ويا بسمة في قلوب الرعاة ... يفيض بأنغامها خاطري * * *
دعاك فؤاد طوى صفوة ... وكفنه بدموع المقل
أقام الهوى منه محرابه ... فرددت ثم صلاة القبل
ولكنك اليوم حطمته ... وأطفأت فيه شعاع الأمل
أينشد من راودته الشجون ... كمن أسكرته لحون الجذل؟ هل تغيرت " هيلة " عما كانت بالأمس، أو أن الشاب الواهم بنى قصة حب ثم وجدها تريد ان تنقض فبكى أحلامه؟ ان حقيقة العلاقة بين بدر وتلك الفتاة أمر محفوف بالغموض، وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى، ولكن يكفينا هنا ان نلمح قدرة الشاعر في هذا المجال " الرعوي " على أن يمنح قصيدته ما تتطلبه من انفعال عاطفي، وأن لا يشغله الرسم لأجزاء الصورة عما يريده من تعبير ينقل ذلك الانفعال. وفي ذات يوم عاد من المدرسة إلى قريته في إجازة قصيرة فصور " عودة الراعي " الذي رجع للمرعى القديم فرآه وقد غيرته الليالي وهجرته الراعية (١) :
لم تطل غيبتي عن الجدول الجاري وها إنني أراه يجف ... لم تطل غيبتي عن الطائر الممعن شدوا فما له لا يدف ... لم تطل غيبتي عن الزهر في الأكمام واليوم رنح الزهر قطف ... لم يطل عن حبيبتي أيها الروض غيابي فما لها لا تخف ... بل ربما صح ان نقول ان حدة الانفعال جعلت تجاربه في القصيد الجزل اكثر نجاحا، كما يتجلى ذلك في قصيدته " همسك الهاني " (٢) :
стр. 37
خيالك أضحى لابسا من فؤاديا ... رداء موشى بالرؤى البيض حاليا
وكنت كذاك الطائر الخادع الذي ... يراه رعاة البهم في المرج هاديا
فيعدون بين العشب والزهر نحوه ... وان قاربوه طار جذلان شاديا
فما زال في إسفافه وانطلاقه ... فلا هو بالنائي ولا كان دانيا فهنا يتابع الصورة إلى نهايتها دون أن ينتابه ضعف في التعبير، ومن هذا القري قصيدة " ذكريات الريف " وفيها يقول (١) :
تذكرت سرب الراعيات على الربى ... وبين المراعي في الرياض الزواهر
ورنات أجراس القطيع كأنها ... تنهد أقداح على ثغر شاعر
أقود قطيعي خلفهن محاذرا ... وانظر عن بعد فيحسر ناظري
وما كنت لو لم اتبع الحب راعيا ... ولا انصرفت نحو المروج خواطري
إليها طويت الليل بالليل صابيا ... وطارتها (مستهونا) بالمخاطر
وقبلت حتى البهم لما رأيتها ... تقبل تلك البهم قبلة ثائر
فقد اهتدي في قبلة اثر قبلة ... إلى اثر من ثغرها غير ظاهر وعلى الرغم من أن مستوى القوة في تعبيره قد ارتفع، فان لمسات الضعف منثورة هنا وهناك؛ وفي هذه القصائد الأولى بذور قوته وضعفه معا، قوته في الانفعال أو تصيد الصور، وضعفه في التعبير، أو لجوءه إلى التضمين كما في قوله (٢) :
وسرى الغمام على الحقول فرجعت ... أنهارها لحنا أهاج غرامه
وشجونه، فجرت هواطل دمعه ... وغذا يريق على الفروع مدامه أن ضعف التعبير سيقنعه عن قريب بأن البناء المتساوي في إيقاعاته ونغماته يلجئ الشاعر الاضطرار فيوقعه في ضعف، وأن حاجته
стр. 38
إلى التضمين ستقنعه بعد قليل ان ليس من الضروري ان يكون البيت وحدة قائمة بذاتها، ولم لا يكمل المعنى في خمسة اسطر ما دمنا نطلب صورة كاملة (انظر صورة الطائر السابقة) . كل شيء ينبئ بأن الثورة على نصائح خالد آتيه لا ريب فيها، ولكن الصداقة ما تزال أغلى منها، كما أن مدى الاطلاع نفسه لا يسمح بكثير من الجرأة في مبارحة المألوف (١) .
стр. 39
- ٥ -
بين الأقحوانة وذات المنديل
كانت النقلة إلى بغداد في مطلع العام الدراسي (١٩٤٣ - ١٩٤٤) والى دار المعلمين منها تحولا إلى عالم جديد يكفل للسياب مزيدا من الثقافة وقسطا من الشهرة الأدبية، وانفتاح العينين على صخب الحياة ومختلطات أحداثها في إبان الحرب العالمية الثانية، ويوسع الكوة التي يطل منها على العالم الخارجي، ويقرب إلى انفه الفاغر على روائح الأنوثة نماذج متنوعة من نساء يعشن في الواقع عيش الآدميين الذين يخطئون اكثر مما يصيبون، ويخضعون للنزوات العابرة، وتتحول بهم العلاقات حينا إلى اليمين وحينا إلى اليسار، ويفلسفون الهجرة المتأرجحة بهم بين الواقع والمثال.
ومن عجب أن " الراعي " الذي كان يهم بمفارقة المروج الحبيبة لم يبك لان القطعان ستغيب عن ناظريه، وإنما تغنى بالسلوان واشتق معنى شعريا من الفراق يحيله إلى حقيقة ضرورية. ها هو قد انفرد عن من يحب، وهل يمكن للنور ان ينفذ من بين دفتي النافذة إلا إذا انفردت إحداهما عن الأخرى، وهل يمكن للطائر ان يطير إلا إذا تباعد جناحاه من منشورين (١) ؟
стр. 40
وكنا لوحتي نافذة في هيكل الحب ... فلو لم تفترق لم ينفذ النور إلى القلب ... وكنا كجناحي طائر في الأفق الرحب ... فلولا النشر والتفريق لآرتد إلى الترب ... ولكنه في ختام هذه القصيدة يشعرك بأنه يسخر من نفسه ومن قدره حين يقول:
وكنا شفتي هذا القضاء مفرق الصحب ... فلو لم تنفرج لم تضحك الأقدار من كربي ... وكان الشاب الضاوي يحمل في حقيبته بين مطوى الثياب مجموعة من الشعر الذي كان قد نظمه قبل تلك الرحلة، ويعلل الظمأ اللاغب إلى الشهرة بري وشيك؛ انه " الفتح " الذي تركع له بغداد راضية عن استسلامها، لأن الغازي الجديد لا يحمل لها دمار الغزاة السابقين. ولكن هذا " الفاتح " الرقيق الكئيب كان يحمل فوق عينيه وحول شغاف قلبه غشاوة من الرومنطقية الأولى، تحول بينه وبين رؤية المدينة على حقيقتها، وتشهد إلى الماضي وذكرياته، وتجعله وحيدا في زحمة الناس.
وحين هبط المدينة تلقاه صديقه القديم خالد، وأخذ بيده في تعريفه إلى زواياها ومنعطفاتها، ولم يطل به الوقت حتى تعرف إلى عدد غير قليل من الأدباء والمتصلين بالحركة الأدبية، وكان أول اثر لهذه المعرفة أن وجد نفسه واحدا بين كثيرين يخضعون حومة الادب، وانه ان شاء الظهور في خضم المنافسة فلا بد له من أن يتفرد، إذ لم يعد شعره قاصرا على التغني المنفرد في سكون الريف أو على المراسلات الدورية بينه وبين بعض الأصدقاء؛ فانه طالب في دار المعلمين العالية، والعيون تنفرس فيه بحثا عن الشاعر المستكن في مح عظامه؛ وهو قد اصبح عضوا في ناد أدبي صغير، يسمع فيه صوته: فاليوم هو الاحتفال
стр. 41
بذكرى الرصافي، وغدا احتفال بمرور أربعين يوما على وفاة عبد المسيح وزير، وبعد غد مقام تهنئة بفوز الشاعر خضر الطائي بجائزة أدبية (١) . دنيا مناسبات تفرض على الشاعر الذي لم يعرف سوى تصوير خلجاته الذاتية أن يصبح " خطيبا " أو " عبد قافية "، ولكن لا بأس: أن للشهرة سحرها، ولو كان ذلك على حساب الإخلاص الفني، وستتيح له هذه الندوة الصغيرة أن يلقي شعرا غير معلق بمناسبة. هيئا له أحد أصدقائه الجدد؟ الأستاذ محمود العبطة - إحدى هذه الفرص، وجمع له عددا من الأدباء ألقى عليهم من شعره الذاتي ما يملك إعجابهم فقام إليه الشاعر هادي الدفتر وقبله، ودنا منه خضر الطائي مهنئا، وتحول عبد الرحمن البناء فجلس إلى جانبه (٢) ؛ ذلك شيء لم يتح له في جيكور أو في البصرة، وها هي زاوية من بغداد تعترف به شاعرا ينتظره مستقبل عظيم.
ولو رددنا الأمور إلى أسبابها الحقيقية لوجدنا ان شعر بدر حينئذ لم يكن هو الذي يملك الإعجاب، وإنما هو ذلك التلاحم بين الإنسان والكلمات، تلاحما تضيع فيه الحدود بين الصوت والمعنى والملقي نفسه، ويغدو كل ذلك نبضات أو جيشانا من الدروع، أو حشرجات مختنقة في قبضة الكآبة والموت، وظلت طريقة بدر في الالتقاء على هذا اللون سواء أكان شعره هادرا أم خافتا، متحمسا أم باكيا، ولهذا عبر عنها من سمعوا إلقاءه، في فترات متفاوتة، تعبيرات متقاربة، فقال الأستاذ العبطة وهو يتحدث عن دور مبكر في وقفات بدر أمام مستمعيه " وأخذ يقرأ شعرا من أنماط شتى بأسلوب مؤثر وحركات غريبة، إذ كان يندمج في جو شعره اندماجا عجيبا ويؤشر إشارات تفصح عما في قلبه " (٣) .
