← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة الفرنسية هذا؛ عن المدرسة السلافية؛ بيد أن لواء الغلبة كان وربما لا يزال حتى الآن معقودًا للمدرسة الفرنسية، ذلك أن دخول مادة الأدب المقارن إلى جامعاتنا إنما تم في البداية على يد الأساتذة الذين كانوا قد بعثوا إلى الجامعات الفرنسية، وعلى رأسهم: الدكتور محمد غنيمي هلال، والدكتور أنور لوقا. ولأن فرنسا هي فيما نعرف أول بلد استخدم فيه مصطلح الأدب المقارن عام سبعة وعشرين وثمان مائة وألف. ولقد بلغ من تأثير تلك المدرسة أن واحدًا مثلي، ظَلّ إلى وقت قريب، يَظُنّ أنّ الدِّرَاساتِ المُقارنة لا تصح ولا تجوز، إلا إذا كانت هناك علاقات تاريخية بين الطرفين المراد المقارنة بينهما، وثبت أن لأحدهما تأثيرًا على الآخر، وإلا إذا استطعنا أن نَرصد المسار الذي اتخذه هذا التأثير، وتحققنا من وقوعه، وأقمنا الأدلة عليه. لكنني الآن بعدما اطلعت على تراثنا العربي في ميدان المقارنة، مع معرفتي بأن أجدادنا لم يكونوا متنبهين إلى أنهم يمارسون ما نسميه الآن الأدب المقارن، بل كانت جهودهم في ذلك الميدان جهودًا عفوية فطرية؛ لم أعُد أتَشَدّدُ تَشدد الفرنسيين، ولا آخذ أخْذَهم، وبخاصة أنني اطلعت على أفكار مدارس مقارنة أخرى. وكنت أيضًا قد وقعت على ألوان مقارنة بين آدابنا وآداب غيرنا في العصر الحديث لم يهتم أصحابها الذين لم يكونوا قد سمعوا شيئًا اسمه الأدب المقارن بمسألة التأثير والتأثر على الإطلاق، وتركوا رغم هذا وراءهم بعض من أمتع المقارنات

стр. 37

كرفاعة الطهطاوي، وأحمد فارس الشدياق، وروح الخالدي، وقسطاق الحمصي مثلًا. بل إن هناك دراسات مقارنة شائقة قام بها بعد ذلك الدكتور جمال الدين الرمادي، وشفيق جبري على سبيل المثال لا تستند إلى أي اهتمام بتأثير أو تأثر. وبغض النظر عن اختلاف مدارس المقارنة الأدبية في هذه النقطة؛ فإن التأثير والتأثر بين الآداب أمر لا محيص عنه، ولا يمكن نكرانه، إذ هو واقع يدركه كل من له معرفة بطبيعة أي أدب من آداب العالم وتاريخه، وكما أن الفرد منا أو الشعب من الشعوب لا يمكنه العيش وحده في هذه الدنيا، ولا القيام وحده بحاجاته بل لا بد له من التعاون مع غيره من الشعوب والأفراد؛ فكذلك الحال في ميدان الآداب، إذ لا يوجد أدب يستطيع أن يحيى وحده دون الأخذ من الآداب الأخرى وإعطائها، وإلا ركدت الحياة الأدبية وأسنت وفسدت، وانحط مستواها فنيًّا ومضمونيًّا على السواء. وهذه سنة الحياة؛ فالحياة تقوم على الصراع من جانب، وعلى التعاون من جانب آخر، وعملية التأثر والتأثير قد تكون هي ذاتها لونًا من ألوان الصراع، أو لونًا من ألوان التعاون، أو مزيجًا من اللونين جميعًا بدرجات متفاوتة؛ حسب ظروف كل أدب، وحسب ظروف المرحلة التاريخية التي تتم فيها تلك العملية. والشعوب والأمم التي على ظهر البسيطة، تنتمي كلها إلى جنس واحد هو الجنس البشري رغم اختلافها في أشياء كثيرة، ورغم أن الغلبة في معظم الأحيان تكون لتلك الأشياء الفارقة، على حساب ما هو مشترك بينها كما قلنا في موضع آخر من هذه الدراسات.

стр. 38

ومن ثم كان لا بد من الأخذ والعطاء بينها في الأدب كما في الاقتصاد والسياسة والعلم، وغير ذلك، فاليد الواحدة لا تصفق كما يقولون. ولسوف يكتشف الدارس المقارن كيف أن كثيرًا من الآداب الكبيرة العالمية، التي لا يظن للحظة أنها مدينة في شيء لآداب الأمم الصغيرة، التي لا تتمتع بالشهرة العالمية، بل قد يظن كثيرٌ من الدارسين أنها ليست آدابًا ذات قيمة، أنّها على العكس من ذلك، قد أفادت من تلك الآداب قليلًا أو كثيرًا، دونَ أن يتنبه بذلك أحد من قبل؛ لحرص رجالها على أن لا يعرف الناس شيئًا عن هذا الأخذ الذي يرون أنه يحط من قدرهم. ومن الناحية الأخرى يجد الدارس المقارن متعة عقلية ونفسية لا تقدر بثمن، حين يعمل على تتبع العلاقات بين الآداب المختلفة، ومظاهر التأثر والتأثير بينها، والسبل التي تسلكها هذه العملية. وتتنوع عوامل التأثير والتأثر بين الآداب؛ فقد يكون غزو شعب لبلد شعب آخر أو احتلاله إياه سببًا من أسباب تأثير أدب الفاتحين في أدب المغلوبين، ومثالًا على هذا نشير إلى تأثير الأدب العربي في آداب البلاد التي فتحها المسلمون عند ظهور الإسلام، وكذلك تأثير الأدب الإنجليزي والفرنسي في البلاد المختلفة، التي احتلتها بريطانيا وفرنسا أيام المد الاستعماري. وقد تكون الرحلات والبعثات الدراسية سببًا آخر في التعرف على آداب الأمم الأخرى، والإعجاب والتأثر بها, ولدينا أيضًا الترجمة التي قد تقوم بها الأمم المتأثرة من تلقاء نفسها، أو يخطط لها، ويوجهها ويشرف عليها ويمولها أصحاب الأدب القوي، الذي يراد له أن يكون مؤثرًا.

стр. 39

وهناك كذلك الصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية، التي تتحدث عن أدب شعب من الشعوب، مروجة وممجدة له، ومقدمة إياه في صورة براقة تسحر النفوس، وتسبي العقول. وقبل ذلك لا ننسى أنه كثيرًا ما يتم تعرفنا إلى الآداب الأجنبية، وتأثرنا بها، عبر قراءتها في لغتها الأصلية, وقد يكون التأثر عن طريق الندوات والمؤتمرات ومقابلة الأدباء الأجانب. وقد يقع من خلال أدب وسيط تأثر من قبل بأدب أمة ما، ثم أثر بدوره في أدب أمة ثالثة حاملًا إليه أثناء ذلك العناصر التي استقاها من الأدب الأول. ومن أهم هذه العوامل حاليًا الدراسة المنظمة للآداب الأخرى في أقسام اللغات الأجنبية، كما هو الحال في جامعاتنا التي لا تخلو إحداها من أقسام لدراسة اللغة الإنجليزية والفرنسية على الأقل، وآدابهما, وقد ينضاف إلى ذلك الأدب الألماني، والأدب الإيطالي، والأدب الأسباني؛ فضلًا عن آداب الأمم الإسلامية كالأدب الفارسي والأدب الأردي، والأدب التركي. وبالمثل يوجد في بريطانيا، وأمريكا، وكندا، واستراليا، وفرنسا، وسويسرا، وروسيا، وأسبانيا وايطاليا واليابان وإيران، وباكستان، وتركيا والهند والصين، ونيجيريا، وكثير من البلاد الأخرى وبخاصة الإسلامية أقسام لدراسة اللغة العربية وآدابها. وينبغي أن لا نغفل عن الدور الذي قامت به المكتبات العامة ولا تزال، في توفير الكتاب إلى من يريد أن يقرأ، ودون أن يدفع مقابل لذلك إلا في الحالات الشاذة التي لا يقاس عليها.

стр. 40

وقد جد في الفترة الأخيرة عامل آخر فائق الأهمية ألا وهو المشباك "الإنترنت" حيث يتوفر الكتاب والمجلة، والصحيفة بلغات العالم المختلفة، في دقائق معدودات؛ وبدون تكلفة على الإطلاق في معظم الحالات وهكذا. ولكن كيف يتسنى للدارس المقارن معرفة المصادر التي تأثر بها الأديب أو الأدب الذي يدرسه؟ إنها في الواقع مسألة اجتهاد قبل كل شيء، وكلما كان المقارن الأدبي واسع القراءة، عميق الإطلاع، واعيًا بما يقرأ، قوي الذاكرة، كان ذلك أعون له على الوصول إلى تلك المصادر، على أن يكون واضحًا منذ البداية أننا مهما نقبنا وسعينا في هذا السبيل؛ فلن نصل يومًا إلى معرفة كل المصادر التي أثرت في كل أديب أو أدب, إن هذا بكل يقين أمر مستحيل. وغاية ما يمكننا أن نقوله هو أننا كلما أمطنا اللثام عن مصدر من تلك المصادر، كان ذلك مكسبًا عظيمًا، ولسوف تبقى الغالبية العظمى من مصادر التأثير مجهولة رغم ذلك. ومن الممكن مثلًا أن يكتب الأديب عن الكتب التي قرأها أو الأدباء والمفكرين الذين تأثر بهم، بيد أن هذا لا يحدث دائمًا، وإن حدث فربما لا يذكر الأديب إلا بعض من تأثر بهم من أعمال أو أشخاص، ويضرب صفحًا عن الباقي لسبب أو لآخر ليس أقلها النسيان، أو تصوره أنّ الأمر ليس بتلك الأهمية التي يتصورها الآخرون، أو خشية من اتهامه بعدم الأصالة مثلًا. كذلك لا ينبغي أن يؤخذ كلامه في كل الأحوال على محمل التصديق حتمًا, ذلك أن الأديب قد ينسى أو يسهو أو يكذب أو يبالغ، أليس هو بشر يجوز عليه ما يجوز على سواه؟.

