Полный текст (584 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[الأدب المقارن]-
كود المادة: LARB٤١٤٣
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ الأدب المقارن نشأته وتطوره .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(الأدب المقارن نشأته وتطوره)
تعريف الأدب المقارن ونشأته
الأدب المقارن نشأته وتطوره:
الأدب المقارن فرع من فروع المعرفة، يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر من أدبين، ينتمي كلٌّ منهما إلى أمة أو قومية غير الأمة أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا, وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر أو أكثر من عناصر أدب قومي ما، ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى، وذلك بُغية الوقوف على مناطق التشابه، ومناطق الاختلاف بين الآداب، ومعرفة العوامل المسئولة عن ذلك.
كذلك قد يكون هدف هذه المقارنة كشف الصلات التي بينها، وإبراز تأثير أحدها في غيره, وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى, وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب ... إلخ.
هذا؛ وقد وقف الدكتور "طاهر مكي" في شيء من الأناة عند مصطلح القومية الذي يدخل في تعريف الأدب المقارن، في قولنا: إن الأدب المقارن يقوم على المقابلة بين الآداب القومية المختلفة، محاولًا أن يستكشف أبعاد هذا المصطلح، وما يمكن أن يثيره من مشكلات، وأطال وأجاد؛ لكنه في نهاية المطاف ترك الأمر دون حسم.
стр. 3
لقد تسائل قائلًا: ماذا نفهم من مصطلح أدب قومي؟ ما الحدود التي إذا تعديناها جاز لنا أن نتحدث عن أدب أجنبي، وعن تأثر به أو تأثير فيه؟ هل يقوم التحديد على أسس سياسية وتاريخية، أو على أسس لغوية خالصة؟ ليجيب بأنه: بعد ت أمل جاد، يُمكنُ القول إن الاحتمال الثاني أكثر قربًا، وأدق منهجية، وأسهل تطبيقًا؛ لأن الحدود اللغوية كانت على امتداد التاريخ أكثر ثباتًا، وأقل تقلبًا مدًّا وجزرًا من الحدود السياسية.
ثم ضرب مثالًا من ألمانيا التي كانت كيانًا سياسيًّا واحدًا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم قسمت إلى دولتين بعدها؛ لكنهما ظلتا مع هذا تتكلمان لغة واحدة، ومن ثم لا يُمكن أن نقارن بين أدبهما بمفهوم الأدب المقارن.
إلا أنه برغم ذلك لم يتوقف عند هذه النتيجة بل استمر يستعرض أوضاعًا أخرى تختلف عن وضع الألمانيتين، منها مثلًا: وضع الجزائريين الذين يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية، رغم أنهم ليسوا فرنسيين. ومنها وضع الهنود الذين يكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزًا، ومنها وضع الأدباء الأمريكان فهم يكتبون أدبهم بالإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزا، وكذلك معظم أدباء أمريكا اللاتينية فهم يكتبون آدابهم باللغة الأسبانية، رغم أنهم ليسوا أسبانًا.
ومنها أيضًا وضع الأدباء الكنديين الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية، وهي ليست اللغة الوحيدة التي يتحدثها أو يكتب بها الكنديون، بل تشركها في ذلك اللغة الفرنسية، ومثلهم الأدباء السويسريون الذين لا يكتبون أدبهم بلغة واحدة بل بلغات ثلاث هي: الفرنسية، والألمانية، والإيطالية ... وهكذا.
وهو يشير هنا إلى أن عددًا من الباحثين الأمريكان يرى: أن الأدب الأمريكي والأدب الإنجليزي ليسا أدب ًا واحدًا بل أدبين مختلفين؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين
стр. 4
ثقافيًّا، ومن ثَمّ أدبيًّا، والدّكتور "طاهر مكي" بهذا وإن بدأ بجعل اللغة هي الفيصل في تحديد الهوية القومية، وهو ما قاله قبلًا الدكتور "محمد غنيمي هلال" الذي يؤكد أن الحدود الأصيلة بين الآداب القومية هي اللغات؛ فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا، مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه.
وما زال يقول به كذلك المقارنون العرب عمومًا كالدكتور "محمد سعيد جمال الدين" مثلًا الذي يقرره ما قرره المرحوم "هلال" من أن الحدود الأصلية بين الآداب القومية هي اللغات؛ فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه, ولذلك يعد ما كتبه المؤلفون الفرس الذين دونوا مؤلفاتهم، وآثارهم باللغة العربية داخلًا في دائرة الأدب العربي لا الفارسي.
أقول: إن الدكتور "طاهر مكي" بهذا قد عاد فتركنا في حيرة من أمرنا، بل ربما في عماية منه، حين أثار المشكلات السالفة الذكر دون أن يجيب على الأسئلة الشائكة التي طرحها, إن الأدباء العرب على سبيل المثال الذين يصطنعون في إبداعهم لغة القرآن، لا يمثلون فيما أتصور أدنى مشكلة في تطابق اللغة والقومية؛ فنحن كلنا ندين بدين واحد، ونصطنع لغة واحدة في كتابتنا، وفي حياتنا اليومية على السواء، بل إنّ الأقليات التي لها لغة أخرى إلى جانب العربية تتكلم هي أيضًا لغة يَعْرُب فضلًا عن أن التاريخ القريب والبعيد واحد أو متشابه على الأقل.
وبالمثل فإن العادات والتقاليد هي أيضًا واحدة، إن لم يكن من أجل شيء، فمن أجل أنها في معظمها مستمدة من الإسلام، كما أننا نعيش في منطقة واحدة متلاصقين لا متقاربين فقط؛ إلى جانب أننا جميعًا نتطلع إلى إن تقوم بيننا في يوم
стр. 5
من الأيام وحدة تجمعنا وتقوينا، وتكفل لنا الاحترام الدولي مثلما كان الحال من قبل، حينما كانت هناك دولة واحدة أو عدة دول تخضع ولو خضوعًا اسميًّا لخليفة واحد.
وفوق كل ذلك، فإن الإسلام الذي ندين به، يدعونا ويلحف في الدعاء إلى أن نعتصم بالتعاون والتساند والتواصل والأخوة الدينية، وأن نبتعد عن أي شيء يمكن أن يهدد هذه الوحدة، أو يلحق بها الضرر، ونحن بحمد الله ما زلنا نستمسك بديننا رغم وجود أقلية دينية هنا، أو جماعة تختلف في اتجاهاتها الفكرية أو السياسية عن التيار العام الهادر هناك، مما لا يمكن أن يَخْلُو منه أي بلد لأنّ النّقاء مستحيل، وبخاصة في هذا العصر الذي زاد فيه تجاور الاتجاهات الثقافية، وتعايش الديانات داخل حدود الوطن الواحد.
هذا؛ عن الأدباء العرب الذين يعيشون في الوطن العربي، ويبدعون أدبهم باللغة العربية, لكن ماذا عن العرب الذين يعيشون في أمريكا مثلًا، ويكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية؟ أو في فرنسا ويكتبون أدبهم باللغة الفرنسية؟ وماذا عن الكرد الذين يعيشون في العراق مثلًا، ويبدعون أدبهم باللغة الكردية؟ أو البربر الذين يعيشون في بلاد المغرب العربي، ويكتبون أدبهم بالأمازيغية؟ وماذا عن الفرس الذين يكتبون أدبهم باللغة العربية؟.
إن المسألة في كل حالة من هذه الحالات تحتاج إلى تأنٍٍ في التحليل، ومرونة في التفكير، وربما لم نصل بعد ذلك كله إلى حل مرضٍ، إذ دائمًا ما تُوجد على الحدود الفاصلة بين المفاهيم والمبادئ، حالاتٌ تُشكل علامة استفهام وقلق، ولا يَصِلُ الباحثُ بشأنها إلى شيء حاسم, فأما في حالة الكُرد الذينَ يكتبونَ أدبهم
стр. 6
باللغة الكردية، فأرى أن يطلق على ما يكتبون الأدب الكردي؛ حيث تتطابق في حالتهم اللغة والعرق. ومثلهم في ذلك البربر الذين يكتبون أدبهم بالأمازيغية؛ فيسمى هذا الأدب بالأدب الأمازيغي.
لكن الأمر يختلف في حالة العرب الذين يعيشون في فرنسا، ويصطنعون لآدابهم الفرنسية، ولكنهم لا يكتبون إلا عن بلادهم الأولى، ومشاكل المجتمعات التي وفدوا منها، ولا ينتمون إلى القومية الفرنسية، ولا يشعرون من الناحية السياسية أنهم فرنسيون؛ حتى لو تجنسوا بالفرنسية.
والدليل على هذا: أنّ أعمالهم إنما تتناول أوطانهم، وأوضاع شعوبهم التي نزحوا منها؛ سواء كان ذلك النزوح نزوحًا أبديًّا أو مؤقتًا, إن العبرة هنا بمضمون الأدب وروحه وطعمه، وتوجهاته واهتماماته، وعلى هذا نقول عن ذلك اللون من الكتابة: إنه أدب عربي مكتوب بالفرنسية، وهذا الأدب يمكن أن يكون محل دراسة مقارنة مع الأدب الفرنسي، ولكن من ناحية أخرى هدفها التعرف إلى مدى اختلاف أسلوب الكاتب عن الأسلوب الفرنسي الأصيل، أو اتفاقه معه في نكهته ومفرداته، وتراكيبه، وعباراته، وصوره.
ومِثلُه ما يَكتبه الأدباء الهنود، أو أدباء جنوب أفريقيا في بلادهم بالإنجليزية، إذ أن أعمالهم في هذه الحالة إنما ترتبط ببلادهم، ومجتمعاتها وتاريخها، وتطلعاتها ومشاكلها، وعاداتها وتقاليدها وأديانها، وحياتها اليومية لا ببلاد "جون بون".
لكن إذا كان الأديب من هذا النوع يعيش في فرنسا مثلًا أو بريطانيا، واندمج اندماجًا تامًّا في الوسط الجديد، وأضحي يعتنق ما يعتنقه أصحاب ذلك الوسط، ويُردد آراءهم ويتخذ مواقفهم، وينطلق من رؤيتهم الحضارية والقومية، وينصبغ
стр. 7
بصبغتهم الاجتماعية، ونسي وطنه وقوميته القديمة، ولم يعد يهتم بمشكلات الأمة التي كانت ينتسب إليها من قبل ... إلخ. فعندئذ فالمنطق يقتضي إلحاقه بالأدب الذي يصطنع لواقعه إذًا.
