيين حامية في المدينة عددها ألف وخمسمائة من الخيالة وألفان من الرجالة. غير أن المقتدر أحمد ابن هود سعى بعد أشهر من الحادثة لإسكات سوء القالة عنه فاستولى على المدينة، وأسر من فيها فاسترق بعضا وأطلق بعضا بفدية عظيمة.
وثانية الهزات وأبلغها خطرا استيلاء الاذفونش على طليطلة، ولا بد لفهم هذه الحادثة من توطئه تعود بنا إلى أيام المأمون ابن ذي النون الذي كان قد جعل سياسة دولته ترتكز على كاهلي رجلين: ابن الفرج الذي كان يتولى تدبير الأجناد والأعمال الديوانية، والفقيه أبو بكر بن الحديدي الذي كان يتولى النظر في المظالم وغير ذلك مما لم يقع في نطاق سلطة ابن الفرج. ولما مات المأمون أوصى حفيده بأن يتمسك بابن الحديدي وأوصى هذا الفقيه بالحفيد الذي لقب بالقادر. وكانت مشيخة طليطلة تسعى للتخلص من ذلك الحفيد فوقف ابن الحديدي في وجوههم وكشف عن دسائسهم ضده في حياة المأمون حتى إن المأمون احتال عليهم وسجن عامتهم في مطبق بحصن وبذة، إحدى قلاعه المنيعة. فلما توفي المأمون وخلفه القادر أخذ من بقي معه من تلك البطانة يغرون بالفقيه ليتخلصوا منه، ونصحه ابن الفرج ان يحفظ لأبن الحديدي يده، وأن يحميه من أولئك الدساسين. ولكن القادر لغرارته لم يعر هذا النصح اهتماما، وإنما واطأ
стр. 17
الناقمين عليه وأطلق المسجونين بمطبق وبذة، وأدخلهم البلد سرا ملثمين سنة ٣٦٨؟ فعل كل ذلك بممالأة الفقيه ابن المشاط قاضي قونكة، وهو صديق ابن الحديدي الذي استدرج صديقه إلى قصر القادر حيث أحيط به وقتل غدرا.
وكان لابن الحديدي " شعبية " كبيرة، ولذلك ثار العتمة عندما سمعوا بمقتله، وكثرت الفرقة، وانقسم الناس أحزاباً، وعندئذ أعلن ابن عبد العزيز صاحب بلنسية أنه خارج على طاعة ابن ذي النون. وتحركت أطماع اذقونش بن فرذلند، فأخذ يشتط على القادر فيما يتطلبه، والقادر يبذل له ما يريد. وتحرك ضد القادر حزب المشيخة الذين أخرجهم من السجن (١) ، فلما وجد الفوضى عامة هرب من طليطلة، وانفلت زمام البلد، وأقام أهلها؟ كما يقول ابن بسام - " في هياط ومياط ولجب واختلاط، ليس عليهم أمير، ولا فيهم إلى الصواب مشير ". وعندئذ تزعم عليهم رجل يدعى ابن القلاس، وأشار عليهم باستدعاء المتوكل ابن الأفطس، فدخل هذا طليطلة عقب سنة ٤٧٣.
أما ابن ذي النون الهارب فانه أخذ يراسل إذ فونش، ويذكره كيف أن بني ذي النون هم الذين مكنوه من الملك بعد أن ثارت المنازعات بينه وبين أخويه شانجه وغرسيه، وأن المأمون هو الذي آواه، عندما كان بحاجة إلى مأوى، فخف إذ فونش لمسارعته. وعندئذ فر المتوكل من طليطلة بعد أن " قمش ما بقته الفتنة من فرش فخم وسرادق ضخم وآنية وكتب ". وترك المدينة " كالسفينة خانتها الريح، والجسد بان عنه الروح ".
стр. 18
وحاصر الاذفونش طليطلة ومعه ابن ذي النون سنة ٤٧٤، ولم يثبت ألط ليطلون لحصاره، وتراموا على إذ فونش يشكون ابن ذي النون، وبستصرخونه عليه، فلم يستمع إليهم. وكان القادر قد تعهد لصاحبه بأن يؤدي إليه حصونا وأموالا لقاء تلك المساعدة، وألح إذ فونش عليها بجيوشه، فغلت الأسعار، وكثر القتل والجلاء والتخريب. وطفق سكانها يستصرخون ملوك الطوائف فلا يجدون معينا، فتوسل المشيخة إلى إذ فونش لعله يرضى عنهم، فأدخلهم عليه حاجبه شئنند، الذي كان من قبل يعمل عند المعتضد ابن عباد، فأراهم أذفونش أن مصابرتهم لن تجديهم، وأن أحدا من ملوك الطوائف لن ينصرهم، وأطلعهم على ذلة وفود أولئك بباله، وانه يستنكف أن يأخذ منهم الضريبة التي ترده من أولئك الملوك. فخرج مشيخة طليطلة من عنده متعجبين يائسين، وسلموه البلد، فدخله على حكمه. وعندئذ وجد انه يستطيع أن يماحك ملوك الطوائف فأخذ يغلو في إذلالهم ويشتط فيما يطلبه منهم.
وولى ششند حكم المدينة فأدارها إدارة عادلة أمالت إليه القلوب وزادت في نفور الناس من ملوك الطوائف، وكان ششنند يرى أن تعطى البلد لأبن ذي النون وأن تبقى عامرة بأهلها، وأن لا يلح أذفونش على ملوك الطوائف لأنهم في حقيقة حالهم عمال عنده، فلم يقبل نصحه، وبدأ يغير جامع طليطلة ويحوله إلى كنيسة عام ٤٧٨، ولم يكن فيه من أحد إلا إمامه الشيخ المغامي وهم يستعجلونه ليخرج منه " وبين يديه أحد التلامذة يقرأ، فكلما قالوا له عجل، أشار هو إلى تلميذه بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولا تهيب، فسجد به وأقترب، وبكى عليه مليا وأنتحب، والنصارى يعظمون شأنه، ويهابون مكانه، لم تمد إليه
стр. 19
يد، ولا عرض له بمكروه أحد (١) ".
