← Адаб

Адаб · id 1017

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

إحسان عباس

Полный текст (411 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الثاني: " نازك الملائكة اكبر من ديوانها "؟ وهو حكم غريب حقا - ثم أن يقول أخيراً في مهدي الجواهري، أنه " قد اخذ مكانه إلى جانب المتنبي وأبي تمام وهو اعظم من اختتمت به هذه الحلقة الذهبية من شعرائنا العظام البادئين بطرفة بن العبد والمنتهين بالمعري قبل الجواهري ". أما كيف انتهت الحلقة بالمعري ثم وجد فيها الجواهري بعد الانتهاء، فأمر يرجع فيه إلى قدرة السياب على فهم معنى البداية والنهاية، وحين يقول السياب: أن شوقي يبدو قزما إلى جانب الجواهري العظيم " فانه يمعن في تحكيم العلاقات الشخصية وبسط ظلها على مقاييس الأدب والنقد. وربما صح أن نقف هنا على ما قاله في صديقه القديم كاظم جواد، لا لقيمة في الكلام نفسه وإنما لما أثاره من غبار، فقد قال في الشاعر الذي كان صديقا: " يبلغ قمة الإجادة عندما يكتب عن نفسه دون أن يقلد أحدا ولكنه يعتمد على لهياج في اغلب قصائده مما يفسد عليه إمكانياته "، ووقعت لفظة " الهياج " موقعا مثيرا من نفس كاظم فكتب في أحد الأعداد الأسبوعية من جريدة الشعب يتهم السياب بأنه استورد في رحلته قيما نقدية من لبنان، وان من حقه ان يفرض هذه القيم على نفسه ولكن ليس من حقه أن يفرضها على الآخرين، وقال كاظم: " فإذا كان الحماس في سبيل القضية العربية أو الفورة في سبيل الحق والانسانية، واذا كانت الصراحة يمكن أن تدرج تحت كلمة تهيج فانا فخور جدا أن أكون دائما من المتهيجين، أما انطفاء الآخرين، أما موتهم الكسيح، أما نهايتهم فلتدرج تحت ألفاظ الحكمة والتأني والفن الصحيح؟ " (١) ولم ينس كاظم ان يعلن عن ديوانه الذي يوشك ان يصدر وان يتحدى السياب بأن يثبت عليه التقليد في قصيدة واحدة

стр. 282

من قصائده، وهدد السياب بأنه سيتولى في القريب الكشف عن مصادر شعره " الذي رفعته يوما ما جهة معروفة في العراق والذي ترفعه الآن جهة معروفة في لبنان " (١) ونسي في غضبته كل حديث سابق عن الشاعر الذي لم يوف حقه من الشهرة (٢) . وكان رد السياب على هذه الثورة ذا طرفين، ففي الطرف الأول نشر قبل الرد مقالا عن عبد الملك نوري الذي كان كاظم جواد يقرن بينه وبين البياتي ويحاول تحطيم الاثنين معا، وجعل عنوانه " عبد الملك نوري القصصي الأول؟ عبقرية لم توف حقها من التقدير " وانتهى مقاله بقوله: " وانه لمما يخجلنا؟ أن تقوم بيننا عبقرية كعبقرية عبد الملك نوري دون ان نوفيها حقها من التقدير " (٣) ، وفي الطرف الثاني تناول كلمة كاظم جواد بالتفنيد فرأى فيها صورة " للتهيج " الذي إليه، وغمز من بطولته، وقرر أن قصيدة " لعنة بغداد " من شعر كاظم قد قسمت إلى شقق (لأنه شخص صريح!!) " فشقة للإخوان المسلمين وشقة للشيوعيين وشقة للاستقلاليين وشقة لأنصار السلام وشقة للقوميين "؟ يعني أن صديقه القديم (الذي اصبح المحامي الشاعر كاظم جواد) يغازل جميع الفئات السياسية في العراق؟ وتحداه أن يفي يتهديده فيكشف عن المصادر شعر السياب، وسخر من دعواه بان الشيوعيين رفوا من قدا شعره في العراق وأن " فئة جديدة " تحول أن ترفع شعره في لبنان فقال: " فأما عن الجهة المعروفة التي رفعت شعري في العراق؟ هذه الجهة التي

стр. 283

يتقرب إليها كاظم جواد نفسه عسى أن ترفع شعره - فالحق أن شعري لم يرتفع ألا بعد أن سخطت تلك الجهة المعروفة عليه وعلى، وأما عن الجهة المعروفة في لبنان التي ترفع شعري ألان فلم يبلغ بي التدهور بعد حد النزول ألى مثل هذا الحضيض، وليس في حياتي كلها مثل هذا الميل إلى النزول إليه؟ كما في حياة (بعضهم) " (١) . ترى ما هو الخضيض الذي كان لدى الشاعر صورة له حين اتهم بأن هناك جهة معروفة تحاول أن ترفع شعره؟ أن الدروس ليس من مهمته أبدا أن يكون طرفا في هذه الخصومة وما تثيره من اتهامات متبادلة، ولكن النظرة الموضوعية يستدعي أن نسجل بأن الحاجة المادية المرهقة لدى السياب (ولعل للحياة الزوجية هنا أثرها القوي في مضاعفة تلك الحاجة) لم تترك للسياب فرصة الاختيار، فأخذ يهتم بالمكافأة التي ينالها على جهده دون أن يتوقف للسؤال عن مصدرها، أقول: إنه كان في حاجة ماسة إلى ما تدفعه له مجلة " شعر " لقاء قصائده، ولكن ما كان يتقاضاه من وظيفته مع هذا الدخل الإضافي البسيط لم يكن يكفيه، ولهذا وجد نفسه يعمل صحفيا في جريدة " الشعب " وفي العدد الأسبوعي منها بوجه الخصوص، وهنا اترك للمحامي العبطة حق التعليق على هذه العلاقة بين الشاعر والصحيفة وذلك حيث يقول: " ان انتساب السياب للجريدة لم يرض الجهات الوطنية وسجل صفحة أخرى لا تناسب ماضيه وتجرده " (٢) . ولا ريب في أن قلة قصائد هذه الفترة إنما تعود أولاً إلى استنزاف النشاط في الوظيفة وفي العمل الصحفي، فقد كان إلى جانب

стр. 284

عمله الرسمي يترجم للجريدة ويكتب في عددها الأسبوعي صفحة أديبة. وتتفاوت كتابات السياب في موضوعها فهي تتناول نقد القصاصين مثل عبد الملك نواري ومهدي عيسى الصقر، أو تصور شيئا من ذكرياته أو ترسم مقابلة صحفية أو تتناول صورا من الحياة في " اسكتشات " خفيفة، أكثر فيها مكتوب باللهجة العامية العراقية وخاصة في سلسلة عنوانها " أسبوعيات " أم رزوقي " وهي صور لا تعدو " الدردشة " والنقد الخفيف لبعض الجوانب في المجتمع، وليس في الصور ما يشير إلى نجاح في صياغة قصة قصيرة، وكان أخرها صدورا قبل يومين من نشوب الثورة في العراق (١٤تموز ١٩٥٤) . ولعل من المفيد ان تتذكر قوله في نقد قصص الصقر: " أطال قصصه يبحثون عن الحب خلال بحثهم الدءوب عن الخبز، عن الحب الذي لا يكلف مالا ولا وقتا، عن حب يومي كالخبز اليومي؟ وبما اجتذبته حياة اللهو فيها (في المدينة) فترة من حياته، ولكن الريف الكامن في أعماقه ينتصر في النهاية، وتنتصر الحياة الزوجية المستقرة، بين بكاء الأطفال وضجيجهم الحلو، هذه الحياة التي يعرفها القرويون ويؤثرونها اكثر مما يعرف ويؤثرها أبناء المدينة " (١) ، فأن السياب هنا أما يرى ذاته في صفحة مهدي الصقر، ويتحدث عن قيمه وويتحدث عن قيمه ونتصاره أو ظمأه النفسي إلى ذلك الانتصار.

стр. 285

- ٢٥ - ولكن..متى كنت شيوعيا فيما كان بدر منصرفا إلى ملء الصفحة الأدبية في جريدة الشعب بدر دهشة " أم رزوقي "، انفجرت الدولة البوليسية التي أوجدها نوري سعيد، وضربت سياسة الأحلاف في الصميم؛ وكان عنصر المفاجأة في تلك الثورة مثار دهشة بالغة، أحد يتصور أنها ستقع حين وقعت، واليك ما يقوله أحد من درسوا هذه الثورة في وصف الفترة السابقة لها فورا: " لكن أولئك الذين كانوا الماضي ينتقدون ويحملون على العهد سكتوا الآن على مضض وامتنعوا عن الحديث في المواضيع حتى إلى اصدقائهم، إذ انعدمت الثقة واستشرى الخوف وامتد اليأس والقنوط فالإرهاب والفساد قد آتيا أكلهما وقاما بواجبهما ولم تبق هناك رغبة فورية بالثورة، كما كان الأمر قبل سنوات، وأي اضطراب سرعان ما يبلغ عنه وتتخذ اعنف الإجراءات لقمعه؟ واخذ الناس يهيئون عقولهم ويعدون أنفسهم لتقبل استمرار الأحوال الراهنة على ما هي عليه وخيل للجميع أن أي أمل ثورة ناجحة قد زال وانتهى " (١) .