أما أمريكا التي يُدرس أدبها عادة على أنه جزء من الأدب الإنجليزي، فهناك من باحثيها -كما رأينا- من يُناضل ضِدّ الفكرة القائلة بأن ما يكتبه الأمريكان والإنجليز هو أدب واحد؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين، سلكتا منذ القرن التاسع عشر طريقًا ثقافيًّا، وبالتالي أدبيًّا متباعدًا تمامًا، ويرون أنّ إنتاجهم الأدبي يدخل في مجال الأدب المقارن، على رغم أنهما مكتوبان في اللغة نفسها كما نقل عنهما الدكتور "طاهر مكي".
ولا شك أن أمامنا في هذه الحالة قوميتين مختلفتين لا تتطلعان إلى قيام وحدة بينهم، إن لم يكن بسبب أي شيء آخر؛ فبسبب المسافة الشاسعة التي تفصل بين الشعبين، كما أن بينهما تاريخًا من الصراع والحروب؛ فضلًا عن الاختلاف في مضمون الأدبين وروحيهما، واهتمامات كل منهما وطعمه؛ مما عليه المعول الأكبر في مثل هذا التمييز كما قلنا من قبل، ومثل أمريكا في ذلك الأمر في القارة الاسترالية.
باختصار؛ نخرج من هذا: بأنه في حالة تطابق اللغة والقومية، أو الوطن لدى الأديب؛ فحينئذ فلا مشكلة، أما إذا كان ثمة تعارض فالعبرة بالشعور القومي للكاتب، واتجاهاته وهمومه، وبمضمون العمل الإبداعي وروحه, لكن هل تراني قلت كلمة الفصل في هذا السبيل؟ لا أظن، بل هي مجرد وجه نظر ينبغي أن تدرس وتحلل، وتبدى فيها الآراء، وهذا كل ما أستطيع أن أقوله ولا أزيد.
стр. 8
ميادين الأدب المقارن ومدارسه
وميادين الأدب المقارن مُتعددة؛ فقد يكون ميدانه المقارنة بين جنس أدبي كالقصة أو المسرحية في أدب ما، ونظيره في أدب آخر, وقد يكونُ ميدانه المقارنة بين الأشكال الفنية داخل جنس أدبي من هذه الأجناس في أدب ما، ونظيراتها في أدب آخر.
وقد يكون ميدانه الصورة الخيالية كالتشبيه، والاستعارة، والكناية والمجاز, وقد يكون ميدانه النماذج البشرية والشخصيات التاريخية في الأعمال الأدبية, وقد يكون ميدانه التأثير الذي يحدثه كتاب أو كاتب ما في نظيره على الناحية الأخرى، أو مجرد الموازنة بينهما لما يلحظ من تشابههما مثلًا.
وقد يكون ميدانه المقارنة بين المذاهب الأدبية كالكلاسيكية والرومانسية، والواقعية والرمزية والبرناسية هنا وهناك, وقد يكون ميدانه انعكاس صورة أمة ما في أدب أمة أو أمم أخرى وهكذا.
وهناك عدة مدارس في ميدان الأدب المقارن منها مثلًا: المدرسة الفرنسية, والمدرسة الأمريكية، والمدرسة الألمانية، والمدرسة الإيطالية، وكذلك المدرسة السلفية التي سوف تحتاج منا إلى وقفة خاصة فيما بعد.
وتشترط المدرسة الفرنسية أن تكون هناك صلات تاريخية بين العملين أو الظاهرتين أو الأدبين المراد مقارناتهما، بيد أن هذا شرط تَحَكُّمي أو قل: إنه شرطٌ غير مُلزم ولا لازم, والمُهم: أن تكون المقارنة بين أدبي أمتين مختلفتين, إن المُراد هو تمكين العلاقات الأدبية بين الأمم والشعوب المختلفة، واكتشاف أوجه التشابه
стр. 9
والاختلاف لديها في الذوق والإبداع، وتتبع المسارات التي انتقلت عن طريقها التأثيرات الأدبية من أمة إلى أخرى في حالة وجودها، وإمكان تتبعها.
وإذا كانت المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن تركز بوجه عام على الصلات التي ثبت وجودها فعلًا بين الأمم والشعوب؛ فهل هناك ما يمنع أن نمد هذا الاهتمام إلى المستقبل، فنستشف وجود مثل هذه الصلات، أو نعمل على خلقها خلقًا إن لم تكن موجودة؟ ذلك أن من الممكن جدًّا أن يكون "موليير" على سبيل المثال قد سمع بـ"بخلاء" الجاحظ بطريقة أو بأخرى حين ألف مسرحيته الشهيرة "البخيل".
وربما كان تأثير المتنبي أو البحتري سلبيًّا, كذلك هل كان قبل "أسين بلاتيوس" بل إلى ما بعد وفاته ببضعة أعوام من كان يعرف أن قصة المعراج قد ترجمت إلى عدة لغات أوربية، منها اللاتينية قبل أن يكتب "دانتي" كوميدياه الإلهية؟ لقد تعرض "بلاتيوس" إلى هجوم شديد ومعارضة عنيفة، عندما طلع على الناس بأن "دانتي" قد تأثر بتلك القصة، إلى أن اكتشف أحد المستشرقين بعد رحيله بسنوات خمس لا غير إن تلك القصة قد ترجمت فعلًا قبل وضع "دانتي" عمله المذكور، مما يؤكد أنه قد قرأها قبل إبداعه لذلك العمل.
ولنفترض أننا كنا موقنين تمام الإيقان أنه لم تكن هناك قط مثل تلك العلاقة ولو على سبيل الاحتمال، أفلا تستحقُّ المُقارنة بين الذوقيين والأسلوبين، وتقويم العناصر الفنية في الأثرين الأدبيين مثلًا: أن نقوم بمثل تلك المقارنة على الأقل تنشيطًا لعملية الأخذ والرد بين الأدبين، وتلقيحًا لكل منهما بعناصر القوة والجمال في الآخر، وإغناءً لعملية الإبداع والتذوق بهذه الطريقة، ومن ثم قيام صلات أدبية بينهما تخلق خلقًا من هذا السبيل، واستكشافًا للعوامل التي تقف خلف نقاط القوة أو الضعف, وهل
стр. 10
هي راجعة إلى ظروف المبدع الشخصية أو هي بالأحرى ترجع إلى خصائص البيئة والأمة التي ينتسب إليها.
أما أنا فأحبذ مبادرة الأمور، والعمل على خلق مثل تلك الصلات عن طريق المقارنات الإستباقية هذه, ومن ثَمّ لا أجدُ أية غضاضة في ما صنعه "شفيق جبري" مثلًا في مقالاته في "مجلة الثقافة المصرية" سنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف من المقارنة النقدية بين "بحيرة البحتري" و"بحيرة لامارتين" ولا ما صنعه دكتور صفاء خلوصي من المقارنة بين البحيرتين العربية والفرنسية، ولا ما صنعه دكتور عبد الرزاق حميدة في كتابه (الأدب المقارن) حين وازن بين (رسالة الغفران) للمعري و (الكوميديا الإنسانية) لدانتي مقارنة جمالية خالصة؛ فلا حديث عن تأثر أو تأثير بين العملين.
لقد كان المرحوم "محمد غنيمي هلا ل" و"أنور لوقا" مثلًا من المتشيعين للمنهج الفرنسي في الأدب المقارن، وما زال هناك من يأخذ بوجهة نظر هذه المدرسة، لا يرى مما عداها شيئًا وهم كثر, وهناك على العكس من هذا من يتشيع للمنهج الأمريكي متمثلًا فيما كتبه "رينيه ويلك" الذي وسع دائرة ذلك الحقل كما تعكسه الفصول الخاصة بهذا الموضوع في كتابه (مفاهيم نقدية) فلم يقصرها على مجالات التأثير والتأثر، التي تقتضي وجود صلات تاريخية بين طرفي المقارنة.
إن ما يقوله هذا أو ذاك من الباح ثين الغربيين، ليس قرآنًا مقدسًا، ينبغي أن نخر عليه صمًّا وعميًا وبكمًا، بل إن القرآن نفسه لا يطالب البشر بأن يخروا عليه مؤمنين دون تفكير أو إعمال عقل، فما بالنا بنظريات في الأدب والنقد، هي من نتاج العقل البشري غير المعصوم.
стр. 11
وعلى هذا؛ فإني لا أقصر مجال الأدب المقارن على الأدبين اللذين قد ثبت أن بينهما صلات تاريخية، بل أنادي بتمديده؛ ليشمل دراسة أي أدبين بينهما وجه أو أكثر من وجوه الشبه أو الاختلاف، لمعرفة الأسباب التي تكمن وراء ذلك التشابه أو هذا الاختلاف, كما أرى أيضًا توسيع آفاقه؛ ليشمل مثلًا الموازنة الأدبية بين عملين من أعمالهما، وتحليل كل واحد منهما، والاجتهاد في تذوق كل منهما؛ لتوسيع مجال الاستمتاع الأدبي والنقدي، عند الدارس والقارئ جميعًا، ومحاولة تقويم كل منهما فنيًّا ومضمونيًّا، والوصول إلى معرفة أي منهما أجمل وأقوى وأشد تأثيرًا من الآخر ولماذا؟ وذلك من أجل اكتساب نظرة أكثر رحابة، وأوسع إنسانية، وأعمق حكمًا، وأحرى أن تكون أقوى انفتاحًا على ما عند الآخرين من آثار الخير والجمال والجلال.
ولسوف نرى إن هناك كتابات مقارنية في التراث العربي، وعلى مدى زمن طويل في العصر الحديث، لم تكن تهتم بتاتًا بالبحث عما إذا كان هناك صلة تاريخية بين الأدبين، أو الأديبين، أو العملين الأدبيين محل المقارنة, بل يكفي أن يكون هناك وجه مشابهة أو أرض مشتركة بين الطرفين؛ حتى تقوم دراسة مقارنة بينهما.
