← Адаб

Адаб · id 1016

تاريخ الأدب الأندلسي (عصر سيادة قرطبة)

إحسان عباس

Полный текст (329 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وثوبا من الخز، وموضعه من الناس في وسط الحفل (١) ومنهم ابن مقيم الزامر وكان طيب المجلس صاحب نوادر (٢) ومن الطنبوريين زربوط الطنبوري الذي قتل هو وقنبوط الملهي في وقعة قنتيش (قنطيش) أيام فتنة البربر مع سليمان المستعين (٣) ، وقد كان هؤلاء الزامرون ينغمون الألحان السائرة في أحداث مشهورة لأنها تجد إقبالاً من الجماهير، وفي تلاحين زرياب قد نجد الأساس الذي انبثق عنه الموشح من بعد، وفي التنغمات الشعبية التي يرددها الزامرون قد نجد أصول الأزجال. وقد وجد الغناء بالأندلس قبولا يكاد يكون شاملا ولم يتحرج فيه قوم، ومن العسير أن نثبت أن رجال الدين هنالك كانوا يكرهون الغناء، أو يشددون النكير على أهله، بل لعلهم كانوا في هذه الناحية أقرب الناس شبها بفقهاء أهل المدينة ونساكها، ومن الحكايات الدالة في هذا الباب قصة قاضي الجماعة محمد بن أبي عيسى وكان عند رجل من بني حدير وجارية للحديري تغنيهم هذه الأبيات: طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزهت بحمرة خدك التفاح وإذا الربيع تنسمت أرواحه ... طابت بطيب نسيمك الأرواح وإذا الحنادس ألبست ظلماءها ... فضياء وجهك في الدجى مصباح فكتب القاضي هذه الأبيات في يده، وخرج للصلاة على جنازة، والأبيات مكتوبة على باطن كفه (٤) . وكان ابن عبد ربه؟ وهو ذو الديانة والصيانة - مارا ذات يوم ببعض الأحياء فسمع مصابيح تغني، فاستماله غناؤها ووقف تحت الروشن منصتا، ثم مال إلى بعض المساجد وأخذ لوحا لبعض الصبية وكتب عليه:

стр. 37

يا من يضن الطائر الغرد ... ما كنت أحسب هذا البخل من أحد لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد فلما قرأ سيدها الأبيات، خرج إليه مسرعا، وادخله بيته ورحب به (١) . ويصف لنا الإمام ابن حزم مجالس الغناء ويذكر الشعر الذي كان يغنى به ويصور شدة تأثره بما يسمع (٢) . وكلفته حفنى العامرية إحدى كرائم المظفر عبد الملك بن أبي عامر صنع أبيات تلحنها، ففعل، وذكر ان لها فيها صنعة في طريقة النشيد والبسيط رائقة جدا (٣) وتناول ابن حزم الغناء من الناحية الفقهية في رسالته " الغناء الملهي وهل هو مباح أو محظور "، ورد الأحاديث التي تقوم بحظرة جميعا (٤) ، ألا أن هذا الميل ليس عاما فقد وجد بين الناس من ينكر هذا المذهب، ولما شاء ابن حيان ان يثلب أحد الفقهاء قال فيه: " من رجل مرخص في السماع، صب بإنشاد الأغاني الفاتنة " (٥) فجعل ذلك بعض عيوبه. ومهما يكن من شيء فقد شاع الغناء في البلاد الأندلسية عامة، ولم يقتصر احتفال الناس به على قرطبة، بل لعل المدن الأخرى بذتها في هذا الشأن، وأحرزت اشبيلية بعد هذا العصر الذي نتحدث عنه قصب السبق في كثرة الإقبال على اللهو وآلات الضرب والغناء، حتى لقد قال فيها ابن رشد: " إذا مات عالم باشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وان مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت على اشبيلية " (٦) وفي سنة ٤٠٦ كان التجيبي شارح المختار من شعر بشار مريضا بمدينة مالقة فقال يصف حاله في تلك المدينة " وكنت إذا جنني

стр. 38

الليل اشتد سهري وخفقت حولي أوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل ناحية "، وقد اعجب بغناء جارية كانت تغني أبياتاً منها: ما بال أنجم هذا الليل حائرة ... أضلت القصد أم ليست على فلك عادت سواريه وقفا لا حراك لها ... كأنها جثث صرعى بمعترك فلما سأل عنها عرف إنها جارية بغدادية، من جواري المنصور بن أبي عامر، صارت إلى أحد الوزراء (١) . الحياة الثقافية والأدب وفي هذا الجو من الإيمان بالشعر المحدث، ومن القياس على الطرائق الغنائية المشرقية، كان الشعر لا يزال في حاجة إلى ثالث هذه الأبعاد، اعني إلى العمق الثقافي، لكي ينأى؟ ولو قليلا - عن روح التقليد وعن سطحية الغناء وخفقه. وقد قام أولو الأمر بتشجيع الثقافة وتقريب أصحابها من المقيمين والوافدين، وهيأوا الأسباب التي تكفل تقدمها ونماءها، فرعوا أمر الفقه واللغة والطب والتنجيم، وشجعوا المؤلفين على التأليف. فوجه الأمير عبد الرحمن إلى المشرق عباس بن ناصح الجزيري في التماس الكتب القديمة فجاءه بالسند هند وغيره منها، وهو أول من ادخلها الأندلس، وعرف أهلها بها ونظر هو فيها (٢) . وفي وسط المائة الثالثة، أيام الأمير محمد ابنه تحرك أفراد من الناس إلى طلب العلوم ولم يوالوا يظهرون ظهورا غير شائع إلى أواسط المائة الرابعة (٣) وممن اشتهر بطلب العلوم في هذه الفترة أبو عبيدة البلنسي المعروف بصاحب القبلة وكان فلكيا دارسا للجغرافيا وقد هاجمه ابن عبد ربه واتهمه بانه ينسب الرزق إلى الكواكب، وانه يقول بكروية الأرض وتخالف الفصول في نصفيها الجنوبي والشمالي. واهتم بالمنطق والحساب

стр. 39

محمد بن إسماعيل الملقب بالحكيم، صديق القلفاط الشاعر النحوي. إلا أن الأندلسيين ظلوا ينظرون في ريبة إلى من يشتغل بعلوم الفلسفة والمنطق والجدل، ولا يتقلبون من علوم الأوائل إلا الطب والحساب حتى مضت عدة سنوات من حكم الناصر، ونصب ابنه الحكم نفسه لتشجيع العلوم دون تفرقة. واليه يعود الفضل في ظهور نهضة علمية بالأندلس. النهضة الثقافية أيام الحكم كان الحكم شابا مثقفا واسع الاطلاع ذا لذة في شهود مجالس العلماء والسماع منهم والرواية عنهم سمع من قاسم بن اصبغ واحمد بن رحيم ومحمد بن عبد السلام الخشبي وزكريا بن خطاب اكثر عنه وأجاز له ثابت بن قاسم وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء، وكان نظارا في الكتب كثير التعليق عليها، وقلما تجد كتابا في خزانته إلا وفيه قراءاته وتعليقاته عليه، ويكتب فيه بخطه إما في أوله أو آخره أو في تضاعيفه نسب المؤلف ومولده ووفاته والتعريف به ويذكر انساب الرواة له ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لكثرة مطالعته وعنايته بهذا الفن وكان موثوقا به مأمونا عليه حتى صار كل ما كتبه حجة عند شيوخ أهل الأندلس وأئمتهم بنقلونه من خطه (١) . قال الحميدي في ترجمة ابن عبد ربه: " توفي أبو عمر احمد بن عبد ربه سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة [وعين اليوم والعمر بالسنوات والأشهر والأيام] ومدح الأمير محمدا والمنذر وعبد الله وعبد الرحمن الناصر، هذا آخر ما رأيت بخط الحكم المستنصر، وخطه حجة عند أهل العلم عندنا " (٢) ، وذكر ابن الأبار انه اجتمع له جزء مفيد مما وجده بخطه وانه وجده يشتمل على فوائد جمة في أنواع شتى، وكان قد قيد كثيرا من انساب أهل

стр. 40

بلده (١) ومن تقييداته أمثلة منقولة في طبقات الزبيدي والمرقبة العليا للنباهي وغيرهما (٢) . وقد كانت خطة الحكم فيما يتأتى له من نهضة علمية، تمتد إلى أمور متشابكة منها إغراء العلماء بالقدوم إلى الأندلس أو التأليف من اجل خزائن الكتب الأندلسية، ونقل الكتب من الخارج، وتشجيع الثقافات المختلفة من أدبية ودينية وفلسفية، ودفع الملكات الأندلسية إلى جمع التراث الأندلسي، قبل ان يتطاول عليه الزمن ويتحيفه النسيان. فمن إغرائه للعلماء والأدباء ان قدم عليه كثير من المشارقة، تميز من بينهم أبو علي القالي اللغوي، ولا يستبعد ان يكون الحكم هو الذي كتب إليه ورغبه في الوفود عليه، فتلقاه مرحبا وبالغ في إكرامه، وهو يومئذ ولي عهد إذ كان قدوم القالي في خلافة الناصر سنة ٣٣٠هـ، وظل على تعهده له وتشجيعه بعد ان أصبحت الخلافة إليه، وكان ينشطه بواسع العطاء ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام (٣) وباسمه طرز أبو علي كتاب الأمالي وهو المسمى بكتاب النوادر وقد رواه عنه جماعة من العلماء منهم الزبيدي وحكم بن منذر بن سعيد واحمد بن ابان بن سعيد والقزاز والقاضي ابن مغيث وغيرهم، وكان أبو علي يمليه على طلبته من بني ملول وغيرهم بالزهراء كل يوم خميس، ثم زاد فيه فجعله ستة عشر جزءا للعامة، ثم زاد فيه فبلغه عشرين جزءا للحكم المستنصر (٤) . ولا ريب في ان قدوم القالي إلى الأندلس كلن يمثل نهضة في الدراسات اللغوية والأدبية وعنه تلقى الأندلسيين واتخذوه حجة، ولم يكن قبله لديهم إلا ابن القوطية وثابت وابنه قاسم والا الزبيدي وهذا الأخير على علمه، تتلمذ على القالي وأفاد

