كتب إلى قواد البلاد على لسان المعتمد: " الحال مع العدو قصمه الله بينة لا تحتاج إلى جلاء ولا كشف، معروفة لا تفتقر إلى نعت ولا وصف، ومن لا يمكن مقاواته ومخاشنته، فليس إلا مداراته وملاينته، وكان؟ فل الله حده وفص جنده - قد اعتقد الخروج في هذا العام إلى بلادنا، عصمها الله، بأكثف من جموعه في العام الفارط وأحفل، وأبلغ في استعداده وأكمل، إلا أن الله تعالى يسر من إنابته إلى السلم ما يسر، ونظر لنا من حيث لا نستطيع أن ننظر، ووقع الاتفاق معه على جملة من المال، تقدم إليه ويستكف بها الشر المرهوب لديه. فكم حال كانت بخروجه نتلف، ونعمة بأيدي طاغية تنتسف، والرعية حاطها الله في هذا العام على ما يقتضيه، ما عم البلاد من الفساد، وشملها من جائحة القحط والجراد " (١) . وبما أن حال الرعية سيئة لما دهمها من الجراد والقحط، فهو يطلب في رسالته هذه أن يقوم بالدفع أناس سمى أسماءهم في رسالته ومقدار ما يدفعه كل واحد منهم.
ثم الضريبة المفروضة لدفع مرتبات الجند، وترتفع كلما كانت الحروب والفتن دائرة بين الأمراء أنفسهم، وهي في الاحوال العادية " جزية " على الرؤوس تسمى - القطيع - وتؤدي مشاهرة، وضريبة على الاموال من الغنم والبقر والدواب والنحل؟ وقبالات على كل ما يباع في الاسواق، وعلى اباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد (٢) . وقد بلغت الضريبة التي كان يتقاضاها مظفر ومبارك عن بلنسية وشاطبة مائة وعشرين الف دينار كل شهر، سبعون تحصل من بلنسية وخمسون من شاطبة (٣) . اما
стр. 37
في تقدير نفقات الحروب الداخلية فيكفي أن نذكر أن المظفر ابن باديس أنفق لأخذ وادي آش ستة بيوت من المال دراهم ثلثية في البيت الواحد منها مليون دينار ثلثية (١) . ويشبه هذا النوع من الضريبة إعطاء القرى لمتقبلين من حاشية الأمير ليستخرجوا منها أقصى ما يمكن استخراجه، كي يوفروا لأنفسهم ما يزيد على قيمة القبالة. وفي هذا كله تعرض الرعية لضروب من التنكيل والعسف. ومن هذه الضريبة ومن غيرها من طرق الجباية يوفر الأمراء ما يسدون به الثغرة الثالثة، أعني انفاقعم على بناء القصور والدور واقتناء فاخر الاثاث ورفيع الرياش وسائر صنوف الترف. والناظر إلى هذه الطبقات يرى ثراء واسعا يجوز حد التخيل. ومن الطبيعي أن يكون إلى جانبه حرمان عسير شامل لطوائف كثيرة من الناس، وأن تنتشر الكدية على نطاق واسع.
وكانت الدار تكلف بعض الأغنياء مائة الف دينار، وأقل منها وفوقها (٢) . ودفع هذيل بن رزين صاحب السهلة في شراء قينة حاذقة ثلاثة آلاف دينار (٣) . ولما نزل الأمير عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ليوسف بن تاشفين عن أمواله كانت؟ فيما يبدو - مقادير جسيمة. وقد حاول أن يستبقي لنفسه ما ينفع به، فاحتفظ بسفط ذهب فيه عشرة عقود من أنفس الجوهر ويذهب مبلغ ستة عشر الف دينار مرابطية وخواتم، وحاولت امه أن تسكت على نحو خمسة عشر عقدا ومقادير من الذهب، إلا أن المرابطين حالوا دون ذلك كله (٤) . ومن جملة ما وجد لديه سبحة
стр. 38
فيها اربعمائة جوهرة قدرت كل جوهرة بمائة دينار، ومن الجواهر ما له قيمة جليلة، إلأآ غير ذلك من الثياب والعدد (١) .
ولم يكن هذا الثراء خاصا بذوي القصور والأمراء، بل كان يشمل طبقات أخرى من الناس، من أبرزهم التجار، وبخاصة تجار الرقيق، والمقربون من الحكام، وطبقات الفقهاء، والمنتفعون بالمغامرة. حكى تاجر يهودي كيف عهد إليه أحد وجهاء بربشتر أن يفدي بعض بنائه ممن سباهن؟ وهو رومي - فلما عرض على الرومي عينا كثيرا وأقمشة قال له: كأنك تشهيني ما ليس عندي. يا بجة (يريد يا بهجة فيغير الكلمة لعجمته) ، قومي فاعرضي عليه أنواع ما في ذلك الصندوق، فقامت إليه، واقبلت ببدر الدنانير، وأكياس الدراهم وأسفاط الحلي؟ حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لهل: أدني الينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة قطع من الوشي والخز والديباج الفاخر؟ ثم قال لقد كثر هذا عندي ما أستلذه "، وكان مما غنمه الروم يوم دخلوا مدينة بربشتر (٢) . ومدينة بربشتر إذا قيست بغيرها من المدن تعد صغيرة قليلة الحظ من الأتساع، وهذا نصيب واحد من الذين شاركوا في غزوها ونهبها.
وهذا الجانب المترف القائم على الأبداع في شئون القصور والحدائق هو الجانب الحضاري الذي تتوجه إليه أخيلتنا كلما تذكرنا مجد الأندلس في ذلك العصر، وهو الجانب الذييستنبط ويتطاول حتى يحول بيننا وبين رؤية جوانب الضعف والتخلف في المظاهر الأخرى.
وحين يتنافس الأمراء فيما بينهم في بناء القصور وأتخاذ الأبهة وانتحال
стр. 39
ضروب التفخيم يرتفع من حولهم؟ في العادة - فئتان، فئة الكبار من رجال الدولة لإتحاد المنفعة، وللأشتراك في طرق الكسب والجمع، وفئة تجار الكماليات الذين تنفق سلعهم؟ في مثل تلك الأحوال - بما يقدمونه من فاخر الأثاث والملبوسات المزخرفة والعطور والجواري. قال ابن حيان يصف ما استحدثه مظفر ومبارك في بلنسية: " واتخذوا البساتين الزاهرة والرياضيات الناضرة، وأجروا خلالها المياه المتدفقة، وسلك مبارك ومظفر سبيل الملوك الجبارين في إشادة البناء والقصور، والناهي في عليات الأمور، إلى أبعد الغايات ومنتهى النهايات، بما أبقيا شأنهما حديثا لمن بعدهما. واشتمل هذا الرأي أيضا على جميع أصحابهما ومن تعلق بهما من وزرائهما وكتابهما، فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء؟ فنفق سوق المتاع بعقرهم، وبعثر عن ذخائر الأملاك لقصرهم، وضرب تجارهما أوجه الركاب نحوهم، حتى بلغوا من ذلك البغية، فما شءت من طرف رائع ومركب ثقيل وملبس رفيع جليل، وخادم نبيل، وآلات متشاكلة وامور متقابلة " (١) .
ويحفل الشعر الأندلسي بوصف قصور المعتمد وغيره من الأمراء. وكانت القصور التي بناها بنو ذي النون في طليطلة مضرب المثل في روعتها، وإلى ابن حيان نرجع مرة أخرى لنتصور شيئا من حالها، فقد وصف هذا المؤرخ النافذ النظر والقلم كيف فرش احد ابهائها بالديباج التستري المرقوم بالذهب، وسدلت فوق حناياه ستور من جنسه، تكاد تلتمع الابصار بنصاعة ألوانها واشراق عقيانها، وأن مجلس أحد القصور المسمى " المكرم " قد زين بصور البهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار، وقد تعلق كثير من تلك التماثيل المصورة بما يليها من أفنان الاشجار وأشكال الثمر،
стр. 40
ما بين جان وعابث، وعلق بعضها بعضا بين ملاعب ومثاقف،؟. وقد فصل هذا الإزار عما فوقه كتاب نقش عريض التقدير، مخرم محفور دائر بالمجلس الجليل من داخله؟ وفوق هذا الكتاب الفاصل بحور منتظمة من الزجاج الملون الملبس بالذهب الإبريز، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار، وصور أنعام وأشجار، وأرض هذه الابحار مدحوة من أوراق الذهب الابريز؟. قال: ولهذه الدار بحيرتان قد نصت على اركانهما صور اسود مصوغة الذهب البريز احكم صياغة، تتخيل لمتأملها كالحة الوجوه فاغرة الشدوق، ينساب من أفواهها نحو البحيرتين الماء هونا كرشيش القطر أو سحالة اللجين، وقد وضع في قعر كل بحيرة منها حوض رخام يسمى المذبح، محفور من رفيع المرمر كبير الجرم غريب الشكل بديع النقش قد أبرزت في في جنباته صور حيوان وأطيار وأشجار وينحر منها في شجرتي فضة عاليتي الأصلين غريبتي الشكل، محكمي الصنعة، قد غرزت كل شجرة منهما وسط كل مذبح بأدق صناعة (١) ؟
وكانت دور الأغنياء من غير الطبقة الحاكمة تزدان بعجائب من غالي الأثاث. حدث أحدهم انه دخل احدى تلك الدور ببلنسية فرأى من اثاثها ما لم يره في قصور الامويين ايام عزهم، واخبر أنه شاهد هنالك مجلسا مفروشا: " بمطارح من صلب الفنك الرفيع، مطرزة كما تدور بسقلاطوني بغدادي، وأنه كان يقابل ذلك المجلس شكل ناعورة مصوغة من خالص اللجين، من أغرب صنعة، يحركها ماء جدول يخترق الدار أبدع حركة إلى اشياء تطابق هذا السرو من
стр. 41
إكرامهم، فإذا تلثم عبيدهم ظنهم الناس من المرابطين أنفسهم فسعوا إلى برهم. هذا إلى الملثمين كانوا يستغلون اللثام في ضروب الإساءة والتعدي.
