ملء قلبي الحريري أنغام وأضواء
ودقات أجراس ضائعة.
وفي قصيدة السياب نفسها " لألح القمر يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال " وهو قياس على لوركا " والحرس المدني يتقدم زارعا الحرائق " (١) وعلى قوله في موضع آخر: " بينما يزرع الصيف غمغمات النمورة واللهيب " (٢) . ومع أن قول السياب " ناب الخنزير يشق يدي؟ " (٣) مستوحى مباشرة من قصة أدونيس فأنه لا يبعد أن يكون ناظرا أيضا إلى قول لوركا " فشق نعالهم وكأنما شقها بعضات خنزير بري " (٤) في قصيدة " مصرع انطونيو الكامبوريو ". وفي هذه القصيدة يتحدث لوركا عم مدى تطعن بها النجوم صدر الماء الرمادي، كما يتحدث في قصيدة أخرى عن القمر الذي يلقي بمدينته في هواء الليل (٥) ، وعن الأسماك التي تضيء مدى مزينة بدم الأعداء (٦) . ولما حاول السياب أن يكتب قصيدة في لوركا (٧) استمد من طريقته في التصوير فتحدث عن " المدى التي تمضغ الشعاع " وعن " شراعه الأخضر كالربيع "، وحشد في القصيدة ما يمثل لوركا، في نظرة، من حيث الفكرة والصورة والمبنى الشعري. فبنى القصيدة على التضاد العنصري واللوني، حسبما أوحى له بذلك صديقه كاظم جواد (٨) الذي كان يتدارس وإياه بعض قصائد لوركا، ولهذا جعل قلب لوركا
стр. 247
تنورا متوقدا بالنار فوارا بالماء معا، وعينيه تنسجان شراعا من اللظى خيوطه من مغازل المطر، ومن الحياة (كما تمثلها ثدي الأمهات والمدى التي تسيل منها لذة الثمر ومدى القابلات التي تقطع السرر) والموت (المتمثل في مدى الغزاة؟ أمثال الحرس المدني -) وهي تمضغ الشعاع. وهذا الشراع ندي (لين) قوي (صلب) أخضر كالربيع أحمر دموي، كأنه زورق من ورق وضعه طفل في ماء للعب أو كأنه " شراع كولمبس " وضعه في الماء مغامرا متحديا.
أما الشاعرة الإنكليزية فإن علاقته بها أقوى وأعمق، وربما كان من الغريب أن تحتل اديث سيتول كل هذه المكانة من نفسه، فأنها شغلت نفسها طويلا في العناية بالإيقاعات الصوتية وهي مغموسة النفس في التيار الديني وتستمد كثيرا من صورها من قصة المسيح، وتعد بعض صورها أشد غرابة من صور لوكا، ولكن الجواذب التي ربطت السياب بشعرها كانت متنوعة: فقد كان يريد منبعا غير اليوت الذي حاول البياتي أن يحاكي بعض نماذجه، ولهذا فهو يرجو؟ على إقراره بعظمة اليوت - ان ينفي عن نفسه تأثره به، لكي لا يرد هو والبياتي موردا واحدا؛ ثم انه عجز عن أن يجد ضالته في شعر ديلان توماس، رغم التقارب الشديد بين هذا الشاعر واديث سيتول، لأن توماس اشد واكثر تجوزا في الاستعمال اللغوي والصوري، وكان اهتداؤه إلى شاعرة؟ من غير الطبقة الأولى - يعد كشفا يبعث في نفسه الارتياح إلى استقلاله في النظرة والانفراد عن الآخرين. وقد أعجبه في شعرها ذلك الفزع الذي تغلغل فيه بسبب الحرب وتفجير القنبلة الذرية، ففي هذه المرحلة قل احتفالها نسبيا بموسيقى الألفاظ، كذلك كانت تجمعه بها رابطة أخرى هي حاجة الاثنين إلى التركيز، شغفها بترصيع القصائد بالدلالات الأسطورية، لا اتخاذ المبنى الأسطوري محملا للقصيدة؟ كما يفعل اليوت. ولما كانت نواحي
стр. 248
التلاقي بينه وبين تلك المرأة الشعرة كثيرة فانه تحدث دائما عنها في إجلال بالغ وذهب يعلن في شيء من المباهاة انه تأثر طريقتها في الشعر، وقرنها دائما باليوت ليقول ان الشعر الإنكليزي الحديث عرف شاعرين عظيمين لا واحدا.
ولم يقف تأثير سيتول عند حد المرحلة التي تتحدث عنها بل تجاوزها إلى المرحلة التالية، كما فعل لوركا على نطاق أضيق. كذلك بدأ تأثيرها مبكرا إذ تعرف إلى شعرها أواخر أيام الطلب في دار المعلمين، ولكن أثرها لم يبلغ أقصى قوته إلا في فترتي صلته بالآداب ومجلة شعر. فهي التي جعلته شغوفا بقصة " قابيل " يرددها في مناسبات عديدة، وعنها أخذ صورة التقابل الرمزي بين السنبلة والذهب (النضار) (١) :
النار تصرخ في المزارع والمنازل والدروب ... في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار ... من كل سنبلة تصيح ومن نوافذ كل دار؟ ... وصورة طائر الحديد الذي يلقي القنابل على المدن الآمنة (٢) :
يا صليب المسيح ألقاك ظلا ... فوق جيكور طائر من حديد وصورة الحياة السارية التي تنبض في عروق الكون على وجوه مختلفة؛ فقوله:
أحسست ماذا؟ صوت ناعورة ... أم صيحة النسغ الذي في الجذور ... إنما هو مستمد من قولها (٣) : ومن خلال ما يعمله الموت
стр. 249
ومن خلال جفاف الغبار
يسمع صوت النسغ الصاعد كأنه
أصوات بقرية هائلة تنبعث من
" ميامس " محتجبة مرعبة
And through the works of Death
The dusts aridity is heard
Of mounting saps like monstrous bull - voices of unesen of fearfu.
Mimes:
وقد كرر هذه الصورة في قصيدة أخرى فقال (١) :
أسمع من شوارعها الحزينة
ورق البراعم وهو يكبر أو يمص ندى الصباح
والنسغ في الشجرات يهمس؟.
ومما يدل على المحاكاة المعتمدة بعض التلاعب كان يجريه في التصوير أحياناً، بين قلب وتحوير، فالصيحة (٢) تنبعث من قلب الأرض كالرعد هاتفة بالمسيح وهي تزأر:
ليكن هناك حصاد
ور يكن بعد اليوم فقير
لأن المسيح قد بذر في كل ثلم
ويتحول السياب بهذا المنظر فيصور (٣) الموت وهو يركض في الشوارع هاتفا بالنيام ان يستيقظوا قائلا: " أنا المسيح، أنا السلام "!، والقرابة بين الصورتين تدل على الاتباع المعتمد، ويشفع السياب هذه الصورة بقوله:
والنار تصرخ يا ورود تفتحي ولد الربيع
стр. 250
وهذا تحوير أيضاً لقول الشاعرة (١) :
الورد على الجدار تصيح
" أنا صوت النار "
The Rose upon the wall
Cries -! I am the voice of Fire:؟
وقد جرأته الشاعرة الإنكليزية على اقتباس الرموز المسيحية، لاكثار من ذكر المسيح ولعازر ويهوذا، وأن كانت هناك عوامل أخرى شجعته على ذلك؟ كما سأوضح من بعد -. وهو يترجم عنها بعض الأبيات ويضمنها قصيدة " رؤيا فوكاي " (٢) ، ومن هذا المثال يبدو كيف انتزع الأبيات التي ترجمتها من مواضع في القصيدة، وكيف رتبها حسبما شاء، وعندما بلغ إلى قوله:
فأزحف على الأربع ... فالحضيض والعلاء سيان،
زاد على ذلك قوله: " والحياة كالفناء "، وهذه الزيادة قد جاء بها من قصيدة أخرى (٣) .
Where life and death are wqual
مما يدل على ان هذا الربط المتباعد، كان يعتمد على اختزانه لقصائد الشاعرة في ذاكرته إلى جانب الترجمة المعتمدة.
ويجري السياب على منوال الشاعرة الإنكليزية أيضا في استخدام رموز المطر، ففي قصيدة " أنشودة المطر " تجتمع لديه الكآبة الفردية من منظر المطر بالاستبشار لما قد يتمخض عن المطر من زوال الجوع، وهذا يشبه جمع الشاعرة في قصيدتها " أمطار نيسان " (٤) بين البهجة بالحياة
стр. 251
وتحسب الجفاف الذي سيعتري كل شيء في الوجود. أما قصيدتها " ما زال المطر يتساقط " (١) حيث يومئ المطر إلى الموت والدماء والقنابل المتساقطة في الغارات الجوية فانها قد ألقت ظلها التام على قصيدة السياب " مدينة السندباد " (٢) .
