← Адаб

Адаб · id 1016

تاريخ الأدب الأندلسي (عصر سيادة قرطبة)

إحسان عباس

Полный текст (329 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يخامر ما تنفك تأتي بفضحة ... دعوت ابن متى والمسيح بن مريما قفاك قفا ضرب ووجهك مظلم ... وعقلك ما يسوى من البعر درهما فلا عشت مودودا ولا عشت سالما ... (١) ولا مت معفوا ولا مت مسلما ومن نوادر مؤمن بن سعيد مع قاض آخر يلقب " قبعة " ان رجلا أتى إلى مؤمن وسأله ان يكتب له اسمه في رقعة فسأله عن اسمه فقال " عقبة " فاستولى حب النادرة على مؤمن وكتب: " قبعة " وأعطاها للرجل، فقدمها هذا إلى القاضي، فجعل القاضي يقدم غيرها من الرقاع ويؤخرها، فلما خف الناس نادى من عقبة؟ فجاءه الرجل، فقال له: من يكتب اسمك؟ فوصف له صفة مؤمن فقال له: لا تقعد إليه ثانية (٢) . ومن الحكايات المروية في مداعباتهم ان الناصر مازج وزيره لبا أبا القاسم وقال له: يا لب، اهج الوزير بن جهور، فأبى، فقال لابن جهور فاهجه أنت فتوقى، فبدأ الناصر يهجوه بقوله: لب أبو القاسم ذو لحية ... طويلة في طولها ميل ثم طلب إلى ابن جهور أن يزيد فقال: وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومدخول لو أنه احتاج إلى غسلها ... لم يكفه في غسلها النيل ثم قال الناصر للب: انه قد سبب لك القول فقل، فقال لب: قال امين الله في خلقه ... لي لحية أزرى بها الطول وابن عمير قال قول الذي ... مأكوله القرطيل والفول لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو؟ فلما بلغ إلى قوله شو سكت فقال الناصر: قولوا، فأتم له على نحو ما أضمر، فقال له انت هجوته يا مولاي (٣) .

стр. 72

وتدل هذه الحكايات على توفر الروح الفكاهية، ولكن يبدو ان الشعر كان من أقل مجالاتها، وان العبث كان ينقلب إلى سباب إذا وضع في قالب شعري. غير ان الشعر الأندلسي في هذه الفترة كان مستغرقا قس شؤون الدولة استغراقا بعيد المدى فهو يسجل انتصاراتها في الخارج والداخل، ومن نظر إليه في مجموعه لم يخطئ رؤية مظاهر كبرى نجملها فيما يلي، محاولين الاجتزاء ببعض الأمثلة دون تحليلها، لئلا يخرج بنا الموضوع إلى الاستطراد: وهذه هي أهم المظاهر في الشعر: ١ - الشعر في الطبقات العليا فلقد كان كثير من الحكام الأمويين والأمراء بالأندلس شعراء ومنهم المتفوق المكثر ومنهم المقل، ولكنك قلما تجد من بين الأفراد المشهورين من لا يمارس قرض الشعر، ابتداء من عبد الرحمن الداخل حتى آخر العهد الأموي. ويعد كتاب " الحلة السيراء " معرضا واسعا لهذا النشاط، وقد فعل مثل ذلك ابن فرج؟ من قبل - في كتاب " الحدائق "، ومر بنا ان الحكم المستنصر قد طلب إلى أحدهم أن يؤلف كتابا في شعر الأمويين بالمشرق والأندلس، وزعم ابن فرج بعد ان أورد جملة من أشعار الخلفاء الأموية ان منهم " من يجلون عن الشعر في أقدارهم كما يرتفعون عن أن يروى عنهم أو يؤخذ من أفواههم، وإنما ينبسطون في سرائرهم فليس يظهر عليهم منه إلا الشيء القليل ولعل ما سقط عنا افضل مما سقط إلينا " (١) ، ويبدو أن ابن فرج كان يمهد بهذا للاعتذار عن أمير المؤمنين الناصر وعن قلة ما يعرفه هو من أشعاره. وتتراوح أشعار هؤلاء الأمراء بين الغزل بجواريهم والشعر الحماسي، ويتميز منهم الشريف الطليق والمستعين، وهذا الثاني كان قبل ان يطمح إلى

стр. 73

لخلافة، شاعرا يمدح الخلفاء والكبراء، وذكر ابن أبي الفياض ان له قصائد طويلة في فنون كثيرة مع المعاني والألفاظ الغريبة؟ قال: " وكأني أراه قائما بين يدي ابن عمه المهدي القائم على بني أبي عامر، والمهدي جالس على مقعد الخلافة، وهو امامه، قد لبس ثوب خز، وعليه طاق خز ملون وأقروف وشي، وقد رمى بثيابه على عاتقه، وبيده سيف، وهو ينشد شعرا طويلا يهنئه فيه بالخلافة " (١) ، وكثير من أشعار هؤلاء الأمراء يتضاءل في صدق العاطفة إزاء مقطوعتين نظمهما عبد الرحمن الداخل في التشوق إلى معاهده والحنين إلى أوطانه واولاهما: أيها الراكب الميمم أرضي ... اقر من بعضي السلام لبعضي ان جسمي كما علمت بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي والثانية قالها لما نزل بمنية الرصافة من قرطبة ونظر فيها إلى نخلة ذكرته وطنه: تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بني وعن أهلي نشأت بأرض أنتِ فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي ولم يكن سائر الأمراء والوزراء والحجاب بأقل من الأمراء الأمويين في هذه الناحية، كهاشم بن عبد العزيز حاجب الأمير محمد، وسعيد بن جودي أمير العرب الذي عرف في زمانه بعشر خصال لا يدفع عنها: الجود والشجاعة والفروسية والجمال والشعر والخطابة والشدة والطعن والضرب والرماية، وله شعر كثير، وأكثره في جارية سمعها بقرطبة تغني الأمير عبد الله بن محمد فهام بها، واشترى جارية سماها " جيجان " باسمها،

стр. 74

فلم يسله ذلك عنها وهام بها دهرا (١) ، ومنهم أيضاً الوزير احمد بن عبد الملك بن شهيد، وجهور بن عبيد الله بن أبي عبدة وكان شاعرا مكثرا (٢) وجعفر بن عثمان المصحفي، والمنصور بن أبي عامر، وغيرهم مما يقصر دونهم العد. ولسنا نميزهم بشيء في هذا المقام، فان مراكزهم الاجتماعية ومنازلهم السياسية، وان كانت ذات اثر في شعرهم، وفي تقدير الناس له، لا تقوم بينهم مقام الرابطة الفنية، إذ ليسوا هم أهل مدرسة أو مذهب خاص، ولكن هكذا نظر الأندلسيون إلى شعرهم حين صنفوه، واهتموا؟ كما فعل ابن سعيد في المغرب - بتدريج الشعراء حسب المقامات الاجتماعية. على أن الإشارة إليهم في هذا السياق قد توضح مدى التجاوب بين الشعراء والطبقات الحاكمة بما ينتج أثرا في التحمس للشعر والتهيؤ له، وقد تدل على أن الشعر كان من العناصر التي تقدم المرء في الحياة السياسية، وترقى به إلى المناصب الرفيعة. ٢ا - لشعر يمثل آلام السجن وصدر جانب كبير من الشعر عما قد نسميه " مشاعر السجناء "؛ فان عقوبة السجن قد طبقت على جم غفير من هؤلاء الشعراء، في هذه الفترة، وربما لم يكن هذا وليد جور شاذ، ولكنه نتيجة للصراع السياسي، واشتراك الشاعر في الحياة السياسية وتقلباتها، وامتزاج السياسة والشعر في شخصية واحدة، واضطراب حبل الأهواء من حال إلى حال، في فترات متقاربة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن استعراض بعضها يوضح جانبا هاما من الدوافع النفسية الصادقة في إنشاء هذا الشعر الأندلسي: حبس هاشم بن عبد العزيز لأشياء حقدها المنذر بن محمد عليه، بعد ان كان الحاجب المقدم في زمان أبيه، ثم اخرج بعد زمن وضرب