стр. 42
وقال الشاعر بلند الحيدري وهو يممىء إلى الانفصام القائم بين حقيقة الشعر والحركات التمثيلية: " ولم نكن لنمل من سماعه رغم ما في إلقائه من دراماتيكية لا تبدو مريحة في أحيان كثيرة " (١) . وتقول الأديبة السيدة خالدة سعيد متحدثة عن إلقاء بدر في فترة متأخرة: " كان يقف على منبر الندوة اللبنانية بهيكله الواهي وعينيه الصغيرتين يصرخ بصوت غريب تموجه قشعريرة مرعبة، يتفجر من أبعاد قصية " (٢) ؟ وتلك أقوال متقاربة في الدلالة، وان تفاوتت فيها الصياغة التعبيرية.
ومن رأى بدرا في تلك الفترة وهو يرتاد تلك الندوات الأدبية ويذهب في صحبة خالد إلى جمعية الشبان المسلمين ويزور جريدة " الاتحاد " في محلة الصابونجية ليلتقي بلفيف من الأدباء، ويعمد إلى مقهى " الزهاوي " لأنه يعرف أنه سيلقى فيه المشتعلين بالصحافة والأدب ويتمشى في شارع الرشيد مع فئة من الأصدقاء، ويضحك بقهقهة عالية في ساحة دار المعلمين، ويداعب هذا ويدبر (المقالب) المضحكة لذاك من رفاقه، وقدر انه سابح ماهر في تيار المجتمع، وأن بغداد استطاعت أن تكون أما رءوما تضمه إلى صدرها. ولكن الحقيقة كانت على خلاف ذلك، فقد كان بدر حينئذ ما يزال وحيدا تائها عن نفسه، لا يجد له منتمى، ولا يحاول الانتماء: فهو يطلب الوحدة لنفسه في مقهى " إبراهيم عرب " أو مقهى " مبارك " ومعه عدد من الكتب اغلبها من الدواوين الشعرية، فإذا سئم القراءة حومت به الذكريات حول الريف وحياته الوادعة لبريئة، وهالة أن يجد هوة قد أخذت تنفرج تحت قدميه بين هذه الحياة الجديدة وتلك الحياة التي عاش يتغنى بها، وأخذت مخيلته تقارن بين ما كان وما جد من سئون. وفي قصيدة " الذكرى " (٣) نجده
стр. 43
يستعيد اللوحة القديمة، ويعود على غصنين من الذكرى إلى ماضيه إلا انهما يذوبان لدى حلول الخريف ويعجزان عن الطيران به إلى مرج الرعاة:
ودوحة الذكرى تسلقتها ... مجتذبا أغصانها المزهرات
مستقصيا ما بينها فجوة ... تمر منها النسيم الهائمات
أبصرت منها ذكريات الصبا ... على نجيل المرج مستلقيات
والبحر يسعى دونها زافرا ... فالموج آهات حطمن الصفاة
يا مرج هل تذكرني راعيا ... اعبد فيك الله والراعيات
والبحر ما كان سوى جدول ... ينير في الليل سبيل الرعاة * * *
قالت لي الدوحة لا تيئس ... ستهبط المرج ففيم الشكاة
هاك جناحين فطر وائته ... واستوح فيه المتع الطارئات
وقدمت بين دموع الندى ... فرعين من أغصانها المورقات * * *
غنى الخريف الغاب ألحانه ... فانتثرت أوراقه راقصات
وقبل أن أدرك ما أبتغي ... ذوى جناحاي مع الذاويات كان الحنين إلى الرعاة يؤرقه، وكانت صورة " هالة " ما تزال تعيش في قلبه، رمزا لكل ما يجب في الريف، ولهذا لم يكد يجد الفرصة سانحة في عطلة الشتاء (١٩٤٣) حتى خف إلى القرية، ولكن قصيدة " تنهدات " (١) تنبئ انه لم يستطع أن يراها؟.. " انها لن تأتي " ذلك ما قاله في التوطئة للقصيدة: أكان ذلك لان فصل الشتاء حال دون قدومها
стр. 44
أم لأن العهد قد انتهى؟ انه يخبرنا في القصيدة أنها أصبحت نائية، حين يقول مخاطبا سعف النخيل:
من كنت أحذر أن تحجب طيفها ... عن ناظري نزلت بأبعد منزل
سيان عندي اليوم قفر موحش ... وظلال روض مستطاب المنهل وعلينا ان نقدر أن هذا النأي كان مكانيا، وكان طارئا، ولعل من أسبابه أن الراعية لم تعد راعية، بعد أن مات القطيع، وسأل عنها فقيل له أن المروج لن تحظى بعد بطلعتها الجميلة:
أحزنا على ما أصاب القطيع ... أليف الروابي اعتراك الألم؟
سأبكي وقد كنت تستضحكين ... إذا الدمع من ناظري انسجم (١) ومثل هذا التقدير ينسجم تماما مع قصائد نظمها من بعد يحن فيها إلى راعيته، حين عاد يستأنف العام الدراسي. وفي هذه الإجازة الشتوية لم ينس أن يقدم إلى القرية تحية إلا بن البار ويتحدث عن مواطن الجمال في جوانبها (٢) :
صور تسجد النفوس لديها ... وتضج القلوب بالصلوات
أينما دار ناظري طالعتني ... فتنة تستعيدها نظراتي ولما عاد يجدد العهد بدار المعلمين، اخذ يحاول أن يخلق شيئا من المواءمة بين نفسه وبيئته الجديدة؛ وكانت الأسابيع القليلة التي قضاها في دار المعلمين قبل عطلة الشتاء قد عرفته إلى بعض الفتيات فيها، وكان قدر قليل من اللطف في المعالمة في لغة الخطاب والابتسامة عند التحية كافيا ليحمله على أجنحة الخيال، ويهيم به في مسارب الإلهام، وفجأة وجد نفسه أسير حب جديد: هنالك اثنتان تعاملانه بلطف
стр. 45
وتستمعان إلى شعره وتبديان إعجابهما بذلك الشعر؟ وهذه كناية إذا ترجمت فهم منها انهما معجبتان به، أليس تقدير العبقرية تقديراً للعبقري نفسه؟ أما إحدى الفتاتين فتمتاز برقة وعذوبة وعينين وادعتين ونغمة حلوة وغمازتين لطيفتين، وهو يسميها " الأقحوانة "؟ مترجما اسمها الإنكليزي - وأما الثانية فإنها؟ في نظره - جميلة، أو بارعة الحسن، وإذا أراد أن يميزها بسمة فارقة سماها " ذات المنديل الأحمر "، وقد عرف من الأحاديث المتبادلة في رحاب الكلية أنها تكبره بسبع سنوات؛ وتلك حقيقة لا أثر لها في الحب، بل لها كل الأثر إذا كان السياب هو المفتون، فهو ما فتئ يبحث عن " أم "، وهذه أم وحبيبة معا، فهي أذن مطمح النظر، ومهوى الفؤاد، وكل المنى، ومن غير المستغرب أن يصف لها بدر في أول قصيدة ينظمها فيها غربته التي باعدت بينه وبين أبيه، وحاجته " لى ما يعوض عطف الأم (١) :
خيالك من أهلي الاقربين ... ابر، وان كان لا يعقل
أبي منه قد جردتني النساء ... وأمي طواها الردى المعجل
ومالي من الدهر إلا رضاك ... فرحماك فالدهر لا يعدل وحين ألحت على ذهنه حقيقة السنوات التي تفصل بينهما تألم لذلك (٢) :
مشى العمر ما بيننا فاصلا ... فمن لي بأن اسبق الموعدا
ومن لي بطي السنين الطوال ... ستمضي دموعي وحبي سدى ثم تذكر أن الحب " حاسب ماهر "، يستطيع أن " يطرح " السنين الزائدة جانبا فإذا العمر أخو العمر:
стр. 46
أراها فأذكر أني القريب ... وأنسى الفتى الشارد المبعدا
أراها فأنفض عنها السنين ... كما تنفض الريح برد الندى
فتغدو وعمري أخو عمرها ... ويستوقف المولد المولدا ومن هذه القصيدة نفسها نعلم أن الشاعر كان يتعذب بحبه في صمت وأن " ذات المنديل الأحمر " لم تكن تعلم شيئا عن هذا الحب:
أغض إذا ما بدت ناظري ... فهيهات تعلم كم سهدا
ولو أنها نبئت بالغرام ... - غرامي - لقربت المنشدا
وقالت أأعصي نداء المحب ... حرمت الهوى ان عصيت الندا وأما " الاقحوانة " فان إعجابه بها لم يرتق إلى مستوى الحب، ولكن رقتها حركت مشاعره بوجد المحروم، وإعجابها بشعره قد استثار رضاه؛ وحين استعارت منه ديوان شعره، ذهبت به الأخيلة مذاهب، وأخذ يترنم بالسعادة التي نالها ديوانه فهو حينا فوق النهدين، وهو حينا تحت وسادة إحدى الغيد، ان " الاقحوانة " لم تستعره لتنفرد بقراءته، ولكنه سيسافر في " رحلة معطرة " بين الايدي الجميلة الناعمة (١) :
ديوان شعر ملؤه غزل ... بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرى تهيم على ... صفحاته، والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهن بها ... وترف في جنباته القبل
وإذا رأين النوح والشكوى ... كل تقول: من التي يهوى وسترتمي نظراتهن على الصفحات بين سطوره نشوى ...