ولعل قصيدة: " مرثية جيكور " و " مرثية الآلهة " و " من رؤيا فوكاي "؟ (وهذه القصائد الثلاث تمثل مشروع قصيدة واحدة مما كان يسميه السياب ملحمة) أقوى قصائد الشاعر صلة بأثر اديث سيتول، لأنها تعد شاهدا على الاتباع الدقيق وعلى الاستقلال في نطاق ذلك الاتباع. فقد عمد الشاعر إلى قصيدة " ترنيمة السرير " Lullaby (ص٢٧٤) وإلى " ثلاث قصائد في القنبلة الذرية " (٣٦٨ - ٣٧٨) فاستمد منها كثيرا من تصوراته ومن الجو العام الصالح لمثل موضوعه، بل جاراها في بعض الرموز والعبارات مقتبسة أو محورة.
وتقع " مرثية جيكور " منفصلة عن سائر القصيدة ولكن هذا ليس سوى ترتيب موضوعي اقتضاه الديوان حين نشرت القصائد مجتمعة؛ وعلينا أن ننظر في تلك القصائد من حيث تمثل وحدة، فتجيء " مرثية الآلهة " أولا، - وقد كان الشاعر كتب غليها عند نشرها في مجلة الآداب أنها " مقطع من قصيدة رؤيا فوكاي " (٣) وبعدها تجيء " رؤيا فوكاي " ثم تجيء " مرثية جيكور " لتكون ختاما. وقد عدل الشاعر عن اعتبار هذه القصائد وحدة متكاملة حين أحس انه عجز عن إخراج " ملحمة " متناسقة الأجزاء متلاحقة الفصول، ولكن شيئا من النظام المقبول يمكن ان يستشف من هذه القطع الثلاث على حسب الترتيب الذي افترضته، فالقطعة الأولى تصور غياب صورة الإله عن الكون
стр. 252
الإنساني؟ وهو إله كان في كل عصر من صنع الإنسان نفسه - وكيف الإنسان في العصر الحديث القوة والمال تحت أسماء جديدة هي " كرب " و " حديد " و " فحم "؛ والقطعة الثانية تمثل اثر القنبلة الذرية في هيروشيما من خلال رؤيا فوكاي الكاتب في البعثة اليسوعية، وقد جن من هول ما شاهده؟ وهذه القطعة تجيء في ثلاثة أقسام: القسم الأول " أنشودة الرصاص والحديد " وهي ممتزجة من أسطورة صينية عن ناقوس ضخم من المعادن التي لم تتخذ معا إلا حين مزجت بدم العذراء " كونغاي "؟ اجتماع حتمي بين السلاح والموت والدماء - فأصبح الناقوس يردد في دقاته دائما اسم تلك الفتاة، ومن صورة آريل في مسرحية العاصفة لشيكسبير وهو يتغنى: " على عمق خمس قامات يرقد أبوك في القرار " ومن صورة الغجر وقد هموا بالرحيل عن غرناطة (أثر مطاردة البوليس المدني لهم) وهي صورة من صور الدمار كما كان يحسه لوركا، ثم صورة البابيون وهي قاع المحيط تهدف طفلا بشريا قتل " طائر الحديد " أمه، ومعظمها مترجم عن قصيدة " ترنيمة السرير " للشاعر اديث سيتول، وينتهي هذا القسم باستواء الأضداد من خير وشر في عالم الإنسان، ذلك أن قاع البحر أصبح يضم " الموت " متمثلا في من التهمهم البحر، كما يضم " الولادة " متمثلة في الطفل الإنساني الذي تربيه القردة - البابيون؛ وقد اختير البحر موضعا لهذين الضدين لأن ظهر اليابسة لم يعد صالحا للحياة، فقد قتل كل شيء إلا قابيل وبقي الذين امتلأت عروقهم لدى المخاض الكوني الأول بالوحشية القاتلة، وذلك جنس بشري يكره النور وقد تجمعت فيه الأضداد فهو ريان عطشان، جذلان حزين، جائع متخم، يضحك من رئة ينخرها الداء، فان لم يكف من غلوائه فانه سيكون ضحية للعدم الذي اخترعه، وهذا هو ما يصورة القسم الثاني. أما القسم الثالث فانه على لسان مريض أصيب بالزهري اثر ضرب هيروشيما وهو يرثي
стр. 253
صلته بالحب الطبيعي ويأسى لفقد السود وحلول " الخربة المظلمة " التي يصبح فيها البوم وتنعب فيها الأصداء والرياح، ثم يستذكر هذا المريض صورة الرعب التي رسمتها القنبلة فأصبحت الأرض فاغرة الفم والشمس كالذئب المسعور وتكورت سحابة " بيضاء سوداء رقطاء القفا عجيبا "، وأخذ الأبرص يعدو طالبا السقيا فانهلت السحابة عن دم من ثدي ممزقة وعيون كأنما فقأها سيخ جنكيز، وشرب كل إنسان من ماء الردى. كل هذا والطيب " سازاكي " قد عبأ القناني من دم المرضى؟ الذين اصبحوا يعرفون بأرقامهم لا بأسمائهم - كي يفحص أثر الذري في دماء الآدميين. وفي هذا القسم أتكأ الشاعر كثيرا على قصيدة لأديث سيتول بعنوان " شبح قابيل " (١) ؟ فالأرض الفاغرة أشداقها تنبح السحاب في ظمأ قاتل ناظر إلى قولها (٢) :
وذلك الخليج الذي انفق على مدى الكون بدا ... وكأنما كل قرارات المحيطات قد نضبت ... وتعرت الشمس فاغرة فاها على التو ... كفم المجاعة الكونية، مدت فكيها ... من أقصى الأرض إلى أقصاها ... وصورة الأبرص الذي يعدو خلف صورة السحابة لاهثا يريد ماء تتردد أيضاً في قصيدة الشاعرة الإنكليزية حيث تقول:
والى ذلك الفاغر الخاوي ... جاءت حضارة مقعدي الحياة وبرصها ... مثلما جاءوا إلى المسيح عند بحيرة الجليل ... والدم المنهل ليشرب منه الظمأى إنما يعبر عنه " الغني " الذي
стр. 254
اصبح لا يتميز من لعازر وان كان ما يزال يبشر بذلك الترياق المسمى " الذهب "، فقال:
أن ما أريق ما يزال يعب كأنه الطوفان ... ولكن الذهب سيغدو دم الكون، ... فالذهب الوحشي الذي تكثف حول الجوهر الأول ... فيه تركيب الدم ورائحته ودفئه ولونه ... ولا ريب في أن الشاعر استوحى القطعة التي تمثل موقف الطيب من مرضاه، وبرود العلم إزاء مشاعر الذين ينتظرون الموت فوق الأسرة من قول الشاعرة:
علينا ان نأخذ خلاصة من الداء للعلاج ... ؟؟ ... فإذا أعطينا منها مقدار عشرين حبة ... فإن وجه الأبرص ستعمره الحياة ... كوجه الوردة بعد الأمطار الغزيرة ... وعند رجوعنا إلى نهاية القسم الثالث (وهو نهاية القطعة الثانية من القصيدة) نجد ان الشاعر لم ينته إلى شيء، إذ كانت خاتمة قصيدته صورة امرئ مطروح على سرير في مستشفى، وهو ينتظر أن يحمل إنسان آخر رقمه لأنه صائر إلى عهده حفار القبور. وإذا قارنا هذا بما فعلته الشاعرة سيتول وجدناها تختم هذا الجزء من قصيدتها بما يشعر عودة الحياة، ورجوع المنقذ رغم كل المآسي التي صنعها الإنسان عبد الذهب، فتقول:
ومع ذلك؟ فمن ذا الذي خال أن المسيح مات عبثا؟ ... انه سائر على بحار من دم، انه آت في المطر العنيف ... غير ان الشاعر لم يكن يستطع ان يصل إلى خاتمة مشابهة، لأن
стр. 255
