منحها غمازتين. غير أنها تمتاز عن كل من عرفهن بأمور: فهي ليست بكماء الاستجابة كالفتاة القروية، وهي ليست تنظر إليه نظرتها إلى غر كما كانت تفعل ذات المنديل الأحمر، وإنما هي فتاة تحب الأدب وتعجب بالشعر، وتحسن الاستماع إلى الشاعر إذا هو تحدث عن عاطفته، وهي لا تتحرج في أن تلقاه في رحاب الكلية وفي خارجها، وأن تمنحه الفرصة لكي يتعمق المعاني في عينيها وابتسامتها، وأن يلقي شعره؟ فيها - على مسمعيها. ولذلك لم يكن من الغريب ان يحص بأنه إنما يعرف الحب لأول مرة، ويكتفي من دنيا بغداد؟ على رحبها - بباحات الكلية، وباليسر في شارع " طه "، لعلها تطل عليه، أو لهاها تحس من وراء الجدران بزفراته ولوعته. وربما شارك في الإضراب الذي ذكرناه لينبل في عينيها، ويرتفع عند نفسه وعند نفسها.
غير أن الإضراب جر إلى الفصل، والفصل أدى إلى الرحلة عن بغداد، إذ ليس في مقدور طالب فقير يجد مأواه في داخلية دار المعلمين أن ينفق على نفسه باستئجار مسكن في الخارج، وقالت له في آخر لقاء: " وافني بكل ما تكتب من الشعر.. عن طريق الآنسة فلانة " (١) . وعاد إلى " جيكور " وهو يحمل بين جنبيه وديعة حب جديد، ويصونها صيانة البخيل لجوهرة فريدة.
وكان شتاء قاسيا يجمع العبوس والحرمان من إتمام الدراسة والبعد عن الحبيبة الجديدة، وكان أول صدى لهذا الفراق قصيدة بعث بها " هواه البكر " عن طريق الآنسة فلانة؛ وكتبت إليه فلانة تقول: " يسرني أن أقول لك أن الآنسة (؟.) معبودتك قد أعجبتها قصيدتك تلك وهي متأسفة لما حل بك " (٢) ولكنه كان يحس بوطأة من المعاناة العاطفية لم يشهدها من قبل، ولم تكن هذه الكلمات لتخفف
стр. 72
الحقيقة الراعبة، وهي ان ابن العشرين يحس بأنه يضيع العمر في ارتقاب الليل ليسفر عن صبح، وفي تشييع القمر وعد الساعات الطويلة الثقيلة؟ الريف بعيدا عن الحبيبة يغل النفس ويحرج الصدر، وخاصة إن كان المرء قد احتجب عنه وجه هدفه:
ماذا جنيت من الزمان سوى الكآبة والنحول ... أو ارقب الليل الطويل يذهب في الصبح الطويل ... وأتابع الشمس المرنحة الشعاع إلى الأفول ... وأشيع البدر السؤوم يغيب ما بين النخيل ... لا مأمل لي بالكثير ولا رجاء بالقليل ... وأعد أيامي لأسلمها إلى الهم الثقيل ... وأعيش محروم الفؤاد من الهوى، عيش الذليل ... وأسرح الطرف الكئيب من التلال إلى السهول ... وأصعد الآهات دامية وأمعن في العويل ... ضاقت بي الدنيا وضقت بها كأني في رحيل ... في وهدة قفراء بح بجوها صوت الدليل (١) .
وأرسل إلى صديقه خالد مع هذه القصيدة قصيدة أخرى بعنوان " زهرة ذاوية " يخاطب فيها زهرة أخذت في الذبول ويقول لها " تفردت كالشاعر المستهام " وتبدو في سياقها العام وكأنما هي ترجمة؟ أو معارضة - لقصيدة إنكليزية. تلك ثلاث قصائد في أقل من شهر، ومع ذلك فانه يضيف في رسالته إلى صديقه: " فلا تزال لدي قصيدتان اجتماعيتان إحداهما تقارب التسعين بيتا والأخرى تزيد على الثلاثين، عنوان الأولى " غادة الريف " والثانية " رثاء فلاح " (٢) . وكم كنا نتمنى
стр. 73
لو عرفنا هاتين القصيدتين، لنرى السياب وقد اخذ في منحى جديد غير الحديث عن الحب وما يجره من يأس وتشاؤم، وقد وعد أن يكتب بهما إلى صديقه في رسالة ثانية، ولكنه لم يفعل، أو لعله فعل وضاعت الرسالة.
وقرر أن يخلد حبه الجديد في قصيدة طويلة، فأنصرف مدة من الزمن ينظم " نشيد اللقاء " حتى بلغت أبيات ذلك النشيد ١١٩ بيتا، وأرسله إلى الآنسة فلانة لتوصله إلى معبودته، ولتسرع فتنبئه عما تركه ذلك النشيد في نفسها من أثر؛ ومرت أسابيع دون أن يرجع إليه جواب " لا من الآنسة ولا من الحسناء التي أخبرتها بعنواني في آخر صفحة من صفحات الكراس المنكود " (١) واشتد به الألم المغص فتصور أن حبه قد مات، وعبر عن ذلك بقصيدة له " خب يموت " مطلعها:
اليوم بين مصارع الزهر ... والصبح يطفئ جانب القمر
حبي يموت وأنت لاهية ... لم يدر سمعك ضجة الخبر وبعد أن نفس بها عن كربه تأمل فيها وقال: " أحق أن حبي مات؟ لا وحبي ما مات حبي " ثم نظم بعدها بيوم قصيدة على وزنها بعنوان " ما مات حبي "، ويلفتنا في هذه القصيدة انه يعالج فيها تهمة تنقله من محبوبة إلى أخرى، فيجد أن النسيم أيضاً ينتقل ولكنه لا يستطيع ان يجاوز حدود الوجود:
أنت الوجود فحيثما انطلقت ... بي مقلتان ملكت منطلقي
سيان عندي مت من ظمأ ... ما دمت عبد هواك أو غرق
سيان عندي كنت في سحر ... ما زلت أنت سماي أو غسقي
روحي فداؤك بت راضية ... (٢) أني فديتك أو على حنق
стр. 74
ولعل جسر العشرين كان من اصعب الجسور التي أجتازها بدر فقد أحس انه يعبر حدا فاصلا بين عهدين، وهو لا يدري إلى أين تتجه به الاقدار؛ كان قد سمى المجموعة الشعرية التي رتبها في كراس " أزهار ذابلة "، وكان بعض رفاقه يلومه على هذه التسمية، وهو ما يزال في ريعان الشباب وعلى بداية الطريق المبلغ للآمال، ولكن حادثة فصله من دار المعلمين، قد ألقت به في مهواة يأس لا قرار لها، ولذلك فأن كلماته تنضح بالعذاب القاتل المروع وهو يخاطب صديقه خالدا بقوله: " أي خالد كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن اخفت نغمة اليأس في أشعاري وأمحو صورة الموت من أفكاري، حتى لا تسمع الآذان ركزا من تلك، ولا تبصر العيون خطأ من هذه، لكنني واحسرتاه عدت بصفقة الخاسر، وحظ الخائب، وقد نذرت نفسي للألم والشقاء واليأس والفناء؛ ما اجهل من لامني على ان سميت مجموعة أشعاري " بالأزهر الذابلة " ليته كان معي ليرى أن كل الكون: الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء، أزهار ذابلة؟ ذابلة في عيني الشاحبتين ونفسي الهامدة الخامدة " (١) .
ولم تسعفه القراءة كثيرا على العزاء، بل لعلها زادت في ألمه لأنها فتحت عينيه على مفارقة جديدة: كان يقرأ البحيرة للامرتين ويتنقل بين الخلجان والوديان والكروم وحوافي البحيرة وقنن الجبال والغيران الموحشة والشلالات الهادرة في صدوع الصخور من " سفوا " ويحس بضآلة الريف الذي كان يتغنى بجماله: " رباه اعطني مثل هذه السعادة وأن كانت قصيرة الأجل خائبة الأمل، فان من ذكرياتها ما يملأ فراغ الأيام وما يمنع الحب أن يزور من جديد " (٢) .
وضاق صدر خالد؟ على سمعته - بهذا الوضع المتردي الذي
стр. 75
انتهى إليه صديقه: أي هوى بكر وأي خداع نفسي وأي انخداع طوعي؟ ولم يقدر خالد أن الآلام التي يعانيها الشاعر مجتمعة؟ من إقصاء عن المدرسة ومن إخفاقات متلاحقة ومن فقر مستكلب القبضة ومن " فراغ وبطالة وسأم وخمود " إذا اقبل الصيف في منطقة البصرة - كلها كانت تتنفس دفعة وتنطلق تحت واحد اسمه " الحب "، فإذا أضاف الشاعر إلى ذلك الحب صفة " البكر " فذلك شيء حدث قبل أن يقذف به الإضراب فوق شوك البطالة والفراغ والسأم؛ ذلك شيء أراد به أن يبدأ عهدا جديدا فما ذنبه إذا أخلفت الأيام تقديره؟ ولكن خالدا ظن انه صارحه بما يعده حقيقة فأنه إنما يسدي إليه يدا حين يوقظه من غفلته. أن ربة الهوى البكر تعبث به ولا تحمل في نفسها أي تقدير لعاطفته، فلم هذا المضي في الطريق الذي ينتهي إلى غاية، لم هذا التعلق بتلك التي تفتح الباب " آونة فلا يكاد الطارق يهم بوضع قدميه على العتبة حتى يغلق دونه؟! " (١) .
