ال مقدمة
الحمد لله الذي حمد ذاته الكريمة قبل أن يحمده الحامدون، وأشهد أن لا إله إلا الله سبّحت بحمده الملائكة المقربون، وأشهد أنّ نبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله الصادق المأمون، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
وبعد؛ لمّا منّ الله ﵎ بما يسّر لي من الدراسة والبحث حول مواضع تسبيحه لذاته العليّة في آيات كتابه السنيّة؛ عقدت العزم على تتبّع مواضع حمده تعالى لذاته؛ لِما أنّ الحمد صنو التسبيح وقرينه من جهة، ولِما أنّ حمده سبحانه لذاته في أمر من الأمور يدلّ على أهمية وعظم شأن ذلك الأمر من جهة أخرى؛ إذ يخصّه بهذا المقام الخاص اللائق بجلاله وعظمته.
هذا وقد قيل في سبب حمده لذاته تعالى أنه لمّا علم عجز عباده عن القيام بواجب حمده مع عظم نعمه وآلائه حمد نفسه بنفسه في الأزل، وليدلّ على كونه محموداً أزلاً وأبداً بحمده سواء حمد أو لم يحمد، فهو مستغن بذلك عن حمد الحامدين، وليومئ ـ أيضاً ـ أنه لايليق بذاته إلا حمده الصادر عنه سبحانه.
وعلى هذا فحريّ بي أن أتأمّل في هذه المواضع القرآنية وأفيد منها في إظهار عظمة الله ﵎ بصفاته العليا وآياته الكبرى ونعمه العظمى التي لا تعدّ ولاتحصى.
ومن بعد التتبع لتلك المواضع وجدت أن الله عزوجلّ حمد ذاته الكريمة في خمسة عشر موضعاً عند أمور مختلفة وشؤون شتى. فشرعت في دراستها وتحليلها وكشف لطائفها وأسرارها متوكلاً على الله تعالى طالباً منه السداد والهدى.
ولقد قسّمت هذه الدراسة إلى أربعة عشر فصلاً، لكلّ موضع فصل مستقلّ
стр. 2
- به، إلا موضعي سورة سبأ فقد جعلتهما في فصل واحد لورودهما في آية واحدة. ومن ثمّ بينتُ تلك المواضع حسب ترتيب سورها في المصحف الشريف.
- ومهّدت لهذه الدراسة بتمهيد في معنى الحمد وتعريفه ومشتقاته والفرق بينه وبين الشكر والمدح. وأتبعت فصولها بخاتمة للبحث ذكرت فيها أهمّ النتائج والمقترحات.
- أمّا منهجي في بيان هذه المواضع الكريمة فإني أذكر وجه الحكمة في مجيء الحمد في موضعه وغاية إيراده، وهذا يُلْزِمُنِي أن أبيِّن ما قبل الموضع وما بعده في أغلب الأحيان لكشف وجه الصلة والمناسبة، وأذكر في ذلك كلام المفسرين بما أراه مناسباً وراجحاً وقريباً من المعنى الظاهر دون اللجوء إلى مناسبات بعيدة في التأويل ومتكلّفة.
- كما أني أعمد إلى ذكر بعض اللطائف حول الآيات التي أتناولها بالبيان، والتي أرى من المناسب ذكرها لما فيها من زيادة إيضاح أو تأكيد لمعنى أو كشف لسرٍّ بلاغي أو لغوي يبيِّن جمال النصّ القرآني الكريم.
- ثم إني قد أذكر في الهامش بعض الاستطرادات التي أرى أنه ليس من المناسب إدخالها في متن الفقرات الأصلية للبحث، ولكن إيرادي لها بسبب ما أخشاه من لبس عند القارئ أو وهم يزول بها. هذا مع ما أذكر فيه من التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في المتن.
وأخيراً أسأل الله تعالى أن يتقبل بحثي هذا في ميزان حسناتي يوم ألقاه وأن يغفر لي ما كان فيه من خطأ أو نسيان.آمين
وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.
стр. 3
ال تمهيد
(في معنى الحمد وتعريفه ومشتقاته والفرق بينه وبين الشكر والحمد)
يحسن بي وأنا أتعرض للحديث عن حمد الله ذاته الشريفة أن أمهِّد له ببيان معنى الحمد وتعريفه وذكر أهم مشتقاته والفروق بينه وبين الشكر والمدح للتقارب المعنوي بينها. فأقول والله المستعان سبحانه:
الحمد في اللغة: مصدر حَمِد. وهو ضد الذم ومنه المحمدة خلاف المذمّة.
وعُرِّف بأنّه: الثناء باللسان على الجميل الاختياري. فيقال: حمدتُ الرّجل أي أثنيت عليه بفعله الجميل الصادر عن اختياره (١) .
ـ هذا ولقد كثرت مشتقاته التي ارتبط أكثرها بحمد الله تعالى خاصة. ومنها: التحميد. وهو أبلغ من الحمد، والمراد به حمد الله مرّة بعد مرّة. ومنها: رجلٌ حُمَدَة وحمّاد ومحمّد، وذلك بأنه يحمد الله مرة بعد مرة، أو أنه كثير الحمد. و" محمد" ـ أيضاً ـ هو من كثُرت خصاله المحمودة ـ و"أَحمد" صار أمره إلى الحمد، أو فعل ما يحمد عليه ـ وفي المثل: والعَوْدُ أحمدُ (٢) ، أي أكثر حمداً؛ لأنّ الإنسان لايعود إلى شيء غالباً إلا بعد خيريته، أو معناه: إذا ابتدأ المعروف جلب الحمد لنفسه؛ فإذا أعاد كان أحمد أي أكسب للحمد له، أو هو أفعَل من المفعول، أي الابتداء محمود والعود أحقّ بأن يحمدوه.
- وفلان محمود إذا حُمِد.
- والحَمْدلة هي حكاية قول (الحمد لله) .
стр. 4
- وحُماداك أن تفعل كذا أي: غايتك المحمودة.
- والحميد هو الله تعالى، وهو من صفاته العليا وأسمائه الحسنى، بمعنى المحمود على كلّ حال (١) .