موقفه يختلف عن موقف الشاعرة، فهو لا يؤمن بالمنقذ، وغايته هي أن يصور فظائع القوة الإنسانية التي لا تعرف حدودا، وحين رثى الآلهة في القطعة الأولى من قصيدته وأعلن عن خلق الإنسان لآلهة جديدة لم يبق لديه من حمى غيبي يلوذ به كما فعلت الشاعرة اديث سيتول، وهذا موقف يحسن أن نتنبه له بدقة، لأنه يضع مفارقة دقيقة بين السياب وبين كل من سيتول واليوت، فهو يعلن عن انهيار القيم الإنسانية دون أن يكون هناك بصيص من الأمل المتفائل في استنقاذ الإنسانية من الدمار، أما سيتول واليوت فانهما يعلنان عن انهيار القيم وهما يتشبثان بعودة المنقذ وبالرجوع إلى حمى الدين لأن ذلك هو الذي يعيد؟ في نظرهما - للحضارة الإنسانية رونقها؛ وحين اتخذ السياب من سيتول نورا هاديا لخطاه في هذه القصيدة لم يستطع أن يجاريها إلى النهاية، بل وقف عند صورة الدمار وحدها سمعنا في الوصف. ويبدو انه أحس بفراغ شديد تنتهي إليه قصيدته، فنظم قطعة ثالثة هي " مرثية جيكور " لكي يكمل صورة الدمار، وكانت جيكور ترمز لكل ما يحبه في الكون، فإذا أصبحت عرضة للخراب، فقد انتهى العالم في نظره، ولذلك أعلن هذه النهاية من خلال المجتمع الريفي الذي أحبه، فقارن بين أفراح القرية في عرس " محمود " وبين الهجوم البربري للحضارة ممثلا في " طائر الحديد " الذي ألقى صليب المسيح فوق جيكور، مستعيرا هذه الصورة من اديث سيتول أيضاً، إلا أن سيتول حيت تتحدث عن الصليب الملقى تنظر إلى صورة المقابر المسيحية والصلبان مغروسة فيها، فأما السياب فانه تجوز في نقل الصورة فجعلها تمثل الموت نفسه دون نظر إلى ملابساتها الأخرى. وقد قارن الشاعر بين الأفراح التي تنوج عادة بإعلان " دم العذرية " وبين الدم الذي كان ينزف من جسم محمود اثر الغارة المتوهمة على جيكور، كما قارن بين قصاص من القرية " هومير شعبه " الذي يمضغ والتواريخ والأحلام ويتحدث عن حرب
стр. 256
البسوس ومصرع الحسين، ويغزل على نول قديم، وبينه وقد اصبح هو ونوله ضحية لآلة حديدية جديدة:
تسكب السم واللظى لا حليب الأم أو رحمة الأب المفقود ... ويعلن الشاعر في النهاية انهيار الإنسان وسقوطه بعد أن أصبحت الأرض سوقا تباع فيها لحوم الآدميين في أفريقية وآسية:
هكذا قد أسف من نفسه الإنسان وانهار كانهيار العمود ... فهو يسعى وحلمه الخبز والأسمال والنعل واعتصار النهود ... والذي حارت البرية فيه بالتآويل كائن ذو نقود ... وبهذا الدمار الشامل يستطيع الشاعر أن يعلن انه قد اختار ختاما لقصيدته يصلح الوقوف عنده، لأنه وان لم يتحول إلى شيء من التفاؤل فهو على الأقل قد ضمن خاتمته شيئا غير قليل من الأسى المبهم على المصير الإنساني
تلك هي القصيدة التي أراد السياب بها أن يمضي نطاق القصيدة الطويلة (١) ، وقد رأينا مدى تأثيره فيها بالشاعرة الإنجليزية، ولكن بذل قسطا كبيرا من الجهد ليستقل رغم الاتباع الدقيق، وكان كأنما يترسم خطة مدرسة في هذا العمل، فهو قد هيأ مادة جديدة ينطلق منها للحديث عن موضوع مشترك؛ وحين رأى الشاعرة تتخذ رموزا معينة، لم يقف عند حد استعارة تلك الرموز بل حاول أن يختلق رموزا جديدة يستقل بها، وان يحشد لقصيدته أساطير لم تخطر لها على بال، ومن مجموع القصيدة يتبين للقارئ ان الشاعر كان " يؤلف " بقوة الاحتذاء وأنه لم يكن " يبدع ". ولولا النقد الذي واجهته بعض أجزاء هذه القصيدة حين نشرت في الادب، لخمل لنا الشاعر كان
стр. 257
ماضيا في إنشاء مقاطع أخرى يضيفها ما ألف. فان الموضوع كان فسيح المجال للتهويل، التصويري أمر شديد الصلة بقلبه وعاطفته، غير أن هذا التهويل يحتاج اندفاعا متضربا عجاجا، ومثلما دفعه هذا التهويل في قصيدة " فجر السلام " إلى اختيار شكل تقليدي مليء بقعقعة توهم الجزالة - كما يفعل الجواهري في كثير من قصائده - فكذلك فعل الشاعر في هذه القصيدة، ولم يبن على السوق الشعري الحديث منها سوى القسم الذي عنوانه " هياي، كونغاي كونغاي " (١) ورغم أن هذا القسم حشد من مختلف الاقتباسات فانه؟ في نظري؟ اجمل ما في القصيدة، ذلك أن السياق الشعري التقليدي يتطلب مع الإيهام بالجزالة نفسها) وضوحا واستقلالا في الدلالات اللفظية، وهذا ما لم يحسنه السياب في كل محاولة من هذا النوع، لأن المعاظلة إذا دخلت في السياق الجديد لابسة ثوبا من الغموض، قبلت في الجو الإيحائي العام دون تدقيق كثير، أما في سياق القصيدة فأنها عقبة أمام الفهم الضروري، ومن اساءة التقدير للشعر القديم أن يظن شاعر معاصر كالسياب أن التعبير الجزل لا يتطلب شيئا وراء المحافظة على العلاقات النحوية؛ وما كانت هذه العلاقات؟ على صحتها - لتصنع أسلوباً، وإذا اغتفر هذا في الأعجمي حين يحاول الكتابة بالعربية فانه لا يغتفر في عربي يعجب بأبي تمام والمتنبي.
وقد عاد إلى هذه المحاولة في قصيدة بور سعيد فمزج فيها بين اللحنين القديم والجديد، وهي على ما تمثله من حماسة طبيعية لقضية عادلة ومن ثورة على عدوان يمثل أحط أنواع الغدر في تاريخها العربي الحديث فأنها غير سديدة في المبنى الفني، وعيبها هو العيب الذي وجدناه في قصيدة " فجر السلام " اعني عدم التمايز أو التدرج في دورات القصيدة، وعدم وجود ما يسوغ الانتقال الفني من لحن إلى لحن، وقيام العبارة
стр. 258
المفتعلة حجر عثرة في سبيل تذوقه، وللقارئ أن يتأمل الأبيات التالية وأن يحاول نثرها فانه سيدرك ما اعنيه حين أصف شعر السياب بالالتواء التعبيري حين يريد أن يتشبث بأذيال الجزالة:
حاشاك فالموت توري فيك حدته ... طعم الدم الحي ما يرقى به البشر
أخفاه عنك التزام واشتباك يد ... في مثلها فهو حيث احتازه البصر
حتى إذا ارتد واستبشعت صورته ... أدركت أي انتصار ذلك الظفر
أدركت أن الضحايا رد كاثرها ... فيك الأقل المضحى أنها كثر
من سدد النار في يديك يوردها ... كيد المغيرين منه الظن والنظر
واحتاز في قلبه الأحقاب يزرعها ... في جانب منه واستبسالك الثمر ولو شئت أن تطلب المسوغ لكثير مما يقوله السياب في هذه القصيدة، وأن تسأل نفسك في كثير من المواقف: لم قيل هذا بادئ ذي بدء، ثم: لم قيل هذا على النحو، لم تجد جواباً مقنعا، أنه يقول؟ مثلا - على النغمة الجديدة:
كم من دفين كل ماء القنال ... في مدة العاتي وفي جزره ... يلقي على صدره ... عبئا من الظلماء؟ كان القتال ... من اجل أن يرتاح في قبره. ... ولو نثرت هذا الكلام لكان على النحو الآتي: " في ماء القنال قوم دفنوا، وماء القنال ذو المد العاتي والجزر يلقي على صدورهم عبئا من الظلام؟ وما كان القتال الراهن إلا لكي يرتاح أولئك المدفونون في قبورهم ". ماذا يريد الشاعر أن يقول؟ أيريد أن يقول أن الثأر متصل؟ أيريد أن يقول أن الذين ماتوا " سخرة " في حفر القنال إنما وجدوا راحة نفوسهم في هؤلاء الأبناء الذين أشعلوا نار القتال ليثأروا لهم؟ قد يريد
стр. 259
ذلك ولكن أي تعبير احتوى مثل هذه الفكرة؟ وكم يحتاج القارئ من حسن الظن بالشاعر ليوجه كلماته هذا التوجيه؟ لهذا أحس أن السياب؟ في هذه القصيدة - يعاني في اللحنين القديم والجديد قصورا في صياغة أفكاره في تعبيرات مناسبة، أقول " أفكاره " وأنا أعني انه أنه كان هنا يصوغ أفكاراً محوطة بالانفعال ولم يكن يدون صورة انفعال صحيح. ولعل أوضح أجزاء قصيدته هي التي تحدث فيها عن بطولة " القائد العربي " الكبير، لأنه كان في تلك اللحظة منفعلا بتلك البطولة وان اضطرته ظروف العراق حينئذ ثم طبيعة دار النشر التي تعهدت إصدار ديوان " أنشودة المطر " إلى أن يكني عن الاسم ب " سيف الدولة " في قوله:
يا أمة تصنع الأقدار من دمها ... لا تيأسي أن " سيف الدولة " القدر وهو يريدك ان تقرأ: " ان عبد الناصر القدر ".