أي: أنّ الاتجاه الأمريكي ليس بدعًا جديدًا في الأدب المقارن، ولسوف نرى أن "فخري أبو السعود" مثلًا في مقالاته التي كتبها في الثلاثينات من القرن المنصرم عن الأدب المقارن، إنما ينطلق من رؤية أفسح، وأرحب وأجدى من الرؤية التي تنطلق منها المدرسة الفرنسية بوجه عام، وأنه قد سبق بصنيعه هذا "رينيه ويلك" الأستاذ السابق الأدب المقارن بالجامعات الأمريكية.
وعلى نفس هذا المنوال قارن الدكتور "إبراهيم سلامة" في كتابه (التيارات الأدبية في الشرق والغرب دراسة في الأدب المقارن) بين الأدبين العربي والإغريقي في كل
стр. 12
الفنون تقريبًا حتى ما لم يكن بين الأدبين فيه صلة، أو في أقل تقدير لم يثبت أنه كانت هناك بينهما تلك الصلة كما في فن "الملحمة" و"الشعر التعليمي الحكمي".
وعلى نفس المنوال أيضًا ضمن الدكتور جمال الدين الرمادي كتابه (فصول مقارنة بين أدبي الشرق والغرب) عددًا من المقالات عن مقارنة هذا الموضوع أو ذاك، بين الأدب العربي وبعض الآداب الأوربية، فتحدث مثلًا عن فصول السنة الأربعة واحدًا واحدًا، وكذلك عن الليل والقمر والبحر والحرب، والموت والزهور والرومانسية، وفن القصة والمسرح في أدبنا، وفي أدب الإنجليز، وفي غيره من الآداب الأوربية أحيانًا.
كما قارن بين "اللورد بيرون" وشاعر الغزل الأموي عمر بن أبي ربيعة سواء في حياتهما الأسرية والشخصية، أو في منحاهم الغزلي، وبين خليل مطران، و"ألفريد دي موسيه" وهي فصول شائقة وكاشفة، ومثيرة للخيال والعقل، رَغم إيجازِهَا، واكتفائها ببعض الخطوط العامة، وعدم وجود صلات معروفة بين الأدبين المذكورين في الموضوعات التي تناولها المؤلف.
ومن شأن هذه الفصول وأشباهها أن تدفع إلى مزيد من الدرس، والتعمق، والانطلاق إلى أفاق أرحب، ودراسات أكثر تفصيلًا وإحاطة، أما بالنسبة للقارئ العام؛ فإنها ذات قيمة عظيمة، لأن مثل هذا القارئ لا يحتاجُ إلى التعمق والتفصيل.
ثم إنها فوق هذا كله، وقبل هذا كله تساعد على خلق الوعي المقارني بين الجمهور العريض غير المتخصص في الأدب المقارن، وهو هدف جدير بالتنبه له،
стр. 13
والاجتهاد في توفير العوامل التي تؤدي إلى بلوغه، إذ ليس بالقليل أن نفكر في الارتفاع بالذوق الأدبي، وتوسيع الأفق الثقافي بوجه عام، والمقارنة بين ما عندنا وما عند الآخرين؛ لفرز الغث من الثمين، والعمل على تنقية ما نملكه وما نفكر في استعارته أو استلهامه من الأوضار والشوائب.
بيدَ أنّني أجدُ لِزامًا عليًّ بعد ذلك كله التوضيح بأني لست من أنصار توسع نطاق الأدب المقارن بحيث يشمل أيضًا المقارنة بين الأدب، وغيره من ألوان الإبداع والمعارف، طبقًا لما ينادي به "رينيه ويلك" وكذلك "ريماك H H" بل أرى في هذا تمييعًا للأمور، إذ من الواضح أنه لا يوجد في الواقع تجانس بين هذا اللون من الدراسة والمقارنة بين أدبين مختلفين.
إننا في الأدب المقارن ندرس وجوه الاختلاف أو الاتفاق، أو الصلة بين أدب وأدب؛ فلنبق داخل دائرة الأدب، ولا نوسع الخرق على الرّاقع، وإلا لم تعُد هناك حدود تميز هذا الميدان عن غيره من الميادين, ونحن بطبيعة الحال لا ننكر على أحدٍ أن يدرُس ما يشاء، بل كل ما نقوله: هو أننا لا نريد تمييع الحدود؛ حتى يكون للأدب المقارن شخصيته، مثلما لكل علم آخر من العلوم المتصلة بالأدب وغير الأدب، شخصيته الواضحة المحددة.
وعلى هذا فإن مقارنة العقاد والمازني في شبابهما في عشرينات القرن البائد مثلًا بين الشعر وبين الفلسفة، وبين الفنون الجميلة على ما فيها من حساسية فنية، وعمق في التحليل، وسعة في الأفق لا تعد في رأيي من الأدب المقارن، على عكس ما حاول الدكتور علي شلش أن يصنفها, لقد كان الدكتور شلش بإلماحاته للعقاد والمازني وغيرهما يرد على كمال أبو ديب، في دعواه بأن
стр. 14
محاولات تجاوز تحديد الأدب المقارن بدراسة التأثر والتأثير في الغرب غير موجودة في العربية.
ومع هذا فقد انتقد الدكتور حسام الخطيب في كتابه (الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة) الذي رأى النور بعد صدور كتاب شلش بست سنوات كاملات ضآلة الاهتمام بين النقاد العرب، بالربط بين الأدب والفنون الأخرى، بما قد يرجح أنه لم يتنبه إليه، وإلى ما رد به على بلديه الدكتور أبو ديب.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد يكون من المفيد أن أسجل هنا أنني أصدرت منذ عدة أعوام كتابًا بعنوان: (التذوق الأدبي) خصصت فيه فصلًا من بضع عشرات من الصفحات، للمقابلة بين الأدب والفنون الأخرى، من خيالة، ونحت، وتصوير، وكاريكاتير، وموسيقى وعمارة, سواء من ناحية الوسائل التي يتذرع بها كل من الطرفين في التعبير عما يريد، أو من ناحية قوة التأثير، والإمكانات التعبيرية التي يوفرها.
ومع هذا لم يخطر ببالي أن أعد ما فعلته من الأدب المقارن في شيء، وأرى من الأوفق وضعه في خانة التذوق الأدبي كما عنونته, كذلك أحسبُ أنّ الدكتور حسام الخطيب، وغيره من المقرين على حق في قلقهم على مستقبل الأدب المقارن من هذه الناحية، إذ يُنادي في مقال له عنوانه: "الأدب المقارن في عصر العولمة تساؤلات بتجاه المستقبل" بوجوب حل مشكلة التسارع في توسيع الأدب المقارن من ناحية المقارنة المعرفية، مع مختلف الفنون والعلوم إلى درجة اهتزاز بؤرة الارتكاز فيه، وصعوبة حصوله على الاعتراف الفكري، والقوة المؤسسية في الإطار المعرفي العام، وينتج عن ذلك عادة تقسيم أقسام أو برامج الأدب المقارن مقابل ما تتمتع به الآداب القومية من قوة ومكانة.
стр. 15
الصلة التي تربط بين الأدب والفنون الجميلة
ورغم ذلك فقد يكون من المُستحسن أن نلقي نظرة على الصلة التي تربط بين الأدب والفنون الجميلة، والواقع أن في الأدب ملامح من كل فن من تلك الفنون, ونبدأ بالموسيقى فنرى أن في الشعر العروض والقافية؛ فضلًا عن السجع والجناس، والتشريع، والترصيع والموازنة، ورد الأعجاز على الصدور، وتكرير حرفٍ أو كلمة أو أكثر في بيت واحد أو أكثر، وهو ما يُحدِث تجاوبًا صوتيًّا أشبه بالرنين.
وإذا كان النثر يخلو من العروض والقوافي، فإن فيه مع ذلك السجع والجناس والموازنة ورد الأعجاز على الصدور، وغير ذلك من المحسنات البديعية اللفظية، التي من شأنها إحداث التوقيعات وما إليها، علاوة على ترديد حرف أو لفظة أو عبارة كاملة كما أشرنا آنفًا في كلامنا عن الشعر.
وهذا العُنصر المُوسيقي إلى جانب ما في الإبداع الأدبي من خيال وعاطفة، يعْمَلُ عمل السِّحر في القلوب؛ فيفتح مغاليق حصونها أمام الأفكار والمعاني، فتكونُ النشوة العلوية التي نعرفها للأدب، ولا نعرفها لغيره من الكتابات التي لا تتغيا إلا العقل، ولا وظيفة لها إلا إقناعه إقناعًا علميًّا باردًا ليس فيه حرارة الأدب، ولا تحليقه ونشوته.
وبسبب هذا التأثير الساحر للموسيقى في الشعر نجد النقاد قد اصطلحوا على أن يغضوا الطرف على ما يقع فيه من هنات نحوية وصرفية، مما يسمى بالضرورات الشعرية؛ لمعرفتهم أن الشعر مقيد بقيود العروض والقافية، وهي قيود ليست بالقليلة، وإن كان الشاعر الفحل لا يُحِسُّ أو لا يكادُ يُحِسّ بها فضلًا عنْ أن
стр. 16
ذلك العنصر الموسيقي نفسه، من شأنه أن يغطي على تلك الهنات، بما فيه من توقيع ورنين أخاذ.
ولنَفس هذين السببين يغتفر النقاد للشعراء بعض ألفاظهم وصيغهم، التي لا تشيع شيوع غيرها من الصيغ والألفاظ، وكذلك تركيباتهم التي لا تجري تمامًا على ما تجري عليه الجملة العربية النثرية الحرة.
وننتقل إلى فن التصوير حيث نجد أن إمكانات الأدب في هذا المضمار، أكبر من إمكانات الريشة، إذ لا يستطيعُ الرَّسم أن ينقل لنا في أية لوحة إلا لقطة واحدة، ومِن ثَمّ لا يُمْكن أن يكون المَشهد المرسوم إلا مشهدًا ساكنًا, ففن التصوير فنٌ مَكاني بخلاف الأدب الذي هو فن جمالي مكاني معًا، وبالتّالي كان بإمكان الأدب أن يُصَوِّر لنا معركة كاملة مثلًا من أولها إلى آخرها، بكل ما تعج به من كر وفر، وضرب وقتل، وجري وقفز على مدى ساعات وساعات.