стр. 286

ومع ذلك فان الإحساس التنبؤي في شعر بدر كان يومئ من بعيد إلى تغير الحال، ولم يكن هذا يتطلب قوة حدس إلهامية فذة فأن الناس إذا لم يطمئنوا إلى أن التغييرات محتوم في أوضاع العراق حينئذ، توارى من قدام عيونهم كل معنى للحياة والوجود ولما يتصل بالحياة والوجود من قيم، ولهذا عبر بدر في قصائد هذه الفترة عن اللهفة إلى الموت: فيدلهم في دمي حنين ... إلى رصاصة يشق ثلجها الزؤام ... أعماق صدري، كالجحيم يشتعل العظام (١) ... وعن النقمة الغامضة على ما لا تحديد له: أود لو عدوت أعضد المكافحين ... اشد قبضتي ثم اصفع القدر (٢) ... وعن أن العذاب المرعب إرهاص بمخاض المدينة (٣) وصور في قصيدة " مدينة بلا مطر " (٤) ما تعانيه بابل من ظمأ وجفاف وجوع، ولكن انتهى إلى أم المطر لا بد من ان يهطل: لتعلم ان بابل سوف تغسل من خطاياها ... ولهذا وجد في الثورة حقيقة زوال الكابوس الفادح فحياها بقصيدة لم تنشر في واحد من دواوينه، ولكن العهد لم يطل بالثورة حتى اخذ عبد الكريم قاسم يضرب فيها بين القوى المختلفة، ويدفع بموجة من موجات تلك القوى إلى أقصى اندفاعها ثم يثير موجة أخرى

стр. 287

لتكبحها، وبذلك يكفل استمراره في لعبة الصوالجة. وكانت الموجة الأولى التي ترك لها حرية التدحرج إلى غايتها هي الفئات الشيوعية، وقد سار في تيار جميع الذين وجدوا انهم يستطيعون جني الثمار العاجلة من الانتماء إليها، والسيل إذا اندفع حمل القش والحطب والحصى وجرف التراب من حول أصول الشجر. ويعتقد الشاعر علي السبتي أن السياب في تلك الفترة حاول الاتصال بالشيوعيين فصدوه وقربوا إليهم البياتي. ولكن السياب نفسه يتحدث في معرض الفخر بأن الشيوعيين كانوا يتوقعون منه العودة إلى صفوفهم " كما عاد إليها المئات من الجبناء الذين قدموا البراءات ونبذوا الشيوعية في عهد نوري السعيد " (١) إلا انه لم يتراجع عن موقفه إزاءهم، ومما يضعف رواية الأستاذ السبتي ان وجود السياب والبياتي في حزب واحد ليس فيه تناقض، إذا شاء السياب نفسه العودة إلى الحزب؛ ويتفق الأستاذ السبتي والدكتور عبد الله السياب (أخوه الأكبر) مع ما يقوله بدر عن المشكلة التي وسعت شقة الخلاف بين بدر والشيوعيين اعني التوقيع على عريضة؟ وقد اضطر بدر حين كتب في ظل عبد الكريم قاسم إلى أن يسكت عن ملابسات تلك العريضة وفحواها - إلا أننا نعلم مما قاله الدكتور عبد الله والأستاذ السبتي أن العريضة كانت تنص على استنكار ثورة الشواف في الموصل وتنسب تدبيرها إلى الرئيس جمال عبد الناصر، فرفض السياب أن يوقع عليها، وقال: أنني أريد عمل الشواف ولا أعده مؤامرة، ويزيد السبتي على هذا قوله: أن مسئولا شيوعيا كبيرا آنذاك طلب إليه أن يكتب (وينشر) قصيدة في هجاء الرئيس عبد الناصر، فبذلك يثبت حسن نيته تجاه الشيوعيين إلا أنه أبى ذلك أيضاً، ولعل هذا حدث بعد فصله من وظيفته. وقد جاء فصله من وظيفته نتيجة موقفه من العريضة التي تدين

стр. 288

ثورة الشواف، إذ نشب بينه وبين حامل العريضة مهاترة كلامية وسباب، وما لبث حامل العريضة أن صاح: " الله اكبر، يسب الزعيم ويمدح جمال عبد الناصر "؛ وسنحت الفرصة لبعض الناقمين عليه من زملائه كي يتخلصوا منه، فكتبوا كتابا إلى وزارة الاقتصاد شحنوه بتهم متعددة من جملتها " أنه شوهد وهو يبتسم يوم مؤامرة الشواف "، فاستدعاه معاون شرطة العباخانة للتحقيق، ولما هم بالذهاب تحلق حوله عدد من زملائه ومنعوه من الخروج، وصبوا على رأسه سيلا من الشتائم: " وجاءت الرفيقة الشريفة تماضر وصارت تسبني سبا بذيئا يندى له جبين كل عذراء "، ثم حضر شرطي الأمن فاقتاده إلى المركز ومعه شاهدان ضده هما نوري الراوي وداود سلمان، وفي المركز غير نوري اسمه وسمى نفسه احمد محمود؛ وسئل الشاهدان في التحقيق: هل سب الزعيم أو الجمهورية أو أحد المسئولين فأجابا بالنفي، فخرج من التوقيف ولكن عد أن فصل من عمله (١) . ويقول الدكتور عبد الله ان نوري الراوي؟ وهو رسام - كان من أصدقاء بدر، غير انه لم يتورع عن أن يشهد ضده بالباطل. ويقول الأستاذ محمود العبطة: " وفي سنة ١٩٥٩ أرسل إلي شخصا يطلب مني التماس شقيقي محمد العبطة المحامي لأجل التوكل عنه عندما أوقف في تلك السنة، وقد قام الأخ بما التمس منه وأخرجه بكفالة " (٢) . غير ان فصله من العمل وقع على نفسه وقوع الصاعقة، وزاده شعورا بالحيرة إخفاقه في الحصول على عمل جديد، فقد قدم طلبا إلى شركة نفط البصرة ليعمل فيها مترجما، وعين موعد للمقابلة، ولكن

стр. 289

مديرية شئون النفط تراجعت عن توظيفه قبل الموعد بقليل (١) وكانت مسئولياته العائلية تجعل فقدان مورد الرزق شبيها بالقتل إذ كان يعول، إلى جانب زوجه، طفلين هما غيلان وغيداء. واخذ أخوه مصطفى يلومه لما حدث، ويحمله المسئولية الكاملة فيه، ويؤكد له في الوقت ذاته ان عزيز الحاج؟ الذي كان زميلا له في دار المعلمين - ما يزال يكن له المحبة والتقدير، وانه يحب ان يراه، وقد يسعفه بنفوذه في العودة إلى عمله. وتوجه بدر إلى إدارة جريدة " اتحاد الشعب " ليقابل زميله القديم فلم يجده هنالك وإنما وجد جمال الحيدري وحمزة سلمان، وكلاهما صديق له، فاستقبلاه بترحيب وعبرا عن أسفهما لفصله من العمل، ولكنهما قالا له: أن قضية فصله ليست موضوع بحث وإنما يجدر به ان يسجل على ورقة قصة اختلافه من الحزب الشيوعي ليدرسها الحزب ويصدر بشأنها قرارا حاسما (٢) وكان واضحا أن السياب قد ضمنا على الاحتكام لرأي الحزب؛ ترى لو ان الحزب قرر إعادته إلى وظيفته لقاء انتمائه من جديد فماذا يكون موقفه من ذلك؟ ان استبعاد قضية الفصل وهي الهدف الأول الذي كان يسعى السياب لكسب الوساطة من اجله لم يكن في مصلحة السياب، لآن الأمر الملح هو العودة إلى العمل، وفي سبيل هذه الغاية وجد نفسه يرضى بنوع من الصلح يفرضه الفريق الآخر عليه كما يشاء، وبأي شروط يريدها. ولهذا سمى مصطفى الورقة التي دونها بدر وسلمها لصديقه " اعترافا " لأن اقل ما ترمز إليه هو الإقرار ببعض الخطأ في ذلك الخلاف، ولكن زملاء الأمس حين لم يحلوا مشكلة العودة إلى العمل زادوه شعورا بالنقمة وبالمرارة عليهم وعلى نفسه.

стр. 290

وما كادت الموجة الشيوعية تصل إلى قرار تركد عنده حتى هب السياب يكتب مقالات بعنوان " كنت شيوعيا " وبضمنها أقسى أنواع الهجوم على الشيوعيين، لا يبقي ولا يذر كأنه حاطب ليل، ولذا أصاب رشاش قلمه كثيرا من الناس فيهم البعيد والقريب، واضطر مصطفى أخوه أن يعلن تبرؤه من هذا الموقف، حتى تحولت العلاقة بين الأخوين إلى مهاترات علنية، ومن يقرأ هجوم بدر على أخيه مصطفى (١) يتضح له ان بدرا في حدة انفعاله كان ينسى كل الروابط الوثيقة في سبيل أن يفرغ غيظه المحموم، وتلك هي حاله في كثير من التهم التي ساقها؟ صحت أو لم تصح - فأنها كانت محاولة عامدة للتشويه، ألح فيها على تهم الجنس والشذوذ الجنسي بشكل خاص، كأنما كانت غايته هي نشر الفضائح. وقد تجد في هذه المقالات بعض ما يفيد في إلقاء ضوء على سيرة بدر، ولكن مجمل الرأي فيهما أن السياب حاول تهشيم شيء كبير بأسلحة كليلة، لأنها أسلحة غير علمية، وكانت تنقصه اللباقة في النقد فلذلك سمح لغضبه ان يجتاح كل الحدود، فأدان نفسه قبل ان يدين الآخرين، كما كان يعوزه المنهج الدقيق الذي يضع فيه مذكراته، ولذلك جاءت أشبه بفصول محشودة دون نظام أو ترتيب، وكان بعض هذه الفصول لملء الفراغ في الصحيفة، إذ ما علاقة امرء يسجل تجربته مع الحزب الشيوعي بعرض رواية جورج أورويل " عام ١٩٨٤ " في غير مقالة واحدة؟ ان هذا الموقف قد أصاب السياب نفسه، فقد اضطره ان يقول في رواية أورويل أنها رواية " رائعة "، كما اضطر إلى ان يورد بعض نماذج من شعر سيمونوف الشاعر السوفيتي، ليزيف شعره جملة (٢) . وهكذا حكمت السذاجة الغاضبة على بدر ان يتناول كل أدب غير شيوعي في نطاق " رائع "