стр. 41

ومن هنا كان على الدارس المقارن أن لا يسلم ما يقوله الأديب دون تمحيص أو مراجعة، وإذا كان القانون الذي يقره هو نفسه أن الاعتراف سيد الأدلة، لا يصدق اعتراف المتهم مباشرة؛ بل يعمل بكل ما أوتيه من قوة وخبرة، ومهارة على التحقق من صدق ما أدلى به من اعتراف، وكثيرًا ما يعدل عن الأخذ بتلك الاعترافات، بعد أن يتضح له أنها ملفقة لسبب أو لآخر، كما نعرف جميعًا فما بالنا بالأدب المقارن! إنه لأحرى أن نكون فيه على يقظة وحذر، ومن ثم ينبغي أن يراجع المقارن الأمر بنفسه، كي يتأكد من صحته، أو يتبين له أن فيه ما يبعث على الريبة إن لم يكن التكذيب. كذلك بمكنة الدارس المقارن أن يُدلي بدلوه مباشرة في هذا المجال، وذلك يتوقف على مدى اتساع قراءته، وقوة ذاكرته، وشدة يقظته لما يقرأ إذ قد يتذكر مثلًا بعد قراءته رواية من الروايات أنه اطلع من قبل على رواية أو قصيدة، أو مذكرات شخصية تشبهها؛ لكن عليه في تلك الحالة أيضًا أنْ لا يتعجل الحكم بالتأثير والتأثر، بل لا بد له من بذل جهده في التحقق مما خطر له، وذَلك من خلال إعادة قراءة العملين من جديد، مع تسجيل نقاط التشابه والاختلاف، كُلّما مضى في القراءة واكتشف شيئًا يتعلق بهذا الموضوع. ولكن مهما تكن سعة اطلاع المقارن، ووعيه ويقظته، وقوة ذاكرته؛ فإن مدى هذا الاطلاع وتلك الذاكرة جد محدود, ومن ثم فلا مناص من الاستعانة بما كتبه الآخرون عن الصلة بين العمل الأدبي الذي يكون بصدده، وبين سواه من الأعمال السابقة عليه، مع وجوب الاجتهاد في التحقق من سلامة ما كتبه الآخرون، بذات الطريقة التي يتحقق بها مما يخطر له هو نفسه في هذا الباب.

стр. 42

إنّ الوَضع ليُشبه إلى حد كبير وضع المنهج العلمي التجريبي، حيثُ يبدأ الأمر بفرضية تحتاج إلى تمحيص وتثبت، وبعد التمحيص والتثبت يمكن للعالم أن يعلن صحة الفرضية أو خطأها، أو على الأقل حاجتها إلى مزيد من التحقيق والتدقيق، مع تقديم الحيثيات التي استند إليها في هذا الحكم أو ذاك أو ذلك. على أن يكون معروفًا أن التشابه بين عملين أدبيين مثلًا في بعض السمات أو الشيات، لا يعني على سبيل الحتم أن بينهما تأثرًا وتأثيرًا أو على الأقل أن بينهما تأثرًا وتأثيرًا مباشرًا؛ فكثيرًا ما يقع الحافر على الحافر -كما يقول البلاغيون- دفعًا لتهمة السرقة عن بعض الشعراء، وهو ما يعني أن التشابه قد يكون ثمرة من ثمرات المصادفة، أو راجعًا إلى اتفاق الجو الأدبي العام في الأدبين الذين ينتمي إليهما العملان، أو يكون سببه تأثر أحدهما أو كليهما بمصدر ثالث، تصادف أن قراءه صاحب العملين جميعًا؛ فكان هذا التشابه الذي لا يعني في هذه الحالة أنه كانت هناك صلة مباشرة، أو تأثر وتأثير بينهما. ثم إن صور التأثر متعددة ومتنوعة، فقد يكون محصورًا في بعض الألفاظ أو العبارات أو التراكيب أو الصور البيانية؛ فيكون مجال التأثر والتأثير أسلوبيًّا, وقد يكون هناك تأثر من ناحية الجنس الأدبي أو الاتجاه المذهبي، أو مضمون العمل أو موضوعه أو العاطفة السائدة أو الوزن الشعري أو بناء القصيدة أو المقال أو الرواية ... إلخ. وقد يكون التأثر من ناحيتين أو أكثر من هذه النواحي. وبالمناسبة؛ فكثيرا ما يكون التأثر سلبيًّا بمعنى أن الأديب المتأثر قد يفهمه نظيره المؤثر فهمًا خاطئًا، أو يكون تأثره به عكسيًّا كأن يكون في الطرف الأول تشاؤم شديد، وتكون شخصية الثاني شخصية ناجحة مرحة مقبلة على الحياة، فيكون رد فعله هو الرغبة في إثبات أن في الدنيا موجبات كثيرة للابتهاج والسعادة مثلًا.

стр. 43

كذلك مادمنا في موضوع التأثر والتأثير؛ فعلى الدارس المقارن أن يجتهد في تتبع المسار الذي اتخذه العمل، أو الأدب أو الأديب المؤثر حتى استطاع أن يؤثر في الطرف الآخر, وليس معنى هذا أننا إذا لم نستطع تتبع هذا المسار لم يبق إلا أن نجزم بأنه لم تكن هناك صلة تاريخية بين الطرفين، ومن ثَمّ نقول: إنه ليس ثمة تأثير وتأثر ذلك أن عدم استطاعة الباحث إثبات الصلة المذكورة شيء، والجزم بنفي وقوعها شيء آخر؛ فما أكثر ما تقع الجرائم وتحوم الظنون والشبهات حول أحد الأشخاص إلا أن البحث والتحري ليمكناننا من إثبات التهمة عليه؛ فلا يملك له القانون حينئذ شيئًا رغم أنه قد يكون هو فعلا مرتكب الجريمة. بعض الشواهد على عملية التأثير والتأثر في بعض مجالات الأدب المقارن والآن إلى بعض الشواهد على عملية التأثير والتأثر في بعض مجالات الأدب المقارن على اختلافها؛ فمثلًا هناك موضوعات تقليدية غاب أصلها الأدبي في غياهب الزمن؛ فلم نعد نعلم عن انتقالها من بلد إلى بلد شيئًا ذا بال، مثل (أسطورة خاتم سليمان) و (أسطورة طاقية الإخفاء) و (أسطورة الشحاذة الطيبة الجميلة التي تتزوج ملكًا) فكل واحدة من هذه الأساطير كانت موضوعة لكاتب أو أكثر من كاتب في الأدب العالمي، خلع عليها من فنه الكثير؛ فحملت خصائص إبداعه، وللموضوع مواقف عامة، ومواقف خاصة، تقوم على التفصيلات التي يبتدعها كل كاتب من عنده، وتعد تجديدًا للموضوع الذي يتناوله. ويمكن أن تقوم المُقارنة الأدبية بين عدة كتاب تناولوا هذا الموقف أو ذاك، ومن الممكن أن يكون أحدهم قد أثر في الآخر بطريقة أو بأخرى، وذلك أمر مشروع لا ضرر فيه.

стр. 44

وفي وسع أمثال هذه الدراسات المقارنة إذا تناولت مثلًا موضوع الغيرة أو الانتقام أو التضحية في سبيل الواجب، أن تلقي ضوءًا قويًّا كاشفًا على عبقرية مختلف الكتاب وفنهم، كما تلقي نفس الضوء على تطور العواطف في جمهورها، وبالمثل فإن بعض الدراسات المقارنة في الأدب تتناول الصور المختلفة لمعالجة الأدباء لشيء من الأشياء، أو عادة من العادات، أو سلوك من السلوكيات، أو معتقد من المعتقدات أو قيمة من القيم، أو عرف من الأعراف خلال العصور المختلفة في مختلف الآداب مثل: الانتقام أو الأخذ بالثأر أو لعبة الشطرنج أو عادة التدخين أو تعاطي المخدرات، أو غير ذلك من النواحي الايجابية أو السلبية. مثال ذلك مسرحية "فاوست" للشاعر الألماني "جوته" التي تتناول قضية عامة هي التردد بين العقل والقلب, ففي أول المسرحية نرى "فاوست" شقيًّا كل الشقاء بعقله ويهم بالانتحار، ثم يتولد فيه الأمل ويأخذ في نشدان السعادة، عندما يبدأ في التفكير في التقدم والمستقبل، ويظل على هذا طوال الجزء الأول من المسرحية، وينتهي هذا الجزء بنجاة "مارجريت" منه ومن روح الشر المسيطرة عليه، وتفضل البقاء في السجن والبعد عن حبيبها. وفي الجزء الثاني من المسرحية يظل "فاوست" منغمسًا في تجارب الحياة المادية إلى أن يتعرف على "هيلين" رمز الجمال الخالص، فيهتدي عن طريقها إلى الخير والعفة والفضيلة. وهذه القصة نفسها هي التي تمثل محور الموقف العام في مسرحية توفيق الحكيم (شهر زاد) فقضية العقل والقلب ذات أثر واضح فيها، بما يوضح ويبين لنا التأثر الأدبي من جانب الحكيم بالشاعر الألماني "جوته" ومسرحية "أوديب الملك" الذي كتبها الشاعر اليوناني "سوفوكليس" الذي عاش في الفترة ما بين أربع مائة وستة

стр. 45

وتسعين، وأربع مائة وستة قبل الميلاد، والتي التي تدور حول سلطان القادر الساحر الذي قد يحول انتصارات المرء إلى هزائم، وهزائمه إلى انتصارات. ومادة موضوع "أوديب" أسطورة يونانية شهيرة، ولقد تأثر بها توفيق الحكيم في مسرحيته التي نشرها سنة تسع وأربعين وتسع مائة وألف، بعنوان "الملك أوديب" وإذا كان "أوديب / سوفوكليس" يعاني من مشكلة البحث عن الحقيقة، فإن "أوديب / توفيق الحكيم" يعاني من مشكلة الصراع بين الحقيقة والواقع. ومن المعروف أن لعلي أحمد باكثير، مسرحية عنوانها "أوديب" قال: إنّ هدفه من كتابتها محاولة تشخيص مشكلة سياسية وطنية، هي مشكلة فلسطين, وهدف "باكثير" مِن هذه المسرحية هدف ديني بحت، فهو يهاجم البدع التي أخذت تشيع، وتنتشر في البيئات الإسلامية منذ العصر الفاطمي، ويقوم على رعايتها والترويج لها طبقة من المتاجرين، الذين يجمعون الأموال من السذج باسم الدين، أو باسم الدفاع عنه. وهناك كذلك النماذج الأدبية الإنسانية، ومنها نماذج الشعوب أو السلالات البشرية كالفرنسي والإنجليزي والمصري والمغربي، ونماذج المهن الوظائف كذلك يمكن أن ندرس جوانب التأثر والتأثير بين الكتاب، الذين تناولوا شخصية "البغي" حيث اختلفت صورته باختلاف الكتاب، فبعضهم عدها امرأة فاضلة، بل قدمها في صورة ملاك يساعد، ويعطي دون أي مقابل؛ مما لا يفعله كثير ممن يتشدقون بالأخلاق الفاضلة. ولعل خير مثال على ذلك مسرحية "غادة الكاميليا" للكاتب الفرنسي "ألكسندر دوماس" التي عربها المنفلوطي بعنوان "الضحية" وضمنها كتابه (العبرات) وشخصية "نور" في "اللص والكلاب" وشخصية "لولا" في "السمان والخريف"

