المبحث الثاني:
في ذكر أوصاف الكتاب وصلتها باستحقاق الحمد
وصف الله ﵎ كتابه الكريم في مقام الحمد بإنزاله بصفات تدلّ على أنّه حقيق أن يحمد الله نفسه الشريفة على إنزاله وأن يتمدّح إلى عباده به. وتلكم الصفات (أولها) في قوله تعالى: (ولم يجعل له عوجاً) وهو وصف كمال له بنفي وجود شيء من العوج به كاختلال في النظم وتنافر في المعنى أو انحراف عن الدعوة إلى الحق؛ بل هو في غاية الكمال من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف والتضاد. وهذا الوصف الذاتي له يقتضي أنه أهلٌ للانتفاع به (١) .
و (ثانيها) في قوله تعالى (قيّماً..) والقيِّم: صفة مبالغة من القيام الذي يطلق على دوام تعهّد شيء وملازمة صلاحه؛ لأنّ التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، والمراد بهذا الوصف في شأن القرآن الكريم أنه قيّم على هدي الأمة وإصلاحها بكلّ ما يحقّق لها الخير في مصالحها الدينية والدنيوية. وهذا الوصف يقتضي أنّ كماله متعدٍّ بالنفع (٢) .
وأقول: إنّ هذين الوصفين بدلالتهما على كمال هذا الكتاب الكريم بكونه في ذاته أهلاً للانتفاع به وكونه متعدّياً بالنفع فيهما إظهار وإشعار لاستحقاقه تعالى الحمد على إنزال القرآن الكريم، فالإتيان بهما مناسب لمقام الحمد ههنا.
لطيفة:
يذكر ابن عاشور في قوله تعالى (ولم يجعل له عوجاً) أنّه إنّما عُدّي الجعل
стр. 37
باللام دون (في) لأنّ العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية، لأنّ الظرفية من علائق الأجسام، وأمّا معنى الاختصاص فهو
أعمّ (١) . وهذا الذي ذكره أمر دقيق يحسن التنبيه إليه.
وبهذه اللطيفة يتم الكلام حول الموضع ولله الحمد والمنة.
стр. 38
الفصل السادس: حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص
المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها .
...
الفصل السادس:
حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص
قال الله تعالى ﴿وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم
وإليه ترجعون﴾ (١)
المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها.
هذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها من قوله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. وربك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون﴾ (٢) ؛ ذلك أنه بعد أن أخبر الله تعالى بأنه المنفرد بالخلق والاختيار وليس له في ذلك منازع ولا مزاحم ولا معقّب؛ ثم نزّه ذاته من أن يشرك به من الأصنام أو الأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً، ومن بعد أخبر أنه بسبب علمه لما تخفيه صدور عباده وما يعلنونه من أقوال وأفعال فهو المستحقّ والمنفرد بأن يختار لهم ما يشاء دون سواه.. بعد هذا البيان والإخبار منه ـ عزوجل ـ عطف عليه إثبات ألوهيته بقوله: (وهو الله لا إله إلا هو) ، وهو كالنتيجة والتقرير لما قبله؛ ذلك أنّ من كان بيده الخلق والتقدير والاختيار، ومن كان عليماً بخفايا الصدور وعلانية الأمور، فهو الإله الواحد الحق الذي لا يكون التوجه إلا إليه ولا تصرف العبادة إلاّ له، ولا يرجع في الحكم إلا لما يختاره ويقضي به.. ومن ثم أتبع إثباته لألوهيته بحمده ذاته الشريفة بقوله ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ ، وهو بمثابة الاستدلال والتعليل لثبوت إلهيته ونفيها عما سواه؛ ذلك أنّه تعالى هو الذي قد أحاط بكلّ أوصاف الكمال والجلال وهو المنعم على خلقه مؤمنهم وكافرهم فله الحمد والثناء التامّان في الدنيا والآخرة، وليس ذلك لشيء سواه؛ وبهذا فهو المستحقّ للألوهية وحده سبحانه (٣) .
стр. 39
المبحث الثاني:
في بيان جملة الحمد (له الحمد في الأولى والآخرة) وما بعدها
حمد الله ذاته الكريمة ـ ههنا ـ بقوله (له الحمد في الأولى والآخرة) ، وقوله
(له الحمد) هو في معنى قوله (الحمد لله) والتي سبق بيانها؛ وذلك لأن اللام في قوله (له) هي للملك والاستحقاق، والضمير يرجع إلى اسم الجلالة، والتعريف في الحمد للجنس المفيد للاستغراق، هذا مع إفادة تقديم المجرور الاهتمام بضمير الجلالة والاختصاص (١) . وإنّما اختلف التعبير ـ ههنا ـ لما اقتضاه سياق الكلام في الآية.
وأمّا ذِكْرُ أنّ له الحمد في الأولى والآخرة فلإفادة التعميم لاستحقاقه الحمد في الدارين؛ لِما أنه ذو الصفات الكاملة والمنعم على عباده في الدنيا والآخرة، ويحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا كما أخبر الله عنهم بقوله سبحانه ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء..﴾ الآية (٢) . أقول: وفيه مزيد تفخيم لشأن حمده ذاته تعالى في مقام إثبات ألوهيته.
مطلب:
ومن بعد حمده تعالى لذاته يعطف عليه إثبات أنّ الحكم له بقوله (وله
стр. 40
الحكم) ، وهو تتمة للاستدلال والتعليل لإثبات ألوهيته ونفيها عمن سواه. والمراد: أي له الحكم في الدارين أيضاً، وحُذِف المتعلق بالحكم لدلالة قوله قبلها (في الأولى والآخرة) (١) ؛ فمن كان له الحكم والقضاء في الدنيا والآخرة على عباده فهو المستحق للألوهية وحده.
ويعطف عليه أيضاً بما يكون خاتمة للاستدلال والتعليل على ألوهيته بقوله: (وإليه ترجعون) ، أي فمن كان مرجعكم ومصيركم إليه فاتقوه ووحّدوه
ولا تصرفوا شيئاً من الألوهية إلا له؛ فهو المستحق لها الفرد الصمد دون سواه.
لطيفة:
إنّ في تقديم المجرور بقوله تعالى (وإليه ترجعون) اهتماماً بالانتهاء إليه سبحانه وإلى حكمه وقضائه، مع مراعاة الفاصلة (٢) . والله أعلم بمراده.
