← Адаб

Адаб · id 1017

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

إحسان عباس

Полный текст (411 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

стр. 2

مقدمة حاولت في هذا الكتاب أن أتحدث عن السياب في إطار من الشئون العامة والخاصة التي أثرت في نفسيته وشعره، ولهذا آثرت طريقة تجمع بين التدرج الزمني والنمو (أو التراجع) النفسي والتطور (أو الانتكاس) الفني، فكان السياب الإنسان والسياب الشاعر معا دائما عل المسرح المكاني والزماني، ذلك لأني أرى أن هذه الطريقة توسع مجال الرؤية لدى القارئ لأنها تقدم له زوايا ثلاثا لا زاوية واحدة. وأنا أعلم أن كثيرا من الناس يضيقون ذرعا بالاحتكام المستمر إلى التاريخ، ولكن هؤلاء ينسون أن التاريخ صورة الفعل الإنساني والإرادة الإنسانية على الأرض، وأن دراسة الشعر على مجلى من الحقائق التاريخية لا تعني انتقاصا من سماته الفنية، خصوصا حين يتفق الدارس والقارئ على أن ذلك الشعر كان جزءا من الحركة الكلية في التطور الجماعي، بل كان عاملا هاما في تلك الحركة، ولم يكن كله تهويما في دنيا الأحلام الدانية. كذلك فان دراسة دخائل النفس لا تعني

стр. 3

تشخيص " المرض " لدى الفنان من اجل التحليل النفسي ذاته وإنما هي وسيلة لفهم طبيعة المنابع التي فاض الشعر عنها. وقد خضع السياب في وقفته التاريخية والنفسية لعوامل عنيفة تركت آثارا عميقة في شعره ومن كان لا بد لاستبانة تلك الآثار من دراسة تلك الوقفة في موكب الجماعة وفي عزلة الذات على السواء. وكل فصل للشعر عن ذلك الموقف قد يعرض الدارس للتجريد أو للأخذ بالعموميات. وقد بذلت جهدا غير قليل لأبرئ هذه الدراسة من التعميمات ومن انتحاء اللغة الشعرية الفضفاضة التي طغت على مناهج النقاد في هذه الأيام، ذلك لأني أومن إيمانا لا يدركه أي اضطراب بأنا حين نملك زمام الحقيقة نستطيع أن نعبر عنها بوضوح، وأننا حين نجد الحقيقة غائمة في نفوسنا نلجأ إلى المجازات، وأدهى من ذلك أن لا تكون لدى الناقد " حقيقة " يريد أن ينقلها إلى الآخرين فيهيم وراء عبارات شعرية سابغة الذيول يجرجرها لإثارة الغبار

стр. 4

ظانا بذلك ان تصاعد الغبار وحده كاف للدلالة على الفارس والفرس. وكذلك فإنني تعمدت ألا أمنح الشاعر الذي أدرسه نصيبا من المستوى الفكري والإنساني والنضالي اكبر مما يستطيع شعره نفسه أن يصوره لأني أكره أن أمنح أي شاعر " مركبا " فكريا لم يدر في خلد ولا يمكن أن يستنتج من شعره. وفي مثل هذه الدراسة المطولة تصبح المقارنات عبئا غير صغير، رغم إنها مفيدة في توسيع الآفاق وتوجيه الأنظار إلى المعالم المشتركة والمظاهر الهامة، ولكني لست ادرس الشعر الحديث في هذا الكتاب وإنما أحاول التركيز قدر المستطاع على شعر شاعر واحد هو السياب، ولهذا وحده لم يلجأ إلى المقارنات إلا نادرا. وكنت اعد هذه الدراسة لتظهر قبل هذا الوقت بكثير، إذ كان معظم مادتها جاهزا ليدون في فصول قبل سنتين تقريبا. ولست احب أن اثقل على القارئ بالحديث الذاتي عن الشئون العامة والخاصة التي حالت دون ما أملت، وبعض تلك الشئون قد جعلني؟ فترة من الزمن

стр. 5

أشك في قيمة أية دراسة نظرية وأنا مشتت النفس تحت دوي الدعوة الملحة إلى الكفاح العملي المصيري؛ يكفي أن أقول أن كتبا ومقالات كثيرة ظهرت عن السياب في أثناء ذلك، وقد طالعت كل ما وصل إلي منها مطالعة مستفيد، ولمنها كانت متفاوتة في قيمتها وفي منحاها: فبعضها تأبيني لا تتطلبه هذه الدراسة، وبعضها نقدي إلا أنه لا يتلاءم والمنهج الذي اخترته، وبعضها أخباري ولعله كان أكثرها نفعا لأنه يقوي أجزاء الصورة التي أبنيها أو أضيف إليها. وكثيرا ما وقفت وأنا اكتب هذا البحث لألقي على نفسي هذا السؤال: لماذا أتصدى لكتابة ما يحسنه كثيرون غيري؟ ممن عرفوا السياب وعاشروه - اكثر مما أحسنه؟ ثم تتضاءل حدة السؤال حين أذكر أن كثيرا من أولئك الناس لم يضنوا علي أبداً بجميع الوسائل والأدوات التي تمكنني من القيام لهذا العمل بل قدموها إلي راضين مشجعين. ولولا الشهادات الشفوية والوثائق الخطية التي حصلت عليها لم يتح لهذه الدراسة ان تتم على هذا الوجه

стр. 6

فأنا مدين بواجب الشكر لعدد كبير من الأصدقاء: وفي طليعة هؤلاء، الشاعران: الأستاذ خالد الشواف والأستاذ علي أحمد سعيد (أدونيس) والدكتور سهيل إدريس فانهم جميعا قدموا لي ما في حوزتهم من رسائل السياب؛ وتلطف الأستاذ الشواف من بينهم فأرفق الرسائل بملاحظات تفسيرية قيمة، ونزولا على رغبته الكريمة أغفلت التصريح بأسماء من كان السياب يتغزل بهن، كما أغفلت ذكر أسماء أشخاص كان يشير إليهم في تلك الرسائل، ولم أخالف هذه الرغبة إلا مرة واحدة حين ذكرت اسم محبوبته الريفية؛ والأستاذ محمد علي إسماعيل صديق السياب الوفي، والأستاذ نجاح السياب إذ سمحا بتصوير ما لديهما من قصائد للسياب لم ينشر بعضها. والأساتذة: الشاعر الكويتي علي رفيق السياب في فترة استشفائه بالكويت، والدكتور عبد الله السياب ومصطفى السياب شقيقا المرحوم بدر، وعبد اللطيف السياب ابن خاله الذي كان رفيقا له في المرحلة الدراسية بالبصرة، فإليهم يعود

стр. 7

الفضل فيما تجمع لدي من شهادات شفوية؛ ومحمود يوسف الذي سمح باستنساخ دفتر يحتوي عددا من الموضوعات الإنشائية بخط السياب؛ ومحمد عبد الجبار المعيبد مدير ثانوية القرنة لأنه أذن بتصوير قصيدة " فجر الإسلام " من نسخة محفوظة بمكتبته؛ والصديق عبد الرزاق الهلالي الذي أرسل إلي نسخته الخاصة من كتاب الأستاذ عبد الجبار البصري عن السياب، والصديق الأديب خضر الولي الذي أمدني بعدد غير قليل من المؤلفات العراقية وخاصة كتاب الأستاذ محمود العبطة المحامي. ولست أنسى الجهد المشكور الذي بذله صديقي الحميم الدكتور محمد الصفوري والأستاذ حسن عباس في استيفاء بعض المعلومات اللازمة عن مرض السياب وعن فترة إقامته الأخيرة في الكويت. وأخيرا لا آخرا فان هذه الدراسة مدينة بأكبر الفضل لشباب ضحى في سبيلها بقسط كبير من راحته ووقته وهو يجمع المادة اللازمة متنقلا بين بغداد والبصرة، اعني ابن