стр. 46

لنجيب محفوظ, كذلك صور بعض الكتاب البغية في صورة ضحية مغلوبة على أمرها؛ فلا ذنب لها في نظرهم في سقوطها، بل المسئول عن ذلك المجتمع الذي قد يكون قد دفعها للرذيلة أو الهاوية دفعًا, وبعض ثالث عدها آفة اجتماعية لا سبيل إلى إصلاحها، بل هي خطر داهم على المجتمع الذي تعيش فيه. وكان لمسرحية "غادة الكاميليا" أثر كبير على الكتاب العرب الذين تناولوا شخصية "البغي الفاضلة" ومنهم نجيب حداد الذي قلد الرواية الفرنسية شكلًا وموضوعًا، وخاصة في "إيفون مونار" أو "حواء الجديدة" التي تدور حول فكرة رد اعتبار العاهرة، وليس نجيب حداد بالغريب على الرواية الفرنسية، فقد قراها وترجم بعضا منها، وبذلك يعد أول من تطرق لموضوع الدفاع عن البغي في الأدب العربي الحديث. وفي مجال القصص يشير عبد الواحد عرجوني في مقال له بعنوان: "من مظاهر تأثير الثقافة العربية الإسلامية في آداب الشعوب: مباحث في الأدب المقارن" منشور في موقع الورشة الثقافية إلى قصة "البلبل والوردة" التي تتردد في آداب عدد من الأمم والشعوب المختلفة، كالأدب الفارسي والهندي والآداب الأوربية متسائلًا: ما الذي يجمع بين هذه الآداب جميعًا؟ هل يعود الأمر إلى ما يسميه "فان تيجيم" موضة أدبية عالمية؟ وبالنسبة لنص "أوسكار وايد" "البلبل والوردة" ترى هل هناك مصدر شرقي له؟ أم إن الأمر لا يعدو أن يكون مشتركًا إنسانيًّا عامًّا أوحت به العاطفة الشعرية تجاه الطبيعة؟!. وقد تناول القصة ذاتها كاتب غربي آخر هو "جيون ديو ري" ليتمها كاتب ثالث هو "جان دي مين" في رواية بعنوان "الوردة" كما قام بنظمها في سبع مائة واثنين وعشرين ألف بيت من الوزن الثماني، بقافية تجمع كل بيتين منها الشاعران

стр. 47

"جيون ديو ريس" الذي نظم القسم الأول، وهو أربعة ألاف ومائتان وستون بيتًا في النصف الأول من القرن الثالث عشر، و"جان دي مون" الذي أتمها بعد مرور خمسين عاما حوالي سنة سبعين ومائتين وألف للميلاد فضلًا عن حضورها في إبداعات أخرى كقصيدتي: "بوشكين" "آه يا فتاة يا وردة أنني في الأغلال" و"البلبل والوردة" وقصيدة ثالثة لـ"جوته". وإذا كان هذان الأخيران لا ينفيان تأثير الأدب الشرقي في إبداعهما، فإن "وايلد" لا يورد أي أشارة صريحة في هذا المجال، وخلاصة القصة لديه أن تلميذًا أراد أن يقدم وردة لحبيبته كي ترقص معه في حفلة الأمير، فلم يجد في حديقته وردة حمراء؛ فسمعه العندليب الذي أدرك سر حزن العاشق الشاب، وطار باحثًا إلى أن وجد شجرة وردها أحمر اشترطت عليه أن يضحي بحياته من أجل الحصول على ما يريد، وذلك بأن يغني طوال الليل، وهو يضغط بصدره على شوكة من أشواكها، ثم يظل يضغط إلى أن يسقيها بدمه، إذ ماذا يساوي قلب العندليب إزاء قلب الإنسان. وقد ضحى العصفور بحياته مقابل حصول الشاب على وردة حمراء يقدمها لحبيبته، إلا أن الفتاه لم تولِ الشاب حين قدم لها الوردة أي اهتمام؛ لأنّ حفيد الملك أرسل لها مجوهرات نفيسة، فعند ذلك رمى التلميذ بالوردة إلى الشارع؛ لتدوسها عربة خيل كانت مارة من هناك وقرر الانصراف إلى دراسته. ويبدو من القصة أن "وايلد" وظفها من أجل تأكيد مذهبه الفن للفن؛ فموت البلبل كان تضحية لإرضاء الشاب، وهذا الشاب الذي كان مزجًا على العشب، يذرف الدموع؛ لأنّ حبيبته لن ترقص معه إن لم يقدم لها وردة حمراء، كان من المنتظر أن يأخذ هذه التضحية بعين الاعتبار، لكن الذي حدث كان نوعًا من اللامبالاة.

стр. 48

أما في التراث الإسلامي؛ فقد وظفت القصة توظيفًا رمزيًّا راقيًا؛ خاصة عند المتصوفة، ويُشير الأستاذ "إيه دي ديريجوري" إلى أن البلبل والوردة من أهم العناصر الشعرية الصوفية, إذ وقع البلبل الأخرس في حب وردة زرقاء، ولما اقترب منها حيته فلم يرد التحية، وهو ما أغضبها غضبا شديدًا، دعاها إلى عدم الكلام إليه؛ فأحزنه منها هذا السلوك ودعا الخالق أن يمنحه صوتًا يعبر به عن ما يجيش في قلبه، فاستجاب الله له ووهبه أجمل صوت في الكون. وعند ذاك عاد إلى الوردة، وغنى لها تعبيرًا عن حبه الكبير؛ لكن هذه الأخيرة لم تعره سمعًا؛ فانسحب كسير القلب، وهنا شعرت الوردة بالندم، ومن ثم حين عاد في الصباح رأى الدموع على أوراقها، فأسرع لمعانقتها لكن أشواكها طعنته طعنة أماتته، وأسالت دمه فوق أوراقها التي أضحت بسبب ذلك أوراقًا حمرًا. هذه هي الأسطورة التي أترعت خيال كثير من الشعراء الفرس والأتراك والعرب والهنود، فأبدعوا لنا منها أشعارًا خالدة تتغنى بمعاني الحب والجمال والموت، متمثلة في البلبل والوردة. وممن كتب من الشعراء العرب عن البلبل والوردة أيضًا: الشاعر العراقي المعروف بالرصافي والشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان ... إلخ. أما بالنسبة للأجناس الأدبية: فلاشك إننا في العصر الحديث قد أخذنا الفن المسرحي من الغرب، رغم أنه كانت لدينا بعض الأشكال التمثيلية البدائية، أرقاها "خيال الظل" الذي كان مع ذلك فنًّا شعبيًّا, وقد تعرف المصريون إلى المسرح أثناء الحملة الفرنسية، حين كان الغزاة الفرنسيون يمثلون بعض المسرحيات لأنفسهم، ثم لما ازداد اتصالنا بأوربا بعد ذلك في عهد "محمد علي" وأولاده نقل بعض الشوام المتمصرين هذا الفن إلى بلادنا وكان في أوله مجرد تقليد ضعيف لما كانوا يشاهدونه في أوربا.

стр. 49

ثم سرعان ما استحصدت الإبداعات المسرحية تمثيلًا وتأليفًا, وبالمثل فإن فن الملحمة لم يكن معروفًا للعرب القدماء، ولم يدخل شعرنا إلا في عصرنا هذا، رَغم أن هناك مقارنة أدبية قام بها ابن الأثير اتهم فيها شعرنا العربي بالتقصير عما هو معروف في الشعر الفارسي، غب استقلاله عن أدب العرب عن وجود ما يسمى الآن الملاحم. إذ أشار في كتابه (المثل السائر) إلى "الشهنامة" التي نظمها "الفردوسي" في ستين ألف بيت، وهو ما لا وجود له في شعرنا القديم. وقد ظن صلاح الدين الصفدي أنّ الأمر مجرد طول في القصائد؛ فذكر في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) بعض أمثلة من الشعر العربي ذي النفس الطويل، دون أن يتنبه إلا أنه بصدد فن أدبي خاص، وليس مجرد قصائد طويلة. ومن الأعمال الملحمية أو شبه الملحمية التي نظمها شعراؤنا في عصرنا الحالي، مع وجوب التنبه إلى ما حدث في للملاحم القديمة عبر التاريخ الطويل من تطور "ترجمة شيطان" للعقاد، و"عبقر" لشفيق المعلوف و"على بساط الريح" لفوزي المعلوف، و"على طريق إرم" لنسيم عريضة، و"الإلياذة الإسلامية" لأحمد محرم و"العلوية" لعبد المحسن الأنطاكي، و"الغدير" لبولس سلامة و"عين جالوت" لكامل أمين. ويضيف بعض الباحثين إلى هذين الفنين فنين آخرين هما: المقال، وقصيدة النثر, وقد أوردت في كتابي (فنون الأدب في لغة العرب) نصوص كثيرة من تراثنا ينطبق عليها مواصفات الجنس الأول تمامًا رغم أن أسلافنا لم يكونوا يسمونها مقالات، بل يطلقون عليها رسائل أو فصولًا، ورغم أنهم لم يكونوا يعرفوا شيئًا اسمه الصحافة، وبالمثل لم يكن نقادنا القدماء يستخدمون مصطلح قصيدة النثر، رغم وجود كثير من النصوص التي تدخل بكل قوة تحت هذا البند، دون أن يتنبه