- وقد اختلف في الحمد والشكر والمدح هل هي ألفاظ متباينة أم مترادفة أم بينها عموم وخصوص مطلق أو من وجه؟ فمن قال بالتباين نظر إلى ما انفرد به كل واحد منها من المعنى، ومن قال بالترادف نظر إلى جهة اتحادها واستعمال كل واحد منها في مكان الآخر، وأما من قال باجتماعها وافتراقها ما بين خصوص وعموم فقد نظر إلى الأمرين المذكورين آنفاً. وهذا هو الأولى وهو ما عليه الأكثر. وعلى هذا فيسوغ ـ ههنا ـ النظر إلى ما تميّز به كلّ لفظ عن الآخر وبيان الفرق بينها؛ لما يترتّب عليه من وضع رسم وحدٍّ لمعنى حمد الله تعالى الذي هو مقصود هذا البحث وغايته.
- أما الفرق بين الحمد والشكر فخلاصة ما قيل فيه أن الحمد هو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله وإنعامه؛ والشكر هو الثناء على المحمود بإنعامه فقط. وعلى هذا فالحمد أعمّ من الشكر فكلّ شكر حمد وليس كل حمد شكراً. ولذلك ورد حمد الله تعالى نفسه ولم يرد شكرها.
وأما الفرق بين الحمد والمدح فإن المدح أعم من الحمد؛ وذلك لأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ولايلزم فيه كون الممدوح مختاراً، ولهذا يكون وصف اللؤلؤة بصفائها مدحاً لا حمداً، وقد يكون المدح ـ أيضاً ـ عن ظن وبصفة
стр. 5
- مستحسنة وإن كان في الممدوح نقص ما، أما الحمد فإنّه لايكون إلا للفاعل المختار على كون الصفات المحمودة له صفات كمال، كما يكون صادراً عن علم لا عن ظن؛ وعلى ما يكون منه من نعمة أو إحسان.
- وبهذا يقال في الفرق بين هذه الثلاثة: المدح أعمّ من الحمد؛ والحمد أعمّ من الشكر (١) .
- وعلى ما سبق بيانه فإنّ قول القائل: (الحمد لله) يعني الثناء على الله ـ تعالى ـ بصفاته الذاتية الكاملة التي لا يشوبها نقص؛ وبنعمه التي لا تعدّ ولاتحصى.
- ولهذا فإنّ (أل) التعريف في (الحمد) هي لاستغراق جميع أفراده، واللام في (لله) لام الملك والاختصاص أو الاستحقاق، فجميع أفراد الحمد مختصة بالله تعالى؛ إذ هو المنعم الكامل في صفاته؛ وحمد غيره لا اعتداد به؛ لأنّ ما صدر منه من نعمة فإنما مرجعها حقيقة إلى الله تعالى، وهو سبحانه الذي أجراها على يديه. فالحمد الكامل الخالص لايكون إلا لله تعالى وهو المستحق له دون سواه (٢) .
وقد دلّ إعراب هذه الجملة الكريمة ـ أيضاً ـ إلى هذا المعنى؛ فقد أشار
стр. 6
- ابن الجوزي (١) في تفسيره إلى هذا بقوله: ((الحمد رفع بالابتداء، ولله الخبر، والمعنى الحمد ثابت لله ومستقرّ له (٢)) ) .
وبهذه الأسطر أرجو أن أكون قد مهدت للحديث عن مواضع حمد الله ذاته في كتابه الكريم. ولله الحمد والمنّة.
стр. 7
الفصل الأول: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب
المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة
...
الفصل الأول:
حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب
قال الله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (١) .
المبحث الأول:
في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة
مما يدلّ على عظم مقام الحمد عند الله ـ تعالى ـ أن افتتح به كتابه الكريم وصدّر آياته به.
هذا وقد اجتهد أهل التفسير في بيان أوجه الحكمة في ذلك، منها: أنّ نعمة تنزيل القرآن الكريم هي أعظم النعم الدالة على جلائل صفاته تعالى وكمالها؛ خاصة وأنّه قد اشتمل القرآن الكريم على كمال المعنى واللفظ والغاية؛ فكان افتتاحه أولى المواطن بثناء الله ﵎ على ذاته.
وهو في ذات الوقت أمرٌ لعباده بحمده وتذكير لهم بعظمة وجمال صفات منزِّله ـ سبحانه ـ وجزيل نعمته عليهم بإنزال كتابه عليهم وحفظه وتوفيقهم لتلاوته وسماعه وفهمه؛ وإذ فيه سعادتهم في الدارين (٢) .
ومنها ـ كذلك ـ أنّه لما كانت سورة الفاتحة مُنَزَّلةً من القرآن منزلة الديباجة من الكتاب، أو المقدّمة للخطبة، جعل افتتاحها بالحمد لله؛ وليكون سنة ماضية من بعد في افتتاح كل كلام مهم وعظيم، يقول ابن عاشور (٣) (رحمه الله تعالى) في
стр. 8
ذلك: ((فكان افتتاح الكلام بالتحميد سنة الكتاب المجيد لكل بليغ مجيد، فلم يزل المسلمون من يومئذ يلقِّبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذاً من حديث أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع (٢)) )
стр. 9
وقد لُقِّبت خطبة زياد بن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد.. (١)) ) .
ومنها ـ أيضاً ـ أنه لما كانت الفاتحة مناجاة للخالق –عزوجل ـ بما لايهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غيره ـ تعالى ـ قدّم الحمد لذاته وجعله في أولها، وليضعه المناجون له في كلّ مناجاتهم ودعائهم له؛ جرياً على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء بافتتاح خطابهم إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل. قال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه عن تعرّضه الثناء (٢)
وقد دلّ على كون الفاتحة مناجاة لله عزوجل الحديث المروي عن أبي هريرة ﵁ وفيه قوله: فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط
стр. 10
المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولاالضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (١)) ) .