стр. 8

أختي البار الوصول السيد فتح الله احمد عباس الذي لولا جده وحماسته في الجمع والتقيد وتصوير الأصول الخطية والمنشورة في الصحف، ومقابلته لكل من يستطيع أن يمده بمعلومات عن الشاعر الراحل لم أستطع أن أقوم بعبئها. إن المعاونة الكريمة التي تلقيتها من هؤلاء الأصدقاء جميعا كانت عاملا هاما في إنجاز هذا البحث، وقد كنت أحس انهم قد أولوني ثقتهم حينما بذلوا ذلك العون، وكل ما أرجوه أن يكفل هذا الكتاب الحفاظ على تلك الثقة الغالية، فإنها طريق إلى مزيد من الثقة لدى سائر القراء، والله الموفق. بيروت في ٢٠ نيسان ١٩٦٩ إحسان عباس

стр. 9

- ١ - البحث عن النخلة

стр. 10

- ١ - أحجار جيكور على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة تقع " أبو الخصيب " التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى، من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة تقع على ما يسمى " نهر أبو فلوس " من شط العرب وتدعى " جيكور "، تسلك إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب، وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بقيع (بكيع) وكوت بازل؟ قرى ذات بيوت من اللبن أو الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي، فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، وعند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل امرئ يعمل في الزراعة، ويشارك في الحصاد والدارس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج أو الأبقار، ويجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر والبن والشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى " الوجاهة " فلا بأس أن

стр. 11

يفتح " ديوانا " يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية. واكثر سكان جيكور إن لم نقل جميعهم ينتمون إلى عائلة واحدة هي آل " السياب "، وتمتد منازل بعضهم إلى بقيع حيث تجاورهم عائلات أخرى تربطهم بها صلة المصاهرة، أما كوت بازل فان آل السياب ينظرون إليها بنوع من الشنآن الناجم عن أحقاد وترات قديمة، ولذلك كانت الروابط بينها وبين جيكور واهية أو عدائية. وحين ندرس مواقع هذه القرى الثلاث في شعر بدر نجد كوت بازل؟ للسبب المتقدم - ممحوة مطموسة المعالم، ونجد " بقيع " باهتة تتضاءل أمام لألاء " جيكور: التي كانت منزلا لجد السياب لأمه، ففيها نشأت أمه " كريمة "، واليها كانت تتردد حتى ادركتها الوفاة. وحين زفت كريمة إلى شاكر السياب؟ وهما ابنا عم - انتقلت من جيكور إلى بقيع وعاشت في البيت الكبير؟ بيت العائلة أو بيت الجد - عبد الجبار مرزوق السياب - وأبنائه عبد القادر وشاكر وعبد المجيد واخواتهم، وهو بيت أساسه مبني بالطابوق وسائره بالبن، وواجهته الشارعة على المجتمع القروي " ديوان " يفي الناس إلى ظله حيث يرتشفون القهوة والشاي ويتبادلون الأحاديث المختلفة، ويتناقلون الأخبار، وفي أمسيات رمضان يتحلقون حول قارىء أو رواية يقص عليهم قصة فتوح الشام أو يقرأ في سيرة عنترة أو غيرها من " ملاحم " شعبية تغذي مشاعر الريفيين، وتنقلهم من عالم الكدح وراء الرزق إلى دنيا البطولات؛ وكثيرا ما كانوا ينصتون إلى حديث مرزوق السياب (جد شاكر) وهو يتحدث اليهم عن نابليون الثالث وعن العرب في إيران وعن موضوعات أخرى أصبحت شريطا طويلا من الذكريات التي لم تفارق مخيلة والد الجد في سن كبيرة (١) . ولو أتيح لك أن تزور ذلك

стр. 12

" الديوان " في أعقاب ١٩٣٠ لعلق نظرك بثلاث صور بين الصور الكثيرة التي كانت تزين الجدران هي صورة كل من أبي التمن وسعد زغلول وكمال اتاتورك، وهم جميعا يعدون طلائع حركات تحريرية أو على الأقل ما كان يعرف بالحركات التحريرية في ذلك الأوان؛ واذن لوجدت أن جو الديوان لا يعلق برائحة البن والشاي وحدهما، وإنما يتموج فيه دخان نقمة على الاحتلال المقنع بقناع الاستقلال، وميل إلى الثورة على الظروف السائدة. وكان اللسان المعبر عن تلك النقمة هو عبد القادر السياب، أكبر الاخوة من أبناء عبد الجبار، ولذلك فانه سرعان ما وجد نفسه عضوا عاملا في حزب سري، أطلق أعضاؤه على أنفسهم أسم " الحزب اللاديني " واخذوا يعقدون اجتماعاتهم في ذلك " الديوان " نفسه، وينشرون مقالاتهم في صحيفة لبنانية اسمها " الشمس " (١) . ورزق شاكر وكريمة ثلاثة من البنين وبنتا واحدة توفيت كريمة بعد وضعها ثم لحقتها الطفلة بعد قليل (سنة ١٩٣٢) ، فلم ينعم بدر؟ وهو ابنها الأوسط بين عبد الله ومصطفى - في ظل أمومتها إلا قرابة ست سنوات (٢) ، كان في أثنائها شديد التعلق بها، يصحبها كلما حنت إلى أمها في جيكور فخفت لزيارتها، أو قامت بزيارة عمة لها تسكن عند نهر " بويب " ولها على ضفته بستان جميل، يحب الطفل ان يلعب في جنباته أو يقطف من ثماره في ابان الثمر؛ وكثيرا ما كانت الام تذهب إلى أرض والدتها الواقعة على بويب أيضاً، فكان عالم الطفل الصغير يومئذ هو تلك الملاعب التي تمتد بين أحياء جيكور ومزارع بويب، وربما بقي هذان المكانان نصيبه من الحياة حتى النهاية، فبينهما غزل خيوط عمره وذكرياته وأمانيه، ومزج ثراهما بدموعه، وفي أعماق قلبه

стр. 13

حفر لهما صورة لا تنسى، وكان كلما مضى يشق دروب الحياة مثلا أمامه شاخصين يوهنان من عزمه ويردانه إلى الماضي ويجرانه إلى حلم طويل. وكان مما زاد في تعلقه بهما انه دفن في ثراهما أمه، فأصبح هذان المكانان هما الطبيعة - الأم، مجازا وحقيقة، وازداد إمعاناً في توثيق الوشائج بين قلبه وقلبيهما حين خيل إليه أن أباه قد أساء إلى علاقة مقدسة بزواج ثان، وشغل بزوجه الجديدة عن أطفاله، فدفع بالطفل إلى مزيد من التعلق بعرق الثرى، وفترت علاقته بوالده الذي يمثل الجحود والعصا وصوت المؤدب، ومضى يبحث عن أمه فوجد صورتها وقلبها الطيب في جدته التي تعيش في جيكور، وهكذا تضاءلت صلته ببقيع، فلم يكن يذهب إلى بيت أبيه إلا لماما، وكان أبوه يعتد هذا جفاء وإعراضا، لأنه كان يرجو لو أن أولاده ظلوا في كنفه وكنف " أمهم " الجديدة. ولجيكور ميزة أخرى على بقيع لأن الطفل يحس كلما ذهب إليها انه منفرد أو كالمنفرد بعطف جدته وحنانها، أما بقيع فليست هي تجسيدا لزوجة الأب وحسب، بل أن بيت العائلة فيها يعج عجيجا بالناس من كبار وصغار ويلتقي فيه ثلاثة، وتحنو فيه كل أم على أطفالها، دون أن تجد متسعا في قلبها لطفل غريب، ويكبر الشعور في نفس الطفل؟ في ذلك الدور الغض - بأنه محروم مطرود من دنيا الحنو الأمومي، ولذا فهو يفر من بقيع فراره من الوحش الهائل الذي يكاد ينشب فيه مخالبه، وينأى عن ذلك الصخب الكثير، إلى طرفة تدسها جدته في جيبه، وقبلة تطبعها على خده، وابتسامة تنسيه ما يلقاه من عنت أو عناء. والصخب يشتد في البيت الكبير الذي تتلاقى فيه الأجيال المتفاوتة