ولسوف ترتج النهود أسى ... ويثيرها ما فيه من نجوى
ولربما قرأته فاتتني ... فمضت تقول: من التي يهوى
стр. 47
ومما يجري مع طبيعة هذا الحلم أن يتمنى السياب لو أنه كان هو مكان ديوانه:
يا ليتني لصبحت ديواني ... لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له ... يا ليت من تهواك تهواني
ألك الكؤوس ولي ثمالتها ... ولك الخلود وانني فأني؟! وكما ودع الشاعر ديوانه وهو يفر إلى أحضان العيد حياه لدى عودته بقصيدة وطأ لها بقوله: " إلى ديواني العائد من تجواله بين العذارى؟. إلى ذلك الزورق المتنقل بين موج النهود أرفع زفرتي " فكرر الحديث عن حسده له لتنقله بين مفاتن الحسان، وتمنيه لو كان هو مكانه، وشبهه بالزورق الذي كان ينتقل بين أمواج النهود ثم عاد إلى صدر صاحبه، إلى مرفأ موحش؟ وقد مزق منه الشراع. وتسئل في لهفة قائلا (١) :
أنلت من عطفهن يا ورق ... ما لم ينله المسهد الأرق
فكنت منديل كل باكية ... منهم ينتاب روحها القلق
سددن أنظارهن نحوك يا ... ديوان شعري، ولست تحترق!!
أما تراني أكاد أن نظرت ... لي ذات حسن تذيبني الحرق والبيت الأخير هو سر المشكلة السيابية وهو يومئ إلى مدى ما يعانيه صاحبه من لهفة إلى نظرة حنو، ولهذا كان عطف " الاقحوانة " شيئا كبيرا كالحب نفسه، وبين ذهاب الديوان وعودته؟ حسبما يشير تاريخا القصيدتين - مدى أسبوعين، في أثنائهما كانت " الاقحوانة " تسير في ساحة الكلية وبيدها وردة، وأخذت على مرأى من بدر تنزع
стр. 48
أوراقها وتنثرها، فجن جنون الشعر في نفسه، وذهب ينظم قصيدة بعنوان " الوردة المنثورة " ويبدأها بمطلع يذكر بقصيدة للشاعر الروماني كاتولس حين أخذ يبكي موت طائر كانت حبيبته تدلله (١) ، يقول بدر: " أعولي يا قياثر الشعراء " ثم يقارن بين التي تحطم القلب وتنثر الوردة فلا يرى بينهما فرقا:
غير ان التي تحطم قلبا ... تنثر الزهر مثله في الفضاء وبعد أن يعدد ما لتلك الوردة من قيمة عند الروض والطير والنهر والراعي يعود فيندم على هذا الإغراق وينكر على نفسه ما بدأه، وينقض كل ما قرره:
فانثري الزهر كل يوم ليحيا ... في فؤادي ويرتوي بدمائي
أنثريه لتلتهمي قلبي الغض ... فيشدو لحون أهل السماء (٢) وامتد به الوهم الملهم، فوقف ذات مرة أو تخيل انه وقف - أمام زهرة أقحوان، فأخذ يخاطبها بقوله (٣) :
جاء الدجى يا زهرة الأقحوان ... فانسل نحو الموعد العاشقان وجمع بين الزهرتين في نطاق حين تمثل " الاقحوانة " وهي لا تعلم شيئا عن حبه الذي يؤرقه ولذا فهي لا تسمع ولا تمنح العطف المشتهى:
ماذا ينال القلب يا ويحه ... إذ يعطف الروض ولا تعطفان
стр. 49
وأي جدوى في أغاني الهوى ... إذ تسنع الدنيا ولا تسمعان
وأي خير في الهوى كله ... ان كنتما بالحب لا تعلمان
يا زهرتي قد مت يا زهرتي ... آه على من يعشق للأقحوان
لولا التي أعطيت سحر اسمها ... ما بت استوحيك سحر البيان ووقف سحر " الأقحوانة " عند هذا الحد إذ كانت " ذات المنديل الأحمر " تدفع صورتها من مخيلته وتحل محلها، وقد مرت به الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذه السنة الدراسية (نيسان وآبار وحزيران) وتباريح هذا الحب تعذبه، ولسنا ندري مبلغ ما أدركته ذات المنديل الأحمر من لواعج في نفسه، ومدى قدرته على أن يبوح بهذا الحب في غير الشعر، ولكن الذي ندريه انه اصبح يعاني حالة نفسية قلقة، فانكفأ على نفسه يتحدث لها عن " قبض الريح " (١) :
غنى ليصطاد حبيباته ... فاصطاد أسماء حبيباته انه محب لا يملك من كتاب الحب إلا الفهرست، ولا يرى في الكتب الواقعية التي تفرض عليه قراءتها في الكلية إلا قضبان سجن (٢) :
سجين ولكن سجني الكتاب ... وأغلالي الآسرات السطور
فما بين جنبيه ضاع الشباب ... وفوق الصحائف مات السرور ولهذا فهنو برم النفس بمعايشة الموتى، وحق له الانطلاق، فان الشاعر يجب ألا يفني عمره في ظلمة الكتب وسواد حبرها:
عيوني بآفاقه ساهرات ... وحولي يبيت الورى رقدا
بأرجائه ألقي بالممات ... كأني على موعد والردى
وما بين ألفاظه القائمات ... أشعة عيني ضاعت سدى
وما بين أوراقه الصامتات ... تلاشى غنائي ومات الصدى
стр. 50
وما كاد يؤدي الامتحان النهائي حتى هرب من بغداد خفية دون أن يعلم بسفره أحد من اصدقائه، وهو يسمي هذه العودة المفاجئة " تلك المغادرة الشاذة " ويضيف مخاطبا صديقه خالدا: " ولكن الشاعر يقدر ظروف الشاعر فيعذره، ومع هذا فقد اصبح من الصعب علي أن انفي عن نفسي تهمة الشذوذ؟ لا سيما في الحب " (١) .
وحسب بدر انه هرب من بغداد أفلت من تلك الأغلال التي قيدته بها: أغلال الكتب وأغلال العواطف، ولكنه كان حليف كتاب، وما كانت ثورته لتنصب إلا على الكتب المقررة، وأما أغلال العواطف فانه هو الذي كان يلفها حول وجوده مختارا راضيا، ولذلك تبعته بغداد إلى الريف، وخالطت " الوحدة والنخيل والجداول والمد والجزر وليالي القمر والشط الجميل الساجي " (٢) : فكان إذا تنسم عبير الأزهار البرية؟ بل إذا قرأ قصيدة زهرية - تذكر " عرف الاقحوانة " (٣) ، وذات يوم كان يقلب جريدة " الزمان " فإذا به يقرأ: " تنعى بمزيد الأسف الآنسة (؟.) كريمة الدكتور (؟.) " انه اسم " الاقحوانة " واسم أبيها؛ هل من المعقول؟ " انا الآن في هم وقلق شديدين.. انا حائر.. لو عرف عنوان ابيها لسألت عن هذه العذراء التي أوحت إلي قصيدة " ديوان شعر " وقصيدتي " الاقحوانة " و " الوردة المنثورة؟ " (٤) ولا ريب في انه عرف من بعد أن ذلك كان محض توافق بين اسمين، ولكنه لم يعرف انها؟ مد الله في عمرها - عاشت لتقول في رثائه كلمة وفاء نبيلة.
ولا ريب في أن " ذات المنديل الأحمر " قد كانت تعيش في خياله،
стр. 51
ولكنا يجب ألا نسرف في التصور، فان القصائد التي نظمها فيها تدل على أن الحب كان يتجه إلى الانحسار، ومثل هذا الحكم يبدو غريبا لأول وهلة، ولكنا نجده يذكرها في قصيدتين أرسلهما إلى صديقه خالد إحداهما " في المساء " (أو في الغروب) والأخرى " الشعر والحب والطبيعة " وكلتا القصيدتين تمثل ارتدادا إلى اللوحات المسطحة التي كان شغوفا بها من قبل، وليس فيها أية حركة انفعالية لا بالطبيعة ولا بالحب، أضف إلى ذلك ان ذكر الحبيبة فيهما يجيء عرضا، ويجيء موشحا بلون من التصور؟ أو الواقع - الصبياني؛ ففي قصيدة " في المساء " يتحدث عن صورة الشمس في الغياب، ثم يحاول أن يقرن ذلك بغياب شمس العمر فيعجز عن الإفصاح بالمعنى الذي يريده (١) ، ثم يتحدث عن سحابة اعترضت غياب الشمس، ثم يعود ليذكر وداعه لصاحبته (٢) :
قسما بمن اذكرتني بوداعها ... لقد ابتعثت صبابتي وتحسري
هي ذي (؟) والقلوب تحفا ... من كل منكسر الجناح مسعر
جلست وما جلس الفؤاد من الجوى ... وتبسمت فبكى ولم يتصبر
وهبت تحيتها لآخر غيره ... فبكى وقال لعلها لم تبصر
وقد اكتفى لو أنصفته بنظرة ... لكنها حرمته طيب المنظر
فتحجبت بسحابة من صحبها ... وتسترت فصرخت: لا تتستري
لو كان يسعفني لصغتها ... مرثية لفؤادي المتفطر
стр. 52
فانتظر إلى الافتعال في ذكر السحابة ليصح له من بعد أن يقول على سبيل المقارنة " فتحججت بسحابة من صحبها "، ولعلك ترى ان هذه الأبيات تشكو من ثلاث نقائض: ضعف التركيب، وافتعال المطابقات، وتفاهة الواقع الذي يريد الشاعر تصويره؛ ولا ترتفع القصيدة الثانية " الشعر والحب والطبيعة " عن هذا المستوى من الافتعال، وكل ما يهمه من حب " ذات المنديل الأحمر " هو: كيف يمكن أن يهتز للطبيعة دون أن تطأ هي السهول ولا تمشي فوق التلال:
أيهز قلبي جدول وبحيرة ... وأرى على قمم الربي ما يلهم
و (؟) لم تطأ السهول ولا مشت ... فوق التلول حبيبة تتبسم أما هي، أما ضرام النار المتسعر بين الجوانح، أما العذاب الذي كان يتحدث عنه من قبل فكذلك قد اختفى فجأة، كأن الريف قد ألقى على اللهب السابق حفنات من تراب. ولهذا قدرنا أن الهوى كان في انحسار وهو منحسر ولا بد، لأنه خفقة مكتتمة لم تثر أية استجابة، ولهذا ماتت وحدها، كما اتقدت؟ يوم اتقدت - وحدها. وحين غابت ذكريات تلك الخفقة وراء حجاب كثيف من الزمن (يناهز العشرين عاما) تناولها بدر بصراحة الإنسان الذي لم يعد يهمه ان يخدع نفسه فقال (١) :
وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا ... ولكن؟ كل من أحببت قبلك ما أحبوني ... ولا عطفوا علي، عشقت سبعا كن أحيانا ... ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين ...