ومن ذهب إلى أنّ قوله تعالى ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أوّل آية من سورة الفاتحة؛ فيكون قوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ الآية الثانية، وقد ذكروا مناسبة ورود الحمد بعد البسملة بأنه لما كانت البسملة نوعاً من الحمد ناسب تعقيبها وإردافها باسم الحمد الكليّ ﴿الحمد لله﴾ الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال (٢) . وهي مناسبة لطيفة سائغة.
وإضافة إلى ما سبق ذكره فبالنظر إلى ما من أجله سميت الفاتحة بأمّ القرآن لاشتمال محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن وهي ثلاثة أنواع: الثناء على الله ثناء جامعاً لوصفه بجميع المحامد وتنزيهه عن جميع النقائص، ولإثبات تفرّده بالإلهية وإثبات البعث والجزاء، وذلك من قوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى قوله ﴿مالك يوم الدين﴾ ، والأوامر والنواهي من قوله ﴿إياك نعبد﴾ ، والوعد والوعيد من قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إلى آخرها، فهذه هي أنواع مقاصد القرآن (٣) . فبذلك كان الحمد لله هو أحد أركان هذه المقاصد بل من أولاها وأحراها بالتقديم لصلته وارتباطه بذات الله ـ تعالى ـ وإثبات صفات الكمال لها وتنزيهه عن كل نقص. وبهذا النظر يثبت للمتأمّل من هذه الجهة سرٌّ آخر من أسرار تقدّم الحمد ووجوده في هذا المقام الأعلى. والله أعلم بمراده.
стр. 11
المبحث الثاني:
في وجه الحكمة في إسناد الحمد إلى اسم الذات الإلهية
وما جاء بعده من أوصاف.
الذي يلحظه المتأمّل أنّ الحمد أُسْنِد أوّل ما أُسْنِد إلى اسم الذات الإلهية (الله) ؛ وهذا هو شأن الحمد في جميع مواضع ذكره في القرآن الكريم، والحكمة في ذلك ـ والله أعلم بمراده ـ التنبيه على استحقاقه تعالى للحمد أوّلاً لذاته لا لشيء غيرها، باعتبار أنها حائزة لجميع الكمالات الإلهية؛ وأنها مصدر جميع الوجود وما فيه من الخيرات والنعم (١) .
ومن بعد إسناد الحمد لاسم ذاته تنبيهاً على الاستحقاق الذاتي أتبعه ـ سبحانه ـ بأربعة أوصاف له تعالى؛ ليؤذن باستحقاقه الوصفي للحمد ـ أيضاً ـ كما استحقّه بذاته؛ وذلك باعتبار تعلّقها وآثارها (٢) .
وهذه الأوصاف أوّلها (ربّ العالمين) وقد تكرّر هذا الوصف لله تعالى في القرآن الكريم بشأن استحقاق الحمد في سبعة مواضع (٣) ، ولا ريب أنّ هذا يدلّ على
стр. 12
أنّ استحقاق الله تعالى للحمد بربوبيته للعالمين (١) هو في أوّل درجات الاستحقاق الوصفي وأعلاها؛ ذلك بأنّ ربوبيته تعالى للعالمين تقتضي تربيته لهم وتدبيره وإصلاحه لأمورهم وشؤونهم بما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة (٢) .
وثاني الأوصاف وثالثها الوصفان الجليلان (الرحمن الرحيم) ، والإتيان بهما في مقام الحمد ـ هنا ـ لتأكيد استحقاقه تعالى له؛ إذ إنّ من رحمته تعالى بخلقه ما يتقلّبون فيه من نعمه وإحسانه صباح مساء.
قال الفخر الرازي (٣) في تفسيره الكبير: ((فاعلم أنّ الرحمن الرحيم عبارة عن التخليص من أنواع الآفات؛ وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات (٤)) ) .
وفي وجه الحكمة في ذكر هاتين الصفتين الجليلتين لله تعالى بعد وصفه برب العالمين ذكر المفسرون أمرين: (أحدهما) الإشارة إلى أن تربيته سبحانه للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرّة، وإنّما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه. و (ثانيهما) البيان بأنّ ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان لا ربوبية قهر
стр. 13
وجبروت كما قد يفهمه البعض، وفي هذا جمع لهم بين الترغيب والترهيب ليقبلوا على ما يرضيه بنفوس مطمئنة وصدور منشرحة (١) .
وآخر الأوصاف الإلهية في هذا المقام (مالك يوم الدين) ، ولا ريب أنّ هذا الوصف يدلّ ـ أيضاً ـ على استحقاقه ـ تعالى ـ الحمد دون سواه؛ فمن كان مالكاً ليوم الثواب والعقاب وبيده جزاء خلقه على ما قدّموه في دنياهم مع بسطه لهم من نعمه وإحسانه فهو حقيق بأن لا يحمد إلا هو. وقد أشار إلى ذلك قوله عزوجل بآخر سورة الزمر في ختام مشهد القضاء: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ (٢) .
وإجمالاً لما سبق ذكره ـ من البيان والتفصيل ـ أقول: إنّ هذه الصفات هي بمثابة التعليل لاستحقاقه الوصفي للحمد بعد استحقاقه الذاتي، وفي ذات الوقت تدلّ على أنّ من كان هذه صفاته لم يكن أحد أحقّ منه بالحمد والثناء. وفي هذا يقول ابن عاشور: ((إجراء هذه الأوصاف الجليلة على اسمه تعالى إيماء بأنّ موصوفها حقيق بالحمد الكامل الذي أعربت عنه جملة (الحمد لله) ؛ لأنّ تقييد مفاد الكلام بأوصاف متعلّق ذلك المفاد يشعر بمناسبة بين تلك الأوصاف وبين مفاد الكلام)) (٣) .
لطائف:
الأولى: لابن قيم الجوزية (٤) كلام حسن حول ما تدلّ عليه هذه الأوصاف في
стр. 14
هذا المقام إذ يقول: ((في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدلّ على أنّه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ورب محمود، ورحمان محمود، وملك محمود. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر..)) (١) .