стр. 14

حين تضيق الحال المادية بين أهله، ولا يجد الفرد فيه متنفسا لأحزانه وآلامه سوى التسخط على هذا التصرف أو ذاك، والحنق على هذا الشخص أو ذاك، ويصحب ذلك من شئون الصراخ و " النتر " ما يؤذي شعور طفل مرهف الإحساس؛ وقد كان آل السياب يعدون في بقيع ثالث ذوي الأملاك، وكانت أملاكهم مشتركة فيما بينهم يتقاسمون غلتها، ويقول بدر: " لقد تحدرت من عائلة تملك بستانين للنخيل يشتغل فيها فلاحون يتقاضون الثمن من النتائج " (١) ، ولكن هذا القول يشير إلى بقية " عز " قديم، إذ أن العائلة بعيد أن جاء بدر إلى هذه قد تورطت في مشكلات كثيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل؛ وحين كان بدر في صباه الباكر كان والده لا يملك شيئا ولا يعمل شيئا وإنما يعتمد في رزقه على أخويه. وكل ذلك ينبئ عن أن الضيق المادي في العائلة الكبيرة؟ وهو ضيق متدرج حتى نشوب الحرب العالمية الثانية - كان يخلق النكد في جو البيت، ويؤدي إلى إهمال الأطفال أو التقصير في تلبية مطالبهم، ولهذا كان بيت الجدة في جيكور ارحب صدرا وأوسع أكنافا وابعد - نسبيا - عن شئون النكد والتنغيص. غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات الطفولة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم " جيكور " على القريتين، إذ ليست " بقيع " في واقع الحال الا حلة من جيكور، وقد دعاه الشاعر في إحدى قصائده المتأخرة " بيت الاقنان " وجعل عنوان القصيدة عنوانا لديوان كامل، وهي تسميه غريبة حقا، سنرجئ الحديث عنها، لنتولى القول فيها حين يحين

стр. 15

موعدها، ولكن لا بد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام ١٩٦٥ وكان مما قالوه في وصفه: " البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور (!) البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير حصن كتب عليه بالطباشير اسم: عبد المجيد السياب، وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية؟ كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة؟ أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفهم " (١) ؛ لقد انتصرت المدينة على القرية، رغم مقت بدر لهذا الانتصار، ولكنها سنة الحياة وشرعة الإنسان الذي تعود أن يطلب الرزق عند تزاحم الأقدام.

стр. 16

صورة

стр. 17

صورة السياب سنة ١٩٣٤

стр. 18

- ٢ - صورة وذكريات غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبرز " الضبة " العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عمل اقتسامي، وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه " الحنطي " فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة، وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين. ولو حفظ المرء حكمة " ضمرة بن ضمرة " التي يقول فيها: " إنما المرء بأصغريه، وإن لا تكال بالقفزان " وكررها على نفسه عشرات المرات، لم تغنه شيئا كثيرا عما يعتقده الناس إذا هم طالعوه منظره، وخاصة حين يبكون الأمر بحثا عن الطريق الموصلة إلى قلب المرأة. وقد كان من شقاء بدر الذي ورث الضعف الجسماني عن أبيه أن انفق حياته القصيرة منذ أدرك الحلم إلى أن مات، وهو يبحث عن القلب

стр. 19

الذي يخفق بحبه، دون أن يجده، وكان افتقاره إلى الوسامة هو القفل المصمت على القلوب العديدة التي حاول ان يفتحها، وكم استأنس بومضة عين، ونسخ من شعاعها قصة حب يخدر بها اخفاقه، ولكنه كان في قرارة نفسه واعيا بأن الحب في كل مرة كان من جانب واحد. وشوشة المراهقة في أذن بدر وحسيسها وهي تنساب في أعصابه، وألسنة لهيبها وهي تحرق زرع سكينته، هي التي جعلته يميز أبعاد الألم والحرمان والاخفاق، ويستسلم إلى السوداوية والدموع والحسرة واللهفة. غير أن المراهقة تمثل نهاية وبداية؟ نهاية لما قبلها وبداية لما بعدها؛ ومن الخطأ ان تتجاوز سنوات الطفولة والصبا الأول بهذه السرعة لنركز القول في الفترة المراهقة وما بعدها. لكن من يدرس حياة بدر يضطر إلى ذلك لأن الذين عايشوه لم يعودوا يذكرون منه إلا الشاعر المشهور؛ وهو نفسه حين يعود إلى ماضيه الأول لا يتذكر إلا أمورا بارزة منها فقد الأم وزواج الأب من امرأة أخرى؛ وفي إحدى الرسائل يقول السياب انه حرم عاطفة الأمومة وهو ابن أربع (١) ، غير ان أخاه مصطفى يذكر ان والدتهما توفيت سنة ١٩٣٢، فإذا لم يكن الأمر سهوا من مصطفى فان " تصغير " بدر لسنه يدل على إمعانه في إثارة الشفقة على حال قلوب عارفيه. ويذكر بدر من أيام طفولته الأولى كيف بكى حينما قتل أحدهم كلبة ذات جراء وكان اكثر ما أبكاه منظر جرائها اليتامى؛ كما يذكر عطفه على زنوبة التي كانت تخدم في منزلهم حين سرقت حفنة من أرز، واكتشف أهله سرقتها، فنثروا الأرز في إحدى الغرف، وطلبوا إلى زنوبة أن تذهب لكنسها، فلما رأت الأرز علمت أن أمرها قد افتضح (٢) . وتشمل ذكرياته أقاصيص جده؟ على نحو مبهم - وقصص

стр. 20

العجائز من عمة وجدة وغيرهما، ومن أقاصيصهما حكاية " عبد الماء " الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر وتزوجها، وأنجبت عددا من الاطفال، ثم رجته ذات يوم ان تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، ولكنها لم تعد، فاخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثير عاطفتها نحو اطفالها، ولكنها أصرت على البقاء، وأخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم (١) . كذلك تشمل ذكرياته لعبة على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في " بقيع " يختلف عن سائر البيوت، في ابهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظرة في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل؟ وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف والزجاج الملون - وكم وقف يرقب تلك الشرفة التي تمثل الثراء والجاه بعين الفقير المحروم، من يدري لعل ابنة " الجلبي "؟ ذلك الزعيم الإقطاعي - تطل منها: ثلاثون انقضت وكبرت، كم حب وكم وجد ... توهج في فؤادي؛ ... غير أني كلما صفقت يدا الرعد ... مددت الطرف ارقب ربما ائتلق الشناشيل ... فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي (٢) . ... لكن ابنة الجلبي لم تطل ولم تقبل؛ ترى أكان للجلبي ابنة ام أن أحلام بدر خلقتها دمية تعبد دون أن ترى؟ أما عهده المدرسي في مدرسة باب سليمان الابتدائية بأبي