وبهذه اللطيفة يتم الحديث عن هذا الموضع ولله الحمد والمنة.
стр. 41
الفصل السابع: حمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم
المبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة
...
الفصل السابع:
حمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم
قال الله تعالى ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾ (١) .
المبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة
يحمد الله ذاته الكريمة بالعطف على تنزيهه لها قبله؛ بعد أن بيّن سبحانه في الآيات السابقة حال فريقي المؤمنين العاملين بالصالحات والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعقاب وهي قوله تعالى ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون﴾ (٢) ؛ وذلك لكي يرشد عباده بما ينجيهم من العذاب ويفضي بهم إلى الثواب، وهو تنزيههم له تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله؛ وحمدهم له على ما أنعم به عليهم من نعمه العظيمة وآلائه الجليلة إذ قال ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾ (٣) .
ويدلّ على هذه المناسبة اقتران التسبيح بالفاء، وهي لترتيب ما بعدها
стр. 42
على ما قبلها، ومن ثمّ عطف عليه حمده لذاته سبحانه.فقوله تعالى (فسبحان الله) خبر في معنى الأمر بالتسبيح لخلقه، فإذا كان الله تعالى ينزه ذاته عن كل ما لا يليق بها فعباده مأمورون بلا ريب في تحقيق ذلك، وكذلك الشأن في قوله ﴿وله الحمد في السموات والأرض..﴾ فإن حمده لذاته والإخبار عنه فيه إرشاد وأمر لحمده على أبلغ وجه وآكده (١) .
لطيفتان:
الأولى: إنّ في توسيط الحمد ومجيئه معترضاً بين أوقات التسبيح اعتناءً واهتماماً بشأنه؛ وإشعاراً بأنّ حقّهما أن يجمع بينهما (٢) .
الثانية: وفي حكمة اقتران الحمد بالتسبيح والجمع بينهما في هذا المقام؛ بل وفي غيره من آيات القرآن الكريم يقول ابن كثير (٣) رحمه الله تعالى: ((ولمّا كان التسبيح يتضمّن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدلّ على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قُرن بينهما" (٤) .
стр. 43
المبحث الثاني: في بيان حمد الله لذاته وصلته بما بعده
اعتماداً على ما سبق ذكره بأنّ حمد الله ذاته الكريمة معطوف على تسبيحه لها؛ فإنّ الأوقات التي ذكرت هي محلٌّ لهما كذلك وهي أربعة أوقات:
(حين تمسون ـ حين تصبحون ـ عشياً ـ وحين تظهرون) وقد ذُكر في وجه تخصيصهما بتلك الأوقات أنّه للدلالة على أنّ ما يحدث فيها من آيات قدرته وأحكام رحمته ونعمته هي شواهد ناطقة بتنزهه تعالى واستحقاقه للحمد، وموجبة لتسبيحه وتحميده حتماً (١) .
أقول: وهذا الكلام في غاية الصحة وهو مبني على تأمّل وإدراك بالغ، ويضاف إليه ما أشار إليه ابن عاشور في أنّ هذه الظروف متعلّقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل، أي ينشأ تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان منها، والمقصود التأبيد أي على الدوام، وإنّما سلك مسلك الإطناب لأنه مناسب لمقام الثناء (٢) . وهي إشارة حسنة لا تتعارض مع ما ذُكِر قبلها.
هذا ويرى ابن عباس ﵄ أنّ تسبيح الله تعالى وتحميده في هذه الأوقات إشارة إلى الصلوات الخمس. (٣) وعلى هذا فالتعبير بالتسبيح
стр. 44
والتحميد ـ ههنا ـ هو من باب إطلاق الجزء على الكلّ؛ حيث إنّ الصلاة تشتمل عليهما.وللشيخ عبد الرحمن السعدي (١) إضافة متميّزة في ماذكره ابن عباس ﵁ حيث قال: ((فهذه الأوقات أوقات الصلوات الخمس أمر الله عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات وما يقترن بها من النوافل؛ لأنّ هذه الأوقات التي اختارها الله لأوقات المفروضات هي أفضل الأوقات؛ فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها)) (٢) .
ثمّ إنّ جعل الحمد له سبحانه في السموات والأرض فيه تفخيم وتعظيم لشأن حمده تعالى، فهناك قال: (في الأولى والآخرة) وههنا قال (في السموات والأرض) ، وفيه إشارة ـ أيضاً ـ إلى أنّه لا يستحقّ الحمد أحدٌ سواه، إذ إنّ حمده قد استغرق وأحاط بكل الأزمنة والأمكنة والأحوال،،وسواءٌ حمده الناس أم لم يحمدوه فهو الغنيّ الحميد.
وقد ذكر ابن كثير في معنى قوله تعالى ﴿وله الحمد في السموات والأرض﴾ أي هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض (٣) . وهو كلام موجزٌ مؤكِّدٌ لما ذكرته آنفاً.
стр. 45
مطلب:
يجيء بعد التسبيح والحمد قوله تعالى ﴿يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم أنتم بشر تنتشرون..﴾ الآيات (١) . وفي هذه الآيات بيان لتصرّفه تعالى في المخلوقات بالإيجاد وبالإحياء بعد الموت، مع ذكره لعدد من نعمه وآلائه، وهي بهذا تُبيّن أنّه سبحانه هو الإله المستحقّ للثناء والتقديس، فلها موقع العلّة لما قبلها من التسبيح والتحميد (٢) .
لطيفة:
إنّ في تقديم (عشياً) على (حين تُظهرون) مراعاة للفواصل وتغيير الأسلوب، ولما أنّه لايجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة (٣) . والله أعلم بمراده.
وبهذه اللطيفة أختم الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته
ولله الحمد المنة.
стр. 46
الفصل الثامن: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة سبأ
المبحث الأول: في بيان الموضع الأول وغايته وصلته
...
الفصل الثامن:
حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة سبأ
قال الله تعالى ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير﴾ (١) .