стр. 291

و " عظيم " وما أشبه من تلك الصفات، وأن ينسب كل شعر أو أدب شيوعي إلى التفاهة والسخف: " لقد قرأت مثلا شعر الكثيرين من الشعراء الشيوعيين من ناظم حكمت وبابلو نيرودا وأراغون وماوتسي تونغ والشاعر السوفيتي سيمونوف فوجدته سخيفا بل وجدت الكثير منه لا يستحق حتى أن يسمى شعرا " (١) وعلى هذا الأساس ابرز بدر مدى المداجاة التي عاش فيها لا في شئون المعتقد السياسي بل في شيئين أهم من ذلك في نظري أولهما: التذوق الفني والأحكام النقدية التي كان يصدرها عن إعجابه بأولئك الشعراء حتى ليترجم قصائد لهم وينشرها في الصحف، والثاني: صدق البواعث التي وجهت عددا من القصائد نظمها في تلك الفترة، فمثل هذا التصريح قد ضرب بفأس حاد على جذور الشعر الذي نظمه السياب حين كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي. وقد اضطرته تلك المقالات إلى أن ينثر فيها بين الحين والحين شيئا من الثناء الكاذب على عهد عبد الكريم قاسم: " أن السياسة التقدمية الحكيمة التي يتبعها زعيمنا الأوحد هي ضمان بان الشيوعية لن تجد لها مكان مناسبا في العراق؛ ان الفلاح بعد ان وزعت الارض عليه بموجب قانون الإصلاح الزراعي لن يجد في الشيوعية ما يغريه؟ والعامل أيضاً نال حقوقه في عهد الزعيم الأمين، فقد ارتفعت أجوره وشرعت القوانين التي تضمن حقوقه " (٢) ولذلك انغمر في تيار من الملق الواضح: " وها أنا ذا اليوم؟ أحارب في رزقي في عهد الزعيم الفذ عبد الكريم قاسم، لا لأنني ضد الجمهورية بل لمجرد إنني أحب عبد الكريم قاسم اكثر مما احب خروشوف أو ماركس أو لينين.. " (٣) . وأورطه هذا الملق في سلسلة من التصريحات الساذجة،

стр. 292

وعصب الغضب بصيرته فجعله يصدق كل ما يروى ما دام يصيب أعداءه وينشر فوقهم الشبهات. ولما كان السخط المحموم يجرف في طريقه جميع الصوى المنطقية فقد انزلق السياب في مزلق عسر حين نصب نفسه عدوا للشيوعية، بعد ان بدأ بداية طبيعية وهي معاداته للحزب الشيوعي العراقي - أو لتصرفات بعض أفراده. ولم يقف ليسأل نفسه: هل تنفع الأسلحة التي يسلطها على الحزب الشيوعي العراقي لتفويض أركان الشيوعية جملة؟ ثم لم يقف ليسأل نفسه مرة واحدة: أليس من المعقول أن كثيرا مما أغضبه إنما نجم عن أناس " ركبوا الموجة " الشيوعية، حين وجدوا في ذلك مغنما؟ ولهذا كان نداؤه: " يا أعداء الشيوعية اتحدوا " يمثل هذا الخلط الشديد، وقد كان واعيا تمام الوعي أين يضعه هذا النداء، ولهذا قال: " نعم إننا نلتقي مع الاستعمار في عدائنا للشيوعية، ولكن ماذا في ذلك؟ أيصح أن نكفر بالله وننكر وجوده لأن المستعمرين من مكارثي وماك آرثر وتشرشل يؤمنون به؟ " وبمثل هذه المغالطات والتسويغات امتلأت مقالات السياب، كما امتلأت بحفر الحفر للإيقاع بأقرب الناس إليه: " ان شقيق زوجتي؟ وهو من أبطال ما بعد ١٤ تموز ورفيق مناضل - هددنا في أيام محنة الشيوعيين قائلا: انتظروا.. انتظروا بعد خمسة ايام فقط ستملأ جثث القوميين شوارع بغداد " (١) ، ووصل إلى حد التصريح بأن " مكارثي اشرف بألف مرة من كثير من الذين يعتبرهم الشيوعيون قادة كبارا "، وقطع على نفسه عهدا بأن لا يكف عن محاربة " الشيوعية " حتى الرمق الأخير. ومن خلال هذه الحمى الراجعة يهمنا إحساس بدر بأن معين الشعر قد نضب لديه، ولكنه بدلا من أن ينحي باللائمة على الإرهاق الذي أصابه خلال عامي ١٩٥٧، ١٩٥٨ وعلى الاضطراب العام الذي شهده

стр. 293

العراق خلال العام التالي رأى أن احتضار الشعر بل موته إنما يتم " في البلدان التي تحكمها الأحزاب الشيوعية؛ أن الشيوعية والشعر شيئان لا يمكن أن يجتمعا بأن حال من الأحوال " (١) وتساءل: " أين هي الشاعرة العربية العظيمة نازك الملائكة؟ وأين صوت الشاعر المبدع الأستاذ علي الحلي؟ ابدلا من قصائده المتأججة بالنار عن الجزائر وعن ثورة الشعب العربي في كل مكان صرنا نقرأ " عشرين قصيدة من برلين و٥١ قصيدة وسواهما من الدواوين الحمراء السخيفة؟ كما أنني أنا نفسي لم اكتب خلال هذه الفترة سوى قصيدة واحدة عن البطلة العربية جميلة بوحيرد؟ " (٢) . إلا أن ذلك الإحساس بنضوب الشعر كان يعبر عن فترة قصيرة، إذ سرعان ما زايله شبح الجوع حين رجع إلى سلك التعليم واصبح مدرسا في إعدادية الأعظمية أو على وجه الدقة لم يكن مدرسا وإنما كان محاضرا في المدارس الثانوية لحاجتها الماسة إلى مدرسي اللغة الإنكليزية (٣) . ومع ان العمل كان يستغرق ساعات في الليل والنهار فانه أحس بالارتياح إليه وتحسنت صحته " وقد اكتسى باللحم وغاب عنه شحوبه الملازم له " (٤) وتحول من بيته بمنطقة الكسرة إلى مسكن في هيبة خاتون إحدى محلات الأعظمية. وحين فاتحه الشاعر أدونيس في أمر الهجرة إلى لبنان والبحث عن عمل فيه الفكرة وتساءل: " فهل تراني أوفق إلى العثور على عمل يكفي لإعاشتي وإعاشة زوجي وطفلي؛ لست ادري. على كل حال، أنا مستعد للانشغال في التدريس وان كان ذلك آخر ما أتمناه " (٥) ؛

стр. 294

ثم تحول عن التفكير في النقلة إلى بيروت، فقد أزعجه شعوره بحاجته إلى الاغتراب في سبيل الرزق: " صرفت النظر عن المجيء إلى بيروت فقد وجدت عملا راتبي منه يكفيني وان كان أقل من راتبي السابق: أن يترك الإنسان عملا ويمضي إلى بلد آخر ليبحث عن عمل فذلك ما تمنعني أبوتي ومسئوليتي تجاه طفلي من القيام به " (١) . وما كاد جنبه يطمئن إلى الحياة التي توفر كسبا حتى فوجئ بفصله من عمله، ولكنه لم يكن خائر النفس في هذه المرة لركونه إلى أن اللجنة ستقرر إعادته إلى وظيفته (٢) ، وكان يقضي جانبا من وقته في تلك الأيام بصحبة صديقه الأديب الناقد جبرا إبراهيم جبرا كما يخرج مع صديقه الأستاذ محمود العبطة يجوبان الشوارع أو يجلسان في بعض المقاهي. وفي شهر تشرين الثاني (١٩٦٠) أصدرت له دار مجلة شعر ديوانه " أنشودة المطر "، وهو يدل على أن حصاد ذلك العام من القصائد كان غزيرا، إذا قسناه بالإعدام الثلاثة السابقة، فقد بلغ مجموع قصائده لعام ١٩٦٠ ثماني قصائد (أو سبعا إذا عددنا قصيدته إلى جميلة من نتاج العام السابق) . ونراه عند نهاية العام (١٩٦٠) ما يزال يتحدث عن ارتياحه ولكن الإقامة في بغداد لم تعد تجتذبه، ولهذا سعى ليجد لنفسه عملا في البصرة: " سوف انقل مقر عملي إلى مدينة البصرة، فقد هزمني الشوق إلى جيكور وبويب وسواهما من ملاعب الطفولة " (٣) . وفي الشهر نفسه كان منهمكا في ترجمة كتاب عن الإنكليزية لمؤسسة فرنكلين (فرع بغداد) ولم يكن قد انتهى منه بعد؛ كما انه عاد إلى موضوعه المحبب القديم وهو قصائد اديث سيتول في القنبلة الذرية، فكتب مقالا يقارن

стр. 295

فيه بين قصيدة لها عن هيروشيما، وقصيدة لناظم حكمت في الموضوع نفسه، وكانت غايته من ذلك إصدار سلسلة من المقالات في دراسة الأدب الشيوعي ونقده (١) . ولكن لعل الأهبة اللازمة للعودة إلى جيكور قد شغلته عن ذلك كله؛ وربما نسي مثل هذا المشروع الذي تحفزه إليه بغداد حين وجد نفسه يردد الطرف في مرابع الطفولة والصبا.