стр. 41

منه علما جما. وأثر القالي في الأندلس بحاجة إلى دراسة مستقلة، ليس هذا مكانها، ولكن يكفي ان أشير هنا إلى كثرة ما هاجر معه من كتب إلى الأندلس، فيها من الدواوين عدد جم وبخاصة دواوين الجاهليين والأمويين والمجموعات الشعرية الهامة كالمفضليات وشعر الهذليين والنقائض فمهما أدخله من دواوين الشعر: شعر ذي الرمة، وعمرو بن قميئة والحطيئة وجميل وأبي النجم والنابغة الذبياني وعلقمة بن عبدة والشماخ والاعشى وعروة بن الورد والنابغة الجعدي والمغيرة بن حبناء وكثير عزة وأوس ابن حجر والقطامي والأخطل، وغير هؤلاء كثير، كما انه نقل معه كتبا من الأخبار والفنون المختلفة (١) ، وكل هذا يشير إلى قوة التيار الثقافي الذي اخذ يتجه بالمثقفين إلى التعمق في الداسات القديمة والتقليل من الإعجاب بالمحدثين. ومن العلماء الذين أغراهم كرم الحكم وتشجيعه محمد ابن يوسف أبو عبد الله التاريخي الوراق الذي ألف كتابا ضخما في " مسالك افريقيا وممالكها " وألف في " أخبار ملوكها وحروبهم والغالبين " كتبا جمة (٢) ومنهم أيضاً أبو الحسين محمد بن العباس مولى هشام بن عبد الملك وقد أجرى عليه المستنصر رزقا موسعا، فقرأ عليه الناس كثيرا شيوخا وشبابا ومن تلامذته الزبيدي، وأهم ما رواه عنه الأندلسيون ديوان الصنوبري (٣) . وكذلك أكرم الحكم أندلسيا من الذين هاجروا إلى المشرق هو أبو سليمان الهواري وأنزله بالزهراء ووسع عليه وقرأ ناس كثيرون (٤) . وأغدق الحكم العطايا على البعيدين من العلماء والأدباء والفقهاء لكي يؤلفوا من اجل خزائنه أو يضيفوا كتبهم إلى ما فيها، فمعن وصلتهم صلاته أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان بمصر وأبو عمر محمد بن يوسف ابن يعقوب الكندي فيلسوف العرب وأبو الفرج الأصبهاني، وهذا الأخير

стр. 42

تلقى منه، فيما يقال، ألف دينار ذهبا عينا ليرسل إليه نسخة من كتابه الذي ألفه في الأغاني، فأرسل أبو الفرج من كتابه هذا إلى الأندلس نسخة منقحة، قبل أن يظهر الكتاب لأهل العراق أو ينسه أحد منهم، وألف له أيضاً أنساب قومه بني أمية موشحة بمناقبهم وأسماء رجالهم، وأنفذ معه قصيدة يمدحه بها ويذكر مجد قومه بني أمية وفخرهم علة سائر قريش فحدد له عليه الصلة الجزيلة (١) . أما في جمع الكتب من الأمصار فكان شأنه في ذلك عجيبا، إذ اتخذ له وراقين بأقطار البلاد ينتخبون له غرائب التواليف، ووجه رجالا إلى الآفاق بحثا عن الكتب، وكان من وراقيه ببغداد محمد بن طرخان، وكان يدفع فيها أثماناً عالية، فحملت إليه من كل جهة حتى غصت بها بيوته وضاقت عنها خزائنه وحتى جمع ما لم يجمعه أحد قبله، وكاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة وكان عدد فهارس مكتبته أربعا وأربعين فهرسة في كل واحد خمسون ورقة (٢) وربما بلغ عدد الكتب أربعمائة ألف مجلد. ولم يكن يفضل علما على آخر، ولذلك امتلأت خزائنه بكتب الحكمة والفلسفة والمنطق والطب، وأقبل الناس على قراءة علوم الأوائل (٣) ، وكانوا من قبل ينفرون منها، وأصاب العمل في هذه الناحية العلمية شيء من التنظيم منذ أن وصلت الأندلس هدية رومانوس إمبراطور البيزنطيين (٣٣٧) وفيها كتاب ديسقوريدس في النبات مصورا، مكتوبا بالإغريقية، ولم يكن يومئذ بقرطبة من نصارى الأندلس من يقرأ هذه اللغة، فسأل الناصر؟ وهو الخليفة يومئذ - إمبراطور القسطنطينية ان يبعث إليه برجل يتكلم الإغريقية واللاتينية ليعلم له عبيدا يكونون مترجمين فبعث براهب يدعى

стр. 43

نقولا (سنة ٣٤٠) تولى مع نفر من الأطباء بالأندلس البحث عن أسماء عقاقير ذلك الكتاب، والوقوف على أشخاصها، وتصحيح النطق بأسمائها، وعاش نقولا الراهب حتى صدر دولة الحكم (١) . وكان في هدية الإمبراطور كتاب آخر في التاريخ هو كتاب " هروسيس " أو هروشيوش (Paulus Orosius) واسم الكتاب: Historia adversus Paganus وقد قال الإمبراطور حين أرسله مخاطبا عبد الرحمن " أما كتاب هروسيس فيبلدك من اللطينيين من يقرأ بالسان اللطيني وان كاشفتهم عنه نقلوه لك من اللطيني إلى اللسان العربي ". ويقول ابن خلدون ان هذا الكتاب ترجم للحكم المستنصر، ترجمه قاضي النصارى وقاسم بن اصبغ (٢) . وقاضي النصارى بقرطبة المعروف في أيام الحكم هو وليد ابن حبزون الذي كان ترجمانا للحكم عند وفود أردون ابن اذفونش (٣) . ومما يلحق بهذا النشاط العلمي كثرة الأطباء وعلماء التنجيم الذين تجمعوا حول الناصر والمستنصر، وكان الأسقف القرطبي ابن زيد مختصا بالمستنصر وله ألف كتاب:تفضيل الأزمان ومصالح الأبدان " (٤) أما الطبيب حسداي ابن إسحاق اليهودي فقد استغل حظوته عند الحكم وتوصل من ذلك إلى استجلاب ما شاء من تآليف اليهود بالمشرق ففتح بذلك يهود الأندلس باب علمهم من الفقه والتاريخ وغير ذلك، وكانوا من قبل يعتمدون في فقه دينهم وسني تاريخهم ومواقيت أعيادهم على يهود بغداد (٥) . وخصص الحكم جانبا من دار الملك يجلس فيه العلماء للتأليف، أو

стр. 44

الترجمة أو مقارنة النسخ الوافدة، وفي هذه الدار جمع مرة علماء اللغة وهم محمد بن أبي الحسين وأبو علي القالي وابنا سيد وطلب إليهم أن يقابلوا نسخ كتاب " العين " للخليل بن احمد، واحضر من الكتاب نسخا كثيرة، كان فيها النسخة التي كتبها القاضي منذر بن سعيد البلوطي رواية عن ابن ولاد بمصر (١) . ولعل ابرز ما أداه الحكم في تاريخ الثقافة الأندلسية هو حفزه الملكات الأندلسية على التأليف وجمع التراث الأندلسي، فجمعت له كتب كثيرة في أخبار شعراء الأندلس، رأى منها ابن حزم أخبار شعراء البيرة في نحو عشرة أجزاء (٢) ، وأمر بجمع شعر ابن عبد ربه وقد رأى منه الحميدي نيفا وعشرين جزءا مما جمع للحكم (٣) وأمر إسحاق بن سلمة وكان حافظا لأخبار الأندلس ان يجمع كتابا في أخبارها (٤) وألف له ابن فرج كتاب الحدائق وضمنه شعر الأندلسيين فقط معارضا فيه كتاب الزهرة لمحمد بن داود، مربيا عليه في عدد الأبواب والأبيات (٥) وألف له أيضاً خالد بن سعد كتابا في رجال الأندلس، اتخذه ابن الفرضي مصدرا له في تاريخه (٦) وطلب إلى محمد بن الحارث الخشني (- ٣٦١) وكان الحكم ما يزال وليا للعهد، أن يؤلف كتابا في قضاة الحاضرة العظمى - قرطبة فكتب كتابه المعروف ب " قضاة قرطبة " وأوضح في مقدمة ذلك الكتاب مدى رغبة الحكم في التذكير بالمنسي من الأنباء والإشارة للسالف من القصص وبخاصة ما كان في الأندلس قديما وفي عصر الحكم حديثا، قال الخشني حاكيا عن غيره أيضاً " فتحرك أهل العلوم بما حركهم إليه