ويبين ابن عبدون أن كثيرا من ضروب الظلم الواقعة على الناس كانت توسم بأسم السلطان، فالمتقبل يحصل مكوسا عالية على السلع، ويحتج الوزير بأن هذا كله " لمنفعة السلطان ". ومن لباقة ابن عبدون هنا محاولته الفصل بين السلطان وما يأتيه الموظفون من شطط إذ يقول: " وعياذا بالله يأمره السلطان أو يقول له: انه مالي، ويدعي ما ليس له، بل أنه [أي المتقبل] يعرق أنه محاسب عليه، مسؤول عنه، فهو الملعون بحق (١) . فاذا تذكرنا كيف أسف ابن عبدون لفقدان السلطان العادل الذي يراعي الناس، أدركنا انه يعتمد اللباقة فحسب حين يبرىء السلطان من الجور الواقع بأسمه على الرعية.
وتقدم لنا رسالة ابن عبدون معلومات هامة عن بعض المظاهر العمرانية والاجتماعية في المدن الأندلسية؟ وبخاصة مدينة اشبيلية؛ فنعرف من هذه الرسالة كيف كانت المدن ذات أسوار تقفل ليلا، ولأبوابها بوابون يدفع الناس لهم مبلغا من المال عند جوازهم بها، ويتهم ابن عبدون أولئك البوابين بالجشع والشطط والمخرقة، ويرى أن يكون لهم أجر مقرر من الدولة، يدفعه صاحب الأحباس والمواريث، وأن لا يعطيهم الناس شيئا من الضريبة بل على سبيل التكرم. وفي خارج الأبواب فئات من الناس تبيع جلود البقر ولحومها. ويوصي ابنعبدون أن يبحث في شأن هذه المبيعات فإنها مسروقة عادة. أما في الداخل فللمدينة حرس مرتبطون يطوفون فيها ليلا ويأخذون من يتهمونه، ويصفهم الكاتب بالشدة
стр. 42
والتعدي وانهم يكشطون الثياب ويغيرون الأشكال ويروعون الأنفس (١) .
ومع أن المدن الأندلسية تلتقي في كثير من صور الحياة الاجتماعية إلا أن بينها؟ ولا بد - فروقا ملحوظة، فمدينة نهرية مثل أشبيلية يتصل أكثر ضروب نشاطها بالنهر ففي جانب منه ترسو السفن، وعلى النهر معدون ينقلون الناس بين الضفتين ويشحنون البضائع. ويوصي ابن عبدون بأن تحمى ضفة الوادي الذي هو مرسى المدينة للسفن وأن لا يباع منها شيء ولا يبني فيها، لأن ذلك الموضع عين البلد، وموضع اخراج الفوائد مما يخرجونه التجار، ومأوى الغرباء، وموضع اصلاح السفن. ومن هذا النهر يستقي السقاءون من سقاية خاصة، ولذلك كان من الضروري ان تمنع النساء من أن يغسلن من موضع السقاية أو ان تهرق الزبول والأقذار على ضفة الوادي. هذه حال اشبيلية؛ اما قرطبة فتميز مثلا بأن أهلها لا يخرصون الثمار؟ أي يقدرون الضريبة عليها - إلا في الفشقار، ولذلك فإن ابن عبدون يرى ان تتخذ قرطبة قدوة في هذه المسألة، هذا إذا لم يمنع الخرص منعا باتا لأنه ظلم صريح، والفقهاء الذين رخصوا فيه انما تملقوا بذلك رؤساءهم. وتتميز غرناطة باعتمادها الكبير على فصل العصير، وفي هذا الفصل يترك أهل غرناطة دورهم ناقلين معهم ما يلزمهم من الأثاث والمتاع هم وعائلاتهم متخذين معهم من الأسلحة ما يردون به العدوان (٢) .
ويؤكد ابن عبدون اهمية الزراعة في حياة الأندلس، " فالفلاحة هي العمران، ومنها العيش كله والصلاح جله، وفي الحنطة تذهب النفوس والأموال، وبها تملك المدائن والرجال، وببطالتها تفسد
стр. 43
الأحوال وينحل كل نظام " (١) . وهو؟ كما ترى - يخصص زراعة الحنطة بالأهتمام الأكبر، إلا ان نقدره للزراعة عامة امر واضح، ولعله كان ينظر إلى طبيعة الحضارة الاندلسية - وهي تعتمد إلى حد كبير على الزراعة؟ ويشهد ما كان يصيب الناس من اثار التخريب الذي تجره الحروب وتعطيل المواسم في عهود الفتن. ولعله كان يفكر ايضا بما اصبح يعرف في اشبيلية بأسم " سنة الجوع الاكبر "، وهي مجاعة اجتاحت الناس عام ٤٤٨ وقد قال من شهد تلك الحادثة بأشبيلية: " كان الناس يدفنون الثلاثة والاربعة في قبر واحد "، والمساجد مربوطة بالخزم، لا يوجد لها من يؤم بها ولا من يصلي فيها " (٢) . وقد حدث ابن عبدون كيف كان تجار الحنطة يغلون سعرها، وذلك ان التاجر يأتي إلى دلال الحنطة، فيتفق معه على ان يشتري منه مقدارا كبيرا منها فيذهب الدلال إلى متجره، ويكيل للتاجر ما اراده؟ وهو غائب - لا يشهده احد. فيحتكر التاجر مقدارا كبيرا من الحنطة ويتلاعب بسعرها في السوق؛ ويرى ابن عبدون ان يمنع بيع الحنطة إلى من عرف انه احتكر اكثر من قفيز (٣) .
وبما ان عبدون يبغي الاصلاح لذلك نجده يتقصى السيأت ويصور احوال الفساد في المجتمع؛ على ان تجربته العامة في الحياة قد جعلته متشائما: " وبالجملة فأن الناس قد فسدت اديانهم؛ وأنما؟ الدنيا الفانية والزمان على اخره؟ ولا يصلح هذه الامور الا نبي بأذن الله،
стр. 44
فأن لم يكن زمن نبي فالقاضي مسؤول عن ذلك كله (١) . ولذلك كانت عينه مسلطة على نقائص المجتمع، فمقبرة إشبيلية يذهب فيها اناس يشربون الخمر، وفي أيام العيد يجلس فيها الشبان لاعتراض النساء، والحساب فساق، سواء جلسوا في أفنية المقبرة أو جلسوا في دورهم ولذلك يجب ان يمنعوا من الانفراد مع النساء، والدارات موضع أوكار ولا سيما في فصل الصيف، وقت القيلولة، فلا بد من تفتيشها، وضروب الغش في المصنوعات والمبيعات كثيرة، وكذلك صنوف الحيل ونقص الذمة في البيع والشراء، والرشوة وأخذ الجعائل وأخذ الصيرفيين للربا.
٥ - الغناء:
لم يتح للغناء الأندلسي رجل مثل ابي الفرج الأصفهاني، يحدثنا حديثا صافيا مستوفى عن الغناء، وطبائع الألحان، وطبقات القيان والمغنين، ولكنا نقدر أن الأصول التلحينية التي وضعها زرياب وتلامذته ظلت أساسا للغناء الأندلسي، وربما جدت تفريعات في شؤون الألحان، اقتضتها طبيعة الموشحات والأزجال. وقد ذكر ابن سناء الملك عند حديثه عن الموشحات ان أكثرها مبني على تأليف الارغن، وأن الغناء بها على غير الارغن مستعار وعلى سواه مجاز (٢) .
ويقول ابن بسام ان الشاعر ابن الحداد القيسي الف كتابا في العروض مزج فيه بين الانحاء الموسيقية والاراء الخليلية، ورد فيه على السرقسطي
стр. 45
المنبوز بالحمار، ونقض كلامهم فيما تكلم عليه من الاشطار (١) . ولكنا لا نستطيع، وهذا الكتاب مما لم يصلنا، ان نتصور طبيعة " الانحاء الموسيقية " التي يشير إليها ابن بسام.