стр. 21

الخصيب، ثم في مدرسة البصرة الثانوية حتى ١٩٤٢ فليس لديه عنهما الشيء الكثير من الخبر؛ ويفهم من كلام صديقه الوفي محمد علي إسماعيل انه قال الشعر وهو في المرحلة الابتدائية، وكانت قصيدته وصفا لمعركة القادسية، وقد حمله المدرس على ذراعه حين اخذ يلقيها (١) ؛ ولعله في هذه المرحلة من العمر، وهو يستشرف أحد الامتحانات، نذر شمغة " لصاحب الزمان " إذا هو نجح في الامتحان، فلما تحقق له مراده وحانت ليلة الثامن عشر من رجب، لم يكن معه فلسان يشتري بهما الشمغةالمطلوبة، وخشي من ان يخبر أهله بنذره لان النذر مما يقوم به النساء لا الرجال، وتفتق ذهنه عن ابتكار جديد، فقد احضر زجاجة فارغة وملأها بالنفط، ثم اخذ قطعة من القماش وضع فيها فتيلة ركبها في القنينة، وسد فوهتها بعجم التمر، ثم أوقدها وطرحها في الماء (٢) . وفي المرحلة الثانوية بالبصرة سكن في محلة مناوي الباشا، ونظم قصيدة يحن فيها إلى جيكور، وكان محمد علي إسماعيل يساكنه فترة من الزمن، ويذهبان كل جمعة إلى ابي الخصيب، ومرة وجد أزهار الدفلى قد يبست فنظم قصيدة مطلعها: لفح الأوام ازاهر الدفلى ... فذوت كما يذوي سنا المقل (٣) وكان شديد الاحتفال بهذه القصيدة، يتغنى بها وينشدها لاصدقائه، حتى لنه عاد إليها سنة ١٩٤٤ فزاد فيها الأبيات التالية (٤) :

стр. 22

لرجوت لو دامت غضارتها ... وصل التي وعدت فلم تصل وقد كان وشك ذبولها أجلا ... للملتقى ففجعت بالأجل ولكنت آمل أن اقبلها ... واعب خمرة حسنها الثمل أما وقد ذبلت فلا أمل ... لي بالقاء فكيف بالقبل غير انه؟ فيما يبدو - لم يحتفظ بشيء من هذه القصائد الأولى، وأقدم قصيدة مؤرخة من شعره تحمل تاريخ ١٩٤١، حين كان في ثانوية البصرة، وعنوانها " على الشاطئ " ومطلعها (١) : على الشاطئ أحلامي ... طواها الموج يا حب وفي حلكة أيامي ... غدا نجم الهوى يخبو عزاء قلبي الدامي ... وهي ركيكة النسج، فاستبقاؤها وحذف ما قبلها لا يثني بخير كثير على همهمات فترة القرزمة، وقد كتب بدر في نهايتها عبارة اعتذارية خشية من النقد فقال: " أتسجل هنا ما قلته في سن الخامسة عشرة؟ ". على ان القصيدة فيها جميع المواد التي كان علي محمود طه المهندس يصنع منها قصائده: فيها الفجر والشاطئ والأحلام وموكبها والموج والزورق والتسبيح وما إلى ذلك.

стр. 23

- ٣ - بواكير الشعر يمكن أن يقال أن شاعرية بدر تفتحت مع بداية الحرب العالمية الثانية، غير متأثرة أو منفعلة بها، وكانت تلك الحرب قد فاجأت الحركة الشعرية في جميع أنحاء العالم العربي، وهي تنقلب على مهاد الأحلام وتسبح في الأضواء والعطور؛ كان محمود حسن إسماعيل قد بنى كوخه الريفي الجميل فجذب إليه كثيرا من الشبان الناشئين الذي يحبون البساطة ويؤئرون الحياة الريفية، وكان المهندس يتنقل تائها في زورقه بين عوالم تتدفق فيها الفتنة ويعج فيها السحر؛ وكانت قصائد هذين الشاعرين قد أصبحت نماذج تستهوي من يحاول ان يعزف على القيثارة الشعرية؛ وربما لم ينازعهما ثالث هذه المكانة، وان استطاع أنور العطار أن يستميل إليه عددا غير كثير من أنصار طريقته. ولم تكن تلك الموجة الرومنطقية هربا من الحرب لأنها كانت راسخة الأصول قبل ذلك، ولا كانت تمثل مفارقة صارخة مع الحرب نفسها، لأننا حين ننزع عن عيوننا غشاوة التقليد ندرك أن الحرب لم تكن تمثل لدى الأمة العربية قضية إنسانية بين الظالم ومظلوم، وإنما كانت في البداية صراعا بين قوى الطغيان من الجانبين، فإذا اندحرت فيها بريطانيا لم تتحطم حضارة لتسود في موضعها همجية ضارية، ولم تهو مثل عليا ليحل محلها بناء لا أخلاقي؛ بل كان العرب قد عرفوا من

стр. 24

طغيان السياسة البريطانية ولا أخلاقياتها ما لم يعرفوه بالتجربة في التسلط الفاشي أو النازي، وما كان حديث ثورة الفلاحين في فلسطين (١٩٣٦ - ١٩٣٩) ببعيد عن الأذهان يومئذ. ثم ان الأمر أدق من هذا بالنسبة للعراق أولاً ولبدر شاكر السياب ثانيا: أما العراق فقد حاول في حركة رشيد عالي الكيلاني تحدي بريطانيا وموالاة المحور، ورغم أن تلك الحركة كانت قصيرة الأجل فإنها كانت تجد التأييد الكامل لها في نفوس الفتيان الناقمين على السياسة البريطانية في البلاد العربية؛ ولهذا عدت ثورة الكيلاني انتفاضة قومية، ذات غاية تحررية، وأما السياب فقد فتح عينيه على دنيا الشعر في أعقاب فترة سئم الناس فيها في العراق مواعظ الرصافي باسم الشعر الاجتماعي ومنظومات الزهاوي باسم الأفكار العلمية؛ وكانت الرومنطقية هي اللون الجديد المستطرف حينئذ؛ وهي الغذاء الذي يناسب فتى مثله في تلك السن الموشعة لالاحلام والآمال: عن طريقها تستطيع حساسيته المسرفة ان تتشكل، ومن خلالها يستطيع أن يعكف على العناية بنفسه إذا أهمله الناس. وكان العام المدرسي (١٩٤٢ - ١٩٤٣) وهو آخر مرحلة في ثانوية البصرة من أحفل الأعلام بالشعر، ولهذه الظاهرة أسباب عديدة، منها شعور بدر بأن الشعر لم يعد يتليا بالنغمات والقوافي، وإنما اصبح قدره الذي لا محيد عنه، فهو في السادسة عشرة من عمره يحس انه لا يجد أمن نفسه ولا طمأنينة روحه إلا في حمى الشعر؛ والمدرسة تشجع على الشعر وتعقد بذلك المباريات، وتقرر الجوائز، وحوله من رفاق الدراسة عدد من الشعراء يتنافسون تنافسا وديا في عرض نتاج قرائحهم، ومن هؤلاء صديقاه محمد علي إسماعيل (أو السماعيل كما يكتبه السياب في رسائله) وخالد الشواف، وقد اضطر خالد أن يغادر البصرة إلى بغداد دون أن يكمل فيها السنة النهائية وبعض التي قبلها لأن والده