стр. 75

وهدمت داره وقتل، ومن شعره وكتب به من محبسه إلى جاريته عاج (١) : وأني عداني أن أزورك مطبق ... وباب منيع بالحديد مضبب فان تعجبي يا عاج مما أصابني ... ففي ريب هذا الدهر ما يتعجب وفي النفس أشياء أبيت بغمها ... كأني على جمر الغضا أتقلب تركت رشاد الأمر إذ كنت قادرا ... عليه فلاقيت الذي كنت أرهب وكم قائل قال انج ويحك سالما ... ففي الأرض عنهم مستراد ومذهب فقلت له: إن الفرار مذلة ... ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب سأرضى بحكم الله فيما ينوبني ... وما من قضاء الله للمرء مهرب فمن يك مسرورا بحالي فانه ... سينهل في كأسي وشيكا ويشرب وحبس يحيى الغزال بعد ان ولاه الأمير عبد الرحمن قبض الأعشار، فلم يتصرف في ذلك تصرفا مرضيا، كما سنوضح في ترجمة الغزال (٢) . وسجن مروان بن عبد الرحمن الملقب بالطليق، قيل لأنه كان يهوى جارية رباها أبوه معه، ثم استأثر الأب بها فاشتدت غيرته، فقتل أباه، وكان عمره ست عشرة سنة، وطال سجنه إذ مكث في السجن ست عشرة سنة أخرى، وكان أديبا شاعرا مكثرا (٣) ومن شعره في معتقله: ألا إن دهرا هادما كل ما نبني ... سيبلى كما يبلي ويفنى كما يفني وما الفوز في الدنيا هو الفوز إنما ... يفوز الفتى بالربح فيها مع الغبن يجازى ببؤس عن نعيمها ... ويجني الردى مما غدت كفه تجني ولا شك ان الحزن يجري لغاية ... ولكن نفس المرء سيئة الظن وله أيضاً يصف السجن: في منزل كاليل أسود فاحم ... داجي النواحي مظلم الأشباج يسود والزهراء تشرق حوله ... كالحبر أودع في ذوات العاج

стр. 76

وسجن احمد بن محمد بن فرج الجياني صاحب كتاب الحدائق لكلمة عامية نطق بها نقلت عنه وأقام في السجن بجيان أعواما سبعة أو أزيد منها وكانت له أشعار ورسائل في محبسه إلى الحكم إلا أنها لم تكن تصل إليه فلما توفي الحكم أطلق من سجنه، وكان أهل الطلب يدخلون إليه في السجن ويقرأون عليه اللغة وغيرها، ولم تصلنا أشعاره ورسائله أو شيء منها (١) . ودخل السجن أيضاً الشاعر يوسف بن هارون الرمادي، وقد لقي هذا المصير لأنه كان ينتقد السلطان، وعمل وهو محبوس كتابا سماه " كتاب الطير " من شعره مستشفعا (٢) - وسنوفي القول عند الترجمة له - ويكفي أن أقول هنا، أن السجن قد صبغ شعره بصبغة الحزن، بعد أن كان التفاؤل في نظرته إلى الحياة أغلب على شعره، وجعله يحس بأنه شخص ضائع، وانه قد لا يتاح له أن يحس بطعم الحرية أبدا. على أن أشد الناس خورا عندما سجن، الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، الذي أذله ابن أبي عامر، ورماه بالمطبق لمنافسة بينهما، وأحداثه مشهورة مشروحة في كتب التاريخ (٣) وقد استشفع كثيرا فلم ينل شفاعة، من قوله يخاطب المنصور ابن أبي عامر: عفا الله عنك ألا رحمة ... تجود بعفوك إن أبعدا لئن جل ذنب ولم أعتمده ... فأنت أجل وأعلى يدا ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى وله أشعار كثيرة تتقلب به بين اليأس والأمل ومن قوله في ذلك: صبرت على الأيام لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت فيا عجبا للقلب كيف اصطباره ... وللنفس بعد العز كيف استذلت

стр. 77

وما للنفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فان طمعت تاقت وإلا تسلت وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت وقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت وحبس عبد الملك بن إدريس الجزيري الكاتب الشاعر، ومن مشهور ما صدر عنه وهو في السجن قصيدة له في الآداب والسنة، كتب بها إلى بنيه (أو إلى ابنه عبد الرحمن) (١) ، مطلعها: ألوى بعزم تجلدي وتصبري ... نأي الأحبة واعتياد تذكري ويذكر فيها كيف فقد صبره، وذهب سروره وتلذذه بالعيش ويتشوق إلى ابنه الأصغر، ويتذكر ساعة فراقه فيقول: عجبا لقلبي يوم راعتنا النوى ... ودنا وداعك كيف لم يتفطر ما خلتني أبقى خلافك ساعة ... لولا السكون إلى أخيك الأكبر ومنها في النصائح والأمور التعليمية: واعلم بأن العلم أرفع رتبة ... وأجل مكتسب وأسنى مفخر فاسلك سبيل المقتنين له تسد ... ان السيادة تقتنى بالدفتر والعالم المدعو حبرا إنما ... سماه باسم الحبر حمل المحبر والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد عملا وحسن تصبر ومنها أيضاً: واخزن لسانك واحترس من نطقه ... واحذر بوادر غيه ثم احذر واصفح عن العوراء ان قيلت وعد ... بالحلم منك على السفيه المعور وكل المسيء إلى أساءته ولا ... تتعقب الباغي ببغيء، تنصر واذا سئلت فجد وان قل الجدى ... جهد المقل إزاء جهد المكثر وانما أعرض هذه الأمثلة لأنها تدل على الجوانب التي أيقظها السجن

стр. 78

في حياة الشعر الأندلسي، فإلى جانب الحزن العميق، والتشوق إلى الانطلاق، والبكاء على الحياة، نجد تعميق المشاعر بالحياة، وقيمتها مع شيء من نغمة زهدية، وفلسفة مستمدة من القلق والحيرة، وأثارة من الحكمة التعليمية كالذي نراه في قصيدة الجزيري، وقد نجد ان الصبر أقوى من الثورة في هذا الشعر، وان الاستشفاع المتذلل أشيع من العزيمة العزيزة، وان الجزع من الموت أقوى من القدرة على استقباله، وكل هذا يشير إلى صورة حزينة، قلقة باكية، تجعلها نحس بقيمة المظهر الثالث على وجه أوضح وأظهر: ٣ - الارتياح إلى الطبيعة الارتياح إلى الطبيعة، من الموضوعات الكبرى التي سيطرت على الشعر في هذه الفترة، ومن الخطأ ان ننظر فحسب في هذا الموضوع إلى شعر المشهورين فيه كابن خفاجة من بعد، فان شيوعه في الفترة الأموية، يكاد يجعله اقرب أنواع الشعر إلى نفوس الأندلسيين، ومعرضه كتاب " الحدائق " لابن فرج، وكتاب البديع في فصل الربيع لحبيب، والارتياح بوصف الراح لابن مسلمة، وكلها كتب لم تصلنا؟ ما عدا كتاب البديع - وإنما تأدى إلينا بعض ما فيها، في مقتطفات، ويلحق بها كتاب الفرائد في التشبيهات لعلي بن الحسين القرطبي فانه أيضاً حافل بصور الطبيعة في الشعر الأندلسي، وربما كان وصف الخمر والغناء أقل نزلة في هذا الشعر من وصف الطبيعة وبخاصة وصف الربيع عامة، والغيم والمطر والبرد والخمائل، والنواعير، والأزهار جملة وتفصيلا؛ ومما اكثروا من وصفه أزهار الرد والبهار والياسمين والنيلوفر. واذا ميزنا هذا النوع من الشعر بالكثرة فليس معنى هذا أننا نميزه بالجودة، فان الغرام فيه " بالصورة " قد صرف الأندلسيين عن حب الموضوع نفسه، أما الصورة فيه فأنها شبيهة بأختها المشرقية في نواحي جمودها، وحديثها عن الزهو الحي

стр. 79

بالتشبيهات الجامدة المستمدة من الوشي والأحجار الكريمة وما أشبه من ذلك قول ابن النظام (١) : وقد بدت للبهار ألوية ... تعبق مسكا طلوعها عجب رءوسها فضة مورقة ... تشرق نورا، عيونها ذهب فهو أمير الرياض حف به ... من سائر النور عسكر لجب أو كقول ابن القوطية (٢) : وكأنما الروض الأنيق وقد بدت ... متلونات غضة أنواره بيضا وصفرا فاقعات، صائغ ... لم ينأ درهمه ولا ديناره سبك الخميلة عسجدا ووذيلة ... لما غدت شمس الظهيرة ناره وربما أدى الشغف بالصورة لديهم إلى استخراج صور غريبة، كقول المصحفي في وصف سوسنة (٣) : يا رب سوسنة قد بت ألثمها ... وما لها غير طعم المسك من ريق مصفرة الوسط مبيض جوانبها ... كأنها عاشق في حجر معشوق وقد تضرب بعض الأشعار بسهم في الحيوية كقول ابن حصن في النيلوفر (٤) : كلما أقبل الظلام عليه ... غمضت أنجم السما عينيه فإذا عاد للصباح ضياء ... عاد روح الحياة منه إليه وتزداد هذه الحيوية كلما اتصلت بفكرة زوال الورد سريعا، لاتصال ذلك بفكرة زوال الربيع وانتهاب اللذائذ، من ذلك قول الوزير أبي عثمان ابن إدريس (٥) :