الثانية: وفي وجه افتتاح الفاتحة بالحمد دون التسبيح مع كون التخلية مقدّمة على التحلية قال الفخر الرازي: ((إنّ التحميد يدلّ على التسبيح دلالة التضمّن، فإن التسبيح يدلّ على كونه مبرءاً في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات، والتحميد يدلّ مع حصول تلك الصفة على كونه محسناً إلى الخلق منعماً عليهم رحيماً بهم، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاماً والتحميد يدلّ على كونه تعالى فوق التمام)) (٢) .
والثالثة: في وجه تقديم الرحمن على الرحيم بقوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول ابن عاشور: ((تقديم الرحمن على الرحيم لأنّ الصيغة الدالة على الاتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلّقاتها)) (٣) .
وبهذه اللطائف المفيدة المعتبرة أختم الحديث عن هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته الكريمة، وهو فاتحة المواضع كما هو فاتحة الكتاب ولله الحمد والمنة.
стр. 15
الفصل الثاني: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة الأنعام
المبحث الأول: في مناسبة فاتحة السورة بالحمد بخاتمة السورة قبلها .
...
الفصل الثاني:
حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة الأنعام
قال الله تعالى ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ (١) .
المبحث الأول: في مناسبة فاتحة السورة بالحمد بخاتمة السورة قبلها.
ذكر السيوطي (٢) في كتابه (أسرار ترتيب القرآن) أنه قال بعض أهل العلم في مناسبة فاتحة هذه السورة بخاتمة سورة المائدة قبلها أنّ هذه افتتحت بالحمد وتلك خُتِمت بفصل القضاء للتلازم بين الأمرين كما قال تعالى ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ (٣) .وأضاف على ما ذكره سابقاً فقال: ((وقد ظهر لي ـ بفضل الله ـ أنّه لما ذكر في آخر المائدة ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾ (٤) على سبيل الإجمال افتتح هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله، فبدأ
стр. 16
بذكر أنه خلق السموات والأرض وضمّ إليه أنّه جعل الظلمات والنور وهو بعض ما تضمنه قوله (ومافيهن) في آخر المائدة، وضمّن قوله (الحمد لله) أوّل الأنعام أنّ له ملك جميع المحامد وهو من بسط ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾ )) (١) ، فهذه المناسبة خاصة في وجه ارتباط السورتين من حيث ختام السابقة وابتداء اللاحقة وهي مناسبة لطيفة أحببت الإشارة إليها والتذكير بها.
стр. 17
المبحث الثاني: في غاية حمد الله ذاته بالآية وصلته بما بعده
إنّ سورة الأنعام التي جاءت هذه الآية في فاتحتها تعدّ أصلاً عظيماً في محاجة المشركين وغيرهم من المكذبين والمبتدعين (١) ، وكانت هذه الآية هي بداية المحاجة لهم والردّ عليهم بما يبطل شركهم ويدحض ضلالهم.وافتتاحها بحمد الله ذاته الكريمة يعتبر أول سبل إقامة الحجة على المشركين الذين اتخذوا شركاء لله من أوثان وأصنام؛ ذلك أنّ هذه الجملة (الحمد لله) تفيد ـ كما بينت سابقاً ـ استحقاقه تعالى الحمد وحده واختصاصه به دون غيره، وبذلك فهي ردٌّ عليهم في حمدهم لأصنامهم وأوثانهم بما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعماً ونصراً وتفريج كربات، وما اقتضاه ذلك من عبادتهم إياها؛ ولا ريب أنّ العبادة هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد (٢) . ولهذا قال ابن جرير الطبري (٣) في هذا المقام: ((الحمد الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأنداد والآلهة ودون ما سواه مما تعبده كفرة خلقه من الأوثان والأصنام. وهذا كلام مخرجه مخرج الخبر ينحى به نحو الأمر يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم وخلق السموات والأرض ولا
стр. 18
تشركوا معه في ذلك أحداً شيئاً فإن المستوجب عليكم بالحمد بأياديه عندكم ونعمه عليكم لامن تعبدونه من دونه وتجعلونه له شريكاً من خلقه)) (١) .
وبعد حمده تعالى لذاته ذكر بعضاً من عظائم آثاره وجلائل أفعاله وآلائه الدالّة على قدرته العظيمة الكاملة الموجبة لاستحقاقه الحمد واستقلاله به إضافة إلى الاستحقاق الذاتي، وذلك هو قوله تعالى ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ وهذه الجملة من الآية هي بمثابة الوصف له تعالى؛ إذ الموصول ـ ههنا ـ في محلّ الصفة لاسم الجلالة، وهي في نفس الأمر لها مفهوم العلة للحمد؛ فهو حقيق بالحمد وحدد دون سواه بسبب ما عُلِم من صفاته الذاتية الكاملة وأفعاله وآلائه ونعمه الجسيمة (٢) .
стр. 19
المبحث الثالث:
في بيان قوله تعالى: ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾
أخبر الله تعالى عن قدرته العظيمة الكاملة بخلق السموات والأرض وجعله الظلمات والنور، وإنّما خصّ خلق السموات والأرض بالذكر دون غيرهما من المخلوقات ـ في هذا المقام لكونهما أعظمها ولاشتمالهما على جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء والنعم الجليّة والخفيّة التي أجلّها نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كلّ موجود، هذا بالإضافة إلى ما فيهما من أنواع وفنون النعم الأنفسية والآفاقية المنوط بها مصالح العباد ومنافعهم في المعاش والمعاد (١) .
وأما الظلمات والنور فجمهور المفسرين على أن المراد بهما سواد الليل وضياء النهار (٢) ، وتخصيص جعلهما بالذكر في هذا المقام لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما (٣) ، مع كونهما أمرين خطيرين ونعمتين عظيمتين مرتبطتين بانتظام الحياة والمعاش على هذا الكون. قال الله تعالى ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب..﴾ الآية (٤) .