стр. 296

- ٢٦ - تموز - المسيح لعل القارئ ما يزال يذكر كيف أن السياب اكتشف العراق في قصيدته " أنشودة المطر "، ووجد التطابق الكامل بين ذاته ووطنه، ولكنه ما كاد يتلمس روعة هذا الكشف حتى نقلته صلته بمجلة الآداب إلى استكشاف التطابق بين ذاته وبين البلاد العربية في المشرق والمغرب، فأخذ يحس فنيا بحقيقة الثورة الجزائرية وانتقاض المغرب، وبأبعاد المشكلة الفلسطينية والصمود في بور سعيد، وهو إلى جانب ذلك كله مثال الفنان الذي يؤمن بان طاقته قادرة على أن تذلل كل عقبة في الموضوع الفني؟ مهما تتباعد أقطاره - وأنها كفاء بألوان جديدة من البناء، تجمع بين الإرادة الواعية للتخطيط وبين الإلهام الزاخر بالحيوية. وربما سارع المرء إلى الظن بأن " أنشودة المطر " نفسها كانت فاتحة عهد جديد من الاتكاء على رمز تموز أو أدونيس، إذ القصيدة لا تعدو أن تكون في سياقها ترجمة لتلك الأسطورة دون تصريح برمز الخصب، ولكن الأمر لم يكن كذلك على وجه الدقة، لان اكثر الموضوعات التي عالجها في " فترة الآداب " لم تكن ترحب صدرا بالأسطورة؛ فالقصائد العربية لا تخضع لرمز تموز والقصائد الإنسانية كقصيدة " مرثية الآلهة " اضطرت السياب أن يسخر من الرموز؟ فكريا - بدلا من أن يتقبلها في

стр. 297

نطاق شعوري. وكانت القصيدة الوحيدة التي نقبلت ذلك الرمز هي " أغنية في شهر آب "، وقد استوعبت من الأسطورة طرفا بسيطا منها لعله أقل أطرافها أهمية أعني شيوع الإحساس بالبرد الشهواني بعد مقتل تموز. ولست اعتقد أن إحجامه عن استعمال هذا الرمز حينئذ يرجع وحسب إلى التباعد بين موضوعاته وبين تلك الأسطورة أو يرجع إلى عدم تمثله الصحيح لها، بل أرى أن هناك عاملين هامين كانا يحاولان إبعاده عن تلك الأسطورة نفسها: أولهما تهيبه من استعمال الرمز على نحو يتجاوز الإشارات العابرة، في مرحلة إحساسه بالقومية العربية، إذ كان يرى أن الإسلام؟ وهو في رأيه مرتبط ارتباطا وثيقا بالقومية العربية - قد قضى على تلك الرموز الوثنية، فالعودة إليها تتطلب مسوغا قويا مقنعا، ولهذا نجده حتى سنة ١٩٥٨؟ أي بعد أن وجد الأسطورة ضرورة لا غنى عنها - يحاول أن يحشد الأسباب التي تسوغ له الاتكاء عليها: ومن تلك الأسباب أن العرب عرفوا الرموز البابلية بين عهد إبراهيم والبعثة النبوية " فالعزى هي عشتار، واللات هي اللاتو، ومناة هي منات، وود هو تموز أو أدون (السيد) " (١) ، وإذ كان الإسلام قد جاء ليقتلع اللات والعزى وودا فمن الخير ألا نستعمل اليوم هذههههههه الإسلام فرارا من تهمة التحدي ونستعمل بدلها الأسماء البابلية؛ وقد يقال ان هذه عودة إلى الإقليمية فالذين يريدون انفكاك العراق من الرابطة العربية يحاولون أن يربطوه بالتاريخ البابلي، والذين يريدون للبنان التفلت مما يربطه بالتاريخ العربي ينتشبون بالدعوة الفينيقية؛ ويقول بدر: " لا أنكر أن هناك من يستعمل هذه الرموز لمجرد إنها بابلية أو فينيقية؟ بصورة خاصة - (ولكن) ليس بين العراقيين من يشعر بأن البابليين أقرب إليه من العرب بل ليس هناك من يشعر بأن هناك

стр. 298

رابطة، غير رابطة المكان، بينه وبين البابليين " (١) ؛ ويوسع بدر من حدود الحرية في استعمال الأسطورة؟ متكئا على المنطق الشعري وحده لا على المنطق العقلي - فيقرر أنه ليس من الضروري أن تقتصر على استعمال أساطير تربطنا بها رابطة من البيئة أو التاريخ أو الدين، بل يمكن الاستعانة بأية أسطورة غربية عنا، ما دامت تخدم غاية شعرية. أما العامل الثاني في إحجامه أول الأمر عن أسطورة تموز فربما أرجعناه إلى ظهور رمز آخر في نفسه ينازع الأسطورة مكانتها ويحاول أن يحل محلها، وأعني بذلك رمز المسيح وما يتصل بذلك الرمز من إشارات. فقد كان هذا الرمز إشارة عابرة في قصيدة " غريب على الخليج " ثم تقو في " مرثية جيكور " ووجد على نحو واضح في " قافلة الضياع " ومنذ ذلك الحين أصبح رمزا هاما في خيال الشاعر إلى جانب تموز. ولست أجد حرجا في الإجابة عن سؤال يخطر للقارئ في هذا الموقف، وهو: كيف يستطيع شاعر مسلم أن يتخذ من " الفداء "؟ وهو أحد المعالم البارزة التي تفصل فصلا تاما بين الإسلام والمسيحية؟ رمزا في شعره؟ والجواب على هذا السؤال لا ينفك عن أحد الفروض الآتية: أما أن ذلك الشاعر لم يفهم فكرة " الفداء " في المسيحية، وأما انه فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني الذي نشأ عليه منها، وأما أنه؟ في سياق الشعر - يعد " الفداء " أسطورة من الأساطير، فهو لا يراها حقيقة تاريخية، وفي هذا الموقف الأخير يضيع الحد بين الظاهر والحقيقة، أمام عيني قرائه، لان الحقيقة حينئذ ذاتية تتصل بضميره الفردي. أما بالنسبة للسياب فقد كانت هناك حوافز معينة دفعته إلى التعلق بذلك الرمز: وفي مقدمة تلك الحوافز ذلك الضياع الذي أحس به في

стр. 299

حومة الشعور الديني. فبعد انفصاله عن الحزب الشيوعي كان يحس بحاجة إلى تبني مشاعر جديدة تعوض اهتزاز المقاييس المادية في نفسه، فتعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية، ولكن ماديته القديمة كانت تجعله جريئا في التعبير عن بعض " المقدسات " بحيث توحي عباراته بشيء من الاستخفاف، ويبدو انه لم يجد راحته فيما لا يزال يوحي بوطأة التفكير المادي، فأحس بالحاجة إلى الإمعان في الهرب، ووقع في تلك الأثناء بشدة تحت تأثير اديث سيتول وتكريرها الممل للصور المسيحية، ولكنه بدلا من أن يشعر بالملل من ذلك التكرار شعر بيسر الاستعارة لتلك الصور وبسهولة جريانها على سن قلمه، فاحتذاها دون تفكير عميق فيما قد تعنيه من الزاوية الدينية. ثم تم في سياق تلك الحال النفسية اتصاله بمجلة " شعر " البيروتيه، وقد كان بدر يحس عندما اقترب من تلك المجلة انه يدخل حومة " شعائر " جديد؟ ان صح التعبير - وأن عملية " الارتسام " هذه تتطلب قسطا من المشاركة في اللون والسمة والفكرة، وقد عرفنا فيه من قبل نماذج من هذا التكيف الذي يشير إلى ان " النواة " في شخصيته كانت مفقودة، وسمينا هذه النزعة ميلة إلى المراضاة، والميل إلى المراضاة حين يصيب الأعماق لا يعدو وحسب " حربائية " بغيضة، بل يتجاوز التلون الظاهري إلى أمور في صميم الفكر والعقيدة، وحينئذ يمس فيما يمسه حقيقة إيمانه الفني، وذلك هو ما يهمنا في هذا المقام، دون سواه. وحين تم ارتسام السياب في أسرة " شعر "، كانت لديه بوادر الإحساس بأسطورة تموز، وهذه سهلت عليه الانتقال إلى رمز المسيح، إذ كان ذلك نقلة من فكرة فداء إلى فكرة فداء، فتموز أيضاً يموت لينعش الأرض ببعث جديد، ولكن الفرق بين الفكرتين: ان انبعاث تموز يتجدد مع حركة الفصول فهو أقدر على تصوير التفاؤل القريب حين يكون الحديث متصلا بظلامات الشعوب وضرورة يقظتها، وليس كذلك رمز المسيح. ثم أن

стр. 300

رمز تموز لا يتصل بخطيئة اصلية، وإنما يمثل قوة خصب مستوحاة من التصور البدائي، وليس له أية علاقة بإطار أخلاقي. ومن الدليل على هذا التكيف الطوعي للالتقاء مع مجلة شعر تلك المحاضرة التي ألقاها في أمسية دعته المجلة إليها ببيروت حيث طغى النغم الديني على تلك الكلمة، ولم يكن ذلك النغم الديني عاما حين أخذ السياب يتحدث عن تصوره للشاعر من خلال رؤيا القديس يوحنا، وغير بعيد عن هذا الجو نفسه أن تكون القصيدة الثانية التي نشرها في مجلة شعر بعنوان " المسيح بعد الصلب " (١) . وإذا نظرنا في قصائد هذه الفترة (١٩٥٧ - ١٩٦٠) وحدناها فئتين تشيع في كل منهما سمات غالبة، فئة نظمها قبل أحداث العراق الدامية بعيد ثورة تموز، وفئة نظمها بعد تلك الأحداث (وعلى الأخص سنة ١٩٦٠) ، وبين المرحلتين تقف قصيدة واحدة من نتاج عام (١٩٥٩) تعد جسرا بينهما وهي " إلى جميلة بوحيرد ". وقصائد الفئة الأولى خمس، وهي حسب الترتيب الزمني: ١ - النهر والموت، ٢ - المسيح بعد الصلب، ٣ - جيكور والمدينة، ٤ - قارئ الدم، ٥ - مدينة بلا مطر. وتتميز هذه الفترة من زاوية الشاعر نفسه بالإحساس الذاتي بالعقم، إذ لم يكن من طبيعته أن يقتصر طوال سنتين على خمس قصائد، وقد بلغ هذا العقم ذروته سنة ١٩٥٩ حيث لم ينظم إلا قصيدة واحدة، ولهذه الظاهرة أسباب متعددة، منها انتشاله بطلب الرزق وانتهاكه في العمل الصحفي إلى جانب وظيفته، ومنها ضياع اثر الصدمة التي يحدثها الزواج أول وهلة حين يفتح عيني الشاعر على ألم عميق للتباين بين