стр. 45

الأمير الموفق، فاستحفظوا ما أضاعوا من غرر وقيدوا ما أهملوا من عيون المعارف " (١) وللخشني كتب كثيرة الفها للحكم (٢) . ولم يكن الحكم يدع فرصة تفوته، إذا أمكنته، في تشجيع التأليف، وله في هذا الباب أخبار تدل على استغراق شديد واندماج نفسي في هذا الأمر، من ذلك انه أراد الغزو مرة (٣٥٢ هـ) فاعتذر عن مصاحبته في تلك الغزوة ابن الصفار لضعف جسمه، فأرسل إليه احمد بن نصير وقال: قل له ان ضمن لي ان يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفيته من الغزاة، من الغزاة، فلما اختار ابن الصفار التأليف على الغزو خيره بين ان يكتب الكتاب فيؤبيته أو في دار الملك، فاختار ان يكتبه في دار الملك ليكفل الانقطاع والوحدة وينفرد دون الزائرين والمترددين إلى بيته. ولما كمل الكتاب في مجلد واحد لم يبقه احمد بن نصر إلى حين عودة الحاكم من غزاته بل حمل إليه ليسره، فلقيه بطليطلة عائدا، وتلقى الحاكم الكتاب مسرورا (٣) . وليس بمستعبد ان يكون الحكم هو الذي شجع الشطجيري على جمع شعر الغزال الشاعر الأندلسي وترتيبه على الحروف، لأن الشطجيري هذا أدرك خلافة الحكم وتوفي قريبا من الثلاثين وأربعمائة عن سن عالية (٤) . وكثيرا ما كان الحكم لا يقف عند حد اقتراح الموضوع على المؤلف بل يشاركه أو يرسم له تقسيمه، كما فعل مع الزبيدي عندما طلب إليه أن يكتب كتابا في طبقات النحويين، وعرفه المنهج الذي يريده في تأليف الكتاب، قال الزبيدي في مقدمته: " وان أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله؟ ﵁ لما اختصه الله به ومنحه الفضيلة

стр. 46

فيه من العناية بضروب العلوم أو الإحاطة بصنوف الفنون، امرني بتأليف كتاب يشتمل على ذكر من سلف من النحويين واللغويين في صدر الإسلام، ثم من تلاهم من بعد إلى هلم جرا إلى زماننا هذا وان اطبقهم على ازمانهم وبلادهم حسب مذاهبهم في العلم ومراتبهم؟ فألفت هذا الكتاب على والوجه الذي امرني به؟ وأقمته على الشكل الذي حده، وأمدني ﵁ في ذلك بعنايته وعلمه، وأوسعني من روايته وحفظه، إذ هو الذي لا تعبر أواذيه وتدرك سواحله ولا ينزح غمره ولا تنصب مادته " (١) ولم ينس الحكم ان يفرد للنحويين واللغويين الأندلسيين قسما خاصا في ذلك الكتاب. وحرص الحكم على الزبيدي الذي هاجر إليه من اشبيلية، عندما استأذنه في العودة إلى أهله، يدل على مدى تعلقه بالعلماء، وفي ظل الحكم وربما بوحي منه كتب الزبيدي كتاب " لحن العامة " إذ يقول في مقدمة هذا الكتاب " وكان الذي دعانا إلى تأليف هذا الكتاب ما أملناه إلى المولى الإمام الفاضل والخليفة العادل الذي لا إمام في الأرض غيره، ولا خليفة لله على الخلق سواه، الحكم المستنصر أمير المؤمنين وسيد المسلمين محيي العلم وراعيه، الراسخ في فنونه، الموفي على دقيقه وجليله، المشرف له ولحامليه، الحافظ لهم والذاب عنهم " (٢) . وقد شجع الحكم أيضاً التأليف في الفقه والحديث، فعهد إلى يعيش ابن سعيد بن محمد الوراق بتأليف مسند حديث ابن الأحمر وكان قد سمعه من صاحبه (٣) وجمع له ابن المكوي بالتعاون مع المعيطي كتابا سمياه " الاستيعاب " من مائة جزء، جمعا فيه رأي مالك وأقاويله، فسر بذلك ووصلهما وقدمهما إلى الشورى في أيام القاضي محمد بن إسحاق السليم (٤)

стр. 47

وأمر من بوب له مستخرجة العتبي، في الحديث، وهي مجموعة كثر فيها مؤلفها من الروايات المطروحة والمسائل الغريبة الشاذة (١) ولم ينس أمر التعليم فاتخذ المؤدبين ليعلموا أولاد الضعفاء والمساكين القرآن وانشأ لذلك حول المسجد الجامع وفي ارباض قرطبة سبعة وعشرين مكتبا وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم الاجتهاد والنصح ابتغاء وجه الله العظيم (٢) . وفي ظل هذا التسامح الذي أشاعه الحكم استطاع الأندلسيين ان يدرسوا الفلسفة والمنطق، وكان كل من درسهما قبل عهد الحكم مذموما ملحدا خارجا عن الملة في نظر الناس وممن اتجه إلى هذا النوع من الدراسة ملحان الذي كان ذا نظر في حد المنطق كثير المطالعة لكتب الفلسفة (٣) وكذلك كان ادريس بن ميتم بصيرا بحد المنطق كثير المطالعة لكتب الأوائل حاذقا بعلم الحساب والتنجيم (٤) . أما محمد بن يحيى الرباحي فانه كان طالع كتب أهل الكلام ونظر في المنطقيات فأحكمها الا انه كان لا يتقلد مذهبا من مذاهب المتكلمين ولا يقود أصلا من أصولهم، إنما كان يقول على ما يميل إليه في الوقت ويؤثر في الحضرة (٥) وممن عرف بالدراسات المنطقية والفلسفية في هذه الفترة ابن حفصون (٦) ومحمد بن عبدون الجبلي الذي درس على أبي سليمان المنطقي ببغداد، وغيرهما. ولكنا لا نرى أحدا من هؤلاء يؤلف في المنطق أو في الفلسفة، وكل جهدهم فيها هو الاطلاع والنظر، على عكس الحال في الطب والهندسة والفلك والحساب، وهي التي كان الأندلسيين لا يستنكرونها، ففيها

стр. 48

تقدم ومشاركة في التأليف وبخاصة الهندسة على يد أبي القاسم المرجيطي (- ٣٩٨) الذي كان إمام الرياضيين في وقته واعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وشغف بتفهم كتاب المجسطي وعلم العدد، وعلى يده تخرج كثير من التلامذة، ومنهم ابن السمح وابن الصفار والزهراوي والكرماني، ولكل منهم مؤلفات ذكرها القاضي صاعد وابن أبي اصيبعة، وليس من خطة كتابنا هذا ان نقف للحديث عنها في هذا المقام. مذهب ابن مسرة وربما مد التسامح ظله أيضاً على الناحية المذهبية، ولم يتسع صدر الأندلس من قبل لغير مذاهب أهل السنة وخاصة مذهب مالك، ولشيء يسير من القول بالقدر، ولكن في أوائل القرن الرابع كان هناك مذهب جديد آخذ بالتكون في شيء من السرية والحذر، ولعل هذا التسامح الذي جاء به الحكم قد شجعه على الاستعلان، وشجع معتنقيه على الظهور، ذلك هو مذهب ابن مسرة؟ فمن هو منشئ هذا المذهب وما حدوده وما مدى انتشاره في الأندلس؟ مؤسس هذا المذهب هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرة بن نجيح الجبلي، قرطبي ولد سنة ٢٩٩هـ وتتلمذ على أبيه ومحمد بن وضاح الخشبي. وفي أواخر أيام الأمير عبد الله؟ أي سنة ٣١١ على التحديد - خرج إلى المشرق فارا بنفسه، لأنه اتهم بالزندقة، ودخل القيروان فلبث فيها مدة، وهناك رآه الخثني في مجلس أستاذه أبي جعفر احمد بن نصر أحد تلامذة سحنون، قال الخشبي: " فسلم وجلس جانبا، وأنا لا اعرفه، ولا أحد من المجلس، فرأيته يقلب بصره في وجوه المتكلمين، ويديل النظر فيما بينهم، فعل من قد رسخ في الصنعة، وعرف ما نحن فيه، فلم اشك انه من أهل العلم. وما فطن بذلك منه غيري، وغير فتى من أصحابي يعرف بربيع القطان، وطال المجلس بنا على تلك الحال

стр. 49

حتى اظهر الشيخ التحرك، وأومأ إلى القيام، وتداعى أهل المجلس إلى النهوض، فكرهت أنا أن أقوم حتى اعرف آخرا من الرجل الداخل علينا، فثبت. فلما خف المجلس، تحول إليه احمد بن نصر فقال له: يا شاب، جلست منذ اليوم فهل من حاجة تذكرها؟ فاندفع محمد بن مسرة بكلام مصنوع إلا انه من الكلام جيد فقال: أتيتك مقتبسا من نورك، ومستمدا بعلمك؟ إلى ما يشبه هذا من القول، واتى به شبيها بخطبة موجزة، ولا عهد لأحمد بن نصر بمن يخاطبه بهذا الضرب من الخطاب، فجعل الشيخ ينظر إليه ويفهم عنه حتى أتى ابن مسرة على ما أحب ان يتكلم به ثم سكت. فكان جواب احمد بن نصر له في ذلك كله أن قال له: يا شاب هذه الصفة هي في القبور رحم الله من كانت هذه صفته. فوضع ابن مسرة يديه في الأرض ثم قام وقمنا في إثره " (١) . وذهب بعد ذلك إلى الحجاز فحج غير مرة وزار قبر النبي ﵇ بالمدينة، وأقام فيها مدة يتتبع آثار الرسول فدله بعض أهل المدينة على دار مارية أم إبراهيم فقصد إليها، فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرقي المدينة عرضها وطولها واحد، قد شق في وسطها بحائط، وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقي إلى ذلك الفرش على خارج لطيف، وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبي (ص) في الصيف، فصلى ابن مسرة في البيتين والسقيفة ثم قاس بشبره تلك الدار، وبنى مثلها لسكناه، لما عاد إلى الجبل بقرطبة (٢) . وكان يصحبه في رحلته هذه إلى الحج اثنان من معتقدي مذهبه وهما محمد بن حزم بن بكر التنوخي من أهل طليطلة ويعرف بابن المديني (٣)