стр. 25

نقل إلى منصب قضائي ببغداد، وأخذ الصديقان يتراسلان، ويكملان العهد الشعري في البصرة بتبادل القصائد التي كانت تجد، ضمن رسائلهما، وكانت قصائد خالد من الحوافز على المعارضة، كما كان لآرائه النقدية أثرها في توجيه بدر؛ كان خالد يرى في تلك السن أن من شاء لنفسه الإعداد الشعري الصحيح ركب الصعوبة دون تهيب وبنى قصيدته على قافية واحدة، ولهذا نصح صديقه بأن لا يبني القصيدة على قواف مختلفة، فرد عليه بدر يقول: " قد والله تأثرت كثيرا بنصائحك فأخذت أحول بعض قصائدي من قواف مختلفة إلى موحدة القوافي.. " (١) وسماء أراعى بدر هذه النصيحة أم لم يراعها في المستقبل القريب، فأنها مفتاح لمظاهر كثيرة في شعر بدر. كذلك انتقده خالد في بعض الجزيئيات كقوله في مطلع قصيدة " الخريف ": قاد الخريف مواكب الأيام ... فالمدح ناي في يد الانسام وليست رسالة خالد التي ورد فيها هذا النقد متوفرة لدي، ولكن يبدو أن نقده انصب على فقدان العلاقة بين " مواكب الأيام "، وبين " فالدوح ناي " فرد السياب بقوله: " والذي جعلني أقول هذا المطلعهو بعض الحذف الذي جرى على القصيدة عند إلقائها إذ كان مطلعها " قاد الخريف مواكب الأنغام " (٢) ، وهو اعتذار مضحك؟ كما ترى - والسر في الأمر أن " مواكب الأيام " أصح من الناحية الشعرية ولكنها أن بقيت كذلك لم تبق من علاقة بين الشطرين، ولهذا جعل بدر هذا الشطر في المجموعة الشعرية التي لم تطبع: " رقص الخريف بفائض الأنغام " ولا يخفى أنه شطر أشد قلقا من ذي قبل، ولفظة " بفائض " ترك مكانها خاليا ثم أثبتت من بعد، وكل ذلك يدل على مقدار ما عاناه الشاعر في سبيل ان يسلم بيته من النقد.

стр. 26

وتصلح فذه القصيدة نفسها نموذجا لبعض الاصطلاحات التي كان السياب يتناول بها قصائده، فهذا البيت: ولعلها رأت المروج أمامها ... عريانة من ثوب عشب نام يصبح: ؟؟؟؟؟؟. ... قد جردت من برد عشب نام ولا ريب في أن كلمة " جردت " قد أكدت فيه معنى السلب؛ وهذا البيت: فهوت تنبهها ولكن لا يعي الأموات لحن الحب والتهيام ... قد أصابه تغيير كثير فأصبح: فهوت تشاركها الأسى وتبثها ... أشجانها قبلا ولحن هيام والتغيير يدل على انتقال من فكرة إلى أخرى مغايرة. وثمة حادثة في هذا الدور كان لها أثرها البعيد في نفسية بدر، وهي فجيعته في صيف ١٩٤٢ بفقد إحدى جدتيه: " أفيرضى الزمن العاتي.. أيرضى القضاء أن تموت جدتي أواخر هذا الصيف، فحرمت بذلك آخر قلب يخفق بحبي ويحنو علي.. أنا أشقى من ضمت الأرض " (١) . ولم يرفق بهذا التفجع قصيدة في رثائها، وإنما ارفق به قصيدته " في الخريف " التي تقدم الحديث عنها وقصيدة أخرى بعنوان " يوم السفر " مطلعها: من لقلبي على القدر ... قضي الأمر بالسفر ثم عاد بعد خمسة أسابيع فكتب إلى صديقه رسالة ضمنها رثاءه لجدته (٢) :

стр. 27

أسلمتني أيدي القضا للشجون ... إذ قضى من يردني لسكوني وهي قصيدة " صبيانية " تماما في اكثر ما يحاوله الشاعر من معان وصياغة، كأن يقول: رفعوا نعشها ونحن حيارى ... فاستفاضت نفوسنا بالجنون لوددنا لو استطل الدجى أو ... رجع الفجر عودة المستكين فبكائي على الحبيب بليل ... وهو قربي والدمع ملء جفوني كان خيرا من الوداع صباحا ... وحبيبي اغتدى بركب المنون ولا يرتفع سائرها عن هذا النسق، وذلك أمر لا تفسير له إلا أن بدرا لم يستطع إن يتمثل تجربة الفقد لهولها وقسوتها فهوت شاعريته تحت وطأة ثقل ولا يستطيع الاضطلاع به، وإذا كان فقد جدته لم ينجب شعرا رثائيا صالحا، فانه عمق لديه منابع الحزن، وأشعره من جديد بحاجته الملحة إلى الحب والحنان؟ كان قد مضى عليه بضع سنوا وهو يتفرس في كل وجه جميل يلقاه لعله يصرخ مثلما صرخ ارخميدس: " وجدتها! " وكان يتحدث في قصائده عن الهوى وروعه اللقاء وعذوبة القبل، بل انه حين دعاه صديقه خالد إلى زيارة بغداد تعلل بأن " الصبايا العذارى الريفيات يتشبثن ببقائه " (١) ، ولكن حين أرسل إليه صديقه قصيدة غزلية فيها ذكر لبعض الأسماء، وصرح له بأن مثل هذه الأسماء من نسج الخيال، جن جنون بدر دهشة، كيف يمكن ذلك؟ صديقه نموذج حي للوسامة والعافية وقوة الشباب، فتى ملء أهابه حيوية ونضارة وجمالا، ثم لا يعرف فتاة من لحم ودم؟ أذن ليس القبح هو العقبة الوحيدة في سبيل الحب. وبين الشك والقبول كتب إلى صديقه يقول: أحق أن كل الذي قلته في قصائدك خيال؛ أحق أن (؟) و (؟) عاشتا في بالك فقط؟ أأصدق أنك لم تعرف الحب؟ أأنت مثلي

стр. 28

لم تعرف فتاة بعينيها؟ ؟. أأنت مثلي محروم من العاطفة لا يرى قلبا يخفق بحبه؟ لا، فأنت وان صدقت في زعمك لست مثلي وأرجو إلا تكون مثلي أن شاء الله؟ مرت السنون وأنا إلى الحب ولكني لم أنل منه شيئا ولم أعرفه، وما حاجتي إلى الحب ما دام هناك قلب جدتي يخفق بحبي؟ (١) " وكان خالد ابعد إدراكاً لطبائع النفوس من بدر، ولهذا حاول أن يطب له في محنته، لعل بدرا يجد في حال صديقه عزاء لنفسه، وكان عزاء ولو إلى حين. ترى ان خالدا سلك غير هذا السبيل، أكانت الصداقة قائمة بين الشابين يومئذ؟ كان بدر في هذه المرحلة شابا بسيطا لا يتعدى عالمه القرية وضواحيها ومدينة البصرة أو ما عرفه منها، أما بغداد فأنها لا تعيش في خياله، فهو يتهيب الحديث عنها أو الإشراف لزيارتها؛ ودجلة كيف حاله عند بغداد؟ أنه رآه في الحلم فعجز عن ان يقول فيه شيئا من شعر، فهل هو كما رآه في المنام (٢) ؟ ولسنا نستطيع ان نحدد عالمه الثقافي الخاص حينئذ، ولكنا نتصور أنه كان يكثر من قراءة الشعر؟ وخاصة ما كان ينشر منه في الصحف - ولم يكن في أحداث الحياة العراقية أثناء الحرب ما يحدد له موضوعه الشعري المفصل، كان ريفه عالمه المحبوب، ولذلك فانه اتخذه مادة لشعره، وارتبط معه بعلاقات عاطفية رقيقة، إلا أن هذه الرابطة لم تجد امتحانا ولهذا اكتفى بدر بأن ينقل صورا ريفية كبرى، لأنه عاش تلك الصور واحبها، مهما يكن رأي النقد في صوره؛ ولولا قوة تلك الرابطة العاطفية بينه وبين الريف لاستطاعت الأحداث التي نجمت عن ثورة رشيد عالي أن تجره وشعره إلى منطقة السياسة، ولكن عدم تبلور فكرة سياسية غائية في ظروف من العسف والتنكيل قام بها