стр. 301

طرفي الحلم والواقع، ثم يأخذ بالركون تدريجيا إلى حكم الواقع نفسه، حتى تتاح له ثورة جديدة تمثل السأم من ذلك الركون وأرضى. وقد عبر بدر عن هذا العقم بعد مضي سنة كاملة من محاولة العودة إلى خصب العطاء الشعري السابق فقال: " مر عام بأكمله لم اكتب فيه سوى قصيدتين، أنه العقم يتسرب إلى نفسين فإذا كتبت فعن هذا العقم اكتب؟. أنها لمعجزة حقا أنني أستطيع الكتابة، وأعني كتابة الشعر حقا، فأي عطاء تستطيع ان تقدمه النفس التي أيبسها الجفاف؟ " (١) . ولا ريب في أن العراق نفسه قبل الثورة كان يعاني شعورا عاما بالجفاف واليأس من تغير الأحوال، وهذا كله أثر في نفس بدر، وجعل تفاؤله باليقظة سرابا أو وهما، - ولكن ذلك لم يطمس على شعوره بحتمية التغير طمسا تاما، وإنما ظل رغم حلكة اليأس يحاول أن يفترض وجود نور. وتمثل القصيدتان " قارئ الدم " و " مدينة بلا مطر " هذا الشعور بضرورة الخروج من ذلك الجفاف الفردي والقومي ولا تعدو القصيدة الأولى منهما أن تكون تهديدا للطاغي المتجبر بأنه سيساق إلى الحساب ولا بد، وأن أي بصير يستطيع أن يقرأ مصيره في الدم الذي يسفكه كل يوم. وقد لخص بدر في القصيدة تجربة السجن والتعذيب في سجون العراق، وتجربة الفقر المرير والجوع بين الطبقات الفقيرة الجائعة وشقاء العاملين في الحقول والمستنقعات الآوين إلى الأكواخ التي تتشرب كل أمطار الشتاء، ولذلك كانت القصيدة أشبه بصرخة في وجه الظلم العام الطاغي - محض صرخة ليس فيها تكامل فني. وأما الثانية فأنها صورة من الجفاف العام بسبب غياب " تموز "، ويوشك الصحو أن يتم ولكن لا تلبث بسمات الناس ان تختفي فقد أدركوا أن تموز لم يصح بعد: فبابل يصفو الريح في أبراجها، وغرفات عشتار خاوية بلا نار، والناس يصحون شاكين الجوع:

стр. 302

فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمه ... عيونكم الحجار نحسها تنداح في العتمة ... لترجمنا بلا نقمة ... والعذارى حزانى حول عشتار والكرمة آخذة في الذبول، وعينا الموت تلمعان كعيني الأسد في الظلام، والمطر محتبس، والناس قد أكلوا " حدائق تموز " (١) . ويسير صغار بابل يحملون سلالا فيها حجارةب دل الأثمار ليقدموها قرابين لعشتار ويأخذون في الإنشاد: جياع نحن مرتجفون في الظلمه ... ونبحث عن يد في الليل تطعمنا، تغطينا ... ؟. ونبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمه ... فيا من صدرها الأفق الكبير وثديها الغيمة ... سمعت نشيجنا ورأيت كيف نموت؟ فاستقينا؟. ... وعلى دعاء الصغار أبرقت السماء وأرعدت، وتلبد السحاب؛ وأخذت الأقدام تخفق والضحكات الصغيرة تكرر، وهمست النسمات بالقطر، فانفرجت أسارير الصغار: لنعلم أن بابل سوف تغسل من خطاياها ... فإذا تأملنا القصيدة وجدنا تلك الصورة التي برع السياب في رسمها في قصائده الكهفيات وهي تعتمد على مقدمة تصور الموت أو الجفاف أو ما أشبه، ثم كيف تنتهي هذه الحال في ختام القصيدة إلى

стр. 303

يقظة. فهنا تفتتح القصيدة بحال من تعسر الأمطار يشبه تعسر الولادة، فالمدينة " تحم دروبها والدور، ثم تزول حماها " ويصبغها الغروب بالسحب، ويوشك البرق أن يلتمع ولكن لا، فان طبول بابل لم تدق مؤذنة بالمطر، وبدلا من ذلك تصفر الريح ويئن المرضى. وبين الفاتحة والخاتمة موكبان: موكب الكبار الذين يصفون الحال متوجعين إلى " الأرباب "، بعد أن عانوا القحط أعواما متوالية " وكان نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها لنذبل تحتها ونموت " وموكب الصغار الذين تستجيب السماء لدعائهم فترعد وتمطر، وتشيع البسمات على أثر ذلك العطاء. ويستعير الشاعر اكثر الصور الوثنية التي تهيئها قصة تموز وعشتار، ويحسن؟ ببراعة فذة - استغلال تلك الصور في سياق متدرج، دون أن يخرج من ذلك الجو الوثني، ودون أن يخنل الرمز بين الظهور والاستكنان إلا مرة واحدة حين يخاطب العباد الأرباب بأن عيونهم " حجار تنداح في العتمة "، فمثل هذا القول لا يوجهه الضارعون إلى أربابهم، ولكن طغت الفكرة السياسية على الشاعر فانتقل الرمز عفوا إلى السطح ولم يعد كامنا وراء الصورة الخارجية. ولكن أين وجه التطابق بين القصيدة وحال العراق حينئذ؟ لا ريب في أن الجفاف العام يرمز إلى ما كان يعانيه العراق من قيود على كل ضروب الحرية، وأن انسكاب المطر يذل على انزياح ذلك الجفاف وانقشاعه، ولكن ما قيمة تلك الصور الوثنية المتلاحقة في موكبي الرجال والصغار؟ وهل يكون تغيير الجفاف بأدعية تلك الحلوق الجهيرة أو تلك الثغور الصغيرة؟ أو يكون بالثورة؟ هنا تصبح الصور الوثنية متممة للصور العامة بين التعسر والولادة، ولكنها لا تؤخذ حرفيا، ذلك أن العلاقة بين العباد والأرباب ليست علاقة ثورة وإنما هي علاقة ضراعة، ولهذا كاد الشاعر يطرح الرمز جانبا في بعض مراحل القصيدة ليكيل الاتهامات للأرباب؛ ومرة أخرى أقول ان الذي يهم الشاعر هو صورة الانبعاث أو نزول

стр. 304

المطر أما ما يؤدي إلى ذلك فيجيب ان ينسجم مع سياق الأسطورة وان لم يكن منسجما مع الوسائل العلمية لإنجاز الانبعاث. وعن مثل هذه القصيدة كان السياب يتحدث حين يتذكر الالتزام، حيث اضطر بعض الشعراء تحت ضغط الإرهاب الفكري وانعدام الحرية " إلى اللجوء إلى الرمز يعبرون بواسطته عن تذمرهم من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية على السواء وعن أملهم في انبعاث جديد ينتشلها من موتها " (١) . والحقيقة أنني لم استعمل كلمة " الوثنية " والحقيقة أنني لم استعمل كلمة " الوثنية " أثناء عرض هذه القصيدة لأنفر القارئ المتدين منها، وخير من ذلك أن يقال أننا إذا حذفنا بعض الأسماء والمصطلحات التي تتصل بقصة تموز وعشتار وجدنا القصيدة صورة جميلة للبيئة الزراعية البدائية، وكناية عميقة عن الرابطة بين الإنسان والأرض أو بين الإنسان والحياة، وأننا لذلك نحس أنها تتدرج في نموها كما تتدرج الشجرة التي لم تتفلق الأرض بعد عن بذرتها حتى تغدو نبتة قوية تستطيع التماسك في وجه الرياح. ولا تزال مواكب الاستسقاء كلما احتبس المطر تتوجه بالضراعة إلى مرسل الغيث: فالحاجة الإنسانية لم تتغير وإنما الذي تغير هو الحقيقة التي يتوجه إليها الإنسان. وقد جاءت هاتان القصيدتان بعد إحساس الشاعر بضرورة العودة إلى جيكور والى حرم الذات، فكانتا دليلا على أنه كان ما يزال يحس بأن له رسالة كبرى تتجاوز حدود الحديث عن أحلام النفس وآلامها الخاصة، وان مسئوليته إزاء بني وطنه ما تزال توجه فهمه لمهمة الشعر والشاعر؛ ويتجلى جانب من هذا الإحساس في القصائد الثلاث الأخرى، ففي قصيدة " النهر والموت " نجد الشاعر حائرا بين نوعين من الموت " الموت الذي يفتن الصغار " وبابه الخفي في نهر بويب، أي حيث ترقد

стр. 305

الأم، فهو موت يحقق العودة إلى الطفولة، والموت الثاني هو " موت المواجهة في صفوف المكافحين " برصاصة تنقد المرء من حاضره، وهو موت في نطاق الجماعة فيه الجرأة والمشاركة معا وهو ليس موتا وإنما هو " انتصار " وتتركب القصيدة؟ بحسب هذين النوعين من الموت - تركبا ازدواجيا. فأجراس بويب والجرار التي تملأ من مائه تقابلها أجراس موتى ترن في عروق المناضل، وبويب حزين كالمطر، والعالم الحزين في الشق المقابل ينضج الدماء والدموع كالمطر، والطفل يعدو على شاطئ بويب حاملا الشوق كأنه يحمل قرابين من قمح وزهور، ثم هو في الوجه الثاني يعدو مع المكافحين؛ أن حرص الشاعر على المزاوجة المنطقة يبلغ غاية الإتقان التفنني، ولكنه حين يطيل القسم المتعلق بالموت في بويب يومئ دون ان يشعر إلى أن نفسه معلقة بالباب الخفي في ذلك النهر: أود لو غرقت فيك، ألقط المحار ... أشيد منه دار ... يضيء فيها خضرة المياه والشجر ... ما تنضج النجوم والقمر ... وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر. ... فهناك مثل هذه الصورة صور أخرى تشير إلى التلذذ بذكريات الطفولة وخاصة " التقاط المحار " من شاطئ النهر. وقد تحدثت في فصل سابق عن اثر لوركا في بعض صور هذه القصيدة (١) وربما صح أن أضيف هنا أن العلاقة بين الأجراس ومياه النهر، وهي التي تتمثل في هدير الماء أو في بقبقة الجرار لا تعتمد على لوركا وحده وإنما ترتبط بما