وكان الرد المباشر على هذه الملامة عفويا طبيعيا: لا بد أن تكون لدى خالد شواهد يقينية تجعله يرسل هذا الحكم ويبني عليه اللوم، وقال بدر: " قد لا يصل بك فكرك الشاعر وخيالك الطائر إلى أن تدرك الأثر الصادم والأذى الكالم الذي تركته في نفسي كلماتك الزاجرة وأقوالك الساخرة؟. أرضاني هذا القول في أول أمره، ولكن ليل الريف الندي، تهب عليه أنسام الشمال التي أحسبها آتية من بغداد، أقول: لكن هذا الليل تسرق فيه الأحلام خطاها الخفية الواهنة مفضضة بالشعاع الباهت ينطف من نهر المجرة المختفي وراء الأبعاد هاج لي الألم واستنزل على صدري الخافق حسرت راعدة وآهات صاعدة، ضاق بها صدر الأفق الأرقط. ليت لي براعة شعراء الأرض جميعا لأصور
стр. 76
لك حلمي المقطوع، الحافل بالثمار الخالي من القطاف الباكي على الصورة الهاربة من الإطار؟ " (١) .
أما الرد الذي جاء بعد ترديد الفكر وتقليب الهواجس، وتحليل الحاضر على ضوء الماضي، فهو رد طبيعي، ولكن حين يصدر عن نفس مريضة: وكأن السياب يقول لصديقه بطريقة غير عامدة: لا أستطيع أن أعيش دون حب، ولو كان من طرف واحد، ولو كان؟ كما تسميه - خداعا ذاتيا، أريد حبا، مهما يكن حاله، فإذا لم تتوفر لي هذا الحب فأنا ميت لا محالة. ولهذا السياب يتصور فقد هذا الهوى البكر ويمعن في تهويل ذلك على نفسه ويمد في أسباب اليأس بينه وبين قلبه، فلما استسلم للنوم لم يجد راحته إلا في العودة إلى الأم، فرأى نفسه؟ في المنام - يرقد في قبر: " ضباب شفيف ترقص فيه مقبرة القرية، كأنها فوق جناح جريح، بنفضه الشوق إلى موضع خلال التلال، ثم يركن الرقص إلى سكون كثيب يحتضنه الغبش الحزين، وهناك عند السدرة النائمة قبر مستوحد غريب رأيت أني راقد فيه تحت الحصى والتراب في ظلمة بلهاء، مت أسعفها لون من الألوان، يكاد ثقل الثرى يخنقني خنقا، لكنني من برجي الدامس استشرف الدنيا يدغدغها الربيع الباكر، فأبصر الأوراق تنمو بطيئا بطيئا، والبراعم تتثائب كسلى عن الزهر الأبيض وعن ألوان لا تحصى، والعروق دافئة، يسيل فيها ماء الشباب تزحم جوف الثرى، فأهتف من أعماق اللحد البارد: رباه، أفي الربيع النضير يطويني القبر؟! " (٢) .
أن هذا الحلم يتحدث عن نفسه دون أن يحتاج تفسيرا، كل ما هنالك أن النخلة الفارغة أصبحت " سدرة نائمة "؟ وهما سيان -،
стр. 77
وتتقابل في هذا الحلم صورتنا الموت والحياة، ولكن العقل الباطن يجد العودة إلى القبر؟ إلى الأم (أو السدرة النائمة) هي الحل الوحيد لما يعانيه صاحب هذا الحلم في الحياة؛ أن الكلمات الزاجرة التي أرسلها صديقه فوق رأسه، لا تحل مشكلة مستعصية، ولذا واجهها بعملية انكماش وتقلص وتقوقع في جوف الموت، في " رحم " الأرض حيث تنبعث الحياة أيضاً، " والعروق دافئة يسيل فيها ماء الشباب ".
وعندما أفاق لم تكن الحاجة إلى الانزواء المتقلص، إلى النجاة من الحاضر المؤلم (حيث خداع الحبيبة وزجر الصديق) ؟ أقول: لم تكن الحاجة إلى ذلك قد فارقته، ولهذا شفع الحلم السابق بحلم آخر إلا انه من وحي اليقظة. أليس من الممكن أن يفر المرء من واقعه إلا إلى ذلك الكهف المظلم؟ أليس هناك ما يحل المشكلة دون موت؟ بلى؛ ليرجع بدر إلى الماضي الذي حاول أن ينساه فانه هو قوقعته الأخرى في حال اليقظة. اسأل نفسك ما معنى الحاضر تجده يتلخص في فتاة تنتمي إلى المدينة وتحسن من أساليب الأخذ والعطاء ما لا يحسنه ريفي ساذج، ومثل هذا الحب لا يفي بالنقاء والطهر، فما اجمل العودة إلى الريف، منبع الصفاء والنقاء والود الخالص؛ ومرت من أمامه ريفية حسناء فخفق قلبه: هذا هو؟ دون ان يحس بأنه يتداوى من الداء بالداء - شفاؤه من مشكلته التي تبدو مستعصية، وفي لحظة خيل إليه انه محب وأن حبيبته ريفية: " أجوز في هذه الأيام تجربة لذة أو قل: وقعت في حب جديد، من نوع جديد، لا خبرة لي به من قبل؟. انه الحب الريفي الخالص العريق في ريفيته يسف دون أن يلامس التراب، ويسمو فلا يجوز السحاب، هذا الحب الرائع تؤطره أجواء قروية من الطبيعة والأزياء والأساليب من مواضع اللقاء وخلوات الغرام، من مراحله اللذة إلى نهايته المتوقعة، زواج المعبودة، أو افتضاح الحب، وحبس الطائر في قفصه.. كل تلك الأشياء ابذل كثيرا من الوقت في
стр. 78
سبيل هذا النوع الساحر من العشق؟ آه لو فرغت من كل شاغل، لأبرزت هذا الحب في قصيدة تجعل ساكن المدينة يشتاق لو غاص بكل روحه في قرارة هذا الهوى الريفي؟ أنها الآن تمر أمامي رائحة من الحقل، اضطرت أفكاري فلا أستطيع إكمال الحديث " (١) .
وليس بعسير على من يقرأ هذه السطور أن يجدها تمثل أمنية أو حاجة إلى حب جديد يخلص الشاعر من تعقيد المدينة بل يجعل " ساكن المدينة " يحسده عليه، أما أنها كانت حبا حقيقيا فأن شواهد الحال؟ كما سيتضح في هذا السياق - لا تدل على ذلك؛ كان الحب الجديد " فكرة " أو موضوعا شعريا صالحا لأن يبرز في قصيدة، وكانت الدواعي تحفز إلى إبرازه في إطار شعري، بل أن السياب نفسه رسم هذا الإطار: " روضان جاران؟ وفتى وعذراء وطفلة أو طفل هذا مسرح القصة وهؤلاء هم ابطالها، وقد يزيد الأبطال عددا؟ غادة أخرى أو غادتين، زهرة في ورقتين عطريتين تحيطها الأكمام " (٢) . أما الدواعي التي تحفز إلى تحقيق هذا الإطار في عمل فني متكامل فكانت تتصل بقصة سابقة لهذا التاريخ، أرجأنا الحديث عنها، لنكفل لها الوضوح عن طريق المقارنة.
وتتخلص تلك القصة في أن السياب كان قد تعرف؟ من خلال المترجمات - إلى الشاعر بودلير، فقرأ شيئا من قصائد " أزهار الشر " وشيئا من سيرة الشاعر نفسه، ورأى صورا فتنته وهالته في آن معا، ووجد تجربة حب لا عهد له بمثلها، فأوحى ذلك إليه؟ وكان سريع الاستيحاء - أن يكتب قصيدة يصور فيها الحب الآثم وينتصر في الوقت نفسه للحب الطاهر، وإهدأها " إلى روح الشاعر بودلير "، فجاءت قصيدة طويلة قيل أنها تناهز ألف بيت؛ ويبدو أن القصيدة حين اكتملت
стр. 79
وتم لها ذلك الطول المرهق، نالت إعجابه؟ وربما نالت إعجاب من سمعوا بعض مقاطعها من رفاقه - فأحب ان تكون فاتحة شهرته على نطاق واسع وعنوانا على مقدرته وشاعريته، فأرسلها مع السيد فيصل جري السامر إذ كان مسافرا إلى القاهرة ليسلمها إلى الشاعر علي محمود طه؛ وكان الوجه الظاهري للأمر انه يريد رأي شاعره المفضل في قصيدته المفضلة، ولكن الحقيقة هي انه كان يرجو أن تنال القصيدة إعجاب المهندس فيقدمها إلى إحدى دور النشر. غير أن القصيدة نامت في أحد الأدراج بمنزل المهندس مدة طويلة من الزمن، إذ لعله تسلمها سنة ١٩٤٤ وها هو بدر في ١٣ - ٦ - ٤٦ يقول لخالد: " لست ادري أتستطيع أن تكتب إلى فيصل جري كي يأخذ ملحمتي من علي محمود طه أو تكتب إلى الشاعر نفسه ".
لقد بقي من هذه القصيدة (التي تحمل تاريخ ١٢ - ٢ - ١٩٤٤) أبيات غير كثيرة، يتحدث السياب في أولها على لسان الشاعر المفتون بالجسد والغواية الكافر بالفضيلة المؤمن بالشهوة المشبوهة، حتى إذا بلغ إلى قوله: " ولأحقرن الروح " جاءه الرد:
؟ لست بقادر ... فارجع بروحك عودة المتندم ثم تندرج بقية الأبيات في تقريع هذا الفاجر الداعر وإنذاره بعاقبة مشئومة؛ ولسنا نعتقد أن المهندس أهملها لأنه لم يعجب بمستواها الفني، وأن كانت الأبيات المتبقية لا تدل حقا على إنها كانت قادرة على أن تلفت الأنظار للشاعر الناشئ، وإنما قد يكون ذلك محض قلة اكتراث عارضة أو تهربا من المسئولية في تقديم شاعر لم يلمع اسمه بعد، أو عجزا عن إيجاد الوسيلة الملائمة لإظهار القصيدة؛ ويمكن أن يفترض المرء في هذا المقام فروضا كثيرة، ولكن مهما يكن حظ تلك الفروض فإنني اعتقد أن الشاعر الشاب اخطأ مرتين: مرة لأنه حاول موضوعا
стр. 80
غريبا عنه غير داخل في تجربته؛ صحيح انه انتصر للروح ولكنه كان يريد أن يصور بعنف موقف الجسد، وهو منطقة محرمة حتى ذلك الحين في نظرته الرومنطقية الحالمة، ومرة ثانية حين اختار شاعرا ليقدمه إلى المجتمع، وشاعرا مثل علي محمود طه بالذات، ليس ممن يؤمن بالمريدين والاتباع، ولا يهمه أن يعرف بتبني هذا الاتجاه الشعري أو ذاك.