كذلك فالتصوير قد يقتصر في الألوان على الأبيض والأسود، أما الأدب، فالألوان كلها حاضرة دومًا في يديه، لا يغيب منها لونٌ أبدًا, ليس ذلك فقط بل يستطيع الأديب في لوحته أنْ يَنْقُل لنا الأصوات أو المشمومات، وخلجات النفوس، مفصلة بكل دقائقها علاوة على أسماء الأشخاص وأنسابهم، وأسماء بلادهم، وماضيهم وحاضرهم وعلاقاتهم بغيرهم من البشر، وهو ما لا يستطيعه شيء منه فن الرسم كما هو معروف.
وفوق هذا ففي الرسم يرى المشاهد اللوحة دفعة واحدة، فلا يحس من ثم بذلك التشويق الذي يشعر به قارئ الأدب؛ حيث تنبثق الأسرار واحدًا وراء الآخر مثيرة بهذه الطريقة تطلعاتنا ولهفتنا؛ مما لا يعرفه مشاهد اللوحة, كما أنّ اللوحة تقف عاجزة تمامًا عن أن تنقل مثلًا عبارة تهكمية، كقول أحد الأدباء عن بطل من أبطال قصته: "إنه لم يمت تمام الموت".
стр. 17
كذلك فاللوحة لا تترك للذهن فرصة لإضافة شيء إلا ما يراه المشاهد أمامه، إذ كل شيء حاضر تلقاء عينيه؛ بخلاف قارئ الأدب، حيثُ يترك الكاتب كثير من الفراغات التفصيلية، ينشط الخيال إلى ملئها مستمعًا بهذا النشاط الذهني العجيب.
ولدينا أيضًا: التشبيهات والاستعارات مما لا تستطيع اللوحات إيذائه شيئًا إذ هي لا تُرينا إلا الشيء ذاته فحسب، على عكس النص الأدبي الذي يرينا الشيء، ويرينا في ذات الوقت الشيء المشبه به وهكذا.
ومثلما هو الحال في العلاقة بين الأدب والتصوير، فكذلك الحال في العلاقة بين الأدب والنحت، إن الكلمات قادرة على وصف الأشياء ذات الحجوم وصفًا مجسمًا؛ ثم تزيدُ على ذلك وصف الحركة، والصوت، والرائحة كما أشرنا قبلًا, وكذلك التقاط دبيب المشاعر والأفكار، والنيات أيضًا، لا الحركة وحدها كما ظن الفيلسوف الألماني "ليسنج" في دراسته عن التمثال "لاوكون".
وفي شِعْرنا القديم أمثلة كثيرة جدًّا على هذا اللون من الإبداع، إذ يعكف الشاعرُ على ناقته أو فرسه مثلًا، يَصِفُها عضوًا عضوًا بكل ما لديه من تحديد وتدقيق، كما يُقابلنا في شعر الغزل أحيانًا مثل ذلك الوصف للمرأة التي يتدله في هواها الشاعر؛ شعرها وعينيها ووجنتيها، وفمها وأسنانها وعنقها، وصدرها وقوامها، وخصرها وساقيها ... إلخ.
ولقد أذكر مثلًا أنني قرأت كثيرًا من الصفحات التي تتجلى فيها هذه السمة التعبيرية في كتابي (ولدي) وفي (منزل الوحي) للدكتور محمد حسين هيكل حين يصف بعض شوارع باريس، أو الكعبة المشرفة فتتجلى براعته في تدقيق الوصف، وتحليله، وتفصيله؛ بحيث يبدو لك كأنه نحات مدهش.
стр. 18
ولا تقتصر المقارنات بين الأدب والفنون الجميلة عند هذا الحد، بل هنالك أيضًا البناء والعمارة، ومن يمر بعينيه على الأرفف المخصصة لكتب تاريخ الأدب والنقد؛ فسوف يعثر على عناوين مثل: بناء القصيدة عند الشاعر الفلاني أو في العصر العلاني أو بناء الرواية, وفي العقود الأخيرة كانت هناك ضجة تتحدث عن البنيوية منهجًا في نقد الأدب، وبِخَاصّة في مجال الأسطورة والقصة، مِمّا يدلُّ على أن ثمة علاقة بين الأدب وفن العمارة أيضًا.
وكلنا يعرف ما كتبه ابن قتيبة في القرن الثاني الهجري يصف التصميم البنائي الذي كانت تجري عليه كثيرٌ من القصائد العربية القديمة، إذ لاحظ أن الشعراء الجاهليين عادة ما يفتتحون قصائدهم بالوقوف على الأطلال، والبكاء عندها، جاعلين ذلك سبب لذكر أهلها الظاعنين عنها بحثًا عن الماء والكلأ، ثمّ ينْتَقِلون من هذا إلى النسيب، وشكوى الوجد وألم الفراق؛ بُغية استمالة الأسماع والقلوب، ثم يُعَقِّبون بذكر ما لاقوه في رحلتهم إلى ممدوحهم من مشاقّ ومصاعب؛ ليدخلوا بعد هذا في مديحه وتفضيله على كل من عاداه وهكذا.
ويُنَبّه ابن قتيبة الشاعر إلى أنه ينبغي أن يعدل أثناء هذا بين أغراض القصيدة وأقسامها، فلا يُطيل الكلام في قسم على حساب الآخر، إلى آخر الشروط التي طالب بها ناقدنا الكبير شعراءنا القدامى كي يحوزوا قبول الممدوحين والنقاد على السواء، وابن قتيبة هنا مجرد مثال.
على أنّ بناء القصيدة لا يتعلق بموضوعاتها فحسب؛ بل هناك بناؤها الموسيقي بدءًا من شكلها التقليدي، الذي يعتمد الوزن الواحد، والقافية الواحدة من أولها إلى آخرها، مع تقسيم كل بيت إلى شطرين متساويين، مرورًا بالمزدوجات والموشحات، والمصمتات والرباعيات، وانتهاء بالقصيدة التفعيلية؛ حيثُ يتَحَرّرُ
стр. 19
الشّاعِرُ من كثير من القيود العَروضية، فنراه لا يساوي بين الأبيات، ولا يُقَسّم كلًّا منها إلى شطرين متساويين، بل يعتمد السطر وحدة عروضية، مع اعتماد التفعيلة لا البحر أساسًا لموسيقاه, ومع اختلاف عدد التفعيلات من سطر إلى سطر دون نظام مطرد.
ونفس الشيء قل في نظام التقفية؛ إن جاز لنا أن نسمي عدم النظام الذي يجري عليه الشاعر هنا نظام.
وكما أن هناك بناءً للقصيدة، كذلك هناك بناء للعمل القصصي، فهو مجموعة من الحوادث آخذ بعضها برقاب بعض، بحيثُ يكون كل منها نتيجة طبيعية لما سبقه، وعلة منطقية لما يليه، وهذه الحوادث تقع من أشخاص لهم صفاتهم وقدراتهم، وتُحَرّكهم بواعث ودوافع كسائر البشر، ولا بد أن يكون ثم اتساق بين تصرفات هؤلاء الأشخاص وأفكارهم وكلامهم، وبين ظروفهم الاجتماعية والنفسية، ومستواهم العقلي والذوقي.
كذلك ينبغي مراعاة مبدأ الاختيار والتركيز، إذ يستحيل نقل الحياة كما هي في الواقع اليومي بكل تفاصيلها، ومن هنا قيل: إن المطلوب هو الإيهام بالحياة لا نقلها نقل أمينًا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ذكرها.
وينبغي بالإضافة إلى هذا: العمل على إقامة توازن بين عناصر الفن القصصي؛ من سرد وحوار، ووصف وتحليل، وكذلك بين بدايته ووسطه وخاتمته, ومن الأعمال القصصية ما يكون تصميمه مطابقًا لمجرى الزمن الطبيعي، بادئة من أقصى نقطة في الماضي، ومتقدمة مع الحوادث إلى الأمام. وهناك تصميم آخر يسير بعكس هذا الاتجاه، أي من نهاية القصة إلى بدايتها؛ ليعود في خاتمة المطاف إلى نهايتها تارة أخرى.
стр. 20
ومن التصميمات ما يتخذ شكلًا حلزونيًّا، إذ تتفرع من القصة الرئيسية قصة أخرى، وهذه تتفرع منها قصة ثالثة.
هذا عن الأدب المقارن، لكن كانت قبل الأدب المقارن دعوات إلى ما يسمى بالأدب العالمي، ويذكر الدكتور طاهر أحمد مكي، في كتابه (الأدب المقارن أصوله وتطوره ومناهجه) أن المحاولات الأولى في سبيل الوصول إلى أدب العالمي، بدأت في ألمانيا منذ قرن الثامن عشر، وانتقلت منها إلى بقية الدول الأوربية، ثم استمرت في القرنين التاليين.
وكان المُؤَلّفُون يقومُون بتلخيص تاريخ الأدب على نطاق العالم بعامة، أو تواريخ الآداب الأوربية بوجه خاص على الأقل، ومن ذلك على سبيل المثال كتاب (تاريخ الشعر والبلاغة منذ القرن الثامن عشر) لـ "بتروفت" الألماني الذي ظهر في بداية القرن الثامن عشر في اثني عشر جزءًا، وكتاب (الأدب العالمي) للإيطالي "دي بوبر ناتس" وهو يقع في ثمانية عشر مجلدًا، وصدر في نهاية القرن المذكور، ويمكن أن نضيف أيضًا المحاولة العربية التي قام بها دكتور أحمد أمين، ودكتور زكي نجيب محمود في كتابهما (قصة الأدب في العالم) الذي بزغ إلى الوجود خلال أربعينات القرن الماضي في ثلاثة مجلدات.
وكذلك المعاجم والموسوعات الخاصة بالبحث في مختلف آداب العالم كمعجم "جوزيف شبلي" وموسوعته المعروفين في هذا المجال.