стр. 50

وأيوب بن فتح (١) ، ومعهم احمد بن غانم وكان من ابن مسرة وحج معه مرتين (٢) ورافقه أيضاً محمد بن وهب المعروف بابن الصيقل وكان اصغر منه سنا (٣) . ويروى انه اشتغل في الشرق بملاقاة أهل الجدل وأصحاب الكلام والمعتزلة، ثم انصرف إلى الأندلس، فاظهر نسكا وررعا، فاختلف إليه الناس وسمعوا منه وانقسموا فيه فريقين، فريق رآه إماماً في علمه وزهده وفريق طعن عليه ووصف مذهبه بالقبح وسوء المعتقد (٤) . على أي شيء يقوم مذهب ابن مسرة؟ يبدو من الأخبار القليلة التي تبقت لدينا عنه انه كان يجمع بين بعض مبادئ المتصوفة وبين بعض أصول الاعتزال، فلم يكن معتزليا خالصا ولا باطنيا خالصا، فأما المبادئ الاعتزالية التي يقول بها فهي بالاستطاعة والوعد والوعيد ورؤية الله (٥) . ويقول ابن حزم: أن ابن مسرة شارك المعتزلة في القول بالقدر، وكان يقول ان علم الله وقدرته صفتان محدثتان مخلوقتان وان لله تعالى علمين أحدهما أحدثه جملة وهو علم الكتاب؟ وهو علم الكتاب - وهو علم الغيب - كعلمه انه سيكون كفار ومؤمنون بالقيامة والجزاء ونحو ذلك، والثاني علم الجزئيات، وهو علم الشهادة، وهو كفر زيد وإيمان عمرو ونحو ذلك فانه لا يعلم الله تعالى من ذلك شيئا حتى يكون، واستشهد على ذلك بقوله تعالى " عالم الغيب والشهادة " (٦) . وأما المبادئ الباطنية فانه بناها على آراء منسوبة لانبذوقليس، وليست له، وإنما هي بعض آراء فيلون الإسكندري وافلوطين، ومن هذه الآراء المنسوبة لانبذوقليس

стр. 51

الجمع بين معاني صفات الله وأنها كلها تؤدي إلى شيء واحد وانه ان وصف بالعلم والجود والقدرة فليس هو ذا معان متميزة تختص بهذه الأسماء المختلفة، بل هو الواحد بالحقيقة الذي لا يتكثر بوجه.. وتزعم الفرقة الباطنية ان لانبذوقليس رموزا قلما يوقف عليها (١) . وقد يستنتج مما جاء في كتب ابن مسرة ان النبوة اكتساب لا اختصاص وانه قد يحرزها من بلغ الغاية من الصلاح وطهارة النفس، وان أنكر بعض أصحابه نسبة هذا القول له (٢) . وقد ابرز مذهب ابن مسرة نظرية ثانوية موجودة في تاسوعات افلوطين وهي القول بوجود مادة روحانية يشترك فيها جميع الكائنات عدا الذات الإلهية. واعتبرت هذه المادة أول صورة برزت للعالم العقلي يتألف من الجواهر الخمسة الروحانية. وقد دافع ابن مسرة عن هذا المذهب تحت ستار إسلامي من آراء المعتزلة والباطنية (٣) . واستطاع ابن مسرة ان يجتذب إليه تلامذة كثيرين وعاش معهم في عزلة، وكان كما تصوره الروايات، ذا قدرة ساحرة مؤثرة في النفوس، كما انه ألف بعض الكتب في مذهبه منها كتاب الحروف، وكتاب التبصرة، ويقول ابن الأبار أن ابن مسرة لم يكن يخرج كتابا إلا بعد أن يتعقبه حولا كاملا، فلما ألف التبصرة احتال صاحبه حي بن عبد الملك الذي كان يسكن معه في متعبده بالجبل فاستخرج كتاب التبصرة وانتسخ منه نسخة لنفسه ورد الأصل، ثم أرى النسخة لابن مسرة وقال له: تعرف هذا الكتاب؟ فلما تصفحه قال له: لا نفعك الله به، ولم يخرج كتاب التبصرة بعد ذلك إلى أحد (٤) . غير ان بعض كتبه كان معروفا في الأندلس، وقد رأى ابن حزم عددا منها.

стр. 52

وأثار ابن مسرة حوله بعض الخصومات الجدلية في المشرق وفي الأندلس فممن ألف في الرد عليه من المشارقة: احمد بن محمد بن زياد الأعرابي واحمد بن محمد بن سالم التستري، وممن رد عليه من الأندلسيين ابن ابيض، وقد جمع في الرد عليه كتابا كبيرا حفيلا أكثر فيه من الحديث والشواهد (١) . وللزبيدي أيضاً كتاب في الرد عليه (٢) وللقاضي ابن زرب كتاب آخر قرئ عليه واخذ عنه عدة مرات بقرطبة (٣) . ولم يقتصر تأثيره على تلامذته الذين لقوه واستمعوا إليه بل ان هناك أناسا انحازوا إلى مذهبه دون ان يلقوه، منهم طريف الروطي وأضحى بن سعيد وكانا من أهل الزهد والخير (٤) وقد ألف بعضهم كتابا في أخباره وأخبار أصحابه ينقل منه ابن الأبار في تكملته (٥) . أما أشهر تلامذته الذين صحبوه أو آمنوا بمذهبه دون صحبة؟ عدا الذين تقدمت الاشارة إليهم فهم: ١ - أيوب بن سليمان إسماعيل الطليطلي (- ٣٤٣) وكان قديم الجوار لابن مسرة طويل الملازمة له (٦) . ٢ - ٣ - الياس بن يوسف الطليطلي (- ٣٢١) وأخوه عون. ٤ - خليل بن عبد الملك (- ٣٢٣) تفقه بكتب ابن مسرة وضبطها وكان غاية في الزهد والورع وكان معلنا بالاستطاعة، مشهورا بالقول بالقدر وربما كانت تأويلاته تفسر لنا تأويلات ابن مسرة كقوله ان الصراط هو الطريق أي الإسلام والميزان هو عدل الله (٧) .

стр. 53

٥ - ٦ - ٧ - محمد بن فضل الله بن سعيد، وحكم وسعيد ابنا منذر بن سعيد القاضي وكلهم تفقه بكتب ابن مسرة. وعن حكم يروي ابن حزم ويصفه بالصدق (١) . ٨ - احمد بن وليد (- ٣٧٦) من أهل بجانة يعرف بابن اخت عبدون وهو أحد النفر الذين استتابهم محمد بن يبقى (٢) . ٩ - رشيد بن فتح الدجاج) - ٣٧٦) قرطبي، صلى عليه محمد بن يبقى ويظهر انه استتابه (٣) . ١٠ - ابان بن عثمان (- ٣٧٧) من أهل شذونة (٤) . ١١ - عبد العزيز حكم الأموي (- ٣٨٧) كان مائلا إلى الكلام والنظر وقد غض منه انتحاله لمذهب ابن مسرة. ١٢ - محمد بن مفرج المعافري ويعرف بالفتى (- ٣٧١) وكان يدعو إلى المذهب ولا يقف عند حد الاعتقاد به (٥) . ١٣ - ابن الإمام (- ٣٨٠) وكان لا يتستر في اعتقاده، مولعا بالتشريق في صلاته (٦) . ١٤ - محمد بن عبد الله بن عمر بن خير القيسي (- ٣٨٢) واصله من جيان، أشهد على نفسه؟ في النهاية - انه غير معتقد لشيء من مذهب ابن مسرة (٧) . وبعض الجيل الثاني من هؤلاء التلامذة هم الذين تعرضوا من جديد للمحاكمة، وأغلب الظن ان هذا بعد وفاة الحكم المستنصر، أي حوالي سنة ٣٧٠ هـ،

стр. 54

عندما كان ابن زرب قاضيا. فقد اهتم هذا القاضي بالكشف عن اتباع ابن مسرة واستتابة من علم انه يعتقد ذلك المذهب، وتاب على يديه منهم جملة. ثم خرج ابن زرب إلى جانب الجامع الشرقي وقعد هناك وأحرق ما وجده من كتبهم وهم ينظرون إليه في سائر الحاضرين (١) . وآخر من نعرفه من أصحاب ابن مسرة هو إسماعيل بن عبد الله الرعيني وهو متأخر عن الجيل الثاني منهم، وقد أدركه ابن حزم ولم يلقه " وكان من المجتهدين في العبادة، المنقطعين في الزهد ". وقد أحدث في المذهب أقوالا سبعة فنفر عنه سائر المسرية وكفروه، إلا قليل منهم. ومما أحدثه قوله أن الأجساد لا تبعث أبدا، وإنما تبعث الأرواح، وكان يقول: إن الإنسان حين يموت، تلقى روحه الحساب، ويصير إما إلى الجنة وإما إلى النار، وانه لا بعث إلا على هذا الوجه أبدا، وكان يقول: العالم لا يفنى أبدا، وكان لا ينسب الفعل إلى الله وينزهه عن ذلك، ويرى ان العرش هو الذي يدبر العالم وينسب قوله إلى ابن مسرة ويستشهد على ذلك بقوال في كتبه، قال ابن حزم: ليس فيها لعمري دليل على هذا القول. ولما برئ منه المسرية بقيت تتبعه ابنته متكلمة ناسكة مجتهدة. وقال ابن حزم انه (أي ابن حزم) عرض هذه الأقوال على ابن لإسماعيل فأنكر كل ذلك. قال: ورأيت أنا من أصحاب إسماعيل من يصفه بفهم منطق الطير وبأنه كان ينذر بأشياء قبل أن تكون فتكون. وهناك أمور لا شك فيها وهي انه كان عند فرقته إماما واجبة طاعته يؤدون إليه زكاة أموالهم. وكان يذهب إلى أن الحرام قد عم الأرض وانه فرق بين ما يكتسبه المرء من صناعة أو تجارة أو ميراث أو بين ما يكتسبه من الرفاق. وان الذي يحل للمسلم من كل ذلك قوته كيفما أخذه؟ هذا أمر صحيح عندنا عنه يقينا، وأخبرنا عنه بعض من عرف باطن أمورهم انه كان يرى الدار دار كفر مباحة دماؤهم وأموالهم إلا أصحابه فقط، وصح انه كان يقول بنكاح المتعة (٢) .