هذه الآية الكريمة اشتملت على موضعين لحمد الله ذاته الشريفة، موضع في افتتاحها وموضع آخر في شطرها الثاني، وسأبيّن كلّ موضع منهما في بحث مستقل به على ما يلي:
المبحث الأول: في بيان الموضع الأول وغايته وصلته
هذه السورة الكريمة هي إحدى خمس سور في القرآن الكريم افتتحت بحمد الله ذاته، وجميعها سور مكية، وهي: الفاتحة ـ الأنعام ـ الكهف ـ وسبأ ـ وفاطر. ومن حسن وضع ترتيبها في المصحف أنّها جاءت في بداية كلِّ ربع من القرآن، فكانت أرباع القرآن كلّها مفتتحة بالحمد. وفي هذا إشارة لطيفة يدركها المتأمّل في كتاب الله عزّوجلّ، وقد ذكر الفخر الرازي وجهاً في ذلك حيث قال: ((والحكمة فيها أنّ نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فإنّ الله تعالى خلقنا أولاً برحمته وخلق لنا ما نقوم به، وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم، فلنا حالتان الابتداء والإعادة، وفي كلّ حالة له تعالى علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول
(الربع الثاني) : ﴿الحمد لله الذي خلق السموات الأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الآية (٢)
стр. 47
إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ويدلّ عليه قوله تعالى فيه ﴿هو الذي خلقكم من طين..﴾ الآية (١) . إشارة إلى الإيجاد الأوّل، وقال في السورة الثانية (الربع الثالث) ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ الآية (٢) ، إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإنّ الشرائع بها البقاء، ولولا شرع ينقاد له الخلق لاتّبع كلّ واحد هواه ولوقعت المنازعات في المشتبهات وأدى إلى التقاتل والتفاني، ثمّ قال في هذه السورة ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ ، إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني، ويدل عليه قوله تعالى (وله الحمد في الآخرة) ، وقال في فاطر ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾ (٣) الآية إشارة إلى نعمة الإبقاء ويدل عليه قوله تعالى ﴿جاعل الملائكة رسلاً..﴾ والملائكة بأجمعهم لايكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلِّمين كما قال تعالى ﴿وتتلقّاهم الملائكة..﴾ (٤) الآية. وقال تعالى عنهم ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ (٥) وفاتحة الكتاب (الربع الأول) لمّا اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (٦) إشارة إلى النعمة العاجلة، وقوله ﴿مالك يوم الدين﴾ (٧) إشارة إلى النعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام)) (٨)
هذا وبالنظر إلى موضوعات هذه السورة الكريمة فإنّ افتتاحها بالحمد
стр. 48
للتنبيه على أنّها تتضمّن من دلائل تفرّده بالإلهية واتصافه بصفات العظمة والكمال مما يقتضي إنشاء الحمد له والإخبار باختصاصه به (١) .
مطلب:
يصف الله تعالى ذاته الكريمة بعد حمده لها بقوله ﴿الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ ، وهذا الوصف يقتضي أنّ كل ما في السموات والأرض ملك له سبحانه، وهو يفيد بذلك بيان علّة استحقاقه للحمد؛ لأن ملكه للسموات والأرض وما فيهما ملك حقيقي؛ إذ هو سبب إيجاد تلك المملوكات، وذلك الإيجاد عمل جميل يستحق صاحبه الثناء والحمد، وأيضاً يتضمّن هذا الإيجاد نعماً جمة ظاهرة وباطنة وهي تقتضي كذلك الحمد له تعالى، فكان وصفه عزّوجلّ بالملك بياناً لعلّة الحمد. (٢) والله أعلم.
ثمّ إنّ في هذه الصلة ـ أيضاً ـ تعريضاً بكفران الكافرين المشركين الذين حمدوا أشياء في هذا الكون ـ والتي من جملتها الإنسان ـ وهي تحت ملكوته سبحانه وحكمه، وليس لها من الملك شيء، وهي ليس لها ـ في حدّ ذاتها ـ استحقاق الوجود فضلاً عمّا عداه من صفاتها، بل كلّ ذلك نعم فائضة عليها من جهته تعالى، وما كان هذا شأنه فهو بمعزل عن استحقاق الحمد، وبهذا يظهر لهم اختصاص جميع أفراده به تعالى. (٣)
стр. 49
لطيفة:
إنّ في وصفه تعالى بأنّ له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنّ كونه مالكاً لكلّ الأشياء يوجب كونه محموداً على كلّ لسان؛ لأنّ الكلّ إذا كان له فكلّ من ينتفع بشيء من ذلك كان منتفعاً بنعمه تعالى. (١)
стр. 50
المبحث الثاني: في بيان الموضع الثاني للحمد وغايته
قال الله تعالى: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾
لما علم من وصفه تعالى بقوله ﴿الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ أنّ له الحمد في الدنيا أتبعه ببيان أنّ له الحمد في الآخرة كذلك لِما انّه هو المالك لها أيضاً فقال : ﴿وله الحمد في الآخرة﴾ ـ هذا مع كونه سبحانه هو المنعم فيهما جميعاً ـ وذلك تنبيهاً إلى اختصاصه بالحمد في الدارين، فهو المعبود أبداً والمحمود على طول المدى، ولا يشركه في ذلك أحد من دونه، وإضافة إلى هذه الحكمة فإنه يظهر في الآخرة من حمده سبحانه والثناء عليه ما لايكون في الدنيا، فإذا قضى الله بين الخلائق كلّهم ورأى الناس والخلق كلّهم كمال عدله وقسطه حمدوه على ذلك، وكذلك ما يظهر من حمده في دار النعيم والثواب. وقد أشرت إلى هذا فيما قبل. كما أنّ الإتيان ببيان أنّ له الحمد في الآخرة فيه إشارة إلى أنه يتكشّف لمن كان يحمد غيره في الدنيا ويلتبس عليه ذلك حقيقة ما جهلوه وأنكروه فيتمحّض له الحمد والثناء فلا يحمد في الآخرة أحد إلا هو سبحانه، فالناس يومئذ في عالم الحق ولا تلتبس عليهم الصور (١) .
стр. 51
المبحث الثالث: في وجه ختم الآية بصفتي (الحكيم الخبير)
في وجه ختم هذه الآية الكريمة بهاتين الصفتين لله ﵎ أمران:
(أحدهما) الإيذان بأنّه سبحانه كما يستحقّ الحمد لأنه منعم في الدنيا والآخرة يستحقّه كذلك لأنّه جلّ شأنه منعوت بالكمال الاختياري (١) .
(ثانيهما) التتميم لمعنى كونه تعالى منعماً بأنّه عظيم الحكمة خبير بمواضع الاستحقاق والاستيجاب عالم بدقائق الأشياء وأسرارها، فهو بذلك الحقيق بالحمد دون غيره وبالعبادة دون سواه. ويكون المقصود من هذا التتميم بهاتين الصفتين من بعد استحماق وتقبيح الذين أقبلوا في شؤونهم على آلهة سوى الله، وهو سبحانه المتمكّن بتصرّفه بحكمته وخبرته (٢) .