стр. 53
سفائن من عطور نهودهن أغوص في بحر من الأوهام ... والوجد ... فألتقط المحار أظن فيه الدر ثم تظلني وحدي ... جدائل نخلة فرعاء ... فابحث بين أكوام المحار لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة ... وإذ تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها لا ينز هناك غير الماء ... وغير الطين من صدف المحار فتقطر البسمة ... على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق ... لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. ... وليس هناك ما هو اشد مرارة من تصوير ذلك التشبث بالوهم كما تنقله هذه القطعة، حتى إذا جاء دور " ذات المنديل الأحمر " في قائمة المحبوبات السبع قال فيها:
وتلك؟ لانها في العمر اكبر ام لأن الحسن أغراها ... بأني غير كفء، خلفتني كلما شرب الندى ورق ... وفتح برعم مثلتها وشممت رياها ... وأمس رأيتهما في موقف للباص تنتظر ... فباعدت الخطى ونأيت عنها، لا اريد القرب منها ... هذه الشمطاء ... لها الويلات؛ ثم عرفتها: أحسبت أن الحسن ينتصر ... على زمن تحطم سور بابل منه، والعنقاء ... رماد منه لا يذكيه بعث فهو يستعر؟ (١) . ... كل حظه منها أنها كانت جميلة، أما قلبها فلم يخفق بحبه، بل لم تتلق نظراته برقة كرقة " الاقحوانة "، ولكنها استطاعت ان تشغله عن " هالة " وان تحجب صورتها؛ والحقيقة ان هالة قد ضاعت من عالمه
стр. 54
على نحو عفوي؟ كما سيضيع المنديل الأحمر وصاحبته -؛ ضاعت أو توارت في ثنايا الوعي الباطن سيان؛ إذ معنى ذلك أنها؟ بكل ما غرست من وجد في سريرته الخصبة - لم تعد هي نفسها مثار شعر أو منبع الهام. وهنا يعترضنا رأي لصديق من أصدقاء السياب، لعله كان من المطلعين على بعض ما كان يكنه من هوى، أعني بعض ما باح في ساعة من ساعات التناجي بالذكريات، إذ يقول في حديثه عن ذلك الحب الريفي: " وتمتد أواصر المحبة وتقوى، وتتعمق وشائج اللقيا وتتعدد أسبابها، وإذا بالمواعيد تضمنها معا عند شاطئ بويب حينا وفي منحنى طريق ريفي حينا آخر، وفي جوسق لبيادر التمور مرة ثالثة؛ ويأتيان إلا أن يعيشا الاماسي وأوقات الصباح معا يرسمان خطوط لوة الغد، وهما غارقتان في النشوة (بين) كوخ قصبي صغير يحميهما من أعين الرقباء؛ ويضيء الحب أمام السياب كل معالم الريف وشواهده فيجد من النخلة وأعشاش العصافير وقواقع النهر معاني جديدة لم يعرفها من قبل ان يتحابا؟.. وكانت سنوات دراسته في كلية التربية مليئة بحنينه إلى قرويته الحسناء، حيث ينتظر العطلة بفارغ الصبر.. وذات يوم بينما هو عائد من بغداد يلتقي بحبيبته لقاء شاحبا فتخبره بأنها لم تعد له وان قلبها لم يزل عامرا بحبه وهواه؛ ان أهلها عقدوا قرانها على شخص سواه؛ فتؤلمه المفاجأة إيلاما شديدا، ويجن جنونه ويشعر بالمرارة والقسوة، ويمنعه ذهوله وشرود عقله من تصديق الخبر؛ ويستمر بعد هذا اللقاء يندب الحظ العاثر ويتطلع إلى السراب والوهم لاعنا العادات الشعبية وكافرا بالتقاليد وباحثا عن ضوء لروحه في القرية المظلمة، وتلك هي أولى تجاربه المريرة " (١) .
وبعض هذه الصورة عامر بالصدق مؤيد بالوقائع، فأن هذا الحب
стр. 55
هو الذي جعل كثيرا من مظاهر الريف حافلا بالمعاني، بل هو الذي خلق ذلك الاتجاه " الرعوي " الذي وصفناه من قبل، ولكنه ليس هو وحده الذي أسلم السياب إلى معانقة الوهم والسراب، وتحول بشعره إلى " مرثية " مديدة النفس، وجعله صورة للبحث عن شيء ضائع إلى الابد؛ انما الذي فعل ذلك هو استقطاب التجارب مجتمعة بعد إخفاق إثر إخفاق، ولن تتجسم فكرة البحث عن " الزمن الضائع " لدى السياب، ولن ينضج تصوره العميق لأبعاد ذلك الضياع إلا حين يصطدم بحب من يسميها " المنتظرة "، وتلك حقيقة لا تجعل انتهاء العهد بحبيبته الريفية نقطة تحول هامة، إذ مرت على السياب سنوات بعد فقدانه لريفيته السمراء وهو ما يزال يتشبث بالبحث عن فتاته المنتظرة، وحين وجدها وفقدها؟ حينئذ فقط - ارتسمت المسافة المديدة بينه وبين الدنيا التي تستطيع أن تتقبله عاشقا أو معشوقا أو طفلا في حاجة إلى حنان، فأخذ يمشي؟ وهو مسمر القدمين - ليعبر ذلك الجسر الذي يفصل؟ أو يصل - بينه وبين تلك الدنيا.
ومن الحق أن صورة تلك الفتاة الريفية لم تعد تخايله إلا حين فقد ذات المنديل الاحمر، هنالك وقف يتأمل الماضي ويؤرخ ذكرياته، فوجد نفسه أمام تجربتين هما في الحقيقة تجربة واحدة مكررة، فقد أدرك في لحظة من التأمل انه لم يحب فتاة الكلية إلا لأنها كانت صورة أخرى من فتاة الريف، وتمثل لنفسه انه هتف حين رأى ذات المنديل الأحمر (١) :
أما كنت ودعت العيون ... الظليلات والخصلة النافرة
كأني ترشفت قبل الغداة ... سنا هذه النظرة الآسرة
أما كان في الريف كهذا ... أما تشبه الربة الغابرة؟
стр. 56
ذلك هو أثر الحب الأول: انه استحال قوة داخلية، تيارا كهربائيا خفيا، طاقة غير منظورة، تشكل كل حب جديد، وتصبغه بسماتها، لا أن كل حبيبة ستصبح " هالة " جديدة، ولكن الحب دائما لا يفهم إلا في الإطار الريفي، لا أبعاد له إلا النخلة والنهر والمحار، والكوخ على مطلة على صفحة الجدول، أنها الاستحالة كاملة، أنها الطفولة دائما في أحضان الام وعالمها وعالمه الأثير، أنها اليقظة المستمرة للصلة بين الطفل والقبر المحفور في عقله الباطن. ولذلك كانت عميقة الدلالة تلك الصورة التي مثل فيها إخفاقه مع كل واحدة من حبيباته السبع:
؟.. أغوص في بحر من الأوهام والوجد ... فألتقط المحار أظن فيه الدر، ثم تظلني وحدي ... جدائل نخلة فرعاء ... فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة، ... وإذا تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها، لا ينز هناك غير الماء ... وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمة ... على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق، ... لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. ... عميقة هي لأنها تصور ذلك الإطار الريفي الذي كان يفرض على كل حب جديد ان يعيش فيه، فإذا لم يستطع أن يعيش فيه، فقد نبا به موضعه؛ هي صورة تجمع بين الحلم والحقيقة فتجمع بين طرفي العمر؟ النشأة والموت. ذلك لأنها ليست محض مجاز شعري، يستخدمه الشاعر كما تستخدم الصور في التوضيح والتبيان على نحو تمثيلي، وحسبنا دليلا ما نزعمه لها من أهمية أن نقرنها بفقرة من رسالة كتبها الشاعر إلى صديقه خالد؟ وهو يقضي الإجازة الصيفية (عام ١٩٤٤) - يقول فيها: " اكتب إليك رسالتي هذه بعد عودتي من سفرة
стр. 57
- مضنية ولكنها جميلة - إلى الجانب الآخر من شط العرب؛ لو تراني وقد القاني الزورق على ارض رسوبية نبت عليها القصب والعشب المائي؟ إذ أن ماء الجزر لا يوصل الزورق إلى الشاطئ - لقد خلعت نعلي وسرت في الطين، وانا اشق طريقي بين القصب، ثم وصولي إلى الشاطئ؟ إلى ارض لا اعرف منها غير أسماء بعض ساكنيها. وقفت وقدماي داميتان، ويداي مزينتان بالجراح على الشاطئ المقفر، أتلفت فلا أرى صدى، وأنصت فلا اسمع غير انين الريح، لقد نسج الخيال رواية عنوانها " موت الشاعر "؟. ولو تحدثت لطال الحديث " (١) .