стр. 55

الحالة الثقافية والأدبية أيام المنصور وابنه واستمر الجانب الأدبي من هذه النهضة التي انتعشت في عهد الحكم فظل على انتعاشه أيام المنصور بن أبي عامر؛ أما جانبها العلمي فقد أصابه شيء من ركود، وذلك ان المنصور أول توليه أمر الحجابة عمد إلى خزائن الحكم فاستخرج جملة ما فيها من كتب بمحضر خواص من أهل الفقه، ثم ميز من بينها الكتب التي تتعلق بعلوم الأوائل مستثنيا ما كان منها في الطب والحساب، وأمر بإحراقها وإفسادها فأحرق بعضها وطرح بعضها في آبار القصر وهيل عليها التراب والحجارة ولم ينج منها إلا القليل، فعل ذلك تحببا إلى العامة واستئلافا لقلوبهم (١) ، ومحاولة للغض من شهرة الحكم في نفوسهم، وقيل ان ذلك لم يكن الا على أعين الناس، أما في حقيقة الأمر فقد ظل المنصور يشجع التوفر على هذه العلوم ٢، وفيما عدا هذه الحادثة استمر تشجيع المنصور للدراسة والتأليف، في العلوم الدينية واللغوية والادبية، وكان يقرب العلماء والأدباء ويفرط في تكريمهم، وكان له مجلس معروف في الأسبوع يجتمع فيه أهل العلوم، كلما كان مقيما بقرطبة، لأن غزواته كانت تبعده عن قرطبة كثيرا (٣) ، وله كتب زيادة الله ابن علي كتاب " الحمام " (٤) ، وضمنت دولته عددا كبيرا من الفقهاء والعلماء والشعراء والأطباء والمنجمين فلم يكونوا أوفر عددا ولا أسنى أرزاقا منهم في أيامه (٥) وربما كانوا اكثر حرية في تصرفهم منهم في عهد الحكم المستنصر لأن المنصور انصرف كثيرا إلى التجنيد والعمل بالسلاح حفظا للرسوم والتماسا لجميل الذكر (٦) .

стр. 56

ودخل الحياة الأدبية في عهد المنصور شيء من تنظيم لم نسمع به قبل عهده، فقد جعل للشعراء ديوان، قيدت فيه أسماؤهم، وقدرت أعطياتهم بحسب مراتبهم من الشعر، وكان أمر الديوان موكولا إلى واحد من النقاد، هو عبد الله بن مسلمة، فعلى يديه كانت تخرج الصلات وعلى حسب ترتيبه كانت تجري أمور الشعراء (١) ، ومن السهل ان يتخيل المرء كيف كان هذا التنظيم مثيرا للتنافس مؤرثا لنار الحسد بين الأدباء انفسهم، مشيعا لروح التذمر بينهم، ولكن الرزق المنظم خير من ذلك الذي يجيء حسب البواعث والظروف، غير انه من الصعب علينا ان نتخيل المقاييس النقدية التي كانت تحكم لهذا الشاعر بالتقدم وعلى ذاك بالتأخر، ويبدو ان المحاكاة أو المعارضة كانت تؤخر صاحبها أو تحرمه أحياناً من التسجيل في الديوان، وحادثة ابن دراج قد تكون شاهدا على ذلك، فانه عندما تقدم بأول قصيدة له في مدح المنصور وعارض بها صاعدا، اتهم بالتقصير والانتحال والسرقة ولم يثبت اسمه في ديوان العطاء (٢) ويقوي هذا الظن أيضاً حال الشاعر أبي المطرف عبد الرحمن ابن أبي الفهد كان شغوفا بالمعارضة والمناقضة حتى انه لم يكد يبقي شعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا عارضه وناقضه، وكانت مرتبته في الشعراء دون مرتبة عبادة في الزمام (٣) . وتشاء الأقدار أن يفد على قرطبة صاعد بن الحسين البغدادي في أيام المنصور فيحاول المنصور أن يخمل به ذكر القالي، وكانت هذه المحاولة مخفقة لسببين: الأول ان صاعدا كان نديما حسنا ذا نوادر وحكايات وشعر ومعرفة بالموسيقى ولم يكن من طبقة أبي علي، والثاني: أن القالي كان قد أحرز في قرطبة مكانة لا يستطاع طمسها أو التقليل منها،

стр. 57

وبخاصة أن صاعدا وقع بين تلامذة أبي علي ومحبيه وعارفي فضله، ولذلك " دفعوه بالجملة عن العلم باللغة وأبعدوه عن الثقة في علمه وعقله ودينه، ولذلك ما رضيه أحد من أهلها أيام دخوله إليها ولا رأوه أهلا للأخذ عنه والاقتدار به " (١) ، ولم يخفق صاعد في تلمس دنياه، ولكنه أخفق من الناحية اللغوية، وفي محاولته أن يحاكي كتاب النوادر للقالي، ومن هذا الوجه اتهم بالكذب، ولم يصحح القرطبيون كلمة واحدة مما ضمنه كتاب النصوص، ومن يتتبع النوادر التي تقال عن كذبه يجدها منسوجة على غرار واحد لتدل على الجهل باللغة وعلى دعوى العلم (٢) . ولا تخلوا المسألة من قياس النادرة على النادرة، ولكن من المستبعد أن نصدق احتفاء المنصور بأمره بعد ان يتكرر منه الكذب مرارا، ألا أن سكون صاعد قد عرف ذلك وجرى فيه مجرى التندر، ليسر صاحبه، ولقد حاول الأندلسيون أن يدعوا عليه سرقة الشعر، فما أفلحوا في إسقاطه من هذه الناحية، ولكن تهمة السرقة في الشعر لم تفارقه. ومقطع القول في وصفه انه كان " بديع الجواب حاضره طيب المعاشرة فكه المجالسة ممتعا محسنا للسؤال حاذقا في استخراج الأموال " (٣) ، وقد عرف المنصور حسن ندامته فأضافه إلى مجلس الندماء، وكتب؟ عدا النصوص - اثنين من كتب الأسمار وهما أشبه بطريقته وقوة خياله وأولهما " كتاب الهجفجف بن غدقان بن بثربي مع الخنوت بنت مخرمة ابن انيف " والثاني " كتاب الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء "، وكان المنصور شديد الشغف بالكتاب الثاني حتى رتب له من يخرجه أمامه في كل ليلة (٤) . ويبدو ان المنصور كان يجد ارتياحا في قراءة كتب الأسمار وانه كان يعجب

стр. 58

بكتاب أبي السري الذي ألف في أيام هارون الرشيد، ودخل عليه حسان بن أبي عبدة ذات يوم فلما رأى إعجابه بكتاب السري ألف له كتابا سماه " ربيعة وعقيل " وصفه ابن حزم بقوله " وهو من أملح ما ألف في هذا المعنى " (١) . ولم يكن عبد الملك كأبيه ولا مقاربا له بأي حال في تذوق الأدب وتقديره وتمييز جيده من رديئه، فقرب إليه الجلالقة والبرابرة، قال ابن حيان: " إلا انه مع زهده في الأدب تمسك بمن كان استخلصه أبوه من طبقات أهل المعرفة من خطيب وشاعر ونديم وشطرنجي ومعدل وتاريخي وغيرهم حفظا لصنائع والده وقياما برسومه، فقررهم على مراتبهم، ولم ينقصهم سوى الفوز بخصوصيته، وكانت ترفع إليه بطائق أهل الشعر ويصلهم، على تساهلهم في مديحه لأمانتهم من نظره فيها، وأحرز لهم مع الفائدة عفو القريحة، وذلك بين لمن تأمله في أشعار مادحيه لفتورها " (٢) والحق ان الشعر من حيث الإنشاد كانوا في أيامه فريقين: فريق رسمه إنشاد الشعر بين يديه وفريق يرفع إليه القصائد ولا ينشدها (٣) وكلهم ينال من جوائزه ولكن يبدو ان منزلة الشعراء في أيامه كانت متأخرة عن طبقات معينة. ففي ترتيب الدخول عليه كان يدخل المروانيون ثم القضاة والحكام والفقهاء والعدول ثم وجوه أهل الارباض والأسواق من أهل قرطبة ثم الشعراء والأدباء (٤) . وقد شجع المظفر وصف الأزهار لإعجابه بهذا الفن كثيرا حتى كان يقترح على الشعراء أن ينظموا فيه لكي تغني فيه القيان، وقدم إليه الشعراء كثيرا من المقطعات في وصف مختلف الأزاهير (٥) . الاتجاه نحو الشعور بالقومية الأندلسية ويستشف من كل ما تقدم في وصف هذه النهضة العلمية الأدبية أن الأندلس