وكان التفاته إلى الجسد في تلك القصيدة ثم شعوره بأن إهمال شاعره الأثير لها يعني إخفاقها، ثم حنينه إلى الماضي الذي فارقه قبل عام أو أزيد قليلا؟ كل تلك كانت هي الدواعي لأن يقوم بكتابة قصيدة جديدة يصور فيها نقاء الحب كما يمثله الريف الطاهر العفيف، فهو أقدر على تصوير ما يحب، وهو يحاول أن يتجنب ما قد يسمى إخفاقا في المحاولة السابقة، وهو بذلك يقيم التعادل الطبيعي في نفسه حين ينظم ملحمة تضاهي؟ بل تفوق - ما سماه " ملحمة " الروح والجسد.
وأغلب الظن أن القصيدة التي تصور الريفي ظلت خاطرة جميلة لم تتحقق فقد أدركه العام الدراسي الرابع في دار المعلمين، دون ان ينظم منها شيئا؛ كانت تعلة إلى حين تنسيه المدينة وفتياتها " العابثات " بالقلوب، فلما عاد إلى المدينة وجد نفسه أسير دروبها وشعابها وقواعد الحياة فيها.
غير انه قبيل هذه العودة كان قد حرر نفسه؟ في لطف ودون صحب ودون أن يخدش وجه المودة - من أستاذية خالد: وأحسب بأية افتراق الطريقين تبدأ من هنا، فقد كان خالد ما يزال يؤمن بالقصيدة ذات القافية الواحدة، فكتب إليه بدر قصيدة بعنوان " نهر العذارى " يعارض بها قصيدة " النهر المتجمد " لميخائيل نعيمة، وجعل كل
стр. 81
بيتين منها على قافية (١) ؛ وكان خالد يحاسبه كثيرا على ما يتلبس شعره من غموض، فما كان منه إلا أن كتب إليه بعد تلك الرسالة الزاجرة: " كنت في كثير من الأحيان تأخذ علي الغموض في شعري ولكني أدركت الآن ان ذلك الغموض كان العقدة المسحورة التي أوجدتها يد العاطفة في ساعة جنون، إذا انحلت فقد الطلسم ما كان يحمل من تتمان ".
وحين عاد إلى دار المعلمين، أحس بنفسه مبلغ الصدق في نصيحة خالد، ذلك أن عودته فتحت عينيه على آن " الهوى البكر " كان ضوءا خادعا في دجى اللهفة والحرمان والتعطش إلى حب؛ صدق خالد، هذه فتاة يهمها أن يكون أتحد المعجبين بها شاعرا يحرق نفسه وقريحته قربانا بين يدي جمالها على ان يظل هذا الجمال بمنأى عنه كالنصب النائي الذي لا تستطيع ان تلمسه أيدي العابدين. وفتر سطوع ذلك الضوء الخادع أمام عيني بدر، وانماثت قداسيه رويدا رويدا دون أن يترك ذلك في نفسه ألا ندبا صغيرا يرتسم إلى جانب تلك الندوب التي خلفها البحث المخفق عن الحب؛ ومن المفيد أن نتذكر آن بدرا لم يخص هذا الهوى الضائع (رغم انه كان بكرا في روعته عند البداية) بقوله رثاء آو بذكرى آسى، إلا حين عد سرب الحبيبات في صحوة الموت واسترجاع الذكريات؛ وإنما تحول في لطف يرتقب: " المنتظرة " التي لا بد أن ينفتح عنها ستار " المسرح " لتمثيل دورها المرموق في حياته. وحين وجدها لم يعد الحب لهبا وجدانيا وحسب، بل اصبح رابطة نضال، إذ أزاح الفتى جانبا من القناع الذي كان يستتر وراءه تحويله الخطير، وإذا هو يدين بالانتماء للحزب الشيوعي. إن قصة الحب لم تنته بعد، ولكن من الخير أن نعود قليلا في الزمن إلى الوراء، على أن نرجع إلى قصة الحب مرة أخرى.
стр. 82
- ٧ -
الانتماء الشيوعي
لا يذكر بدر؟ فيما لدي من وثائق - تاريخ انتمائه للحزب الشيوعي، وقد سألت عنه أخاه مصطفى فصمت في حيرة ولم يجب. غير أن بدرا يذكر أنه ظل يعمل في صفوف الحزب مدة ثماني سنوات، وأن ارتباطه به بدأ يضطرب ويهتز بعيد حركة مصدق، فإذا صح ذلك كله كانت أواخر سنة ١٩٤٥ أو أوائل التي بعدها تصلح تاريخا لبداية ذلك الانتماء، غير أن كلامه عن بعض ذكرياته يوحى بأنه انتسب للحزب قبل ذلك بكثير، أي في فترة حرجة من الحرب العالمية الثانية إذ يقول: " وصرنا نبث الدعاية وللشيوعية جنبا إلى جنب مع الدعاية للنازيين: سوف ينتصر المحور على الحلفاء وسوف تنتصر روسيا معه (؟) وستعم الشيوعية العراق فبشرى للفقراء، بشرى للفلاحين الجائعين؟ الخ " (١) . وربما كان هذا حماسة ساذجة لا تدل على انتماء عملي، لان فيه خليطا من المشاعر المتضاربة.
ويتحدث عن انتسابه للحزب؟ دون أن يعين تاريخا - بقوله: " وكان لعمي الأصغر (عبد المجيد السياب) صديق يتردد عليه في القرية بين حين وحين، صديق إيراني الأصل يحب أدب جبران خليل جبران
стр. 83
ومي زيادة ويتحدث عن الديمقراطية والشيوعية ودولة الكادحين؟ لقد كان حديث علوان الذي قتل فيما بعد في سجن الكوت طليا، وكنا نقره في كل ما يقول، وذات يوم سمعناه يتحدث إلينا عن الحزب الشيوعي العراقي الذي يعمل سرا، وعن قائده العظيم الرفيق فهد الذي لا يعرف اسمه ولا شخصه أحد؛ وفي أحد ايام الجمعة دعانا إلى بيته وأخرج لنا استمارات الانتماء إلى الحزب الشيوعي: استمارة لعمي عبد المجيد، وأخرى لعبد الدايم ناصر وثالثة لي، واخترنا لنا أسماء مستعارة وملأنا الاستمارات؟ وهكذا أصبحت لا مجرد شيوعي وإنما عضوا في الحزب الشيوعي العراقي " (١) .
وقد يصح ان اشتراكه في المظاهرة التي فصل على أثرها بداية نشاطه العلني في هذه الناحية، فأما إذا أوغلنا في التاريخ، فأننا يجب أن نفترض أن السلبية التي سجلها عليه عارفوه أول عهده بحياة بغداد ودار المعلمين إنما كانت دهاء عجيبا منه في اختفاء دوره الحقيقي، وهذا ما لا يتفق مع طبيعته الانفعالية التي تجر إلى إبراز منتماها بيسر وسهولة.
وكان وراء دخوله الحزب عوامل كثيرة، وربما لم تكن النقمة السياسية هي اقوى العوامل ولا كانت النزعة الإنسانية لإنصاف الفقراء والمظلومين من أقواها، وإنما يجب أن تتصور روعة الإقدام على المجهول والعمل في الخفاء، وعامل السأم من الموقف السلبي الذي كان يفرده بين أقرانه في الكلية، والإعجاب بشخصية احمد علوان، وسهولة انقياده لعمه عبد المجيد؟ الذي كان كما يروي مصطفى شديد التأثير في بدر رغم انه اصغر منه سنا - كل تلك مجتمعة هي التي حببت إليه ذلك الانتماء، وجعلته يرفع الشعار الجديد.
ويجب إلا ننسى أيضا الجو العام في الحياة السياسية بالعراق حينئذ
стр. 84
فانه كان يمهد الطريق أمام الشباب للاتجاه نحو اليسار؛ كان انتصار روسيا في الحرب قد وسع نطاق الملتفين إليها، وكانت السياسة العراقية مشلولة، والأحزاب معطلة، وكان الناس في كثير من نواحي العالم يتطلعون إلى حياة افضل؟ في فترة ما بعد الحرب - إلا العراق فأنه كان يزداد غرقا في الركود (١) فاستطاع فهد (يوسف سلمان سوسف) ان يعقد مؤتمرا للحزب عام ١٩٤٥ وأن يصدر " البيان القومي " وأن ينظم لجنة مركزية أصبحت تضم بالإضافة إليه زكي بسيم وحسين محمد الشبيبي وكريكور بدروستان وعبد تمر ومالك سيف وملا شريف وسامي نادر (٢) ؛ وكانت جريدة " الشرارة " ثم " القاعدة " هي التي تنطق بلسان هذه الجماعة. وفي العام نفسه تألفت عصبة من يهود العراق لمناهضة الصهيونية وكانت تصدر صحيفة علنية تسمى " العصبة " وغايتها؟ فيما أعلنته - أن توضح للشعب الفرق بين اليهودي والصهيوني وتعمل على تخفيف الكراهية بين الطوائف (٣) ؛ وكانت لهذه العصبة جريدة سرية تسمى " وحدة النضال "، تعبر عن المبادئ الشيوعية للعصبة؛ والحق أن تأليف هذا الحزب الشيوعي اليهودي إنما تم لعجز اليهود حينئذ عن الدخول في حزب " فهد " إذ كان " فهد " يتخوف من اليهود ويشك في إخلاصهم، هذا إلى ان انتماءهم للحزب قد يبعد ممثلي الأكثرية عنه ويجعله قاصرا على الاقليات. غير ان (فهدا) نفسه عاد ليعرض عليهم دمج الحزبين في حزب واحد، على ان يكونوا أعضاء بسطاء في الحزب الموحد، فلا يحتلوا مراكز هامة فيه. ووجد اليهود ان هذا الشرط لن يحول بينهم وبين ما يريدون إذا هم ضمنوا لأنفسهم سيطرة معنوية داخل الحزب، فقبلوا الانضمام إلى
стр. 85
حزب " فهد "، وسرعان ما لمعت أسماء ساسون دلال ويهودا صديق وغيرهما، واحتلوا مراكز هامة في الحزب. وقد فسر بدر هذا خير تفسير حين قال: " فأصبحت ترى خلية شيوعية منظمها عبد تمر مثلا، وهو نقابي قدير لا أكثر، وتضم ساسون دلال عضوا بسيطا فيها، وكان ساسون دلال ممن درسوا الماركسية وتضلعوا فيها؟ وكان عبد تمر يقف مشدوها وهو يرى إلى معلومات ساسون أو ثقافته الماركسية الواسعة وإلى جهلة هو " (١) .