هذه التجربة الصغيرة التي خرج منها الشاعر " دامي القدمين مزين اليدين بالجراح "، على مسافة غير بعيدة عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على الجهة الأخرى من النهر لم توح له إلا بفكرة " الموت "؛ وهي نفس الصورة التي استوحاها من قصص الهوى المخفق، كلاهما؟ اعني الحب وهذه الرحلة - سفرة قصيرة المدى، لكنها متشابهتان في نوع الألم والجراح، وما تنزه الأصابع عند تشبث الشوك والحصى بها، لأنهما متشابهتان في البعد عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على مقربة منها، وحين تحيا هذه الصورة نفسها في نفس الشاعر رغم السنوان الطويلة وعوامل النسيان الكثيرة على ظهر هذه الأرض فمعنى ذلك أن رحلة الحب ورحلة العمر - كانتا تنكمشان دائما إلى نقطة البداية، فإذا هما دائما عودة إلى الطفولة، إلى تلك النخلة الفرعاء نفسها التي ظلت تؤويه إليها وهو يبحث عن درة بين المحار فلا يجدها، وكل ما تجاوز هذه النخلة وظلها الوارف فهو ليس حبا، إنما هو إخفاق، أو موت على نحو ما؛ ولهذا كان كل حب مخفقا منذ البداية لأنه يمثل تجربة نمو، وكان الشاعر يقاوم هذا النمو دائما، لأنه يعني الانفصام
стр. 58
عن جذع النخلة، وحسبنا ان نورد قوله؟ وهو يشبه الفلتات النفسية ذات الدلالة العميقة - دون ان يهمنا كثيرا أية حبيبة يعني:
أنا أيها النائي الغريب ... لك أنت وحدك؛ غير أني لن أكون ... لك أنت؟ اسمعها؛ وأسمعهم ورائي يلعنون ... هذا الغرام، أكاد اسمع ايها الحلم الحبيب ... لعنات أمي وهي تبكي (١) . ... لقد سجل الشاعر تجربتيه الأوليين في الحب في قصيدة عنوانها " أهواء "؟ فتخلى عن قصيدة له كان قد نظمها قبل حوالي ثلاث سنوات بعنوان " أراها غدا " واستعار منها بعض أبياتها، وضمنها القصيدة الجديدة، وهي تلك الأبيات التي يتحدث فيها عن فاصل العمر بينه وبين ذات المنديل الأحمر ولكنه أضاف إليها أبياتاً أخرى وسعت من معنى هذا الفاصل الزمني، إذ ليست المسألة سبقا في السنين فحسب، وإنما تلك السنين نفسها كانت قد منحت الفتاة؟ دونه - تجربة حب تسامع الناس به، وكانت تجربتها هذه قد جعلت مروره في دنياها عاديا لأنه لم يكن سوى واحد في قافلة طويلة من العاشقين:
وهل تسمع الشعر أن قلته ... وفي مسمعيها ضجيج السنين أطلت على السبع من قبل عشرين عاما وما كنت إلا جنين ...
وأمسى؟ ولم تدر أنت الغرام ... هواها حديث الورى أجمعين
لقد نبأوها بهذا الهوى ... فقالت: وما اكثر العاشقين وبين هذه الاتهامات التجريحية ووصفه لها بالعجوز الشمطاء يوم لقيها عند موقف " الباص "، كان الشاعر قاسيا في النظر إليها والحكم عليها، مفتونا حانقا، يسميها " الذئبة الضارية " ولكنه لا ينفك يقول:
стр. 59
وفي ثغرها افتر كل الزمان ... وما عمر آذار إلا شهر
وبالروح فديت تلك الشفاه ... وان اذكرتني بكأس القدر وفي قصيدة " أهواء " نفسها عرض لتاريخه مع فتاة الريف، في تدرج كالذي صوره الأستاذ عبد الجبار البصري: افترار الشفاه بما يشبه البسمة الحانية ثم اللقاء، وفي فصل الشتاء التالي اضطر ان يلجأ هو وإياها إلى ظل الشجر وهو يحتضنها لئلا يصبها بلل، ثم كان خصام أعقبه صلح ولقاء، وهي قد حجبت خديها بكفيها، ثم أرختهما، ومضى عام آخر من الهناءة وهما يلتقيان بالتحايا والبسمات، وهو قد حفر اسمها على جذع نخلة هنالك، ثم تزوجت الفتاة، وناداها وهي تعنى بالرضيع والزوج، غير ساه عن انه لم يعد له وجود في عالمها:
أناديك لو تسمعين النداء ... وأدعوك؟ أدعوك؟ يا للجنون
إذا رن في مسمعيك الغداة ... من المهد صوت الرضيع الحنون
ونادى بك الزوج ان ترضعيه ... ونادى صدى أخفته السنون
فما نفعها صرخة من لهيب ... ادوي بها؟ من عساني أكون وعبارة " من عساني اكون؟ " تحمل الاعتراف باللاجدوى، وبأنه انما يراجع ذكرياته مراجعة التاجر المفلس للدفاتر القديمة.
ولكن لم هذه المراجعة؟ انه يقدم حسابه للمنتظرة، ليقف أمامها نقي الضمير، يستقبل حبها طرد جميع خيالات الماضي:
سأروي على مسمعيك الغداة ... أحاديث سميتهن الهوى وحين يمعن فب اللفتات الملتاعة يحس انه لم ينصف هذه المنتظرة " التي صورتها مناة "؟ فتاة الهوى والخيال - ولذلك يعاتب نفسه على ان المنتظرة ترفعه إلى السماء ما يزال يتحدث إلى " تراب القرى ":
نسيت التي صورتها مناي ... وناديت أنثى ككل الورى!
وأعرضت عن مسمع في السماء ... إلى مسمع في تراب القرى؟
стр. 60
أتصغي فتاة الهوى والخيال ... وأدعو فتاة الهوى والثرى؟ وهكذا يتضاءل ذلك الحب في نفسه حين يتشوف إلى حب جديد، دون ان يكون في الأمر صدمة عنيفة. وليست عودته إلى هذه الذكريات محاولة فحسب لاستقبال الحب الجديد بضمير نقي، وإنما هي وسيلة ينبئ فيها كل محبوبة انه لم يكن امرءوا دون تاريخ في الحب، ذلك شأنه كلما لاحت في الأفق فتاة جديدة، انه ينثر على مسمعيها قصص حبيباته السابقات، وهذا هو عندما تحدث إلى الباريسية عن السبع اللواتي احبهن (١) ، وهذا هو الذي كان سببا من أسباب القلق في حياته الزوجية، ومثارا للغيرة والنكد، وإلى هذا يشير؟ بصراحة - في قوله يخاطب زوجته من بعد (٢) :
ربما أبصرت بعض الحقد، بعض السأم ... خصلة من شعر أخرى آو بقايا نغم ... زرعتها في حياتي شاعرة ... لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي ... أنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره ... من حياة عشتها قبل لقانا ... وهوى قبل هوانا. ... ولا ريب في ان هذه الاعترافات ترمز إلى نقطة الضعف فيه لا إلى الثقة بالنفس، فقد كانت لذته الكبرى في ان يستعيد الماضي لا ليتخلص منه بل ليظل في صحبته، ومن الطريف الغريب في آن معا ان يقف امرؤ يقول لفتاة لم يرها بعد: " سأروي على مسمعيك أحاديث سميتهن الهوى " وان يؤكد لها نظرية تهدم معنى الانتظار وهو يقول:
стр. 61
وهيهات أن الهوى لن يموت ... ولكن بعض الهوى يأفل
كما تأفل الأنجم الساهرات ... كما يغرب الناظر المسبل
كنوم اللظى كانطواء الجناح ... كما يصمت الناي والشمأل وأية منتظرة هذه التي ترضى ان يقال لها: انك تقفين فوق بحر قد يثور بعد قليل، وفوق نار مكتومة قد تتوهج في لحظة، وعلى جناح مطوي، إذا امتد عنك صاحبه إلى الماضي؛ ان قصيدته " أهواء " هامة في تاريخ شعر السياب لأنها ترجمة جميلة لضعفه ولفترة من حياته.