стр. 59

في الفترة الواقعة بين عبد الرحمن الناصر أخر الدولة العامرية على وجه التقريب، وجدت ذاتها، والتفتت لماضيها واهتمت بحاضرها، وأدركها شئ يشبه الشعور القومي، ودفعها الحكم المستنصر في هذه السبل دفعة قومية، فإذا المكتبة الأندلسية تذخر بالمؤلفات عن الأندلس بأقلام اهلها، وهكذا وجدت الأندلس بأقلام اهلها، وهكذا وجدت الأندلس رجالها وتاريخها وعلمها وأدبها، فتحدثت عنه وخلدته، ولنترك جانبا ما كتب في التاريخ والتنجيم والطب وطبقات العلماء والقضاة والنحويين، وما ألف في اللغة، ونتناول من الكتب ما يمس الأدب شعره ونثره وسير الأدباء والنقد الأدبي، فنجد الكتب التالية من إنتاج تلك الفترة: ١ - طبقات الشعراء بالأندلس لعثمان بن ربيعة (- ٣١٠) . ٢ - طبقات الكتاب بالأندلس للافشتين (- ٣٠٩) . ٣ - أخبار شعراء الأندلس لمحمد بن هشام الأموي (أيام الناصر) . ٤ - اللفظ المختلس من بلاغة الكتاب بالأندلس لعبيديس الجياني. ٥ - طبقات الكتاب بالأندلس لسكن بن سعيد. ٦ - الحدائق لابن فرج الجياني. ٧ - كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس لعلي بن أبي الحسين. ٨ - أخبار شعراء الأندلس (أو كتاب طبقات الشعراء) لابن الفرضي. ٩ - حانوت عطار لابن شهيد. ١٠ - أخبار شعراء الأندلس لعبادة بن ماء السماء. ١١ - كتاب في شعراء الأندلس لعثمان بن سعيد الكناني (- ٣٢٠) . ١٢ - كتاب في شعراء الأندلس لمحمد بن عبد الرؤوف الازدي (- ٣٤٣) . ١٣ - كتاب في شعراء البيرة لمطرف بن عيسى الغساني (- ٣٥٧) . ١٤ - كتاب الشعراء من الفقهاء بالأندلس لقاسم بن نصير (- ٣٣٨) . هذا عدا الدواوين الشعرية المجموعة حينئذ، كشعر ابن عبد ربه وديوان الغزال وديوان يحيى بن هذيل وديوان قاسم بن نصير واكثر شعره في الزهد وذم

стр. 60

الدنيا وفي شواهد الحكم والتذكير والوعظ (١) ، وديوان النصائح وهو أيضاً مجموعة من الأشعار الزهدية لابن أبي زنين، وغير ذلك من الدواوين والمجموعات الشعرية، غير ان هذه المآثر كلها تشير إلى تبلور الشعور " بالأندلسية " كثرهما تشير إلى استقلال ما في طبيعة الأدب وموضوعاته. الأمثال الأندلسية ومن حقنا ان نضيف هذه الظاهرة في استقلال الشخصية الأندلسية الأدبية إلى ظاهرتين أصليتين كانتا آخذتين في تمييز حدود تلك الشخصية؟ بطريقة طبيعية - مع الزمن، وأعني بهما استقلال الأندلس في أمثالها، وفي طبيعة لهجتها ولغتها. وكلما تقدمنا في الزمن، كان وضوح هاتين الظاهرين أقوى وأشد. وقد وصلنا قليل من امثالهم، وهو يدل على انه نتاج بيئتهم، لاتصاله بأشخاص وأحداث ومظاهر منها فمن ذلك انهم كانوا يقولون حين يضربون المثل في الفصاحة: " ما هذا إلا أبو حرشن " و " أفصح من بكر الكناني " و " أفصح من الرشاش " (٢) وكل هؤلاء من لغويي الأندلس وقدامى المؤدبين. ويقولون في تصوير اختلاف ما تجيء به الحال: " سنة عفص وسنة بلوط " (٣) . ومن سائر أمثالهم: " شتان بين خلة وسعاد " (٤) . وكانت خلة زوجة أحد القضاة وهي قبيحة الشكل بينما كانت خادمتها واسمها سعاد فائقة الحسن. وجاء في أمثالهم " ومن ثور حي لا يلبس هراكيس " (٥) أي انه لا يمكن ان يستفاد من جلد الثور إلا بعد أن يذبح. وبعض أمثالهم يبين مميزات مدنهم كقولهم " من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم " (٦) . ومن أمثالهم أيضاً

стр. 61

" غررت بي يا إسحاق " وكان إسحاق من رجال ابن حفصون فغلب مع صاحب له، فقال صاحبه له هذه الكلمة وهما يرفعان على الخشبة فذهبت مثلا (١) . الاستقلال اللغوي: أما ظاهرة الاستقلال اللغوي فلست أعني بها فحسي تميز اللهجة الأندلسية الدارجة ونموها مع الزمن وإنما اعني أيضاً ما نبت في البيئة الأندلسية عامة من تعبيرات ومصطلحات لو سمعها أهل المشرق لما عرفوا مدلولها، وهذا شيء وان لم يكن خاصا بالأندلس فانه يستحق التمييز والتنويه، وتشمل تلك المصطلحات والتعبيرات، شئون الإدارة والمال، والمسميات الجديدة، وأسماء النباتات، بل وما يدل على الأدوات والأمور اليومية. ويكفي ان يقرأ المرء كتابا مثل " قضاة قرطبة " للخشبي، حتى يجد أن هناك تعبيرات تختص بالبيئة الأندلسية في الأحوال والهيئات والحركات، وأنها غامضة على القارئ المشرقي، وقد أدرج دوزي في " ملحق المعاجم العربية " من تأليفه عددا كبيرا من هذه الألفاظ والتعبيرات وهذه نماذج منها: المسدد: هو القاضي أو الحاكم الذي يتولى شئون بلدة صغيرة (٢) . الداربون: هم الطوافون بالليل للعسس، وإنما سمعوا بذلك لان بلاد الأندلس لها دروب بإغلاق بعد العتمة، ولكل زقاق فيه " دراب " له سراج معلق، وكلب يسهر، وسلاح معد (٣) . الاقروف والغفارة: قال الخشبي يصف أحد القضاة: " فجلس للحكم.. وفي رأسه أقروف ابيض وغفارة بيضاء " (٤) ويبدو أن الاقروف

стр. 62

مخروطي الشكل. أما الغفارة فالأرجح أنها نوع من الكوفيات. وكانوا يلبسون غفائر الصوف حمرا وخضرا واصفر مخصوصة باليهود. الهزيب: الرقيب العتيد في كلام أهل الأندلس (١) . الفقيه المقلص: هو الذي يضع رأسه القالص (٢) ، وهو " القالس " ويعرفها المشارقة باسم " القلنسوة " ولذلك يسمى القضاة في المشرق بذوي القلانس، اما في المغرب فيسمونهم " المقلصين " ولا يكون الفقيه مقلصا إلا إذا حفظ الموطأ أو عشرة آلاف حديث وحفظ المدونة. الخطارة: قال الخشبي: " فنظر بعض خواص الأمير إلى يحيى بن معمر وهو في جنان له يستقي الماء بخطارة ويسقي بقل الجنان " (٣) . وقد عرفها المقري بأنها الاسم الذي يطلقه الأندلسيون على صنف من الدواليب يستقون به من الأودية. خطة الرد: وهم يطلقون الخطة على ولاية الأمر فهناك خطة القضاء وخطة السوق وخطة الشورى وما إلى ذلك، فأما الرد، فأنها تعني رد المظالم على اصحابها، أي انصافهم، وهي تقابل عند المشارقة " النظر في المظالم "، قال الخشبي في أحدهم: ولاه الأمير الشرطة والرد (٤) . المجشر: في اللسان ان الجشر هم القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم ولا يأوون البيوت، فهم يعزبون بدوابهم، ولعل المجشر في استعمال الأندلسيين هو المرعى: قال الخشبي " حكم عمرو بن عبد الله على هاشم بن عبد العزيز

стр. 63

في مجشر كان في يده بجانب جيان " (١) وفي النفح " سلم إليه المجشر الذي لنا على وادي شوش بما لنا فيه من العبيد والدواب والبقر وغير ذلك " (٢) وقال ابن حزم: ان المجشرة عندهم هي ما يعرف بالدسكرة عند المشارقة (٣) . القطيع: الضريبة التي يؤديها المسلمون في بلاد الأندلس، وبخاصة بعد الفتنة. قال ابن حزم: " وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه؟ غانما هي جزية رؤوس المسلمين يسمونها القطيع ويؤدونها مشاهرة " (٤) ويفهم من كلام ابن حزم انها ضريبة على رؤوس وانها شيء آخر غير الضرائب على الأموال من الغنم والبقر والدواب والنحل. والأمثلة كثيرة لمن شاء ان يتتبعها، وهي حقيقة بالدرس والجمع (٥) . ويضاف إلى هذه المصطلحات توسعهم في الاستعمال، كتسميتهم البريد " ركاضا "، وتسميتهم أعيان الناس " بياض البلد "؟ قال الخشبي: " وتشاهد عليه بياض البلد وشيوخ المصر عازمين على سفك دمه وقطع أثره " (٦) . وقولهم " خلف إلى هنا " يعني اقدم متجاوزا الناس (٧) ، وإطلاقهم على الفدان من الثيران اسم " زوج " قال الخشبي: فوافقه وهو يقف على " أزواج " له تحرث البلوط (٨) ، وتسميتهم المحصول بتسم " الرفع "

стр. 64

أي لأنه هو ما يرتفع إليهم من الأرض " ثم سألني عن رفعه في ذلك العام فقلت له: رفع القاضي سبعة إمداد من شعير وثلاثة إمداد من قمح " (١) ، وهكذا. أما اللغة المحكية فقد ظلت مزدوجة إلى عهد طويل، وكان الناس في قرطبة يتكلمون اللغة اللاتينية في أحد أشكالها الرومانية إلى جانب العربية. والعرب يطلقون على اللغة السائدة في الأندلس اسم " الأعجمية "، ومنها ثلاث لهجات كبرى وهي الارغونية والبلنسية والقشالية، كما كانت اللهجة البشقية لغة الأكثرية من أهالي بنبلونة والمنطقة الجبلية من حولها (٢) . ولم تقض العربية على هذه اللهجات، بل ظلت هي الغالبة في بعض الأرياف والبوادي، ويحدثنا ابن حزم في الجمهرة ان قبائل بلي لا تحسن الكلام باللطينية لكن بالعربية فقط نساؤهم ورجالهم (٣) ، كأن شيوع اللاتينية بين القبائل الأخرى كان أمراً طبيعيا. وتعلم لغة السكان الأصليين كثير من العرب، حتى كان بعض القضاة يتكلمونها. حكى الخشنى عن رجل من الشهود يدعى ابن عمار كانت له بغلة هزيلة تلوك لجامها طول النهار على باب المسجد فتقدمت امرأة إلى القاضي فقالت له بالعجمية: يا قاضي أنظر لشقيقتك هذه (تعني نفسها) ؟ فقال لها بالعجمية: لست أنت شقيقي إنما شقيقي بغلة ابن عمار التي تلوك لجامها على باب المسجد طول النهار (٤) . ونقيض هذا أن والد نصر الفتى صاح بالعجمية على القاضي وهو منصرف ليقف، فقال القاضي قولوا له بالعجمية أن القاضي قد أدركته الملالة والسآمة (٥) . فقوله: قولوا له، يعني انه لا يعرف العجمية. وكان بقرطبة شيخ أعجمي اللسان مقدما عند القضاة مقبول