стр. 80

أقام كرجع الطرف يشف غلة ... ولم يرو مشتاق الجوانح شائقه فما كان إلا الطيف زار مسلما ... فسر ملاقيه وسيء مفارقه على الورد من إلف التصابي تحية ... وان صرمت إلف التصابي علائقه وقد يستعيضون عن طلب الاستطراف في الصور بتصوير المبالغة في حب الزهور كقول احدهم (١) : صاحبي إن كنت ترغب حجا ... طف بعرش الياسمين مليا واستلم أركانه فهو حج ... ليس يخطيه القبول لديا أو كقول آخر في وصف الياسمين ومبلغ حبه له (٢) : ولو سقيته من ماء وجهي ... لما وفيته ما يستحق ولا يخطئ الناظر في هذا الفن ... كيف أكثر الأندلسيون من وصف الطبيعة في مقدمات قصائدهم مستعيضين به عن الغزل، وكيف أن إعلاءهم من شأن الورد بين الأزهار يلفت النظر حقا. وقد ذكرت من قبل كيف ان شعراء الأندلس أكثروا من القول في الأزهار في أيام عبد الملك المظفر باقتراح منه، فوصفوا الآس والريحان والنرجس والبنفسج والخيري والورد والسوسن، فقال صاعد في الخيري: قد نعمنا في دولة المنثور ... ووصلنا صغيرنا بالكبير وسألناه لم تضوعت ليلا ... قال: فتك الشجعان بالديجور وقرنا احمراره باصفرار ... فعجبنا من لطف صنع القدير ما علمنا الياقوت للشم حتى ... نفحتنا روائح المنثور حاجب الملك لا عداك بشير ... بفتوح أو قام بسرور وقال ابن دراج في الورد: ضحك الزمان لنا فهاك وهاته ... أو ما رأيت الورد في شجراته وقد جاء بالنارنج من أغصانه ... وبخجلة المعشوق من وجناته

стр. 81

وكساه مولانا غلائل سندس ... (١) يوما يسر بله دماء عداته الشعر والتاريخ ومن المظاهر الكبرى في شعر في هذه الفترة صلته بالتاريخ لإحساس الناس حاكمين ومحكومين انهم يصنعون تاريخا يستحق التخليد، وما ذلك الا من طبيعة أوضاع الأندلس نفسها الممثلة في صراع مستمر، داخلي وخارجي، فأما الصراع الخارجي، فهو الغزوات والمرابطة والجهاد في الثغور، وأما الصراع الداخلي فهو ما يسمى بالفتن وثورات الطامحين والمنشقين عن طاعة قرطبة، ويكفي أن يراجع القارئ كتابا في التاريخ الأندلسي حتى يجد فيه التاريخ مرتبا على حسب سنوات الغزو، وقد أربى المنصور بن أبي عامر في هذا على كل مجاهد قبله حين غزا نيفا وخمسين غزوة، وذهب ابنه عبد الملك في سبع غزوات وهكذا. ومن أوليات صور هذا التخليد اتجاه الشعراء؟ منذ عهد مبكر - إلى نظم الأراجيز التاريخية، ومن ذلك أن يحيى بن حكم الغزال نظم في فتح الأندلس أرجوزة حسنة مطولة ذكر فيها السبب في غزوها وتفصيل الوقائع بين المسلمين وأهلها وعداد الأمراء عليها وأسماءهم (٢) ولتمام بن عامر الثقفي أرجوزة في ذكر افتتاح الأندلس وتسميته ولاتها والخلفاء فيها ووصف حروبها من وقت دخول طارق بن زياد إلى آخر أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم (٣) . ونظم ابن عبد ربه أرجوزة في غزوات الإمام عبد الرحمن الناصر من سنة ٣٠١ - ٣٢٢ (٤) وهي مدرجة في كتاب العقد. وفي أيام المنصور بن أبي عامر، اصبح نظم التاريخ وظيفة لها قيم خاص،

стр. 82

وقد قلد هذه الوظيفة حينئذ ابن المشاط الرعيني القرطبي فجمع في نظم التاريخ كتاب " الباهر "، وهو كتاب هلك في النهب في نكبة العامريين (١) . وكان الشاعر رفيق الأمير أو الخليفة في الجهاد، وبلغ الأمر بالمنذر أنه كان يستمع إلى الشعراء ينشدونه غازيا وراجعا (٢) . وإذا تصورنا كثرة الغزوات في مدى هذه الفترة لاح لنا مبلغ الشعر الذي مزج بين المدح ووصف المعارك والإشادة بالانتصارات وتبرير الانكسارات، والتمثيل على هذا الفن هو نوع من الاستئناس ببعض النماذج الأندلسية. فمن ذلك غزوة وادي سليط وهي من أمهات الوقائع في أيام الأمير محمد وفيها يقول عباس بن فرناس (٣) : ومؤتلف الأصوات مختلف الزحف ... لهوم الفلا عبل القبائل ملتف إذا أومضت فيه الصوارم خلتها ... بروقا تراءى في الغمام وتستخفي كأن ذرى الأعلام في ميلانها ... قراقير قي يم عجزن عن القذف وفيها يقول العتبي (٤) : سائل عن الثغر الصوارم تصدق ... واستنطق السمر العوالي تنطق تركت وقائع في الثغور وقد غدت ... مثلا بكل مغرب ومشرق وأداخ أهل المشركين بوقعة ... تركتهم مثل الأشاء المحرق جاءت عليهم حربه بصواعق ... تركتهم مثل الرماد الأزرق

стр. 83

ويقول صاعد مهنئا المنصور وقد غزا سنة ٣٩٠ في صائفة، وكانت من أشد غزواته وأصعبها مقاما، وتعرف بغزوة جربيرة (١) : جددت شكري للهوى المتجدد ... وعهدت عندك منه ما لم يعهد اليوم عاش الدين وابتدأ الهدى ... غضا وعاد الملك عذب المورد ووقفت في ثاني حنين وقفة ... فرأيت صنع الله يؤخذ باليد من وفاته بدر وأدرك عمره ... جربير فهو من الرعيل الأسعد فوددت لو حتم القضاء بأنني ... في القوم أول طالع مستشهد ما أستكين لروعة، ومحمد ... وبنوه أنصار النبي محمد عهدي به، والله ينظر صبره ... والموت بين مصوب ومصعد غطى عليه المشركون فلم يكن ... في القوم إلا صخرة في فدفد حتى تحصن بالملائكة التي ... حفته بين معفر ومردد ويلحق بهذا اللون من الشعر وصف القلاع الحصينة والحرب البحرية ضد المجوس، ووصف الاحتفالات الباهرة عند استقبال الوفود والرسل، وكثير مما يتصل بحياة البلاط. أما الأحداث الداخلية فالمشهورة منها كثير، والشعر الذي أثارته غزير كذلك، فمنها وقعة الربض التي أوقع الحكم بناس من أهل قرطبة ثاروا عليه (١٨٩) و (٢٠٢) وللحكم نفسه في هذه الواقعة شعر كثير يبرر به ما قام به من قتل وتشريد، كقوله: ولما تساقينا سجال حروبنا ... سقيتهم سما من الموت ناقعا وهل زدت ان وفيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا فهاك بلادي إنني قد تركتها ... مهادا ولم أترك عليها منازعا واكبر ثائر كاد يعجز الأمويين هو عمر بن حفصون زعيم العجم، وقد دامت فتنته هو وابناؤه اثنين وخمسين سنة، وكان يتحصن بمدينة

стр. 84

ببشتر وأطاعه اكثر بلاد الموسطة بين رية والخضراء والبيرة، وخرجت جيوش قرطبة لإخضاعه مرات عديدة، ولم يتمكن الأمويون من القضاء عليه، إلا في زمن عبد الرحمن الناصر، وقد غزاه الأمير عبد الله في إحدى المرات وانتصر عليه فقال في ذلك ابن عبد ربه: رام ابن حفصون النجاة فلم يسر ... والسيف طالبه فليس بناج ما زال يلقح كل حرب حائل ... فالآن أنتجها بشر نتاج ركبوا الفرار بعصبة قد جربوا ... غب السرى وخوافت الإدراج وإذا سألتهم موالي من هم ... قالوا: موالي كل ليل داج وهذا باب متسع، تخصص فيه الشعراء الملتصقون بالخلفاء والأمراء، كإبن عبد ربه والعتبي والعكي وابن الشمر وعباس بن فرناس وكثير من الملتقين حول المنصور بن أبي عامر، وكانت فتنة المستعين التي انقضت بها الخلافة الأموية من أشد هذه الأحداث الداخلية أثرا في الأدب، وسنفرد لها فصلا خاصا. ٥ - وقفة الشعر مع العصبية وهذا اللون من الشعر صورة من النقائض المشرقية وهو يمثل الصراع الأدبي بين العرب والمولدين، إلى جانب الصراع السياسي، وفيه في الجانب العربي الفخر بالقبيلة، وكان شعراء العرب هم قادتهم مثل سوار بن حمدون القيسي الثائر بناحية البراجلة، وقد انتضمت إليه بيوتات العرب من كورة البيرة وجيان ورية وغيرها فتغلب على المولدين، وافتخر بنصره وامتداد سلطانه وبقومه قيس في قصيدة طويلة أولها: حرم الغواني يا هنيد مودتي ... إذ شاب مفرق لمتي وقذالي ثم وجه سوار همته إلى محاربة ابن حفصون واتباعه وانتصر عليهم في وقعة المدينة، وكان صاحب سعيد بن جودي أحد الشعراء الذين تمدحوا بذلك الانتصار فقال:

стр. 85

يقول بنو الحمراء لو أن جنحنا ... يطير لغشاكم بشؤبوب وابل وفيها يصف انهزام المولدين بقوله: ولما رأونا زاحفين إليهم ... تولوا سراعا خوف وقع المناصل فصرنا إليهم والرماح تنوشهم ... كوقع الصياصي تحت وهج القساطل فلم يبق منهم غير عان مصفد ... يقاد أسيرا موثقا في السلاسل ولسعيد قصائد أخرى في وصف تلك المعارك وفي مدح سوار. وكان للمولدين شاعرهم المحامي عنهم ويعرف بالعبلي، واسمه عبد الرحمن بن احمد، وينسب إلى قرية عبلة، ويناظره الشاعر الاسدي واسمه محمد بن سعيد ابن مخلوق الاسدي، أسد بني خزيمة، وكان كل منهما يحرض قومه ويناضل عن مذهبه ويصف ما يجري لقومه على اضدادهم من الوقائع المخزية، ولهما في ذلك أشعار كثيرة، فمن شعر العبلي يذكر أحد الانتصارات: قد انقصفت قناتهم وذلوا ... وزعزع ركن عزهم الأذل فأجابه الأسدي: قد احتمل الأحبة واستقلوا ... لطيتهم بليل واحزألوا فظل الدمع من جزع عليهم ... إذ احتملوا يسح ويستهل سأصرف همتي عنهم وأسلو ... بهجوي معشرا كفروا وضلوا وقصيدة العبلي ناقضها شاعر عربي آخر بقصيدة مطلعها: لسوار على الأعداء سيف ... أباد ذوي العداوة فاستقلوا وتمخضت هذه العصبيات عن قصائد في التحريض والإثارة وقصائد في رثاء السادات الذين قتلوا في تلك الحروب، وقد رثى الأسدي سعيد ابن جودي أمير العرب بقصيدة منها: لا ساغت الراح لي من كف ساقيها ... حتى تقرب نفسي من تمنيها وأن أرى الخيل تردي في أعنتها ... لثأر من كان قبل اليوم يرضيها يا قاسم بن عياض دعوة فلقت ... صم الصخور فلم يسمع مناديها أبلغ ربيعة والحيين من مضر ... وآل عك إذا أحللت واديها

стр. 86

وآل سعد فقد أضحت وليس لها ... راع يحيط فضاها بعد راعيها ورثى سعيدا الشاعر مقدم بن معافي بقصيدة مطلعها: من ذا الذي يطعم أو يكسو ... وقد حوى حلف الندى رمس (١) وهذا الشعر مؤسس على القوة والجزالة، وهو يتميز بذلك عن كثير من ضروب الشعر الأندلسي لأن البداوة فيه أظهر. ٦ - ثورة على الثقافات الجديدة في هذا المظهر كان الشعر يمثل روح المحافظة، ويقوم بدور الخصم العنيد للعناصر العلمية أو ما كان حينئذ يعد ضربا من الثقافة العلمية، كالجغرافيا واقليدس والمجسمي وعلم النجوم والفلسفة، ويمثل ابن عبد ربه هذا الاتجاه خير تمثيل، فقد أعلن سخطه على الذين يقولون بكروية الأرض، وباختلاف الفصول حسب المنطق المناخية المختلفة، فمن ذلك قوله يسخر بمسلم بن احمد بن أبي عبيدة واصحابه: والأرض كرية حف السماء بها ... فوقا وتحتا وصارت نقطة مثلا صيف الجنوب شتاء للشمال بها ... قد صار بينهما هذا وذا دولا وقال ابن عبد ربه أيضاً في مهاجمة المشتغلين بالفلك والحساب: أين الزيج والقانون ... والأركند والكمه وأين السند هند البطل ... والجدول هل ثمه سوى الإفك على الله ... تعالى منشر الرمه إذا كان أخو النجم ... يرى الغيب بما ضمه إلى أن يطلب الرزق ... طلاب العاجز الهمه وهذي الأرض قد وارت ... كنوزا عدة جمه فلا والله ما لله ... خلق يحتوي علمه

стр. 87

ودخل ابن عبد ربه ذات يوم على الوزير جهور بن الضيف، وكان القحط قد ألح والغيث قد احتبس، واغتنم الناس لذلك. وتحدث المنجمون بتأخير الغيث مدة طويلة، ومن هؤلاء ابن عذراء وأصحابه، فقال ابن عبد ربه للوزير: هذا من أمور الله المغيبة، ورجا الله ان يخلف حساب المنجمين، فما كان الا قليل حتى نزل الماء ليلا، فأفاق ابن عبد ربه وقرب المصباح ودعا بالدواة والقلم وكتب للوزير: ما قدر الله هو الغالب ... ليس الذي يحسبه الحاسب قد صدق الله رجاء الورى ... وما رجاء عبده خائب وأنزل الغيث على راغب ... رحمته إذ قنط الراغب قل لابن عذراء السخيف الحجى ... زرى عليك الكوكب الثاقب ما يعلم الشاهد من حكمنا ... كيف بحكم حكمه غائب فقل لعباس وأشياعه ... كيف ترى قولكم الكاذب خانكم كيوان في فرسه ... وغركم في لونه الكاتب فكلكم يكذب في علمه ... وكلكم في أصله كاذب ما انتم شيء ولا علمكم ... قد ضعف المطلوب والطالب تغالبون الله في حكمه ... والله لا يغلبه غالب ولم ينفرد ابن عبد ربه بهذا الموقف من الثقافة الجديدة بل شاركه فيه غيره من الشعراء، وكان اكثر هجومهم موجها إلى علم النجوم فمن ذلك قول عيسى بن قزمان: لو كان عند النجوم السابحات بما ... يجري على الخلق من أبنائهم خبر لم يحتلل بذراهم ريب حادثة ... بل كان ينجيهم الإنذار والحذر ما كان ينجل منهم عالم ولدا ... في ساعة ما بها نحس ولا كدر ويقول سعيد بن العاص المرادي: مستحيل أن تدرك الأوهام ... علم غيب تغيب عنه الأنام كل من قال إن للنجم حكما ... لم يجز، فاعلمن، عليه السلام

стр. 88

سطروا الأولون فيه أساطير ... ولم يلهموا الرشاد فهاموا إذ أرادوا بالسند هند وبالأر ... كند والزيج روم ما لا يرام خبطوا في أمورها خبط عشوا ... ء حين ضلت في كنهها الأوهام ليس يقضي كيوان أمرا كما قا ... لوا ولا المشتري ولا البهرام إنما الأمر للذي خلق الخلق وتمضي بعزمه الأحكام (١) ...

стр. 89

٣ - الشعر الأندلسي والتقليد لشعر المحدثين المشارقة رأي الأستاذ اميلو غرسية غومس لا أرى الأستاذ غرسية غومس مصيبا حين يقول: " وكذلك المحدثون لم يكن لهم عند شعراء الأندلس أثر بعيد فيما خلا بدورات نلمحها بين الحين والحين " (١) . فقد أشرت من قبل إلى ان الذوق الأندلسي قد تربى على تقدير شعر المشارقة المحدثين، حتى ميز نقاد الأندلس بين طريقتين في الشعر: طريقة العرب وطريقة المحدثين، ومالوا إلى الثانية وحاكوها، ومثلت كيف شغلوا انفسهم بتدارس ديوان أبي تمام ومسلم بن الوليد والبحتري، وكيف كان ديوان أبي تمام على وجه الخصوص محط اهتمامهم الأكبر. فمن الخير هنا أن أتلمس جوانب هذا التأثير الذي تلقاه الشعر الأندلسي من شعر المشارقة المحدثين. وأقول أن الأثر يمتد في اتجاهين: الأول أثر في الموضوع والثاني أثر في الشكل والطريقة الشعرية، أما الأول فتبيانه ليس بالأمر الميسور، وأما الثاني فانه على صعوبة تمييزه أظهر من الأول.