ولست من رأي الدكتور مكي الذي يُقلل تمامًا من شأن مثل تلك المؤلفات إذ يرميها بأنها تملؤ رُفوف المَكتبات بدون جَدوى، وما هي إلا خلاصة مُخِلّة، أو تَرديدٌ مُمِلّ لتواريخ مختلف الكتب والكتاب، التي تمثل اتجاهًا واحدًا في شتى البلدان, وعنده أن ذلك كله ليس هو المقصود من تاريخ الأدب العالمي؛ لأن خلاصة العناصر شيء يختلف تمامًا عن اختصارها.
стр. 21
وفاته أنه ما كان للأدب العالمي أن يوجد إلا بعد قيام أولئك المؤلفين وأمثالهم بوضع كتبهم تلك، إذ إنهم بتلك المحاولات قد لفتوا الأنظار إلى أن هناك صلة بين الآداب العالمية أو الأوربية بعضها ببعض، ويكفيهم أنهم أعطونا صورة بانورامية لآداب الدنيا، أو آداب جزء كبير منها، وليكُن في الصورة بعد ذلك ما يكون من عيوب ونقوص، فمن سنن الحياة ألا يخلو عمل إنساني من العيوب، وأن تكون تلك العيوب على أشدها في البدايات الأولى.
والمهم أنهم لفتونا إلى فكرة عالمية الأدب، التي ما كان يمكن أن تظهر إلى الوجود إلا بعد تشبع القائلين بها، والعاملين على إبرازها بما في تلك الكتب الآنفة الذكر من معنى، ذلك أنه ما من شيء في الدنيا يتم دفعة واحدة، بل لا بد له من مقدمات وتمهيدات.
وعلى هذا ففي قوله عن تلك المؤلفات: إنها محاولة تركيبية أولى، لا تمت بصلة إلى ما نعنيه الآن بالأدب العالمي، ذلك إن إعداد أكوام الحجارة أو الأسمنت أو الحديد وتنظيمها لا يعني أن البناء قد ارتفع، في قوله هذا كثير من التجني، وإلا فهل يمكن قيام أي بناء وارتفاعه دون أن نعد لذلك أولًا أكوام الحجارة والأسمنت والحديد وننظمها، إن هذا لهو المستحيل بعينه.
ولكن ما هي عالمية الأدب التي نتحدث عنها؟ إنها باختصار العمل بكل سبيل على تعرف الآداب المختلفة بعضها إلى بعض، ومن ذلك قراءة الآداب الأجنبية في لغتها الأصلية، أو في لغات وسيطة أو في ترجماتها إلى اللغة القومية؛ فيسهل حينئذ إفادة الآداب الضعيفة الآسنة من الآداب القوية المتوثبة حيوية وإبداعًا، كما يسهل تنبه الأمم المتقدمة إلى قيمة آداب الأمم التي لم تصل بعد إلى درجة تقدمها، والتي قد يكون لآدابها قيمة فنية، وإنسانية كبيرة رغم ذلك.
стр. 22
وهذا الانفتاح من شأنِهِ أنْ يُوَسّع آفاق إنسانيتنا، ويجعل أذواقنا وأفكارنا أكثر عمقًا، وأرحب مدى، ولا ينبغي الاعتصام بالحاضر المبالغ فيه؛ خوفًا من الذوبان في ثقافة الآخرين، كما لا ينبغي الانفتاح على تلك الثقافات دون الحرص على ما تتمتع به الثقافة القومية من خصوصية، ومذاق متميز، ما دامت تلك الخصوصية قد أثبتت في المناسبات المختلفة أنها عاصم هام، بدونه تضيع الشخصية القومية، وتذوب الأمة في محيط الأمم الأخرى.
إن الاعتدال مطلوب، ولا بد من الموازنة بين الانفتاح على ثقافات الآخرين، والحرص على الثقافة القومية من الضياع، وهذا التوازن هو الذي يغني تلك الثقافة، وفي ذات الوقت يتمسك بما فيها من عناصر الخير والنفع، وإذا كان الإخلاص في الترجمة، والوفاء للأصل المترجم مطلوبًا بمنتهى الشدة؛ فما أكثَرَ ما يَفْهَمُ المُترجم من العمل الذي ينقله إلى لغته رغم هذا شيئًا لا يراه أصحاب الأدب واللغة، اللذين ينتمي إليهما العمل المذكور، بل ربما لم يستطع مبدعه هو ذاته أن يراه فيه، وقد يكون هذا الفهم الجديد إغناءً للعمل المترجم، وقد يكون إساءة فهم له.
وإلى جانب الترجمة في تمهيد الطريق إلى العالمية الأدبية المنشودة، هناك الهجرات التي يقوم بها الأفراد والجماعات، ينتقلون بها من مكان إلى مكان جديد؛ حيث يختلطون بأمم أخرى، ويتعلمون لغات أخرى، وينفتحون على ثقافات أخرى، أو يكون لأصحابها من قوة التأثير بحيث يكون الانفتاح والانتفاع من جانب أهل الأرض المهاجر إليها.
ويلحق بهذه العوامل: عامل الغزو؛ كما في حالة الفتوح الإسلامية التي تمت غب عند ظهور الإسلام، حيث استطاع العرب نشر لغتهم وثقافتهم، وذوقهم
стр. 23
الأدبي؛ فضلًا عن استفادتهم من آداب الأمم التي فتحوا بلادها، لقد تركت كثير من الأمم التي فتح العرب بلادها لغاتها وآدابها، وأقبلت على لغة العرب وأدبهم، وأصبحوا عربًا بدورهم، لغة وأدبًا وذوقًا.
في الوقت الذي دخلت لغة العرب وآدابها أشياء غير قليلة، من لغات تلك الأمم، وفنونها الأدبية كما هو معروف؛ كالكلمات الفارسية التي تشير إلى مدلولات ومفاهيم لم يكن العرب بها عهد قبل هذا، مثل: "النوروز والدستور والكامخ والفيروز والفالوذج، والصولجان والخوان والجلاد، لقاء ما لا يكاد يحصى من كلمات وتعبيرات عربية غزت اللغة الفارسية، التي كانت لسان القرآن قد حل محلها في كتابة الأدب الفارسي عدة قرون.
وككتاب (كليلة ودمنة) الذي أدخله ابن المقفع بين الأدبين الفارسي والهندي جميعًا، وكالرّسائل الديوانية بتقاليدها المعقدة، التي لم يكن العرب ينتهجونها في رسائلهم قبل اتصالهم بالفرس.
بهذه الطريقة تتعرف الأمم والشعوب بعضها إلى آداب بعض، وتنفتح الطرق فيما بين تلك الآداب، ويتم تلاقحها فتقوى، وتدب فيها الحيوية، أو في أقل تقدير تزداد قوة إلى قوتها، وحيوية إلى ما كانت تتمتع به قبل من حيوية.
وهذا الانفتاح ميدان من ميادين الأدب المقارن، إذ يتيح الفرصة للدارس المقارن كي يتتبع سبل الاتصال بين الآداب بعضها ببعض، والعوامل التي ساعدت على هذا الاتصال، والثمار التي ترتبت عليه؛ فضلًا عن المقارنات الفنية بين الأعمال الأدبية، وهذا طبعًا إذا كان ذلك الدارس من أتباع المدرسة الفرنسية التي تتشدد في عملية المقارنة الأدبية؛ فلا تقدم على الإفتاء إلا إذا تبين بيقين أن ثمة اتصالًا وتأثيرًا وتأثرًا بين الطرفين الأدبيين؛ سواء كان كل من الطرفين عملًا أدبيًّا أو تيارًا أو جنسًا، أو كان هو كان الكاتب المبدع ذاته ... إلخ.
стр. 24
أما أتباع ما يسمى بالمدرسة الأمريكية، فهم لا يرون أية غضاضة في المقارنة بين أي طرفين أدبيين بينهما وجه من وجوه التشابه، سواء كان هناك اتصال أو لم يكن، وهذا إن كان صحيحًا أنّ هذا المنهج هو منهج أمريكيٌّ حقًّا، إذ قد لاحظتُ أن العرب القدماء مثلًا في مقارنتهم الأدبية العفوية، لم يكونوا يلتفتون إلى شرط قيام مثل تلك الصلات، ولم يعرفوا أنهم يمارسون شيئًا اسمه الأدب المقارن، أو يستخدموا مصطلحاته.
والمأمول أن يكون في الدراسات الأدبية المقارنة معوان على التقارب بين الأمم، والتخفيف ولو قليلًا من غلواء العصبيات القومية، واحترام المبادئ، والقيم الإنسانية المشتركة بين البشر على اختلاف أوطانهم وحضاراتهم، والمأمول بالذات أن تتعلم الدرس الأمم الغربية التي تتخيل أنها قد جبلت من طينة أخرى غير الطينة التي جبل منها سائر الناس، وأنها إنما وجدت لتسود وتقود، وتتمتع بخيرات الكون دون سواها من البشر.
نقول: هذا هو المأمول، وإن كان المتحدث إليكم لا يعول كثيرًا على ذلك، فالنّفس البشرية ليست مطواعًا في الخير والسمو بهذ هـ السهولة، ولا يمكنها فيما أتصور أن تتخلى على العصبيات المذكورة تمام التخلي.
أما ما يقوله الدكتور حسام الدين خطيب من أن فكرة العالمية ليست جديدة في التار يخ الإنساني، بل لعل الإنسان خلق في الأصل عالميًّا؛ فالواقع يؤكد خلافه؛ لأنه إذا كان الإنسان مكونًا من عدة جوانب؛ كالجانب الفردي والجانب الوطني، والجانب الديني، والجانب العالمي؛ فان الغلبة في حالات التصادم بين الجانب الفردي أو القومي، والجانب العالمي تكون للجانب الأول.
стр. 25
بل إن الجانب القومي؛ ليتلاشى أمام سطوة الجانب الفردي، اللهم إلا في حالات الأفراد الأفذاذ عادة، وبالذات في لحظات التوهج والسمو النادرين، كما في أوقات الحروب مثلًا حيث يمكن في ظل ظروف معينة أن يقدم الفرد على التضحية بمصالحه الخاصة، بل بحياته ذاتها فداء لوطنه أو دينه مثلًا.