ولا ريب في أن بدرا كان عضوا في الحزب أثناء الفترة التي قضاها مفصولا من دار المعلمين (أي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام ١٩٤٦) ، بل هو يقول إن عمادة الكلية كانت قد عرفت فيه انتماءه للحزب وأنها كانت تشدد الرقابة عليه مما قد يشير إلى أن فصله نفسه اقترن بتهمة الانتماء إلى الشيوعيين.
وفي شهر تموز (يوليه) سنة ١٩٤٦ (وكان السياب ما يزال قابعا في قريته) أعلنت الحكومة عدم شرعية العصبة، وعطلت صحيفتها واعتقلت رؤساءها، وكان من بين أعضائها البارزين نعيم طويق فأمره الحزب أن يلجأ إلى قرية السياب " وكانت يومذاك حصنا منيعا من حصون السيوعية ". يقول السياب: " وجاءنا نعيم فهيأنا له مكانا في أحد بساتين النخيل، وكنا نقضي كثيرا من أوقاتنا في الجلوس معه والاستفادة من معلوماته في المادية الديالكتيكية والشئون الحربية، وزعمنا لأبناء القرية انه صديق من أصدقائي في دار المعلمين وأن اسمه محمود؟ " (٢) .
في ذلك الشهر نفسه كان بدر يتحدث في رسالة إلى صديقه خالد
стр. 86
عن حلمه وأنه رأى نفسه في القبر، ويتحدث عن الحب الريفي وأنه يريد أن يخلده في قصيدة طويلة، ويطلب إليه أن يخبره: " عنها وعنها وعنها، ألم ترهن أو تسمع عنهن ركزا؛ لعلي شوهت وجه الحقيقة بأن انقضت عددهن إلى ثلاث ". وفي ذلك الشهر نفسه نسمعه يقول عن حياته في القرية وفي صحبة الضيف المتوالي عن الأنظار بين نخيلها: " وفي ذات ليلة عقدنا مجلسا من مجالس الطرب في بستان آخر ودارت علينا الخمرة حتى سكرنا " (١) .
أن أي متأمل سيلحظ، ولا بد، ذلك الانقسام أو الازدواج في طبيعة بدر يومئذ، فهو ينتمي إلى حزب ينظر إلى المستقبل بتفاؤل، ويبني منهجه على قوة النضال، ويؤمن بالفرد ما دام في خدمة المجموع، ويتجه بكل طاقاته نحو الحياة، وبدر يمارس هذه الأمور " رسميا " باسم البطاقة التي يحملها، فإذا جن الليل وأخذ القلم ليكتب قصيدة أو رسالة تحدث عن الضياع أو عن الأحلام الفردية أو عن الموت، ونسي كل شيء سوى انه محروم من المرأة التي يحب. وفي عدم الاندماج بين هذين الطرفين يكمن السر كل السر في رفضه للشيوعية من بعد، وان تدخلت عوامل أخرى قوت لديه العزم على الانفصال.
على أنا يجب أن ننصفه، فانه رغم ذلك الازدواج، حاول جاهدا ان ينضوي تحت راية الحزب وان يعمل من اجل مبادئه بإخلاص، وكان في السنوات التي امتدت (بين ١٩٤٦ - ١٩٥٠) يستطيع أن يعيش؟ دون أزمة نفسية قوية - ممسكا رايتين متباينتين واضعا كل راية في يد، بعيدة عن الأخرى، وهو لا يحس بكثير من التناقض أو الاضطراب.
ولما انتهت العطلة الصيفية (١٩٤٦) وانتهت معها مدة الفصل عاد
стр. 87
إلى بغداد وكان أول عمل قام به حين وصلها أن زار الرفيق حسين الشبيبي الذي كان موقوفا مع عدد من الرفاق، وتناول الغداء مع الموقوفين، وتحدث إلى حسين عن النشاط الشيوعي في البصرة وأبي الخصيب وزوده حين بنصائح وتعليمات وكان في ما قال له: " لقد تخرج جاسم حمودي فاستلم أنت مكانه في الدار "، وفرح بهذه المهمة الموكولة إليه ثم وجدها عبئا أثقل من أن يحمله جسمه النحيل فذهب إلى الرفيق يهودا صديق وطلب إليه ان ينتدب لتلك المهمة طالبا غيره (١) ؛ وكان تخيله رغبة منه في أن يضمن لنفسه القدرة على الاستمرار في الدراسة، فاستطاع أن يفوت على سلطات الكلية الإيقاع به، ومارس نشاطه الحزبي بشكل هادئ لا يلفت إليه النظر، دون أن يتغيب عن اجتماعات الخلية الطلابية؛ وظل على صلة وثيقة بصحيفة " القاعدة " التي أصبحت تنطبق باسم الحزب، وبكل منشور من منشوراته (٢) ؛ بل انه وفئة الرفاق في دار المعلمين نظموا مظاهرة حزبية (لعلها أواخر سنة ١٩٤٦) ، فذهبوا إلى مقهى على دجلة، ورسموا الخطة التي سيعتمدونها في توجيه المظاهرة، وكانت تقضي بأن يكون المتظاهرون مسلحين بالعصي؟ فاشتروا حزما كبيرة من الخيزران من السوق المجاورة للمقهى - وأن يتحشد عدد من الرفاق عند موقف أحد الباصات كأنهم ينتظرونه، حتى إذا جاء الباص تركوه يفوتهم وركضوا كأنهم يحاولون إدراكه، وعلت هتافاتهم وهم يجرون، وتساتلت إليهم من هنا ومن هناك جماعات عينت لها مراكزها، ولكن أخبار هذا الاستعداد تسربت إلى الشرطة، ففاجأت المظاهرة من المؤخرة، وقد تشابكت أيدي المتظاهرين كي لا يحدث أحد نفسه بالفرار، ولكن ما كادوا يحسون بالشرطة من ورائهم حتى ولى أكثرهم هاربا، وهرب الرفيقان اللذان كانا قد شبكا
стр. 88
يديهما بيدي بدر، في نترة مفاجئة، فسقط على الأرض وجرحت يده، ولما نهض رأى الرصيفين على جانبي الشارع يغصان بالشرطة، فتمالك نفسه وأخرج سيجارة وأشعلها، ودس يده المجروحة في جيبه، ومر في هدوء من أمام الشرطة فلم يلقوا إليه بالا، لآن هدوءه قد غطى على حقيقة موقفه (١) .
كان فهد خلال عام ١٩٤٦ قد وقف جل جهده على تحقيق غايتين: أولاهما تقليل الانقسامات بين اليساريين أو توحيد الجماعات اليسارية معا في جبهة واحدة، وإحراز الاعتراف الرسمي بالحزب، وقد ظلت الخطوط تنعثر في تحقيق الغاية الأولى إلى أن اعتقل في أوائل ١٩٤٧، فحدث تقارب بين حزب فهد وحزب الشعب (أو الأغلبية فيه) ، والجناح التقدمي في الحزب الوطني الديمقراطي وجماعة زكي الخيري وشريف الشيخ التي كانت قد انشقت عن حزب فهد من قبل، أما الغاية الثانية فلم يتم له تحقيقها أبداً، وعندئذ لجأ إلى استغلال واجهة خارجية للحزب عن طريق ما يسمى بحزب التحرر الوطني (جماعة السبيبي) ، فقد طلب إلى جميع الشيوعيين الانضمام إلى هذا الحزب، كما طلب إلى كل عضو عامل في حزب التحرر الوطني الانضمام إلى الحزب الشيوعي. وكان فهد يرجو ان يفيد من حزب التحرر في تنظيم لجان الطلبة واتحادات العمال (٢) ، وقد جاء اعتقال فهد وكثير من أعضاء حزبه أثر تسلم نوري السعيد للوزارة (واستقالة وزارة أرشد العمري) في الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٤٦؛ فقد بدأ نوري عهده بسياسة قمعية شديدة غايتها استئصال الشيوعية من جذورها، وأطلق رجاله لمباغتة كل وكر من أوكارها في الألوية المختلفة، وكانت ثمرة هذه
стр. 89
الحركة اعتقال فهد والأعضاء البارزين من حزبه (١) . وقدم المعتقلون للمحاكمة في شهر آذار (مارس) من ذلك العام، وكانت التهمة الكبرى الموجهة إليهم هي الصهيونية، ولعبت شهادة مالك سيف أحد أعضاء حزب فهد دورا هاما في إدانة المعتقلين وفي كشف كثير من الأسرار، وصدرت الأحكام في حزيران بإعدام فهد واثنين من رفاقه ثم حول الحكم إلى السجن مدى الحياة. ومن داخل السجن أخذ فهد يوجه شئون الحزب معتمدا في ذلك على اتصاله بيهودا صديق وكان قد اصبح سكرتير اللجنة المركزية الثانية (٢) ، ولكنا نلمح أهميته في التنظيم العام للحزب من قول بدر الذي أشرنا إليه من قبل: " وبعد أيام اتصلت بالرفيق يهودا صديق ان ينتدب لهذه المسؤولية غيري " (٣) .