стр. 260
- ٢٢ -
الألوهية والقصائد الكهفية
لنعد إلى " مرثية الآلهة " التي تحدث فيها عن أن الإنسان منذ القديم كان يعبد ما يخافه ويرجوه وانه هو الذي كان يؤله الأشياء ويعطيها أسماء مثل " تموز " و " اللات " و " زفس "، وأن هذه الأسماء تدل على الإنسان لا على حقيقة كبيرة غيبية، وأن هذا أمر لم يتغير حتى اليوم:
ويا عهد كنا كابن حلاج واحدا ... مع الله، أن ضاع الورى فهو ضائع أي ليس هناك من خط فاصل بين الألوهية والانسانية، فوحدة الوجود التي آمن بها تعني بها الحلاج تعني أن مقتل الحلاج يترتب عليه فقدان الطرف الثاني من تلك الوحدة؟ فمثل هذه الفكرة قد بعث في قصائد هذه الفترة نغمة لم نكن نسمعها من قبل أبداً في شعره؛ أعني ذلك الاستخفاف الصريح بفكرة التأليه وعدم التورع عن استعمال لغة جريئة لا تدل على أثر قوي لروح التدين في نفس الشاعر. وقد يبدو من المستغرب؟ أول الأمر - أن تعلو هذه النغمة في قصائده التي تتحدث عن النضال العربي أو عن الأوضاع العربية عامة، ولكن هذه الحقيقة نفسها تؤكد أن هذه الظاهرة في تلك القصائد إنما كانت ذات دلالة عكسية، أعني أنها على الألم الدفين لاندحار الإنسان وما يؤمن به
стр. 261
من مثل دينية. وتفسيرا لهذا الأمر الذي يبدو محيرا أقول ان الناس الذين يتحدث عنهم الشاعر في هذه الفترة ينقسمون في ثلاث فئات (لا في فئتين قوية وضعيفة) : فئة الغزاة الذين يؤمنون بآلهة جديدة تحمل أسماء " نضار " و " فحم " و " حديد " وما اشبه، وهم الذين يؤلهون قوتهم تحت أسماء ترمز إلى تلك القوة، وهؤلاء هم الذين يسلطون " طائر الحديد " ليرمي الحضارة بحجارة من سجيل، وقد سمعوا أحياناً " التتر " وأحيانا أخرى " الصليبيين " وهم يعودون في تاريخ الإنسانية تحت أسماء مختلفة، وقد ظهروا في المغرب العربي يحطمون ويقتلون، كما تدفقوا تحت اسم " الصهيونية " إلى المشرق العربي كطوفان من الظلام:
وانجرف المسيح مع العباب
كان المسيح بجنبه الدامي ومئزره العتيق
يسد ما حفرته ألسنة الكلاب
فاجتاحه الطوفان حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين (١)
والفئة الثانية هم الثائرون الذين ما يزال إلههم فيهم يحمل في مقدمتهم راية الثورة، - إلههم العربي رمز الحياة والقوة - وتحطم على أيدي أولئك الثوار ما عداه من آلهة كانت تعبد لأنها ترجى أو تخشى:
وجاء عصر سار فيه الإله ... عريان يدمى كي يروي الحياة ... واليوم ولى محفل الآلهة (٢) ... وتحطمت التيجان، وبدا الانطلاق يهز الشعوب من رقدتها، ولهذا نسمع الشاعر يقول في خطابه لجميله بوحيرد:
стр. 262
بالأمس وارى قومك الآلهة
ولكنه سرعان ما يرى فيها " نفحة من عالم الآلهة " ويريدها أن ترفع أوراس إلى السماء " حتى نمس الله حتى نثور ".
أما الفئة الثالثة فهي جماعة المغلوبين والمستسلمين إلى سبات عميق، وهؤلاء هم جميع الشعوب العربية التي يصفها بقوله:
إنا هنا كوم من الأعظم ... لم يبق فينا من مسيل الدم ... شيء نروي منه قلب الحياة ... إنا هنا موتى حفاة عراة (١) ... هم سكان " وهران " التي لا تثور؟ وبما أن هؤلاء موتى، لهذا مات محمد فيهم كما اندثرت معاني الألوهية بينهم:
فنحن جميعنا أموات
انا ومحمد والله
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد والله
على كسر مبعثرة من الآجر والفخار (٢)
وحينما كان الناس ضعفاء مغلوبين باكين كان زمزهم الالهي على شاكلتهم. ولهذا، كان في الريف يحمل راية الثوار، أما في يافا فقد رآه القوم " يبكي في بقايا دار ":
وأبصرناه يهبط أرضنا يوما من السحب
стр. 263
جريحا كان في أحيائنا يمشي ويستجدي
فلم نضمد له جرحا
ولا ضحى
له منا بغير الخبز والأنعام من عبد. (١)
تلك هي الصورة العامة التي تتمثل للألوهية في قصائد هذه الفترة ومع أننا لا ننفي الجرأة التي صاحبت التعبير هنا، كما لا ننفي إيمان الشاعر بأن اله كل قوم يكون شاكليهم، فاننا نرى أن الدافع لهذا التصور إنما يمثل غيرة دينية على ما أصاب الشعوب العربية والإسلامية من ضعف شديد، ولهذا ذهب في تيار هذه الغيرة المقترنة بروح الثورة يطلب ان يعيد العرب؟ كما أعاد عرب المغرب فيهم - محمدا والهه " العربي ".
لهذا نجد في هذه القصائد التي يجوز تسميتها بالقصائد العربية ميزة فارقة من السهل تمثلها إذا نحن تذكرنا حديث أفلاطون في الجمهورية عن " الكهف " الذي يعيش فيه بنو الإنسان أسرى ومن ورائهم نار تنعكس على ضوئها أشباح لحقائق الخارجية فيظنونها حقائق، حتى إذا قيض لأحد منهم أن يخرج إلى النور الحقيقي بهزه ضوء الشمس (رمز المثال الاسمى) ؟. أقول: أن هذه القصائد " الكهفية " تمثل مسير الشاعر من خلال المفهومات الجماعية إلى حومة الذات، إلى الكهف القديم المريح الذي يتمثل في الرحم أو في القبر، فهو؟ على نحو ما - يجد الراحة في أن يكون بين الموتى، ويرى نفسه دائما دائما دفينا؛ لقد عاد إلى مشكلة الموت ولكن لا ليكون وحده بل ليكون مع موتى كثيرين من أمته، وتخايله فكرة الولادة الجديدة أو الانطلاق من الكهف على لمعان أسنة الثائرين في المغرب، ولهذا نراه
стр. 264
يتلذذ بتعذيب الذات في المقارنة بين موته وموت من هم على شاكلته وبين الأحياء، ويتملكه الشعور بالخجل بل بالخزي من انه لم يستطع بعد أن يهب من رقدة القبر، أو أن ينطلق من ذلك الرحم المظلم؟ أن الصراع بين الحقيقة الداخلية في الكهف؟ أي الموت - وبين الحياة في خارجه هو لحمة تلك القصائد وسداها، وهذا لا يتضح إلا إذا عرضنا لكل قصيدة منها بشيء من التحليل.
وأول هذه القصائد وهي " في المغرب العربي " تصور إنسانا ميتا في الحقيقة ولمنه حين استيقظ رأى قبره؛ وهذا رمز لإنسان الشرق العربي الذي تحطمت حضارته (رمزها المئذنة التي كان قد كتب عليها اسم الله ومحمد) واندثرت، وأخذ الغزاة الحفاة (لأنه لا حضارة لهم) يركلون ذلك الحطام بأقدامهم دون أي اهتمام بقداسة تلك الرموز الحضارية؛ وعلى مقربة من قبر هذا الميت العائد إلى اليقظة كان هناك قبر جده صنع تلك الحضارة، وصوته ينبعث من وراء القبر (١) :
يا ودياننا ثوري
ويا هذا الدم الباقي على الأجيال
يا ارث الجماهير
تشظ الآن واسحق هذه الأغلال
وقد حقق هذا الجد انتصارات في ذي قار، ولكن أبناءه انقسموا فريقين، فريق حمل راية الثورة في جبال الريف وفريق عرف عار الهزيمة في يافا. ترى ما الذي حطم هذه الحضارة؟ أنها غارات الجراد من تتر وصليبيين وهما سيان، فلما اندحر الصليبيون بالأمس جاءوا اليوم ينتقمون لانفسهم من قوتنا وانتصارنا وانتصار إلهنا؛ وهكذا ارتبط الماضي والحاضر بارتباط قبرين (كهفين متجاورين يعيش فيهما
стр. 265
الجد وحفيده) ، وما كاد هذا الربط يتم حتى تنفس عالم الأحياء، وعلت تكبيرة الثوار وأطلت شمس النهضة من كوى حضارتنا في قصر " الحمراء ".