وببيان هذه الحكمة في مجيء خاتمة الآية بهاتين الصفتين لله تعالى يتمّ الحديث حول هذا الموضع من مواضع الحمد. ولله الحمد والمنة.
стр. 52
الفصل التاسع: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة فاطر
المبحث الأول: في بيان حمد الله ذاته في افتتاح السورة وغايته .
...
الفصل التاسع:
حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة فاطر
قال الله تعالى ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إنّ الله على كل شيء قدير﴾ (١) .
المبحث الأول: في بيان حمد الله ذاته في افتتاح السورة وغايته.
مطلب: في مناسبة افتتاح السورة بالحمد بالسورة قبلها.
في مناسبة افتتاح هذه السورة بحمد الله ذاته الشريفة لخاتمة السورة قبلها (سورة سبأ) قال بعض أهل العلم أنّه لما ذُكِر في آخر سورة سبأ هلاك المشركين وإنزالهم منازل العذاب في الآخرة بقوله تعالى ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب﴾ (٢) ناسب أن يحمد الله تعالى ذاته بعدها على إهلاك المشركين الظالمين وإنزال العذاب بهم، كما مرّ في سورة الأنعام عند قوله تعالى ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ (٣) وهو نظير اتصال أول الأنعام بفصل القضاء والمختتم به المائدة (٤) . والله أعلم.
مطلب:
وفي مناسبة افتتاح هذه السورة بحمد الله ذاته الكريمة نظراً إلى ما حوته من موضوعات واشتملت عليه من أغراض فقد قال الصاوي (٥) في حاشيته على
стр. 53
الجلالين: ((حكمة افتتاحها بالحمد لأنّ فيها تفصيل النعم الدينية والدنيوية التي احتوت عليها الفاتحة)) (١) ، وقد نظر ابن عاشور إلى الهدف الأول التي اشتملت عليه السورة والذي كان أحد وسائله ما فُصِّل فيها من النعم الدينية والدنيوية إذ قال: ((اشتملت هذه السورة على إثبات تفرد الله تعالى بالإلهية فافتتحت بما يدلّ على أنّه مستحقّ للحمد على ما أبدع من الكائنات الدالّ إبداعها على تفرّده تعالى بالإلهية (٢) .
وأضاف ـ أيضاً ـ قائلاً: ((وافتتاحها بالحمد لله مؤذن بأنَّ صفاتٍ من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة من خلقه السموات والأرض وأفضل ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأنّ السورة جاءت لإثبات التوحيد وتصديق الرسول ﷺ وإيذان باستحقاق الله الحمد دون غيره)) (٣) .
مطلب:
في وجه اقتران الحمد بعد اسم الجلالة بقوله تعالى ﴿فاطر السموات والأرض..﴾ الآية.
أثنى الله تعالىعلى ذاته المقدّسة ومدحها بوصفه بأنّه فاطر (٤) السموات
стр. 54
والأرض جاعل (١) الملائكة رسلاً..إلخ، وهما وصفان يدلاّن على كمال عظمته وعظيم قدرته، وكذلك يدلان على جزيل نعمائه وجليل آلائه على عباده بما خلق في السموات والأرض وما بينهما وبما أرسل ملائكته إلى رسله بوحيه الهادي وبما يكون لهم من أعمال تكون سبباً في إسعاد العباد في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه – بهذين الوصفين الدالّين على ذلك – المستحقّ للحمد الكامل والثناء الشامل دون غيره، وهو بحمده لذاته لاستحقاقه يعلّم عباده أن يحمدوه ويأمرهم أن يوحِّدوه دون سواه (٢) .
стр. 55
المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بالآية بعدها
يجيء بعد آية الحمد قوله تعالى ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ (١) وهو عطف على قوله تعالى ﴿فاطر السموات والأرض...﴾ الآية وتقديره: وفاتح الرحمة للناس وممسكها عنهم فلا يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا فتح ما أمسكه (٢) .
والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، وهي من مسوّغات العطف على ما قبلها، إذ إنّه ممّا يستحق به الحمد سبحانه رحمته بخلقه، والرحمة ـ بلا ريب ـ هي أمّ النعم وأصلها.
ومن ثمّ جاء الختم مناسباً بقوله تعالى ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ ؛ وذلك لما حوته هذه الآية الكريمة من شأن فتحه تعالى لرحمته وإمساكها، فهو العزيز أي الغالب القادر على الإرسال والإمساك؛ وهو الحكيم الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه (٣) .
لطيفة: قال الآلوسي: ((وفي اختيار لفظ الفتح رمز إلى أن الرحمة من أنفس الخزائن وأعزّها منالاً، وتنكيرها للإشاعة والإبهام)) (٤) .
وبهذه اللطيفة المفيدة يتمّ الكلام حول هذا الموضع.. ولله الحمد والمنة.
стр. 56
الفصل العاشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات
المبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله
...
الفصل العاشر:
حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات
قال الله تعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين.
والحمد لله رب العالمين﴾ (١)
المبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله
إنّ موضع حمد الله ذاته الكريمة ـ ههنا ـ يجيء في آخر ثلاث آيات كريمات شكّلت بمجموعها خاتمة لسورة الصافات بأجمل وأبدع ما يكون من ختام في تناسق نظم ومعنى وبيان.
هذا وفي مناسبة حمد الله ذاته ـ في هذا المقام ـ وجهان ذكرهما المفسرون. وجه نُظِر فيه إلى مجمل ماحوته سورة الصافات، ووجه روعي فيه النظر إلى أقرب الآيات مكاناً لآية الحمد، وكلا الوجهين هما في محلّ الاعتبار.