وقد كان لسقوط طليطلة أثر عظيم في نفوس أهل المدن الأندلسية الأخرى، وهو الحادث الذي جرت نتائجه إلى استدعاء المرابطين.
ونثلث هذه النكبات بذكر ما جرى على بلنسية، وأن كانت قد سقطت بعد استيلاء المرابطين على معظم الأندلس، وإنما نوجز خبرها لنعود إلى السياق التاريخي فنتحدث عن استقدام المرابطين ثم اندثار إمارات الطوائف.
وكان بطل هذه الحادثة هو السيد القنبيطور الذي نسجت الأساطير الكثيرة من بعد حول بطولته وامجاده، وكان قد ربي في بلاط بني هود، واستغله هؤلاء في أعمالهم الحربية " واستعرب " بعض الشيء " فكانت تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب، استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويعجب (٢) ، ونتلخص قصة انحائه على بلنسية في أن اذفونش لما أخذ طليطلة وعد ابن ذي النون أن يعطيه بلنسية فذهب هذا إلى قونكة عند أشياعه بني الفرج وبقي فيها حتى مات صاحب بلنسية؟ ابن عبد العزيز - وعندئذ دخلها ابن ذي النون.
وفي تلك الأثناء كان المرابطون قد اخذوا يحتلون البلاد ويدين لهم
стр. 20
ملوك الطوائف، فخافهم أحمد بن يوسف بن هود صاحب سرقطة على ملكه، فسلط القنبيطور على بلنسية لكي يجعله عقبة تحول بين المرابطين وتمنعهم من الوصول إلى دولة سرقسطة. فأقام القنبيطور على تلك المدينة وتسلم زمامها ثائر يدعى القاضي ابن جحاف، فتخلص من ابن ذي النون أو قتله أقارب ابن الحديدي ثارا للفقيه المتقدم ذكره.
ولم يكن ابن جحاف إلا فقيها لا يحسن أمور السياسة " ولم يعلم أن تدبير الأقاليم غير تلقين الخصوم، وأن عقد ألوية البنود، غير الترجيح بين العقود وانتحال الشهود " فقوي طمع لذريق؟ وهو أسم السيد - في أخذ المدينة وألح عليها بالحصار، وأخذ ابن جحاف يستصرخ المرابطين وقبل أن تصله النجدات، اضطر إلى تسليم المدينة. وعندئذ طالبه السيد بذخيرة نفيسة كانت لأبن ذي النون فأنكر أنها عنده، وحلف أمام أهل الملتين على ذلك، وأخذ القنطيبور عليه عهدا أنه أن وجدها عنده حل سفك دمه، وبعد البحث عنها وجدها، فأضرم للفقيه نارا وأحرقه، كما أحرق رجالا آخرين. " وأضرم هذا المصاب الجليل أقطار الجزيرة يومئذ نارا وجلل سائر طبقاتها حزنا وعارا ". وظلت بلنسية كذلك حتى استعادها أمير المسلمين عام ٤٩٥.
- ٥ -
كان الفونس السادس (أذفونش بن فرذلند) قد وضع نصب عينيه الأستيلاء على الأندلس، ولكن سياسته اتجهت نحو اضعاف ملوك
стр. 21
الطوائف بالتفرقة وبث التنافس فيما بينهم، وايجاد أسباب العداوة المتجددة بين واحدهم والآخر، وضرب الجزى عليهم ليجوروا على رعاياهم فتسفسد عليهم النوايا. ولم تكن الغاية من هذه السياسة خفية أو مكتومة، إذ كان يتحدث بها وزراء الفونس ومساعدوه إلى من يتصلون به من ملوك الطوائف حتى قال شئلاند (ششنند) مرة لصاحب غرناطة: " إنما كانت الأندلس للروم في أول الأمر حتى غلبهم العرب، وألحقوهم بانحس البقاع؟ جليقية - فهم الآن عند التمكن طامعون بأخذ ظلاماتهم ولا يصح ذلك إلا بضعف الحال والمطاولة، حتى إذا لم يبق مال ولا رجال اخذناها بلا تكلف " (١) ويعلق عبد الله صاحب غرناطة على هذا بقوله::فكان الجميع يساير الأمور ويدافع الأيام ويقول: من هنا إلى أن تتم الأموال وتهلك الرعايا؟ بزعمهم - يأتي الله بالفرج وينصر المسلمين. " (٢)
وجرب الفونس سياسة التهديد المباشر أيضا قبل سقوط طليطلة، لكي يزيد في الفزع والرعب، إذ تحرك بجيوشة من الإفرنج والجلالقة والبشكنس عام ٤٧٥ " فشق بلاد الأندلس شقا، يقف على كل مدينة منها فيفسد ويخرب ويقتل ويسبي ثم يرتحل إلى غيرها، ونزل على أشبيلية فاقام عليها ثلاثة أيام فأفسد وخرب، وكذلك فعل في شذونه واحوازها، وخرب بشرق الأندلس قرى كثيرة " (٣) .