ولا نحسب ان بدرا في تلك الفترة فارق نشاطه اليساري أو فتر فيه؛ إلا أن الأحكام بالسجن على زعماء حزبه صدرت وهو يتأهب للعودة إلى قريته في إجازة الصيف، ثم تنبهم أخباره دون أعييننا في تلك الحقبة من السنة؟ على غير ما تعودنا - وذلك لان رسائله إلى خالد؟ أن كان ثمة رسائل - قد فقدت، ولم تبق منها إلا رسالة واحدة (بتاريخ ٢٠ - ٩ - ١٩٤٧) يكلف فيها صديقه قضاء مهمة تتعلق بمصطفى السياب؛ ويهمنا قوله في آخرها: " عندي شعر كثير؟ جدا، سأقرؤه عليك في أوائل الشهر القادم، يوم ١ أو ٢ منه ". وقد كانت تلك الرسائل حرية ان تحدثنا بشيء واضح عن نشاطه الفني وان كان يتجنب
стр. 90
فيها كل حديث عن الجانب السياسي، لا لأنه كان يخشى الرقابة وحسب، بل لأن صداقته لخالد بفكرة سياسية معينة، أو قل إن صداقتهما كانت خارج نطاق المشاركة في رأي سياسي واضح المعالم.
ولكن أين هو الشعر الكثير الذي قاله في هذا العام الدراسي وفي الإجازة اللاحقة به؟ إننا لو قدرنا أن كل ديوان " أزهار ذابلة " وبعض " أساطير " يمثلان هذه الفترة لما كان ذلك كثيرا، ومع فانا نصدقه في قوله ان لديه شعرا كثيرا، ذلك انه كان ذا قدرة عجيبة على الإكثار من الشعر، ولدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدة بعنوان " هل كان حبا " ظهرت في ديوانه الأول، ولهذه القصيدة أهمية خاصة عند الشاعر فانه يؤرخ بها بداية اتجاهه إلى الشكل الحديث في الشعر (١) ، وهي إذا توخينا الدقة لا تمثل شيئا من ذلك، وكل ما فيها تفاوت بسيط في عدد التفعيلات كقوله:
العيون الحور لو اصبحن ظلا في شرابي ... جفت الأقداح في أيدي صحابي. ... فالبحر هو الرمل، والشطر الأول يحتوي على أربع تفعيلات والثاني على ثلاث، ومن طبيعة الرمل أن يتيح هذا التفاوت تاما ومجزوءا، وليس فيها بعد ذلك من حداثة الشعر الا هذا المظهر البسيط.
وفي ديوانه " أساطير " قصيدة مبكرة من نتاج العطلة الصيفية (١٩٤٧) بعنوان " سجين " وهي تصور ان ذراعي الأب تحولان دون لقاء المنتظرة:
وطال انتظاري كأن الزمان تلاشى فلم يبق إلا انتظار ... وظل يتساءل " أألقاك "، مؤمنا أن لا بد من ساعة.. من مكان " لروحين ما زالتا في ارتقاب ":
стр. 91
سألقاك أين الزمان الثقيل ... إذا ما التقينا وأين العذاب
سينهار عن مقلتيك الجدار ... وتفنى ذراعا أبي كالضباب ثم يهتف:
لينهد هذا الجدار الرهيب ... وتندك حتى ذراعا ابي
أحاطت بي الأعين الجائعات ... مرايا من النار في غيهب
إذا استطلعت مهربا مقلتاي ... تصدى خيالان في مهربي
فأبصرت ظلين لي في الجدار ... أو استوقفتني ذراعا ابي فهذه القصيدة معلم هام في حياة بدر النفسية، إذ فيه تستعلن الثورة على الأب دون مواربة أو رمز، وهي مقدمة لحفار القبور حيث الثورة على الأب تتسم بلباقة الرمز والكناية؛ وترمز سلطة الأب إلى الحواجز الكثيرة التي تحول دون لقاء المنتظرة وهي أيضاً كبش الضحية لتفسير ذلك الإخفاق المتوالي في الحب؛ فذراعا الأب قائمتان كالمقص تجذان كل علاقة، وكلما ظن الشاعر أن هذه هي المنتظرة تحركت ذراعا الأب فقطعتا حبل الرجاء الممتد نحوها، وتلك إشارة إلى أن الشاعر ورث كل ما يقصي المحبوبات عنه من ابيه، وفي طي ذلك معنى لا شعوري، وهو أن الأب القاسي هو الذي دفع بهذا الطفل إلى أحضان الأم دفعا حرمه القدرة على الانسجام مع أية امرأة أخرى. وربما تتضح المسألة تحت أنوار كاشفة أخرى إذا قلنا ان الأب كان ينتمي إلى حزب الشعب (وقد كان في البداية؟ وعندما نظمت هذه القصيدة - من ألد أعداء الحزب الشيوعي) وكان الشيوعيين يسمون قادته انتهازيين وجواسيس وعملاء (١) ، وهذا يفسر الإشارة الغامضة
стр. 92
إلى النزعة الاقتصادية التي كان بدر يتصور أباه ممثلا لها:
أما تبصرين الدخان الثقيل ... يجر الخطى من فم الموقد
تلوى فأبصرت فيه الظهور ... وقد قوستها عصا السيد
وأبصرت فيه الحجاب الكثيف ... على جبهة العالم المجهد فإذا تحطم رمز الإقطاع؟ سلطة الأب - تبدد الدخان الكثيف عن وجه العالم المجهد، وظهرت " المنتظرة "؛ ولكن المنتظرة برزت فجأة وقبل ان يتحطم الإقطاع ان ينهد الجدار الأبوي، فكيف كان ذلك؟ لندع بدرا مؤقتا يحلم بهذه المحتجبة، ولنتوجه إلى أحداث العام الأخير من حياته في دار المعلمين.
стр. 93
- ٨ -
من الوثبة إلى النكبة
كل الدلائل الظاهرة والخفية كانت تشير إلى أن العام الدراسي الأخير في دار المعلمين (١٩٤٧ - ١٩٤٨) سيكون عرضة لعواطف هوج، لأن دار المعلمين جزء من العراق القلق الذي تنذر الأمور فيه بالانفجار، ولم يكن ليعمى عن هذه النذر والمرهصات إلا السياسيون الذين شغلوا أنفسهم في التغزل بالصداقة العراقية البريطانية، وأتخمتهم مناصبهم واقطاعاتهم عن رؤية مواضع الألم في جسم الشعب المسكين؛ فقد حبست حكومة السيد صالح جبر انها بمصادرة الصحف، وسجن بعض الزعماء الوطنيين، وإيداع زعماء الحزب الشيوعي في قفص التأييد، ومهاجمة المكتبات بحثا عن الكتب الثورية والمنشورات، حسبت أنها ضمنت بذلك أقصى ما تؤمل من هدوء واستقرار، ولكن الطبقات الفقيرة كانت مهددة بالمجاعة، تفتش عن الخبز فلا تجده، وأهواء البلاد فارغة تصفر فيها الريح، ومشكلة فلسطين آخذة بالتعقد، متدرجة من سيئ إلى أسوأ، فكل اقتراب جديد من بريطانيا معناه محالفة الطغيان الاستعماري الذي تعاون مع الصهيونية تعاونا كاملا سافرا طوال ثلاثين سنة، وجثم على صدر العراق ردحا مقاربا من الزمن.
تلك الظروف هي التي مهدت لما يعرف في التاريخ العراقي الحديث باسم " وثبة كانون الثاني " (١٩٤٨) ، وذلك احتجاجا على معاهدة
стр. 94
بورتسموث التي عاد صالح جبر يزفها إلى الشعب العراقي زاعما أنها تخدم مصلحة البلدين. ولسنا بسبيل الحديث عن تلك المعاهدة وشروطها، ولكن الشعب العراقي واجهها بعاصفة شديدة من الاستنكار، وتضافرت الأحزاب على رفضها، وبدأ رد الفعل بإضراب طلاب الحقوق والهندسة، وبتنظيم المظاهرات الجماهيرية الكثيفة، وحدثت صدامات مروعة بين المتظاهرين والشرطة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من القتلى، واستمرت التظاهرات التي بدأت في السادس عشر من كانون الثاني تزداد حدة وتصاعدا حتى بلغت ذروتها في السابع والعشرين من الشهر، واضطر الوصي ان يعلن بأن المعاهدة لم تكن مرضية، كما اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة، ثم إلى الهرب من العراق نجاة بنفسه. وكانت مئات الألوف كل يوم تخرج لتشييع الشهداء، والخطاء ينادون بضرورة إلغاء المعاهدة، فما كانت حكومة السيد محمد الصدر التي تألفت بعد حكومة صالح جبر تملك سوى التراجع عن تلك المعاهدة.