ويتصف ما نحن بصدده هنا من عالمية الأدب ما كان يأمله "جوته" ويتوقع تحققه هو ومن يتابعونه، من أن الأدب العالمي معناه أن الآداب العالمية حين يتم تجاوبها، بعضها مع بعض، لم تلبث أن تتوحد جميعًا في سوى حدود اللغة، وما يُمكن أن توحي به البيئة والإقليم، وهو ما نفى دكتور/ محمد غنيمي هلال إمكان تحققه تمامًا؛ لأن فكرة الأدب العالمي في رأيه مستحيلة التحقيق، ذلك إن الأدب -كما يقول- هو قبل كل شيء استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن والقومية، وموضوعه تغذية هذه الحاجات، فهي محلية أولًا، وهي تشف حتمًا عن غايات عالمية.
ولكن؛ من وراء التعبير عن المسائل والآمال القومية، وما يتبع ذلك من المواقف النفسية والخواطر الذاتية، التي لا بُدّ أن تَدُلّ أولًا على حال المؤلف، بوصفه مواطنًا أو فردًا من جماعة كبيرة، ومن وراء الموقف المحدد الذي يتوجه به الكاتب إلى جمهوره الخاص، تتراءى المعاني الإنسانية العامة, فالآداب في رأيه وطنية قومية أولًا، وخلود الآثار الأدبية لا يأتي من جهة عالمية دلالاتها، ولكنه ينتج عن صدقها وتعميقها في الوعي الوطني والتاريخي، وأصالتها الفنية في تصوير آمالها وآلامها النفسية، والاجتماعية المشتركة بين الكاتب وجمهوره.
والحق أنه لا يوجد خلاف بين ما يقوله هلال وما نادى به "جوته" ورجا وقوعه؛ فكلاهما يؤكد أن الخطوط العالمية العامة، وبخاصة من حيث الموضوعات
стр. 26
والأشكال الفنية لم تلغ الخطوط الفردية والقومية الخاصة أبدًا كما هو واضح، إلا أن دكتور هلال قد تسرع في الاعتراض على كلام "جوته" دون مسوغ.
على أن لي تعليقًا سريعًا على قوله: "إن الآداب وطنية قومية أولًا" وهذا التعليق يتلخص في أنها في الواقع الحي فردية، قبل أن تكون وطنية أو قومية، ومع هذا فإن ما يضمن لها الخلود، هو ما فيها من نزعة إنسانية تخاطب البشر على اختلاف أديانهم، وأوطانهم، وعاداتهم وتقاليدهم، إلى آخره بشرط أن يتحقق لها الإبداع الفني الراقي بطبيعة الحال.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 27
الدرس: ٢ التأثر والتأثير في الأدب المقارن .
стр. 28
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(التأثر والتأثير في الأدب المقارن)
التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة السلافية
التأثير والتأثر في الأدب المقارن:
إذا كانت المدرسة الفرنسية في الأدب المقارنة تشترط لإجراء عملية المقارنة: أن تكون هناك صلات تاريخية بين طرفي المقارنة؛ فإن ثمة مدارس أخرى تشترط وجود مثل تلك الصلات، بل تكتفي بوجود المشابهات أو الاختلافات بينهما، ومن هذه المدارس: المدرسة الأمريكية، والإيطالية، والألمانية، والسلافية. كما أشرنا قبلًا.
وسوف نتريث هنا قليلًا لنقول كلمة عن المدرسة السلافية لما فيها من خصوصية تميزها عن بقية المدارس المذكورة آنفًا، وهي المدرسة التي كان ينتمي إليها الدارسون المقارنون في الاتحاد السوفيتي، ودول شرق أوربا الدائرة أوان ذلك في فلكه، إذ تكتفي تلك المدرسة بأن تكون هناك تشابهات بين الأديب أو الجنس الأدبي أو الاتجاه الفني مثلًا المراد درسه، وبين نظيره لدى أمة أخرى، وسواء بعد ذلك أكانت هناك صلات بين الطرفين أم لا.
وتزيد المدرسة السلافية على ذلك: أنها ترجع تلك التشابهات إلى تشابهات في البنية التحتية، التي أفرزت الإبداع الأدبي على منهجها في رد كل شيء في دنيا الفكر والذوق، إلى وسائل الإنتاج وعلاقاته.
كذلك لاحظت حين كنت أنَقِّر في تراثنا العربي بغية العثور على نصوص في المقارنة الأدبية؛ فوجدت منها الكثير أن علماءنا القدامى من مقارني الأدب، لم يكونوا يضعون نُصب أعينهم شرط وجود الصلات التاريخية بين طرفي المقارنة، إذًا فالتأثير الخارجي الذي ينسب له أنصار المدرسة الفرنسية عادة الدور الأكبر في المشابهات بين الآداب القومية المختلفة، ويشترطون تحققه كي تتم المقارنة الأدبية
стр. 29
بين عملين أو أديبين مثلًا، ليست له تلك الأهمية بالنسبة لأنصار المدرسة السلافية.
بل إن هذا الدور غدا محكومًا في نظرهم بتطور المجتمع المنتج للأدب، ويكتب "جيرمونسكي" موضحًا الشرط الاجتماعي الذي يحكم التأثير الخارجي؛ فيؤكد أنه لا يُمكن لأي تأثير ذي أهمية أن يكون مصادفة أو دفعة آلية من الخارج، أو واقعة ميدانية في سيرة خاصة بأحد الأدباء، أو في سير عدد منهم، أو نتيجة تعارف بالمصادفة مع كتاب جديد، أو انجرافًا وراء أنموذجات، أو تيارات أدبية تمثل السائد الأدبي.
فالأدب مثله مثل الأشكال الأيدلوجية الأخرى، يتشكل قبل كل شيء على أساس تجربة اجتماعية محددة، بوصفه انعكاسًا للواقع الاجتماعي، وأداة لإعادة بنائه؛ لذا فإن إمكانية التأثير ذاتها، مشروطة في بعض جوانبها بالقوانين الطبيعية؛ لتطور مجتمع معين، وأدب معين، على اعتبار الأدب أيدلوجية اجتماعية، تتولد في إطار واقع محدد تاريخيًّا.
إنّ أي تأثير هو أمر ممكن تاريخيًّا لكنه مشروطٌ اجتماعيًّا؛ فلكي يصبح التأثير ممكنًا، يجبُ أن تكون ظروف البلد المتأثر أو المستقبل مهيئة ومشابهة في الأفكار والأخلاق والموضوعات، والصور للاتجاهات المؤثرة.
ثم يلخص "جيرمونسكي" وجهة نظر علم الأدب المقارن الم اركسي في مسألة التأثير قائلًا: "يمكن أن يكون التشابه بين الظواهر الأدبية، ولا سيما التشابهاتُ ذاتِ الطّابع العام، كالتَّشابه بين الاتجاهات أو الأنواع الأدبية، أو المبادئ الجمالية، أو التوجهات الأيدلوجية، الذي تتكشف عنه آداب مختلفة في وقت واحد، قائمًا على مقدمات اجتماعية تاريخية واحدة، في مرحلة واحدة من
стр. 30
مراحل التطور، أو على التشابه في الواقع الاجتماعي، وفي أيدلوجية طبقة اجتماعية في حالة تاريخية معينة".
هذا الضرب من التشابه في تطور الآداب، لا يقتضي حتمًا وجود تأثير مباشر؛ لأن وجود التوجهات المتشابهة في الآداب القومية، هو بحد ذاته شرط رئيسي لإمكانية قيام التأثيرات الأدبية الدولية، ليس التأثير دفعة آلية من خارج أو دفعة بالمصادفة، وليس واقعة تجريبية في سيرة الحياة الذاتية لكاتب، أو فئة من الكتاب، وليس نتيجة لتعارف بالمصادفة، أو لولع بأنموذج أدبي دارج، أو اتجاه أدبي, إن أي تأثير هو أمر خاضع للقوانين، ومشروط اجتماعيًّا، ويحدد هذه المشروطية التطور الطبيعي القانوني في المجتمع المتأثر وفي أدبه, كما يحددها اتساق الأيدلوجية الاجتماعية مع قوانين الصيرورة التاريخية.
وثم ناحية أخرى مهمة يتطرق إليها "جيرمونسكي" مؤكدًا أنّها مما يميز المدرسة السلافية عن مدارس الأدب المُقارن الأخرى في الغرب، ألا وهي: أن تلك المدارس إنما تنطلق من مما يسمونه بالمركزية الأوربية، تلك المركزية إلي لا ترى إلا أوربا والغرب، ولا تتصور للحظة أن الغرب أن يكون مدينًا لأحد خارج نطاقه.
يقول الرجل عن المدرسة السلافية: "إنها تتغيا فيما تتغياه مناهضة نزعة المركزية الغربية، التي سادت ولا تزال سائدة في كثير من أوساط الدارسين المقارنين الغربيين، التفكير النظري الغربي، والتفكير المنضوي تحت لوائه، والممارسات المقارنية الغربية سيادة تامة، حتى عهد قريب.
وعلى الرغم من تنوع مناهج الدرس المقارن للأدب في الغرب الأوربي والأمريكي، واختلافها فيما بينها في التركيز على هذا العنصر أو ذاك، من عملية التفاعل الأدبي بين الأمم والشعوب؛ فإن ما يجمعُ بينها من جانب، ويُمَيّزُها من
стр. 31
جانب آخر عن غيرها من مناهج الدرس المقارن الأخرى، خارج العالم الغربي، هو نزعتها الواضحة وضوح الشّمس نحو التمركز المسرف حول الذات الغربية، أو ما بات يعرف بـ" Euro-centrism ".
صحيح أن هذه المناهج أو المدارس كما يحلو لبعض الدارسين أن ينعتها، تقر بدين الآداب الأوربية الحديثة للموروث الكلاسي -اليوناني والروماني-، والموروث الديني -التوراتي أسفار العهدين القديم والجديد-، ولكنها لا تحاول الخروج من دائرة الافتتان بالذات الأوربية، بغرض تلمس ديون أخرى لهذه الآداب، واعتزازهم الأجوف بالتميز الأوربي، الذي يكاد أن يبلغ درجة التعصب العنصري البغيض إلى كل من يعمل في دوائر الدرس المقارن للأدب.