فلما سقطت طليطة في يده قدر أن الحين قد حان لتنفيذ خطته الكبرى، فاحتوشه الزهر والكبر وداخله الإعجاب وتسمى بالأنبراطور
стр. 22
ذي الملتين، وظن أن سياسة المطاولة قد بلغت غايتها، ففاز باستخلاص جميع أقطار ابن ذي النون وذلك ثمانون منبرا سوى البنايات والقرى المعمورات، وحاز من وادي الحجارة إلى طلبيرة، وفحص اللج واعمال شنتمرية كلها. وأخذ الأمراء يتوددون إليه مهنئين مرسلين الأموال من قبلهم، حتى إن صاحب شنتمرية حسام الدولة ابن رزين نهض إليه بنفسه ومعه هدية سنية ليقره عاملا له في بلده، فجازاه على هديته بفرد وهبه إياه. (١)
وارتفعت راية الخطر المباشر بالنسبة للمعتمد حين بعث إلى الفونس بالضريبة المقررة بعد سقوط طليطلة فردها ولم يقبلها وأرسل يتهدده ويطلب حصونا عينها، على لسان رسوله اليهودي (ابن مشعل أو ابن شاليب) فغضب المعتمد وضرب رأس الرسول بمحبرة كانت أمامه، فانزل دماغه في حلقة، وأمر به فصلب منكوسا بقرطبة. وصمم المعتمد على سياسة جديدة، وأن كان يتخوف شأن الملثمين حين قال قولته المشهورة: " رعي الجمال خير من رعي الخنازير " (٢)
ولا ريب في أن المعتمد خضع في هذا الاتجاه إلى ضغط العدو الخارجي من ناحية وإلى ضغط الرأي العام الداخلي من ناحية أخرى، إذ كان الناس يفدون على يوسف بن تاشفين يستنصرونه لينقذ البلاد، قبل أن تذهب إليه رسل أبن عباد. ثم انقاد بعض ملوك الطوائف إلى رأي ابن عباد، وأيدوه نزولا على حكم الأمر الواقع، فلما قام وفد من فقهاء الأندلسين بالسفارة لدى يوسف لبى الدعوة، وجاز إلى الجزيرة
стр. 23
الخضراء عام ٤٧٩ وتلقاه المعتمد مرحبا.
واجتمعت الجوش المتحدة في الزلاقة من أقليم بطليموس، وقابلها الفونس بجيوش كثيفة من الجلالقة والأفرنجة. وكانت معركة حامية الأوار، أبلى فيها الصحراويون، وتميز فيها المعتمد، وأثخن بالجراحات، وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم الآخر. واحرز المسلمون النصر بعد خسائر بالغة. وكر يوسف عائدا إلى بلاده، وعاد أبن عباد إلى أشبيلية، وجلس للناس، وهنىء بالفتح، وقرأت القراء، وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه. قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم وأعدت قصيدة انشده إياها، فقرأ القارئ: " إلا تنصره فقد نصره الله "، فقلت: بعدا لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره إليه وأقوم به (١) .
- ٦ -
إذا نظرنا إلى الناحية المباشرة في نطاق الفتح والغلبة، لم نعد معركة الزلاقة حاسمة، لأن يوسف لم يقطف ثمراتها بالإلحاح المستمر على جيوش الفرنجة وتعقب النصر إلى النهاية، حسبما كان يود المعتمد ابن عباد. ثم أن المعركة لييط التي خلفتها، واستدعت من يوسف جوازا ثانيا، ولم تأت بشيء من النصر، قد ضعضعت من قيمة النصر الجزئي الذي حققته الزلاقة. أما لييط فأنه حصن منيع تتمركز حوله جهود المقاومة الأجنبية
стр. 24
ولذلك اجتمعت حوله الجيوش المتحدة، جيوش أمراء الطوائف وجيوش المرابطين، ولكنها ارتدت عنه متفرقة الكلمة. مما جعل يوسف يسيء الظن بالمعتمد في تجميعه قوى الهجوم على هذا الحصن، وهذا يتجلى من قوله: " إنما قصد ابن يرينا صعوبة قتال الحصون المنيعة وأن بلاده ذوات معاقل صعبة " (١) .
ولكن الزلاقة كانت ذات نتائج عامة: فقد اخرت ضياع الأندلس نهائيا، وأظهرت هي ولييط من بعدها، خطر الفرقة التي يعيش فيها أمراء الطوائف، وأفهمت الأندلسيين أن المرابطين يمكن أن يكونوا حماة لهم، لا امراءهم المتنابذون؛ إلا أن أولئك الأمراء لم يفيدوا درسا من هذا العون الجديد، بل قابلوه بالحذر، وعادوا سيرتهم الأولى، وأخذ بعضهم يبني الحصون ليحمي نفسه من المرابطين أنفسهم.
وتهالك الناس على يوسف، يشكون إليه أمراءهم وثقل الضرائب الواقعة عليهم، ولا ريب في أن الأندلس أعجبت يوسف أكثر من بلاده الصحراوية، ورأى بعين الرجل البصير الطموح، أن الأندلس لا يمكن أن تظل على هذه الحال، فأن كثرة الحكام تعرقل المجهود لجمع الكلمة، وأهل الأندلس يؤدون الضرائب لحكامهم، ويقدمون انزالات للمرابطين، فلا بد إذن من القضاء على ملوك الطوائف، وهؤلاء هم الفقهاء يفتون بأن القضاء عليهم واجب شرعا. ولذلك، بدأ بصاحب غرناطو أضعفهم فاستولى على بلده، ثم توصل إلى القضاء على دولة بني عباد وبني الأفطس وغيرهما.
ولقد أدرك يوسف أنه شاء أن يعمل عملا إيجابيا، فلا بد من أن يحمي ظهر جيوشه من الدسائس، وأن المعركة الواحدة لا تحل
стр. 25
مشكلة تلك البلاد، ولا بد من " إقامة " الجيوش لتواصل الحرب. وكان شرق الأندلس قد أصبح مهددا بالضياع، تحت وطأة ردمير والبرهانس والقنبيطور. وانضاف إليهم جنوة وبيشة، فتوجه ابن عائشة وسير بن أبي بكر، من قواد المرابطين للدفاع عن المنطقة الشرقية، وفي خلال سنوات قليلة كانت الأندلس قد دانت لسلطة المرابطين. ولما توفي يوسف عام ٥٠٠ لم يكن فيها من الدول المستقلة سوى دولة بني هود.
- ٧ -
حكم المرابطون المغرب والأندلس؟ العدوتين - معا (٤٨٤ - ٥٣٩) وتوالى على السلطان بعد يوسف ابنه علي (٥٠٠ - ٥٣٧) ثم تاشفين بن علي (- ٥٣٩) الذي ثار عليه الموحدون ونزعوا منه سلطانه، وثارت الأندلس وعاد إليها التجزؤ الذي كان أيام الطوائف.