أمّا بالنظر إلى أقرب الآيات مكاناً للحمد فوجهه أنّه بعد أن أخبر الله تعالى عن سنته الماضية بنصرة رسله وأوليائه وإهلاكه لأعداء دينه وشريعته بقوله تعالى ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾ الآيات، هذه السنّة التي تترتب عليها نعمٌ جمةٌ ومصالح عظيمة من إظهار أسماء الله الحسنى وشرائعه العليا وإصلاح أمر الدنيا والآخرة (٢) .. حينذاك ناسب أن يحمد الله تعالى ذاته عند ذكره لهذه السنّة الإلهية المنبئة عن كمال عدله وإحسانه، وصفاته العليا كلّها؛ وعظيم إنعامه وكرمه وجوده، وقيل أيضاً: إنّه
стр. 57
لمّا أثنى سبحانه على المرسلين بقوله قبل الحمد ﴿وسلام على المرسلين﴾ حمد ذاته على إرسالهم مبشرين ومنذرين، فإن ما بالمرسلين من فضل وشأن إنّما هو من عند الله وهم في ذات الأمر نعمة ورحمة على عباده (١) . وهو وجه لطيف سائغ أيضاً.
وأمّا بالنظر إلى ما حوته هذه السورة الكريمة من ذكر ما قاله المشركون في الله تعالى، ونسبوا إليه مما هو منزّه عنه، وماعاناه المرسلون من جهتهم، وما خوّلوه في العاقبة من النصرة عليهم، ناسب بذلك ختمها بهذه الآيات الثلاث التي يأتي في بدايتها تنزيه الله ذاته عمّا وصفه به المشركون ومن بعد يتوسّطها التسليم على المرسلين وتُختم بحمده تعالى لذاته على ما قيّض لهم من حسن المآل والعواقب (٢) .
وفي مثل هذا يقول ابن عاشور: ((هذه الآية فذلكة لما احتوت عليه السورة من الأغراض، إذ جمعت تنزيه الله والثناء على الرسل والملائكة وحمد الله على ما سبق ذكره من نعمة على المسلمين من هدى ونصر وفوز بالنعيم المقيم)) (٣) .
وأقول: إنّ جميع ما ذكر من علّة لمجيء الحمد في هذا المقام صالح للاعتبار والاستدلال وإظهار وجه المناسبة والحكمة، ويحتمل أنّ الكلّ مراد،
والله أعلم بمراده.
стр. 58
المبحث الثاني:
في وجه ذكر السلام على المرسلين بين التسبيح والحمد
مع ما ذُكر من قبل في شأن ذكر السلام على المرسلين بالنظر إلى ما حوته سورة الصافات؛ فلعلّ إيراده بين التسبيح والحمد ـ أيضاً ـ من وجهة أخرى هو تمهيد لختم السورة الكريمة بالحمد، مع ما فيه من الإشعار بأنّ توفيقه تعالى للتسليم عليهم من جملة نعمه الموجبة للحمد (١) . ويدلّ على هذا الأمر اقتران الحمد بالسلام في غير موضع من القرآن كقوله ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى..﴾ (٢) ، ويشبهه كذلك قوله عزوجل: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ (٣) .
وللآلوسي إضافة حسنة في هذا الشأن يجدر ذكرها إذ يقول: ((وقد يقال: تقديم التنزيه لأهميته ذاتاً ومقاماً، ولمّا كان التنزيه عمّا يصف المشركون وقد ذكر عزّوجلّ إرشاد الرسل إياهم وتحذيرهم لهم من أن يصفوه سبحانه بما لا يليق به تعالى وضمّن ذلك الإشارة إلى سوء حالهم وفظاعة منقلبهم أردف جلّ وعلا ذلك بالإشارة إلى حسن حال المرسلين الداعين إلى تنزيهه تعالى عما يصفه به المشركون، وفيه من الاهتمام بأمر التنزيه ما فيه، وأتى عزوجل بالحمد للإشارة إلى أنّه سبحانه متصف بالصفات الثبوتية كما أنّه سبحانه متصف بالصفات السلبية، وهذا وإن استدعى إيقاع الحمد بعد التسبيح بلا فصل؛ إلاّ أنّ الفصل بينهما هنا بالسلام على المرسلين مما اقتضاه مقام ذكرهم فيما مرّ..)) (٤)
стр. 59
لطيفتان:
الأولى: إنّ في قوله تعالى ﴿وسلام على المرسلين﴾ تشريفاً للرسل كلّهم بعد تنزيهه تعالى؛ وتنويهاً بشأنهم؛ وإيذاناً بأنّهم سالمون من كل المكاره فائزون بكل المآرب (١) .
الثانية: إنّ في الانتقال من الآيات السابقة في السورة إلى التسبيح والتسليم والتحميد إيذاناً بانتهاء السورة على طريقة براعة الختم مع كونها من جوامع الكلم (٢) .
وبهاتين اللطيفتين ينتهي الحديث عن موضع من مواضع حمد الله ذاته في كتابه الكريم ولله الحمد والمنة.
стр. 60
الفصل الحادي عشر: حمد الله ذاته الكريمة عند ضرب المثل بآية سورة الزمر
المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها وبيان المثل فيها
...
الفصل الحادي عشر:
حمد الله ذاته الكريمة عند ضرب المثل بآية سورة الزمر
قال الله تعالى ﴿ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لايعلمون﴾ (١) .
المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها وبيان المثل فيها
مطلب: في صلة الآية بما قبلها.
يذكر الله ﵎ قبل آية الحمد أهمية ضرب الأمثال في القرآن الكريم وحكمته؛ وذلك تمهيداً لما ذُكر فيها من المثل؛ وليجذب الانتباه للتدبّر والتأمّل وأخذ العبرة؛ إذ قال سبحانه ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل لعلهم يتذكرون. قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾ (٢) .فالغاية والحكمة من ضرب الأمثال ـ كما أخبر سبحانه ـ هي التذكّر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى (٣) . وبهذه الغاية وتلكم الحكمة ينبغي أن تَرِد العقول والأفهام موارد الأمثال القرآنية لتحقق ما أراده الحقّ عزَّوجلَّ في ذلك.
مطلب: في بيان المثل القرآني في الآية.
وبعد بيانه ـ تعالى ـ لحكمة وأهمية ضرب الأمثال في كتابه الكريم يضرب سبحانه مثلاً للكافر المشرك به والمؤمن الموحّد له؛ ليدلّ على قبح الشرك وشناعته؛ وحسن الإيمان بالله وفضيلته.
وقدّم مثل المشرك إظهاراً لحقيقة الشرك وسوء حال أهله، وليقارنه بما
стр. 61
بعده من مثل المؤمن، فينجلي من بعد الحقّ وتثبت البيّنة والحجّة.