لطائف:
الأولى: إنّ في ذكر هذه المخلوقات الأربعة (السموات والأرض والظلمات والنور) تعريضاً بإبطال عقائد كفار العرب من مشركين وصابئة ومجوس
стр. 20
ونصارى، إذ إنّهم قد أثبتوا آلهة غير الله تعالى من هذه الأربع، فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض، والصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى ﵇ أو عيسى ومريم ﵉ وهما من الموجودات الأرضية، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة فجعلوا النور إله الخير والظلمة إله الشر؛ فأخبرهم الله عزوجل أنه خالق السموات والأرض أي وبما فيهن وخالق الظلمات والنور، فكيف يجعلون المخلوق إلهاً ويساوونه بالخالق سبحانه؟! (١)
الثانية: إنّ التعبير بالخلق في شأن السموات والأرض؛ وبالجعل في شأن الظلمات والنور دلالة على فرق دقيق بين الكلمتين أشار إليه ابن عاشور إذ قال: ((التفرقة بين جعل وخلق معدود من فصاحة الكلمات، وإن لكل كلمة مع صاحبتهما مقاماً، وهو ما يسمى برشاقة الكلمة، ففعل (خَلَق) أليق بإيجاد الذوات، وفعل (جَعَل) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها)) (٢) .
الثالثة: وإنّ في تقديم السموات على الأرض والظلمات على النور مراعاة لترتيب الوجود، فإنّ السموات تقدّم وجودها على الأرض كما هي على حالها الآن، والظلمات سابقة النور، فإن النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة وكانت الظلمة عامة (٣) .والله أعلم بمراده.
стр. 21
المبحث الرابع:
في وجه العطف بقوله تعالى ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾
يجيء ختام هذه الآية الكريمة ـ عطفاًعلى ما سبق ذكره في أولها بقوله ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله (الحمد الله) على معنى أنّ الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة منه ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ (١) أي يسوّون بينه تعالى وبين غيره في العبادة فيكفرون بنعمته، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ على معنى أنه خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه؛ ثم إنّهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً (٢) .
والإتيان بحرف العطف (ثم) للتعجب من حال هؤلاء المشركين؛ والإنكار عليهم؛ واستبعاد أن يعدلوا به تعالى غيره مع وضوح وبيان آيات قدرته ودلائل نعمته وإحسانه (٣) . وبالتالي فهي دالة على قبح المشركين وسوء طويتهم. وفي هذا يذكر القرطبي (٤) قول
стр. 22
ابن عطية (١) إذ قال: ((فـ (ثم) دالة على قبح المشركين؛ لأن المعنى: أنّ خلق السموات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني. ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثمّ)) (٢) .
لطائف:
الأولى: إنّ تقديم (بربهم) على الفعل (يعدلون) لزيادة الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد؛ مع المحافظة والمراعاة للفواصل.
الثانية: وإنّ حذف المفعول ـ ههنا ـ لظهوره، أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل بتنزيله منزلة اللازم إيذاناً بأنه المدار في الاستبعاد والإنكار لا خصوصية المفعول.
الثالثة: ثم إن في وضع الربّ في قوله: (بربّهم) موضع ضميره زيادة للتشنيع على المشركين والتقبيح لهم (٣) .
وبهذه اللطائف يتم الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته الشريفة ولله الحمد والمنة.
стр. 23
الفصل الثالث: حمد الله ذاته الكريمة عند هلاك الظالمين في آية سورة الأنعام
المبحث الأول: في وجه صلة آية الحمد بما قبلها
...
الفصل الثالث:
حمد الله ذاته الكريمة عند هلاك الظالمين في آية سورة الأنعام
قال الله تعالى ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين﴾ (١)
المبحث الأول: في وجه صلة آية الحمد بما قبلها
تأتي هذه الآية الكريمة في ختام آيات أخبر الله فيها عن أمم من خلقه ـ ممن كفر به وأشرك في عبادته وعصاه ـ بما ابتلاهم به من حال الضرّاء وحال السرّاء لعلهم يرجعون عن كفرهم وشركهم؛ ولكنهم ازدادوا بعداً وقست قلوبهم ونسوا ما ذُكِّروا به وجحدوا نعمة الله بعد أن جاءتهم فأخذهم الله بغتة وأهلكهم بسبب عنادهم وإصرارهم على كفرهم به. وتلكم الآيات هي قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم ممن قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرّعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تصرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون.فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أؤتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ (٢) . فكانت من بعد هذه الآية، وصُدِّرت بحرف العطف (الفاء) لعطفها على ما قبلها إذ قال تعالى (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) ،
والعطف على جملة (أخذناهم بغتة) أي فأخذناهم أخذ الاستئصال فلم يبق منهم أحد أبداً (٣) .
стр. 24
لطيفة: إنّ الإتيان بالاسم الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم، فإنّ هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات (١) . وإنّما وُصِف المشركون بالذين ظلموا لأن الشرك هو أعظم الظلم إذ هو اعتداء على حق الله على عباده من التوحيد، كما أنه يستتبع مظالم عدة لأن أصحابه لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم (٢) .
стр. 25
المبحث الثاني: في بيان حمد الله ذاته العليّة في الآية وغايته
يحمد الله ذاته العليّة في الشطر الثاني من الآية بقوله: ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ ، ويجوز أن تكون معطوفة على قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك﴾ وما اتصل بعدها من الآيات عطف غرض على غرض، ويجوز أن تكون اعتراضاً تذييلياً فتكون الواو اعتراضية (١) .
وعلى كلّ حال فإنّ حمد الله ذاته في هذا الموضع له غاية وحكمة والظاهر في ذلك أنه إنّما حمد الله ذاته ـ ههنا ـ لِما قضى به من إهلاك الظالمين؛ إذ إنّ في هلاكهم إصلاحاً لأهل الأرض وتخليصاً لهم من سوء عقائدهم وشرّ أعمالهم وظلمهم، وبه يعود العدل والحقّ بعد الجور والضلال.. ولاريب أنّ هذا من عظيم نعم الله على خلقه، وهو مقام من مقامات استحقاق الله سبحانه للحمد والثناء.
كما أنّ هلاك الكفرة الظالمين يستتبع نعماً أخرى غير ما ذكر بشأن الناس عامة، إذ فيه أيضاً إنعام على رسل الله ﵈ ودعاته الصالحين بإظهار حججهم ونصرهم على أعدائهم وإعلاء كلمة الحق التي جاءوا بها. وكل ذلك نعم جليلة حقيق به تعالى أن يحمد ذاته عليها (٢) .