وكانت الأندلس أيام المرابطين ولاية يديرا في أغلب الأحيان واحد من أبناء أمير المسلمين وتحت يده ولاة موزعون في مختلف المدن، أما أمير المسلمين فيجتاز إليها بين الحين والحين رغبة في الجهاد أولا وفي تفقد شؤونها العامة ثانيا.
وقد كان ولاة المرابطين كثيرين، من حيث عددهم وتنقلاتهم وتواليهم على الولاية الواحدة حتى ليصعب أن نستقصي كل ذلك من أحوالهم. ومن أشهرهم سير بن أبي بكر الذي بقي واليا على أشبيلية مدة سبعة وعشرين عاما. ومنهم محمد بن الحاج والي غرناطة وقد عزله يوسف عام ٤٩٩
стр. 26
وولى مكانه أبا بكر بن إبراهيم اللمتوني وهو ممدوح ابن خفاجة، ووزر له ابن باجة الفيلسوف؛ ولما اجتاز علي بن يوسف ولى على غرناطة اخاه تميما ثم عزله عنها سنة ٥٠٤ ونقله إلى تلمسان وتولى مزدلى (٥٠٥) غرناطة وقرطبة والمرية، حتى توفي (٥٠٨) فعين علي ولديه عبد الله ومحمدا على عمالتي غرناطة وقرطبة. وقد قتل محمد وهو يحارب القشتاليين في السنة التالية وقتل معه محمد بن الحاج صاحب سرقسطة وابن اسحاق ابن دانية وثمانون شخصية أخرى من المرابطين علاوة على كثير من المرتزقة والجنود الأندلسيين.
وكان تميم واليا عاما على الأندلس ثم خلفه عليها تاشفين بن علي. وقد صدق المرابطين الدفاع عن الأندلس، وقاموا بتعزيز الناحية الدفاعية مثلما تابعوا سياسة الهجوم. ولعل حادثة الرنيسول (٥١٩ ١١٢٥) هي التي أطلعت الحكام على ضعف وسائل الدفاع، فقد أخذ أهل الذمة بجبال الدروع بكاتبون الفونس ويحثونه للهجوم على غرناطة، فاستنجد تميم بالمغرب، وعلى أثر ذلك الحادثة انتقل أبو الوليد ابن رشد قاضي قرطبة إلى مراكش ليبحث مع أمير المسلمين خطر الذين الموجودين بمنطقة غرناطة، وكيفية عقابهم ويحثه على تجديد الحصون المحيطة بالمدن الأندلسية الكبرى. فكتب أمير المسلمين إلى عماله يأمرهم بأن يعجلوا في أصلاح مراكز الدفاع عن المدن الكبرى، وعزل تميما (٥٢٠) لقلة خبرته وولى عينعلو على غرناطة وعمر بن سير على قرطبة، فقال عينعلو بإصلاح الأسوار. وقام أهل قرطبة بإصلاح سور مدينتهم، كل حي يصلح ما يليه وكذلك فعل أهل إشبيلية وأهل المرية. (١)
стр. 27
ولم يلبث الأندلسيون أن ضاقوا ذرعا بحكم المرابطين لتسليطهم الفقهاء على الناس، ولتضييقهم شيئا مما تعوده الأندلسيون من حرية شبيهة بالفوضى. كما لم يلبث أمراء المرابطين أن تشبهوا بالأندلسيين في الأخذ بأسباب التحضر، وتقريب طبقة المثقفين، والعمل على تزيين مجالسهم بما يمحو بساطة الصحراء، وجنح بعضهم إلى الاستبداد. وإذا كان الشعر ذا دلالة اجتماعية فإن ظهور القصائد في مدح النساء قد يدل على ما كان لهن من سلطة واسعة في الحياة الإدارية. وقوى المرابطون في أسبانيا، الشعور باحترام المرأة ربة الدار؟ وذلك طبقا لما يقتضيه المثل الأعلى البربري الذي ظل متعلقا بنظام اجتماعي أولي يقوم على الأمومة (١) . وينسب المراكشي إلى تسلط النساء في شئون الدولة، قسطا وافرا من المسئولية في فساد حكم المرابطين: " واستولى النساء على الأموال وأسندت اليهن الأمور، وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ومسوفة، مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور " (٢) . وبذلك تضعضعت القاعدة التي قامت عليها الدولة، وهي البعث الديني والجهاد، وابتعدت المسافة القائمة بين فئتي الادارة العليا، الفئة الاولى ويمثلها أمير المسلمينالصالح لزاهد المتبتل وحوله الفقهاء يتجادلون مجادلات نظرية في شئون الدين، والفئة الثانية ويمثلها ولاة مباشرون على الأندلس، مستبدون أو ضعاف تتصرف النساء في شؤؤن ولايتهم، وكان معنى ذلك أن أية ريح قوية تهب على الدولة، ستعصف بها. ولم يكد الموحدون يظهرون حتى كان القضاة والمغامرون في الأندلس، قد اعلنوا استقلالهم، كل في بلده وناحيته.