ومما يلفت النظر ان القصائد الموجهة إلى ذات المنديل الأحمر ثلاث كلهن ينبعن وحدة يمثلها بحر المتقارب وهي " اغرودة " و " أراها غدا " و " خيالك " ومطالعها على التوالي:
كفى طرفك اليوم أن غررا ... بقلب جفا الحب واستكبرا * * *
أراها غدا هل أراها غدا ... وأنسى النوى أم يحول الردى * * *
لظلك لو يعلم الجدول ... على العذب من مائه منزل فلما اراد ان يودع هذا الحب وكل ما كان قبله بقصيدة تاريخية جامعة (قصيدة أهواء) عادت نفسه تجيش بتلك النغمة القديمة. ولست ادري سمة خاصة تميز نغمة المتقارب ولكن استغراق نفسه فيها يدل على أن كان كالعملاق في الردغة كلما حاول الخروج منها ازداد فيها غوصا. وهذه القصيدة بعد ذلك كله تشير إلى أن الفتى الذي درس الأدب الإنكليزي قد استطاع ان يستغل بعض ما درسه في سياقها، فهو في هذه القطعة:
وبالحب والغادة المستبد ... صباها به يلعبان الورق
وكيف استكان الإله الصغير ... فألقى سهام الهوى والحنق
رهان رمى فيه غمازتيه ... وورد الخدود ونور الحدق
стр. 62
إنما يترجم بعض القصيدة الإنكليزية:
Cupid and my campaspe playwd ... At cards for Kisses: Cupid paid: ... She stakes his quiver bow and arrows: ... His mothers doves and team of sparrows: ... Loses them too: then down he throws ... The coral of his lips the rose ... Growing ons cheek but none knows how ... With these the crystal of his brow ... And then the dimple on his chin. (١) ... ولكنا قد أمعنا في البعد عن السياب ابن السنة الجامعية الاولى، فلنعد إلى السياق التاريخي.
стр. 63
- ٦ -
الهوى البكر
ربما كانت الرحلة القصيرة التي اجتاز بها السياب شط العرب أول تمرس عملي بالطبيعة يتجاوز حد النظر والتأمل إلى المغامرة والسير في المجهول ومعاناة الاعتماد على النفس في استطلاع جانب من الطبيعة قد يكون شيئا مختلفا عن الظلال الساجية والتعاشيب الخضيرة وتدلي القطوف. ولكن ماذا كان رد الفعل المباشر لتلك المغامرة الصغيرة؟ لم يكن شيئا سوى تمثل الموت، إلا أن الشاعر خشي ان يسترسل في هذه الناحية وهو يتحدث عنها إلى صديقه وبتر الحديث قبل تمامه. وحقيق به أن يفعل ذلك، لا لان هذا النوع من الاعتراف قد يثير الضحك من المغالاة حين يقرن المرء بين ضآلة المغامرة وضخامة التصور وحسب، بل لأن الشاعر كان يقضي صيفا مليئا بالعافية والحيوية والنشاط، صيفا لا تعكر صفوه ذكريات بغداد ولا ضياع الحب الريفي، وإنما يستمد وقدة لكيفة اللهب من الحنين الداخلي العميق، صيفا يتغلب فيه الوعي الخارجي على كل رواسب الباطن، وتسيطر فيه الحركة العقلية على أي جيشان عاطفي. ولهذا وجدنا أن قصيدتيه في ذات المنديل الأحمر صدرتا باهتتين حافلتين بوعي يجعلهما لوحتين ضعيفتي النبض بالحياة. وكان بدر لو يدرك أبعاد حالة النفسية جديرا بالراحة، والعزوف مؤقتا عن قول الشعر، ولكنه كان يخشى جفوة الإلهام
стр. 64
- ولو إلى حين - وكان هذا الشعور يدفعه إلى الإكثار من النظم بدلا من التوقف عنه. وها هو يتوسل إلى خالد في رجاء من يستمد الثقة: " ألا تنقذ هذه القصيدة (التي سأكتبها لك) ؟ لقد مزقت أربع قصائد تبلها، ونويت أن أمزقها ولكني تذكرت نصائحك لي، فأبقيت عليها " (١) . وفي الرسالة نفسها: " بودي لو اكتب لك قصيدة أخرى.. فان عندي الآن قصيدتين: إحداهما " إلى العذراء المدنسة " كاملة وعدتها ٢٥ بيتا، والثانية " الحب والشعر والطبيعة " وهي على وشك ان تكمل ". ثم في رسالة أخرى: " سأهمل قصيدة (إلى العذراء المدنسة) وان لم أمزقها؟ وعندي الآن قصيدة كاملة عنوانها (المحبوبة المدنسة) وقصيدة لم افرغ منها بعد عنوانها (العش المهجور) " (٢) ؛ هكذا كان يكتب القصائد دون توقف، ولكنه مزق أربعا وأهمل خامسة، مما يدل على انه يقتسر الشعر، وكان حاد الإدراك بما يصلح للبقاء، ولهذا حذف جميع قصائد ذلك الصيف من بعد. على أنه لن يفوتنا أن نلمح؟ على وجه السرعة - كيف يلح معنى " الدنس " عليه، وان لم يكن؟ فيما أقدر - شيئا يتجاوز معنى الحب الذي داخله الشك، في لحظة ما، ولعله كان سببا؟ أو محاولة - لتهوين الأعراض الذي لقيه في دار المعلمين.
وكانت القراءة؟ بعد كتابة الشعر - هي المنحى الثاني من مناحي نشاطه؛ والحق ان لشواهد تشير إلى أن ثقافته أخذت تتسع وتؤثر في تفكيره ومقارناته، فهو يعرف ابن الرومي أو على الأقل يعرف من قصائده ما يعجبه وخاصة قصيدته في رثاء " بستان " المغنية، وقصيدته
стр. 65
في الاعتذار عن التفاوت في شعر الشعر " أما ترى كيف ركب الشجر "، وهو يقرأ في ديوان مهيار الديلمي، ويحفظ كثيرا من الشعر الذي أورده ابن قتيبة في " الشعر والشعراء "، ويطالع كتاب احمد الصاوي محمد عن شللي، ويحاول أن يتفهم بعض قصائد ذلك الشاعر في اصلها الإنكليزي (١) ؛ انه لم يتحول بعد دراسة الأدب الإنكليزي، ولكن هذا الاتصال المبكر بشعر شللي يدل على ان بذرة هذا التحول موجودة في نفسه، إذا وجد إلى ذلك سبيلا، وقد بدأ ينفعل ببعض أفكار " الديوان الشرقي " ويتعشق قصيدة البحيرة للامرتين، كما ترجمها علي محمود طه، أو كما يقول هو عن نفسه: " وعن طريق علي محمود طه وأحمد حسن الزيات في ترجمتهما للامرتين وألفريد دي فينيه ودي موسيه وبرسي شللي الإنكليزي أعجبت بالشعر الغربي وأخذت في مجازاته، وحاولت ان اقرأ الشعر الإنكليزي بعد الاستعانة بالقاموس عشرين أو ثلاثين مرة في القصيدة الواحدة " (٢) . وعلى الجملة فهو يحب النسمات الغربية، ولكن صداقته للشعر العربي ما تزال اشد قوة ومتانة.
وتسعفه تلك الحيوية الذهنية في النقد أيضاً، فقد كان من قبل إذا عرض عليه إحدى قصائده، اكتفى بالتقريط، أما الآن فقد أخذ يرى هنا وهناك ما يمكن أن يرفضه في تلك القصائد، بلطف مشوب بالاعتذار، أو بثناء مسترسل في الموابة: أرسل إليه خالد قصيدة بعنوان " ذات الرقى " فكتب معلقا: " ولست إدري أأهنئك أم اكتفي أن أقول أن كل كلمة من قصيدتك تهنئة من ربة الشعر لك، ذلك انك أرضيت عاطفتك بها ثم عدت فأرضيت عاطفة غيرك، وكم كان جميلا
стр. 66
أن أقرأ؟ يوم وصلتني رسالتك - في ديوان مهيار الديلمي فأرى فيه:
بكيتك للفراق ولحن سفر ... - وعدت اليوم ابكي للإياب والخطاب لأطلال الحبيبة، ثم جاءتني رسالتك وإذا معنى كهذا؟ ولكنه أسمى وأصدق منه بكثير - يطالعني من قصدك:
ذرفت دمعي حين عز الملتقى ... وأراه منسكبا وقد عرض اللقا لقد بكى مهيار مرتين؟ وذاك مما اعتاد المحبون عليه، أما شاعرنا فما اقتصر بكاؤه على موقفيه، لقد ظل باكيا منذ يوم الفراق؟ وهذا حق - حتى يوم اللقاء، وهذا ما انفرد به وحده؛ فكنا نتوقع أن يجفف اللقاء دمعه ولكنه لا يزال منسكبا، ولكن الشاعر نفسه؟ ولكني مع الشاعر - لا أرى في ذلك شذوذا، أوليس من يهواها ملك غيره؟؟ (١) " فعلى الرغم من أن السياب لم يفهم بيت صديقه بوضوح، وحمله من المعنى ما ليس فيه، فأنه كان يحس انه أخذ معناه عن مهيار الديلمي. ولكن صديقه حين غالى، وجاء بشيء غير معهود، في الثناء المشوب، لأن الناقد يدرك تماما طبيعة الجمال في بيت مهيار.
ومرة أخرى وقف عند قصيدة لخالد بعنوان " ياسمين " فأثنى عليها كثيرا ثم قال: " ولكنك تطعن فجأة أفكار (القارئ) المتسلسلة حين تقول في وصف الفم؟ انه " كجرح الطعين ": أن جرح الطعين يرسم أمام القارئ صورة بشعة: صدر عريض مكسو بالشعر عليه طعنة تسيل دماؤها ويجتمع حولها الذباب " (٢) . إن إيراد مثل هذه النماذج النقدية، لا يعني أن السياب قد اصبح ناقدا في تلك السن ولكنه يلقي ضوءا على ذوقه، وعلى ما كان يتكون في إحساسه تجاه أي عمل فني، حتى عمله هو نفسه.