стр. 306

كان السياب قد قراه في قصيدة لماثيو آرنولد بعنوان " إنسان البحر المهجور " ففيها يصور الشاعر كيف ان المرأة الإنسية التي تزوجها إنسان البحر سمعت وهي في الأعماق أصداء الأجراس الفضية تدندن من برج الكنيسة القائمة على الساحل؟ (١) . ان حنين الشاعر إلى الموت الفتان من خلال بويب كان يعني حنينه إلى جيكور، لآن الاسمين يتلازمان في ذهنه، وقد صده عن هذه العودة هنا شعوره بالمسئولية التي تهيب به أن يكون في صف المناضلين ولذلك نجده منقسم نفس بين الطفولة والموت الصامد البطولي، وهذه اشارة هامة تدل على أن إحساس السياب بالمفاضلة بين العودة إلى الطفولة والتضحية في سبيل المجتمع يبدأ من هذه النقطة؛ ومرة أخرى استبد به الحنين إلى جيكور، لأنه كان يحس إحساساً لا يقاوم بقوة جواذب هذه العودة، وفي قصيدة " جيكور والمدينة " يتمثل هذا الشعور على أشده. ألا ان جيكور قام من دونها " سور وبوابة واحتوتها سكينة "، والسبب في ذلك ان ابن جيكور قد اختطفته المدينة وأسرته، فأصبحت دروبها تلتف حوله كأنها حبال من نار تجلد كل ذكريات في نفسه عن جيكور وتحرق جيكور المستقرة في أعماق روحه، وتلك الدروب كالموت لم يعد منها أحد تاه في شعابها؛ ويصب الشاعر نقمته على المدينة: فهي بقعة غاب الله عنها، والليل؟ فردوسها الرحب - مبادءة للعهر، والإنسانية قد تحولت إلى وحوش ذات مخالب، ورب المدينة

стр. 307

رحى صفراء تتبادلها اكف التجار وتلمع لمعان السمك في جيكور ويسميها أهل المدينة " النضار "، ولهذا الإله لهات امتد في كل دار وسجن ومقهى كأنه كرمة عساليجها من عروق تموز، وقد اطلعت هذه الكرمة ثمراتها في كل مستشفيات المجانين وفي كل مبغى لعشتار، وكانت هذه الثمرات " مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار " وقد كتب عليها قول يشبه ما قاله المسيح: " هذا دمي وهذا لحمي ". أما تموز نفسه فان لات تنوح عليه، تريده أن يرجع إلى جيكور: وترسل النواح: " يا سنابل القمر ... دم ابني الزجاج في عروقه انفجر ... فكهرباء دارنا أصابت الحجر ... وصكه الجدار، خضه، رماه لمحة البصر ... أراد أن ينير، أن يبدد الظلام.. فاندحر " ... فهذا تموز " المعاصر " يريد ان يبدد ما يكتنف المدينة من ظلمات بنور عقله وقلبه وشعلة إلهامه، فيموت موتا عصريا بقوة من قوى المدينة نفسها إذ تصعقه " كهرباؤها " ولهذا يحس الشاعر انه أسير وأن العودة مستحيلة " فمن حيث دار اشرأبت إليه المدينة ". ونلحظ في هذه القصيدة اجتماع رمزي تموز والمسيح، وانتقال الشاعر من نغم إلى آخر حين أراد أن يصور نواح اللات، وهذا أمر قد ألفه الشاعر في قصائده، ويجب ألا يحكم عليه بقانون عام بل يدرس في كل قصيدة على حدة، وقد جاء في هذه القصيدة طبيعيا لأنه يمثل النقلة بين موقف الشاعر الوصفي من المدينة وموقف اللات وهي تبتهل لعلها تسترد أي جزء من ابنها الذي قتلته المدينة. وتتدرج القصيدة من تصوير دروب المدينة وهي تيه متعشب متطاول إلى تصوير ليلها فتزداد فكرة الضياع بحلكة الصورة ماديا

стр. 308

(ومعنويا لفقدان الحب والروح والألوهية في ذلك الليل) ، ثم إلى تصوير اله المدينة وهو رحى من لظى لا تضيء وإنما تقتل، وشرايين تطلع مصابيح ليس فيها عنصر من النور الالاهي " لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار "، وفي هذا التيه الكبير يقتل ابن جيكور فتبكيه أمه، وبذلك يحال بينه وبين جيكور التي قام من دونها سور وبوابة مغبقة. وهذه هي القصيدة الثالثة من قصائد هذه الفترة حيث نجد السياب لا يعييه المبنى الفني الدقيق، فالتقابل بين ضربين من الموت رسم بدقة حتى في الصور التفصيلية في قصيدة " النهر والموت " والتدرج بين الاختناق بالجفاف والانبعاث بالمطر في قصيدة " مدينة بلا مطر " يكاد لا يشكو أي خلل، وكذلك كان الحال في قصيدة " جيكور والمدينة " بل إننا نلحظ أن الصنعة التفننية التي لا تكون عفوية قد أخذت تستأثر باهتمام الشاعر ليكفل لبناء القصيدة مزيدا من الإحكام، ولنأخذ قصيدة " جيكور والمدينة " مثالا لذلك، فالقصيدة تعتمد أولا على تطاول الدروب التي يشبهها الشاعر بالحبال، ولكنك تحس أن صورة الحبال المتمطية ستكون محورية في حركة القصيدة، فهي تمتد وتلتف اولا على هيئة دروب لا نهايء لها، وكل شيء سيمتد بامتدادها، فالصخر يرسل غصونا، والحجار تكسب عروقا، والطريق إلى جيكور يمتد عبر الدهاليز، عبر الدجى والقلاع الحصينة (طويل هو ذلك الطريق حتى ليكون طوله وحده سببا في الخرمان من الوصول) واله المدينة قد مد كرم عساليجه في أنحاء المدينة على شكل شرايين تغلغلت في كل دار وسجن ومستشفى ومبغى، ويكون موت ابن جيكور بانفجار الزجاج في عروقه الممتدة في جسمه، وهكذا يتم انفجار عرقه لأنه لا يستطيع أن يجد الخلاص من تلك العروق الطويلة الممتدة من حوله كالأخطبوط. ولو أننا أخذنا صورة أخرى لوجدنا أن هناك دقة متعمدة في الرسم، فصورة الضوء جملة ذات أهمية تضارع أهمية الحبال في القصيدة

стр. 309

فالحبال نفسها من نار، ورب المدينة هجير لافح من النضار، وشرايينه أنحائها تطلع مصابيح لا توقد بزيت، وابن جيكور يموت مصعوقا من شرارة الكهربائية، ولو شئت تفسر القصيدة كلها من خلال صور النور لوجدتها تقوم على وحدة فكرية دقيقة: الضوء في المدينة خادع، فهو ليس نورا على الحقيقة، وإنما هو لهاث (لمعان) النضار، فإذا جاء المدينة شاعر لا يخدعه الذهب وأراد ان يبدد الظلام " ان ينير " صعقته قوى المدينة الجديدة وحرمته من العودة، وكانت محاولته اندحارا؛ وهذه المدينة التي تتوهج بتفاحات نار كهربائية تقابل جيكور - الخضراء التي مست الشمس الحزينة ذرى النخل فيها، وهكذا يقابل ضوءان: ضوء الذهب وضوء الشمس الحزينة في الأصيل - حزينة على فقد ابنها الذي احتجزته المدينة في دروبها المتشعبة. والاحتفاظ بصور الحبال المتطاولة وصور الإضاءة قد منح القصيدة إحكاما فذا، وزاد من ذلك الإحكام اختياره نغمة تسير ببطء - هي بحر المتقارب - وتمثل ببطئها تلك المسافات الطويلة التي قطعها القروي الحيران في دروب المدينة وليلها. وليس كذلك الخامس من قصائد المرحلة الأولى السابقة للأحداث الدرامية، أعني قصيدة " المسيح بعد الصلب " فأنها شديدة الاضطراب، تتعاقب فيها صور مستمدة من قصة المسيح على غير انتقام، والشاعر يتخذ المسيح رمزا للتعبير عن حالته النفسية، ولذلك فهو المطلوب الذي استطاع أن يقوم من بين الموتى وينعش الحياة في جيكور: حين يخضر حتى دجاها ... يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها ... قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا ... قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا وماء نميرا ...