وتغفل المصادر ذكر شيء واضح عن الناحية الموسيقية حتى عصر المرابطين وظهور ابن باجة فيلسوف الأندلس وامامها في الألحان (٢) ، وكان وزيرا لأبي بكر بن تيفلويت صاحب سرقسطة، فلما توفي نظم ابن باجة قصائد في رثائه، وغنى بها في ألحان مبكية (٣) . ومن نماذج تلك القصائد:
سلام وريحان وروح ورحمة ... على الجسد النائي الذي لا أزوره وعلى يد ابن باجة تخرج بعض التلامذة، ونعرف منهم أبا عامر محمد ابن الحمارة الغرناطي، الذي برع في علم الألحان، واشتهر عنه انه كان يعمد للشعراء فيقطع العود بيده، ويصنع منه عودا للغناء، وينظم الشعر ويلحنه ويغني به (٤) ومنهم إسحاق بن شمعون اليهودي القرطبي " أحد عجائب الزمان في الاقتدار على الألحان " وكان يغني ويضرب بالعود (٥) ، وأخذ طرائق عن كلب النار (٦) ، وهذا؟ فيما يبدو - كان من حذاق العارفين بطرائق الموسيقى، ولكنا لا نعرف عنه شيئا واضحا كذلك.
أما المغنون والمغنيات فقد عرفنا بعض أسمائهم وبعض ما كانوا يتغنون
стр. 46
به. فكان الحكيم النديم أبو بكر ابن الاشبيلي مغنيا بقصر الرشيد ابن المعتمد (١) ، وكان محمد بن الحمامي مغنيا عند بني حمود وقد غنى في مجلس العالي يوما بشعر ابن المعتز:
هل يزيل البين المحتال ... أن غدت للبين أجمال وغنى في مجلس آخر بشعر محدث أوله:
إذا بلغني يا ناقتي المسمي إدريسا (٢) ... ولكنا لا نعلم كيف كانت هذه الأغاني تلحن.
وكان اقتناء امرا متصلا بطبيعة الترف في قصور الأمراء ودور الأثرياء، وهم يغالون في اثمانهن إذا أحسنت الجارية فنونا متنوعة من علم وخط وشعر؟ الخ. فقد حرص المعتضد على شراء قينة عبد الحليم الوزير من قرطبة إثر وفاته لما وصفت له بالحذق في صنعتها (٣) ، وأهدى مجاهد العامري من دانية إلى المعتضد جارية عرفت باسم العبادية، وكانت ظريفة أديبة كاتبة شاعرة ذاكرة لكثير من اللغة (٤) ، وكان هذيل بن رزين صاحب السهلة يبتاع الجواري المغنيات المحسنات، ويطلبن بكل جهة، فكانت ستارته ارفع ستائر الملوك. وقد دفع في جارية ابن الكتاني المتطبب ثلاثة آلاف دينار، وكانت واحدة القيان في وقتها من
стр. 47
حيث الجمال وطيب الغناء وجودة الكتابة والمعرفة بالعلوم (١) ويبدو أن ابن الكتاني هذا كان شخصية غريبة، وانه كان تاجر رقيق إذ يقول في فصل له: " فانا منبه الحجارة فضلا عن أهل الفدامة والجهالة، واعتبر ذلك بأن في ملكي الآن روميات، كن بالأمس جاهلات وهن الآن عالمات حكيمات منطقيات هندسيات موسيقاويات اسطرلابيات معدلات نجوميات نحويات عروضيات تأدبيات خطاطات، يدل ذلك لمن جهلهن، الدواوين الكبار التي ظهرت بخطوطهن في معاني القرآن وغريبه وغير ذلك من فنونه وعلوم العرب من الأنواء والاعاريض والإنحاء وكتب المنطق والفلسفة، وهن يتعاطين اعراب كل ما ينسخنه ويضبطنه فهما لمعانيه ولكثرة تكرارهن فيه " (٢) وظاهر أن على كلام ابن الكتاني مسحة من تبجح دلالي الرقيق وتجاره.
ومن الغريب أن لا نسمع الشيء الكثير عن تلاحين الموشحات والأزجال واشتغال المغنين بها، إذ أكثر مل يقترن بالقصص المروية عن مجالس الغناء إنما هو من القصيد لا من الموشح، إلا في احوال قليلة كأن يقال أن موشحات ابن ارفع رأسه كان يغني بها في بلاد المغرب (٣) أو أن ابن باجة ألقى على إحدى القينات موشحة له فتغنت بها.
وقد كان الغناء وسيلة من وسائل نقل التلاحين العربية إلى ما وراء الحدود الإسلامية بالأندلس، وطريقا إلى التأثير العربي عامة، وفي هذه الناحية من ضروب الإختلاط الحضاري يمكن أن نقدر أثر العرب في البلاد المجاورة، ذلك أن الغناء العربي والألحان العربية كانت تسمع
стр. 48
وتستساغ في البلاطات الأجنبية ويحدثنا ابن الكتاني؟ الآنف الذكر - عن مجلس غنار عند بنت شانجة ملك البشكنس، زوجة شانجة بن غرسيه ابن فرذلند فيقول: انه كانت في المجلس عدة قينات مسلمات في اللواتي وهبهن له سليمان بن الحكم أيام إمارته بقرطبة فأومأت بنت شانجة إلى جارية منهن، فأخذت العود وغنت بهذه الأبيات:
خليلي ما للريح تأتي كأنما ... يخالطها عند الهبوب خلوق
أم الريح جاءت من بلاد أحبتني ... فأحسبها ريح الحبيب تسوق إلى آخر هذه الأبيات (١) .
ولمح هذا الأثر الغنائي الموسيقي الباحثون الذين اعتمدوا المقارنة بين الطريقة العربية وما تأثر بها. فذهب الأب خوان اندريس منذ القرن الثامن عشر إلى موسيقى التروبادور وآراء الفونسو العالم في هذا الفن عربية كلها (٢) وتوصل الاستاذ ريبيرا إلى القول بأن نظام الزجل ظل باقيا في صناعة الألحان الموسيقية ولا سيما في هذا النوع من الألحان المعروفة بالروندو rondo وهي ترجمة للفظة العربية " نوبة " أي نظام نعاقب فريق من العازفين على عزف قطعة موسيقية، فيعزف عازف لحنا موسيقيا يقابل الخرجة نرمز له بالحرفين أب ثم يلي ذلك غصن موسيقي من ثلاثة ألحان متشابهة يليها لحن في نفس نغم الخرجة فيصبح وزن الغصن اااب ويجيء بعد الخرجة الأولى (٣) ؛ وهذا
стр. 49
يلقي ضوءا على أهمية " النوبة " الغنائية التي استحدثها زرياب في الأندلس ويعيننا على تفسير بعض التطورات التي حدثت في الموشحات والأزجال لدى العرب أنفسهم، لتشابه المحاولتين.
стр. 50
الدراسات العلمية والفلسفية
انتشرت الكتب التي كانت محفوظة بقرطبة في انحاء الأندلس، بعيد الفتنة، فتنوهبت مكتبة الحكم المستنصر، وبيعت مكتبة ابي المطوف ابن فطيس حين اشتد الغلاء، حتى جمع ورثته منها اربعين الف دينار قاسمية (١) وحدث أبو حفص الزهراوي انه شد في بيته ثمانية أحمال كتب لينقلها، فلم يتم حتى انتهبها البربر (٢) . واصبح الاهتمام بالمكتبات في سائر المدن الاندلسية أمرا ملحوظا، وأخذ الناس يتنافسون في ذلك، فكان في قرطبة نفسها مكتبة لمحمد بن يحيى الغافقي المعروف بابن الموصل (- ٤٣٣) وكان هذا الرجل يؤثر جمع الكتب على كل لذة، وقد اجتمع عنده منها ما لم يجتمع مثله لأحد بعد الحكم المستنصر، فمن الكتب التي كان يقتنيها إصلاح المنطق بخط القالي، والغريب المصنف وهو الأصل الذي كان يستعمله القالي أيضا، ونوادر ابن الأعرابي بخط أبي موسى الحامض، وتاريخ الطبري بخط ابن ملول الوشقي، وقد بيعت هذه
стр. 51
الكتب في تركته وأغلي فيها حتى تقدمت الورقة في بعضها بربع مثقال (١) .
وكان المظفر صاحب بطليموس جكاعة للكتب وذا خزانة عظيمة لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة. ومن هذه المكتبة كون الموسوعة التي سميت بالكتاب " المظفري " (٢) . وجمع أحمد بن عباس الكاتب وزير زهير الفتى كتبا كثيرة حتى قيل إن عددها بلغ أربعمائة ألف كتاب (٣) . وكان القنطري من أهل شلب جماعة للكتب والدواوين (٤) ، كما كان ابن مدرك المالقي التاريخي النسابة بصيرا بالخطوط مميزا لها واقتنى من الدواوين والدفاتر عظيمها (٥) .