стр. 50

مبدعوها أنهم يمارسون فنا مستقلًّا، بل دون أن يدور في خلدهم أن مصطلح القصيدة يمكن أن يطلق على شيء من النثر. وما يقال عن المقال وقصيدة النثر، يصح قوله بالنسبة للمذاهب الأدبية من رومانسية وواقعية وبرناسية وطبيعية، إذ ما أكثر النماذج الشعرية والنثرية التي تدخل بكل سهولة تحت لواء كل هذه المذاهب، دون أن يعني قدماؤنا أنفسهم بتصنيفها، وتخصيص مصطلحات معينة لها، إذ كان يفعلون ذلك بعفوية، وكأنهم يمارسون أمرًا فطريًّا. ولقد أخذنا في العصر الحديث هذه التسميات وفلسفاتها وتنظيراتها، من الأدب والنقد الغربيين، واجتهدنا في تطبيق ذلك على إبداعنا الأدبي في القرن العشرين، والقرن الحادي والعشريين تقليدًا منا لما قراناه في آداب الغرب ونصوصه القديمة. وتبقى العبارات التي نقلناها نقلًا من عن اللغات والآداب الغربية، ولم تكن تعرفها لغتنا وآدابنا من قبل ومنها قولنا: "أعطاه الضوء الأخضر" و"سلمه صكا على بياض" و"سقط بين كرسيين" التي أدخلها فيما أذكر الدكتور "طه حسين" أي: "لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن", و"يفعل كذا في الساعة الرابعة عشر" أي بعد فوات الأوان, و"أحس بالألم يتغلغل حتى النخاع" أي بلغ ألمه أقصى مداه. علاوة على الإكثار من الصور البيانية التي تتراسل فيها الحواس أو تشبهها مثل: "السكون المشمس" و"اللون الصارخ" و"الرائحة النفاذة" و"الشعارات الزاعقة" و"الابتسامة الصفراء" و"الكلام اللزج" و"ضوء القمر الهامس" و"الشفق الباكي" و"الصفصافة الحزينة" و"الحزن العذب" و"قلب من ذهب" وما إلى هذا. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 51

الدرس: ٣ الأجناس الأدبية القديمة والحديثة والتفاعل فيما بينها .

стр. 52

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (الأجناس الأدبية القديمة والحديثة والتفاعل فيما بينها) تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها الأجناس الأدبية القديمة والحديثة والتفاعل فيما بينها في المادة المخصصة لـ" Epic poetry " - أي: الشعر الملحمي- في موسوعة "الويك ي بيديا" يُعر ّ ف كاتبها الملحمة بأنها: "قصيدة قصصية شديدة الطول، تدور عادة حول أعمالٍ بطولية، ووقائع ذات دلالة لأمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات". ويفرق الكاتب بين نوعين من الملاحم: النوع القديم، كملحمة "جلجامش الصومالية" وملحمة "الإلياذة" لـ"هوميروس الإغريقي" والنوع الأحدث أو الثانوي مثل: "الإلياذة" لـ"فيرجين الروماني" و"الفردوس المفقود" لـ"جون ميلتون الإنجليزي" وهذا الأخير هو من إبداع كتاب كبار معروفين استعملوا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على منوال تلك الملاحم القديمة، التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة، وإن كان قد تم تسجيلها كتابة بعد ذلك، ووصلت من ثم على هذا النحو إلينا. ويَمضي كاتب المادة مسجلًا، الخصائص التي تميز الملحمة عن غيرها، من الإبداعات الأدبية قائلًا: "إنه لا بد أن يكون بطل الملحمة شخصًا جليلًا ذا مكانة كبيرة بين أبناء وطنه، أو في العالم أجمع، ويَحظى بأهمية تاريخية أو أسطورية، كذلك ينبغي أن يكون ميدان الأحداث شديد الاتساع، بحيث يشمل كثيرًا من الأمم والبلاد المختلفة، وأن تتسم تصرفات البطل بالشجاعة الفائقة؛ حتى لتكون خارقة في كثير من الأحيان، فضلًا عن مشاركة الآلهة والملائكة والشياطين

стр. 53

فيها، مع حرص المؤلف على فخامة الأسلوب والموضوعية في رواية الوقائع، ورسم الشخصيات بكل سبيل. وعلى وجه العموم؛ نرى البطل يقوم برحلة يلقى فيها خصومًا يحاولون إنزال الهزيمة به؛ ليعود في نهاية المطاف إلى بلاده وقد تغير، فلم يعد كما كان وهو في كل ذلك يعْكِسُ الملامح القومية والخلقية، التي تميز أمته، ويأتي من الأعمال ما يمثل أهمية قصوى لتلك الأمة". وقد قام كاتب "الويكيبيديا" في نهاية المادة بتزويدنا بقائمة لأهم الملاحم المعروفة في العالم كله، مرتبة ترتيبًا تاريخيًّا بدءًا من القرن العشرين قبل الميلاد حتى عصرنا هذا، وتتوالى في تلك القائمة عشرات بعد عشرات بعد عشرات من أسماء الملاحم، بعضها لا يزال موجودا حتى الآن، وبعضها مفقود، فعدد الملاحم إذًا أضخم كثيرًا جدًّا مما يُظَنّ عادة، وبخاصة إذا عرفنا أن هذه القائمة لا تَضُمّ كل الملاحم المعروفة، فضْلًا عن أن هناك ملاحم لا تزال مجهولة حتى الآن. ولعل ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة ألفين وأربع تحت عنوان "اكتمال أقدم ملحمة صينية" يعطينا لمحة في هذا الصدد، إذ جاء في الخبر أن الصين أعلنت عن اكتمال أطول ملحمة شعرية على مستوى العالم، وهي الملحمة المعروفة باسم: "ملك قصار" التي لا أذكر أن أحدًا أورد اسمها مجرد إيراد بين ملاحم العالم، وذلك إثر العثور على الجزء الناقص منها، ويستغرق ألف كلمة منقوشة على الأحجار والتماثيل الكائنة بمعبد "السمكة الذهبية" جنوب الصين. وقد وصفت الملحمة بأنها أطول ملحمة شعبية عرفها العالم، إذ تقع في ست وثلاثين مجلدًا، وتضم قرابة مليوني بيت من الشعر، كما وصفت أيضًا بأنها

стр. 54

تضاهي في قيمتها الأدبية أشهر الملاحم الغربية؛ حتى ليطلق عليها "الإلياذة الشرقية". وهذه الملحمة -كما جاء في الخبر- تُدَرّس في عشرات المعاهد والكليات في أرجاء العالم, وبالمُناسبة فقد ذكرت صحيفة "الشعب الصينية" على الإنترنت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر أكتوبر سنة ألفين وثلاث، أن صبيًّا صينيًّا عمره ثلاث عشرة سنة يحفظ هذه الملحمة عن ظهر قلب، وأنّ عملية الحفظ قد تمت على نحو خارق، إذ كان الصبي نائمًا ذات ليلة، ثُمّ استيقظ فوجد نفسه يحفظ تلك الملحمة، التي تشتمل على عشرة ملايين كلمة، دون أن يبذل في حفظها أي جهد، بل دون أن تكون عنده النية أصلًا في هذا الحفظ. وفي موقع "مجلة الصين" المصورة على "الإنترنت" وتحت عنوان: "نظرة تاريخية للشعب والأرض" نقرأ أنه في عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد أسست الصين معهدًا أكاديميًّا لحفظ تلك الملحمة، وأنه يوجد حاليًا في أرجاء الصين أكثر من مائة من رواة الشعر ينشدون الملحمة المذكورة بعضهم يبلغ من العمر تسعين عامًا. والسؤال الآن: هل في أدبنا العربي ملاحم كتلك التي يعرفها الكثير من الآداب الأخرى؟ فأما في الأدب الفصيح القديم؛ فلا يوجد شيء يمكن أن يقال عنه: إنه ملحمة بالمعنى الذي شرحناه هنا, ولقد أشاد "ابن الأثير" من أهل القرنين السادس والسابع الهجريين في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) بما يوجد في آداب الفرس من القصائد الطويلة، التي تبلغ الواحدة منها عدة آلاف من الأبيات كـ"الشهنامة" وما إليها؛ فكان رد صلاح الدين الصفدي من أهل القرن الثامن الهجري في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) هو التذكير بما في أدبنا من منظومات وقصص طويلة أشار إلى بعضها كما سوف نرى بعد قليل.

стр. 55

ومن الواضح أنه ظَنّ المسألة في الطول وحده، وإلا فإن الأمثلة التي ضربها على ما في بعضها، من إبداع أدبي جميل، ورائع ليست من سبيل الملحمة، ولا الملحمة من سبيلها, وكان ابن الأثير في كتابه المذكور يوازن بين فني النثر والشعر، ويرصد الفروق بينهما إلى أن أتى إلى مسألة التطويل والتقصير، فقال: "إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطول الشاعر قصائده، ويُشقق المعاني ويستوفي الكلام فيها، مما هو أليق بالنثر". ثم انطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة قائلًا: "إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معانٍ مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت، أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك؛ فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يُجِيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتى من ذلك بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة، تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله. وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه، وسمعناه، وقلناه. وعلى هذا؛ فاني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها؛ فإنّ شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بـ (شهنامة) وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه. وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها، وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر".