وهب محمد وإلهه العربي والأنصار
فالقصيدة تفتح بصورة كهفية يطل منها إنسان المشرق العربي، - يقوم من قبره - ليرى كيف كان القبر المجاور له سر تلك الحضارة التي تتمثل في آجرة نقش عليها اسم الله ومحمد، ثم ليبصر الشمس؟ شمس الثورة الجديدة - تطلع من المغرب. ان هذه القصيدة من اشد القصائد التي لا يعتور بناءها افتعال أو ضعف، وكأنها قد وضعت عفوا، فجاءت العفوية في خطتها اجمل من البناء المعتمد، وفيها تتحد العلاقات بين الواقع والرموز، وتعد المقارنة بين الحاضر والماضي وبين الحفيد والجد (وتغير معنى الألوهية بين ذي قار ويافا) وبين المشرق العربي والمغرب العربي وبين الصليبية القديمة والجديدة من اجمل ما استطاع السياب ان يكتبه في محتوى شعري، أما الخاتمة التي تستشرف اليقظة الكلية لشقي العالم العربي فأنها من اشد النهايات ارتباطا بكل ما تقدمها. لقد نسج السياب تاريخ الأمة العربية من خلال بضع لمحات ورموز، وكان رحب النفس رحب الأفق طلقا رغم الدقة التركيبية في المبنى، فجاءت قصيدته منطلقة متفتحة رغم أنها اعتمدت على القاعدة الكهفية، وما ذلك إلا لأنه انحاز في النهاية إلى الشمس، إلى اليقظة على الأضواء المنبثقة من كوى الحمراء. وانا على يقين من أن الأستاذ صلاح عبد الصبور قد حكم على هذه القصيدة يوم نقدها حكما سريعا، فان الوتر الديني فيها لا يعدو ان يكون عاملا مساعدا في تصوير ماضي أمة اعتمدت في نهضتها على الدين، وقد حاول الشاعر جهده ان يعطي لهذا الدين صبغة قومية لكي ينسجم مع موقفه الحديث كما ان القصيدة ليست بحاجة إلى التمييز المستمر بين صوتين، لان الصوت
стр. 266
الثاني يشبه حديث الكورس في الرواية اليونانية، وقد قص علينا هذا الصوت قصة غزو الجراد مرتين مرة في القديم ومرة في الحديث، ولم تكن بالقصيدة من حاجة إليه في مواقف أخرى.
وثاني هذه القصائد وهي " قافلة الضياع " تتحدث عن حال اللاجئين الفلسطينيين، وتعتمد في مبناها الصوري على مجموعه من الكهوف، فقافلة اللاجئين التي تحمل جثة هابيل لتدفنه ليست سوى صورة أخرى من هابيل المسلول الجائع المطروح في كهف أو كهوف متلاصقة تسمى؟ على سبيل المجاز - بيوتا، وهذه الكهوف من الخيام والصفيح تقبع في كهف اكبر منها يسمى " الليل "؟ فالليل رحم كبير يضم هؤلاء الجائعين، " ويجهض " ملقيا قوافل من السفن تحمل مهاجرين من اليهود ليحتلوا محلهم، وهؤلاء الذين يطرحهم الليل، يجرون معهم نارا شعارها: " أنا النضار " وهي تعيد إلى الحياة صورة " عجل سيناء الذهبي "، وتحفر جدار النور ليتدفق منه الظلام فيجرف كل شيء حتى المسيح، ولا ينجم عن طوفانها إلا ظلام دامس تبنى منه دور اللاجئين؛ ويرجع الشاعر بالبصر إلى أول عهد اللاجئين بالتشرد فيرسم صورة للاجئة حبلى لكي يصور ما تقذفه الأرحام الإنسانية إلى كهف الليل الكبير ثم يعود فيبصر الكهف المظلم الواقع بين مساكن اللاجئين الجديدة ومساكنهم القديمة فيراه كهفا من ظلام يمتد ألف عام؟ بئرا لا قرار لها كهاوية الجحيم، ثم يعود إلى اللاجئين في وضعهم الجديد فيرى كل ليلة من لياليهم رحما عقيما:
كم ليلة ظلماء كالرحم انتظرنا في دجاها ... نتلمس الدم في جوانبها ونعصر من قواها ... شع الوميض على رتاج سنائها مفتاح نار ... حتى حسبنا ان باب الصبح يفرج؟ ثم غار ... وغادر الحرس الحدود ...
стр. 267
هنالك في القصيدة اذن صورتان متعاقبتان: الليل؟ الرحم وما يضم من كهوف، والنار الملتهبة التي تلاحق أطراف هذا الليل كأنها الخيول، وهي النار الخادعة التي كانت تضيء للقابعين في كهف أفلاطون. بل هي اشد من ذلك لأنها التهمت جدار النور - طمست مثال الخير الأسمى المتمثل في نور الشمس) ؛ وإذا كان في القصيدة من اضطراب فإنما مرده إلى عدم التزام الشاعر بتدرج طبيعي وإلى تردده بين حال اللاجئين وتاريخ لجوئهم؛ وقد كانت القصيدة تصويرا من خلال الكهوف مع شيء من التفجع على مصير اللاجئين.
وقد استغل السياب الطريقة السابقة في القصيدة الثالثة وهي " رسالة من مقبرة " وفيها يمجد ثورة الجزائر، فعاد يتصور نفسه في داخل الكهف (القبر) وهو يصيح، رامزا بذلك لإنسان المشرق العربي الذي تغير كل شيء في حاضره حتى صح أن يسمى عالمه قبرا، فالنور فيه دجى، والشمس كرة جامدة، والدود ينخر تلك الكرة، والناس في هذا الكهف أما جائعون: يطبون من صاحب ذلك القبر " رطلا من لحمه الحي "، وأما أشقياء: يريدون ضياء من مقلتيه، وأما جواسيس: يحذرونه من الصعود إلى الجلجلة ومن صخرة سيزيف. ولكنه رغم كل ذلك لا يزال يسمع أصواتا مدوية من خارج الكهف تجيء من عالم الشمس وتتحدر إليه أصداؤها الملونة وتنسكب في فوهة القبر، فيتفاءل باقتراب مخاص " الرحم " الارضي، لا بد ان يأتي القبور مخاض نقذف فيه موتاها، وتبهثها حية من جديد؛ ان سيزيف " وهران " قد ثار وخرج إلى الشمس، ولكن ها هنا " وهران " أخرى (في المشرق) :
آه لوهران التي لا تثور ... وتبدو هنا محافظة السياب على رمزي الكهف والشمس وعلى
стр. 268
صلة الأول منهما بالرحم، إلا أن هذه القصيدة ابسط من الأولى التي نسجت على منوالها، ولهذا كانت اقرب منها إلى العفوية، وهي نموذج للتناتج الطبيعي بين المقدمة والخاتمة ولا تذهب روعتها إلا إذا وضعت إزاء البناء المعقد الذي تمثله القصيدة الأولى " في المغرب العربي "، لاشتراك القصيدتين في موضوع واحد، ولكنها تمتاز على تلك القصيدة بالتلاحم القوي والتدرج المحكم في المدى القصير، فهي لا تكلف القارئ شيئا من جهد لاستيعابها.
стр. 269
- ٢٣ -
تعتيم في المبنى والموضوع
تلك هي التي سميتها القصائد الكهفية، وهي على اتفاقها في الموضوع والمنطلق التصويري تتقارب في مستواها الفني، حسبما وضحت. أما بقية قصائد هذه الفترة (عدا القصائد المتصلة بالقنبلة الذرية وبور سعيد) فليس بينهما رابطة تجمعها موضوعيا، وتتقارب قصيدة " تعتيم " (١) و " غارسيا لوركا " (٢) في المبنى الذي يتمثل في الانسياب العفوي الحر النبع من لفظة. فكلمة " تنور " في كلتا القصيدتين هي المنبع، إلا أنها في قصيدة لوركا تسير على نظام التضاد مع " الماء " فتبيح للتضاد بان ينتظم جميع القصيدة (كما عرضت من قبل) ؛ وأما التنور في قصيدة " تعتيم " فانه مصدر النور الذي يكشف عن محيا المحبوبة وما يعتلج فيه من أحزان وأفراح، وقد كان النور والنار مصدر وقاية الإنسان الأول من الضواري حقا لأنها كانت تفزع منهما، فمن الخير أن تنطفئ النار والنور ويدفن الخبز في التنور حتى لا تكون النار سبب فنائنا، فالبقاء في الديجور خير لنا، لآن النمور السماوية قد ترجمنا بالصخر والنار. وليس في شعر السياب ما يضارع هذه القصيدة إخفاء للرمز مع استغلاله دون خلل. فالنور على وجه
стр. 270
الحبيبة يفضح رغبتها الشهوانية، بينما كان الإنسان الأول يستعمل النار لطرد تلك الشهوة المتمثلة في النمور والأسود، فمن الخير أن يضيع الحبيبان في أحضان الظلام لكي يحتجبا فيما يريدان تحقيقه عن أعين النمور في المساء، وهي على عكس نمور الأرض لا تخاف النار والنور بل تستغلهما لرؤية الأحياء الذين يمارسون شهواتهم وترميهم بحجارة الرجم. فالقصيدة لا تحمل شيئا من الموضوع النبيل، ومع ذلك فانها شديدة الإحكام لبقة الرمز، ولعل القارئ قد أدرك أن التنور والنمور (في الأرض والسماء) ودفن الخبز والرجم كلها متصلة بحقيقة واحدة يراد الوصول إليها في حمى العتمة قبل ان يخيم " ليل القبور ". أن من يقرأ هذه القصيدة يعجب كيف استطاع السياب؟ الذي كان يثقل القصيدة بالتوضيح والشرح والتعليق - ان يصل إلى هذا المستوى من الالماع والتلميح.