ويخيل إلي أن ابن حزم كان قد جمع عددا كبيرا من الكتب، وهو قد صرح أنه جمع تواليف أهل الحديث والحنفية والمالكية والشافعية (٦) هذا إلى ما أظن أن مكتبته كانت تحويه من كتب اخرى في مختلف فروع العلم والمعرفة فان اطلاعه الواسع على شتى المعارف في زمنه يجعلنا نقدر ذلك.
ولم تنقطع هجرة الكتب المشرقية في شتى العلوم، فأدخل الكرماني (- ٤٥٨) رسائل اخوان الصفا إلى الأندلس لاول مرة (٧) . وجلب تاجر عراقي نسخة من كتاب القانون لابن سينا قد بولغ في تحسينها،
стр. 52
فاتحف بها ابا العلاء ابن زهر تقربا إليه، ولم يكن هذا الكتاب وقع إليه قبل ذلك، فلما تأمله ذمة واطرحه ولم يدخله خزانة كتبه (١) . وهاجرت إلى الأندلس ايضا كتب الفارابي وديوان المتنبي ومقامات الحريري ورسائل البديع والخوارزمي وخطب ابن نباتة وكتب الثعالبي وخاصة اليتيمة. ولما عاد عبد الملك بن زهر إلى المشرق جلب معه دواوين من فنون العلم (٢) . اما كتب المعري التي وصلت الأندلس فقد دون ابن عبد الغفور ثبتا لها في كتابه " احكام صنعة الكلام " وعد منها: كتاب القائف، وكتاب الصاهل والشاحج، وشرحه المسمى " لسان الصاهل "، والفصول والغايات، والسجع السلطاني، وخطبة الفصيح وشرحه. ومن الرسائل: رسالة الغفران ورسالة الفلاحة ورسالة الجن ورسالة النكاح ورسالة الأغريض ورسالة المنيح. ومن الشعر: سقط الزند وشرحه المسمى " ضوء السقط " واللزوميات وكتاب الاستغفار وكتاب جامع الأوزان وذكرى حبيب. وأخبرنا ابن عبد الغفور انه لم ير شرح ابي العلاء على ديوان ابي الطيب " إلى غير ذلك من التواليف التي لم تصل الينا، ولا ورد ذكرها علينا " (٣) .
ودخلت المغرب والأندلس بعض كتب الغزالي، ثم تعرضت للحرق ايام علي بن تاشفين ثاني خلفاء المرابطين. وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء منها (٤) وأحرقها ابن حمدين بقرطبة. واستفتي في الأمر الفقيه أبو الحسن البرجي فأفتى بتأديب
стр. 53
محرقها وتضمينه ثمنها، وتابعه على ذلك اثنان آخران من الفقهاء (١) والغالب ان ما صنعه ابن حمدين انما كان بأمر تاشفين بن علي بن يوسف إذ تفيد رسالة صدرت عنه إلى ابي زكريا يحيى بن علي والفقيه القاضي ابي محمد بن جحاف وسائر الفقهاء والوزراء والاخبار والصلحاء والكافة ببلنسية (١٠ جمادي الأولى ٥٣٨) يوصيهم فيها ببعض الوصايا، ومنها انه يحذرهم من كل كتاب بدعه وصاحب بدعه " وخاصة؟ وفقكم الله - كتب ابي حامد الغزالي، فليتتبع أثرها وليقطع بالحرق المتتابع خبرها ويبحث عليها وتغلظ الايمان على من يتهم بكتمانها " (٢) .
واشتغل الاندلسيون بكتب المشارقة دراسة وشرحا ومعارضه وردا واختصارا، إلى جانب ما ألفوه في شتى العلوم من فقه ولغة ونحو ومعجمات وتاريخ وحديث وكتب في التراجم والدراسات الأدبية. وهذا شيء يعز على الحصر، وليس من غرضنا في هذا الكتاب إلا الالماح إلى طابع الحركة العلمية والفلسفية في العصر، موضوع هذه الدراسة.
ويرجع الفضل في معرفتنا إلى ما كانت عليه حال الدراسات العلمية والفلسفية بالأندلس إلى القاضي صاعد، صاحب كتاب " طبقات الأمم "، فقد عاش في تلك الفترة وأداه تطوافه في انحاء الأندلس إلى التعرف ببعض أولئك العلماء، ويبدو لمن يراجع الفصل الذي كتبه صاعد عن علماء بلاده أنه لقي طوائف من الدارسين وان النتاج الذي صدر عنهم لم يكن غزيرا، وخصوصا إذا عرفنا كثيرا ممن لقيهم كانوا ما يزالون في دور الشباب وفي بواكير حياتهم العلمية. ولذلك فإن ما نتصوره من حالهم يومئذ هو دراسي حافل بالتلامذة المتطلعين إلى العلم، مع
стр. 54
وجود عدد غير كثير من الأساتذة. ولكن هذه الظاهرة تدل على شيء من الحرية والتقدم: " فلم تزل الرغبة ترتفع من حينئذ في طلب العلم القديم شيئا فشيئا، وقواعد الطوائف نتحضر قليلا إلى وقتنا هذا، فالحال بحمد الله أفضل ما كانت بالأندلس في اباهة تلك العلوم والاعراض عن تحجير طلبها " (١) إلا أن هذه الحرية كانت تحتاج أمنا وسلما، وكانت خواطر الناس مشغولة بما يدهم من أخطار خارجية (٢) . وقد ينجلي لنا معنى هذه الحقيقة اذا تذكرنا أن أكثر النواحي احتفالا بتلك الدراسات هما طليطلة عاصمة بني ذي النون، وسرقسطة عاصمة بني هود، وكلتاهما على مقربة من الخطر الخارجي. أما اشبيلية فكانت حالها كما قال المراكشي في وصف المعتمد بن عباد: " وكان مقتصرا من العلوم على علم الأدب وما يتعلق به وينضم إليه " (٣) .
فكان من العلماء بطليطلة (٤) . أبو الوليد بن الوقشي، وقد لقيه صاعد بتلك المدينة عام ٤٣٨ وكان يجمع إلى علوم اللغة والفقه معرفة بصناعة الهندسة والمنطق؛ وابو جعفر ابن منيح أحد المعتنين بعلم الهندسة والنجوم والطب؛ والقويدس، تأدب في طليطلة، وبرع في علوم العدد والهندسة والفرائض، ودرس في تلك المدينة زمانا طويلا؛ وأبو اسحاق ابراهيم بن يحيى التجيبي، النقاش المعروف بولد الزرقيال، وكان بصيرا بعلم الفلك. وفيه يقول سانشذ بيريذ: " إنه يعتبر من أعظم أهل الفلك من العرب، وهو من طبقة أكابر علماء هذا الفن في العصور
стр. 55
القديمة، بسبب طول ممارسته له واستقامة منهجه، فيما يبديه من ملاحظات استخرجها من تجاربه المباشرة " (١) . وقال فيه ابن الأبار: " ولم تأت الأندلس بمثله، آخر أرصاده بقرطبة، وكان أكثر رصده قبل ذلك بطليطلة في أيام المأمون " (٢) .؛ ومن المشتغلين بالعلم ايضا في طليطلة، أبو عامر بن الأمير المقتدر بن هود، وكان يضيق إلى معرفته بالعلم الرياضي اهتماما بالمنطق والعلم الطبيهي والالهي، ومن المهتمين بالطب ابن البغونش (- ٤٤٤) ، وقد درس على علماء قرطبة، فأخذ علم العدد والهندسة عن مسلمة المجريطي، وعلم الطب عن ابن جلجل وابن عبدون الجبلي وغيرهما، ثم خدم الظافر بن ذي النون والمأمون. وفي أواخر أيامه، ترك قراءة العلم وتنسك، وأقبل على قراءة القرآن، وقد لقيه صاعد وتبين له أنه قرأ الهندسة وفهمها، والمنطق وضبط كثيرا منه، ثم درس كتب جالينوس. ومن مشاهير الأطباء الذين استوطنوا طليطلة، ابن وافد اللخمي، وقد ألف كتابا في الأدوية المفردة جمع فيه بين كتابي ديو سقوريدس وجالينوس، وكان يرى أن التداوي بالغذاء مقدم على التداوي بالدواء.