стр. 56

فكان من جراء ذلك أن ألف صلاح الدين الصفدي كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) للرد على بعض ما جاء في كتاب ابن الأثير السابق الذكر، كما هو واضح من عنوانه. وهذا الرد يجري على النحو التالي: "قد ختم ابن الأثير -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه النكتة التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى، ولا سهل بن هارون، ولا ابن غرثية في رسالته مثل هذا. وقد وُجِد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضًا، وإنْ عد هو "الفردوسي" عددت له مثل ذلك جماعة منهم من نظم (تاريخ المسعود) نظمًا في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب (كليلة ودمنة) في عشرة آلاف بيت، ونظمها "أبان اللاحقي" أيضًا، وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ "شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي" أن "مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه الدمشقي" الذي كان يعرف بـ"ابن الدجاجية" نظم كتاب (المهذب) قصيدة على روي الراء، سماها "البديعة في أحكام الشريعة" انتهى. قلت -هذا كلام الصفدي-: و (المهذب) في أربع مجلدات، وبعض المغاربة امتدح سيدنا رسول الله ﷺ في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت, ولابن الهبارية كتاب (الصادح والباغن) في ألفي بيت كل بيت منها قصر مشيد، ونكته عليها من الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة، ليس فيها لو ولا ليت. وأما من نظم الألف وما دونه؛ فكثير جدًّا لا يبلغهم الحصر. وأما (الشاطبية) وما اشتملت عليه معرفة القراءات السبع واختلافاتها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر، وأما أراجيز النحو والعروض، والفقه كالذي نظم (الوجيز)

стр. 57

ومنظومة (الحنفية) وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم، فكثير جدًّا إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف". إذًا؛ ففي أدبنا الفصيح القديم لا وجود لهذا الفن الشعري، ولكنا لدينا مع هذا ما يسمى بالسير الشعبية كـ"سيرة عنترة" و"سيرة سيف ابن ذي يزن" و"السيرة الهلالية" و"سيرة ذات الهمة" و"سيرة حمزة البهلوان" و"سيرة فيروز شاه" و"سيرة علي الزيبق" و"سيرة أحمد الدنف" وهي تقترب جدًّا من فن المَلحمة؛ فهي قصص، وهي شديدة الطول حتى لا تتجاوز سيرة عنترة مثلًا ثلاثة آلاف صفحة وخمسين. إلا أن هذه السير ليست مصوغة كلها شعرًا بل هي عمل نثري في المقام الأول، تكلله الأشعار على ألسنة بعض أبطالها، مع تفاوت في مقدار هذا الشعر بين سيرة وأخرى, ومع هذا؛ لا يَصِحُّ أنْ نُغفل أنها مصبوبة في قالب السجع الذي يقترب خطوة من الشعر، أي أن أسلوب السيرة النثري ليس خاليًا من النغم هو أيضًا، كذلك لا يوجد لها مؤلف معين؛ إذ هي من إبداع المخيلة الشعبية. ولعلنا لم ننسَ أن الملاحم الأولى الموغلة في القدم هي أيضًا عارية عن أسماء مؤلفيها، بل إن من الدارسين من ينفي أن يكون "هوميروس" هو صاحب "الإلياذة" قائلًا: إنها عمل شعبي عام اكتمل على مدار الزمان, ومن هنا كان أسلوب السير الشعبية مختلفًا عن أسلوب الأدب الرسمي، رغم أنها مكتوبة بالفصحى؛ إذ هي فصحى تنفح بالنكهة الشعبية من حيث بساطتها، وعدم احتفالها بالصياغة اللغوية بوجه عام. وفوق ذلك: ففي السير تداخل بين الأماكن والأحداث، والأزمنة التاريخية، كما هو الحال مثلًا في "سيرة عنترة" حيث نرى "عنترة" في اليمن، وفارس، والشام

стр. 58

ومصر، وحيث تستغرق الأحداث ما يقرب من ستة قرون، وكما هو الحال أيضًا في "سيرة الظاهر بيبرس" حيث يشتبك العصر العباسي، والعصر الأيوبي، والعصر المملوكي. ووجه الشبه بين السير الشعبية والملاحم: أنها شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثير من الخرافات والأساطير؛ فضلًا عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فللجن والسحر، والمعجزات والكرامات والرؤى، والنبوءات الصادقة وجود في تلك السير، وقد أشار لها "روجر ألن" في كتابه ( an intrudaction to arabic literature) بوصفها ملاحم شعبية. وللدكتور "عبد الحميد يونس" والدكتورة "نبيلة إبراهيم" والأستاذ "فاروق خورشيد" وغيرهم دراسات هامة حول تلك الأعمال. أما في العصر الحديث: فقد ظهرت بعض الأعمال الشعرية العربية التي أطلق عليها ملاحم، رغم أنها لا تتطابق والملاحم القديمة التي نعرفها، إلا أنّ فيها مع ذلك بعض السّمات التي تصلها على نحو ما بها, فهي أعمال قصصية طويلة يقع بعضها في عدة آلاف من الأبيات كملحمة "الغدير" لـ"بولس سمير اللبناني النصراني" الذي لم تمنعه نصرانيته من الإعجاب ببطولة ختن الرسول الكريم -صلوات الله عليه- والعكوف على سيرته، وشخصيته يدرسهما ويستوحيهما؛ حتى أخرج لنا في نهاية الأمر عملًا ملحميًّا يصور بطولاته وإنجازاته الخارقة. على حين يكتفي البعض الأخر بعدة مئات من الأبيات كـ"ترجمة شيطان" التي صور بها العقاد ما حاق بنفسه عقب الحرب العالمية الأولى من شكوك في القدرة

стр. 59

البشرية على مصارعة عوامل الشر والانتصار عليها، ويأس من انتصار الخير في دنيانا هذه، بسبب الأهوال وألوان الدمار، والتقتيل التي أنزلتها تلك الحرب بجنس الإنسان. والأولى تتناول سيرة بطل عربي مسلم، مشهور بالشجاعة غير الاعتيادية، وله إنجازاته الحربية، التي أسهمت في تغيير مجرى التاريخ، وهو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب ﵁ على حين تحكي الثانية قصة الشيطان في تمرده المستمر على رب العباد، وعمله على بث الغواية في كل مكان، رغم معرفته بما ينتظره من عقاب رهيب في نهاية المطاف, فهي إذًا تدور حول قضية فلسفية ودينية خطيرة، هي قضية الخير والشر والصراع بينهما، ووقوع الإنسان بين شقي الرحى. وكما يرى القارئ فإن في هاتين الملحمتين العنصر الخارق. وهناك أيضًا ملحمة "عبقر" لشفيق المعلوف و"محمد" العلي شلق و"الإلياذة الإسلامية" لأحمد محرم الذي جاء عمله أقرب إلى السرد التاريخي منه إلى الملحمة، رَغْمَ أنّ الأسلوب الذي كُتب به ذلك العمل أسلوب شعري، إذ ينقصه الوحدة العضوية التي يتطلبها البناء القصصي. ولا مانع أن تُعدّ تلك الأعمال الحديثة بوجه عام من الملاحم، ولا ريب أن من الصعب استمرار ملامح جنس أدبي ما دون تغيير أو تعديل أو تطور، طوال كل هاتيك القرون الشاسعة, وهناك مقال لـ"ماتيا كافانيا" يتناول بعض الأعمال الأدبية الفرنسية المعاصرة؛ فيعدها من الملاحم رغم أنها لا تتوفر فيها كل العناصر الملحمية, ذلك أن هذه الأعمال قد ساهمت في إحداث ذلك التغيير الذي كان من جرائه أن أصبحت الملاحم تكتب نثرًا، بعد أن كانت على الدوام تصب في قالب الشعر؛ علاوة على غلبة الطابع العاطفي عليها.

стр. 60

وقد كانت ترجمة "سُليمان البستاني" الشعرية لـ"إلياذة هوميروس" إلى لسان العرب ونشره إياها في أول القرن العشرين خير دافع لشعرائنا المحدثين إلى دخول هذا الميدان، الذي كان الشعر العربي يخلو منه قبله, وكان الدكتور "يعقوب صروف" قد شجع "البستاني" على ترجمة الإلياذة أثناء زيارته لمجلة المقتطف بالقاهرة سنة سبع وثمانين وثمانمائة وألف للميلاد. وكان "البستاني" من جانبه مشغوفًا بالشعر القصصي، هائمًا بأساطيره وخرافاته، وكان ينظم المقطوعات الشعرية، فاختمرت الفكرة من يومها في ذهنه، وأخذ يطلع على ترجمة الإلياذة باللغات الإنجليزية والفرنسية، والإيطالية، فضلًا عن قيامه بتعلم اليونانية التي كتب ذلك العمل بها، ثم قام بتعريبها شعرًا مع آلاف الهوامش التي يشرح فيها كل ما يحتاج إلى توضيح، وصدرت الترجمة بالقاهرة سنة أربع وتسعمائة وألف، فأقام له المفكرون والأدباء في مصر حفلة تكريمية بـ"فندق شبر" بذلك العام. ولم يكتف "البستاني" بترجمة "الإلياذة" وشرح ما يحتاج فيها إلى شرح، بل زاد فوضع معجمًا ملحقًا بها، كما كتب مقدمة مطولة عرف فيها بفن الملاحم، وقام ببعض المقارنات بين الشعر العربي، وأشعار الأمم الغربية، وغير ذلك من الموضوعات شديدة الأهمية, وهذه المقدمة هي في واقع الأمر بمثابة كتاب قائم بذاته. وفي النهاية لا ينبغي أن يفوتنا النص رغم ذلك كله على أن ترجمة "البستاني" لـ"ملحمة هوميروس" قد غلب فيها النظم على النفس الشعري. ويجدر بنا في هذا السياق أيضًا أن نبرز الدور الذي نهض به "محب الدين الخطيب" صاحب مجلة "الفتح القاهرية" في حث الشعراء المسلمين على أن يجتهدوا في إبداع

стр. 61

ما سَمّاه "إلياذة إسلامية" إذ بعث للشاعر "أحمد مُحرم" برسالة الخامس من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة. يقول فيها: "سيدي الأستاذ الجليل مفخرة البيان العربي، وشاعر مصر الكبير الأستاذ: أحمد محرم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: فكنت هممت أكثر من مرة أن أكتب إليكم اقترح عليكم مشروعًا، كنا نحاول إقناع شوقي بك ﵀ به، ولكني خشيت أن يصرفكم ذلك عن معاني الجهاد الأخرى، وهذا المشروع هو إرسال نظركم الكريم بين حين وآخر إلى مفاخر التاريخ الإسلامي الخلقية والعمرانية والسياسية والإصلاحية والحربية ... إلخ. ونظم كل مفخرة منها في قطعة خالدة تنقش في أفئدة الشباب؛ فإذا ذخر أدبنا بكثير من هذه القطع، على اختلاف أوزانها وقوافيها، أمكن بعد ذلك ترتيبها بحسب تاريخ الوقائع، وتأليف إلياذة إسلامية من مجموعها. أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع، ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب؟ -يشير بذلك إلى شهنامة الفردوس- وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوان مفاخر "كالإلياذة" تتغنى بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا". وكان هذا الخطاب الذي كتبه "محب الدين خطيب" لأحمد محرم هو الشرارة التي أججت شعلة الحماس في نفس الشاعر؛ فكان أن نظم "الإلياذة الإسلامية" التي عرض فيها خلاصة التاريخ الإسلامي، في قالب شعري قوي التعبير؛ كي يلفت شباب الإسلام إلى مفاخر تاريخهم، ويدفع عنهم الشعور بالضآلة تجاه آداب الأمم الأخرى، وما تشتمل عليه من ملاحم. وكان الخطيب قد ذهب قبل هذا إلى "أحمد شوقي" عارضًا عليه فكرة نظم ملحمة إسلامية، إلّا أنّ "شوقي" صمت ولم يعلن قبوله أو رفضه؛ فقصد عندئذ