стр. 29

نوري السعيد برا بمصالح سيادته العظمى بريطانيا، جعلت المتحمسين من الشباب يصمتون على ألم، ويكتفون بالتلميح دون التصريح، وفي ماري (آذار) ١٩٤٢ صدرت أحكام بالإعدام غيابيا ضد رشيد عالي واثنين من وزرائه هما يونس السبعاوي وعلي محمود الشيخ، إلى أحكام أخرى بالسجن؟ ثم قبض الإنكليز على بعض العراقيين في إيران وسلموهم إلى الحكومة العراقية، فنفذ حكم الإعدام في يونس السبعاوي وفهمي سعيد ومحمود سلمان (١) فكتب بدر في رثاء هؤلاء الثلاثة قصيدة بعنوان " شهداء الحرية "، وفيما يظهر لنا أن مشاعره كانت مع ثورة الكيلاني وان بذور النقمة على سياسة نوري والوصي تعود إلى هذا التاريخ، ومن أبياتها: أراق عبيد الإنكليز دماؤهم ... ولكن دون النار من هو طالبه أراق ربيب الإنكليز دماءهم ... ولكن في برلين ليثا يراقبه رشيد ويا نعم الزعيم لأمة ... بعيث بها عبد الاله وصاحبه لأنت الزعيم الحق نبهت نوما ... تقاذفهم دهر توالت نوائبه وهذا هو الصوت الوحيد الذي يتحدث فيه عن مشكلة وطنية فيما وصلنا من شعره حتى التحاقه بدار المعلمين. غير ان اختيار مناظر الريف المسطحة لا يصنع شاعرا حتى ولا شاعرا للطبيعة، وكان لا بد لبدر من ان يخوض تجارب جديدة، وكانت التجارب المدرسية مضللة إلى حد كبير، فقد كان اكثر الموضوعات التي يقترحها مدرس الإنشاء من نوع الفواجع الميلودرامية، وكانت نفسية بدر شديدة التقبل للحزن، ولكنها حتى عهدئذ لم تكن تفهم أو تستسيغ الإغراق في صور الفجيعة، لذا فعندما اقترح عليهم المدرس الكتابة في أحد هذين الموضوعين: (٢٦/١/١٩٤٣) (١)

стр. 30

المفاخرة بين مصور وشاعر (٢) قرية كثيرة الرخاء شديدة الرحمة والعطف على غيرها من القرى اندلعت فيها ألسنة النيران؟ الخ، اختار بدر الموضوع الأول ليؤكد تفوق الشعر على الرسم بحجج إلزامية أو خطابية تمثل مستوى تفكيره في ذلك الدور من حياته. ثم كتب في موضوع " ضال في غابة جنه الليل وقد امتزج دوي الريح بصوت الآساد؟ " وبهذا الموضوع وجد الباب مفتوحا للحديث عن الموت مع أنه تجنبه في موضوع القرية التي التهمتها النيران، " اولئك الناس الذين ضلوا مثلي ثم تلاشوا أمام ظلمات الليل بعد أن أطلقوا صرخات الرعب التي لا تزال تطرق الغابة كلما جن الليل.. إنني اسمع حشرجتهم وأرى خلال الأغصان جماجمهم الصفراء تطل علي بمحاجر كأنها قبور مظلمة، وكأنني اسمع نداء خفيا من أولئك الأموات، انهم يقولون: إنني ضيفهم الليلة، يا للهول! " فلما طلب إليه أن يكتب " عن طبيب ذاع صيته ونبه ذكره أصيب بداء عياء حار فيه الأطباء "، تقمص في بعض أجزاء الموضوع شخصية الطبيب واخذ يتحدث عن نفسه قائلا: " كم أتحسر على تلك القرية النائية الجميلة بحقولها الخضراء التي تتسابق فيها الجداول التي وصلت بين ضفافها جسور من جذوع النخيل، هذه الجسور تشبه قلبي، قلبي الذي تغير عليه حوادث الزمان ونوائبه، وهو معروض على ينبوع الحب ولكنه يرى المياه ولا يشربها؛ أني لأذكر الراعيات الريفيات الجميلات، أن نهودهن تسبق أجسادهن ولكن ألحانهن الوديعة العذبة تسبق الجميع، كم مرة حدوت أغنامهن لألحان مزماري ولكن قلوبهن لا تحركها أنغامي، وأذكر تلك الريفية الحسناء الراعية التي أحبها القلب مرة.. الخ " (١) ؛ ومثل هذا التقمص للضال الذي يترصده الموت وللطبيب الذي كتب عليه بدر أن يموت بالعدوى من الحبيبة اصبح أمراً سهلا على بدر لآن فكرة

стр. 31

الموت أصبحت تسيطر عليه بقوة، وتلاحقه في اليقظة والحل والترحال. وتظهر في أحد موضوعات السياب الإنشائية نغمة دينية لا نجدها في غيره ولا تتضح؟ على وجه مباشر - فيما بين أيدينا من شعره، ولكنا نذكر أن بدرا كان شديد التأثر بشخصية أستاذه محمود يوسف الذي علمه العربية في مدرسة البصرة، وقد عرف الأستاذ محمود بالورع والتقوى، ويشهد الأستاذ عبد اللطيف السياب الذي عاش مع بدر في تلك السن ان بدرا وصديقه محمد علي إسماعيل كانا يخرجان من المدرسة إلى الجامع، ويحافظان على الصلاة في أوقاتها، وأن الأستاذ محمد علي إسماعيل ظل محتفظا بهذه الروح الدينية، أما بدر فربما أبعدته عنها مؤقتا تقلبات الحياة التي عاناها. ويضيف عبد اللطيف قوله: انه ما يزال يحفظ أبياتاً متفرقة من شعر بدر المبكر تومئ إلى ذلك الاتجاه الديني. أيا كان الأمر فان هذه الصلة الأولى من اليقظة على التقوى سيقوي من بعد الميل لدى بدر للعودة إلى جانب مما يمثل طفولته وصباه.