أما سرقسطة، فعرف من علمائها الرياضيين الكرماني (- ٤٨٥) وأصله من قرطبة، وكان أحد الراسخين في علم العدد والهندسة، وله رحلة إلى المشرق، درس فيها الهندسة والطب، ثم عاد واستوطن سرقسطة. وهو الذي أدخل إليها رسائل إخوان الصفا لأول مرة ومنهم عبد الله بن أحمد السرقسطي، وكان نافذا في علم العدد والهندسة والنجوم، وتوفي ببلنسية (- ٤٤٨) . وهاجر ابن الكتاني المتطبب إلى
стр. 56
سرقسطة واستوطنها، وكان بصيرا بالطب متقدما فيه، ذا كظ من المنطق والنجوم وكثير من علوم الفلسفة. وفي سرقسطة، كان عدد من العلماء اليهود، منهم منجم بن الفوال، كان متقدما في صناعة الطب متصرفا في المنطق وسائر علوم الفلسفة، وله تأليف سماه " كنز المقل " رتبه على المسألة والجواب وضمنه جملا من قوانين المنطق وأصول الطبيعة. وكان معه بسرقسطة مروان بن جناح من أهل العناية بصناعة المنطق، وابن خبيرول الذي كان مولعا بالمنطق ايضا (- ٤٥٠) . وابن بكلارش الطبيب ومن كتبه " كتاب المجدولة في الأدوية المفردة " وابو الفضل حسداي بن حسداي الذي برع في علم العدد والهندسة والنجوم والموسيقى والمنطق، ثم ترقى إلى علم الطبيعة، فدرس كتاب الكيان لأرسطوطاليس حتى أحكمه ثم شرع في دراسة كتاب السماء بعده. وقد اتصل ابن باجة ببيئة سرقسطة هذه وتوجه إلى دراسة الفلسفة حتى تفوق فيها على نظرائه:
أما في غير هذين البلدين فنجد افرادا من العلماء كابن خلدون الحضرمي باشبيلية، والواسطي ابي الأصبغ الماهر في علم العدد والهندسة والفرائض بقرطبة، وابن شهر الرعيني البصير بالهندسة والنجوم في المرية، وفيها ايضا ابن الجلاب أحد المتحققن بعلم الهندسة وهيئة الأفلاك وله عناية بالمنطق والعلم الطبيعي. ومنهم ابن زهر الجد وكان يعمل في الطب بدانية زمانا طويلا ثم أنتقل إلى اشبيلية. واسحاق بن قسطار اليهودي الذي كان طبيبا لدى مجاهد العامري وابنه وكان مشاركا في علم المنطق مشرفا على آراء الفلاسفة وتوفي بطليطلة (- ٤٤٨) .
ونحن نلمح من هذا السرد السريع لاسماء العلماء شيئين أولهما قلة التواليف التي أثرت عنهم وثانيهما شيوع الاهتمام بالدراسات المنطقية، ولعل
стр. 57
هذه الدراسات كانت أكثر حظا من غيرها من حيث المؤلفات التي وضعت فيها، فإذا استثنينا " كنز المقل " لأبن الفوال وجدنا مؤلفين آخرين واحدا لأبن سيده وقد قال فيه صاعد: " عني بعلوم المنطق عناية طويلة وألف فيه تأليفا كبيرا مبسوطا ذهب فيه إلى مذهب متى بن يونس (١) " ولم يصلنا هذا الكتاب، غير أن ابن سيده يفتخر في مقدمة المحكم بتحقيقه في " تصوير الاشكال المنطقية، والنظر في سائر العلوم الجدلية التي يمنعني عن الأخبار بها نبو طباع أهل الوقت، وما هم عليه من رداءة الأوضاع والمقت " (٢) . والمؤلف الثاني هو " كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية " لأبن حزم الأندلسي، والظاهر أن متى بن يونس هو معتمده أيضا في هذا الكتاب (٣) وقد كانت محاولة ابن حزم في كتابه جريئة من ناحيتين: أولا لأن التأليف في المنطق عرضه لألسنة الناقدين من خصومة الفقهاء فحملوا عليه بشدة، وبالغوا في تهجين ما صنه، وثانيا لأنه حاول أن يقرب المنطق باستعمال أمثلة من الشريعة لكي يبرز ارتكاز الشريعة إلى اصول منطقية. غير ان معاصريه اتهموه بأنه لم يفهم منطق ارسطوطاليس لأنه " خالف اصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتابه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بين السقط (٤) " والتهمة صحيحة في بعض المواطن لأن ابن حزم اعتمد المقدمات الدينية في تصور المنطق، وأضعف من قيمة الاستقرار، وصرح في مواضع من كتابه بأنه لا يتقيد بقول الاوائل في
стр. 58
هذا الموضوع أو ذاك. كما انه مع التزامه لتقسيم كتب ارسطوطاليس، جانب الاعتماد على بعضها مجانية كلية وادخل بعضها في بعض طلبا للأيجاز.
وقد قسم ابن حزم أهل عصره من حيث نظرهم إلى كتب الأوائل أربعة أقسام:
أ؟ - فريق حكموا على تلك الكتب بأنها محتوية على الكفر وناصرة للألحاد دون أن يقفوا على معانيها أو يطالهوها.
ب - قوم يعدون تلك الكتب هذيانا وهذرا وهؤلاء يحتاجون من يفهمهم أنهم على خطأ.
ج - قوم قرأوا هذه الكتب بعقول مدخولة واهواء مؤوفة وبصائر غير سليمة ولا بد من هدايتهم إلى وجه الحق.
د - قوم نظروا بأذهان صافية وأفكار نقية من الميل فاستناروا بتلك الكتب ووقفوا على اغراضها.
وأنفق ابن حزم في كتابه هذا جهدا كبيرا في وضع أسس المناظرة والجدل، وما ذلك إلا لحاجة أمثاله يومئذ إلى الدفاع عن القضايا الدينية، بوجه منطقي، وقد دل كتاب الفصل على الموقف الذي وقفه ابن حزم من علماء اليهود النصارى كما تشهد كتبه الأخرى بطبيعة المناظرة الحادة في وقفته أمام أهل المذاهب الأسلامية الأخرى، وهذه ناحية من أشد ضروب النشاط الفكري بالأندلس يومئذ.
واتماما للاتجاه الفكري لدى ابن حزم يحسن أن يرجع الدارس إلى رسالته في " مداواة النفوس ةتهذيب الأخلاق " ففيها مسحة فلسفية تخالط نظراته النفسية العميقة، وفيها دعوة إلى العزلة، تعد إرهاصا بنظرات ابن باجة في التوحد رغم المعايشة إذ يقول: " من جالس
стр. 59
الناس لم يعدم هما يؤلم نفسه، وانما يندم عليه في معاده، وغيظا ينضج كبده، وذلا ينكس همته، فما الظن بعد بمن خالكتهم وداخلتهم؟ والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها ليلة (١) وفي هذا التيار الفكري الذي سيبلغ ذروته عند ابن باجة ثم عند ابن الطفيل نرى وقع المجتمع في تكوين هذه النظرات، ولو وصلنا كتاب " السياسة " لأبن حزم لكونا عن نظراته في التدبير الفردي صورة أوفى واتم، ولعرفنا على وجه أوضح أثر الحياة الأجتماعية في تكوين نظرته الفلسفية. وفي المنقولات الباقية من هذا الكتاب احكام تدل على انها منتزعة من واقع الأحوال الأندلسية كحديثه عن تنظيم البريد أو حديثه عن الولاة في قوله: " والذي نختاره للأمام على كل حال ألا يطول مدة أمير بلد، ولا سيما البعيدة عنه أو الثغور التي فيها القلاع المنيعة والجند الكثير أو التي فيها المال الكثير، بل يعجل عزل كل أمير يوليه شيئا من ذلك، وأن كان عدلا فاضل السيرة، فيوليه الإمام بلدا من بلاده، أما سائر البلاد فبخلاف ذلك لا يعزل عنهم أحد إلا عن جور ظاهر أو خيانة بينة " (٢) .
فإذا انتقلنا إلى نطاق الفلسفة الالهية وجدنا اثنين من الفلاسفة هما ابن السيد البطليموسي وابن باجة.
وابن السيد لغوي نحوي ولكنه كتب في الفلسفة رسالة صغيرة بعنوان " كتاب الحدائق في المطالب الفلسفية العالية العويصة "، وقد خصص هذا الكتاب للاجابة على سبع مسائل هي: أن ترتيب الموجودات عن السبب
стр. 60
الأول يحكي دائرة وهمية، وإن الانسان تبلغ ذاته بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته ويحكي علمه دائرة وهمية، وإن صفات الباري لا يصح أن يوصف بها طريق السلب، وقولهم لا يعرف الله إلا نفسه، والبرهان على بقاء النفس الناطقة بعد الموت (١) . ومما يلفت النظر أن أبن السيد جعل النفوس ستا أي زاد إلى النفوس الثلاث المعروفة وهي النباتية والغضبية والناطقة ثلاث نفوس اخرى هي الفلسفية والنبوية والكلية. وهو لا يعني أن هذه الثلاث أنواع في القسمة الأساسية للنفوس، ولكنه خلط صفات بعض النفوس الناطقة وميز بعض أقسامها. ويعتمد ابن السيد على الفلاسفة اليونانيين، ويورد بعض أقوالهم مثل تالس وزينون وأرسطو وأفلاطون، ولكنا لا نعرف مصدره المباشر، وهو ينقل عن طيماوس لافلاطون في غير موضع. وقد قال الاستاذ آسن بلاسيوس، إن هذه الفقرات التي يوردها ابن السيد من تلك المحاورة لا تتفق مع نصها اليوناني المعروف، مما يثير مشاكل متعددة تتعلق بالمراجع الخاصة بدراسة أفلاطون. ويقول آسن أيضا: وعلاوة على ذلك كله، فإن كتاب الحدائق، يعتبر أول محاولة للتوفيق بين الشريعة الإسلامية والفكر اليوناني (٢) .