ففضلًا عن دين الموروث الكلاسي في شقه اليوناني، لحضارة الشرق القديم، وحضارة مصر القديمة، ودينه في الشق الروماني، لحضارات حوض البحر المتوسط شماله وجنوبه وشرقه وغربه، ودين الموروث الديني إلى الشرق العربي، مهد الديانتين اليهودية والمسيحية؛ فثمة دين أوربا عصر النهضة للحضارة العربية الوسيطة التي حفظت لأوربا موروثها الكلاسي، وأغنته ونمته، وطورته، ومضت به أشواطًا بعيدة جعلت من العصور الوسطي عصورًا في غاية التألق، والغنى، والعطاء.
ولم تكن في يومٍ عصورًا للظُلمات إلا في أوربا التي استكانت لنسختها الخاصة، التي ارتضتها من الديانة الشرقية السامية المسيحية، التي تبنتها الإمبراطورية الرومانية، وسهلت انتشارها في أوربا كلها.
وقد تجَلّت هذه النزعة المحفوظة بالنّظرة الدونية إلى سائر آداب العالم، التي لم تكن لترقى في عيون المصابين بفيروس السلطان أو القوة إلى معارج الآداب الأوربية.
стр. 32
وهكذا اعتقد الأوربيون أن الشعوب الإفريقية أو الآسيوية بوصفها بدائية أو طفولية يُمكن استبعاد آدابها وفنونها بطرق مختلفة، دون أن يُخامر المرء أدنى شعور بالخسارة أو مجافاة شروط البحث العلمي، وأن الثقافات الشفوية هي بالتأكيد دون الثقافات الأوربية الغربية المدونة، وهي لذلك تصلح للمتاحف والدراسات الأنثروبولوجية، والدراسات التاريخية المتصلة بنشوء الإنسان وتطوره وارتقائه، كما هو الشأن في نظرة الأوربيين إلى الملاحم الشفوية.
وأن الأجناس الأدبية التي لا تتفق والتصنيفات الأدبية الأوربية، يُمكن أن تُهمل دون شعور كبير بالإثم، ما دامت خارجة عن القانون الأدبي الغربي، كما هو الشأن في نظر الأوربيين إلى المقامة، أو الشعر الغنائي في الآداب الشرقية، وأنّ الأعْمَال الأدبية العظيمة في نظر الأمم والشعوب التي أنتجتها تقاس بما يُسمى "روائع الأدب الغربي" وتنال من الدرجات بمقدار قربها أو بعدها من النماذج الغربية.
وكانت حصيلةُ هذه المظاهر العنصرية في جوهرها، والعابثة في موقفها: إن بعض الآداب كان يساوي أقل من الآداب الأخرى, وبعضها كان فريدًا في امتلاكه أهمية عالمية, وبعضها الآخر يمكن أن يهمل بوصفه بدائيًّا أو عاديًّا، ولذلك وجدنا أنّ المقارنين في القرن التاسع عشر بكامله مضوا في إلحاحهم على أن المقارنة تكون على محور أفقي، أي: بين الأنداد, وإحدى نتائج هذا المنظور.
كما تلاحظ "سوزان بازنت" أن باحثي الأدب المقارن ومنذ البداية مالوا إلى العمل مع الكتاب الأوربيين فقط, ولهذا دعا "جيرمونسكي" كبير مناظري هذه المدرسة إلى ضرورة توسيع دائرة البحث في الأدب المقارن، بغرض الوصول إلى نتائج أكثر مصداقية، وحقائق أكثر رسوخًا وموضوعية.
стр. 33
وهذه الدعوة تضعه إلى الطرف النقيض للدرس المقارن الغربي، القائم على المركزية الغربية، التي ينبغي أن ترفض في رأيه، ورأى الكثيرين من المؤمنين بالرسالة السامية للأدب المقارن رفضًا قاطعًا مستشهدًا على ذلك بمقولة رائد الدرس المقارني الروسي "فيسلو فيزكي" الذي كان يعكس في عصره أفكارًا أكثر تقدمية في مجال علم الأدب، من أفكار "هيلدر" وغيره.
بِقَدْر ما تكثُر المُقارنات والمقابلات، وبِقَدر ما يكون ميدانها واسعًا، تكون النتائج أكثر رسوخًا, يَكتُب "جيرمونسكي": "وإذا كان علم الأدب في الغرب قد تخلى عن دراسة القضايا الواسعة، والآفاق العريضة لتطور الأدب العالمي، واتجه نحو التخصص الضيق محددًا أطر بحثه داخل الحدود القومية، وفي أحسن الأحوال معتمدًا على الأعمال الأوربية؛ فإننا في الاتحاد السوفييتي ذي القوميات؛ حيث تعيشُ شُعوب الشّرق والغرب في وحدة وتآخ؛ لتبني ثقافة جديدة قومية في شكلها، واشتراكية في محتواها، تُسَلّم تلقائيًّا بضرورة تناول مسائل التطور الأدبي من خلال الدراسات المقارنية التاريخية الأرحب أفقًا، وضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار اكتمال هذه الدراسات على الأعمال الأدبية الغربية والشرقية".
هذا ما تقوله المدرسة السلافية، ولا ريب في أن تلك الدعوة الأخيرة هي دعوة الأرحب أفقًا، وأكثر إنسانيةً، وأمعن في العلمية من تلك المركزية الأوربية، وما يترتب عليها من تداعيات منهجية وإنسانية خطيرة, وأن كان من الواجب علينا مع ذلك أنْ نُضيف في ذات الوقت ما نعرفه من أن هناك في الغرب ناس شرفاء، لا يحجمون عن التصريح بما يصلون إليه من نتائج، مهما كان تعارضها بل تصادمها مع هذا الإحساس الغربي المريض، ومنهم أولئك المستشرقون الذين أبرزوا تفوق الحضارة العربية الإسلامية، وآدابها أيام كانت أوربا تسبح في ظلام
стр. 34
العصور الوسطي الدامس، وكذلك الدين الذي تدينه أوربا لتلك الحضارة، وما أثمرته من آداب.
وعدد هؤلاء المستشرقين ليس بالقليل في ذاته، وإن كانت نسبتهم إلى المتعجرفين الذين لا يُريدون الإقرار بالحقيقة في هذا المجال غير كبيرة؛ لكنّنا لا ينبغي أيضًا أن نستنيم لهذا الكلام إلى الحد الذي ينسينا أن الاتحاد السوفيتي زعيم الكتلة الشرقية، التي يتغنى بإنسانيتها الكاتب، كان دولة استعمارية تسعى للسيطرة والهيمنة على الدول الصغيرة، مثله في هذا مثل الاستعمار الأوربي والأمريكي سواء بسواء، وأن ما يُرصفه الكَاتِبُ من ألفاظ وعبارات جميلة، إنّما هو جزء من خطة التسلل إلى قلوب أبناء العالم الثالث، الذي كان السوفيت يتصارعون مع الغرب على السيادة عليه، والفوز بخيراته.
كذلك لسنا نشاطر المدرسة السلافية كل مل تردده من أفكار وتفسيرات، وبخاصة ما تقوله من أن المُشابَهات التي تكون بين الإطراف الأدبية، لا بد أن يكون مَرْجِعُها مشابهات مثلها بين البنى التحتية لها, ذلك أن مثل تلك الدعوى إنما تقوم على أساس من الفلسفة الماركسية المادية، وهي فلسفة مُتعسفة ضيقة الأفق؛ فكثيرًا ما يُلاحظ أنّ التّشابهات بين طرفين أدبيين ترتد إلى أشياء مختلفة تمامًا عن ما تقوله تلك المدرسة.
ولقد تأثرت مثلًا آدابنا العربية في العصر الحديث بآداب أوربا الغربية وما زالت، رغم اختلاف الأوضاع الاقتصادية هنا عنها هناك، بل إنّ آدابنا كانت تتأثر في ذات الوقت بآداب الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، رغم اختلاف علاقات الإنتاج والأوضاع الاقتصادية بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية اختلافًا شديدًا، والواقع أن كثيرًا من تلك الترجمات والمقالات.
стр. 35
والدراسات التي مهدت الطريق إلى تأثر أدبنا العربي بالآداب الغربية، سواءٌ تِلك التي تنتمي للكتلة الشيوعية أو الكتلة الرأسمالية، إنّما ترجعُ في جانب منها إلى المبادرات والاهتمامات الفردية للكتَّاب والمترجمين، الذين قد يكونوا بعضهم مقتنعًا بما يدعو إليه، ويعمل على نشره أو قد تكون له مصلحة في ذلك.
وفي جانب آخر إلى الدعاية والتخطيط المنظمين، الذين كانا يقوم بهما الاتحاد السوفيتي، والدول الرأسمالية؛ حيث يتم تشغيل كثير من الكتاب والأدباء والنقاد بالمناصب والأموال والرحلات والهدايا وغير ذلك، بِغَرض القِيام بالدعاية لآدابهم، ونشر قيمها بين العرب، وطبع آدابهم وعقولهم وأذواقهم، ومن ثم اتجاهاتهم السياسية والخلقية والاقتصادية بطابعه، فضلًا عن تَوفير المجلات والمطبوعات والكتب المترجمة بسعر زهيد.
ولقد انقلب مثلًا كثيرٌ من الكتاب والأدباء المتحمسين للاشتراكية، فأصبحوا متحمسين بنفس القوة إلى كل ما هو غربي أو الأمريكي منه بالذات، رغم أنه لم يتغير شيء يذكر في أوضاع العرب، والبركة طبعًا في أجهزة الدعاية الأوربية والأمريكية، وما تنفقه في هذا السبيل من أموال، وتضعه من خطط، وتغرق السوق العربية من مطبوعات وصحف ومجلات، وكتب تمجد ثقافة بلادها وقيمها وأذواقها.
وأنا حين أقول ذلك لا أنفي أن يكون تشابه الظروف الاقتصادية، وعلاقات الإنتاج ووسائله، سببًا في تشابه الأشكال الفنية، أو الموضوعات الأدبية بين أدبين من الآداب أو أكثر، بيدَ أنني لا أقصر تلك المشابهات على هذا العامل وحده، أو أجعله عاملًا حتميًّا بالضرورة، إنّما هو عاملٌ واحد بين عوامل متعددة؛ قد يكون له تأثيره، وربما لا يكون له شيء من تأثير على الإطلاق.