ونظير ذلك قوله تعالى بشأن هلاك قوم لوط ﵇: ﴿وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين. قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى..﴾ الآية (٣) ، فإن قوله تعالى ﴿قل الحمد لله﴾ جاء بعد بيانه ـ عزّوجلّ ـ لما حلّ من الهلاك بقوم لوط،
стр. 26
وإن كان في هذا المقام أمر منه سبحانه لحمده؛ ولكن يدلّ على حمده لذاته إذ إنّه هو الآمر به والمريد له تعالى.
هذا وإن تعلّق الحمد لذاته بوصف رب العالمين ناسب هذا المقام؛ لما أن ربوبيته تعالى للعالمين ـ كما سبق بيانه ـ تقتضي تدبير شؤونهم ورعاية أحوالهم ومصالحهم وتربيتهم بالعدل، ولاشك أنّ هلاك الظالمين الكفرة هو من أعظم ما يكون من تدبير شؤون العالمين ورعاية مصالحهم وإقامة الحق والعدل وتربيتهم عليه وبه؛ فلله الحمد رب العالمين.
لطيفتان:
الأولى: قال الزمخشري (١) في شأن حمد الله لذاته الكريمة ههنا أنه ((إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة؛ وأنه من أجلّ النعم وأجزل القِسَم)) (٢) .
والثانية: قال القرطبي فيما عرّضت به هذه الآية: ((وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم لما يعقب من قطع الدابر إلى العذاب الدائم مع استحقاق القاطع الحمد من كلّ حامد)) (٣) .
وبهاتين اللطيفتين يتم الكلام حول هذا الموضع ولله الحمد والمنة.
стр. 27
الفصل الرابع: حمد الله ذاته الكريمة عند إظهار الحجة في آية سورة النحل
المبحث الأول: في بيان الآية وصلتها بما قبلها
...
الفصل الرابع:
حمد الله ذاته الكريمة عند إظهار الحجة في آية سورة النحل
قال الله تعالى ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ (١) .
المبحث الأول: في بيان الآية وصلتها بما قبلها
لما نهى الله ـ تعالى ـ المشركين عن ضرب الأمثال المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه وهو ما جاء في قوله تعالى ﴿ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون. فلا تضربوا لله الأمثال إنّ الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (٢) فلمّا نهاهم عن ذلك ضرب ـ سبحانه ـ مثلاً (٣) له ولمن يُعبد من دونه من الأوثان والأصنام برجلين أحدهما عبد مملوك أي رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئاً، والثاني حرّ غني قد رزقه الله رزقاً حسناً من جميع أصناف المال وهو كريم محبٌّ للإحسان فهو ينفق منه سراً وجهراً، وإظهاراً للحجة في هذا المثل المضروب قال تعالى بعده (هل يستوون) ، أي هل يستوي هذا وذاك؟! والجواب بلا شك: لا يستويان؛ مع أنهما مخلوقان وغير محال
стр. 28
استواؤهما، فإذا كان لايستويان فكيف يستوي المخلوق والعبد الذي ليس له ملك ولاقدرة ولا استطاعة بل هو فقير من كل الوجوه بالربّ المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء سبحانه، بل وكيف بالأوثان والأصنام الجامدة العاجزة عن كل شيء؟!
والمراد: فكيف تجعلونها أيها المشركون شركاء لي تعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين (١) .
وإلى هذا المعنى ذهب جمهور المفسرين، وقد ذهب البعض منهم كابن جرير الطبري إلى أنّ هذا المثل ضربه الله للكافر من عبيده والمؤمن به، فأمّا مثل الكافر فإنه لايعمل بطاعة الله ولا يأتي خيراً ولاينفق من ماله شيئاً في سبيل الله فهو كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فينفقه، وأما المؤمن بالله فإنه يعمل بطاعته وينفق ماله في سبيله كالحرّ الذي آتاه الله مالاً فهو ينفق منه سراً وجهراً (٢) .
ولكن القول الأول هو الأولى والأقرب؛ لأنّ ما قبل هذه الآية من الآيات ـ كما بينته سابقاً ـ بل وما بعدها إنما جاءت في إثبات التوحيد وفي الردّ على القائلين بالشرك، فحمل هذا المثل على هذا المعنى هو الأولى، وما نُقِل عن ابن عباس ﵄ (٣) في القول الثاني لم يصح؛ لأنه روي بسند مسلسل
стр. 29
بالضعفاء. ولابن القيم كلام مفيد في ترجيح القول الأول بعد إيراده للقولين حيث قال: ((والقول الأول أشبه، فإنه أظهر في بطلان الشرك؛ وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسباً بقوله تعالى ﴿ويعبدون من دون الله ما لايملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطعيون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١) ثم قال ﴿ضرب الله مثلاً﴾ ، ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحِّد كمن رزقه منه رزقاً حسناً والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لايقدر على شيء، فهذا ممّا نبّه عليه المثل وأرشد إليه فذكره ابن عباس ﵁ منبهاً على إرادته؛ لأنّ الآية اختصت به فتأمّله فإنّك تجده كثيراً في كلام ابن عباس ﵁ وغيره من السلف في فهم القرآن فيظنّ الظانّ أنّ ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله)) (٢) .
لطائف:
الأولى: إنّ في إبهام المثل أولاً (ضرب الله مثلاً) ثم بيانه بما ذكر ما لايخفى من الفخامة والجزالة (٣) .
الثانية: في قوله تعالى ﴿.. ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً﴾ . إيثار لما عليه النظم الكريم من الجملة الاسمية الفعلية الخبر؛ وذلك للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجدّدي (٤) .
стр. 30
الثالثة: وإنّ في العدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال وحراً مالكاً للأموال كما قال (عبداً مملوكاً) ـ مع كونه أدلّ على تباين الحال بينه وبين قسيمه ـ توخياً لتحقيق الحق بأنّ الأحرار أيضاً تحت ربقة عبوديته تعالى، وأنّ مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك (١) .