стр. 310

قلبي الماء، قلبي هو السنبل ... موته البعث: يحيا بمن يأكل ... في العجين الذي يستدير ... ويدحى كنهد صغير، كثدي الحياة ... مت بالنار، أحرقت ظلماء طيني، فظل الإله ... ومن الواضح أن هذه الأبيات قد جعلت من المسيح وتموز شخصا واحدا أو رمزا لشيء واحد، ومما جعل التطابق هنا ممكنا استعارة " الخبز والنبيذ " من العشاء الرباني ومزجها بعلاقة الحياة بين الأرض والشمس في قصة تموز، ولهذا نجد حين شوي بالنار مات الجزء الطيني فيه " وظل الإله "، وهذا البقاء للعنصر الالاهي وقف الشاعر عنده مرة أخرى حين قال: حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار ... حين عربت جرحي وضمت جرحا سواه ... حطم السور بيني وبين الإله ... وقد عكس الشاعر فكرة الفداء حين جعل الشعب يحمل العبء عن " المصلوب " فيندى صليبه؛ وختم قصيدته بقول: كان شيء مدى ما ترى العين ... كالغابة المزهرة ... كان في مرمى صليب وأم حزينة ... قدس الرب، هذا مخاض المدينة ... وهذا قد يفهم منه أن كثيرة المصلوبين لا تدل على أن الحياة لن تتجدد، بل ان موت هؤلاء هو طريق البعث من جديد، كذلك عادت جيكور صلب ابنها، وكذلك ستعود المدينة إلى الحياة

стр. 311

حين كثر المصلوبون من أبنائها. وإذا تجاوزنا هذه الفكرة وهي أن الموت طريق البعث، والبعث متدفق بالعطاء حتى يحطم الحد الفاصل بين الإنسانية والالوهية، بحيث يصبح الموت صفيرا كبيرا في آن معا؟ أقول إذا تجاوزنا هذه الفكرة لم نجد في القصيدة شيئا آخر وراءها، هذا مع الاضطراب وضعف التدرج العام فيها، وعدم وجود مسوغ للانتقال فيها من وزن إلى وزن. ويصح لنا أن نميز هنا نوعا ثالثا من الموت إلى جانب الموت في حضن الطفولة (بويب) والموت في صف المناضلين؛ فهذا الموت الثالث هو " موت تموز " أو " صلب المسيح " أي مقدمة البعث والعودة بالخصب إلى الأرض. إذا كان السياب قد سمى النوع الثاني " انتصارا " فان الثالث يستحق أن يسمى استمرارا أو خلودا لأنه طريق إلى الولادة الجديدة، وهكذا تم انتحال السياب لكل من تموز والمسيح على السواء، وتطابق مع رمزيه الكبيرين، وأصبح ورودهما في شعره متلازمين أو متعاقبين أمراً مألوفا. وبعد هذه القصائد الخمس جفت قدرة الرمز على الاستجابة له، فقد ألح في قصيدة " مدينة بلا مطر " على أسطورة تموز وما يتصل بها من شعائر حتى كاد أن يستنزفها، وألح في قصيدة " المسيح بعد الصلب " على ما يتصل بكثير من تفرعات القصة، وكان منذ القصائد الكهفيات قد أسرف في تصور الحركة المتدرجة بين الموت أو النوم في الكهف (أو القبر) وبين اليقظة النهائية، وكان كذلك قد انفق جهدا كبيرا في المدى المتطاول ليطله ببناء فني محكم، متدرجا في ذلك من الفيض الإيحائي الذي تبعثه لفظة إلى البناء المعقد الذي يتطلب حيلا فنية في كل دقائقه وهذا هو التعليل الفني لصمته، إلى جانب أسباب نفسيه ومعيشية سبقت الإشارة إليها. ولهذا فانه حين عاد إلى ميدان الشعر لم يستطع أن يقول إلا قصيدة واحدة هي " إلى جميلة بوحيرد " وقد عاد فيها يلفق بين مختلف الوسائل التي استغلها في مرحلة الآداب والمرحلة التالية لها، فعاد

стр. 312

إلى تقمص الشعور بخزي المشرق العربي إزاء ما يقدمه المغرب العربي من تضحيات، وزاده إحساساً بالخزي أن الذي يقوم بالتضحية فتاة اسمها جميلة بوحيرد، وهو خزي يصم الرجولة المشرقية عامة، ولهذا افتتح قصيدته بما يزيد تقلصا عن التواري في كهف أو قبر حين قال: لا تسمعيها؟. أن أصواتنا ... تخزي بها الريح التي تنقل ... وتصور ان الشرقيين حبيسو رحم من دم مظلم وانهم في الظلماء لا يسألون عن دورهم في المعركة بل عن الذين قتلوا ومن يبيكيهم (لأنهم فيما يبدو لم تعد لديهم دموع للبكاء) : باب علينا من دم مقفل ... ونحن في ظلمائنا نسأل ... من مات؟ من يبكيه؟ من يقتل؟ ... وبعد هذه الفاتحة ذهب في قصيدته مذهبا مختلفا عن الذي سلكه في القصائد الكهفية، فلم يجعل من جميلة " المشبوحة " شمسا إزاء ظلمات الكهف، وإنما صورها بمقارنتها مع الأم العظمى؟ الأرض، في مخاضها الأول: ترتج قيعان المحيطات من أعماقها ينسح فيها حنين ... والصخر منشد بأعصابه؟ حتى يراها - في انتظار الجنين ... ومن خلال هذه الصورة المستعارة من اديث سيتول وجد أن جميلة تحمل من صنوف العذاب اشد مما حملته الارض في ذلك المخاض الأول، ثم قارن بينها وبين المسيح، فوجدها اكثر عطاء، وأسلمه هذا إلى فكرة الفداء فتحدث عن الفدية التي تقرب للإله كي ينزل المطر، ثم كيف زال عالم الألوهية، فأصبح الثائر؟ مثل جميلة - يقدم

стр. 313

دمه هدية؛ ثم قارن بينها وبين عشتار ربه الخصب فوجدها اكثر من عشتار عطاء، ثم عاد إلى المقارنة بينها وبين المسيح، فوجد أنها تستهين بكل ضروب العذاب من اجل طفل هتف بها: ؟. يا جميلة ... يا أختي النبيلة ... يا أختي القتيلة ... لك الغد الزاهي كما تستهين. ... فتعلو فوق الألم حتى تلحق بمحفل الآلهة. ويحاول ان يربط بين نهاية القصيدة وأولها فيتذكر الشعور بالخزي هؤلاء النائمين في " رحم الدم المظلم " بأنهم كوم من الأعظم، موتى حفاة عراة، ومع ذلك فان الدم في الأوراس إذا روى عروق الناس وعروق الصخور فلا بد يوما ان يثور هؤلاء الناس، ويرتفعوا من قبورهم المظلمة. وواضح من هذا الإيجاز إنها " خطابية " تعتمد على مقارنة اثر أخرى، وأنها حين استندت إلى فكرة الفداء فقد ضاعت بين المد والجزر المتعاقبين من المفاضلة بين أي الفريقين اكثر عطاء، وقد أضفت عليها المبالغة؟ في تفضيل تضحية جميلة على كل تضحية أخرى - لونا بين التكلف، ذهني الطابع، وقد أبطلت فكرة الفداء فيها خاتمتها، لأن الذي يتصور أن جميلة فدت أمة كاملة؟ وهي مشبوحة - لا يستطيع أن يرسم لتلك الأمة دورا في الكفاح، ولا معنى لان تكون جميلة فدية عن عرب المشرق (وهم ميتون ومكومة من عظام) بل لا معنى للفدية إطلاقاً حين تكون الثورة مباراة شريفة في سبيل الوطن، أي حين يكون الاستشهاد هو الغاية التي لا يتقدم إليها واحد ليفدي الاخرين، بل يتقدم إليها المجاهدون جميعا؛ أرأيت كيف ضل السياب ضلالا بعيدا حين استعار مفهومات غريبة لا يفقه مداها ومدى ما ترمز إليه؟ هذا

стр. 314

عدا عن أن الحديث عن تقديم البشر ضحية من الحيوان للإله الوثني كي يرسل الغيث غير لائق في معرض الحديث عن فتاة مجاهدة تتحمل العذاب صابرة، هذا عدا عن أن الحديث عن عشتاروت ربة الجنس (بنوعيه) غير محمود في سياق الحديث عن فتاة تمجدها القصيدة بعطاء روحي فياض؛ ودع بعد ذلك كله تلك الصدمة التي يحس بها فريق من الناس حين يقرأون قول الشاعر: تعلين حتى محفل الآلهة ... كالربة الوالهة ... وقوله: ولترفعي أوراس حتى السماء ... ؟. حتى نمس الله حتى نثور. ... فان هذه الوثنية التي انتقلت من الرموز إلى التعبير المباشر قد تصبح غصة في كثير من الحلوق التي لا تستسيغ مثل هذا التهاون والاستخفاف. لهذا كله نجد أن قصيدة " إلى جميلة بوحيرد " أسطر مفتعلة ليس فيها إلا مقارنات ذهنية ومبالغات ممجوجة وتعبيرات نابية.

стр. 315

- ٢٧ - سربروس في بابل مما تقدم يتبين لنا أن محاولة بدر استئناف ما كان قد استنزفه في الطريقة والرموز يمثل افتعالا نصيبه الإخفاق، ولولا حوادث العراق الدامية التي جعلته يعود بحنق من نوع جديد لممارسة الشعر، لقدرنا أن طريقه المسدود كان يحتم عليه العودة إلى اجترار الذكريات إذا شاء أن يقنع بالقدرة على الاستمرار في قول الشعر. وتمثل القصائد السبع التي تمخض عنها عام ١٩٦٠ قصائد المرحلة الثانية في هذه الفترة وتلك القصائد هي: ١ - تموز جيكور، ٢ - العودة لجيكور، ٣ - مرحى غيلان، ٤ - رؤيا في عام ١٩٥٦، ٥ - مدينة السندباد، ٦ - المبغى، ٧ - سربروس في بابل. وقد كان من عمل الأحداث التي أوحت له بهذه القصائد أن عمق لديه الإحساس بجيكور وحاجته إليها، وأن جعل رموزه السابقة صالحة للاستغلال بعد إذ اعتقد أنه شبع منها. فأما عمق الإحساس بجيكور فقد زاد حين ازدادت الكراهية للمدينة، وأصبح الانفصام بينها وبين الفرد الشاعر كاملا، كانت المدينة من قبل في نظرة عالما قد غادره الإله والروح والفضيلة وسيطر فيه الرب الجديد الذي يسمى نضار، فهل من المعقول أن تتوشح المدينة بالجمال بعد الأحداث التي روعته؟ لهذا عاد

стр. 316

إلى ذلك الإحساس الكامن في نفسه سخطا على المدينة وعاد يتصور أنه فيها أحد اثنين، أما المسيح وأما تموز وأما هما معا. وفي قصيدة " العودة لجيكور " تصور أنه في بغداد، ولذلك هرب منها على " جواد الحلم الأشهب " ليبحث في جيكور عن كوكب: عن مولد للروح تحت السماء ... عن منبع يروي لهيب الظماء ... عن منزل للسائح المتعب ... ونثر في قصيدة الرموز المسيحية عن المشي على الماء والكوكب الذي رآه المجوس وإكليل الشوك وإكليل الغار والماء الذي استحال خمرا، وجاء رمز " حراء " الذي حاكت العنكبوت خيطا على بابه، رمزا باهتا بين مجموعة تلك الرموز، هذا إلى أنه خطأ من الناحية التاريخية لأن العنكبوت نسجت خيوطها على غار ثور لا على حراء. وفي قصيدة " تموز جيكور " تصور الشاعر أنه " تموز " وأن الخنزير البري يقتله، فيتدفق دمه، وخيل إليه أن جيكور ستولد من جرحه وتتماوج فيها الغلال والأنعام ولكنه سرعان ما يكشف الحقيقة: إن تموز يعيش مرة بدموع " عشتار " ولكنه ليس لديه أم أو حبيبة ليعود إلى الحياة ولهذا فهو يغيب في ظلام الموت، دون أن ينبت دمه شقائق أو قمحا. ان السنابل والأزاهير لا تنمو إلا إذا بعث تموز، فكيف تبعث جيكور ويبعث ربيعها الأخضر بينما تموزها ما يزال هامدا في الثرى: هيهات أينبثق النور ... ودمائي تظلم في الوادي أيسقسق، فيها عصفور ... ولساني كومة أعواد لا. " لا شيء سوى العدم العدم، والموت هو الموت الباقي "؟.