وفي قصيدة " المخبر " لا يخطو السياب خطوة جديدة وإنما يعود إلى صورة مماثلة للتي رسمها في " حفار القبور "؟ الإنسان الذي يأكل من دفن الناس في الأرض أو في السجون (فالأمر سيان) - وهو يحاول ان يسوغ ما يأتيه، مع شعور عميق بحقارة ما يصنع. وكذلك هو الأمر في قصيدة " عرس في القرية " فأنها عودة إلى زواج الريفية الجميلة من ابن مدينة ثري، ففيها يحاول السياب ان يزاوج بين الأسى على مصير المحبوبة وبين كفاح الطبقات الكادحة فتجيء المزاوجة مضحكة كما حدث ذلك في قصيدته " حسناء القصر " وفي غيرها:
كان وهما هوانا فان القلوب ... والصبابات وقف على الأغنياء ... لا عتاب فلو لم نكن أغبياء ... ما رضينا بهذا ونحن الشعوب ...
стр. 271
والقصيدة بطيئة الحركة، وفيها من الوضوح النثري ما يجعل قوة التلميح في مثل قصيدة " تعتيم " اشد غرابة.
ولكن اغرب محاولاته جميعا في هذه الفترة هي " أغنية في شهر آب " (١) ، وقد كان يحس ان القصيدة محاولة لكتابة الشعر بأسلوب جديد، ولهذا رأى أن يلمح إلى بعض ما قد توحي به القصيدة في رسالة إلى الدكتور سهيل إدريس؟ تقدم اقتباس جزء منها - ولكن هذا الذي قاله لا يفسر شيئا على وجه الدقة، واصح ما قاله هنالك ان تلك المحاولة كانت جديدة حقا بالنسبة لما كان قد نشر من قصائد.
لقد وجد قصيدة للوركا عنوانها:؟ أغنية يوم من تموز " فأحب ان يتغنى في شهر آب، لأنه قد يفيد من رمز تموز ما يجعل حلول آب أمراً محتما، ولعل الصلة بينه وبين لوركا لا تتجاوز هذا الحد كثيرا؟ فيما يتعلق بهذه القصيدة - وشهر آب متأجج بالحرارة، ومع ذلك فان جو القصيدة يوحي ببرودة شديدة.
وتفتتح القصيدة بموت تموز الذي يرمز للخصب الشهواني والحب ودفء النهار، قتله هذه المرة خنزير اسود هو الليل: " الخنزير الشرس "، الذي يبدو ظلامه نقالة إسعاف أو قطيعا من النساء ذوات العباءات السود؛ الجوع والبرد يسيطران أثناء الليل على الأجساد ألواناً من الدفء؛ فربة البيت تريد ان تذكي النار في جسدها بسماع موسيقى الجاز، وهي تحس ان " الليل شقاء "؟ وأمامها المربية الزنجية وهي " كالغلبة تربض بردانة " أيضاً. وتجيء الزائرات وقد تدثرن بالفراء؟ ذئبات يلبسن جلود ذئاب ويطيف بأثدائهن المتنمرة عرام النمور - ويأخذن في السمر فتلهب الأماني فيهن التوق ولكن الخيال لا يشبع:
стр. 272
ولهذا تأكل منه الضيفة وتظل جوعانة كجوع ربة البيت. وتتسلل الأحاديث مطيفة بمن خطبت ومن فسخت خطبتها، وهذه النار التي تأكل لحوم البشر نوع آخر من طلب الدفء حين يكون القمر نفسه مبتردا في الأفق، ورويدا رويدا تحس الضيفة بالبرد رغم تدثرها بالفراء، فقد اذكت القصص المثيرة النار في دمها ولكنها عادت فانطفأت؟ وتتسمع النساء على ما يحدث في الخارج فلا يسمعن إلا صوت الليل والجليد وعواء الذئاب؟ عندئذ تتوجه ربة البيت إلى زوجها ليأتي ويشاطرها شيئا من البرد (لأن الضيفة مبتردة أيضاً مثلها) فهي تريد ان تبعث الحرارة في دمها باغتياب الناس أي أكل لحومهم ثم حملها على نقالة الليل ودفنها في قلب زوجها الذي اصبح باردا كأنه مقبرة. وقد اسقط السياب جزءا من القصيدة كان قد نشره في الآداب (عدد أيار ١٩٥٦) ومن هذا الجزء نعلم أن الزوج في الخارج في بيت صديق أو بار، وان زوجته لا ترى مفاجأة في عودته سواء جاء في الموعد أو تأخر:
لا لوم عليه فقد أعطى ما اطلب منه ولا عتب ... خدم ورياش ملء البيت وأبهة؟. دنيا ونقود ... وفيه منظر للسيدات وهن يقرأن البخت على سطور فنجان:
ماس وبقيتها ذهب ... وهدية والدها؟ الله هدية والدها عجب: ... صياد بين يديه شباك ... تتلامح ملأى بالأسماك ... ذهب وزعانف من فضة ... ولآلئ توهم أن هياكلها ذهب ... وبأن لصائدها خضه ...
стр. 273
وتتعوذ مرجانة، ابةالرقى والتعاويذ، من عقد السحر " والليل الراكد بالخضر "، وهذا الجزء من القصيدة يزيد الصورة وضوحا ويفسر نداء المرأة لزوجها من بعد، ويضفي على حياة نساء الطبقة النترفة مزيدا من الوضوح ولكنه بفضح القصيدة لآنه يعتمد التصريح لا التلميح وخاصة عندما تتحدث ربة البيت عن عودة الزوج وهي يقظى مسهدة والضياء ينساب من شق الباب إذ يفتحه لدى عودته:
كالماء المالح اشربه ... حتى تتقطر اغواري ولذلك كان حذفها اشد انسجاما مع قوة الإيحاء؛ وفي رموز الذهب والفضة المتحولين إلى سمك والسمك الذي يحمل زعانف من ذهب وفضة ما يعد تراوحا صريحا بين الثراء الباذخ والجنس دون أن يكون في إحداهما تعويض عن الآخر لآن كليهما يمثلان شهوة نفس ظامئة إلى التعويض.
ولو أنا حذفنا كلمة " تموز " وقلنا " مات النهار " حين قتله الليل لما تغير شيء في القصيدة ظاهريا، ومع ذلك فان رمز تموز الذي لم يتكرر إلا كاللازمة المترددة يعد أساسا هاما في القصيدة التي تمثل كناية متقنة؟ تسلسلا ونغما - عن مدى الفراغ الذي تعانيه نساء الطبقات الغنية، وعن حاجتهن إلى رد الجوع (رغم كثرة الطعام) وصد البرد (رغم كثافة الفراء) لأن الجوع والبرد يعنيان هنا الحاجة إلى الدفء المستمد من الحب والعمل والرجولة، ولكن فقدان هذه الأمور يجعل البرد يسيطر على حياة البيت (كما يسيطر على مظاهر الطبيعة في الخارج) ويحيل كل دفء مصطنع دفئا قصير الأجل، فلا الفراء نافعة ولا الأحاديث عن المحبين ومغامراتهم مسعفة ولا أكل لحوم البشر بالغيبة يرد البرد القابع في العظام؟ ومن أين يجيء الدفء إذا كان قلب الزوج جبانة؟ ان القصيدة؟ كما ترى - تضخيم للفكرة في
стр. 274
" تعتيم " وتوسيع لحدودها، بحيث تخرج القصيدة من حدود الكتابة عن رغبة رجل وامرأة قادرين على تحقيق ما يريدان إلى التعبير عن الجوع المستبد بعالم المرأة لآن الخنزير البري قد طعن تموز طعنة قاتلة، وإذا رجعنا إلى الأسطورة القديمة عرفنا منها أن الطعنة قد أصابته في رمز الفحولة، ولذلك كان هذا البرد الغريب في شهر آب، وسيطر ذلك الجوع واصبح الليل " نهارا مسدودا ". فالقصيدة صورة لانبتار العلاقات أو رمز عن العنة التامة في عالم المظاهر الكاذبة والترف الزائف، وكل ما يتصل به، حتى المريبة الزنجية " كالغابة " تربض بردانة ". هل هذه القصيدة أصيلة أو انها صورة مستعارة؟ إن السياب لم يعودنا أن يكون الحوار كما هو هنا، ولم نألف لديه هذه النقلات الخاطفة، ولا هذه السخرية العميقة، ولا أمثال هذه الصور: " الليل نهار مسدود " و " كالغابة تربض بردانة " و " والبرد ينث من القمر فنلوذ بمدفأة من أعراض البشر " و " والظلماء نقالة موتى سائقها أعمى "؟ ولكنا؟ رغم البحث - لم نهتد إلى ما يصلح أن يكون أصلا لها، ويكفينا أن السياب نفسه سماها " محاولة جديدة " (١) .