стр. 28
بعض المظاهر الإجتماعية
مبلغ الجهد في هذا المقام أن نقتصر على دراسة المظاهر الإجماعية التي تلقي أضواء مباشرة على الأدب، ولكن الألتزام بما يمكن أن تسيره المصادر يجعل الكلام في هذه المظاهر المقدمة على سواها ملاحظ متناثرة، لا تتمتع باحاطة أو شمول:
الجلاء: وأخطر تلك المظاهر؟ في رأيي - ما يمكن أن أطلق عليه اسم " الجلاء "، وهي فكرة تنقض الثبوت اللازب الذي نتصوره دائما لمجتمعات القرون الوسطى، إذ لم تعد حركة الأنتقال قاصرة على الرحلة العلمية أو التجارية أو على النجعة في سبيل الأرتزاق، بل أصيب المجتمع بتموجات متحركة كانت احيانا تخل من توازنه، وتترك فيه آثارا نفسية عميقة. وقد بدأ هذا الجلاء الذي يضرب على المستقريين بيد الشتات في حادثة الفتنة البربرية أولا وانسياح كثير من أهل قرطبة فرارا بأرواحهم في نواحي الأندلس المختلفة، ثم تزايدت حركة الجلاء أثر سقوط بعض المدن في الحروب الداخلية وكان على أشد احواله عندما تسقط مدينة في يد العدو الأجنبي، وربما حدث شيء من ذلك نفسه عندما سقطت
стр. 29
إمارات الطوائف في يد يوسف بن تاشفين، ثم في حركة الانتقال الإرادي الذي تم بتشجيع من أمراء المرابطين ليعمر علماء الأندلس بلاط مراكش.
ولم يكن هذا الجلاء متصلا فحسب بالحروب والفتن، بل كان من أسبابه أيضا طلب الرزق أو الهرب من الضرائب والظلم. وقد اجتمع هذان العاملان معا في حال بلنسية وشاطبة؟ مثلا - عندما تولى أمرهما الفتيان العامريان، مظفر ومبارك، فقد اشتطا في تحصيل الضرائب، " حتى تساقطت الرعية وجلت أولا فأولا، خرجت عن أقاليمها آخرا " ولكنهما لما كانا فتيين صقلبيين، فقد لحق بهما لأول أمرهما كثير من موالي المسلمين، من أجناس الصقلب والإفرنجة والبشكنس، حتى لحق ببلنسية ونواحيها من هؤلاء الأصناف فوارس برزوا في البسالة والثقاف، وانفتح بباب الأندلس باب شديد في إباقة العبيد، إذ فزع اليهما كل شريد طريد وكل عاق مشاق، ولحق بهم كل عريف، ورئيس كل صناعة معروف، فنفق سوق المتاع لديهم، وجلبت كل ذخيرة إليهم؟ واستوطنها [أي بلنسية] جملة من جالية قرطبة القلقة الاستقرار، فألقوا بها عصا التيسار (١) . ولما كان السيد القنبيطور يحاول أخذ بلنسية " انقطع إليه من أشرار المسلمين وأرذالهم وفجارهم وفسادهم، وممن يعمل بأعمالهم خلق كثير، وتسمى بالدوائر [؟] فكانوا يشنون على المسلمين الغارات، ويكشفون الحرمات، يقتلون الرجال ويسلبون النساء والأطفال، وكثير منهم أرتد عن الإسلام؟ " (٢) .
وكان من أسباب هذا الجلاء أيضا الصراع العنصري، فإن تغلب
стр. 30
البربر بعد الفتنة على مناطق واسعة أخرج أهل تلك المناطق وأزاحهم عن ملكيتها (١) . كما أن استبداد الجند بالأمور واطلاق أيديهم بالتصرف جعلهم يتجاوزون كل الحدود " حتى فشا في المواشي ما ترون من الغارات وثمار الزيتون وما تشاهدون من استيلاء البربر والمتغلبين على ما بأيديهم، إلا القليل التافه " (٢) وهذه الحال من فقدان الأمن والأطمئنان تضطر المضطهدين إلى الهجرة والنزوح.
وفي هذا الجو المتقلب المتموج برزن شخصية الرجل القلق المغامر الذي يتجول من بلد إلى بلد عارضا مهارته على من يقدرها حق قدرها، يستوي في هذا مختلف ذوي المهارات المطلوبة من جندي وكاتب وشاعر ومعماري وصاحب أي حرفة أخرى، ولم يكن اختلاف الدين حاجزا في هذه الأمور فكان السيد القنبيطور يخدم المصلحة، فتارة يحارب من أجل امير مسلم وتارة من أجل أمير نصراني؛ ولما سقطت طليطلة في يد النصارى حلق الفقيه أبو القاسم بن الخياط وسط رأسه وشد الزنار وأخذ يعمل كاتبا عند الأذفونش (٣) وهذا وان كان الغاية الشاذة في إيثار المصلحة الفردية فان له بعض الدلالة العميقة على شيء من التهاون في المقايس العامة اذا هي تعارضت مع مصلحة الفرد. وانموذج هذه الشخصية من الجانب الاسلامي - في مقابل القنبيطور - شخصية الشاعر ابن عمار، فقد نشأ فقيؤا محروما، ولكنه كان مشربا بالطموح، انتهازيا، مكيافلليا مستعدا لأن يركب إلى غايته كل واسطة، مؤمنا بالصداقة بمقدار ما تبلغه أهدافه، حتى قال فيه احد
стр. 31
الدارسين (١) : " كان ابن عمار وصوليا؟ إذا صح هذا التعبير - مع أخلص أصدقائه، فقد خان المعتمد صديقه وولي نعمته، واستغل ضعف ابن طاهر، رغم ما بينهما من علاقات وثيقة ليوقع به كما لم يسلم من لسانه السليط، أمير بلنسية، عبد العزيز بن أبي عامر؛ والمعتصم ابن صمادح أمير دانية الذي كانت تربطه بالشاعر أوثق الصلات غضب عليه واستنكر أعماله؟. ". هذا إلى أنه وثق علاقاته بالفونس السادس، لكي يستعين به على تحقيق نآربه. ويقول الدكتور صلاح خالص في تصويره لانتشار المغامرين في الأندلس من أمثال ابن عمار: " لقد كان هؤلاء المغامرون منتشرين آنذاك في كل جوانب الأندلس، ولا سيما في بلاطات الملوك وقصور الأمراء يتلمظون بانتظار فرصة يانحة وصفقة رابحة ولقمة سائغة " (٢) .