انه ليس من السهل أن يحدد المرء دور الحزب الشيوعي في وثبة كانون، ولكن الحكومة العراقية تعتقد؟ كما يعقد الحزب الشيوعي نفسه - انه كان للشيوعيين دور قيادي في الوثبة (١) ؛ غير أن النظرة الفاحصة تنبئ أن الأحزاب الأخرى كالديمقراطي الوطني وحزب الاستقلال والأحرار كان لها دور هام في تلك الحركة، وإنها كانت هبة وطنية عامة، ولم ينفرد بفخرها حزب واحد. ولعل بدرا لو سئل في تلك الأيام لأكد أن الحزب الذي كان ينتمي إليه كان ذا دور هام في الوثبة، هذا إن لم يقل انه انفرد بمجدها كله، ولكنه حين سخط
стр. 95
على الحزب بعد سنوات أخذ يقول: " كلنا يذكر وثبة كانون المجيدة ويعرف أن القوى الوطنية جميعا؟ بل الشعب كله - هو الذي قام بها، ولعل دور الشيوعيين فيها كان أتفه الادوار، ولكنهم بعد النصر الساحق الذي حازه الشعب نسبوا إلى أنفسهم كل أمجاد الوثبة وبطولاتها " (١) ، ونحن لا يهمنا هذا إلا بمقدار ما يصور اندماج بدر نفسه في تلك الحركة، إذ نجده يقول بعد اسطر: " نشط حزبنا الشيوعي بعد أن أطلقت الحريات، فكانت مظاهراتنا تملا الشوارع حتى ينقطع السير والمرور فيها، وضجر الناس من هذا كله، ولكن الحزب الشيوعي كان يريد ان يعرض قوته على الناس. كنا نجتذب الكناسين والحمالين والمجرمين من نشالين وسواهم إلى صفوفنا بوعود معسولة نبذلها لهم؛ كنا نمنيهم بالقصور والآنسات الحور، ونجحنا في ذلك أيما نجاح. وأقام جماعة من أهالي الكرادة حفلة تأبينية لشهداء الوثبة، وقد دعيت للمساهمة في تلك الحفلة. لم يكونوا ليعرفوا أنني شيوعي، وكذلك شأن محمد شرارة الذي دعي إليها دون ان يعلم الداعون انه شيوعي. ان من يقرأ قصيدتي في تلك الحفلة وخطاب محمد شرارة فيها يلحظ الخط الشعوبي الشيوعي واضحا فيهما، فقد جاء في قصيدتي تلك:
ما زال يملأ مسمع الأحقاب ... ذاك الهدير من الدم المنساب
يعلو فيرتجف الطغاة وتمحي ... أسطورة الاحساب والأنساب ما علاقة الحساب والنساب بوثبة الشعب على ظالميه؟ انها الشعوبية التي يغيظها ويمزق أعصابها أن يقول العربي انه عربي؛ أما كلمة محمد شرارة فقد كانت كلها مخصصة للهجوم على الحجاج هذا البطل الذي أراد أن يحمي الكوفة من الغزو الفارسي الشعوبي؟
стр. 96
الخ " (١) . وليس يهمنا من هذا النص تفسيرات السياب، فتلك أمور يختلف الناس حولها، ولكنا أوردناه ليصور مبلغ نشاطه الحزبي في تلك الايام، ثم لينقل لنا كيف انه اخذ يسخر شعره لخدمة الأغراض الحزبية، بعد أن مرت عليه فترة من الزمن وهو يفصل فصلا تاما بين فنه وحزبيته.
ولم تكد الحكومة العراقية تنعم بالهدوء الذي عقب تلك العاصفة حتى واجهتها مشكلة فلسطين؛ كانت الجامعة العربية قد قررت ان تقوم بخدعة كبيرة، حين طلبت إلى الجيوش العربية ان تدخل فلسطين محاربة؛ وجازت الخدعة على الجيوش وقادتها، إذ كانوا رغم قلة معداتهم وفساد أسلحتهم وضعف تدريبهم وبعد بعضهم عن مراكز التموين والإمداد، يظنون انهم يقومون بمهمة مقدسة، غير عارفين بالدور الخسيس الذي كان يمثله رجال السياسة العليا في كل بلد عربي. وكذلك كان دخولهم؟ من الناحية العملية - ترسيخا للحدود التي رسمها مشروع التقسيم، ثم حدثت خيانات وتنازلات؟ شهودها بين الأحياء كثيرون - أضافت إلى إسرائيل مناطق أخرى لم يكن مشروع التقسيم (وهو مشروع اغتصاب دبر في مدى ثلاثين سنة) يمنحها لها. ومهما يكن من شيء فقد كان دور الجيش العراقي في تلك الحرب؟ رغم ضعف معداته وقلة تموينه - دورا مشرفا، وكانت الحماسة بين العراقيين للقضية الفلسطينية متأججة. غير ان الحكومة العراقية حينئذ استغلت حالة الحرب لفرض القانون العسكري على البلاد، ومن خلاله استطاعت تقييد الحريات وتحيف الحقوق المدنية، وتحديد المجال النقدي للصحافة، وبالجملة شغلت الناس بالحرب وأظهرت أنها لبت نداء الواجب حين دعيت، واشتغلت بسلب البلاد ما حققته في وثبة كانون.
стр. 97
ذلك هو موقف الحكومة، فما هو موقف الحزب الذي كان ينتمي إليه بدر من القضية الفلسطينية ومن الحرب الفلسطينية؟
قد عرفنا فيما مضى أن العصبة اليهودية تغلغلت في الحزب الشيوعي، فأصبح يهودا صديق سكرتيرا للجنة المركزية بعد فهد، فلما اعقل يهودا خلفه ساسون دلال، ومهما يكن مبلغ عطف الشيوعيين اليهود على القضية الصهيونية فانهم لم يستطيعوا رسميا أن يتجاوزوا في بادي الأمر ما أعلنته روسيا، وهو تأليف حكومة ديمقراطية في فلسطين يشترك فيها العرب واليهود، فلما تورطت السياسة الروسية في الخطأ وحاولت منافسة أمريكا واعترفت بشرعية دولة إسرائيل، تحول الحزب الشيوعي العراقي عن موقفه تبعا لذلك، دون ان يكون بين الوقفين إلا فارق زمني بسيط.
في البداية وزع الحزب منشورا على أعضائه يشرح فيه شعاره الذي ينادي بتألف حكومة مشتركة من العرب واليهود، يقول بدر: " وكان الجواب الذي هيأناه لنجيب به كل معترض على ذلك الشعار هو: وهل تريد ان تتألف حكومة عربية خالصة فتكون مثل حكومة نوري السعيد مطية للاستعمار؟ وما ذنب اليهود المساكين القاطنين في فلسطين؟ أنلقيهم في البحر ثم نؤلف حكومة عربية خالصة؟ " (١) فلما تغير موقف روسيا اصدر الحزب منشورا يؤيد فيه التقسيم، وأخذت جريدة " القاعدة " تنشر المقالات العنيفة ضد الحرب الفلسطينية وتطالب بسحب الجيوش العربية من فلسطين (٢) .
ولم يكن رجل الشارع في العراق قادرا على أن يهضم هذا التقلب في موقف الحزب الشيوعي، ولا كان يستطيع أن يستسيغ المطالبة
стр. 98
بسحب الجيوش العربية، إذ كان يرى في الحرب؟ وهو يظنها حربا حقيقة - وسيلة لإحقاق حق ودفع ظلم؛ وكانت الحرب تعبيرا عمليا عن حماسته نحو اخوة مضطهدين مطرودين؟ ظلما وعدوانا - من ديارهم، فكل صوت ضد هذا الشعور خيانة آثمة، وانحياز إلى الصهيونية، ولهذا اصبح من السهل عليه ان يؤمن بأن الحزب الشيوعي العراقي صهيوني أو مؤيد للصهيونية. وحين استغلت الدولة هذه التهمة في محاكمتها للشيوعيين كانت تستغل فكرة من السهل ان تجوز على الفرد العراقي حينئد.
من هذا المنفذ نفسه اخذ القلق يتسرب إلى نفس بدر وشرع يحسس الانقسام في نفسه بين ولائه للحزب وإخلاصه لمشاعره العفوية. هل من الممكن ان يؤمن بالتقسيم، وهو يرى اللاجئين من أبناء أمته مطرودين من ديارهم؟ هل من السهل عليه ان يحقق ما يريده ساسون دلال (والخط الفاصل بين يهودي وصهيوني لديه خط وهمي) ويتغاضى عن سخط شعبه؟ سخط تلك الجماهير التي يتحدث باسمها - على الظلم الصارخ الذي يمثله ذلك الحل الجائر؟ إن مشكلة فلسكين لم تهز كثيرا من النظم البالية في البلاد العربية وحسب، ولكنها أيضاً عرقلت نمو كل حزب شيوعي فيها، وكانت رويا مسئولة عن ذلك الإخفاق الذي أصاب تلك الأحزاب، لأنها شاءت في لحظة لم تحسب نتاجها البعيدة ان تقوم بمناورة سياسية (١) .
стр. 99
ولنترك السياب يتحدث عن بعض أصداء تلك الأيام في نفسه: " لقد ظللت ليالي عديدة أعاني السهر والعذاب؟ يوم ان كنت ما أزال عضوا في الحزب الشيوعي - بسبب فكرة خطرت على بالي وأبت أن تفارقني: هناك صعلوك يهودي اسمه خضوري كان يطوف في قريتنا والقرى الأخرى فيشتري النحاس العتيق والزري العتيق وما شابه، ثم يبيعها بربح ويعتاش من ذلك. ثم (سقط) خضوري جنسيته وسافر إلى اسرائيل، وقد تبين انه كان يملك حوالي العشرة آلاف دينار، ولم يستطع خضوري أن يأخذ ماله معه، فتركه وسافر إلى وطنه القومي. وفكرت: ان الناس جميعا منذ القدم إلى الآن يحتقرون اليهود ويصفونهم بحب المال حبا جما، ولكن خضوري، هذا الصعلوك اليهودي الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة كما أعتقد، والذي كان يتحمل شمس الصيف ومطر الشتاء ونباح كلاب القرى وإيذاء سكانها في سبيل دريهمات يربحها، ترك حطام الدنيا كله ونزح إلى اسرائيل، في سبيل ماذا؟ ليعيش في بد يشعر بأنه واحد من أهلها في كل شيء؟ كما يتوهم - لقد جعله إخلاصه لقوميته - لهذه القيمة الروحية - يتنازل عن أمواله التي عانى حتى جمعها، وانا، أنا الذي أدعي بأنني أديب شاعر، بأني لست من عبدة المال، ولا المتهمين به، وأن قصيدة جيدة اكتبها احب إلى نفسي من آلاف الدنانير، لقد خنت قوميتي وتنكرت لكل القيم الروحية، في سبيل ماذا؟ أنني أمني نفسي بأن
стр. 100
دخلي سيكون أكبر، بأنني سأحصل على نقود اكثر، متى جاء الشيوعيون إلى الحكم. أذن فأنا أحقر من خضوري. وعذبتني هذه الفكرة؛ لقد حاولت الفرار منها بشرب الخمر والإدمان فيه، ولكنها ظلت تطاردني إلى اليوم الذي تخلصت فيه من الأفكار الشيوعية " (١) .