стр. 67
وعندما انتزعه العام الدراسي الجديد (١٩٤٤ - ١٩٤٥) من أحضان الريف، عادت عجلة الحياة في بغداد تنقله بين كليته ومقاهيه التي ألفها في العام الأول؛ ولم تكن نقلة حافلة بالاستشراف لغير الزاد الثقافي، ذلك أن الصدمة في حب ذات المنديل الأحمر؟ ان صح أن نسميها كذلك - قد علمته أن يتردد في دق الأبواب العاطفية المقفلة، فأقبل على القراءة في الكلية وفي خارجها، ويصفه صديق كان يراه في تلك الأيام في أحد المقاهي بقوله: " فنراه جالسا في مقهى مبارك وأمامه قدح الشاي يرتشف منه ويعود إلى قراءة ديوان المتنبي أو أبي تمام أو البحتري وغيرهم من فحول الشعراء، ولكنه كان شغوفا لدرجة لا توصف بأبي تمام يحفظ مطولاته ويحلل صوره ويعيش في أجوائه، ولا أنس استشهاده بوصفه للثلج في إحدى رحلاته وقد غطى الأزهار، وكيف ان الشاعر عبد الرحمن شكري قد كتب في المقتطف انه لم يحس بحقيقة الصورة إلا بعد سنين طويلة، وعند سفره إلى انجلترة ومشاهدته الثلج وقد غطى الازاهير الجميلة " (١) .
ولنا على هذه العبارة المقتبسة تعليقان: أولهما صلة السياب بالمتنبي؟ وهي صلة خاصة ان وجدت حقا، ظلت سطحية الأثر؛ ولست أميل إلى إنكارها ولكني اعتقد ان التجاوب المصحوب بالتأثير، بين الفتى الناشئ والشاعر الكبير، لم يكن كبيرا، وثانيهما قول الكاتب " لدرجة لا توصف " فانه من المبالغات التي لا ترفض جملة، ولكني أخشى أن يكون هذا القول صدى " بعديا " لإقرار الشاعر؟ فيما بعد - بدينه الكبير لأبي تمام (٢) .
في ذلك العام لم تكن الحرب قد انتهت بعد، وكان الفتى الذي أعلن رضاه عن ثورة الكيلاني في بواكير عهده بالشعر، لا يزال في حال
стр. 68
توقف، لا يستطيع ان يعلن انتمائه إلى فئة دون أخرى. ولعل خير ما يصور حاله قول الأستاذ العبطة: " كان هادئا وديعا ولم يرتفع صوته في هذه الأيام عندما كنا نتراشق ونتلاسن وننقسم إلى معسكرين: منا من يؤيد الحفاء ومعسكر الديمقراطية ومنا من يمجد النازية وهتلر؛ واذا ما احتدم النزاع؟ وكثيرا ما يحتدم - يستأذن في الذهاب إلى القسم الداخلي من الدار (دار المعلمين) تاركا النزاع وأهله " (١) .
ويمر هذا العام الدراسي كما مر أخوه السابق وينجح بدر في السنة الثانية بدار المعلمين، ويعود إلى الريف في إجازة الصيف، ولكنا نحرم كثيرا من المعلومات عنه، إذ ر شعر ولا رسائل تحمل تاريخ سنة ١٩٤٥ (٢) فأكثر شعره إنما كان ينظمه في فترات العطل المدرسية، وفي صيف ذلك العام سافر خالد في رحلة تنقل خلالها في ربوع مصر وفلسطين ولبنان وسورية، فلم يكن بين الصديقين مراسلات في ذلك الصيف، وذلك شيء حرمنا كثيرا من المعلومات عن بدر، في حياته ومحاولاته الشعرية.
وعندما عاد إلى السنة الثالثة بدار المعلمين، (١٩٤٥ - ١٩٤٦) كانت نفسه تعج بعاصفة جديدة من الإرادة الحازمة: أما أولا فانه لن يستمر في فرع اللغة العربية، فقد شبع من حفظ الشعر العربي، وازداد نمو الميل في نفسه لإتقان اللغة الإنكليزية كي يستطع أن يقلل من الاعتماد على القاموس حين يقرأ القصائد الشعرية، وأما ثانيا فان حياه السلبي يدل على انه كالصخرة الصماء الراسخة في وجه السيل، يزدهيها رسوخها، ولكنه لا يبلغ بها إلى أية غاية، ولذا فلا بد من الثورة على هذا الحياد الذي يشبه الموت.
стр. 69
وقد دهش أصدقاؤه للتحول الأول حتى قال بعضهم: " انه موقف عجيب من شاعر ناشئ لم يتعرف من العربية إلا نهلة لا تبل الشفاه " وتحدثوا إليه بدهشة فابتسم ولم يتكلم (١) .
وأما التحول الثاني فانه لم يكن قد تبلور بعد تمام التبلور، ولندع أحد شهود تلك اللحظات يحدثنا عنها فيقول: " وهنالك في بغداد الأمس كان الواحد منا يحاول أن يجد لما تراكم في نفسه من قلق وهلع وخيبة متسعا في الأدب يثبت فيه قيما جديدة تتناسب مع أحاسيسه وتفهمه العاطفي لمشاكل العالم؛ وكان العالم يتحدث بصوت مبحوح عن جريمة قتل مرعبة حدثت في هيروشيما، وعن انتحار كاتب ألماني في البرازيل، وعن طالب بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي يسأله عما إذا كان عليه أن يتم دراسته بعد أن اخترعت القنبلة الذرية؛ وكانت صحف بغداد تتحدث عن تاجر خلط الدقيق بنشار الخشب وقدم خليطه خبزا للناس. وخلال هذه الصورة القائمة كانت يد صغيرة متشنجة تشد على أيدينا بكثير من الإخلاص، هي يد بدر، وكان يتحدث عن كل تلك الأشياء كما لو انه جزء منها ولا أهمية له من دونها، وفجأة وبنفس الحماسة يبدي إعجابه بضحكة حسناء عبرت، أو بلثغة زميله له في الكتابة تصاقب مجلسه في عرفة الدرس؟ وكانت تحملنا قصاصات من ورق عبر أمسيات كثيرة من مقهى إلى مقهى لنسمع إلى هذه المحاولة الجديدة وتتقد تلك القصيدة ونحن نحاول أن نفلسف العالم من حولنا. وظل البعض منا يحاول يائسا ان يوفق بين ماركس ونيتشه لينتشل نفسه من صراع مر؛ أما بدر فقد بدا لنا كما لو ان كلا منهما يعيش في زاوية من نفسه في حياة لا تتطور " (٢) .
стр. 70
إن هذه الصورة الشعرية المفلسفة لذلك الماضي ربما لم تنقل التاريخ حرفيا، وربما تجاوزت عام ١٩٤٦ بمدلولها إلا أنها على أية حال تعطي فكرة عن مخاض كان يعانيه جيل بدر؛ فأما إلى اليمين وأما إلى اليسار، ولو أن كاتب هذه السطور المقتبسة تذكر ان بدرا اشترك في إضراب وقع في الكلية أواخر عام ١٩٤٥، فصل على أثره منها، وعاد إلى قريته، لاستطاع أن يذكر أن الشاب الذي لم يكن يحاول التوفيق بين نيتشه وماركس، فكريا، كان قد أصبح يدرك عمليا انه لا يستطيع أن ينأى بنفسه كلما أشتد الصخب حول الموضوعات العامة، وأن يدخل إلى غرفته في داخلية دار المعلمين. غير أن هذه الصورة صادقة تماما في الحديث عن نفسية بدر الذي كان ما يزال يتحدث عن افتتانه بضحكة حسناء عابرة في حماسة مماثلة لماسه في الحديث عن اخطر الموضوعات الإنسانية، ولكنه رغم ذلك كان يقف على عتبة تحول خطير.
هل كان " الهوى البكر " أثر في هذا التحول؛ " الهوى البكر "؟ ألست ترى، حين تعلم أن السياب هو صاحب هذه التسمية، كيف ان الشاعر أحس لحظة انه يولد من جديد، وان كل حب في الماضي كان عبثا؟ وبما أنه كان عبثا فكأنه لم يكن، ولتذهب كل ذكرى لهالة وذات المنديل الأحمر، ولكل أنثى خفق القلب لها من قبل، لتذهب كل هذه إلى جحيم النسيان. من هنا يبدأ التاريخ الذي يستحق التدوين، أما ما قبل ذلك فكله من أساطير ما قبل التاريخ وفرضياته ومزاعمه. كان القلب يحسب كل نور التمع في الدجى منارا يهديه، ولم يكن يعلم أن المغررات في أضواء الليل كثيرات، وبعضها كنار الحباحب، أما اليوم فقد وجد " المنارة " التي تومئ إلى المرفأ الآمن الأمين.
وكان ذلك النور الجديد إحدى زميلاته في الكلية تعرف إليها في مطلع العام الدراسي الثالث، ولا يميزها كثيرا أن تقول أنها ذات غمازتين لا لكثرة اللواتي يتمتعن بهذه السمة بل لآن كل فتاة احبها السياب
стр. 71
منحها غمازتين. غير أنها تمتاز عن كل من عرفهن بأمور: فهي ليست بكماء الاستجابة كالفتاة القروية، وهي ليست تنظر إليه نظرتها إلى غر كما كانت تفعل ذات المنديل الأحمر، وإنما هي فتاة تحب الأدب وتعجب بالشعر، وتحسن الاستماع إلى الشاعر إذا هو تحدث عن عاطفته، وهي لا تتحرج في أن تلقاه في رحاب الكلية وفي خارجها، وأن تمنحه الفرصة لكي يتعمق المعاني في عينيها وابتسامتها، وأن يلقي شعره؟ فيها - على مسمعيها. ولذلك لم يكن من الغريب ان يحص بأنه إنما يعرف الحب لأول مرة، ويكتفي من دنيا بغداد؟ على رحبها - بباحات الكلية، وباليسر في شارع " طه "، لعلها تطل عليه، أو لهاها تحس من وراء الجدران بزفراته ولوعته. وربما شارك في الإضراب الذي ذكرناه لينبل في عينيها، ويرتفع عند نفسه وعند نفسها.