أما مثل المشرك بالله فهو ما جاء في قوله تعالى ﴿ضرب الله مثلاً رجلاً (١) فيه شركاء متشاكسون﴾ (٢) والمراد: مثل المشرك بالله كمثل الرجل المملوك الذي يشترك في ملكيته سادة مختلفون متضادون عسرون لايتفقون على شيء؛ وذلك لشكاسة أخلاقهم وسوء طباعهم، فيتجاذبونه ويتعاورونه في مهمّاتهم المتباينة ورغباتهم المختلفة بقدر نصيب كلّ واحد منهم وملكه فيه؛ فيبقى ـ والحال هذا ـ ضائعاً حائراً متردداً أيّهم يعتمد أمره ويتبع، إن أرضى أحدهم غضب الآخر؛ فهمّه مُشاع وقلبه أوزاع، فأنّىله الراحة والاستقرار والاطمئنان، كذلك حال المشرك بالله في تقسّم عقله وتوزّع قلبه بين آلهة متعددة فهو في شك وحيرة وتخبّط وضلال لايستقيم له حال ولا يطمئن له بال (٣) .
وأمّا مثل المؤمن بالله فهو ما أخبر عنه تعالى بقوله ﴿ورجلاً سلماً لرجل﴾ (٤) أي
стр. 62
كمثل الرجل المملوك الذي ليس له إلا سيّد واحد فيكون خالصاً له؛ ولا سبيل لغيره عليه البتة، يعرف ما يرضيه فيؤمّل رضاه ويتجنب سخطه وغضبه، فهمّه واحد وقلبه مجتمع، فيكون بهذا مستقرّ الحال ومطمئنّ البال، وكذلك حال المؤمن بالله تعالى الذي اتخذ الله رباً واحداً فتوجّه إليه بالعبادة دون سواه خالصاً له من كلّ شريك فاستقامت حاله واطمأنّت نفسه وسعد بربّه وهنأ برضاه وقربه (١) .
وتتمّة لبيان هذا المثل القرآني أتى سبحانه بما يدلّ علىالتفاوت بين الرجلين المملوكين فقال تعالى ﴿هل يستويان مثلاً﴾ ؟ ويجوز أن يكون هذا الاستفهام تقريرياً أو إنكارياً، والإتيان فيه بـ (هل) لتحقيق التقرير أو الإنكار (٢) . وفيه يقول أبو السعود (٣) : ((إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفيٌ له على أبلغ وجه وآكده، وإيذان بأنّ ذلك من الجلاء والظهور بحيث لايقدر أحد
стр. 63
٣ أن يتفوّه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أنّ أحدهما في أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين، وهو السرّ في إبهام الفاضل والمفضول)) (١) . وانتصاب (مثلاً) على التمييز، والاقتصار فيه على الواحد لبيان الجنس، والمراد: هل يستوي حالاهما وصفتاهما (٢) .
وبهذا الاستفهام يتمّ المثل المضروب، وبه تقوم الحجّة ويثبت البرهان على المشركين بفساد معتقدهم وقبح حالهم وصنيعهم.
стр. 64
المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته
وبعد بيان هذا المثل يحمد الله ذاته الكريمة بقوله ﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ وعلى القول بأنّ الاستفهام الذي سبق الحمد تقريري؛ فتكون جملة الحمد استئنافاً في محلّ الجواب له، وموقعها كموقع النتيجة من الدليل، فيقدّر أنّ المخاطبين قد أقرّوا بعدم استواء حال الرجلين؛ لأنّ مثل هذا الاستفهام لا ينتظر السائل جواباً عنه، فيصحّ أن يتولى الجواب عنه قبل أن يجيبه المسؤول، ولمّا وافق ما قُدِّر من جوابهم بغيته تعالى حمد سبحانه ذاته على نهوض حجته وإثبات برهانه.
وأمَا على أنّ الاستفهام للإنكار فتكون جملة الحمد معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي، وذلك إثباتاً منه تعالى بأن الحمد له ولا يستحقه أحدٌ سواه بعد بطلان قول المشركين بإثبات الشركاء والأنداد؛ وثبوت أن لا إله إلا هو الواحد الأحد الحقّ (١) .
وعلى ما سبق ذكره يتبيّن أنّ غاية حمد الله ذاته وحكمته في هذا المقام لأمرين:
(أحدهما) لظهور الحجة وقيام البيّنة على المشركين بهذا المثل وإلزامهم بالحقّ الذي لامحيد عنه ولا مناص؛ فلم يبق لهم بعده عذر ولا ينهض لهم عقبه برهان.
(ثانيهما) لإثبات أنّ الله هو المستحقّ له دون سواه بعد بطلان إلهية كلّ الشركاء والأنداد.
مطلب:
ثم إنّ الإضراب المتصل بالحمد بقوله تعالى ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ يحتمل عدة وجوه ذكرها المفسرون على ما يلي:
стр. 65
(أحدها) أنّ أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك المثل بما ظهر فيه من الحقّ واليقين مع كمال ظهوره فيبقون في شركهم وضلالهم (١) .
(ثانيها) أنهم لايعلمون أنه الله سبحانه هو الإله الحقّ المعبود الذي يجب أن يحمد دون سواه؛ فيشركون به غيره تبعاً لذلك (٢) .
و (ثالثها) أنهم لايعلمون ما يصيرون إليه من العذاب من جرّاء شركهم ولو أيقنوا حقاً لآمنوا ولما بقوا على شركهم ولكنّهم كذّبوا الله ورسوله صلىالله عليه وسلم (٣) .
أقول: وجميع هذه الوجوه سائغة ومحتملة، وتصدق كلها على حال أولئك المشركين. والله أعلم بمراده.
لطيفة:
إنّ في حمد الله ذاته الكريمة ـ في هذا المقام ـ تنبيهاً للمؤمنين به على أنّ ما لهم من مزيّة الإيمان هو من توفيقه وفضله تعالى؛ وأنّها نعمة جليلة وكرامة عظيمة موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وإخلاص العبادة له، أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أنّ لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عزّوجلّ مستوجب لحمده وإخلاص العبادة له أيضاً (٤) .
وبهذه اللطيفة يكمل الحديث عن هذا الموضع القرآني من مواضع حمد الله ذاته؛ ولله الحمد والمنة.
стр. 66
الفصل الثاني عشر: حمد الله ذاته الكريمة في آية سورة غافر
المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها
...