وأما ابن باجة، فهو فيلسوف هذه الفترة بلا نزاع. بلي بمحن كثيرة وشناعات من العوام، وقصدوا اهلاكه مرات وسلمه الله منهم. وكان هو ومالك بن وهيب الاشبيلي قرنين في التحقق بعلم الفلسفة، وقد استطاعا أن يفيدا كثيرا من الكتب التي تفرقت من مكتبة الحكم، بعد زوال الدولة الأموية. إلا أن مالك بن وهيب لم يكتب في الفلسفة،
стр. 61
وأضرب عنها ظاهرا " لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها " وانصرف إلى علم الشريعة. وأما أبو بكر ابن باجة، فإنه ترك في الفلسفة مؤلفات كما ترك تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة، ولم يفرد تأليفا في العلم الالهي، غير أن له إشارات إليه في أثناء مؤلفاته الأخرى. وقد عد له ابن أبي أصيبعة عدة كتب، تدل على أنه سبق ابن رشد، إلى شرح كتب ارسطوطاليس. وقد قال فيه تلميذه أبو الحسن علي بن الإمام الغرناطي، وهو الذي وصلتنا أقاويل الباجي الفلسفية عن طريقه: " ويشبه أنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم، فانه إذا قرنت أقاويل ابن سينا والغزالي، وهما اللذان فتح عليهما بعد أبي نصر بالمشرق في فهم تلك العلوم ودونا فيها، بان لك الرجحان في أقاويله أرسطو " (١) .
ومن كتبه التي وصلتنا رسائل ثلاث هي: كتاب النبات، ورسالة الوداع، ورسالة اتصال لعقل بالانسان، كما وصلنا كتاب " تدبير المتوحد " وجميعها نشرها المستشرق آسن بلاسييوس. اما كتاب النفس فقد نشره الدكتور محمد صغير حسن المعصومي. ومن العجيب ان كتب ابن باجة أكثرها مخروم غير كامل من آخره ككتابيه في النفس وتدبير المتوحد وغيرهما (٢) .
وقد كان ابن باجة في فلسفته ذا اهتمام بسعادة النفس الفردية وكمالها، فهو يؤمن مثل أفلاطون بالحاكم الفيلسوف، ولكنه يحاول أن يتساءل: ما هي الغاية القصوى لدى الإنسان، وكيف يحقق هذا الفيلسوف غايته؟ وهو غير معني في نظرته الفلسفية بتحقيق؟ أو تصوير - المدينة الفاضلة
стр. 62
أو الجمهورية المثالية، وانما يحاول أن يوجد للإنسان الفكر وضعا في الدولة المضطربة، فيرى أن يكون متوحدا، أي يعيش في بيئته، وكأنه بانقطاعه للتأمل لا يعيش فيها، فالمتوحد هو الذي سماه المتصوفة باسم " الغريب " لأنه قد سافر بفكره إلى مرتبة اخرى هي له كالوطن (١) .
وقد يقال على نحو من اليقين ان ابن باجة يتأثر أفلاطون في جمهوريته والفارابي في مدينته الفاضلة، ولكن إشارات عابرة إلى الوضع السياسي في زمنه، في كتابه " تدبير المتوحد " تدل على الملاءمة بين هذا التجريد الفكري والواقع. ومن العجيب، وتلك حال المجتمع من الفوضى يومئذ، أن ينتهي ابن باجة إلى القول: " وكل ما يوجد للإنسان بالصبع ويختص به من الأفعال فهي باختيار؟ والأفعال الإنسانية الخاصة به هي ما تكون باختيار ".
واذا استثنينا كتاب النبات وجدنا أن تدبير المتوحد واتصال العقل ورسالة الوداع وكتاب النفس تنحو منهج متكامل في النظرة الفلسفية. فسعادة الفرد وكماله هما محور رسالة الوداع، التي وجهها إلى تلميذه علي بن الامام السرقسطي حين أزمع الرحلة إلى المشرق ليبين له كيف يكون الفرد " كاملا كماله الذي يخصه " وذلك باقترابه من منزله العقل " أحب الموجدودات إلى اللع ". وفي رسالة اتصال العقل تتمة لهذه الفكرة إذ يحاول أن يثبت في هذه الرسالة، كما يقول الاستاذ آسن بلاسيوس: " أن العقل الانساني، وأن كان مجرد قوة، أو استعداد لتقبيل المعقولات، إذا أتحد بالمعقولات يصير صورة الصور، كما هو الحال في العقل الفعال،
стр. 63
بمعنى أن يصير بمثابة محل المثل ومكان المعقولات " (١) . وفي تدبير المتوحد شرح لتحقيقها على رغم النقصان الذي يواجه وجود المتوحد في المجتمع الناقص.
أما كتاب النفس فانه عودة إلى تقرير التميز للأنسان عن طريق النطق والتخيل لا عن طريق الحس. يقول ابن باجة: " والادراكات النفسية جنسان: حس وتخيل، ولا يمكن أن يتخيل ما لا يحس، ولذلك لا يمكن أن يتخيل اللون؛ فالحس يتقدم بالطبع التخيل لأنه كالمادة للتخيل (٢) ". ويقول في موضع آخر: " فبين أن القوة المتخيلة كمال لجسم طبيعي آلي، فهي إذن نفس؛ وبين مما قلنا أنه لا يمكن أن توجد قوة اخرى غير هاتين، أعني الحس المشترك والقوة الخيالية (٣) ".
ذلك الاتجاه الفلسفي الذي ترك أثرا واضحا في أدب هذا العصر حين أوجد له متكأ عقليا وعمقا جديدا ومصطلحا؟ سنولي أثره العناية في فصل تال - لم يكن اتجاها مستنكرا لدى الفقهاء فحسب بل حاول النقاد ان يغضوا منه وينتقصوا أصحابه.
ولا نستطيع أن نقول إن هذا التيار الفلسفي كان قاصرا على عهد الطوائف وانه توقف أيام المرابطين، فابن باجة يمثل هذا العصر المرابطي؛ صحيح أن دولة المرابطين كانت دينية الطابع وانه لم يكن " يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم الفروع، فروع مذهب مالك (٤) " وأنه نفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وكفر العلماء كل من عمل في علم الكلام وأحرقت كتب الغزالي، ولكن يجب أن نذكر أن ميدان
стр. 64
العمل الفلسفي لم يكن نشاطا عاما في أي عصر وإنما كان أمرا خاصا فرديا في كثير من الاحيان. أما الفروع المباحة من علوم الاوائل كالطب مثلا فقد ظلت تلقى ضروب التشجيح. وفي عصر المرابطين ألف عبد الملك بن زهر كتاب " الاقتصاد في صلاح الاجساد " لعلي بن يوسف ابن تاشفين وفرغ منه سنة ٥١٥هـ؟ (١) وأمر علي بن يوسف أيضا بما كان خلف أبو العلاء بن زهر من نسخ له مجربات فجمعت بعد موت أبي العلاء (- ٥٢٦) .
стр. 65
الدولة وتشجيع الحياة الأدبية
حين تحدثت عن أمراء الطوائف في فصل سابق قلت إنه لم يكن من تفاوت كبير بين تلك الإمارات فيما تنتهجه من نظم سياسية أو إدارية. غير أن التباين الحقيقي كان واضحا في الصيغة الأدبية والعلمية التي انتحلتها كل أمارة، وكان هذا أيضا تابعا لميول الفرد الواحد دون الآخر؛ ولما كان الأدب يومئذ سلعة يصدق عليها مبدأ العرض والطلب، كان نفاقها بمقدار ميل الأمير لها أو حاجته إليها أو قدرته على تقديرها واستساغتها.
ففي الدولة الصمادحية كان محمد بن معن الذي تلقب بالمعتصم بالله والواثق بفضل الله يعقد المجالس يقصره للمذاكرة ويجلس يوما في كل جمعة للفقهاء والخواص فيتناظرون بين يديه في كتب التفسير والحديث، ولزم حضرته فحول الشعراء كأبي عبد الله الحداد - وفيه استفرغ شعره - وكابن عبادة وابن مالك القرطبي والأسعد بن بليطة وأبي حفص بن الشهيد (١) وكان كاتبه ابا محمد بن عبد البر ومن مداحه ابن الطراوة
стр. 66
النحوي الذي قصده أثناء تجواله معلما في بلاد الأندلس (١) واشتهر بمدحه أبو الفضل ابن شرف (٢) كما أن أبا طاهر يوسف بن محمد الاشكركي العالم اللغوي جعل أكثر أمداحه في المعتصم (٣) .
وكان المظفر؟ من بني الأفطس أصحاب بطليموس - حسب قول ابن بسام: اديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق والتأليف الفائق المترجم بالتذكرة، والمشتهر اسمه أيضا بكتاب " المظفري " في خمسين مجلدة، يشتمل على فنون وعلوم من معان وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب (٤) ؟.؛ وكان لهذا الأمير رأي في الشعر فريد يستحق التنويه، فقد روي عنه أنه روي عنه أنه كان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويقيل رأي من ارتسم في ديوانه ويقول: من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو شعر المعري فليسكت (٥) .