стр. 317

لن تولد جيكور ما دام تموزها رهن التراب. القصيدة ثلاث خطوات: الخطوة الأولى تضمين لأسطورة تموز القديمة وانتحال الشاعر لموقف تموز؟ الخطوة الثانية: ولادة جيكور من جراح تموز القتيل - الخطوة الثالثة: رفض لهذا الميلاد لأن جيكور لا تعيش دون أن يحيا تموزها، وهو لن يحيا حقا، فالموت هو نهاية الاثنين، وبذلك تغيرت أسطورة تموز القديمة لأن البعث غير متيسر. وليس ما يهمنا في هذه القصيدة بناؤها فانه سهل واضح يعتمد على مقدمتين ونتيجة مناقضة ولكن يهمنا منها دلالتها، فانها تومئ إلى أن مشكلة الموت التي كانت قد جعلت السياب واحدا بين موتى كثيرين في المشرق العربي (في القصائد الكهفية) عادت تقض مضجعه على صعيد فري، وأصبحت عشتاروت املا لا يتحقق، وأتخذ النخل الذي كان يرعاه " يوسوس أسراره " إن ضغط فكرة الموت جعله ينام مطمئنا إلى حضن الأرض غير جازع من مفارقة الحياة: يا ليل أظل مسيل دمي ... ولتغد ترابا أعراقي ... ومع أن بعث ادونيس (تموز) يحمل في الأسطورة تفاؤلا جميلا؟ عودة الحياة إلى الأرض بعد الجفاف - فأن الشاعر أبى ان يتعلل بما توحيه الأسطورة من رجاء، ورضي بأن يموت هو وجيكور معا. فهذا نوع رابع من الموت هو " الخلاص من الحياة "، لا بعث ولا تفاؤل، لا بدر ولا جيكور، عاش معا. والسر في الموت ليس هو وحسب ضغط آلام الحياة وعذابها القاسي وإنما عجز عشتار (الحبيبة - الأم) عن ان تكفل البعث المرتقب. وهنا يمكن أن نقف وقفة قصيرة نصحح بها ما راج حول شعر السياب من أخذ لبعضه وترك لبعضه

стр. 318

الآخر: فهناك من يحلو له أن يقول أن السياب أحب المطر لأنه عبر عن هذا الحب في قصيدة أو قصيدتين، ولكن الشاعر كان رهين لحظات نفسية متقلبة، فقد يكون المطر لديه عاملا من عوامل الخصب، وقد يكون طهورا يغسل الخطايا، ثم يكون في موقف ثالث صنوا للدم والدموع. وكذلك يقال في فطرة البعث: فقد كان السياب يؤمن به حين يحس بالتفاؤل، ولكن ها هو في قصيدة " تموز جيكور " ينكر البعث كله، لأنه اختار العدم؟ الراحة الأبدية، لنفسه، وليجيكور، التي كانت ترمز إلى كل ما يحبه على الأرض. ولهذا قد يبدو من التعميم التغليبي قول الأستاذ فؤاد رفقه: " أنه يبشر بالعودة الأزلية وبالصراع مع الزمنية، وهذا البعث لا بد من أن يمطر على بلاده، على حقولها وبيادرها وجذورها " (١) لأن هذا القول يمثل جانبا من الصورة، ولكنه لا يمثل الصورة في جميع جوانبها. وحين نعيد النظر في القصائد الجيكورية؟ في هذه الفترة - نحس أن جيكور قد أصبحت قطبا محوريا في فهم مزدوجات الحياة: أي الحقيقتين؟ حين يعرضان نفسيهما معا - أحق بالقبول: جيكور أو المدينة (من حيث البقعة المكانية) العودة إلى الطفولة أو المضي في الكفاح، الموت من اجل البعث أو الموت نفسه، الأم أو الزوجة، قيم الروح أو قيم المادة، الماضي أو الحاضر، الإيمان أو الإلحاد، وفي اغلب الأحايين كان الشاعر مع الفريق الأول من هذه القيم، ولكنه كان يحس بانهزامه، إلا مرة واحدة أحس فيها جيكور اتسعت وامتدت حتى شملت كل شيء، وفاضت خضرتها على الوجود كله،

стр. 319

وذلك حين سمع ابنه غيلان يناديه " بابا؟ بابا " (١) ؛ حينئذ أحس كأن عشتار افاضت الازاهير والثمار على العراق كله وأن كلمة " بابا " كأنما تحمل فيها يد المسيح، وأن " تموز " قد عاد بكل سنبلة تعابث كل ريح، وأحس كأن روحه في ترب الظلماء حبة حنطة وصوت أبنه ماء؟ وتصور نفسه في قرار بويب ميتا، أي حقق العودة إلى ألام، ولكن النهر نفسه كان يهب الحياة لكل أعراق النخيل؛ الموت جميل لآن الحيات امتدي، الموت لا يذهب بالروح وإنما يحولها إلى قوة سارية في جنبات ألكوي، فا الذي في قاع بويب هو نفسه " بعل " الذي يخطر في الجليل على الماء؟ ولدت جيكور في غيلان وامتدت حتى طغت على المدينة، فإذا أعمدة الشوارع فيها ورق توت، وإذا الشوارع نفسها انهار تفجر، وقد أصبح صوت النسغ يهمس في الشجر؛ وتذكر المفارقة بين واقع الحال وبين هذا الحلم الذي نقله إليه صوت غيلان - الأرض في الواقع قفص من الدم وألا ضافر والحديد، والسيح فيها معلق بين الموت والحياة، وعشتار فيها دون بعل، والموت هو الذي يركض في الشوارع معلنا انه المسيح المنتظر، والنار تزعم أنها هي الفرات والشمس تعول مبتردة، والآفق ملبد بحسب من جليد؟ البرد يسيطر على كل شيء، ورغم ذلك كله فأن دفئا جديدا قد غمر الشاعر، فجعل الغد يورق في دمائه. وقد ألمحت من قبل إلى ما كان للشاعرة سيتول من أثر في صور هذه القصيدة، وكيفي أن نتأمل هنا انتصار جيكور على المدينة، والاطمئنان إلى الموت الجميل، وأن نقف عند صورة النقيضين من دفء وبرد كما رسمها الشاعر، فأنها تتصل بوجود تموز وبعل والمسيح أو عدم

стр. 320

وجودهم، فغدغيا بهم يصبح الكون في قبضة الأضداد الذين ينتحلون غير حقيقتهم، حتى ليدعي الموت انه المسيح والسلام وتدعي النار أنها الماء الذي يسقي الورود لتتفتح، والشموع ترش ضريح بعل بالشحوب بدلا من الماء، والشمس مصدر الدفء تقفقف من البرد، وعشتار مصدر الخصب تصبح رمزا للعقم لآن " بعل " غائب عنها. أن انتصار جيكور كان عودة لبعل وتموز والمسيح، للخصب والدفء والسلام، - كان بعثا للدفء الذي يستطيع ان يطرد قشعريرة الأرض وزمهرير الجو الجليدي، وكان ذلك كله معناه الخلود الذي لا ينقص منه الموت الجميل أي شيء، فخلود الشاعر في ابنه هو خلود بويب في الشجر والسنابل، والشاعر نفسه هو " بويب " فلا ضير عليه أن يرقد في القرار؛ وهكذا تستطيع قصيدة " مرحى غيلان " ان تكون ذات نبض خاص في سياق أسطورة البعث، لأنها تعج بالقوى المحركة والمتحركة (المطر؟ حبة الحنطة؟ الدم؟ ماء النهر؟ النسغ؟ البرعم؟ بعل؟ عشتار؟ المسيح؟ الريح؟ عروق الشجر -) وتجمع عالم الأصوات والألوان، وأنواع الحركة من انسياب وسباحة وانثيال وخطران ونمو وتنفس وركض، أنها تمثل الحياة أو الفرحة بالحياة أصدق تمثيل، وتحيل الموت إلى حقيقة غير مخيفة، بل ربما جعلته حقيقة جميلة، وتجمع بالإيجاب والسلب بين الدفء والبرد، وتفجر القوى الكامنة في كل جهة مستمدة تلك الثقة من صوت جميل صغير بريء؛ فهي ليست علاقة أب بابنه وإنما هي قصة الانتصار على الموت في لحظة من اللحظات، وهذا الانتصار يحقق كل ما حرمه الشاعر (أو ما حرمه الإنسان الحق كما يراه الشاعر) من انتصار للريف على المدينة، وللحقل على الشارع، وللخضرة على الجفاف، وللدفء على البرد، وللسلام على الدمار، وللخصب على العقم؟. الخ، ولكنه لم يكن انتصارا عن طريق السواعد المناظلة وإنما كان الولادة المتجددة
следующие страницы →