غير أن الإضراب جر إلى الفصل، والفصل أدى إلى الرحلة عن بغداد، إذ ليس في مقدور طالب فقير يجد مأواه في داخلية دار المعلمين أن ينفق على نفسه باستئجار مسكن في الخارج، وقالت له في آخر لقاء: " وافني بكل ما تكتب من الشعر.. عن طريق الآنسة فلانة " (١) . وعاد إلى " جيكور " وهو يحمل بين جنبيه وديعة حب جديد، ويصونها صيانة البخيل لجوهرة فريدة.
وكان شتاء قاسيا يجمع العبوس والحرمان من إتمام الدراسة والبعد عن الحبيبة الجديدة، وكان أول صدى لهذا الفراق قصيدة بعث بها " هواه البكر " عن طريق الآنسة فلانة؛ وكتبت إليه فلانة تقول: " يسرني أن أقول لك أن الآنسة (؟.) معبودتك قد أعجبتها قصيدتك تلك وهي متأسفة لما حل بك " (٢) ولكنه كان يحس بوطأة من المعاناة العاطفية لم يشهدها من قبل، ولم تكن هذه الكلمات لتخفف
стр. 72
الحقيقة الراعبة، وهي ان ابن العشرين يحس بأنه يضيع العمر في ارتقاب الليل ليسفر عن صبح، وفي تشييع القمر وعد الساعات الطويلة الثقيلة؟ الريف بعيدا عن الحبيبة يغل النفس ويحرج الصدر، وخاصة إن كان المرء قد احتجب عنه وجه هدفه:
ماذا جنيت من الزمان سوى الكآبة والنحول ... أو ارقب الليل الطويل يذهب في الصبح الطويل ... وأتابع الشمس المرنحة الشعاع إلى الأفول ... وأشيع البدر السؤوم يغيب ما بين النخيل ... لا مأمل لي بالكثير ولا رجاء بالقليل ... وأعد أيامي لأسلمها إلى الهم الثقيل ... وأعيش محروم الفؤاد من الهوى، عيش الذليل ... وأسرح الطرف الكئيب من التلال إلى السهول ... وأصعد الآهات دامية وأمعن في العويل ... ضاقت بي الدنيا وضقت بها كأني في رحيل ... في وهدة قفراء بح بجوها صوت الدليل (١) .
وأرسل إلى صديقه خالد مع هذه القصيدة قصيدة أخرى بعنوان " زهرة ذاوية " يخاطب فيها زهرة أخذت في الذبول ويقول لها " تفردت كالشاعر المستهام " وتبدو في سياقها العام وكأنما هي ترجمة؟ أو معارضة - لقصيدة إنكليزية. تلك ثلاث قصائد في أقل من شهر، ومع ذلك فانه يضيف في رسالته إلى صديقه: " فلا تزال لدي قصيدتان اجتماعيتان إحداهما تقارب التسعين بيتا والأخرى تزيد على الثلاثين، عنوان الأولى " غادة الريف " والثانية " رثاء فلاح " (٢) . وكم كنا نتمنى
стр. 73
لو عرفنا هاتين القصيدتين، لنرى السياب وقد اخذ في منحى جديد غير الحديث عن الحب وما يجره من يأس وتشاؤم، وقد وعد أن يكتب بهما إلى صديقه في رسالة ثانية، ولكنه لم يفعل، أو لعله فعل وضاعت الرسالة.
وقرر أن يخلد حبه الجديد في قصيدة طويلة، فأنصرف مدة من الزمن ينظم " نشيد اللقاء " حتى بلغت أبيات ذلك النشيد ١١٩ بيتا، وأرسله إلى الآنسة فلانة لتوصله إلى معبودته، ولتسرع فتنبئه عما تركه ذلك النشيد في نفسها من أثر؛ ومرت أسابيع دون أن يرجع إليه جواب " لا من الآنسة ولا من الحسناء التي أخبرتها بعنواني في آخر صفحة من صفحات الكراس المنكود " (١) واشتد به الألم المغص فتصور أن حبه قد مات، وعبر عن ذلك بقصيدة له " خب يموت " مطلعها:
اليوم بين مصارع الزهر ... والصبح يطفئ جانب القمر
حبي يموت وأنت لاهية ... لم يدر سمعك ضجة الخبر وبعد أن نفس بها عن كربه تأمل فيها وقال: " أحق أن حبي مات؟ لا وحبي ما مات حبي " ثم نظم بعدها بيوم قصيدة على وزنها بعنوان " ما مات حبي "، ويلفتنا في هذه القصيدة انه يعالج فيها تهمة تنقله من محبوبة إلى أخرى، فيجد أن النسيم أيضاً ينتقل ولكنه لا يستطيع ان يجاوز حدود الوجود:
أنت الوجود فحيثما انطلقت ... بي مقلتان ملكت منطلقي
سيان عندي مت من ظمأ ... ما دمت عبد هواك أو غرق
سيان عندي كنت في سحر ... ما زلت أنت سماي أو غسقي
روحي فداؤك بت راضية ... (٢) أني فديتك أو على حنق
стр. 74
ولعل جسر العشرين كان من اصعب الجسور التي أجتازها بدر فقد أحس انه يعبر حدا فاصلا بين عهدين، وهو لا يدري إلى أين تتجه به الاقدار؛ كان قد سمى المجموعة الشعرية التي رتبها في كراس " أزهار ذابلة "، وكان بعض رفاقه يلومه على هذه التسمية، وهو ما يزال في ريعان الشباب وعلى بداية الطريق المبلغ للآمال، ولكن حادثة فصله من دار المعلمين، قد ألقت به في مهواة يأس لا قرار لها، ولذلك فأن كلماته تنضح بالعذاب القاتل المروع وهو يخاطب صديقه خالدا بقوله: " أي خالد كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن اخفت نغمة اليأس في أشعاري وأمحو صورة الموت من أفكاري، حتى لا تسمع الآذان ركزا من تلك، ولا تبصر العيون خطأ من هذه، لكنني واحسرتاه عدت بصفقة الخاسر، وحظ الخائب، وقد نذرت نفسي للألم والشقاء واليأس والفناء؛ ما اجهل من لامني على ان سميت مجموعة أشعاري " بالأزهر الذابلة " ليته كان معي ليرى أن كل الكون: الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء، أزهار ذابلة؟ ذابلة في عيني الشاحبتين ونفسي الهامدة الخامدة " (١) .
ولم تسعفه القراءة كثيرا على العزاء، بل لعلها زادت في ألمه لأنها فتحت عينيه على مفارقة جديدة: كان يقرأ البحيرة للامرتين ويتنقل بين الخلجان والوديان والكروم وحوافي البحيرة وقنن الجبال والغيران الموحشة والشلالات الهادرة في صدوع الصخور من " سفوا " ويحس بضآلة الريف الذي كان يتغنى بجماله: " رباه اعطني مثل هذه السعادة وأن كانت قصيرة الأجل خائبة الأمل، فان من ذكرياتها ما يملأ فراغ الأيام وما يمنع الحب أن يزور من جديد " (٢) .
وضاق صدر خالد؟ على سمعته - بهذا الوضع المتردي الذي
стр. 75
انتهى إليه صديقه: أي هوى بكر وأي خداع نفسي وأي انخداع طوعي؟ ولم يقدر خالد أن الآلام التي يعانيها الشاعر مجتمعة؟ من إقصاء عن المدرسة ومن إخفاقات متلاحقة ومن فقر مستكلب القبضة ومن " فراغ وبطالة وسأم وخمود " إذا اقبل الصيف في منطقة البصرة - كلها كانت تتنفس دفعة وتنطلق تحت واحد اسمه " الحب "، فإذا أضاف الشاعر إلى ذلك الحب صفة " البكر " فذلك شيء حدث قبل أن يقذف به الإضراب فوق شوك البطالة والفراغ والسأم؛ ذلك شيء أراد به أن يبدأ عهدا جديدا فما ذنبه إذا أخلفت الأيام تقديره؟ ولكن خالدا ظن انه صارحه بما يعده حقيقة فأنه إنما يسدي إليه يدا حين يوقظه من غفلته. أن ربة الهوى البكر تعبث به ولا تحمل في نفسها أي تقدير لعاطفته، فلم هذا المضي في الطريق الذي ينتهي إلى غاية، لم هذا التعلق بتلك التي تفتح الباب " آونة فلا يكاد الطارق يهم بوضع قدميه على العتبة حتى يغلق دونه؟! " (١) .
وكان الرد المباشر على هذه الملامة عفويا طبيعيا: لا بد أن تكون لدى خالد شواهد يقينية تجعله يرسل هذا الحكم ويبني عليه اللوم، وقال بدر: " قد لا يصل بك فكرك الشاعر وخيالك الطائر إلى أن تدرك الأثر الصادم والأذى الكالم الذي تركته في نفسي كلماتك الزاجرة وأقوالك الساخرة؟. أرضاني هذا القول في أول أمره، ولكن ليل الريف الندي، تهب عليه أنسام الشمال التي أحسبها آتية من بغداد، أقول: لكن هذا الليل تسرق فيه الأحلام خطاها الخفية الواهنة مفضضة بالشعاع الباهت ينطف من نهر المجرة المختفي وراء الأبعاد هاج لي الألم واستنزل على صدري الخافق حسرت راعدة وآهات صاعدة، ضاق بها صدر الأفق الأرقط. ليت لي براعة شعراء الأرض جميعا لأصور