стр. 32

- ٤ - راع دون قطيع نستطيع الآن أن نواجه طبيعة الاتجاه الشعري الذي عاشه السياب قبل ان ينتقل إلى دار المعلمين، فقد ألمحنا فيما مضى إلى بعض مظاهر ولكنا لم نجد معالمه الكبرى وخصائصه العامة. ولسنا بحاجة إلى أن نعيد الوقوف عند رثائه لجدته أو رثائه للشهداء الذين قاوموا الاستعمار الأنكليزي، ولكنا بحاجة إلى أن نكرر القول بأن الريف كان مجال هذا الشعر وموضوعه، ذلك لأن اتخاذ هذا المنطق يسهل علينا فهم التفريعات والدقائق التي قد تنجم عنه. وقد تحدد هذا الريف في خاطر بدر بأنه الطبيعة الجميلة الطاهرة الخيرة المعطاءة ولهذا تحدث عن ربيعه وخريفه، وصيفه وشتائه، محاولا أن يرسم لكل فصل من الفصول لوحة خاصة، ولم يكن همه في تلك اللوحات إلا إبراز قدرته على الرسم، فإذا استطاع ابتكار صورة جديدة أو وفق إلى تعليل حسن لصورة قديمة، أحس أنه مهمة الشاعر الكبرى، فهو يجهد الجهد كله ليقول شيئا لم يقله غيره في صورة قوس قزح من قصيدة الشتاء فيقول: وكأنما قوس السحاب وقد بدا ... أوتار قيثار مضت تتنادم فتقاربت حتى يعاود عزفها ... مرح الأنامل بالملاحن عالم وشبيه بهذا قوله في قصيدة الخريف يصف الأوراق الساقطة:

стр. 33

سقطت فكل وريقة قيثارة ... مقطوعة الأوتار والأنعام عبرت أغانيها الفناء وأصبحت ... توحي إلى الفنان بالإبهام ولست تجد في هذه القصائد من روح الشعر سوى هذه المحاولة التصويرية، فهي تومئ إلى أن الشاب يتشبث بجدة الصورة، أما فيما عدا ذلك فأنها قصائد بليدة بطيئة لا تنبض فيها حياة. وأحيانا يحاول ان يطرح الصور العامة ثم ان ينكفئ على نفسه فيستخرج مواجده ويبسطها فوق مربعات الصورة الكبرى وإطارها العام، وكأنما يجمع بذلك بين شقي القصيدة، وهي طريقة اقتبسها من أنور العطار، وقصر عنه فيها تقصيرا واضحا، لأن العطار ذو أزميل حادة في التصوير واسثارة الدفائن النفسية معا، وذو قدرة على الصقل لا يحسنها بدر في تلك السن، فحتى ذلك الحين كان محصول بدر من الثروة اللغوية ضئيلا نسبيا، ولذلك كان إذا اختار بحرا يتطلب الجزالة أعيا قبل نهاية البيت وأصبحت قوافيه وجمله المكملة للمعنى مضحكة في مواقعها شاذة في صلتها بما قبلها، ومثال ذلك قوله في قصيدة " أصداء البعاد ": أوام بقلبي للقا متزايد ... وشوق لسلمى ذكره متوارد صرعت جوى لما رنت لي بمقلة ... يلم بها رسم الكرى ويعاود ففتحت انخاء الفؤاد بناظر ... إلي غدت الحاظه تتوارد وما كنت ادري ان عينا كليلة ... لتأسر قلبا في الهوى وتكايد فليس أشد إمعانا في الركاكة من " ذكره متوارد " " غدت الحاظه تتوارد " " وتكايد " في مواقعها حيث وقعت، ولهذا كتب بدر ملحوظة عند هذه القصيدة لعلها مما كتب من بعد: " تقليد للأقدمين لم يبلغ منزلة المقلد ولا يلائم روح العصر ". كان خالد؟ كما تقدم - يلح عليه ان يبني قصيدته على قافية واحدة، يريده ان يكون جزلا، ولكن الجزالة

стр. 34

تشترط قبل كل شيء السيطرة على اللغة، وأنى له ذلك؟ ولهذا كان أقدر على غنائيات علي محمود طه المهندس التي تبنى على عدد من القوافي، وتعتمد ألفاظاً سهلة وأوزانها خفيفة، وكان ينظم كثيرا من قصائده على النحو دون أن يطلع خالدا على هذا اللون من القصائد، قبل عام ١٩٤٦، ولا تحس في هذه القصائد بأن التركيب متعب له كما في القصائد السابقة كقوله في قصيدة " يا قمر ": كم غازلتك الأنجم الساهمة ... وارتعشت في نورك السلسل وكم غفت انوارك الحالمة ... فوق مياه النهر والجدول وزهرة في حجرها نائمة ... مكبرة للخالق الأول قد هددتها النسم الناعمة ... ولم تزل في حلم معجل * * * نجوى حسان الريف بين الربوع ... ورنة المزهر فوق الاكم والزورق الساجي مصل خشوع ... محرابه الشط البليل النسيم الكل مشتاق فجد بالطلوع ... وامسح على الكون جراح الالم لو استطاعت قبلتك الفروع ... واسمعتك الريح عذب النغم وعندما احس بدر من نفسه القدرة على هذا اللون من الشعر اختاره لينقل مشاعره " الرعوية ". ولكن كيف تأتى لبدر ان يهيم حبا بالرعاة وحياتهم وألحانهم وأغانيهم؟ من السهل التطابق بين حياة الريف وحياة الرعي، فالرعاة أيضاً جزء من الريف، وأغانيهم الحزينة وراء قطعانهم وألحان الشبابة التي تغزل الآفاق بحنينها الآسيان من السهل ان تجعل شابا حالما محبا للريف يتصوره " اركاديا " الساحرة ذات الحياة البسيطة البريئة والحب الطاهر والجمال الطبيعي، ولكن عاملا آخر دخل في حياة بدر هو الذي جعل الريف في عينيه مجتمعا للرعاء. ومفتاح هذا في قصيدة " مريضة "

стр. 35

التي أرسلها إلى صديقه خالد (١) ، وقد صدر تلك القصيدة بقوله: " إلى التي لا تفهم الشعر ولا تسمع قصيدتي هذه ولن تسمعها، ارفع هذه الآهات لعلها تنوب عن زيارتها وهي على فراش المرض "؛ ومن تلك القصيدة: مريضة؟ لك ربي يا (هويل) ولي ... وللقلوب التي ضلت مقاصدها مريضة؟ لم ينلك الداء واحدة ... فالروح مثلك عاد الداء وافدها وكانت " هويل " هذه واسمها " هالة " (وتنطق محليا هيلة) بدوية من إحدى القبائل العربية التي تعيش في الحدود الايرانية، ثم انتقل أهلها فسكنوا في ارض لهم بأبي الخصيب وفي إحدى السنوات غطى الماء أراضيهم فأعطاهم السياب الجد قطعة من أرضه ليقطنوا فيها، وكانت هالة تراعي القطيع كل يوم، فتعرف إليها بدر وخفق لها قلبه، وهو في آخر عام دراسي بثانوية البصرة، فاصبح هو الراعي صاحب الناي والتلاحين الحزينة (٢) : لأجلك أطوي الربى شاردا ... أردد أنغامي الضائعه وأسكب في الناي قلبي الكئيب ... فتغمره النشوة الخادعه وكان لحونا دعتنا الربى ... فقرت بأحلامها الرائعه يسلسلها الليل في صمته ... فتوقظ أشواقه الهاجعه ولكنه يحدثها انه ان يغني فلم يستطع: " خبا لحن قلبي ومات الصدى "؟.. ولذا فانه يكتفي بذكريات الأمس: وفي ذكر أمس عزاء لنا ... وما أعذب الأمس للذاكر فكم قبلة ذاب فيها الغرام ... تطوف على قلبي الحائر فيا لمحة من شعاع الخلود ... سرى الوجد في حملها العابر