стр. 90

صلته بالزهد المشرقي لقد كان أهم المحدثين في نظر الأندلسيين هم: أبو نواس وأبو العتاهية وأبو تمام وابن الرومي وابن المعتز، ثم وفد ديوان المتنبي على الأندلس، فلم يلبث ان احدث بعض الأثر الملموس. ونجد في الأشعار الأندلسية من هذه الفترة نزعة زهد واضحة عند ابن أبي زمنين والغزال وابن عبد ربه وأبي بكر الزبيدي وغيرهم، ونحس فيها حقا بشخصية أبي العتاهية وأفكاره ونظراته في الحياة والموت، ولكن هذا الموضوع مشترك بين أناس ينظرون إلى الحياة الدنيا من خلال نظرهم إلى الموت والحياة الخالدة. ومن العسير ان يحكم المرء بان الأندلسيين استعاروا هذا الموضوع من أبي العتاهية أو اقتبسوا تماما فنه الشعري، لأن الزهد نزعة لها أصولها الاجتماعية وليست تجيء كلها اقتباسا، ولكن أثر أبي العتاهية في تقوية النزعة والاتجاه الشعري لا يمكن إنكاره، وإذا شمعنا الزبيدي يقول (١) : لقد فاز الموفق للصواب ... وعاتب نفسه قبل العتاب ومن شغل الفؤاد بحب مولى ... يجازى بالجزيل من الثواب فذاك ينال عوا كعز ... من الدنيا يصير إلى ذهاب تفكر في الممات فعن قريب ... ينادى بالرحيل إلى الحساب وقدم ما ترجي النفع منه ... لدار الخلد واعمل بالكتاب ولا تغتر بالدنيا فعما ... قريب سوف تؤذن بالخراب إذا سمعنا هذا الشعر وجدنا الموضوع والشكل قد اتفقا على النظر معا إلى أبي العتاهية في مثل قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب وإذا راجعنا قول ابن أبي زمنين (٢) :

стр. 91

أيها المرء إن دنياك بحر ... طامح موجه فلا تأمننها وسبيل النجاة فيها مبين ... وهو أخذ الكفاف والقوت منها على أشعار أبي العتاهية أدركنا فرقا بينهما، وان اتفق الموضوع، وهذا الفرق إنما ينتج عن صورة الدنيا عند كليهما، فأبو العتاهية يتصور الدنيا دارا أو ظلا متقلصا أو مرعى أو سرابا وقلما يتصورها بحرا في مثل قوله (١) : كل أهل الدنيا تعوم على الغفلة منها في غمر بحر عميق ... يتبارون في السباح فهم من ... بين ناج منهم وبين غريق فالصورة التي يرسمها ابن أبي زمنين للدنيا اقرب إلى ان تكون صورة أندلسية أصيلة من تلك الصور التي عرضها لنا الزبيدي في زهديته السابقة. وصف الخمر ومثل ذلك أيضاً الحال في وصف الخمر، إلا ان هذا الموضوع أدق من سابقه وأبين حدودا، وبخاصة وانه عند أبي نواس زعيم هذا الفن ينقسم من حيث شكله في صورتين: الوصف للخمر وما يتصل بها، وقصة المغامرة مع الندمان في زيارة الحان، وفي الأول من هذين القسمين يستأثر أبو نواس بمعان وتوليدات إذا اقتبسها غيره أعلنت عن نفسها، كقول الشريف الطليق (٢) : رب كاس كست جنح الدجى ... ثوب برد من سناها يققا قام يسقيها رشا في جفنه ... سنة تورث عيني أرقا أشرقت في ناصع من كفه ... كشعاع الشمس وافى الفلقا خفيت للعين حتى خلتها ... تتقي من لحظه ما يتقى أصبحت شمسا وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيي مشرقا

стр. 92

فإذا ما غربت في فمه ... تركت في الخد منه شفقا فان نورانية هذه الخمر، وسرية " روحانيتها " التي خفيت وهي ظاهرة، ثم هذه الصورة التي تجعل منها شمسا تغرب في الفم بعد ان تطلع من المشرق؟ الذي هو يد الساقي - لا تزال تستمد من شعر أبي نواس الشيء الكثير. وأبين من هذا حكمنا على قصة المغامرة في الحانات، فهذا اتجاه نواسي لا ينازع فيه صاحبه متقدم عليه، فاذا قرأنا قصيدة يحيى الغزال (١) : ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم ... تأبطت زقي واحتسبت عنائي فلما أتيت الحان ناديت ربه ... فهب خفيف الروح نحو ندائي قليل هجوع العين الا تعلة ... على وجل مني ومن نظرائي فقلت أذقنيها فلما أذاقني ... طرحت إليه ريطتي وردائي وقلت أعرني بذلة أستتر بها ... بذلت له فيها طلاق نسائي فوالله ما برت يميني ولا فت ... له غير أني ضامن بوفائي وأبت إلى صحبي ولم أك آيبا ... فكل يفديني وحق فدائي وجدنا محاكاة متعمدة لأبي نواس، وان لم تقلل هذه المحاكاة من إجادة يحيى الغزال وتنفرده ببعض الجزئيات. أثر أبي نواس وافتتان الأندلسيين بأبي نواس قد يقوي القول بعمق أثره في الشعر الأندلسي، فقد رأينا كيف ان رواياتهم تنسب إلى عباس بن ناصح الرحلة للمشرق من اجل أن يلقاه حين سمع بنجومه، وهذا هو الغزال يحاكيه، ويرى الأندلسيون في محاكاته شيئا لا يقل مستواه عن شعر أبي نواس، ومن الحكايات الدالة على افتتانهم به، قول ابن شبلاق الاشبيلي: رأيت في النوم كأني في مقبرة ذات أزاهير ونواوير، وفيها قبر حواليه الريحان

стр. 93

الكثير، وقوم يشربون فكنت أقول لهم: والله ما زجرتكم الموعظة ولا وقرتم المقبرة، قال: فكانوا يقولون لي: أو ما تعرف قبر من هو؟ فكنت أقول لهم: لا. قال: فقالوا لي قبر أبي علي الحكمي الحسن ابن هانئ. قال فكنت أولي، فيقولون والله لا تبرح أو ترثيه قال: فكنت أقول: جادك يا قبر نشاص الغمام ... وعاد بالعفو عليك السلام ففيك أضحى الظرف مستودعا ... (١) واستترت عنا عيون الكلام فاستعاروا بعض معانيه في الغزل بالمذكر وفي وصف الخمر، فمن المعاني التي اقتبسوها: ان الكأس تكون ثقيلة فإذا صبت فيها الخمر خفت، قال إدريس بن اليمان (٢) : ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت ان تطير بما حوت ... إن الجسوم تخف بالأرواح ومنها قول آخر في وصف كأس (٣) : هواء صيغ من ضد الهواء ... وشكل ماثل في شكل ماء إذا عاينته ملآن أخفى ... عليك إناؤه ما في الإناء وان مزجت به كأس تبدى ... كنوز الشمس في ثوب الهواء غير أن ما وصلنا من خمريات هذه الفترة ليس كثيرا، بحيث يكشف عن مدى أثر أبي نواس بدقة. أبو تمام أما أبو تمام فانه أعمق المحدثين أثرا في الشعر الأندلسي من حيث المبنى الشعري والشكل، ومن تأمل الشعر الأندلسي؟ في هذا العصر -

стр. 94

حق التأمل وجد مبدأ " حب الغرابة " أو الاستطراف هو الدافع القوي فيه، ثم يجيء المبنى بعد ذلك شديد الاعتماد على المطابقة ورسم المتقابلات المتضادة، وبلوغ درجه الإحالة في تصيد المعنى ومتفرعاته وظلاله، والاغراب بالاستعارة وان لم يكن هذا شائعا كثيرا، واستعارة النبت والماء في صور بعيدة عن حياة الطبيعة، وهذه الأخيرة من أشيع الصور عند أبي تمام. ومنها في الشعر الأندلسي قول محمد بن احمد بن قادم (١) : قف بربع البلى وربع الهموم ... واسفح الدمع فيه سفح الغيوم غيرت آية صروف الليالي ... ومحاها الغمام محو الرقيم ساء ما اعتاض بالسحائب من ... نبت المعالي بمنبت القيصوم فالأسى حين يعدم الشيء محمول ... على قدر جوهر المعلوم فقوله " نبت المعالي " استعارة تمامية، والبيت الأخير أحجية ذهنية كالأشياء التي يعرضها أبو تمام من هذا القبيل. وصورة واحدة هي:تعمم صلع هامات الربى "، قد أصبحت في هذا الشعر الأندلسي تدور دورانا غير قابل. ومن اغرب الأمور ان يكون شعر أبي تمام محركا في وصف الطبيعة الأندلسية، وأنموذجا للأندلسيين في هذا المقام، وبخاصة قصيدته التي يصف فيها الربيع ومطلعها: رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حلية يتكسر من ذلك قول أبي بكر ابن نصر الكاتب (٢) : انظر نسيم الزهر رق فوجهه ... لك عن أسرته السرية يسفر خضل بريعان الربيع وقد غدا ... للعين وهو من النضارة منظر وكأنما تلك الرياض عرائس ... ملبوسهن معصفر ومزعفر أو كالقيان لبسن موشي الحلى ... فلهن من وشي اللباس تبختر فالمشاركة ليست في المعارضة وحسب وإنما هي أيضاً في جزئيات