والرابعة: في قوله تعالى (هل يستوون) الاستفهام للإنكار، وجمع الضمير للإيذان بأنّ المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين
لا فردان معيّنان منهما، هذا مع أنّ (من) اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع (٢) .
стр. 31
المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته
يحمد الله ذاته الشريفة بعد ضربه لهذا المثل المقصود منه إبطال ما عليه المشركون من الشرك به، وذلك بنفي التساوي بينه تعالى وبين ما يشركون. وقد جاء الحمد بقوله ﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ .
وإنما حمد الله ذاته ـ في هذا المقام ـ لظهور البينة وقوّة الحجة على المشركين بهذا المثل المطابق للغرض والكاشف عن المقصود (١) .
وقيل ـ أيضاً ـ في مناسبة مجيء الحمد هنا: أي على ما هدى أولياءه وأنعم عليهم بالتوحيد، أو الحمد كله لله لا يستحقّه شيء من الأصنام؛ إذ تبيّن من المثل اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختصّ بالحمد وحده (٢) .
وأرى أنّ المناسبة الأولى هي الأقوى، لِما أنّ المقام ـ ههنا ـ في ضرب المثل الذي يراد به إثبات الحجة على المشركين ونقض شركهم، ويؤيده ـ أيضاً ـ ما عُقِّب به الحمد بقوله ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ والمراد أي أكثرهم لا يعلمون قوة هذه الحجة وظهور البينة عليهم بهذا المثل مع أنها في غاية ظهورها ونهاية وضوحها. وإن كان القولان الآخران مرادين ومعتبرين والله أعلم بمراده.
لطيفتان:
الأولى: في حمد الله ذاته في هذا المقام إشارة إلى المؤمنين بأن يحمدوه سبحانه عند ظهور الحقّ وبيان حجّته وإلزام المعرضين به.
الثانية: في قوله تعالى ﴿بل أكثرهم لايعلمون﴾ أُسْنِد نفي العلم إلى أكثرهم للإشعار
стр. 32
بأنّ بعضهم يعلمون الحق، ولكنهم لا يعملون به استكباراً وعناداً، ويتضمّن النصّ بهذا ذماً لأكثرهم بالصراحة وذماً لأقلّهم بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض (١) . والله أعلم بمراده.
وبهاتين اللطيفتين يتم الحديث عن هذا الموضع من مواضع حمد الله لذاته ولله الحمد والمنة.
стр. 33
الفصل الخامس: حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف
المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته
...
الفصل الخامس:
حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف
قال الله تعالى ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. قيماً لينذر باساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، ماكثين فيه أبدا﴾ (١) .
المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته
تفتتح هذه السورة الكريمة بحمد الله ذاته الشريفة، وجاء من بعد الوصف له تعالى بالموصول ليفيد التنويه بمضمون الصلة؛ وليفيد (أيضاً) بيان سبب استحقاقه تعالى للحمد ههنا. وعلى هذا لمّا كان إنزال القرآن الكريم على النبي ﷺ أجزل وأعظم نعماء الله على عباده المؤمنين لأنه سبيل سعادتهم في الدارين، وهو في نفس الأمر من أعظم نعمه على رسوله صلىالله عليه وسلم بأن جعله واسطة ذلك القرآن ومبلّغه ومبيّنه.. لمّا كان الأمر كذلك حمد الله ذاته على إنزال كتابه على نبيه محمد ﷺ ، وفيه ـ بلا ريب ـ إشارة إلى عظم شأن القرآن الكريم (٢) .
وإنّما خصّ رسوله ﷺ بالذكر؛ لأنّ إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه بالخصوص ـ كما بينت سابقاً ـ وعلى سائر الناس بالعموم (٣) .
стр. 34
ولا يخفى أنّ في حمد الله ذاته في هذا الموضع يتضمّن إرشاداً لعباده أن يحمدوه سبحانه على إرسال الرسول ﷺ إليهم وإنزال الكتاب عليهم (١) .
لطائف:
الأولى: في مناسبة افتتاح سورة الكهف بالحمد بالسورة قبلها ذكر السيوطي في كتابه أسرار ترتيب القرآن أنّ بعض العلماء قال: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء افتتاح تلك بالتسبيح وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام بحيث يسبق التسبيح التحميد.
ثم أضاف إلى قولهم قائلاً: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضاً. أي في قوله تعالى في خاتمة سورة الإسراء ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً..﴾ الآية (٢) ، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف (٣) .
الثانية: إنّ في إيثار إنزال القرآن الكريم من بين سائر صفاته تعالى ـ في هذا المقام ـ تنبيهاً على أنّه من أعظم نعمائه؛ فإنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والعباد ولا شيء في معناه ما يماثله (٤) .
والثالثة: إنّ في وصف الرسول ﷺ في هذا الموضع ـ بوصف العبودية لله تعالى تنبيهاً على بلوغه إلى أعلى معارج العبادة ومقاماتها؛ وتشريفاً له أيّ تشريف. ومثله قوله تعالى ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على
стр. 35
عبده ليكون للعالمين نذيراً﴾ (١) ونظيره ـ أيضاً ـ في مقام الإسراء والمعراج بقوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده..﴾ الآية (٢) . وهو في أعلى المقامات والقرب من الله تعالى (٣) .
وذكر الآلوسي (٤) أنّ في هذا أيضاً إشعاراً بأنّ شأن الرسول أن يكون عبداً للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى ﵇ (٥) . وهو معنى صحيح؛ ولكن ما ذكر من المعنى السابق أنسب للمقام وأوجه. والله أعلم بمراده.
стр. 36
المبحث الثاني:
في ذكر أوصاف الكتاب وصلتها باستحقاق الحمد
وصف الله ﵎ كتابه الكريم في مقام الحمد بإنزاله بصفات تدلّ على أنّه حقيق أن يحمد الله نفسه الشريفة على إنزاله وأن يتمدّح إلى عباده به. وتلكم الصفات (أولها) في قوله تعالى: (ولم يجعل له عوجاً) وهو وصف كمال له بنفي وجود شيء من العوج به كاختلال في النظم وتنافر في المعنى أو انحراف عن الدعوة إلى الحق؛ بل هو في غاية الكمال من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف والتضاد. وهذا الوصف الذاتي له يقتضي أنه أهلٌ للانتفاع به (١) .