٢ - طبقة الفقهاء: وقد شملت هذه الروح الانتهازية عددا كبيرا من طبقة الفقهاء، حتى حين كان الفقيه مشهودا له بسلامة اليد واللسان وجر ذلك إلى اختلال في القيم عامة، وسر ذلك أن الفقهاء كانوا ذوي شأن كبير في الحياة الأندلسية، قال عبد الله بن بلقين في مذكراته: " ولم تزل الأندلس قديما وحديثا عامرة بالعلماء والفقهاء وأهل الدين، واليهم كانت الأمور مصروفة إلا ما يلزم الملك من خاصته وعبيدة وأجناده؟ وأما ماكان بينهم من مظلمة أو قضية وكل حكم يرجع للسنة فأنما كان لقاضي البلدة " (٣) .
ومع ذلك لم يكن الفقهاء والقضاة في طليعة المغامرين عندما سقطت
стр. 32
الدولة الأموية؟ باستثناء القاضي ابن عباد. فلم تأخروا عن تسليم زمام المبادرة يومئذ؟ أغلب الظن أن سلطتهم المعنوية كانت ما تزال تقتصر إلى تأييد عسكري، ولذلك استأثر بالموقف مغامرون من طراز آخر، منهم فرسان الصقالبة والبرابرة. ثم إن هؤلاء الفقهاء والقضاة لم يكونوا قد ألفوا يومئذ ادعاء الإمامة لأنفسهم إلا أن يكونوا من قريش، ومن العسير ان يتسوروا على الامارة دون سند، وهذا احد الاسباب التي دعت فقيه اشبيلية؟ ابن عباد - إلى أن يدعى أن هشاما " الخليفة القريشي " ما زال حيا.
ولكن ليس معنى هذا انهم تخلفوا عن مراكزهم الاولى بعد الفتنة البربرية، أو تنازلوا عنها، فقد اشتركت مصالحهم مه مصالح الثائرين في غير مكان، وكان منهم أصحاب الأمر والنهي إلى جانب الحكام انفسهم، كما كانت الحال في قرطبة أيام بني جهور، وكذلك كانت شئون دولة بني ذي النون بطليطلة موكولة إلى الفقيه ابي بكر بن الحديدي، كما ان بلنسية أسلمت أمرها في أحدى مراحل تاريخها إلى القاضي ابن جحاف. ويقول ابن الخطيب في خبر زهير العامري: " إنه كان يشاور لبفقهاء ويعمل بقولهم " (١) كذلك فان مجاهداالعامري نصب بمحل ملكه خليفة دعا الناس إليه وهو الفقيه المعيطي أحد من أزعجته الفتنة من رجال الأشراف بقرطبة، وكان في عدد الفهاء المشاورين بها، فنصبه خليفة واخذ له على الناس البيعة " فاستبد المعيطي بالناس واستأثر بالفيء وجاهر بالمعاصي (٢) ". وهذه امثلة فحسب، ولو تتبعنا مقامات الفقهاء ممن يلي هؤلاء في المكانة السياسية لوجدناهم ما يزالون مقدمين عندئذ. ومن
стр. 33
اجل ذلك حملهم ابن حيان مسئولية التضييع واشركهم في ذلك مع الأمراء حين قال: " ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء، فلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يفسدون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا، بما لا كفاية له ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ذيادا عن الجماعة، وجريا إلى الفرقة، والفقهاء أثمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكده الله تعالى عليهم من التبين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ في التقية في صدقهم " (١) .
وربما الذي كان يعنيه ابن حيان، هو هذه المؤازرة الاجتماعية، أو السلبية المطلقة في سلوك الفقهاء " كجماعة "، غير انه وجد بعض افراد من الفقهاء، من ذوي اليقظة والحرص على مصالح الرعية، ومن دعاة التآلف والتآزر، كالفقيه ابي حفص عمر بن الحسن الهوزني، الذي وقف جهده للتنبيه على ما دهم من حادث بربشتر، وللحض على الجهاد (٢) ، والفقيه ابي الوليد الباجي الذي أخذ يدعو إلى التآزر بين أمراء الطوائف لما رأى فرقتهم وتنابذهم بعد عودته من المشرق، ومضى يحاول أن يصل " ما انبت من تلك الاسباب فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف اسماعا واعية، بل نفخ في عظم ناخرة، وعكف على أطلال دائرة، بيد انه كلما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره، لقيه بالترحيب وأجزل حظه للتأنيس والتقريب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستقل
стр. 34
طلعته (١) ". ولم يكن مقدورا للباجي أن ينجح في مهمته، لأنه لم يكن يرفض عطايا الأمراء، ومن نشب في أعطياتهم فقد أضعف أثر دعوته من أن يبلغ قلوبهم، قال القاضي عياض " " كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته للرؤساء " (٢) . ولما وافق ابن هود على دفع ضريبة للروم شكا الناس ذلك إلى فقيه صالح يسكن في قرية من عمل ابن هود، فقال الفقيه: " هذا لا يكون وانا حي في الدنيا ". ثم ركب إلى ابن هود ووعظه، فقتله ذلك الأمير خوفا من ان يتجاسر غيره على ان يفعل مثل فعله (٣) .
فلما كانت دولة المرابطين، وأساسها ديني، وخلفاؤها الثلاثة ذوو زهد وتبتل وعبادة، قربوا اليهم الفقهاء، ليمنحوا الدولة الصبغة التي يؤثرونها، فارتفع شأن هؤلاء اكثر من ذي قبل. قال المراكشي في وصف حكومة علي بن يوسف: " وكان لا يقطع امرا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولى احدا من قضاته، كان في ما يعهد إليه ألا يقطع أمرا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من الأندلس " (٤) .
ونال الفقهاء من تلك الاسباب ثروات ضخمة، أثارت حفائظ الشعب، ولذلك أعلنوا ذممهم وتهكموا بهم وبأسيادهم المرابطين، وتحينوا الفرص ليشفوا منهم الغليل عن طريق الغمز واللمز. وقد نالت رسالة لأبي مروان بن ابي الخصال شهرة واسعة في الأندلس، لا لشيء إلا لأن فيها سبا لجند المرابطين الذين تخاذلوا في قتال العدو، وفيها يقول:
стр. 35
" أي بني اللئيمة وأعيار الهزيمة، إلام يزيفكم الناقد ويردكم الفارس الواحد فليت لكم بارتباط الخيول، ضأنا لها حالب قاعد، لقد آن أن نوسعكم عقابا، وإلا تلوثوا على وجه نقابا، وأن نعيدكم إلى صحرائكم، ونطهر الجزيرة من رحضائكم " (١) .