стр. 65

الشهادة (١) ، وعلى الرغم من تعرب السكان الأصليين تدريجا فقد بقيت الألقاب اللاتينية والأسماء تلحقهم بعض أبناء العرب أنفسهم مثل لقب: شنجول ويوانش وبطرة شقة (أي الحجر الصلب) وغيرها. وظهر اثر الاختلاط بين العرب الفاتحين والسكان الأصليين في الشكل الجديد الذي اتخذته لهجة عرب الأندلس، وكان أكثرهم ابتعادا عن العربية الصحيحة أقربهم إلى المناطق التي تغلب فيها غير العربية، ومع الزمن، أصبحت لغة التخاطب تمثل هذه التأثيرات المتباينة قوة وضعفا. وأخذت الفصحى تنكمش فلا تمثل إلا الجانب الرسمي في الدولة، وغدت لغة أدبية لا يتذوقها إلا الطبقات المثقفة، إلا في جزائر صغيرة وسط هذا البحر من الاتجاه إلى اللغة الدارجة، كما كانت الحال في شلب فان سكانها وسكان قراها وأكثرهم من عرب اليمن ظلوا يحافظون على اللغة العربية الصريحة إلى عهود متأخرة (٢) . وقال ابن حزم يصف لهجة أهل فحص البلوط: " ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد يقول أنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهكذا في كثير من البلاد، فانه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله " (٣) . وقد سجل ابن حزم أيضاً شيئا من تبديل العامة للغة الأصلية، فقال (٤) : " ونحن العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلا، وهو في البعد عن اصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب: العنيب، وفي السوط: اسوطوط، وفي ثلاثة دنانير: ثلثدا. وإذا تعرب البربري فأرراد ان يقول الشجرة قال: السجرة

стр. 66

وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول: مهمدا، إذا أراد أن يقول محمدا ". وقد حاول المتمسكون بصحة اللغة ان يقفوا في وجه هذا التطور اللغوي، فألف الزبيدي كتابه " لحن العامة " ليوقف الناس على الصواب والخطأ، وربما تحمس لذلك لأنه رأى هذا اللحن يدخل في المكتوب. وهاجم ابن شهيد الأندلسيين فيما يكتبون وقال ان كتابتهم ليس للفراهيدي فيها عمل ولا لسيبويه إليها طريق، وحاول الناثرون ان يلتزموا حدود الصحة والفصاحة ما أمكنهم في النثر الفني، غير ان شيوع الأزجال بعد هذا الدور الذي نؤرخه، جعل اللهجة المحكية في الأندلس مقياسا أدبيا، وان لم يعرف بها اكثر المتعلقين بأسباب الأدب الفصيح. وربما كان مجال الإفاضة عن مظاهر اللهجة الأندلسية وخصائصها العامة حين نأخذ في الحديث عن الأزجال في غير هذا الجزء. ويكفي ان أضرب أمثلة قليلة في هذا المقام، نقل صاحب تثقيف اللسان عن الزبيدي ان الأندلسيين يقولون في التين: تين وفي النوتي: نوتي، وفي القبيط: قبيد، وقال ان مثل هذا لا يخطئ فيه الناس في صقلية (١) ، وذكر أبو حيان الجياني في تفسيره البحر المحيط، في موضع شذ عني الآن، ان أهل بلدهم أي الأندلسيين عامة يرقون القاف حتى تلحق بالكاف (٢) . ومن الطريف ان نعلم ان بعض مدرسي اللغة والنحو؟ في عصر متأخر - كانوا يشرحون الدروس لطلبتهم باللهجة الدارجة. نشأة الموشحات وكانت الصورة الأدبية لهذا التبلور في الشخصية الأندلسية هي

стр. 67

الموشحات التي منحت الأندلس تميزا خاصا على الشعر المشرقي، ففي هذا العصر نبتت اصولها على نحو غامض، ولا يزال النص أورده ابن بسام عن نشأتها في حاجة إلى توضيح. إذ قال: " وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واختراع طريقتها؟ فيما بلغني محمد بن محمود القبري الضرير، وكان يصنعها على أشطار غير أن أكثرها على الأعاريض المهلة غير المستعملة، يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز ويضع عليه الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان. وقيل ان ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات عندنا. ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي فكان أول من أكثر فيها من التضمين في المراكيز يضمن كل موقف يقف عليه في المركز خاصة؟ ثم نشأ عبادة هذا [ابن ماء السماء] فأحدث التغيير وذلك انه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز " (١) . ويحتاج هذا الكلام المغلق حلا، ويزيد من صعوبة الموقف أننا لا نملك أمثلة من موشحات القبري والرمادي، ولما كانت الموشحات مما استفاض بعد هذا العصر فمن الأنسب إرجاء الحديث عنها إلى جزء تال. ولكن الدارس لا يملك الا ان يشك في هذه النشأة المبكرة للموشحات، غير انه لا يستبعد ان يكون الرمادي قد حاولها أولا كما طور من تأليفها عبادة بن ماء السماء.

стр. 68

فراغ

стр. 69

٢ - الشعر الأندلسي في مظاهره الكبرى إذا عدنا إلى تلك القائمة من الكتب التي ألفت في أدب هذا العصر لفت نظرنا من بينها كتاب الحدائق لابن فرج وكتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، وكتاب الشعراء من الفقهاء، فإذا أضفنا إليها كتابين آخرين يقعان في أعقاب هذه الفترة وهما: البديع في فصل الربيع والارتياح بوصف الراح لأبي عامر بم مسلمة؟ وهو كتاب تضمن ما قيل في الراح والرياحين والبساتين والنواوير - تبين لنا بوضوح أي الموضوعات الشعرية هي التي كانت تستأثر باهتمام الأندلسيين، وهي على التحديد: شعر الخمر ووصف الطبيعة والغزل والزهد. وليس لدينا صور مكتملة لهذه الموضوعات ولكن يبدو مما وصلنا من شعر غزلي ان هذا الموضوع لم يتفرد بشيء واضح وكذلك شعر الخمر. أما شعر الزهد في الأندلس فقد ولد في أحضان الثورة على الحكم الربضي إذا كان الأتقياء ينظمون أشعار الزهد ويتغنون بها في الليل ويضمنونها التعريض به ثم أخذ هذا الأدب يقوى ردا على الحياة اللاهية

стр. 70

في المدن أو انقيادا لداعي التقوى في النفس أيام الشيخوخة كما في زهديات الغزال وممحصات ابن عبد ربه وهي قصائد تكفيرية نظمها لينقض القصائد اللاهية التي قالها في أيام الشباب. ووجد من الأتقياء من تخصص في هذا النوع من الشعر مثل ابن أبي زمنين صاحب ديوان " النصائح " وقاسم ابن نصير، الذي ألف أيضاً كتابا في الشعراء من الفقهاء تكملة لهذا الاتجاه الذي كان قد أنتجه في شعره. ويقابل هذا المظهر العابس الباكي ناحية فكهة ضاحكة ولكنها أضعف ظهورا تميزا وان قال صاحب النفح: " ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم وأجوبة بديهية مسكتة والظرف فيهم والأدب كالغريزة " (١) ، وقد يكون في هذا الكلام عن الأندلس عامة قسط من الحق غير قابل، إلا أننا نتحدث في هذه الفترة عن قرطبة، ولم تشتهر قرطبة كثيرا بهذه الروح مثلما اشتهرت اشبيلية مثلا (٢) . وتشير النوادر الأندلسية إلى الحدة وشيء من البذاءة اللفظية وكثير منها يعتمد على أساس عملي حركي لا لفظي وهي تبليغ في حدتها منطقة الهجاء نفسه، وكان يمزجها بالهجاء كل من القلفاط والغزال ومؤمن بن سعيد وابن الشمر، وهم أظهر الشعراء ميلا إلى الدعابة في هذا العصر. وكان القلفاظ وهو أحد المعلمين ذا ولوع بالمؤدبين يعبث بهم، وكان الغزال ومؤمن بن سعيد لا يدعان فرصة من العبث تفوتهما وكثيرا ما تكون ضحاياهما من القضاة أنفسهم، غير ان النادرة المروية سردا أقوى مما هي في الشعر. ومن أمثلتها ان ابن الشمر طرح ذات يوم بين سحيات القاضي يخامر الشعباني سحاءة مكتوب فيها: يونس متى والمسيح بن مريم، فخرجت السحاءة إلى يخامر فأمر ان يدعى بهما إلى مسجد القضاء، فهتف الهاتف: يونس بن متى والمسيح ن مريم، فصاح ابن الشمر: نزولهما من اشراط الساعة؛ ثم أخذ سحاءة وكتب فيها:

стр. 71

يخامر ما تنفك تأتي بفضحة ... دعوت ابن متى والمسيح بن مريما قفاك قفا ضرب ووجهك مظلم ... وعقلك ما يسوى من البعر درهما فلا عشت مودودا ولا عشت سالما ... (١) ولا مت معفوا ولا مت مسلما ومن نوادر مؤمن بن سعيد مع قاض آخر يلقب " قبعة " ان رجلا أتى إلى مؤمن وسأله ان يكتب له اسمه في رقعة فسأله عن اسمه فقال " عقبة " فاستولى حب النادرة على مؤمن وكتب: " قبعة " وأعطاها للرجل، فقدمها هذا إلى القاضي، فجعل القاضي يقدم غيرها من الرقاع ويؤخرها، فلما خف الناس نادى من عقبة؟ فجاءه الرجل، فقال له: من يكتب اسمك؟ فوصف له صفة مؤمن فقال له: لا تقعد إليه ثانية (٢) . ومن الحكايات المروية في مداعباتهم ان الناصر مازج وزيره لبا أبا القاسم وقال له: يا لب، اهج الوزير بن جهور، فأبى، فقال لابن جهور فاهجه أنت فتوقى، فبدأ الناصر يهجوه بقوله: لب أبو القاسم ذو لحية ... طويلة في طولها ميل ثم طلب إلى ابن جهور أن يزيد فقال: وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومدخول لو أنه احتاج إلى غسلها ... لم يكفه في غسلها النيل ثم قال الناصر للب: انه قد سبب لك القول فقل، فقال لب: قال امين الله في خلقه ... لي لحية أزرى بها الطول وابن عمير قال قول الذي ... مأكوله القرطيل والفول لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو؟ فلما بلغ إلى قوله شو سكت فقال الناصر: قولوا، فأتم له على نحو ما أضمر، فقال له انت هجوته يا مولاي (٣) .

стр. 72

وتدل هذه الحكايات على توفر الروح الفكاهية، ولكن يبدو ان الشعر كان من أقل مجالاتها، وان العبث كان ينقلب إلى سباب إذا وضع في قالب شعري. غير ان الشعر الأندلسي في هذه الفترة كان مستغرقا قس شؤون الدولة استغراقا بعيد المدى فهو يسجل انتصاراتها في الخارج والداخل، ومن نظر إليه في مجموعه لم يخطئ رؤية مظاهر كبرى نجملها فيما يلي، محاولين الاجتزاء ببعض الأمثلة دون تحليلها، لئلا يخرج بنا الموضوع إلى الاستطراد: وهذه هي أهم المظاهر في الشعر: ١ - الشعر في الطبقات العليا فلقد كان كثير من الحكام الأمويين والأمراء بالأندلس شعراء ومنهم المتفوق المكثر ومنهم المقل، ولكنك قلما تجد من بين الأفراد المشهورين من لا يمارس قرض الشعر، ابتداء من عبد الرحمن الداخل حتى آخر العهد الأموي. ويعد كتاب " الحلة السيراء " معرضا واسعا لهذا النشاط، وقد فعل مثل ذلك ابن فرج؟ من قبل - في كتاب " الحدائق "، ومر بنا ان الحكم المستنصر قد طلب إلى أحدهم أن يؤلف كتابا في شعر الأمويين بالمشرق والأندلس، وزعم ابن فرج بعد ان أورد جملة من أشعار الخلفاء الأموية ان منهم " من يجلون عن الشعر في أقدارهم كما يرتفعون عن أن يروى عنهم أو يؤخذ من أفواههم، وإنما ينبسطون في سرائرهم فليس يظهر عليهم منه إلا الشيء القليل ولعل ما سقط عنا افضل مما سقط إلينا " (١) ، ويبدو أن ابن فرج كان يمهد بهذا للاعتذار عن أمير المؤمنين الناصر وعن قلة ما يعرفه هو من أشعاره. وتتراوح أشعار هؤلاء الأمراء بين الغزل بجواريهم والشعر الحماسي، ويتميز منهم الشريف الطليق والمستعين، وهذا الثاني كان قبل ان يطمح إلى

стр. 73

لخلافة، شاعرا يمدح الخلفاء والكبراء، وذكر ابن أبي الفياض ان له قصائد طويلة في فنون كثيرة مع المعاني والألفاظ الغريبة؟ قال: " وكأني أراه قائما بين يدي ابن عمه المهدي القائم على بني أبي عامر، والمهدي جالس على مقعد الخلافة، وهو امامه، قد لبس ثوب خز، وعليه طاق خز ملون وأقروف وشي، وقد رمى بثيابه على عاتقه، وبيده سيف، وهو ينشد شعرا طويلا يهنئه فيه بالخلافة " (١) ، وكثير من أشعار هؤلاء الأمراء يتضاءل في صدق العاطفة إزاء مقطوعتين نظمهما عبد الرحمن الداخل في التشوق إلى معاهده والحنين إلى أوطانه واولاهما: أيها الراكب الميمم أرضي ... اقر من بعضي السلام لبعضي ان جسمي كما علمت بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي والثانية قالها لما نزل بمنية الرصافة من قرطبة ونظر فيها إلى نخلة ذكرته وطنه: تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بني وعن أهلي نشأت بأرض أنتِ فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي ولم يكن سائر الأمراء والوزراء والحجاب بأقل من الأمراء الأمويين في هذه الناحية، كهاشم بن عبد العزيز حاجب الأمير محمد، وسعيد بن جودي أمير العرب الذي عرف في زمانه بعشر خصال لا يدفع عنها: الجود والشجاعة والفروسية والجمال والشعر والخطابة والشدة والطعن والضرب والرماية، وله شعر كثير، وأكثره في جارية سمعها بقرطبة تغني الأمير عبد الله بن محمد فهام بها، واشترى جارية سماها " جيجان " باسمها،

стр. 74

فلم يسله ذلك عنها وهام بها دهرا (١) ، ومنهم أيضاً الوزير احمد بن عبد الملك بن شهيد، وجهور بن عبيد الله بن أبي عبدة وكان شاعرا مكثرا (٢) وجعفر بن عثمان المصحفي، والمنصور بن أبي عامر، وغيرهم مما يقصر دونهم العد. ولسنا نميزهم بشيء في هذا المقام، فان مراكزهم الاجتماعية ومنازلهم السياسية، وان كانت ذات اثر في شعرهم، وفي تقدير الناس له، لا تقوم بينهم مقام الرابطة الفنية، إذ ليسوا هم أهل مدرسة أو مذهب خاص، ولكن هكذا نظر الأندلسيون إلى شعرهم حين صنفوه، واهتموا؟ كما فعل ابن سعيد في المغرب - بتدريج الشعراء حسب المقامات الاجتماعية. على أن الإشارة إليهم في هذا السياق قد توضح مدى التجاوب بين الشعراء والطبقات الحاكمة بما ينتج أثرا في التحمس للشعر والتهيؤ له، وقد تدل على أن الشعر كان من العناصر التي تقدم المرء في الحياة السياسية، وترقى به إلى المناصب الرفيعة. ٢ا - لشعر يمثل آلام السجن وصدر جانب كبير من الشعر عما قد نسميه " مشاعر السجناء "؛ فان عقوبة السجن قد طبقت على جم غفير من هؤلاء الشعراء، في هذه الفترة، وربما لم يكن هذا وليد جور شاذ، ولكنه نتيجة للصراع السياسي، واشتراك الشاعر في الحياة السياسية وتقلباتها، وامتزاج السياسة والشعر في شخصية واحدة، واضطراب حبل الأهواء من حال إلى حال، في فترات متقاربة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن استعراض بعضها يوضح جانبا هاما من الدوافع النفسية الصادقة في إنشاء هذا الشعر الأندلسي: حبس هاشم بن عبد العزيز لأشياء حقدها المنذر بن محمد عليه، بعد ان كان الحاجب المقدم في زمان أبيه، ثم اخرج بعد زمن وضرب

стр. 75

وهدمت داره وقتل، ومن شعره وكتب به من محبسه إلى جاريته عاج (١) : وأني عداني أن أزورك مطبق ... وباب منيع بالحديد مضبب فان تعجبي يا عاج مما أصابني ... ففي ريب هذا الدهر ما يتعجب وفي النفس أشياء أبيت بغمها ... كأني على جمر الغضا أتقلب تركت رشاد الأمر إذ كنت قادرا ... عليه فلاقيت الذي كنت أرهب وكم قائل قال انج ويحك سالما ... ففي الأرض عنهم مستراد ومذهب فقلت له: إن الفرار مذلة ... ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب سأرضى بحكم الله فيما ينوبني ... وما من قضاء الله للمرء مهرب فمن يك مسرورا بحالي فانه ... سينهل في كأسي وشيكا ويشرب وحبس يحيى الغزال بعد ان ولاه الأمير عبد الرحمن قبض الأعشار، فلم يتصرف في ذلك تصرفا مرضيا، كما سنوضح في ترجمة الغزال (٢) . وسجن مروان بن عبد الرحمن الملقب بالطليق، قيل لأنه كان يهوى جارية رباها أبوه معه، ثم استأثر الأب بها فاشتدت غيرته، فقتل أباه، وكان عمره ست عشرة سنة، وطال سجنه إذ مكث في السجن ست عشرة سنة أخرى، وكان أديبا شاعرا مكثرا (٣) ومن شعره في معتقله: ألا إن دهرا هادما كل ما نبني ... سيبلى كما يبلي ويفنى كما يفني وما الفوز في الدنيا هو الفوز إنما ... يفوز الفتى بالربح فيها مع الغبن يجازى ببؤس عن نعيمها ... ويجني الردى مما غدت كفه تجني ولا شك ان الحزن يجري لغاية ... ولكن نفس المرء سيئة الظن وله أيضاً يصف السجن: في منزل كاليل أسود فاحم ... داجي النواحي مظلم الأشباج يسود والزهراء تشرق حوله ... كالحبر أودع في ذوات العاج
следующие страницы →