و (ثانيها) في قوله تعالى (قيّماً..) والقيِّم: صفة مبالغة من القيام الذي يطلق على دوام تعهّد شيء وملازمة صلاحه؛ لأنّ التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، والمراد بهذا الوصف في شأن القرآن الكريم أنه قيّم على هدي الأمة وإصلاحها بكلّ ما يحقّق لها الخير في مصالحها الدينية والدنيوية. وهذا الوصف يقتضي أنّ كماله متعدٍّ بالنفع (٢) .
وأقول: إنّ هذين الوصفين بدلالتهما على كمال هذا الكتاب الكريم بكونه في ذاته أهلاً للانتفاع به وكونه متعدّياً بالنفع فيهما إظهار وإشعار لاستحقاقه تعالى الحمد على إنزال القرآن الكريم، فالإتيان بهما مناسب لمقام الحمد ههنا.
لطيفة:
يذكر ابن عاشور في قوله تعالى (ولم يجعل له عوجاً) أنّه إنّما عُدّي الجعل
стр. 37
باللام دون (في) لأنّ العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية، لأنّ الظرفية من علائق الأجسام، وأمّا معنى الاختصاص فهو
أعمّ (١) . وهذا الذي ذكره أمر دقيق يحسن التنبيه إليه.
وبهذه اللطيفة يتم الكلام حول الموضع ولله الحمد والمنة.
стр. 38
الفصل السادس: حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص
المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها .
...
الفصل السادس:
حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص
قال الله تعالى ﴿وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم
وإليه ترجعون﴾ (١)
المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها.
هذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها من قوله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. وربك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون﴾ (٢) ؛ ذلك أنه بعد أن أخبر الله تعالى بأنه المنفرد بالخلق والاختيار وليس له في ذلك منازع ولا مزاحم ولا معقّب؛ ثم نزّه ذاته من أن يشرك به من الأصنام أو الأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً، ومن بعد أخبر أنه بسبب علمه لما تخفيه صدور عباده وما يعلنونه من أقوال وأفعال فهو المستحقّ والمنفرد بأن يختار لهم ما يشاء دون سواه.. بعد هذا البيان والإخبار منه ـ عزوجل ـ عطف عليه إثبات ألوهيته بقوله: (وهو الله لا إله إلا هو) ، وهو كالنتيجة والتقرير لما قبله؛ ذلك أنّ من كان بيده الخلق والتقدير والاختيار، ومن كان عليماً بخفايا الصدور وعلانية الأمور، فهو الإله الواحد الحق الذي لا يكون التوجه إلا إليه ولا تصرف العبادة إلاّ له، ولا يرجع في الحكم إلا لما يختاره ويقضي به.. ومن ثم أتبع إثباته لألوهيته بحمده ذاته الشريفة بقوله ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ ، وهو بمثابة الاستدلال والتعليل لثبوت إلهيته ونفيها عما سواه؛ ذلك أنّه تعالى هو الذي قد أحاط بكلّ أوصاف الكمال والجلال وهو المنعم على خلقه مؤمنهم وكافرهم فله الحمد والثناء التامّان في الدنيا والآخرة، وليس ذلك لشيء سواه؛ وبهذا فهو المستحقّ للألوهية وحده سبحانه (٣) .
стр. 39
المبحث الثاني:
في بيان جملة الحمد (له الحمد في الأولى والآخرة) وما بعدها
حمد الله ذاته الكريمة ـ ههنا ـ بقوله (له الحمد في الأولى والآخرة) ، وقوله
(له الحمد) هو في معنى قوله (الحمد لله) والتي سبق بيانها؛ وذلك لأن اللام في قوله (له) هي للملك والاستحقاق، والضمير يرجع إلى اسم الجلالة، والتعريف في الحمد للجنس المفيد للاستغراق، هذا مع إفادة تقديم المجرور الاهتمام بضمير الجلالة والاختصاص (١) . وإنّما اختلف التعبير ـ ههنا ـ لما اقتضاه سياق الكلام في الآية.
وأمّا ذِكْرُ أنّ له الحمد في الأولى والآخرة فلإفادة التعميم لاستحقاقه الحمد في الدارين؛ لِما أنه ذو الصفات الكاملة والمنعم على عباده في الدنيا والآخرة، ويحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا كما أخبر الله عنهم بقوله سبحانه ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء..﴾ الآية (٢) . أقول: وفيه مزيد تفخيم لشأن حمده ذاته تعالى في مقام إثبات ألوهيته.
مطلب:
ومن بعد حمده تعالى لذاته يعطف عليه إثبات أنّ الحكم له بقوله (وله
стр. 40
الحكم) ، وهو تتمة للاستدلال والتعليل لإثبات ألوهيته ونفيها عمن سواه. والمراد: أي له الحكم في الدارين أيضاً، وحُذِف المتعلق بالحكم لدلالة قوله قبلها (في الأولى والآخرة) (١) ؛ فمن كان له الحكم والقضاء في الدنيا والآخرة على عباده فهو المستحق للألوهية وحده.
ويعطف عليه أيضاً بما يكون خاتمة للاستدلال والتعليل على ألوهيته بقوله: (وإليه ترجعون) ، أي فمن كان مرجعكم ومصيركم إليه فاتقوه ووحّدوه
ولا تصرفوا شيئاً من الألوهية إلا له؛ فهو المستحق لها الفرد الصمد دون سواه.
لطيفة:
إنّ في تقديم المجرور بقوله تعالى (وإليه ترجعون) اهتماماً بالانتهاء إليه سبحانه وإلى حكمه وقضائه، مع مراعاة الفاصلة (٢) . والله أعلم بمراده.
وبهذه اللطيفة يتم الحديث عن هذا الموضع ولله الحمد والمنة.