стр. 95

القصيدة كقوله " وقد غدا للعين وهو من النضارة منظر " فإنما هو ناظر فيه إلى قول أبي تمام: دنيا معاش للورى حتى إذا ... جلي الربيع فإنما هي منظر وشتان بين ما ذهب إليه أبو تمام من فهم لطبيعة الحياة وترجح الإنسان بين العمل والمتعة، وبين وصف الشاعر للربيع بأنه منظر. وكذلك تشبيهه الرياض بعرائس ذوات ملبوس معصفر أو مزعفر، يذكر بقول أبي تمام: مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغى وتمضر وكلام الشاعر الأندلسي أرق، وصورة أبي تمام أغرب. ولابن قلبيل البجاني أبيات يعارض بها قصيدة أبي تمام وهي (١) : ضحك الربيع بروضه وسميه ... وافتر عن نور أنيق يزهر فكأنه زهر النجوم إذا بدت ... وكأنها في الترب وشي أخضر وكأن عرف نسميها عند الصبا ... عرف العبير يفوح فيه العنبر ابن الرومي وفي وصف الطبيعة يلتقي أثر الرومي بأثر أبي تمام، وتبرز في الشعر الأندلسي تلك الفكرة التي ألح عليها ابن الرومي كثيرا، واستغل قضاياه المنطقية في إبرازها، أعني التناظر بين الأزهار وحجة بعضها في الفخر على البعض الآخر. من ذلك قول شاعر أندلسي (٢) : تعاير السوسان والجلنار ... والأقحوان الغض بين البهار مبتسما ذاك وذا موضحا ... عن حسن توريد بدا واستثار واستحكم الورد ببرهانه ... وانتحل الفضل معا والفخار ولسعيد بن محمد بن فرج أخي صاحب " الحدائق " قصيدة طويلة يرد

стр. 96

فيها على ابن في تفضيله النرجس جاء فيها (١) : عني إليك فما القياس الفاسد ... إلا الذي رد العيان الشاهد أزعمت أن الورد من تفضيله ... خجل وناحله الفضيلة عاند إن كان يستحيي لفضل جماله ... فحياؤه فيه جمال زائد والنرجس المصفر أعظم ريبة ... من أن يحول عليه لون واحد لبس البياض بصفرة في وجهه ... صفة كما وصف الحزين الفاقد وقد برزت روح المفاضلة والمناظرة بين الأزهار عندما شجع المظفر الشعراء على الإكثار من القول في أنواعها المختلفة ليطرح أشعارهم فيها للغناء، فمن قول صاعد البغدادي يفاضل بين البهار والنرجس (٢) : جمل الفضيلة للبهار بسبقه ... ولطالما خلف البهار النرجس أربى عليه طيبه ونسيمه ... لكنه عن نشره يتنفس كالحاجب الميمون شبه في العلا ... بابيه لكن فعل هذا أنفس ومن طريف الأمور ان المنصور كان قد سمى بناته بأسماء الزهور، فنظم الشعراء في وصف الأزهار قصائد تبين فضيلة كل نوع منها، وهم في هذا يحكون خصائص بنات المنصور نفسه (٣) . وأثر ابن الرومي أيضاً في طريقته التحليلية إلى حد كما نرى في قول احمد بن محمد بن فرج (٤) : بنفسي من يصد بغير ذنب ... سوى إدلاله ثقة بحبي عجبت لقلبه قاس كجسمي ... ويحكي جسمه في اللين قلبي فهلا بالتشاكل كان قاس ... لقاس، واغتدى رطب لرطب وان لم ينعطف باللين فظ ... فقولي بالقساوة: قلب صب

стр. 97

ابن المعتز أما ابن المعتز فان صوره المستمدة من الجواهر والأحجار الكريمة قد تغلغلت أكثر شيء في شعر الطبيعة الأندلسية، ونكتفي منها؟ وهي كثيرة - بهذا المثل الذي لحظه الثعالبي: وهو قول سعيد بن محمد بن العاص المرواني (١) : والبدر في جو السماء قد انطوى ... طرفاه حتى عاد مثل الزورق فتراه من تحت المحاق كأنه ... غرق الكثير وبعضه لم يغرق وانه مأخوذ من قول ابن المعتز: انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وصورة الشاعر الأندلسي فيها زيادة لطيفة، وهي أدق وأجمل موقعا من صورة ابن المعتز. وأضعف الشعراء تأثيرا في البيئة الأندلسية هو المتنبي، لشموخه في الطريقة الشعرية وفي حكمته الفلسفية، ولذلك قلما نجد محاولات واضحة للحاق بها مثل بعض معارضات ابن دراج القسطلي له في قصيدته الرائية (٢) : لبيك أسمعنا نداك ودوننا ... نوء الكواكب مخويا أو ممطرا وفيها نسج على منوال قصيدة أبي الطيب في مدح ابن العميد: باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى فإذا تذكرنا أن هؤلاء ليسوا كل المحدثين وان أشعارا كثيرة أخرى دخلت الأندلس وتأثر بها الأندلسيون فحاكوها أو تغنوا بها ملحنة أدركنا أن تأثير الشعر المحدث في الشعر الأندلسي لم يكن مظهرا عابرا أو قليلا، ولكن هذا التأثير لم يكن خيرا كله، فان ربقة التقليد خانقة تحول القابليات عن طريق الابتكار، ولو أن الأندلسيين نظروا من خلال

стр. 98

أنفسهم مثلا إلى شعر الطبيعة لاستغنوا عن مناظرات ابن الرومي وتشبيهات ابن المعتز الجامدة، ولاستوحوا بيئتهم في وصف الخمر، وهكذا. مجمل خصائص الشعر في هذه الفترة غير ان الأدب الأندلسي، قبل كل شيء، وليد البيئة الأندلسية، عنها تكون وتبلور وبها تعلق، وعليها دار، فإذا عز تبين الشخصية الأندلسية فيه، فما ذلك إلا لأن المتكأ الحضاري له كان مشابها للمتكأ الحضاري للأدب المشرقي، وهذه حقيقة كبرى تقرب بين الأدبين، تقريبا يكاد يطمس كثيرا من الفروق، أو يحجبها عن أعيننا. ويمكننا ان نجمل خصائص الشعر ومميزاته في الأمور الآتية: ١ - ظل الشعر في شكله العام طوال الفترة الأموية جافيا غير مصقول، يفقد كثيرا من الحلاوة التي يحسها القارئ في موسيقى الشعر المشرقي الجيد. ٢ - لم يتصل بثقافة عميقة لأن النهضة العلمية فيه لم تعش طويلا ولم تعمق جذورها في البيئة الأندلسية ولذلك ظلت السطحية تغلب على معانيه وموضوعاته التي يعالجها. ٣ - حاول ان يعمق الصورة؟ مقتفيا خطى أبي تمام - وقد نجح بعض الشيء ولكنه في كثير من الأحيان خرج بها إلى الإحالة. ٤ - اتكأ على نماذج من الأدب المشرقي - في أحوال كثيرة - فشغل بالمحاكاة عن الإنتاج الأصيل المبتكر.

стр. 99

٤ - طبقات الشعراء في هذا العصر ان من يقرأ كتاب تاريخ علماء الأندلس للفرضي أو الصلة لابن بشكوال يستطيع ان يرى كل عالم أندلسي منسوبا لبلده، وان يلمس كيف كانت البلاد الأندلسية مليئة بالمحدثين والقراء والفقهاء، وكثير منهم يستحق أن يرحل إليه ويؤخذ عنه. ولكن الأمر في الشعر غير واضح على هذا النحو: صحيح أننا نجد بين الشعراء الجياني والقبري والجزيري والريي والموروري ولكن هؤلاء كانت تجذبهم قرطبة إليها للاستيطان فيها اكثر من جذبها للعلماء، لان قرطبة منتجع رزق للشعر وموطن لظهور مواهبه. ويبدو انه كان من الممكن ان نتصور انتشار الشعر على مدى واسع في المدن الأندلسية حين نتذكر ان أحد المؤلفين كتب أخبار شعراء البيرة وحدها في عشرة أجزاء - كما يقول ابن حزم - وما نظن البيرة وحدها كانت تتميز بذلك! غير ان الشعر في تلك العصور مقترن بالعطاء ومراكز السيادة ولم يكن في ذلك العصر من مراكز السيادة ما ينافس قرطبة، إلا في فترات قليلة. وفي تلك الفترات كانت هناك " بحيرات " صغيرة أو جزائر من النشاط الشعري في بعض المدن الأندلسية.