стр. 36

ويا بسمة في قلوب الرعاة ... يفيض بأنغامها خاطري * * * دعاك فؤاد طوى صفوة ... وكفنه بدموع المقل أقام الهوى منه محرابه ... فرددت ثم صلاة القبل ولكنك اليوم حطمته ... وأطفأت فيه شعاع الأمل أينشد من راودته الشجون ... كمن أسكرته لحون الجذل؟ هل تغيرت " هيلة " عما كانت بالأمس، أو أن الشاب الواهم بنى قصة حب ثم وجدها تريد ان تنقض فبكى أحلامه؟ ان حقيقة العلاقة بين بدر وتلك الفتاة أمر محفوف بالغموض، وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى، ولكن يكفينا هنا ان نلمح قدرة الشاعر في هذا المجال " الرعوي " على أن يمنح قصيدته ما تتطلبه من انفعال عاطفي، وأن لا يشغله الرسم لأجزاء الصورة عما يريده من تعبير ينقل ذلك الانفعال. وفي ذات يوم عاد من المدرسة إلى قريته في إجازة قصيرة فصور " عودة الراعي " الذي رجع للمرعى القديم فرآه وقد غيرته الليالي وهجرته الراعية (١) : لم تطل غيبتي عن الجدول الجاري وها إنني أراه يجف ... لم تطل غيبتي عن الطائر الممعن شدوا فما له لا يدف ... لم تطل غيبتي عن الزهر في الأكمام واليوم رنح الزهر قطف ... لم يطل عن حبيبتي أيها الروض غيابي فما لها لا تخف ... بل ربما صح ان نقول ان حدة الانفعال جعلت تجاربه في القصيد الجزل اكثر نجاحا، كما يتجلى ذلك في قصيدته " همسك الهاني " (٢) :

стр. 37

خيالك أضحى لابسا من فؤاديا ... رداء موشى بالرؤى البيض حاليا وكنت كذاك الطائر الخادع الذي ... يراه رعاة البهم في المرج هاديا فيعدون بين العشب والزهر نحوه ... وان قاربوه طار جذلان شاديا فما زال في إسفافه وانطلاقه ... فلا هو بالنائي ولا كان دانيا فهنا يتابع الصورة إلى نهايتها دون أن ينتابه ضعف في التعبير، ومن هذا القري قصيدة " ذكريات الريف " وفيها يقول (١) : تذكرت سرب الراعيات على الربى ... وبين المراعي في الرياض الزواهر ورنات أجراس القطيع كأنها ... تنهد أقداح على ثغر شاعر أقود قطيعي خلفهن محاذرا ... وانظر عن بعد فيحسر ناظري وما كنت لو لم اتبع الحب راعيا ... ولا انصرفت نحو المروج خواطري إليها طويت الليل بالليل صابيا ... وطارتها (مستهونا) بالمخاطر وقبلت حتى البهم لما رأيتها ... تقبل تلك البهم قبلة ثائر فقد اهتدي في قبلة اثر قبلة ... إلى اثر من ثغرها غير ظاهر وعلى الرغم من أن مستوى القوة في تعبيره قد ارتفع، فان لمسات الضعف منثورة هنا وهناك؛ وفي هذه القصائد الأولى بذور قوته وضعفه معا، قوته في الانفعال أو تصيد الصور، وضعفه في التعبير، أو لجوءه إلى التضمين كما في قوله (٢) : وسرى الغمام على الحقول فرجعت ... أنهارها لحنا أهاج غرامه وشجونه، فجرت هواطل دمعه ... وغذا يريق على الفروع مدامه أن ضعف التعبير سيقنعه عن قريب بأن البناء المتساوي في إيقاعاته ونغماته يلجئ الشاعر الاضطرار فيوقعه في ضعف، وأن حاجته

стр. 38

إلى التضمين ستقنعه بعد قليل ان ليس من الضروري ان يكون البيت وحدة قائمة بذاتها، ولم لا يكمل المعنى في خمسة اسطر ما دمنا نطلب صورة كاملة (انظر صورة الطائر السابقة) . كل شيء ينبئ بأن الثورة على نصائح خالد آتيه لا ريب فيها، ولكن الصداقة ما تزال أغلى منها، كما أن مدى الاطلاع نفسه لا يسمح بكثير من الجرأة في مبارحة المألوف (١) .

стр. 39

- ٥ - بين الأقحوانة وذات المنديل كانت النقلة إلى بغداد في مطلع العام الدراسي (١٩٤٣ - ١٩٤٤) والى دار المعلمين منها تحولا إلى عالم جديد يكفل للسياب مزيدا من الثقافة وقسطا من الشهرة الأدبية، وانفتاح العينين على صخب الحياة ومختلطات أحداثها في إبان الحرب العالمية الثانية، ويوسع الكوة التي يطل منها على العالم الخارجي، ويقرب إلى انفه الفاغر على روائح الأنوثة نماذج متنوعة من نساء يعشن في الواقع عيش الآدميين الذين يخطئون اكثر مما يصيبون، ويخضعون للنزوات العابرة، وتتحول بهم العلاقات حينا إلى اليمين وحينا إلى اليسار، ويفلسفون الهجرة المتأرجحة بهم بين الواقع والمثال. ومن عجب أن " الراعي " الذي كان يهم بمفارقة المروج الحبيبة لم يبك لان القطعان ستغيب عن ناظريه، وإنما تغنى بالسلوان واشتق معنى شعريا من الفراق يحيله إلى حقيقة ضرورية. ها هو قد انفرد عن من يحب، وهل يمكن للنور ان ينفذ من بين دفتي النافذة إلا إذا انفردت إحداهما عن الأخرى، وهل يمكن للطائر ان يطير إلا إذا تباعد جناحاه من منشورين (١) ؟

стр. 40

وكنا لوحتي نافذة في هيكل الحب ... فلو لم تفترق لم ينفذ النور إلى القلب ... وكنا كجناحي طائر في الأفق الرحب ... فلولا النشر والتفريق لآرتد إلى الترب ... ولكنه في ختام هذه القصيدة يشعرك بأنه يسخر من نفسه ومن قدره حين يقول: وكنا شفتي هذا القضاء مفرق الصحب ... فلو لم تنفرج لم تضحك الأقدار من كربي ... وكان الشاب الضاوي يحمل في حقيبته بين مطوى الثياب مجموعة من الشعر الذي كان قد نظمه قبل تلك الرحلة، ويعلل الظمأ اللاغب إلى الشهرة بري وشيك؛ انه " الفتح " الذي تركع له بغداد راضية عن استسلامها، لأن الغازي الجديد لا يحمل لها دمار الغزاة السابقين. ولكن هذا " الفاتح " الرقيق الكئيب كان يحمل فوق عينيه وحول شغاف قلبه غشاوة من الرومنطقية الأولى، تحول بينه وبين رؤية المدينة على حقيقتها، وتشهد إلى الماضي وذكرياته، وتجعله وحيدا في زحمة الناس. وحين هبط المدينة تلقاه صديقه القديم خالد، وأخذ بيده في تعريفه إلى زواياها ومنعطفاتها، ولم يطل به الوقت حتى تعرف إلى عدد غير قليل من الأدباء والمتصلين بالحركة الأدبية، وكان أول اثر لهذه المعرفة أن وجد نفسه واحدا بين كثيرين يخضعون حومة الادب، وانه ان شاء الظهور في خضم المنافسة فلا بد له من أن يتفرد، إذ لم يعد شعره قاصرا على التغني المنفرد في سكون الريف أو على المراسلات الدورية بينه وبين بعض الأصدقاء؛ فانه طالب في دار المعلمين العالية، والعيون تنفرس فيه بحثا عن الشاعر المستكن في مح عظامه؛ وهو قد اصبح عضوا في ناد أدبي صغير، يسمع فيه صوته: فاليوم هو الاحتفال
следующие страницы →