وكان المتوكل ابنه رحب الجناب للوافدين، معروفا بمهارته هو نفسه في الشعر والنثر (٦) . ولذلك لم تقصر حضرة بطليموس في زمان المظفر وابنه في تشجيع الأدب نثرا وشعرا، فكان في طليعة رجالها المشهورين بالشعر والنثر عبد المجيد بن عبدون، ومن شعرائها ابن البين البطليموسي وابن البنت الترجلي، ومن كتابها أبو بكر عبد العزيز بن سعيد البطليموسي وأبو بكر ابن قزمان (الأكبر) ، ومحمد بن ايمن وغيرهم.
ويقول ابن حيان في أبي الجيش مجاهد العامري، صاحب دانية
стр. 67
والجزائر الشرقية: " كان مجاهد فتى أمراء دهره، وأديب ملوك عصره لمشاركته في علم اللسان، ونفوذه في علم القرآن، عني بذلك من صباه وابتداء حاله إلى حين اكتهاله، ولم يشغله عن التزيد عظيم ما مارسه في الحروب برا وبحرا، حتى صار في المعرفة نسيج وحده، وجمع من دفاتر العلوم خزائن جمة، وكانت دولته أكثر الدول خاصة وأسرارها صحابة، لانتحاله الفهم والعلم، فأمه جلة العلماء، وأنسوا بمكانه، وخيموا في سلطانه، واجتمع عنده من طبقات علماء أهل قرطبة وغيرها جملة وافرة وحلبة ظاهرة، على أنه كان مع أدبه من أزهد الناس في الشعر، وأحرمهم لأهله وأنكرهم على منشده، لا يزال يتعقبه عليه كلمة كلمة، كاشفا لما راع فيه من لفظه وشرفه، فلا تسلم على نقده قافية، ثم لا يخلو التخلص من مضماره على الجهد لديه بطائل، فلا يحظى منه بنائل، فأقصر الشعراء عن مدحه، وخلا الشعر من ذكره " (١) . ومن ثم يمكن القول، أن الصبغة العلمية كانت هي الغالبة على بلاط مجاهد العامري، فاجتمع لديه من العلماء أبو عمرو المقرىء وابن عبد البر وابن معمر اللغوي وابن سيده، فشاع العلم في حضرته حتى فشا في جواريه وغلمانه، فكان له من المصنفين عدة، يقومون على قراءة القرآن ويشاركون في فنون من العلم (٢) . وله ألف ابن سيده معجميه: المحكم والمخصص.
وقد ولى مجاهد على جزيرة ميورقة أبا العباس أحمد بن رشيق وكان هذا الرجل كاتبا بارعا مشاركا في مختلف العلوم ميالا بوجه خاص إلى الحديث والفقه، ولذلك جمع حوله في تلك الجزيرة حلقة من العلماء والصالحين، وهو الذي آوى الفقيه ابن حزم حين ضاقت به بلدان
стр. 68
الأندلس الأخرى، وبين يديه جرت المناظرة بين ابن حزم وأبي الوليد الباجي (١) .
ولا تحدثنا المصادر بشيء ذي بال عن مدى تشجيع الدولة الجمهورية بقرطبة للأدب والعلم وإن كانت قرطبة قد انجبت في هذا العصر ابن زيدون وابن حيان المؤرخ وولادة الشاعرة وأبا الحسن ابن سراج وغيرهم من الأدباء والعلماء. ونسمع أن عبد الرحمن بن فتوح ألف كتابا عنوانه " بستان الملوك " رفعه إلى ابن جهور أيام إمارته بقرطبة (٢) ولكن يبدو أن بلاط قرطبة لم يعد كما كان في عهود الخلفاء الأمويين والحجاب منتجعا للشاعر والأديب ومأوى العلماء والمؤلفين.
وكذلك ليس في المصادر صورة واضحة عن بلاط بني القاسم بالبونت وعن مدى اهتمامهم بالأدباء والعلماء والشعراء، إلا أن ابن حزم اثنى في رسالته في فضل أهل الأندلس على ابي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم صاحب البونت وذكر انه حضر مجلسه وهو " المجلس الحافل بأصناف الآداب والمشهد الآهل بأنواع العلوم " (٣) .
ولم تزدهر الآداب والعلوم حول بني ذي النون بطليطلة فقد كان إسماعيل شديد البخل، لم يرغب في صنيعة ولا سارع إلى حسنة، فما أعملت إليه مطية، ولا استخراج من يده درهم في حق ولا باطل (٤) وتغيرت الحال فليلا في عهد ابنه المأمون إذ ضم بلاطه جماعة من الغرباء منهم ابن شرف القيرواني وابن خليفة المصري وابو الفضل البغدادي
стр. 69
وكان لديه عدد من مشاهير الكتاب (١) ؛ كما كان أحد شعرائه وهو ابن أرفع رأسه الوشاح طليطلي الأصل (٢) وللمأمون بن ذي النون صنف ابراهيم بن وزمر الحجازي كتاب " مغناطيس الأفكار فيما تحتوي عليه مدينة الفرج من النظم والنثر والأخبار " (٣) وصنف له عبد الرحمن بن فتوح كتاب " الأعراب في رقائق الآداب " (٤) وله أهدى المؤرخ ابن حيان أحد كتبه التاريخية.
وربما كان احتفال بني زيري أصحاب غرناطة بالأدب أقل أيضا من بني ذي النون؛ وكان وزيرهم ابن النغريلة اليهودي ذا حظ من الشعر والأدب، وقد قصده المداحون، ومنهم الاخفش القبذاقي (٥) . وكان عبد الملك بن هذيل صاحب السهلة؟ مع شرفه وأدبه - متعسفا على الشعراء متعسرا بمطلوبهم في ميسور العطاء (٦) اما أبو طاهر ابن عبد الرحمن صاحب مرسية فكان جوادا ممدحا ينتجعه الشعراء ويقصده الأدباء، وقد انتجعه أبو بكر بن عمار ايام خموله (٧) . وكان بنو هود أصحاب سرقسطة ممن غلبت عليهم؟ دون ملوك الطوائف - الشجاعة والشهامة وقبضوا أيديهم فقلت امداحهم وترك الشعراء انتجاعهم إلا في الغب والنادر، على سعة مملكتهم ووفور جبايتهم (٨) وكان المقتدر منهم محبا للفلسفة والرياضة
стр. 70
والفلك، ومن كتابه المشهورين أبو المطرف بن الدباغ وابن حسداي، وكان لابن المؤتمن مثل ما لأبيه من شغف بالعلوم الرياضية، حتى انه ألف كتابا سماه " الاستكمال ". ويقول الأمير عبد الله بن زيري في مذكراته: كان المؤتمن رجلا عالما قد طالع الكتب (١) . وممن نشأ في عاصمة بني هود ابن باجة الفيلسوف ومن مداحهم ابن خير التطليليوابن معلى الطرسوني (٢) وللمؤتمن ابن هود ألف نصر بن عيسى كتابا في العروض (٣) .
هذه صورة تنطق بجملة من الحقائق، فهي بعد ان تنفى طبيعه المبالغات العامة التي تربط بين ازهار الأدب في هذا العصر وحركة التشجيع " الرسمي " في بلاطات الأمراء تدلنا على أن تلك الامارات وقد عددنا منها تسعا كانت تتباين تباينا شديدا في طبيعة اهتمامها أو قل اهتمام الافراد أصحاب النفوذ فيها، بين دراسات لغوية وقرآنية وادبية عامة إلى دراسات علمية؟ هندسية وفلكية، وأخرى فلسفية، وأن الشعر بخاصة يسير الحظ من التشجيع، أن لم نقل إنه كان في أكثر الحالات " غريب اليد واللسان ". وبالمقارنة نستطيع ان نتبين كيف أن الاحكام التي نطلقها على ازدهار الشعر مستمدة من تصورنا لما كانت عليه الحال في بلاط بني عباد بأشبيلية، فقد أصبح هذا البلاط - واصحابه عرب ذوو نزعة شعرية واضحة - مقصدا للشعراء من انحاء مختلفة؛ فقد كان المعتضد شاعرا، وكان ابنه المعتمد اكبر شاعر امير في عصره، ومن حولهما تجمع أعظم شعراء العصر، من أمثال ابن عمار وابن اللبانة وابن حمديس الصقلي وعبادة القزاز وابن عبد الصمد وعبد الجليل بن وهبون، وعشرات
стр. 71
غير هؤلاء. ولا ريب في ان هذه الصبغة الشعرية هي التي تجعل حظ اشبيلية من العظمة الادبية مثل حظ اختها قرطبة في العصر السابق. هذا إلى جانب ضروب اخرى من التشجيع الادبي، فللمعتضد ألف الاعلم الشنتمري شرح الاشعار الستة وشرح الحماسة، وألف غيره دواوين وتصانيف لم تخرج إلى الناس (١) ، وباسمه طرز ابن شرف تأليفه المسمى " أبكار الأفكار " وبعث به إليه دون ان يلتحق ببلاطه، وكان من قبل قد وسمه باسم بن حبوس (٢) .