стр. 36
التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة الفرنسية
هذا؛ عن المدرسة السلافية؛ بيد أن لواء الغلبة كان وربما لا يزال حتى الآن معقودًا للمدرسة الفرنسية، ذلك أن دخول مادة الأدب المقارن إلى جامعاتنا إنما تم في البداية على يد الأساتذة الذين كانوا قد بعثوا إلى الجامعات الفرنسية، وعلى رأسهم: الدكتور محمد غنيمي هلال، والدكتور أنور لوقا. ولأن فرنسا هي فيما نعرف أول بلد استخدم فيه مصطلح الأدب المقارن عام سبعة وعشرين وثمان مائة وألف.
ولقد بلغ من تأثير تلك المدرسة أن واحدًا مثلي، ظَلّ إلى وقت قريب، يَظُنّ أنّ الدِّرَاساتِ المُقارنة لا تصح ولا تجوز، إلا إذا كانت هناك علاقات تاريخية بين الطرفين المراد المقارنة بينهما، وثبت أن لأحدهما تأثيرًا على الآخر، وإلا إذا استطعنا أن نَرصد المسار الذي اتخذه هذا التأثير، وتحققنا من وقوعه، وأقمنا الأدلة عليه.
لكنني الآن بعدما اطلعت على تراثنا العربي في ميدان المقارنة، مع معرفتي بأن أجدادنا لم يكونوا متنبهين إلى أنهم يمارسون ما نسميه الآن الأدب المقارن، بل كانت جهودهم في ذلك الميدان جهودًا عفوية فطرية؛ لم أعُد أتَشَدّدُ تَشدد الفرنسيين، ولا آخذ أخْذَهم، وبخاصة أنني اطلعت على أفكار مدارس مقارنة أخرى.
وكنت أيضًا قد وقعت على ألوان مقارنة بين آدابنا وآداب غيرنا في العصر الحديث لم يهتم أصحابها الذين لم يكونوا قد سمعوا شيئًا اسمه الأدب المقارن بمسألة التأثير والتأثر على الإطلاق، وتركوا رغم هذا وراءهم بعض من أمتع المقارنات
стр. 37
كرفاعة الطهطاوي، وأحمد فارس الشدياق، وروح الخالدي، وقسطاق الحمصي مثلًا.
بل إن هناك دراسات مقارنة شائقة قام بها بعد ذلك الدكتور جمال الدين الرمادي، وشفيق جبري على سبيل المثال لا تستند إلى أي اهتمام بتأثير أو تأثر.
وبغض النظر عن اختلاف مدارس المقارنة الأدبية في هذه النقطة؛ فإن التأثير والتأثر بين الآداب أمر لا محيص عنه، ولا يمكن نكرانه، إذ هو واقع يدركه كل من له معرفة بطبيعة أي أدب من آداب العالم وتاريخه، وكما أن الفرد منا أو الشعب من الشعوب لا يمكنه العيش وحده في هذه الدنيا، ولا القيام وحده بحاجاته بل لا بد له من التعاون مع غيره من الشعوب والأفراد؛ فكذلك الحال في ميدان الآداب، إذ لا يوجد أدب يستطيع أن يحيى وحده دون الأخذ من الآداب الأخرى وإعطائها، وإلا ركدت الحياة الأدبية وأسنت وفسدت، وانحط مستواها فنيًّا ومضمونيًّا على السواء.
وهذه سنة الحياة؛ فالحياة تقوم على الصراع من جانب، وعلى التعاون من جانب آخر، وعملية التأثر والتأثير قد تكون هي ذاتها لونًا من ألوان الصراع، أو لونًا من ألوان التعاون، أو مزيجًا من اللونين جميعًا بدرجات متفاوتة؛ حسب ظروف كل أدب، وحسب ظروف المرحلة التاريخية التي تتم فيها تلك العملية.
والشعوب والأمم التي على ظهر البسيطة، تنتمي كلها إلى جنس واحد هو الجنس البشري رغم اختلافها في أشياء كثيرة، ورغم أن الغلبة في معظم الأحيان تكون لتلك الأشياء الفارقة، على حساب ما هو مشترك بينها كما قلنا في موضع آخر من هذه الدراسات.
стр. 38
ومن ثم كان لا بد من الأخذ والعطاء بينها في الأدب كما في الاقتصاد والسياسة والعلم، وغير ذلك، فاليد الواحدة لا تصفق كما يقولون.
ولسوف يكتشف الدارس المقارن كيف أن كثيرًا من الآداب الكبيرة العالمية، التي لا يظن للحظة أنها مدينة في شيء لآداب الأمم الصغيرة، التي لا تتمتع بالشهرة العالمية، بل قد يظن كثيرٌ من الدارسين أنها ليست آدابًا ذات قيمة، أنّها على العكس من ذلك، قد أفادت من تلك الآداب قليلًا أو كثيرًا، دونَ أن يتنبه بذلك أحد من قبل؛ لحرص رجالها على أن لا يعرف الناس شيئًا عن هذا الأخذ الذي يرون أنه يحط من قدرهم.
ومن الناحية الأخرى يجد الدارس المقارن متعة عقلية ونفسية لا تقدر بثمن، حين يعمل على تتبع العلاقات بين الآداب المختلفة، ومظاهر التأثر والتأثير بينها، والسبل التي تسلكها هذه العملية.
وتتنوع عوامل التأثير والتأثر بين الآداب؛ فقد يكون غزو شعب لبلد شعب آخر أو احتلاله إياه سببًا من أسباب تأثير أدب الفاتحين في أدب المغلوبين، ومثالًا على هذا نشير إلى تأثير الأدب العربي في آداب البلاد التي فتحها المسلمون عند ظهور الإسلام، وكذلك تأثير الأدب الإنجليزي والفرنسي في البلاد المختلفة، التي احتلتها بريطانيا وفرنسا أيام المد الاستعماري.
وقد تكون الرحلات والبعثات الدراسية سببًا آخر في التعرف على آداب الأمم الأخرى، والإعجاب والتأثر بها, ولدينا أيضًا الترجمة التي قد تقوم بها الأمم المتأثرة من تلقاء نفسها، أو يخطط لها، ويوجهها ويشرف عليها ويمولها أصحاب الأدب القوي، الذي يراد له أن يكون مؤثرًا.
стр. 39
وهناك كذلك الصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية، التي تتحدث عن أدب شعب من الشعوب، مروجة وممجدة له، ومقدمة إياه في صورة براقة تسحر النفوس، وتسبي العقول.
وقبل ذلك لا ننسى أنه كثيرًا ما يتم تعرفنا إلى الآداب الأجنبية، وتأثرنا بها، عبر قراءتها في لغتها الأصلية, وقد يكون التأثر عن طريق الندوات والمؤتمرات ومقابلة الأدباء الأجانب. وقد يقع من خلال أدب وسيط تأثر من قبل بأدب أمة ما، ثم أثر بدوره في أدب أمة ثالثة حاملًا إليه أثناء ذلك العناصر التي استقاها من الأدب الأول.
ومن أهم هذه العوامل حاليًا الدراسة المنظمة للآداب الأخرى في أقسام اللغات الأجنبية، كما هو الحال في جامعاتنا التي لا تخلو إحداها من أقسام لدراسة اللغة الإنجليزية والفرنسية على الأقل، وآدابهما, وقد ينضاف إلى ذلك الأدب الألماني، والأدب الإيطالي، والأدب الأسباني؛ فضلًا عن آداب الأمم الإسلامية كالأدب الفارسي والأدب الأردي، والأدب التركي.
وبالمثل يوجد في بريطانيا، وأمريكا، وكندا، واستراليا، وفرنسا، وسويسرا، وروسيا، وأسبانيا وايطاليا واليابان وإيران، وباكستان، وتركيا والهند والصين، ونيجيريا، وكثير من البلاد الأخرى وبخاصة الإسلامية أقسام لدراسة اللغة العربية وآدابها.
وينبغي أن لا نغفل عن الدور الذي قامت به المكتبات العامة ولا تزال، في توفير الكتاب إلى من يريد أن يقرأ، ودون أن يدفع مقابل لذلك إلا في الحالات الشاذة التي لا يقاس عليها.
стр. 40
وقد جد في الفترة الأخيرة عامل آخر فائق الأهمية ألا وهو المشباك "الإنترنت" حيث يتوفر الكتاب والمجلة، والصحيفة بلغات العالم المختلفة، في دقائق معدودات؛ وبدون تكلفة على الإطلاق في معظم الحالات وهكذا.
ولكن كيف يتسنى للدارس المقارن معرفة المصادر التي تأثر بها الأديب أو الأدب الذي يدرسه؟ إنها في الواقع مسألة اجتهاد قبل كل شيء، وكلما كان المقارن الأدبي واسع القراءة، عميق الإطلاع، واعيًا بما يقرأ، قوي الذاكرة، كان ذلك أعون له على الوصول إلى تلك المصادر، على أن يكون واضحًا منذ البداية أننا مهما نقبنا وسعينا في هذا السبيل؛ فلن نصل يومًا إلى معرفة كل المصادر التي أثرت في كل أديب أو أدب, إن هذا بكل يقين أمر مستحيل.
وغاية ما يمكننا أن نقوله هو أننا كلما أمطنا اللثام عن مصدر من تلك المصادر، كان ذلك مكسبًا عظيمًا، ولسوف تبقى الغالبية العظمى من مصادر التأثير مجهولة رغم ذلك.
ومن الممكن مثلًا أن يكتب الأديب عن الكتب التي قرأها أو الأدباء والمفكرين الذين تأثر بهم، بيد أن هذا لا يحدث دائمًا، وإن حدث فربما لا يذكر الأديب إلا بعض من تأثر بهم من أعمال أو أشخاص، ويضرب صفحًا عن الباقي لسبب أو لآخر ليس أقلها النسيان، أو تصوره أنّ الأمر ليس بتلك الأهمية التي يتصورها الآخرون، أو خشية من اتهامه بعدم الأصالة مثلًا.
كذلك لا ينبغي أن يؤخذ كلامه في كل الأحوال على محمل التصديق حتمًا, ذلك أن الأديب قد ينسى أو يسهو أو يكذب أو يبالغ، أليس هو بشر يجوز عليه ما يجوز على سواه؟.
следующие страницы →