ليس من حقنا أن نشك في هذا الاعتراف الذاتي، إذ حين يصبح الاقتناع شعريا يحجب وجه الخداع في المغالطات الذهنية، فمن المغالطة الدهنية ان يعتنق المرء مذهبا عريض المبادئ والغايات، لا لشيء إلا لأنه يرجو عن طريقه زيادة في دخله. ذلك تبسيط شديد، وتهوين للقيم، ولكن هذا لا يعني أن السياب كان كاذبا في إحساسه. ورغم هذا الصدق في الإحساس فأنه لم يخطر له الانفصال عن الحزب، إذ ان الانفصال ليس سهلا كالأنتماء، فهو يعني بلوغ الإرادة لحظة حاسمة لا محيص عنها ولا منفذ فيها للتردد، ولهذا فان مثل هذا الإحساس ما يزال بحاجة إلى عوامل أخرى تؤيد حتى يستطيع صاحبه أن يبلغ تلك اللحظة: لقد كان بدر يسمع رفاقه الشيوعيين يقولون عمن يفصل أو ينفصل من الحزب الشيوعي: أين يولي؟ وفهم بدر من هذه العبارة ان عضو الحزب الشيوعي كالطفل الصغير لا يستطيع ان يدبر شئونه دون أمه (٢) ، ولكن دلالة تلك العبارة تختلف عما فهمه؟ فيما اقدر -، أنها تعني أن العضو المنفصل سيظل حيثما اتج محاطا بتاريخه الحزبي، وسيظل مؤاخذا لدى الحكومة بذلك التاريخ حتى ولو أعلن براءته منه على رؤوس الأشهاد، وذلك يعني انه؟ في خارج الحزب - قد اصبح كالمنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا ولا ظهرا أبقى، ولو بقي في داخله لظل له شرف الغاية التي يجاهد من اجلها، مهما يكن مفهوم تلك الغاية في نظر الآخرين؛ ولا ريب ان بدرا؟ من بعد - وقع
стр. 101
ضحية هذا الوضع في ظل لا يغفر للمرء ماضيه ولا يعترف بشيء اسمه " التوبة ".
على أي حال يجب ألا ننتقص من قيمة ذلك الإحساس فإنه يمثل ثلما في مشاعر الولاء الحزبي، ولكن بدرا كان ما يزال مندفعا بحماسته المستعلنة فيما يعده واجب الفتى المثقف ضد حكومة ونظام رجعيين، وكانت لذة المقامات الخطابية بين الجماهير ما تزال تأسره وتملك عليه إرادته، ولهذا ظل يشارك في المظاهرات، وإلقاء القصائد. وفي إحدى المظاهرات التي انتهت عند المقبرة في باب المعظم (من ذلك العام) كان بدر أحد الذين صعدوا جدار المقبرة من بين الخطباء الكثيرين، ليثيروا حماسة الشعب ويحركوا فيه روح الثورة على الأوضاع؛ وكان بين الخطباء " فتاة جميلة بيضاء مربربة في الخامسة عشرة من عمرها أو أزيد قليلا " فقد ألقت في الجماهير قصيدة حماسية، ولكنها ألقت في نفس بدر جذوة اشتهاء، تلك هي الرفيقة مادلين اليهودية التي سيكون لها في حياة بدر قصة عارضة نرويها في حينها (١) .
стр. 102
- ٩ -
المنتظرة
تلك صورة من نشاط بدر العملي والفني (عام ١٩٤٨) في خارج دار المعلمين، ولكن الصورة لا تكتمل إلا إذا عرضنا إلى الجانب الآخر من سيرته في تلك السنة الدراسية الأخيرة.
كان قد ارتاح فنيا إلى شيء من الشهرة حين استطاع أن يطبع ديوانه " أزهار ذابلة " بمصر، حمله إخوانه البصريون إلى مطبعة الكرنك في القاهرة، وانفق عليه من المال القليل الذي كان يرسله إليه اهله، وكتب مقدمته الأستاذ الصحفي رفائيل بطي، وفي هذه المقدمة كلمات تركت أثراً عميقا في الوجهة الشعرية التي اختارها السياب من بعد، ولعل فيها من قوة التوجيه ما يسوغ ان نقتبس قوله فيها: " تجد الشاعر الطليق يحاول جديدا في إحدى قصائده، فيأتي بالوزن المختلف وينوع في القافية محاكيا الشعر الإفرنجي فعسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد لعله يوفق إلى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر العربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة " (١) ؛ وكان ظهور " أزهار ذابلة " في مطلع العام الدراسي الأخير بدار المعلمين، فتلقته الصحف بشيء
стр. 103
من التقريظ، ارتاح له الشاعر، واخذ يتردد على مقهى " حسن العجمي " حيث يجلس الأستاذ الجواهري وغيره من كبار الأدباء والكتاب (١) . وفي هذه الفترة توثقت صلته بالجواهري، وظل بدر يكن له شيئا كثيرا من التقدير والاحترام، دون ان يتغير فيه رأيه كثيرا من بعد؟ وان لم يتأثر بطريقته الشعرية تأثرا عميقا؛ وكان الجواهري من أقطاب حركة أنصار السلام، التي سيكون لبدر فيها دور أيضاً، سيجيء الحديث عنه في موضعه. وزادته الشهرة في المحافل العامة راحة نفسية، ولكنها لم تلهه عن شئون العواطف، ولا أغنى ضجيج الهتاف في أذنيه عن حاجة النفس بين جوانحه. فقد افتتح العام الدراسي باللهفة إلى المنتظرة (السمراء ذات الغلالة الزرقاء) وبالإلحاح على الليالي ان تقرب موعد الهوى، فلم يعد الريف مثوى جميلا، لان الغرام فيه مفقود (٢) :
أيها الريف ما ذممت المقاما ... في مغانيك لو وجدت الغراما
إنما جنة الهوى حيث حوا ... ء وان كانت الجحيم اضطراما وهو يخشى ان يفاجئه الموت قبل ان يحقق له الحب، وهل من عجيب ان يعيد في القصيدة صورة الحلم الذي قصه قبل عام على صديقه خالد:
لقد سئمت الربى مللت الضفانا ... احسب الموج أو اعد الخرافا مثلما عد انجم الليل عراف فأنبت بموته العرافا ... أيها الشاطئان أوهى جليد الموت كفي فأرخت المجدافا ... وكأني بعيني غورا قائما احتسي دجاه ارتجافا ... أهبط الموج سلما بارد الألوان حتى أعانق الاصدافا ...
стр. 104
يا لمثواي اعظما قضقضتهن الأعاصير والعباب اجترافا ... حيث لا نادب سوى اللج زخارا على أضلعي يعيد الهتافا ... إلا انه في هذا الحلم يموت غرقا، ويكون قبره قاع البحر حيث يعانق الأصداف، ويعب الموج فوق مثواه نادبا.
وهنالك شبح آخر يؤرقه قبل تلوح المنتظرة، وذلك هو شبح الخيانة؟ تلك السمة التي واكبت حب المرأة في العصور؛ ها هو ألفرد دي موسيه وجورج صاند في البندقية وهي تقسم له بالحفاظ على العهد، فأين ذهب قسمها؟ حذار أن تنخدع بعهد امرأة!! ولكن من هو الذي يحذره من ذلك: أنها عيون تطل عليه من الثرى، أفبعد ذلك يخفى على القارئ سر تمزق هذا الفتى؟ وهذا أيضا فتلى آخر ينقل الخطى على الرمل ليلقى ليلاه، ولكن أين ليلاه؟ ومن الكلمات التي تحمل صورة المبوة ان يقول الشاعر في تلك السن:
نقلتها على الثرى أرجل حيرى طواهن داؤهن الزمين ... غير ان صورة السائر الواقف الذي تعجز رجلاه عن النقلة ستواجهنا كثيرا في هذه المرحلة.
بهذه القصيدة استقبل عامه الدراسي الاخير في دار المعلمين، وهي تصور مدى تمزقه بين اللهفة إلى الحب والفرق من الموت. وبعد أقل من شهر على تاريخ هذه القصيدة، خيل إليه انه وجد المنتظرة في صورة فتاة ذات شعر مسترسل، وهم أن يهتف: هذه هي (١) :
أهم أن اهتف لولا خطى ... عابرة في الخاطر المجهد
أطياف حسناواتي استيقظت ... هاتفة بالذكريات اشهدي
ما نال غير أسمائنا ... تسخر من آماله الشرد
مكتوبة بالنار في شعره ... كالصورة الخرساء في معبد
стр. 105
ثم رأى عينين زرقاوين فاشتهى أن تكون هذه الزرقة هي التي تضيء أيامه وتقهر " أشباح الشتاء " فتفر هاربة.