وخلاصة ما هنالك أن المدى الذي حاول السياب ان يروده في قصائد هذه الفترة كان واسعا رحبا، وان إخفاق بعض محاولاته يكشف عن استعداد عنيد للتغلب على كل عقبة تعترض نهوضه بعبء الإبداع الفني، حتى استطاع في قصيدة " أنشودة المطر " والقصائد الكهفيات وفي " غارسيا لوركا " و " تعتيم " ثم على نحو غريب في " أغنية في شهر آب " ان يضع نماذج متنوعة لما تستطيع أن تحققه القصيدة
стр. 275
الحديثة، مهما تكن موضوعاتها متباعدة. لقد قدر للسياب ان ينشر جناحين عريضين يشرف بهما على أفق مديد، ولم يكن أسير نظرية محورية تملي عليه نفسها في صور متعددة؛ ولكن هل يستطيع الشاعر ان يظل فاردا جناحيه على هذا النحو مدة طويلة؟ أن من يتابع التطور الفني للسياب سيحس انه أصيب بالإرهاق وانه كان يسير بخطى سريعة إلى تضييق المدى، وكان ضيق المدى يشعره انه قد وجد ذاته مرة أخرى، وانه يريد العودة من دنيا الآخرين إلى دنياه الخاصة. وكان تأثره باديث سيتول مفيدا في البداية ولكنه غرس في نفسه بذورا لم يستطع التخلص منها في المرحلة التالية. ومن الهام أن نتذكر أن عمر الحديث عن العرب والقومية العربية لم يطل، ولكن الغربة عن جيكور كانت قد طالت: عشر سنوات قضاها الشاعر وهو يتحدث عن الحرب والسلام والمشكلات الاجتماعية في المدينة ومآسي القنبلة الذرية ونهضة المغرب العربي والعدوان على بور سعيد وحقارة المخبرين وعن غارسيا لوركا وعن خواء الطبقات الغنية، وفي تلك الأثناء خاض معارك آبية ومشاجرات يدوية وخطب في مؤتمر أدباء العرب في بلودان؟. أفلا يحق له أن يعود بعد كل هذا التطواف إلى جيكور؟
стр. 276
- ٤ -
سلال الصبار في بابل
стр. 277
فراغ
стр. 278
- ٢٤ -
بين النقد والصحافة
لم ينشر السياب في عامي ١٩٥٧، ١٩٥٨ إلا أربع قصائد: ثلاث منها في مجلة " شعر " البيروتية التي بدأت في الصدور عام ١٩٥٧، وواحدة؟ بعد فترة من الانقطاع - في مجلة الآداب (آب ١٩٥٨) ، وكان انفصاله عن مجلة الآداب عفويا غير ناجم عن نفور أو استياء، إذ ظل حتى تاريخ متأخر ينظر إلى المجلتين نظرة من يسوي بينهما، فهو يقول في رسالة إلى الشاعر أدونيس (علي احمد سعيد) لعلها من رسائل عام ١٩٦٠: " بودي لو أمكن نشرها (أي قصيدته) في مجلة شعر أو الآداب أو سواهما " (١) . وكل ما هنالك أن السياب كان بحاجة إلى مورد آخر من الرزق وقد أتاحت له مجلة شعر مثل هذا المورد، فتحول إليها تلقائيا، وابتعد عن الآداب بعض ابتعاد؛ وأراد القائمون على تلك المجلة أن يوثقوا صلته بهم، فدعوه إلى بيروت بعد ان نشر أول قصيدة في المجلة لإحياء أمسية شعرية؟ وكانوا يعقدون مثل هذه الحلقة مساء كل خميس -. وقد قضى السياب في بيروت عشرة ايان القى فيها بعض قصائده وكلمة عن الشعر في أحد مدرجات الجامعة الامريكية، وسجلت له الآنسة فايزة طه مقابلة إذاعية بثتها الإذاعة
стр. 279
اللبنانية، وتعرف إلى عدد من الأدباء في بيروت؛ وفي المحاضرة التي ألقاها السياب مقدمة للأمسية الشعرية تحدث عن الشاعر في العصر الحديث فرأى ان صورته المنطبعة في ذهنه هي صورة " القديس يوحنا وقد افترست عينيه رؤيا وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل، والحق ان اغلب الشعراء العظام كانوا طوال القرون أنماطاً من القديس يوحنا، من داتني إلى شيكسبير إلى جوته إلى ت. س اليوت واديث سيتول " (١) وقارن في تلك الكلمة بين الشعر والدين فوجدهما يتفقان في انعدام المفعية، وفسر إقبال الشاعر الحديث على الأسطورة فذهب إلى العلة في ذلك انعدام القيم الشعرية في حياتنا الحاضرة لغلبة المادة على الروح، ولهذا يلجأ الشاعر إلى عالم آخر يحس فيه بالارتياح ليبني عوالم " يتحدى بها منطق الذهب والحديد " وختم كلمته بقوله: " ما زلنا نحاول ونجرب ولكنا واثقون من شيء واحد: أننا سنمهد الطريق لجيل جديد من الشعراء سيجعل الشعر العربي مقروءا في العالم كله " (٢) .
ولست أناقش هنا آراء السياب، في هذه الكلمة، ولكني أود ان يتنبه القارئ فيها إلى هذا المنطلق " الروحاني " الذي يعتمده الشاعر في تصوره للشعر، وإلى مدى صلته بتلك الواقعية القديمة التي تحدث عنها في مؤتمر الأدباء، وإلى هذا الوصل بين الروحانية وصورة القديس يوحنا، فذلك مما قد يحدد معالم موقف جديد.
وحين عاد السياب من الربوع اللبنانية إلى بغداد كانت النشوة ما تزال تعمر جوانحه، وهذا ما يتمثل في أجوبته على أسئلة وجهها إليه أحد محرري العدد الأسبوعي من جريدة " الشعب " البغدادية،
стр. 280
حيث قال: " وقد استغرق إلقاء الشعر من قبلي ساعة من الزمن ولكن الجمهور طالب بالمزيد فألقيت عليهم قصيدة أخرى؟ ولكنهم أبوا إلا أن استمر في تقديم قصائد أخرى، وقد طلب واحد منهم (قصيدة) " المومس العمياء " ولما بينت لهم ان هذه القصيدة تستغرق ساعة من الزمن أجابوا جميعا: أننا مستعدون للسماع، هات ما عندك " (١) ، وتكاد النشوة تصبح نوعا من الغيبوبة الصوفية حين تسمعه يقول: " وفي تلك الجلسة قررت الجامعة الأمريكية؟ قسم اللغة العربية - الاعتراف بالشعر الحر بإدخاله في مناهج السنة القادمة "؟.. ولهذا جعل الصحفي عنوان " ريبورتاجه " مستعدا من هذه النشوة الغيبوبية حين كتب: " أخيراً اقتح الشعر الحر أبواب الجامعة الأمريكية "، والسامع عن بعد قد يجره هذا العنوان إلى الربط بين الفروسية واقتحام القلاع، وما كان السياب ذلك الفارس ولا كانت جدران الجامعة الأمريكية تلك القلعة، ولكن النشوة الغامرة ترسم أمام الذهن أخيلة عجيبة، وكان الزهو الذاتي والقطري قد اتحدا معا حين قال: " لقد ثبت لي أن الشعر العراقي على جميع ما هو موجود في البلاد العربية من حيث الكمية والجودة "؟ يرسل هذا الحكم بعد أن تعرف إلى عدد غير قليل من شعراء لبنان، وبخاصة المنتمين إلى مجلة " شعر ".
ووجد الصحفي في الشاعر نفسا متفتحة لإرسال الأحكام النقدية، ولم لا يكون كذلك وهو الذي يحمل آراء نقدية في الشعر والشعراء، فتحدث عن بلند الحيدري ومحمود البريكان وموسى النقدي وعلي الحلي وكاظم جواد، ولم ينس أن يغمز ديوان البياتي الأخير " المجد للأطفال والزيتون " وديوان نازك الأخير " قراءة الموجة " ويقول في هذا
стр. 281
الثاني: " نازك الملائكة اكبر من ديوانها "؟ وهو حكم غريب حقا - ثم أن يقول أخيراً في مهدي الجواهري، أنه " قد اخذ مكانه إلى جانب المتنبي وأبي تمام وهو اعظم من اختتمت به هذه الحلقة الذهبية من شعرائنا العظام البادئين بطرفة بن العبد والمنتهين بالمعري قبل الجواهري ". أما كيف انتهت الحلقة بالمعري ثم وجد فيها الجواهري بعد الانتهاء، فأمر يرجع فيه إلى قدرة السياب على فهم معنى البداية والنهاية، وحين يقول السياب: أن شوقي يبدو قزما إلى جانب الجواهري العظيم " فانه يمعن في تحكيم العلاقات الشخصية وبسط ظلها على مقاييس الأدب والنقد.