وكان من الطبيعي، لهذا المقام الذي احرزه الفقهاء، أن يكونوا أول المغامرين حين ضعفت الدولة المرابطية، وأن يعلن كل واحد منهم الاستقلال في بلدة، وتعود الحال إلى ما كانت عليه عندما سقطت الدولة الأموية مع فرق واحد، وهو أن المنتزيين الآول من طبقات الفرسان والجند في الغالب، أما الثائرون عند انهيار المرابطين، فاكثرهم من القضاة.
٣ - مظاهر الترف في عهد الطوائف:
كانت الضرائب التي فرضها الأمراء على الناس باهظة ثقيلة لحاجتهم إليها في سد ثغرات فتحوها على انفسهم؛ واكبر الثغرات ثلاث: الضريبة السنوية التي يتقاضاها الاذفونش، ومقدارها خاضع للمساومة متأثر بحال الرضى والغضب ولكنها على أي حال ضريبة ثقيلة تحصل من الرعية توا في أغلب الأحيان، ففي بعض السنوات فرض على عبد الله بن بلقين مبلغ عشرة آلاف دينار كما فرض على حفيد ابن ذي النون مائة وخمسين ألف مثقال طيبة وخمسمائة مدي طعام له ولجنوده كل ليلة يقيمها (٢) . وقد ترك لنا ابن بسام وثائق هامة عن كيفية جمع الضريبة من رقاع رآها بأحد بيوت الأشراف خوطب بها العمال في استعجال قبض. تلك الأموال، فما
стр. 36
كتب إلى قواد البلاد على لسان المعتمد: " الحال مع العدو قصمه الله بينة لا تحتاج إلى جلاء ولا كشف، معروفة لا تفتقر إلى نعت ولا وصف، ومن لا يمكن مقاواته ومخاشنته، فليس إلا مداراته وملاينته، وكان؟ فل الله حده وفص جنده - قد اعتقد الخروج في هذا العام إلى بلادنا، عصمها الله، بأكثف من جموعه في العام الفارط وأحفل، وأبلغ في استعداده وأكمل، إلا أن الله تعالى يسر من إنابته إلى السلم ما يسر، ونظر لنا من حيث لا نستطيع أن ننظر، ووقع الاتفاق معه على جملة من المال، تقدم إليه ويستكف بها الشر المرهوب لديه. فكم حال كانت بخروجه نتلف، ونعمة بأيدي طاغية تنتسف، والرعية حاطها الله في هذا العام على ما يقتضيه، ما عم البلاد من الفساد، وشملها من جائحة القحط والجراد " (١) . وبما أن حال الرعية سيئة لما دهمها من الجراد والقحط، فهو يطلب في رسالته هذه أن يقوم بالدفع أناس سمى أسماءهم في رسالته ومقدار ما يدفعه كل واحد منهم.
ثم الضريبة المفروضة لدفع مرتبات الجند، وترتفع كلما كانت الحروب والفتن دائرة بين الأمراء أنفسهم، وهي في الاحوال العادية " جزية " على الرؤوس تسمى - القطيع - وتؤدي مشاهرة، وضريبة على الاموال من الغنم والبقر والدواب والنحل؟ وقبالات على كل ما يباع في الاسواق، وعلى اباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد (٢) . وقد بلغت الضريبة التي كان يتقاضاها مظفر ومبارك عن بلنسية وشاطبة مائة وعشرين الف دينار كل شهر، سبعون تحصل من بلنسية وخمسون من شاطبة (٣) . اما
стр. 37
في تقدير نفقات الحروب الداخلية فيكفي أن نذكر أن المظفر ابن باديس أنفق لأخذ وادي آش ستة بيوت من المال دراهم ثلثية في البيت الواحد منها مليون دينار ثلثية (١) . ويشبه هذا النوع من الضريبة إعطاء القرى لمتقبلين من حاشية الأمير ليستخرجوا منها أقصى ما يمكن استخراجه، كي يوفروا لأنفسهم ما يزيد على قيمة القبالة. وفي هذا كله تعرض الرعية لضروب من التنكيل والعسف. ومن هذه الضريبة ومن غيرها من طرق الجباية يوفر الأمراء ما يسدون به الثغرة الثالثة، أعني انفاقعم على بناء القصور والدور واقتناء فاخر الاثاث ورفيع الرياش وسائر صنوف الترف. والناظر إلى هذه الطبقات يرى ثراء واسعا يجوز حد التخيل. ومن الطبيعي أن يكون إلى جانبه حرمان عسير شامل لطوائف كثيرة من الناس، وأن تنتشر الكدية على نطاق واسع.
وكانت الدار تكلف بعض الأغنياء مائة الف دينار، وأقل منها وفوقها (٢) . ودفع هذيل بن رزين صاحب السهلة في شراء قينة حاذقة ثلاثة آلاف دينار (٣) . ولما نزل الأمير عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ليوسف بن تاشفين عن أمواله كانت؟ فيما يبدو - مقادير جسيمة. وقد حاول أن يستبقي لنفسه ما ينفع به، فاحتفظ بسفط ذهب فيه عشرة عقود من أنفس الجوهر ويذهب مبلغ ستة عشر الف دينار مرابطية وخواتم، وحاولت امه أن تسكت على نحو خمسة عشر عقدا ومقادير من الذهب، إلا أن المرابطين حالوا دون ذلك كله (٤) . ومن جملة ما وجد لديه سبحة
стр. 38
فيها اربعمائة جوهرة قدرت كل جوهرة بمائة دينار، ومن الجواهر ما له قيمة جليلة، إلأآ غير ذلك من الثياب والعدد (١) .