إن رسم صورة كاملة لهذه المنتظرة التي كانت تداعب أحلامه ليس سهلا، ولكنه حين اخذ يتأمل الواقع وجدها سمراء ذات غلالة زرقاء وعينين زرقاوين وشعر اسود مسترسل (صورة لا تخلو من غرابة وربما كانت صورتين مجموعتين معا) ولا بد أن يكون فيها شبه من الحب الاول، لأنه كلما حاول الوقوع في حب جديد، استيقظت ذكرياته فوقعت حائلا دون ذلك، وتذكر الإخفاق المتوالي فارتجفت أوصاله بقشعريرة باردة. وهذه المنتظرة لا بد أن تكون هي نهاية المطاف، لا بد أن تكون زوجة لأن الحب لا معنى له إذا لم ينته بالزواج (١) :
الهوى بيت عاشقين اطمأنا ... لا سؤال أأنت قبلت فاها يشرف الحب جامعا بين زوجين يصفو الحياة أو في شقاها ... ينسجان الزمان من قبلة سكرى بكن الغد المرجى صداها ... ولهذا اصبح لقاء المنتظرة يعني تحقيق الحلم الأكبر وهو بيت على ربوة (وليكن كوخا) يشرف على النهر، وتحيط به من هنا وهناك أشجار النخيل الظليلة. ولم يكن استشرافه إلى هذه المنتظرة ناجما عن إخفاقه المتوالي في الحب وحسب، فلو اقتصر الأمر ذلك الإخفاق فأنه ربما أدى إلى ثورته المرأة ورغبته في التشفي والانتقام، وإنما كان العامل الأقوى الذي طوح بآماله إلى مسافة بعيدة، أعني نقلها إلى صورة مثالية، هو تجربته الواقعية في دنيا الأجساد، ذلك ان بدرا بعد عودته إلى المعلمين أثر حادثة فصله لم يعد يقنعه أن يحلم بدفء الجسد، ويتخيل لذة القبلات، بل أصبحت رجلاه جريئتين على تخطي الحاجز العذري إلى حيث يشتري اللذة بدراهم معدودات، وقد منحته
стр. 106
الحانات والمواخير شعورا بالراحة من عبء الفورات وحالات الكبت، وعززت شعوره بالاستقلال الذاتي وأضعفت من التردد والخجل اللذين كانا يقعدان به عن مواجهة أية فتاة بحقيقة ما في نفسه. ولكن هذه التجربة الجديدة كانت في كل مرة تنتهي إلى اشمئزاز لا بد منه، وثار الريفي المستكن في اهابه على هذا الانحدار في المجاري الدنيا من حياة المدينة. أيمكن أن تكون هذه هي الحياة الصحيحة للعلاقة بين المرأة والرجل؟ كلا؛ بل لا بد من حياة ينظمها الحب وتسيطر فيها الألفة لا " الأجر " المدفوع؛ وإذا كانت هذه التجربة قد أعجزت بدرا عن أن يحب امرأة معينة فأنها شحذت لديه الإحساس بحاجته إلى المحتجبة خلف أستار الغيب (١) . ولم يستطع انتماؤه وهتافه بالحرية والرجاء في المستقبل وإيمانه بأن " المنتظرة " كالصباح، لا بد من ان ينبلج؟ بل هو قد انبلج حقا - لم يستطع هذه جميعا أن تطرد صورة الموت من نفسه، ولما مات خاله بداء السل في حدود هذه الفترة تصور انه هو الذي مات بالداء نفسه، حين كتب قصيدة: " رئة تتمزق ": (٢) :
الداء يثلج راحتي ويطفئ الغد في خيالي ... ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال ... تهتز في رئتين يرقص فيهما سبح الزوال ... مشدودين إلى ظلام القبر بالدم والسعال ... واحسرتاه! أكذا أموت كما يجف ندى الصباح ... ما كاد يلمع بين افواف الزنابق والاقاحي ...
стр. 107
فتضوع أنفاس الربيع تهز افياء الدوالي ... حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح ... ولكنه لا يريد أن يموت؛ كان من قبل يتمنى الموت، كان يقول له: خذني بين ذراعيك، يوم كان الهوى وهما يعذبه الحنين إلى لقائه، أما اليوم، حين برزت السمراء كنجم تألق في مسائه، فليبتعد الموت عنه لينعم بحبها:
يا موت يا رب المخاوف والدماميس الضريرة ... اليوم تأتي؟ من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره ... انا ما دعوتك ايها القاسي فتحرمني هواها ... دعني اعيش على ابتسامتها، وان كانت قصيره ... كان في مطلع العام (١٩٤٨) قد لقي المنتظرة، وقرأت؟ أو تخيل إنها قرأت - قصيدته " أهواء " التي سرد فيها تجاربه الأولى في الحب، فكتبت إليه؟ أو تخيل إنها كتبت إليه - تقول: " وها انا ذا ألقاك بعد بحث طويل (كانت هي أيضا تبحث عن المنتظر) ولكنني واحسرتاه لقيتك بعد فوات الأوان، لقد أحببت كثيرا من النساء حتى سئمت الحب، ووزعت قلبك بينهن، وسقيت التراب بالخمرة التي كانت في كأسك ولم تدخر لي منها قليلا " (١) . فذهب يؤكد لها انه نسي الماضي كله وليس في حياته سوى الحاضر:
وكان انتظارا لهذا الهوى ... جلوسي على الشاطئ المقفر
وإرسال طرفي يجوب العباب ... ويرتد عن افقه الأسمر
إلى أن أهل الشراع الضحوك ... وقالت لك الأمنيات انظري ولكن هذا الحب كان كالقنبلة الموقوتة بين القلبين، فهو مرهون
стр. 108
بزمن، وهو إذا تفجر وأهلك ما حوله. ولهذا كان كل منهما يحس ان هذا الحب يحمل في ذاته عناصر دماره؛ أما هي فلم يكد يمضي أسبوع على إعلانه فرحة اللقاء حتى طالعته بقولها: انه لا جدوى في هذا الحب ما دام خيطه القصير سينتهي بفراق وشيك، وكانت وهي تتحدث إليه بذلك يرتجف الحزن في عينيها ويضطرب اليأس في شفتيها، وقد سرت البرودة في يديها، وشحبت الظلال فوق جبينها (١) :
ثم انثنيت مهيضة الجلد ... تتنهدين وتعصرين يدي
وترددين وأنت ذاهلة: ... " أني أخاف عليك حزن غد "
فتكاد تنتثر النجوم أسى ... في جوهن كذائب البرد
لا تتركي لا تتركي لغدى ... تعكير يومي، ما يكون غدي؟
وإذا ابتسمت اليوم من فرح ... فلتعبسن ملامح الأبد
وكان عمري قبل موعدنا ... إلا السنين تدب في جسد وأما هو: فأنه كان يتمنى دوام هذا الحب ويخشاه في آن معا، وحين كان يستبد به حنين العودة إلى الريف، كان يهتف بالخشية التي تحبب إليه الفرار من اسار ذلك الحب (٢) :
سوف أمضي.. اسمع الريح تناديني بعيدا
؟؟؟؟..
سوف امضي فهي ما زالت هناك
في انتظاري
؟؟؟..
سوف أمضي، حولي عينيك لا ترني اليا
أن سحرا فيهما يأبى على رجلي مسيرا
стр. 109
أن سرا فيهما يستوقف القلب الكسيرا
؟؟؟.
أتركني، ها هو الفجر تبدى، ورفاقي
في انتظاري.
وكان التباين في الدين من أقوى العوامل التي تجعل ذلك الحب ينحدر نحو يأس، ولهذا يضطرب هذا الشريط؟ على قصره - بشتى المواجد والانفعالات، فهو إذا استسلم للواقع ادرك ان حظه مما يعانيه سراب (١) :
سنمضي ويبقى السراب
وظل الشفاه الظماء
يهوم خلف النقاب
وتمشي الظلال البطاء
على وقع اقدامك العارية
إلى ظلمة الهاوية
وننسى على قمة السلم
هوانا؟ فلا تحلمي
بأنا نعود.
وإذا أخبرته أن آخر لقاء لهما، لان أهلها يمنعونها من لقائه اشتد به الذهول حتى ليعجز عن ان يحدثها حديثا مستويا لا يداخله التعبير الممزق المتردد؛ أنها التي انتظرها طويلا وفقدها ليس شيئا يسيرا يستقبله رواقي، لأنه يعني تحطيم الحلم الكبير، حلم الشباب (٢) :
حدثني، حديثه عن ذلك الكوخ وراء النخيل بين الروابي ...
стр. 110
حلم أيامه الطوال الكثيبات فلا تحرميه حلم الشباب ... أوهميه بأنه سوف يلقاك على النهر تحت ستر الضباب ... واضيئي الشموع في ذلك الكوخ وان كان كله من سراب ... ورغم إدراكه بأن اللقاء محال بعد ذلك، فأنه ينادينا " اتبعيني "؛ وقد تركت له من الذكريات الساخرة قولها له: " سأهواك حتى تجف الادمع في عيني وتنهار أضلعي الواهية "، ولكن ذلك حديث الأمس، إذ أن الهوى ما كاد يبرعم حتى دب الملال إلى قلبها؟ أو كذلك خيل إليه - ولذلك فهو يسخر من قولها " أهواك " (١) ؟.:
دب الملال إلى فؤادك مثل أوراق الخريف
أهواك! ماذا تهمسين؟ أتلك حشرجة الحفيف
في دوحة صفراء يقلق ظلها روح الشتاء!!
لا تنظري! في مقلتيك سحابتان من الجليد؟
ثم هو يسخر مرة أخرى من هذا الذي قالته، في قصيدته " نهاية " (٢) :
اضيئي لغيري فكل الدروب سواء على المقلة الشباردة
سأمضي إلى مجهل؟؟..
ثم يأخذ في تقطيع جملتها بنغمة تقطر بالألم والسخرية معا:
سأهواك حتى؟.. نداء بعيد
تلاشت على قهقهات الزمان
بقايا، في ظلمة، في مكان،
وظل الصدى في خيالي يعيد
سأهواك حتى سأهوا؟ نواح