стр. 62

أحمد محرم، وأعاد عرض الاقتراح فقبله على الفور، وبدأ في نظم "الإلياذة الإسلامية" أو مجد الإسلام، ناشرًا إياها على أجزاء في "مجلة الفتح"؛ ليكون بذلك أول من راد هذا الطريق، وعبده لغيره من الشعراء العرب المحدثين، رغم ما تفتقر إليه إلياذته من الوحدة العضوية القصصية كما أشرنا. ثم فاجأ "شوقي" الناس بعد ظهور إلياذة محرم، بنشر مطولته "دول العرب وعظماء الإسلام" التي يرصد فيها تاريخ الإسلام منذ فجر الدعوة حتى أيامه, فكما نرى كان الشعور بأن أدبنا ينقصه هذا الفن، هو السبب الرئيسي في التحمس في إدخالها عندنا، كي لا يكون أدبنا أقل من الآداب الأخرى. ومِن نَاحية ثانية فإن هذا الأمر دليل على ما يمكن أن يؤدي إلى التفاعل بين الآداب، وتَعَاوُنها فيما بينها، واستعارة بعضها من بعض من نتائج طيبة. المسرحية، ودورها كجنس أدبي وهذا الكلام يصدق أيضًا على جهود رواد المسرح العربي في أن يدخلوا عندنا هذا الجنس الأدبي، الذي يقوم بوجه عام على الصراع؛ الصراع بين دولتين أو طبقتين أو فكرتين أو أسرتين أو شخصين، أو بين العقل والعاطفة، أو بين عاطفتين كالرغبة في عمل شيء ما، والخوف من الفضيحة الاجتماعية أو من العقاب الإلهي. وفي المسرح اليوناني الوثني قد يكون الصراع بين الآلهة والبشر, ومن ناحية أخرى قد يكون الصراع خارجيًّا، كما في حالة الصراع بين شخص وآخر، أو بين دولة وأخرى، وقد يكون داخليًّا، وهو ما يحدث عندما يكون الصراع في داخل الشخص نفسه بين عقله وعاطفته مثلًا.

стр. 63

كذلك يمكن النظر إلى الصراع من زاوية أخرى؛ فثم صراع اجتماعي، وصراع سياسي، وصراع ديني، وصراع عسكري، وصراع نفسي، وصراع فكري, ومن ناحية رابعة قد يكون هذا الصراع مستمدًّا من التاريخ، وقد يكون مستمدًّا من الأساطير، وقد يكون مستمدًّا من واقع العصر الذي كتبت فيه المسرحية وهكذا. وهذا الصِّراع يتم دائمًا من خلال الحوار، إذ المسرحية هي الفن الوحيد الذي يكتب كله حوارًا؛ فلا سرد ولا وصف، ولا تحليل، بل حوار وحوار فقط، مع بعض التعليمات التي يُسَجّلها المؤلف في أول بعض المشاهد، كي يراعي المخرج عند تحويل المسرحية من كتاب يقرأ إلى تمثيل يشاهد. ولا يُمكن حصر الغاية من التأليف المسرحي في شيء واحد، بل هنالك أهداف متعددة منها: التسلية والمتعة، ومنها الإثارة وإبعاد الملل، ومنها تمجيد بعض القيم الوطنية أو الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية، أو حتى اللا أخلاقية, ومنها كذلك إفشاء المعرفة. فكاتب المسرحية أراد أم لم يرد يطلع قراءه ومشاهديه على تجارب مطالعات وأفكار وتحليلات، كثيرًا ما لا يدرون عنها شيئًا أو لا يدرون عنها شيئًا ذا بال، أو يدرون لكنه يعرضه عليهم من زاوية جديدة لا عهد لهم بها، أو على نحو أعمق، أو بطريقة أبهر أو أكثر تأثيرًا، وهذا كله علاوة على ترقية الذوق الأدبي والفني بطبيعة الحال. وفي المسرحية شخصيات، وثم مواصفات ينبغي أن تحقق في رسم هذه الشخصيات المسرحية، إذ لا بد من أن تكون كل شخصية من التمايز بحيث تبقى في الذهن بعد انتهاء القارئ أو المشاهد من المسرحية، وهو ما يتحقق برسم معالمها

стр. 64

الخارجية من ملامح وملابس، وطريقة مشي ونطق, وكذلك عناصرها الداخلية من تفكير ومشاعر وانفعالات وأخلاق، وخلفيتها الاجتماعية، مثل كونها أبًا أو أمًّا أو ابنًا أو بنتًا أو عاملًا أو مديرًا أو مدرسًا أو شحاذًا ... إلخ. ولا بد في كل ذلك من الإقناع أي: أن تسير الشخصية طبيعية لا تصنع في رسمها، ولا إكراه لها على التصرف بطريقة لا تتسق معها، وأن تكون حية متطورة لا ساكنة جامدة، لا يعتريها التغير مهما مر عليها من أحداث، واشتبكت فيه من صراعات. ثم عِندنا الحوار، وما أدراك ما الحوار في المسرحية؛ فهو كما وضحنا كل شيء تقريبًا في فن المسرح، فعن طريقه نلم بكل ما يريد المؤلف تعريفنا به، إذ نحن لا نعرف أي شيء عن أي شخص، أو عن أي أمر إلا من خلال الحوار, أي: أن الحوار المسرحي يقوم بوظيفة السرد والوصف والحوار في القصة، فإذا أراد المؤلف أن يتحدث عن شخص ما فليس أمامه إلا أن يسوق لنا ما ينبغي لنا أن نعرفه عنه، على السنة المتحاورين. ونفس الشيء إذا كان هناك حادث وقع وأراد أن يُطلعنا عليه إذ لا سبيل له إلا أن يُنطق بالحديث عنه إحدى الشخصيات، على أن يتم الأمر بتلقائية، أي: بطريقة تستلزمها الأحداث والصراعات التي في المسرحية لا أن يؤتى به مجتلبًا دون أن يكون هناك ما يدعو إليه. ومن خلال الحوار تتضح شخصية المتكلم أول ما تتضح, كذلك ينبغي أن يكون الحوار محكمًا لا ثرثرة فيه، بل ينبغي أن يكون لكل كلمة وكل جملة دور في دفع حركة المسرحية إلى الأمام؛ حتى تبلغ تمامها، أما الفضول فلا مكان له هنا. وعلاوة على هذا لا بد من إتاحة فرصة عادلة لكل الشخصيات للحوار، وإلا أصيب الحوار بالترهل أو الشلل.

стр. 65

وهنا نصل للهجة الحوار في المسرح؛ فهل يا تُرى يَنبغي أن يتحدث المحاورون في المسرحية بالفصحى أو العامية؟ فأمّا المسرحيات التاريخية والفكرية المترجمة والمنظومة شعرًا؛ فهي عادة ما تكون فصحاوية الحِوار, لكن المشكلة والخلاف في المسرحيات العصرية، ففريق يجري في حواره على الأسلوب الفصيح كمسرحية أحمد شوقي "الست هدى" ومسرحيات "باكثير" ومسرحيات "ونوس" ومعظم مسرحيات الحكيم. وقد استعرض الدكتور "ممدوح" في الفصل الذي خصصه للمسرح في كتابه (الأدب وفنونه) حُجَج الفريقين، ويبدو من كلامه أنه يميل نحو استعمال الفصحى؛ بُغية الارتقاء بمستوى الجمهور الثقافي واللغوي، بدلًا من تركه حيث هو بعيدًا عن ذلك الرقي اللغوي والثقافة الرفيعة التي ترتبط به. وهو يَسْتَشهدُ في هذا المجال بما هو موجود في بريطانيا وفرنسا وغيرها من بلاد أوربا التي لا تختلف فيها لغة الكتابة عن لغة الحديث، كل ذلك الاختلاف الحاصل في بلاد العرب. إذ لا يقدم المؤلفون المسرحيون هناك على الكتابة باللهجات العامية، اللهم إلا عند تطعيم بعض المتحاورين من العوام بمصطلح أو تعبير ذي نكهة عامية؛ للإيحاء بالبيئة التي أتوا منها، وبمستواهم الفكري والنفسي، وهو ما يدعو إلى استلهامه في مسرحياتنا التي من هذا النوع، مع الإبقاء على الفصحى وسيلة للحوار بوجه عام. وكانت المسرحيات في بُُداءة أمرها تنظم شعرًا، ثم تحولت مع مرور الزمن فصارت تكتب نثرًا في العصور الحديثة، إلى جانب كتابتها شعرًا، وإن كان الغالب عليها الآن النثر لا الشعر. وتتكون المسرحية من فصول ومشاهد، وكانت قديمًا تشتمل على خمسة فصول لا تزيد ولا تنقص، كما كانت تلتزم بما يسمى بالوحدات الثلاث, أي: أن يكون

стр. 66

لها موضوع واحد، وأن تقع في يوم وليلة لا تزيد عليهما، وأن تدور أحداثها كذلك في مكان واحد؛ فلا تزيد دائرة المكان الذي تجري فيه الوقائع، عن المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الشخص خلال يوم كامل. إلا أن ذلك كله قد تغير مع القرون، فلم يعد هناك حد أعلى لشيء من هذا، على ما هو معروف في المسرحيات الحديثة؛ إذ لم يعد هناك داع للاستمساك بها، بعد أن تطورت وسائل المواصلات، بحيثُ يستطيع الإنسان أن يتنقل خلال الأربع والعشرين ساعة في مساحة من الأرض، لم تكن تخطر على بال الأقدمين الذين وضعوا هذا القيد على المؤلفين المسرحيين. ولا بد كذلك أن يكون للمسرحية نهاية؛ فلا تبتر بترًا، بل ينبغي أن يشعر القارئ والمشاهد أن الأمور قد وصلت إلى نهايتها الطبيعية، بغض النظر عن أن تكون تلك النهاية مريحة أو مزعجة, سعيدة أو شقية, تتفق مع ما يريده المستقبل للعمل أو لا، وإلا أحس أنه أخذ على غرة، وبقي فضوله قلقًا ومقلقًا له، وهذا أمر جد مزعج. إن المسرحية تقوم على عنصر التشويق، وهو العنصر الذي يدفع مستقبل العمل إلى متابعته، بغية الوصول إلى نهاية شافية مريحة؛ فإذا بتر المؤلف المسرحية بترًا كان هذا بمثابة حرمان الظامئ من كوب الماء الذي أعطيته إياه ليشرب، ثم لم تتركه يطفئ غوار عطشه، بل انتزعته منه قبل أن يفعل. ومن أقدم المسرحيات في الآداب العالمية المسرحيات الإغريقية، التي كان لنشأتها علاقة بعقائد اليونان الوثنية, إذ كان الإغريق يؤمنون بآلهة متعددة كـ"دونيزيوس" إله النماء والخصب، وقد اعتادوا أن يقيموا له حفلين:

стр. 67

أحدهما في أوائل الشتاء بعد جني العنب وعصره خمرًا، حيث يسود المرح وترتل الأناشيد الدينية، وتعقد حلقات الرقص ويصدح الغناء، ومن هذا الدرب المرح نشأة "الملهاة" أي الكوميديا. أما الحفل الثاني: فكان يقام أوائل الربيع، حيث يكون الكرم كان قد جف، واتخذت الطبيعة وجهًا متجهمًا، وهو حفل حزين تطور فيما بعد إلى "المأساة" أي: التراجيديا. وكان التمثيل في أول نشأته يتكون من الرقص، وبعض الأناشيد والأغاني التي تعبر عن حزن الناس لغياب الآلهة، والابتهال له لكي يعود سريعًا, ثم تقمص أحدهم شخصية "دونيزيوس" فكانت الجوقة تشير إليه، وهو في مكان مرتفع ثم أدخل الحوار بينها وبين الجوقة, وكان الممثلون يظهرون وسط المشاهدين في أشكال نصفها العلوي بشري، ونصفها السفلي معزي، ومن هنا اشتق كلمة تراجيدي، إذ هي مركبة من كلمة أغنية وكلمة جدي باليونانية. وأخيرًا وضع "أسخيلوس" في القرن الخامس والسادس قبل الميلاد أول مسرحية شعرية بعنوان "الضارعات" وكان فيها ممثلان رئيسيان إلى جانب الفرقة, ثم ظهر "سوفوكليس" فادخل ممثلًا ثالثًا إلى المسرحية، وقوّى جَانِبَ التمثيل على حساب الغناء، وهو ما أدى إلى تقدم سريع في الحوار المسرحي بدل ترانيم الجوقة, وكان أول من مثل بنفسه هو "تسبس" سنة خمس وثلاثين وخمسمائة قبل الميلاد. وعن اليونان أخذ العالم هذا الفن، وهو يعد "أسخيلوس" و"سوفوكليس" و"يوربيدس" أعظم رواد التراجيديا في اليونان القديمة، في حين يعد "ارستوفانيس" قائد الكوميديا عندهم.

стр. 68

والسؤال الآن هو: هل عرف أدبنا العربي القديم هذا الفن الأدبي؟ والجواب هو أنه لم يعرف فن المَسرح الذي نعرفه الآن، وإن كان قد عرف بعض أشكال أخرى ساذجة، لا تخلو من بعض العناصر التمثيلية كالذي كان يصنعه أحد المتصوفة في عصر المهدي الخليفة العباسي، إذ كان يأتي برجال فيجلسهم أمامه، واحدًا بعد الآخر بوصفهم صحابة رسول الله، ثم يأخذ في تعداد أعمال كل صحابي جالس أمامه، ومآثره لينتهي قائلًا لمن حوله: اذهبوا به إلى أعلى عليين. وفي القرن الثالث الهجري أيام "المعتضد بالله العباسي" كان هناك اسمه "المغازلي" يستطيع تقليد الشخصيات المختلفة "كالإعرابي" و"الزنجي" مع تقديم بعض المشاهد الصادقة من حياتهم وتصرفاتهم, ولدينا أيضًا "خيال ظل" الذي برع فيه "ابن دانيال" في القرن السابع الهجري، وهو لون من الفن التمثيلي، وإن لم يكن الممثلون بشرًا بل أشكال على هيئة الرجال والنساء، مصنوعة من الجلد أو من الورق المقوى، ووراءها نورٌ يُظهر ظِلالها على ستارة تنصب بينها وبين المشاهدين، في الوقت الذي يُحرك تلك العرائس الورقية أو الجلدية رجل ماهر على النحو الذي يتطلبه الدور. وكان هُناك في مصر قبل ابتلائها بالحملة الفرنسية ممثلون مسرحيون فكاهيون، هم الحكاواتيون يؤدون أدوارهم في الأماكن العامة، أو في بيوت الكبراء, كما اكتشف نصان مسرحيان عاميان بعنوان: "سارة وهاجر" و"سعد اليتيم" ما زالا يُقدمان حتى اليوم في قرى الفيوم عند الاحتفالات الشعبية. ولا ننسى تمثيلية خروج "الحسين" من المدينة قاصدًا العراق، ذلك الخروج الذي انتهى بمقتله في كربلاء ﵁ إذ كانت الشيعة منذ القرن السابع الهجري تحتفل به، وتمثل ما حدث في تلك الواقعة، وهو ما يطلق عليها التعازي الشيعية, وفيها

стр. 69

يقوم بعض الأشخاص بأدوار "الحُسين" وآله وخصومهم، وكانت تلك المشاهد تمثل كل عام في ذكرى كربلاء. فهذا وأمثاله ما كان موجودًا في تراثنا، وهو الذي عبد الطريق إلى دخول المسرح كما تعرف أوربا عندنا في العصر الحديث. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر هو: ما العوامل المسئولة عن عدم ظهور فن المسرح في أدبنا القديم، كما ظهر عند الإغريق والرومان مثلًا؟ هناك نظريات متعددة في هذا التعليل؛ فبناء على أن المسرح هو فن الصراع، وأن الحرية الإنسانية أساس ذلك الصراع الذي قد يكون صراعًا عموديًّا أي: صراعًا بين الإرادة البشرية، والإرادة الإلهية، أو صراعًا أفقيًّا بين الفرد والمجتمع، أو صراعًا ديناميكيًّا بين العفوية البشرية والقدر، أو صراعًا داخليًّا بين الإنسان ونفسه, ينفي "محمد عزيزة" الباحث التونسي صاحب هذه التقسيمات إمكانية أن يكون هناك صراعًا عموديًّا عند المسلمين، إذ لا يتصور وجود إرادة بشرية إلى جانب الإرادة الإلهية. وبالمثل نراه يزْعُم أنّ المُسلم لا يستطيع أن يواجه مجتمعه، ويدخل في صراعٍ معه، وإلّا عُدّ كافرًا. أما اللونُ الثالث من ألوان الصراع؛ فيستلزم حسبما يقول، أن يكون شعورنا بالتاريخ شعورًا دراميًّا، على حين أن كل شيء لدى المسلم هو أمر حتمي مكتوب، لا سبيل إلى تغييره، وبخاصة أنه يؤمن بأن تلك الحتمية هي حتمية عادلة. أما النوع الرابع فلا بد له -كما يقول "عزيزة"- من شعور الشخص بالفردية، تلك النّزعة التي لا وجود لها عند المسلم في رأيه، وهذا الكلام موجود في كتابه (الإسلام والمسرح) الذي ترجمه عن الفرنسية الدكتور "وفيق الصبان".

стр. 70

والناظر في هذا الكلام يدرك لأول وهلة ما فيه من سذاجة مضحكة، أو استبلاه مدهش، إذ يكفي أن ينظر الإنسان حوله في معظم بلاد المسلمين، وبالذات في البلاد العربية؛ ليرى أن عندنا الآن مسرحًا وكتابًا مسرحيين ومسرحيات من كل نوع، رغم أننا لا نزال بحمد الله مسلمين، كما كان أجدادنا مسلمين, فكيف يفسر "عزيزة" ومن نقل عنه ذلك من المستشرقين، هذا الوضع الذي يكذب كل ما زعمه وادعاه؟. وبالنسبة للنوع الأول: ألا يمكن أن يكون الصراع بين إرادة المشركين وبين دين الله مثلًا؟! أو بين شهوة الإنسان المسلم، وخوفه من عقاب ربه؟ أمّا الصِّراع الثاني؛ صراع الفرد المسلم مع مجتمعه، فهو لم يتوقف يومًا, فقد نشذ الخوارج مثلًا عن ذلك المجتمع ولم يكفرهم أحد، وبافتراض أنه كان هناك تكفير، فهل منعهم ذلك أو منع سواهم من التمرد والخروج؟. وحتى ولو تحرج الكاتب المسرحي المسلم من طرق ذلك الموضوع، ألا يمكنه أن يؤلف مسرحية تقوم على صراع بين شخص مسلم ومجتمعه غير المسلم، كما كان الوضع مثلًا أيام محاكم التفتيت في أسبانيا قبل عدة قرون، عِندما كان المسلمون يسامون سوء العذاب ويقتلون, بل إنه لمن الممكن أيضًا أن يتخذ هذا اللون من الصراع مسارًا معاكسًا؛ إذ كان في المجتمع المسلم على عهد النبي منافقون ويهود، يعملون دائمًا على تقويم ذلك المجتمع، ومن ثم يمكن تأليف مسرحية تدور على الصراع الذي كان بين كل من هاتين الطائفتين من ناحية، والرسول ومعه جماعة مؤمنة من ناحية أخرى. كذلك كيف يقال: إن الضرب الثالث من الصراع لا يتصور وقوعه في مجتمع مسلم، مع أن المسلم مطالب أن يبذل دائمًا أقصى جهده لتغيير المنكر؟ إن هذا