ولم يكن هذا الثراء خاصا بذوي القصور والأمراء، بل كان يشمل طبقات أخرى من الناس، من أبرزهم التجار، وبخاصة تجار الرقيق، والمقربون من الحكام، وطبقات الفقهاء، والمنتفعون بالمغامرة. حكى تاجر يهودي كيف عهد إليه أحد وجهاء بربشتر أن يفدي بعض بنائه ممن سباهن؟ وهو رومي - فلما عرض على الرومي عينا كثيرا وأقمشة قال له: كأنك تشهيني ما ليس عندي. يا بجة (يريد يا بهجة فيغير الكلمة لعجمته) ، قومي فاعرضي عليه أنواع ما في ذلك الصندوق، فقامت إليه، واقبلت ببدر الدنانير، وأكياس الدراهم وأسفاط الحلي؟ حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لهل: أدني الينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة قطع من الوشي والخز والديباج الفاخر؟ ثم قال لقد كثر هذا عندي ما أستلذه "، وكان مما غنمه الروم يوم دخلوا مدينة بربشتر (٢) . ومدينة بربشتر إذا قيست بغيرها من المدن تعد صغيرة قليلة الحظ من الأتساع، وهذا نصيب واحد من الذين شاركوا في غزوها ونهبها.
وهذا الجانب المترف القائم على الأبداع في شئون القصور والحدائق هو الجانب الحضاري الذي تتوجه إليه أخيلتنا كلما تذكرنا مجد الأندلس في ذلك العصر، وهو الجانب الذييستنبط ويتطاول حتى يحول بيننا وبين رؤية جوانب الضعف والتخلف في المظاهر الأخرى.
وحين يتنافس الأمراء فيما بينهم في بناء القصور وأتخاذ الأبهة وانتحال
стр. 39
ضروب التفخيم يرتفع من حولهم؟ في العادة - فئتان، فئة الكبار من رجال الدولة لإتحاد المنفعة، وللأشتراك في طرق الكسب والجمع، وفئة تجار الكماليات الذين تنفق سلعهم؟ في مثل تلك الأحوال - بما يقدمونه من فاخر الأثاث والملبوسات المزخرفة والعطور والجواري. قال ابن حيان يصف ما استحدثه مظفر ومبارك في بلنسية: " واتخذوا البساتين الزاهرة والرياضيات الناضرة، وأجروا خلالها المياه المتدفقة، وسلك مبارك ومظفر سبيل الملوك الجبارين في إشادة البناء والقصور، والناهي في عليات الأمور، إلى أبعد الغايات ومنتهى النهايات، بما أبقيا شأنهما حديثا لمن بعدهما. واشتمل هذا الرأي أيضا على جميع أصحابهما ومن تعلق بهما من وزرائهما وكتابهما، فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء؟ فنفق سوق المتاع بعقرهم، وبعثر عن ذخائر الأملاك لقصرهم، وضرب تجارهما أوجه الركاب نحوهم، حتى بلغوا من ذلك البغية، فما شءت من طرف رائع ومركب ثقيل وملبس رفيع جليل، وخادم نبيل، وآلات متشاكلة وامور متقابلة " (١) .
ويحفل الشعر الأندلسي بوصف قصور المعتمد وغيره من الأمراء. وكانت القصور التي بناها بنو ذي النون في طليطلة مضرب المثل في روعتها، وإلى ابن حيان نرجع مرة أخرى لنتصور شيئا من حالها، فقد وصف هذا المؤرخ النافذ النظر والقلم كيف فرش احد ابهائها بالديباج التستري المرقوم بالذهب، وسدلت فوق حناياه ستور من جنسه، تكاد تلتمع الابصار بنصاعة ألوانها واشراق عقيانها، وأن مجلس أحد القصور المسمى " المكرم " قد زين بصور البهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار، وقد تعلق كثير من تلك التماثيل المصورة بما يليها من أفنان الاشجار وأشكال الثمر،
стр. 40
ما بين جان وعابث، وعلق بعضها بعضا بين ملاعب ومثاقف،؟. وقد فصل هذا الإزار عما فوقه كتاب نقش عريض التقدير، مخرم محفور دائر بالمجلس الجليل من داخله؟ وفوق هذا الكتاب الفاصل بحور منتظمة من الزجاج الملون الملبس بالذهب الإبريز، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار، وصور أنعام وأشجار، وأرض هذه الابحار مدحوة من أوراق الذهب الابريز؟. قال: ولهذه الدار بحيرتان قد نصت على اركانهما صور اسود مصوغة الذهب البريز احكم صياغة، تتخيل لمتأملها كالحة الوجوه فاغرة الشدوق، ينساب من أفواهها نحو البحيرتين الماء هونا كرشيش القطر أو سحالة اللجين، وقد وضع في قعر كل بحيرة منها حوض رخام يسمى المذبح، محفور من رفيع المرمر كبير الجرم غريب الشكل بديع النقش قد أبرزت في في جنباته صور حيوان وأطيار وأشجار وينحر منها في شجرتي فضة عاليتي الأصلين غريبتي الشكل، محكمي الصنعة، قد غرزت كل شجرة منهما وسط كل مذبح بأدق صناعة (١) ؟
وكانت دور الأغنياء من غير الطبقة الحاكمة تزدان بعجائب من غالي الأثاث. حدث أحدهم انه دخل احدى تلك الدور ببلنسية فرأى من اثاثها ما لم يره في قصور الامويين ايام عزهم، واخبر أنه شاهد هنالك مجلسا مفروشا: " بمطارح من صلب الفنك الرفيع، مطرزة كما تدور بسقلاطوني بغدادي، وأنه كان يقابل ذلك المجلس شكل ناعورة مصوغة من خالص اللجين، من أغرب صنعة، يحركها ماء جدول يخترق الدار أبدع حركة إلى اشياء تطابق هذا السرو من