стр. 100

ففي أيام الأمير عبد الله كان إبراهيم بن حجاج شخصية واسعة النفوذ باشبيلية حتى حاول الاستقلال عن الدولة، وأصبحت تلك المدينة تنافس قرطبة في اجتذاب الشعراء إليها، فقصدوه من كل وجه، وكان منهم ابن عبد ربه والقلفاط، ولكنا لا نعرف شيئا عن شعراء من اشبيلية نفسها. وفي تلك الأيام أيضاً ذلك النشاط الواضح للشعر في الصراع بين المولدين والعرب بمنطقة البيرة. وفي جبل شمنتان (سمنتان في المغرب) أقام عبيد الله بن أمية بن الشالية (الشمالية في المغرب) إمارة مستقلة أيام الأمير عبد الله أيضاً، وكان عبيديس بن محمد الشاعر مكثرا من مدحه واصفا لمبانيه ومغازيه ومن ذلك قصيدته التي هنأه فيها ببعض الفتوح وأولها (١) : جاء البشير بما عم السرور به ... عن الأمير أبي مروان في السفر قال ابن حيان في ذكر ابن الشالية: له أفضال على الشعراء والأدباء فلهم فيه مديح سائر وكان من أحمدهم لانتجاعه وأنطقهم بشكره عبيديس ابن محمود الشاعر، وشعره فيه كثير مستحسن (٢) . وكان عبيديس في أول أمره من جملة كتاب القصر بقرطبة وفي اول عهده كان مداحا للأمير عبد الله نفسه ثم هاجر إلى جوار ابن الشالية وفارقه حين أحسن بتغيره عليه ولجأ إلى ابن حفصون (٣) وله انتجاع إلى سعيد بن جودي أمير العرب ومدائح فيه (٤) . ذلك هو الأمر من حيث الرقعة المكانية. أما من حيث الزمن فيمكن أن نقسم شعراء هذا العصر في أربع طبقات (مع السماح بشيء من التداخل والمشاركة) : الطبقة الأولى: قدامى الشعراء من الذين عاشوا في عصر الولاة وأوائل

стр. 101

الدولة الأموية، ونميز من بينهم ثلاثة من المشهورين هم: جعونة بن الصمة أبو الأجرب الكلابي (١) ، شاعر فارس من العرب الطارئين على الأندلس كان يرحل ويحل بأكناف قرطبة وشعره بدوي الطابع ومن نماذجه قوله: ولقد أراني من هواي بمنزل ... عال، ورأسي ذو غدائر أفرع والعيش أغيد ساقط أفنانه ... والماء طيبه لنا والمرتع وكان أولا يهجو الصميل، فلما ظفر به الصميل عفا عنه، فأصبح مداحا له. وأقسم ممدوحه على نفسه ألا يراه إلا أعطاه ما حضره فكان أبو الأجرب يعتمد إغباب لقائه وكان لا يزوره لذلك الا في العيدين. وتوفي قبل حلول الدولة الأموية. وثانيهم أبو المخشي (٢) عاصم بن زيد، وهو أيضاً طارئ غريب من العباد، وهم نصارى الحيرة، ولذلك كان الشعراء يعيرونه بالنصرانية في هجائهم له. وقد أدرك الدولة الأموية ومدح سليمان بن عبد الرحمن الداخل فظن هشام بن عبد الرحمن انه يعرض به في بعض شعره فعاقبه عقابا شديدا، قيل انه قطع لسانه، والأصح انه سمل عينيه، ودليل ذلك انه يذكر العمى في شعره. وقد دفع له الأمير عبد الرحمن دية عينيه مضاعفة وأجازه بألفي دينار وعنف ابنه على فعلته، وعطف عليه هشام نفسه ودفع له دية أخرى مضاعفة. اما شعره في العمى فهو قوله: خضعت أم بناتي للعدا ... أن قضى الله قضاء فمضى ورأت أعمى ضريرا إنما ... مشيه في الأرض لمس بالعصا فاستكانت ثم قالت قولة ... - وهي حرى - بلغت مني المدى ففؤادي قرح من قولها: ... ما من الأدواء داء كالعمى وشعره من النسق البدوي ومن نماذجه الواضحة قوله: وهم ضافني في جوف يم ... كلا موجيهما عندي كبير

стр. 102

فبتنا والقلوب معلقات ... وأجنحة الرياح بنا تطير وقد مات أبو المخشي أيام الحكم به هشام وآخر شعره قوله: أم بنيات الضعيف حويلها ... تعول امرءا مثلي وكان يعولها إذا ذكرت ما حال بيني وبينها ... بكت تستقيل الدهر مالا يقيلها وثالث هؤلاء هو غربيب الطليطلي (١) وكان ذا حكمة ودهاء مشهورا بالفضل والخير ولذلك أسند إليه أهل طليطلة أمرهم، وكانوا ذوي أشر وطغيان واستخفاف بالعمال، فلم يكن الأمير الحكم يطمح فيهم وغربيب بينهم، حتى إذا مات أرسل إليهم فأوقع بهم، وكان الناس يتداولون من شعر غربيب هذه الأبيات: يهددني بمخلوق ضعيف ... يهاب من المنية ما أهاب وليس إليه محيا ذي حياة ... وليس إليه مهلك من يصاب له أجل ولي أجل وكل ... سيبلغ حيث يبلغه الكتاب وواضح من هذه الأبيات لم وصف غربيب بالفضل والخير يومئذ. الطبقة الثانية: شعراء عهد الأمارة (٢٠٠ - ٣٠٠) وأكثرهم من شعراء المؤدبين مثل عباس بن ناصح والقلفاط وعبيديس الكاتب ومؤمن بن سعيد. ومنهم من يقع الشعر لديه موقعا ثانويا كابن الشمر المنجم وعباس بن فرناس التاكرني (- ٢٧٤) وكان متفلسفا منجما صاحب نيرنجات واختراعات كمحاولته الطيران واتخاذه الزجاج من الحجارة وفك الموسيقى والعروض (٢) . ومع ان يحيى الغزال كان " عرافا " أيضاً فان الشعر أبرز أدواته، وهو أعلى من هؤلاء مرتبة. وقد أثبتنا له والمؤمن بن سعيد والقلفاط ترجمات في هذا الكتاب متخذين من هؤلاء الثلاثة ممثلين لعهد الأمارة. وفي هذه الفترة أيضاً تميز ابن عبد ربه وأدرك عصر الخلافة. وقد عد ابن حيان في المقتبس الشعراء الذين كانوا في عصر الأمير

стр. 103

عبد الله فذكر ابن عبد ربه ثم قال: وكان المصلي في حلبة الشعراء أيام الأمير عبد ربه بعد احمد بن عبد ربه، عبيد الله بعد احمد بن عبد ربه، عبيد الله بن يحيى بن إدريس الخالدي أحد بيوتات الشرف الموالين في هذه الدولة المروانية، وكان من سراة الناس وأدبائهم وعلمائهم، مال به طبيعه إلى صوغ القريض فأبدع فيه جدا، وجارى ابن عبد ربه فلم يبعد عن تجويده وكان يعارضه كثيرا في حسان قصائده ولا يقصر عن مداه (١) . وأدرك عبيد الله هذا عهد الناصر والحكم وله شعر كثير لم يصلنا. وعد ابن حيان أيضاً القلفاط وابن قلزم ومقدم بن معافي القبري وقاسم بن عبد الواحد العجلي وسعيد ابن عبد ربه وإسحاق المنادي وزيد بن ربيع الحجري وعفير بن مسعود راوية شعر عباس بن ناصح وغيرهم. واكثر هؤلاء أدرك عصر الخلافة أيضاً. الطبقة الثالثة: شعراء عصر الخلافة (٣٠٠ - ٣٦٦) وهم الذين علا نجمهم أيام الناصر والمستنصر. في هذا العصر كان يعيش احمد بن فرج الجياني صاحب كتاب الحدائق، وقد ذكر في كتابه هذا مختارات لمعاصريه ولمن كان قبلهم. ويمكن ان نستعيد جزءا من هذا الكتاب المفقود مما استخلصه منه الحميدي في الجذوة وابن سعيد في المغرب وابن الأبار في الحلة السيراء. وقد صرح الحميدي بنقله عن " الحدائق " في اكثر من تسع عشرة مرة في كتابه. ومن الشعراء الذين ذكرهم من عاش في زمن الناصر والمستنصر أخوان لأحمد بن فرج نفسه، وعبيد الله بن يحيى بن إدريس المتقدم الذكر، وعبيد الله بن إسماعيل بن بدر وإسماعيل بن بدر وإدريس بن الهيثم ومحمد بن قاسم بن وهب ومحمد بن قادم ومحمد ابن مسرور وألمه ماله (أي ذو النفس الرديئة) ومقدم بن معافي القبري. ومن يراجع ما أورده الثعالبي في اليتيمة من مختارات غزلية للشعراء الأندلسيين يدرك صلة هذه المختارات وصلة الشعراء الذين ذكرهم الثعالبي