وربما صح أن نقف هنا على ما قاله في صديقه القديم كاظم جواد، لا لقيمة في الكلام نفسه وإنما لما أثاره من غبار، فقد قال في الشاعر الذي كان صديقا: " يبلغ قمة الإجادة عندما يكتب عن نفسه دون أن يقلد أحدا ولكنه يعتمد على لهياج في اغلب قصائده مما يفسد عليه إمكانياته "، ووقعت لفظة " الهياج " موقعا مثيرا من نفس كاظم فكتب في أحد الأعداد الأسبوعية من جريدة الشعب يتهم السياب بأنه استورد في رحلته قيما نقدية من لبنان، وان من حقه ان يفرض هذه القيم على نفسه ولكن ليس من حقه أن يفرضها على الآخرين، وقال كاظم: " فإذا كان الحماس في سبيل القضية العربية أو الفورة في سبيل الحق والانسانية، واذا كانت الصراحة يمكن أن تدرج تحت كلمة تهيج فانا فخور جدا أن أكون دائما من المتهيجين، أما انطفاء الآخرين، أما موتهم الكسيح، أما نهايتهم فلتدرج تحت ألفاظ الحكمة والتأني والفن الصحيح؟ " (١) ولم ينس كاظم ان يعلن عن ديوانه الذي يوشك ان يصدر وان يتحدى السياب بأن يثبت عليه التقليد في قصيدة واحدة
стр. 282
من قصائده، وهدد السياب بأنه سيتولى في القريب الكشف عن مصادر شعره " الذي رفعته يوما ما جهة معروفة في العراق والذي ترفعه الآن جهة معروفة في لبنان " (١) ونسي في غضبته كل حديث سابق عن الشاعر الذي لم يوف حقه من الشهرة (٢) . وكان رد السياب على هذه الثورة ذا طرفين، ففي الطرف الأول نشر قبل الرد مقالا عن عبد الملك نوري الذي كان كاظم جواد يقرن بينه وبين البياتي ويحاول تحطيم الاثنين معا، وجعل عنوانه " عبد الملك نوري القصصي الأول؟ عبقرية لم توف حقها من التقدير " وانتهى مقاله بقوله: " وانه لمما يخجلنا؟ أن تقوم بيننا عبقرية كعبقرية عبد الملك نوري دون ان نوفيها حقها من التقدير " (٣) ، وفي الطرف الثاني تناول كلمة كاظم جواد بالتفنيد فرأى فيها صورة " للتهيج " الذي إليه، وغمز من بطولته، وقرر أن قصيدة " لعنة بغداد " من شعر كاظم قد قسمت إلى شقق (لأنه شخص صريح!!) " فشقة للإخوان المسلمين وشقة للشيوعيين وشقة للاستقلاليين وشقة لأنصار السلام وشقة للقوميين "؟ يعني أن صديقه القديم (الذي اصبح المحامي الشاعر كاظم جواد) يغازل جميع الفئات السياسية في العراق؟ وتحداه أن يفي يتهديده فيكشف عن المصادر شعر السياب، وسخر من دعواه بان الشيوعيين رفوا من قدا شعره في العراق وأن " فئة جديدة " تحول أن ترفع شعره في لبنان فقال: " فأما عن الجهة المعروفة التي رفعت شعري في العراق؟ هذه الجهة التي
стр. 283
يتقرب إليها كاظم جواد نفسه عسى أن ترفع شعره - فالحق أن شعري لم يرتفع ألا بعد أن سخطت تلك الجهة المعروفة عليه وعلى، وأما عن الجهة المعروفة في لبنان التي ترفع شعري ألان فلم يبلغ بي التدهور بعد حد النزول ألى مثل هذا الحضيض، وليس في حياتي كلها مثل هذا الميل إلى النزول إليه؟ كما في حياة (بعضهم) " (١) . ترى ما هو الخضيض الذي كان لدى الشاعر صورة له حين اتهم بأن هناك جهة معروفة تحاول أن ترفع شعره؟ أن الدروس ليس من مهمته أبدا أن يكون طرفا في هذه الخصومة وما تثيره من اتهامات متبادلة، ولكن النظرة الموضوعية يستدعي أن نسجل بأن الحاجة المادية المرهقة لدى السياب (ولعل للحياة الزوجية هنا أثرها القوي في مضاعفة تلك الحاجة) لم تترك للسياب فرصة الاختيار، فأخذ يهتم بالمكافأة التي ينالها على جهده دون أن يتوقف للسؤال عن مصدرها، أقول: إنه كان في حاجة ماسة إلى ما تدفعه له مجلة " شعر " لقاء قصائده، ولكن ما كان يتقاضاه من وظيفته مع هذا الدخل الإضافي البسيط لم يكن يكفيه، ولهذا وجد نفسه يعمل صحفيا في جريدة " الشعب " وفي العدد الأسبوعي منها بوجه الخصوص، وهنا اترك للمحامي العبطة حق التعليق على هذه العلاقة بين الشاعر والصحيفة وذلك حيث يقول: " ان انتساب السياب للجريدة لم يرض الجهات الوطنية وسجل صفحة أخرى لا تناسب ماضيه وتجرده " (٢) .
ولا ريب في أن قلة قصائد هذه الفترة إنما تعود أولاً إلى استنزاف النشاط في الوظيفة وفي العمل الصحفي، فقد كان إلى جانب
стр. 284
عمله الرسمي يترجم للجريدة ويكتب في عددها الأسبوعي صفحة أديبة. وتتفاوت كتابات السياب في موضوعها فهي تتناول نقد القصاصين مثل عبد الملك نواري ومهدي عيسى الصقر، أو تصور شيئا من ذكرياته أو ترسم مقابلة صحفية أو تتناول صورا من الحياة في " اسكتشات " خفيفة، أكثر فيها مكتوب باللهجة العامية العراقية وخاصة في سلسلة عنوانها " أسبوعيات " أم رزوقي " وهي صور لا تعدو " الدردشة " والنقد الخفيف لبعض الجوانب في المجتمع، وليس في الصور ما يشير إلى نجاح في صياغة قصة قصيرة، وكان أخرها صدورا قبل يومين من نشوب الثورة في العراق (١٤تموز ١٩٥٤) .
ولعل من المفيد ان تتذكر قوله في نقد قصص الصقر: " أطال قصصه يبحثون عن الحب خلال بحثهم الدءوب عن الخبز، عن الحب الذي لا يكلف مالا ولا وقتا، عن حب يومي كالخبز اليومي؟ وبما اجتذبته حياة اللهو فيها (في المدينة) فترة من حياته، ولكن الريف الكامن في أعماقه ينتصر في النهاية، وتنتصر الحياة الزوجية المستقرة، بين بكاء الأطفال وضجيجهم الحلو، هذه الحياة التي يعرفها القرويون ويؤثرونها اكثر مما يعرف ويؤثرها أبناء المدينة " (١) ، فأن السياب هنا أما يرى ذاته في صفحة مهدي الصقر، ويتحدث عن قيمه وويتحدث عن قيمه ونتصاره أو ظمأه النفسي إلى ذلك الانتصار.
стр. 285
- ٢٥ -
ولكن..متى كنت شيوعيا
فيما كان بدر منصرفا إلى ملء الصفحة الأدبية في جريدة الشعب بدر دهشة " أم رزوقي "، انفجرت الدولة البوليسية التي أوجدها نوري سعيد، وضربت سياسة الأحلاف في الصميم؛ وكان عنصر المفاجأة في تلك الثورة مثار دهشة بالغة، أحد يتصور أنها ستقع حين وقعت، واليك ما يقوله أحد من درسوا هذه الثورة في وصف الفترة السابقة لها فورا: " لكن أولئك الذين كانوا الماضي ينتقدون ويحملون على العهد سكتوا الآن على مضض وامتنعوا عن الحديث في المواضيع حتى إلى اصدقائهم، إذ انعدمت الثقة واستشرى الخوف وامتد اليأس والقنوط فالإرهاب والفساد قد آتيا أكلهما وقاما بواجبهما ولم تبق هناك رغبة فورية بالثورة، كما كان الأمر قبل سنوات، وأي اضطراب سرعان ما يبلغ عنه وتتخذ اعنف الإجراءات لقمعه؟ واخذ الناس يهيئون عقولهم ويعدون أنفسهم لتقبل استمرار الأحوال الراهنة على ما هي عليه وخيل للجميع أن أي أمل ثورة ناجحة قد زال وانتهى " (١) .