الفصل الثاني عشر:
حمد الله ذاته الكريمة في آية سورة غافر
قال الله تعالى ﴿هو الحيّ لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ (١)
المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها
تجيء هذه الآية التي يحمد الله ذاته الشريفة في خاتمتها بعد آيات يذكر الله تعالى فيها عدداً من نعمه على عباده التي جعلها دلائل لإثبات ألوهيته ووحدانيته؛ وتوجيه الخلق إلى عبادته وحده والإخلاص له دون سواه. ولقد ابتدأت هذه الجولة من الآيات في ذكر دلائله في الكون والأنفس والآفاق من قوله تعالى ﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون﴾ (٢) ،ثم يأتي بعدها قوله سبحانه ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله ربّ العالمين﴾ (٣) ، ومن بعدها تجيء آية الحمد وتفتتح بوصفه تعالى (الحيّ) الدالّ والمستلزم لأوصاف الكمال والجلال من العلم والقدرة وغيرها مما يثبت استحقاقه التام لإلهيته ووحدانيته مع ما سبق ذكره من إنعامه وأفضاله. وكان هذا الوصف الجليل (الحيّ) كالمقدّمة والدليل لقوله بعده (لا إله إلا هو) ؛ وذلك لأنّ كل من سواه لا حياة له كاملة فهو معرّض للزوال والفناء، وبالتالي فكيف يكون إلهاً مدبراً للعالم؟!
وبعد اتضاح الدلالة على انفراده عزّوجلّ بالإلهية فرّع عليه الأمر بعبادته وحده بلا شريك فقال سبحانه ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾ (٤) .
стр. 67
المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته
ولما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعمه وآلائه على عباده مما جعلها دلائل لإثبات ألوهيته، ووصف بعدها ذاته المقدسة بما يدلّ على إحاطته بأوصاف الكمال والجلال ناسب أن يحمد ذاته الكريمة العليّة إثر ذلك إظهاراً وإثباتاً منه لاستحقاقه الحمد دون سائر ما يعبده المشركون ويتخذونهم أولياء من دونه فقال عزّ من قائل: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، وبلا شك أنّ في حمده لذاته في هذا المقام أمراً لعباده أن يحمدوه بما أنّه أهل للحمد والثناء على نعمائه وكمال أوصافه (١) .
ولصاحب نظم الدرر (البقاعي) (٢) نظرة سائغة لطيفة في مجيء الحمد في ختام هذه الآية وهي في محلّ الاعتبار، حيث نظر إلى ما حوته الآية من الأمر بالتوجّه إلى الله وعبادته وتوحيده فقال: ((ولمّا أمر بقصر الهمم عليه علّله بقوله
﴿الحمد لله رب العالمين﴾ )) (٣) فهو قد جعل بكلامه ـ هذا ـ الحمد علّة لِما في الآية
стр. 68
من الأمر بعبادة الله وتوحيده، أي بما أنّ الله هو المستحقّ للحمد بأوصافه الكاملة ونعمه الجزيلة فهو الذي ينبغي أن يوحّد ويعبد دون سواه.
لطيفتان:
الأولى: في قوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ بعد قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: ((وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله؛ أن يُتبع ذلك الحمد لله ربّ العالمين تأوّلاً منهم هذه الآية بأنّها أمر من الله بقيل ذلك)) (١) .
الثانية: إنّ في إظهار اسم الجلالة في موضع الإضمار بقوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إشارة إلى أنّ له سبحانه من الصفات العلى ما لاينحصر، فالمسمّى بهذا الاسم جامع لجميع معاني الأسماء الحسنى لذاته (٢) .
وبهاتين اللطيفتين يتم الكلام حول هذا الموضع ولله الحمد والمنة.
стр. 69
الفصل الثالث عشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الجاثية
المبحث الأول: في بيان موضع الحمد وصلته بما قبله
...
الفصل الثالث عشر:
حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الجاثية
قال الله تعالى ﴿فلله الحمد ربّ السموات والأرض ربّ العالمين. وله الكبرياء
في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ (١)
المبحث الأول: في بيان موضع الحمد وصلته بما قبله
يجيء حمد الله ذاته الكريمة في هذا الموضع بخاتمة السورة مقترناً بالفاء تفريعاً على ما احتوت عليه السورة من ذكر آلاء الله وأفضاله وألطافه فيما خلق وأرشد وسخّر وأقام من نظم العدالة؛ وعلى ما انطوت عليه ـ أيضاً ـ من الدلائل الآفاقية والأنفسية والبراهين الساطعة والنصوص اللامعة في المبدأ والمعاد، وعلى ما أتى فيها من الوعيد للمعرضين والاحتجاج عليهم.. ولمّا كان ذلك كلّه من الحق بما يدلّ على اتصافه بصفات الكمال والعظمة والجلال؛ كان من الحقيق والمناسب في هذا المقام أن يحمد الله ذاته عنده وكان جديراً بقصره على ذاته دون سواه (٢) .
لطيفة:
إنّ في تقديم (لله) بقوله تعالى ﴿فلله الحمد﴾ إفادة للاختصاص والتأكيد، فالحمد الحقّ الكامل مختصّ به تعالى مؤكّد له دون غيره (٣) .
стр. 70
مطلب:
يصف الله ﵎ ذاته المقدسة بعد حمده لها بـ ﴿ربِّ السموات ورب الأرض رب العالمين﴾ ليشير بذلك إلى علّة قصر الحمد عليه سبحانه، فربوبيته ـ عزّوجلّ ـ للسموات والأرض وما فيهما من العالمين سبب لاستحقاقه الحمد وقصره عليه دون سواه؛ إذ الكلّ مربوب لله تعالى وهو المنعم عليهم بفضله وكرمه وإحسانه (١) . وفيه كذلك تعريض بالمشركين الذين اتخذوا مع الله شركاء؛ وهو ربّ كل شيء، فعليهم أن يقلعوا عن شركهم ويوحِّدوه ويخلصوا له العبادة.
وللآلوسي إضافة حسنة على ما سبق ذكره بهذا الوصف إذ يقول إنّ فيه
ـ أيضاً ـ إشارة إلى أنّ كفرهم لا يؤثّر شيئاً في ربوبيته تعالى ولا يسدّ طريق إحسانه ورحمته عزّوجلّ؛ وإنما هم قد ظلموا أنفسهم بذلك الكفر. (٢) .
لطيفتان:
الأولى: إنّ تكرير الربّ في قوله تعالى (وربِّ الأرض) للتأكيد والإيذان بأنّ ربوبيته تعالى لكلّ منهما بطريق الأصالة، مع ما فيه ـ أيضاً ـ من التنويه بشأن الربوبية (٣) .