стр. 71

معناه بكل بساطة أن سبب اعتقاد المسلم أن كل شيء حتمي ومقدر سلفًا، ومن ثم لا يجوز دينًا أن يحاول تغييره، هو زعم سفيه، وهذا من الناحية الشرعية، وإلّا فالمُسلم ككل إنسان كثيرًا ما يسخط على وضعه، ويتمرد على الظروف التي خلقت هذا الوضع، ويعمل بكل ما في وسعه على تغييرها إلى الأفضل, وإلا فكيف نفسر كل ما بذله المسلمون على مدار تاريخهم الطويل من جهد لتحسين أحوالهم؟. إنّ القول بغير هذا هو في الواقع خلل في المنطق والتفكير, أما تصوير المسلم على أنه هادئ النفس أبدًا، لا يعرف التناقضات الداخلية ولا الصراع بين مطامحه وقدراته، أو بين عواطفه والشعور بالواجب مثلًا؛ فهو تصوير يدل على سطحية الفهم, ثم إن حصر الصراع في هذه الألوان الأربعة هو تضييق وضيق أفق؛ لأن أنواع الصراع لا تنتهي, فصراع بين الزوج والزوجة، وصراع بين الحماة وكنتها، وصراع بين الطلبة وأستاذهم، وصراع بين حزب سياسي وآخر، وصراع بين دولتين وصراع بين طبقتين، وصراع بين طائفتين، وصراع بين حاكم وشعب، وصراع بين اثنين من مهنة واحدة، وصراع بين الجيران، وصراع بين مذهبين أو فكرتين أو ذوقين ... إلى آخره. بل يمكن أن تقوم مسرحية من دون صراع, فقد يؤلف أحدهما مسرحية تدور على التوتر الذي يصطلي ناره شخص ما في موقف من المواقف. وهناك سبب آخر في نظر "عزيزة" أيضًا وهو: الادعاء بأن اللغة العربية لغة متجمدة لا تلائم متطلبات الدراما؛ فهي حين تُعَبّر عن تجربة ما، إنّما تلجأ إلى القوالب التعبيرية المحفوظة، ولا تهتم بنقل التجربة كما يعيشها صاحبها, وهذا كلام فارغ كله تنطع وتفاهة، فليست هناك لغة يمكن اتهامها بتلك التهمة؛ فضلًا

стр. 72

عن أن تكون تلك اللغة بالذات هي اللغة العربية المشهورة بغناها ومرونتها، وإبداعاتها الغزيرة المتنوعة. لكن قد يكون هناك في بعض العصور الأدبية طائفة من المؤلفين تبرز في كتاباتهم القوالب المحفوظة على حساب غيرها من التعبيرات التلقائية، وهذا شيء آخر غير ما يتحدث عنه "عزيزة" وهو موجود في كل اللغات والآداب في بعض الفترات التاريخية، وعلى أية حال فقد عرفت اللغة العربية في العصر الحديث فن المَسرح؛ فهل تغيرت بحيث أصبحت الآن تتسع للإبداع المسرحي؟ إنها بكل يقين لم يطرأ عليها شيء جذري البتة؛ فماذا يقول المتنطعون السطحيون في هذا؟. وهناك من يقول: إن العقلية العربية نزاعة إلى التجريد لا التفصيل، هذا التفصيل الذي تستلزمه الدراما، وقائل هذا هو الدكتور "عز الدين إسماعيل" ولا أعرف على أي أساس استند في دعواه العجيبة تلك، وكنت أود لو أنه بدلًا من إرسال القول على هذا النحو المتعسف، قد ساق على دعواه تلك ما يلزمه من الأدلة والشواهد، طبقًا لما يقضي منهج العلم، ولكنه لم يفعل, ومن ثم فرأيه بهذا الشكل لا قيمة له، وبخاصة أن العرب قد تركوا وراءهم شعرًا وقصصًا، ورسائل، ورحلات، وتجارب ذاتية وغيرية مملوءة بالتفصيلات الحية، والدقائق الملونة، والصور الواقعية مما يعرفه من له أدنى تماس مع نتاجهم الأدبي الغزير. ويجد القائل لرأي الدكتور "عز الدين إسماعيل" في كتابه (قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر). وهناك من يرى: أنّ السبب في عدم معرفة العرب بفن المسرح، يَكْمُن في أن الإسلام قد منع نقل المسرح الإغريقي القائم على الوثنية وآلهتها، وعلى الصراع بين الآلهة والبشر، وهو رأي قال به الدكتور "محمد مندور" في كتابيه (المسرح)

стр. 73

و (الأدب وفنونه) وكذلك توفيق الحكيم في مقدمة مسرحيته "الملك أوديب" ومعنى هذا الكلام: أن المسلمين اطلعوا على المسرح الإغريقي، وما فيه من وثنية تخالف الإسلام؛ فنفروا من ترجمته. لكن لم يحدث أن ساق "مندور" أو "الحكيم" أو غيرهما أي شيء يدل على معرفة المسلمين للمسرح الإغريقي، ولو كانوا عرفوا ذلك المسرح ما أخطأ كبار تراجمتهم وفلاسفتهم كـ"متّى بن يونس" و"ابن رشد" و"ابن سينا" في ترجمة مصطلحي التراجيديا والكوميديا فقالوا: إنّ المقصود بهما المدح والهجاء. ولمندور تعليل آخر ذكره في كتابه (المسرح) ملخصه: أنه قام بالمقارنة بين الشعر العربي القديم وأشعار الأمم الأخرى؛ فوجد أن ذلك الشعر يتميز بخاصتين كبيرتين، هما الخطابية والوصف الحسي، وهاتان الخاصتان لا تصلحان للدراما؛ التي تحتاج إلى الحوار مختلف النغمات، لا الخطابة الرنانة، وإلى خلق الحياة الشخصية وتصوير المواقف والأحداث، لا مجرد الوصف الحسي كما كتب. ويحق لنا أن نتساءل إزاء هذا الغلو الخطير، متى وكيف وأين يا ترى قام "مندور" أو غير "مندور" بمثل تلك المقارنة؟ وما عدد اللغات التي كان يعرفها سيادته؟ إنه لم يكن يعرف إلا الفرنسية وإلا الإنجليزية إلى حد؛ فهل يستطيع من هو في مثل وضعه هذا، أن ينهض بتلك المقارنة التي تحتاج إلى طوائف من النقاد ومقارني الآداب، تعرف كل لغات العالم، وتجمع أشعار العرب ونظيراتها لدى الأمم الأخرى، وتعكف على كل هذا إلى أن تخرج بما تضع عليه يدها من نتائج. وأين دكتور "مندور" من هذا كله؟. ثم من قال: إن الشعر العربي جميعه شعر خطابي ذو وصف حسي؟ إنه كأي شعر في العالم فيه الخطابية، وفيه الهمس والنجوى، وفيه الانعزال عن الحياة،

стр. 74

وفيه الانغمار في الحياة والانشغال بمشاكلها، وفيه الوصف الحسي، وفيها الوصف الباطني، وفيه التأمل الفكري، وفيه التحليل العاطفي، وفيه القصص والحوار. أما ما يقوله "مندور" فهو كلام في الهواء لا يثبت شيئًا، ولا يدل على شيء، سوى أن صاحبه لا يبالي بما يقول، وهو مسلك خطير. وكثير من الشعر العربي القديم يفيض بالقصص والحوار الذي يعكس نفسية كل متكلم. إن دكتور "مندور" حين يقول ما قال، إنّما يُوحي بأنه لا علم له بالشعر العربي؛ إذ لا يمكن أن يصدر قوله هذا عن رجل يعرف هذا الشعر ولو معرفة بسيطة، وهذا أمر لا يليق. والواقع أن حسم القضية الخاصة بعدم معرفة العرب للمسرح، هو أمر ليس من السهولة بمكان؛ فلم يعد هناك عَربٌ يُمكن أن نسألهم عن السر في ذلك مثلًا؛ فأصبح البحث في المسألة كأنه بحث في ما وراء الطبيعة. وربما كان لصعوبة ظروف المعيشة التي كان يعيشها العرب دخل في ذلك، إذ لم تكن تدع لهم فرصة لالتقاط الأنفاس، والاهتمام بمثل ذلك الفن المعقد؛ لأنهم كانوا في حل وترحال، جريًا وراء الماء والكلأ، وكانت المعارك تشتعل بينهم لأتفه الأسباب؛ كما كانت النزعة الفردية متسلطة عليهم، اللهم إلا فيما تمليه عليهم الحياة إملاء لا معدى عنه كالحرب، وتنظيم القوافل مثلًا. والمسرح يحتاج إلى جهود في الإخراج والتمثيل، وإعداد المسرح ومستلزماته، وفوق هذا فالتمثيل يقتضي اختلاط الرجال بالنساء، ولا أظن النفسية العربية في ذلك الوقت كانت تسيغه أو تسيغ قيام الرجل بدور المرأة على المسرح.

стр. 75

ثم إن عدم وجود مواد سهلة ورخيصة للتدوين -وهذا لو أغضينا الطرف عن انتشار الأمية فيهم إلى مدى بعيد- من شأنه أن يقوم عقبة دون ظهور المسرح؛ إذ تحتاج المسرحية الواحدة في كتابتها إلى عشرات الصفحات. وهناك رأي آخر ظهر في الفترة الأخيرة، يقول: بأن العرب عرفوا فن المسرح منذ الجاهلية، وصاحب هذا الرأي هو الكاتب الإسرائيلي ذو الأصل العراقي "شموئيل" أو "سامي موريه" ففي كتابه (المسرح البشري في البلاد العربية خلال القرون الوسطى) يرفض "موريه" ما يقوله معظم الباحثين من أن العرب لم يعرفوا فن المسرح إلا في العصر الحديث، جراء احتكاكهم بالثقافة الأوربية؛ مؤكدًا على العكس من ذلك أنهم عرفوا هذا الفن منذ الجاهلية، وكان يسمى عندهم بالخيال, وذلك قبل انتقال "خيال الظل" إلى البلدان الإسلامية بقرون. كما عرفوا مسرحًا يقوم فيه الممثلون بعروض أمام الجمهور يختلف عن في شكله عن المسرح الأوربي، فهو نوع خاص من العروض المسرحية التي تعتمد في الأساس على الحوار والأزياء والحركة وغيرها من عناصر المسرح. ثم يتابع كلامه قائلًا: إن المستشرقين نظروا إلى المسرح العربي من وجهة نظر أوربية؛ فكانوا يبحثون عن الشكل المسرحي الأوربي في الثقافة العربية. ومن هنا كان إنكارهم معرفة العرب قديمًا لهذا الفن. ثم تابعهم الباحثون العرب في هذا الرأي دون أي محاولة للتعرف إلى المصطلحات المسرحية العربية التقليدية بصورة دقيقة؛ غافلين بذلك عن أن فن المسرح هو ابن البيئة والثقافة والدين. ومن ثم كان لكل شعب شكل خاص منه، لا يتطابق بالضرورة مع غيره من الأشكال المسرحية.
следующие страницы →