стр. 104

بكتاب الحدائق، مما قد يدل على أن الثعالبي استغل هذا المصدر أو استغله له من أنشده هذا الشعر. ويلحق بهؤلاء المتقدم ذكرهم شعراء كثيرون منهم الرمادي وأستاذه أبو بكر بن هذيل. الطبقة الرابعة: شعراء الدولة العامرية وهم كثيرون ومن أشهرهم عبد الرحمن بن أبي الفهد وعبد الملك بن إدريس الجزيري والطليق والمصحفي والشبانسي وابن شخيص ومحمد بن مسعود الغساني ومحمد بن الحسين الطبني وعشرات غيرهم. وممن أدرك الدولة العامرية وجاز عهد الفتنة من أكابر الشعراء الأندلسيين: ابن دراج وابن شهيد وعبادة بم ماء السماء وابن الحناط وأبو المغيرة بن حزم وابن عمه الفقيه أبو محمد. وقد ترجمت لبعض هؤلاء الشعراء فيما يلي، إذ الترجمة لهم جميعا أمر غير عملي، وإنما أقدم نماذج فحسب.

стр. 105

تراجم الشعراء ١ - يحيى بن حكم الجياني الملقب بالغزال ٢ - مؤمن بن سعيد ٣ - القلفاظ ٤ - ابن عبد ربه ٥ - الرمادي

стр. 106

فراغ

стр. 107

١ - يحيى بن حكم الجياني الملقب بالغزال ١٥٦ - ٢٥هـ المطرب ١٢٥ - ١٤١، والجذوة: ٣٥١، والنفح ١: ٤٤٩، والمغرب ٢: ٥٧، وبغية الملتمس رقم: ١٤٦٧. كان عمره حين توفي عبد الرحمن الداخل ستة عشر عاما، ثم شهد عهد هشام بن عبد الرحمن (١٧٢ - ١٨٠) والحكم ابنه (١٨٠ - ٢٠٦) وعبد الرحمن الحكم (٢٠٦ - ٢٣٨) وصدرا من خلافة محمد بن عبد الرحمن، ويبدو انه ذكر في أرجوزته التاريخية فقال (١) : أدركت بالمصر ملوكا أربعه ... وخامسا هذا الذي نحن معه ومعنى ذلك انه عاصر كثيرا من أحداث الأندلس، وربما تمرس ببعض الحوادث، وكان عمره يوم الهيج الثاني لأهل الربض (٢٠٢) ستا وأربعين سنة، ولكن الأخبار عنه قبل مجيء عبد الرحمن بن الحكم إلى الحكم مجهولة على نحو غريب يبعث على الدهشة، وفي مطلع إمارة عبد الرحمن

стр. 108

عبد الرحمن زرياب إلى الأندلس وتقول الروايات ان الغزال لم يرتح إلى هذا القادم فهجاه هجاء مقذعا، لسبب لا ندريه، فغضب منه عبد الرحمن عندما شكاه إليه زرياب فأمر بنفيه عن الأندلس فكلمه فيه أكابر دولته فعفا عنه، وتضيف إحدى الروايات انه لم يطب نفسا بالمقام في بلده فهاجر إلى المشرق، بعيد وفاة أبي نواس، وانه أقام مدة يتجول في البلاد المشرقية ثم حن إلى وطنه فعاد وهو قد شارف الستين. ولكن ليس هناك من الأسباب المقنعة ما يجعلنا نعتقد صحة هذه الرواية أو أن الغزال رأى المشرق أبدا. وولاه الأمير عبد الرحمن قبض الأعشار ببلاط مروان واختزالها في الأهراء استجابة لرغبة عبر عنها في إحدى قصائده (١) . وفي ذلك العام ارتفعت الأسعار فباع الغزال كل ما لديه من مخزون، ثم نزل المطر ورخص الطعام، فلما علم الأمير بما فعله الغزال أنكره وقال: " إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد فماذا صنع الخبيث؟ خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما "، وأبى الغزال ان يدفع ثمن ما باعه وقال: " إنما اشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد " فأمر الأمير بحمله مقيدا وسجنه بقرطبة، ومن السجن رفع الغزال إلى الأمير قصيدته التي مطلعها: بعض تصابيك على زينب ... لا خير من الصبوة للأشيب وقد مدح فيها الأمير بالعدالة والهيبة فقال: من مبلغ عني إمام الهدى ... الوارث المجد أبا عن أب إني إذا أطنب مداحه ... قصدت في القول فلم أطنب لا فك عني الله إن لم تكن ... أذكرتنا من عمر الطيب وأصبح المشرق من شوقه ... إليك قد حن إلى المغرب

стр. 109

منبره يهتف من شوقه ... إليك بالسهل وبالمرحب أطربه الوقت الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يطرب هفا الوجد فلو منبر ... طار لوافى خطفة الكوكب إلى جميل الوجه ذي هيبة ... ليست لحامي الغابة المغضب لا يمكن الناظر من رؤية ... إلا التماح الخائف المذنب ثم تعرض لذكر الطعام وبيعه والمال الذي قبضه فقال: إن ترد المال فإني امرؤ ... لم أجمع المال ولم أكسب إذا أخذت الحق مني فلا ... تلتمس الربح ولا ترغب قد أحسن الله إلينا معا ... أن كان رأس المال لم يذهب وواضح من هذا كيف ان الغزال لا يستعمل التذلل للاستشفاع، وإنما يعتمد على شاعريته في المدح وعلى روحه الفكاهية. غير أن تأريخ هذه القصة بأنها حدثت في أيام عبد الرحمن مما يستدعي شيئا من التوقف، فإنا لا نعلم قحطا حدث في أيامه، لكن هناك مجاعة حدثت سنة ١٩٩هـ في أيام الحكم والد عبد الرحمن، فلعل للحكاية صلة بها، أو لعل هناك قحطا حدث في أيام عبد الرحمن نفسه ولم تحدثنا عنه كتب التاريخ، التي وصلت إلينا. ومن أخباره في أيام عبد الرحمن صلته بقاضيين أخوين من بلده جيان، وهما يخامر الشعباني وأخوه معاذ، أما الأول فقد ولي القضاء سنة ٢٢٠هـ، فعامل الناس بخلق صعب ومذهب وعر فانبرى له الغزال يهجوه ويصفه بالبله والجهل، ومن شعره يشير إليه (١) : فسبحان من أعطاك بطشا وقوة ... وسبحان من ولى القضاء يخامرا ثم ولي معاذ القضاء سنة ٢٣٢ وكان طيبا ولى أحباس قرطبة رجلا ظن فيه خيرا فخاب ظنه فقال الغزال (٢) :

стр. 110

يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولى امرءا؟ فيما يرى - من ذوي الفضل فديتك ماذا تحسب المرء صانعا ... فقلت وماذا يصنع الدب بالنحل يدق خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للذبان ما كان من فضل كان الغزال حينئذ قد تجاوز الخامسة والسبعين وتهكمه بالقاضي وصاحب الاحباس ممزوج بالحكمة. وفي هذه السن أو في قريب منها كان ما يزال يروح ويجيء إلى عبد الرحمن في قصره، وذات يوم دخل على الأمير فحياه هذا بقوله (١) : جاء الغزال بحسنه وجماله ... فطلب إليه ان يجيز فقال: قال الأمير مداعبا بمقاله ... جاء الغزال بحسنه وجماله أين الجمال من امرئ أربى على ... متعدد السبعين من أحواله أين الجمال له، الجمال من امرئ ... ألقاه ريب الدهر في أغلاله وأعاره من بعد جدته بلى ... وأحال رونق وجهه عن حاله وهي قصيدة طويلة، لم تبق منها إلا هذه الأبيات التي تدل على نسق جميل. سفارة الغزال إلى بلاد النورمان (أو إلى القسطنطينية) ومن أبرز الحوادث في حياة الغزال سفارته عن الأمير الأندلسي وقد قال ابن سعيد انه ذهب إلى ملك القسطنطينية (٢) ، وأول من دون خبر هذه الرحلة هو تمام بن علقمة، معاصر الغزال، في تاريخ له ألفه، وذكرها ابن حيان في كتاب المقتبس، وعن أحدهما، فيما يبدو، نقل ابن دحية شيئا من خبر تلك الرحلة مفصلا في كتاب المطرب ولكنه جعل
следующие страницы →