الثانية: إنّ في اتباع (ربّ السموات ورب الأرض) بـ (رب العالمين) تأكيداً لكون سكان السموات والأرض محقوقين بأن يحمدوه سبحانه، لأنّه خالق العوالم التي هم منتفعون بها وخالق ذواتهم فيها كذلك (٤) .
стр. 71
المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بما بعدها
مطلب:
بعد أن حمد الله ذاته في الآية السابقة وأتبع بوصفها بربوبيته للسموات والأرض والعالمين أثبت لها ثلاث صفات جاءت في الآية التي تليها بقوله ﴿وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ (١) .
(فأولها) : صفة (الكبرياء) وهي مشتقة من الكِبْر، وجاءت على وزن
(فِعْلِيَاء) وهو بناء مبالغة (٢) . وقال الراغب (٣) في مفرداته: ((الكبرياء الترفّع عن الانقياد وذلك لايستحقه غير الله تعالى)) (٤) . ومن لوازم هذه الصفة لله تعالى العظمة والجلال والسلطان والعلوّ، وبها فسِّرت هذه الصفة عند أكثر المفسرين (٥) .
وقد دلّ من الآية على اختصاص الكبرياء به تعالى وحصره في ذاته الشريفة تقديم المجرور في قوله (وله الكبرياء) ، ومما دلّ عليه ـ أيضاً ـ ما روي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري (٦) وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله صلىالله عليه
стр. 72
وسلم: ((العزّ إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته)) (١) ،كيف وهي صفة منبئة عن كمال الذات وكمال الوجود (٢) ، ولا يكون هذا إلا لله تعالى وحده.
وإنّما خصّ ذكر الكبرياء في السموات والأرض لظهور آثارها وأحكامها فيهما (٣) .
هذا ووجه الحكمة في إثبات هذه الصفة لله تعالى في هذا المقام لأمرين: (أحدهما) الدلالة على أنّه تعالى هو المستحقّ للحمد دون سواه من كلّ ما يُشْرَك به ويُعبد من دونه؛ وذلك لأنّ له الكبرياء وحده لا لغيره.
(وثانيهما) ليدلّ سبحانه على أنّ استدعاء خلقه لحمده إنّما هو لنفعهم وتزكية نفوسهم وإلاّ فإنّه غني عنهم، وأنّهم إن حمدوه وجب أن يعرفوا أنّه
стр. 73
أعلى وأكبر من أن يكون له الحمد الذي ذكروه لائقاً بإنعامه؛ بل هو أكبر من حمدهم وأياديه أعلى وأجلّ من شكرهم (١) .
لطيفة:
للشيخ عبد الرحمن السعدي كلام لطيف ومعتبر في اقتران الكبرياء بالحمد في هذا الموضع الكريم إذ يقول: ((فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبته وإكرامه؛ والكبرياء فيها عظمته وجلاله. والعبادة مبنية على ركنين: محبة الله والذلّ له. وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه)) (٢) .
مطلب:
وثاني الصفات وثالثها في هذه الآية الكريمة للحقّ سبحانه قوله ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ وبها تختم الآية والسورة، ومجيء هاتين الصفتين ـ في هذا المقام الجليل وختامه ـ لتأكيد استحقاقه تعالى للحمد والثناء مع ما قبلها من الربوبية والكبرياء؛ وذلك أنّ العزّة لله تشمل معاني القدرة والاختيار، والحكمة تجمع معاني تمام العلم وعمومه، وهذا يفيد أنّه ـ تعالى ـ لكمال قدرته واختياره يقدر على خلق أيّ شيء أراده؛ ولكمال حكمته بعلمه يخصّ كلّ نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة والفضل والإنعام، فلا إله إلا هو ولا محسن ولا منعم ومتفضّل إلاّ هو سبحانه (٣) .
لطيفتان:
الأولى: إنّ في هاتين الآيتين إرشاداً إلى أوامر جليلة فكأنّه قيل: له الحمد سبحانه
стр. 74
فاحمدوه وحده واعبدوه ولاتشركوا به شيئاً؛ وله الكبرياء فكبِّروه وعظّموه، وهو العزيز الحكيم فأطيعوه في كلّ أمر ولاتعصوه (١) .
الثانية: وبهذه الخاتمة الرائعة من قوله تعالى: ﴿فلله الحمد رب السموات..﴾ الآيتان؛ آذن الكلام بانتهاء السورة الكريمة، فهو من براعة ختم السور القرآنية (٢) .
وبهاتين اللطيفتين يتمّ الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته في كتابه ولله الحمد والمنة.
стр. 75
الفصل الرابع عشر: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة التغابن
المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح السورة بهذه الآية
...
الفصل الرابع عشر:
حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة التغابن
قال الله تعالى ﴿يُسَبِّحُ لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد
وهو على كل شيء قدير﴾ (١)
المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح السورة بهذه الآية
لَمّا كان أكثر ما احتوت عليه سورة التغابن هو إبطال إشراك المشركين بالله تعالى؛ وزجرهم عنه وعمّا يتفرّع منه من إنكارهم للبعث وتكذيبهم للرسول ﷺ والقرآن الذي أنزل عليه، والتي تعدّ أصولاً لضلالهم بدأت السورة بالإعلان عن ضلالهم وكفرانهم بالمنعم عليهم سبحانه، وذلك ببيان أنّ ما في السموات وما في الأرض يسبِّح الله تعالى عمّا لا يليق بجلاله وكماله من الشرك به ومن كلّ شائبة نقص. أي وأنتم أيها المشركون بخلاف ذلك، ففيه معنى التعريض بالمشركين الذين لم ينزِّهوه ولم يوقِّروه فنسبوا إليه الشركاء والأنداد تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً، مع ما يفيده ذلك ـ أيضاً ابتداءً ـ من تقرير تنزيه الله تعالى وقوّة سلطانه ليزداد الذين آمنوا إيماناً وليكون لهم تعليماً وامتناناً (٢) .
ويؤيِّد هذا المعنى الذي من أجله افتتحت هذه السورة بهذه الآية ما جاء بعدها مباشرة من قوله تعالى ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير﴾ (٣) ؛ إذ هي تقرير لما أفادته وإبانة للمقصود على وجه التصريح بأنّ الذين