غير اننا يجب ان نتذكر ان هذه الصورة قاصرة، لأنها لا تمثل لإلا علاقة الادب بالحكام، وهي لذلك تعجز ان تنقل لنا مدى النشاط الأدبي والفكري الذي نشأ مستقلا بقوة التطور في هذا العصر وفي أبعاده الحضارية. فهناك الشعر الذي لم يتصل ببلاط الملوك، وهناك المؤلفات الدينية والفلسفية التي انبثقت دون حافز مادي أو تشجيع من ذوي السلطان. وقد كانت العادة ان يؤلف المؤلف كتابا ثم يحاول ان يرفعه إلى أحد الأمراء رجاء الصلة، وهذا شيء مختلف عن اندفاع الأمير نفسه عامدا ليكون حاميا لحركة التأليف. ولو كان الأمر في هذه الناحية معلقا بالرغبة في التقرب من اولي الامر وفي خدمتهم لكان ما ألف في شتى العلوم بحافز من رغبة الحكم المستنصر وإشرافه؟ في العصر الاموي - يفوق كل ما بعث عليه أمراء الطوائف مجتمعين. إلا أن الشعر ينفرد بحكم خاص لأنه شديد الارتباط بالكسب، ولذلك كان اكثر اصحابه بحاجة إلى عطايا الأمراء.
ولما قامت دولة المرابطين، لم يبلغ لديهم تشجيع الادب والتأليف
стр. 72
عامة، والشعر خاصة، ما بلغه الحال في بلاط بني عباد، غير أن الوضع في عهدهم لم يكن أسوأ حالا مما كان لدى بقية دول الطوائف. ولعل الصورة العامة في تميز عصر الطوائف على عصر المرابطين في هذا الصدد، مستوحاة من العصبية الأندلسية التي يمثلها أثر أدبي، كرسالة أبي الوليد الشقندي. فقد أسرف الشقندي في الثناء على امراء الطوائف وزعم أنه: " ما كان أعظم مباهاتهم إلا قول العالم الفلاني عند الملك الفلاني " والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني؟ وقد سمعت ما كان من الفتيان العامرية: مجاهد ومنذر وخيران، وسمعت عن الملوك العربية: بنو عباد وبنو صمادخ وبنو الأفطس وبنو ذي النون وبنو هود، كل منهم قد خلد فيه من الأمداح ما لو مدح به الليل لصار أضوأ من الصباح، ولم تزل الشعراء تتهاوى بينهم تهادي النواسم بين الرياض، وتفتك في أموالهم فتكة البراض " (١) . وإزاء هذا الثناء أنحى باللأئمة والذم على أمراء المرابطين فقال: " وبالله إلا ما سميت لي بمن تفخرون قبل هذه الدعوة المهدية: أبسقوت الحاجب، أم يصالح البرغواطي، أم بيوسف بن تاشفين الذي لولا توسط ابن عباد بشعراء الأندلس في مدحه، ما أجروا له ذكرا، ولا رفعوا لملكه قدرا، وبعدما ذكروه بواسطة المعتمد فإن المعتمد قال له، وقد أنشدوه: أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟ قال لا أعلم، ولكنهم يطلبون الخبز ". ولما انصرف المعتمد إلى حضرة ملكه، كتب ليوسف رسالة ليقول فيها:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
стр. 73
فلما قرىء عليه هذان البيتان قال للقارىء: يطلب منا جواري سودا وبيضا؟ قال: لا يا مولانا، ما أراد إلا أن ليلة كان بقرب أمير المسلمين نهارا، لأن ليالي السرور بيض، فعاد نهاره ببعده ليلا لأن ليالي الحزن ليال سود. فقال: والله جيد، اكتب له في جوابه إن دموعنا تجري عليه، ورؤوسنا توجعنا من بعده " (١) .
تلك هي الصورة التي رسمها الشقندي لحال المرابطين، وليوسف ابن تاشفين خاصة؟ من حيث علاقتهم بالشعر وتقديره وتذوقه. ونحن نعلم أن الشقندي يكتب رسالته ليفخر بالاندلس على بر العدوة - موطن المرابطين الأصلي؟ وفي موقف المفاخرة والمباهاة تهجين وتزيين، والأمر لا يعدو أن يكون نادرة تقال على سبيل الضحك والتسلية. لأن ابن تاشفين لم يكن يحسن العربية. وما من شك في أن أهل المغرب كانوا أقل حضارة وأقل نصيبا من تقدير الشعر من أهل الأندلس ولكن هذه الاخبار تدل على نقمة الأندلسيين على المرابطين باكثر مما تدل على تغير في حال الادباء والشعراء يومئذ، فالشعراء الذين ادركوا عصر المرابطين هم الشعراء الذين كانوا في ظلال امراء الطوائف. ثم إذا كان هذا القول يصدق على يوسف بنتاشفين فأنه لا يصدق على من جاءوا بعده أو على امراء المغاربة الذين عاشوا في الأندلس وتشبهوا بالأندلس في تقريب الشعراء والادباء. والحق هنا في ما قاله الاستاذ غومس: " بيد ان الشعر الاندلسي لم يمت في عصر المرابطين وكل ما حدث انه كيف نفسه بما يلائم الظروف الجديدة التي احاطت به. بيد انه من الانصاف ان تقرر ان خلفاء يوسف بن تاشفين لم يلبثوا ان استسلموا لسلطان الثقافة الاندلسية القاهر واصبحوا اقرب إلى الاندلسين منهم إلى الأفارقة فحفلت
стр. 74
دواوين إنشائهم بالناثرين والكتاب ممن تخلفوا عن عصر الطوائف "، ثم عد الاستاذ غومس بعض الكتاب والشعراء الذين عاشوا في ظل المرابطين (١) .
نعم إن بعض الشعراء؟ كما يقول ابن بسام - ولما صمت ذكر ملوك الطوائف بالأندلس طوى الشعر على غره وبرىء من حلوه ومره الا نفثة مصدور والتفاتة مذعور " (٢) ، ولكن هناك شعراء آخرون مثل ابن خفاجة كانوا قد صمتوا في عصر الطوائف وانطلقت شاعريتهم ثانية في عصر المرابطين. ولست انكر أن الق الصبغة الشعرية الذي كان يزين بلاط بني عباد قد ضاع، وأنه ضاع لذلك مجد من يمكن أن نسميه " شاعر البلاط "، أو الشاعر الذي كان يبلغ منصبا كبيرا في الدولة تقديرا لشعره، أما سائر الشعراء فلم يتغير بهم الحال كثيرا. ولسنا نعرف حال الأدب والشعر في عصر المرابطين معرفة شاملة من دراستنا للعلاقة بين الأدب وتشجيع الدولة، فقد رأينا خطأ هذا التصور حين عرضنا لموقف امراء الطوائف من الحياة الادبية والشعر. وكل ما يمكن ان نقوله في هذا المقام ان عصر المرابطين حفل بابن خفاجة وابن الزقاق والأعمىالتطيلي وابن بقي من الشعراء، وأن الموشح بلغ فيه الذروة، وان الزجل على يد ابن قزمان اكتمل صورة وموضوعا - من هذا يحق لنا ان نقول إننا في دراستنا للظاهرة الأدبية يجب أن لا نرى في تشجيع الأمراء للأدب، سر العلة الكبرى في ازدهاره.
стр. 75
الحال الاجتماعية للشاعر
إنما أفرد الشاعر حيت تصدى لدراسة الحالة الاجتماعية عن الكاتب، لأن الكاتب في الغالب كان " رجل دولة " أي لم تتمثل في حياته " العقدة السياسية " مثلما تمثلت في حياة الشاعر. وقد اتصلت حياة الشعر العربي منذ امرئ القيس بمشكلة العلاقة بين الشاعر والحياة السياسية، وتحطم على صخرة هذه المشكلة كثير من الشعراء في المشرق، وكانت هذه " العقدة " وراء كثير من المظاهر الشعرية والأدبية. أما في الأندلس فيبدو انها حلت على نحو ما، إذ كان وصول الشاعر إلى المشاركة في توجيه السياسة ببلده أمرا مألوفا، ومما ساعد على ذلك كون بعض الأمراء شعراء يحبون الشعر ويقدرونه ويؤمنون بأنه مقياس للكفاءة وليس هذا المجال صالحا للحديث عن أثر هذه النظرة في الحياة السياسية بالأندلس، ولكن لا ريب في أن " الطبيعة الشعرية " كانت ذات أثر في نوعية الحياة السياسية في البلاد الأندلسية وبخاصة في عصر ملوك الطوائف. فإن التخلي عن العاطفة الحارة في توجيه العلاقات الفردية والاجتماعية ليس امرا ميسورا دائما وقد التبست سياسة ذلك العصر بشيء من العواطف