← Адаб

Адаб · id 10189

الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (584 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معناه بكل بساطة أن سبب اعتقاد المسلم أن كل شيء حتمي ومقدر سلفًا، ومن ثم لا يجوز دينًا أن يحاول تغييره، هو زعم سفيه، وهذا من الناحية الشرعية، وإلّا فالمُسلم ككل إنسان كثيرًا ما يسخط على وضعه، ويتمرد على الظروف التي خلقت هذا الوضع، ويعمل بكل ما في وسعه على تغييرها إلى الأفضل, وإلا فكيف نفسر كل ما بذله المسلمون على مدار تاريخهم الطويل من جهد لتحسين أحوالهم؟. إنّ القول بغير هذا هو في الواقع خلل في المنطق والتفكير, أما تصوير المسلم على أنه هادئ النفس أبدًا، لا يعرف التناقضات الداخلية ولا الصراع بين مطامحه وقدراته، أو بين عواطفه والشعور بالواجب مثلًا؛ فهو تصوير يدل على سطحية الفهم, ثم إن حصر الصراع في هذه الألوان الأربعة هو تضييق وضيق أفق؛ لأن أنواع الصراع لا تنتهي, فصراع بين الزوج والزوجة، وصراع بين الحماة وكنتها، وصراع بين الطلبة وأستاذهم، وصراع بين حزب سياسي وآخر، وصراع بين دولتين وصراع بين طبقتين، وصراع بين طائفتين، وصراع بين حاكم وشعب، وصراع بين اثنين من مهنة واحدة، وصراع بين الجيران، وصراع بين مذهبين أو فكرتين أو ذوقين ... إلى آخره. بل يمكن أن تقوم مسرحية من دون صراع, فقد يؤلف أحدهما مسرحية تدور على التوتر الذي يصطلي ناره شخص ما في موقف من المواقف. وهناك سبب آخر في نظر "عزيزة" أيضًا وهو: الادعاء بأن اللغة العربية لغة متجمدة لا تلائم متطلبات الدراما؛ فهي حين تُعَبّر عن تجربة ما، إنّما تلجأ إلى القوالب التعبيرية المحفوظة، ولا تهتم بنقل التجربة كما يعيشها صاحبها, وهذا كلام فارغ كله تنطع وتفاهة، فليست هناك لغة يمكن اتهامها بتلك التهمة؛ فضلًا

стр. 72

عن أن تكون تلك اللغة بالذات هي اللغة العربية المشهورة بغناها ومرونتها، وإبداعاتها الغزيرة المتنوعة. لكن قد يكون هناك في بعض العصور الأدبية طائفة من المؤلفين تبرز في كتاباتهم القوالب المحفوظة على حساب غيرها من التعبيرات التلقائية، وهذا شيء آخر غير ما يتحدث عنه "عزيزة" وهو موجود في كل اللغات والآداب في بعض الفترات التاريخية، وعلى أية حال فقد عرفت اللغة العربية في العصر الحديث فن المَسرح؛ فهل تغيرت بحيث أصبحت الآن تتسع للإبداع المسرحي؟ إنها بكل يقين لم يطرأ عليها شيء جذري البتة؛ فماذا يقول المتنطعون السطحيون في هذا؟. وهناك من يقول: إن العقلية العربية نزاعة إلى التجريد لا التفصيل، هذا التفصيل الذي تستلزمه الدراما، وقائل هذا هو الدكتور "عز الدين إسماعيل" ولا أعرف على أي أساس استند في دعواه العجيبة تلك، وكنت أود لو أنه بدلًا من إرسال القول على هذا النحو المتعسف، قد ساق على دعواه تلك ما يلزمه من الأدلة والشواهد، طبقًا لما يقضي منهج العلم، ولكنه لم يفعل, ومن ثم فرأيه بهذا الشكل لا قيمة له، وبخاصة أن العرب قد تركوا وراءهم شعرًا وقصصًا، ورسائل، ورحلات، وتجارب ذاتية وغيرية مملوءة بالتفصيلات الحية، والدقائق الملونة، والصور الواقعية مما يعرفه من له أدنى تماس مع نتاجهم الأدبي الغزير. ويجد القائل لرأي الدكتور "عز الدين إسماعيل" في كتابه (قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر). وهناك من يرى: أنّ السبب في عدم معرفة العرب بفن المسرح، يَكْمُن في أن الإسلام قد منع نقل المسرح الإغريقي القائم على الوثنية وآلهتها، وعلى الصراع بين الآلهة والبشر، وهو رأي قال به الدكتور "محمد مندور" في كتابيه (المسرح)

стр. 73

و (الأدب وفنونه) وكذلك توفيق الحكيم في مقدمة مسرحيته "الملك أوديب" ومعنى هذا الكلام: أن المسلمين اطلعوا على المسرح الإغريقي، وما فيه من وثنية تخالف الإسلام؛ فنفروا من ترجمته. لكن لم يحدث أن ساق "مندور" أو "الحكيم" أو غيرهما أي شيء يدل على معرفة المسلمين للمسرح الإغريقي، ولو كانوا عرفوا ذلك المسرح ما أخطأ كبار تراجمتهم وفلاسفتهم كـ"متّى بن يونس" و"ابن رشد" و"ابن سينا" في ترجمة مصطلحي التراجيديا والكوميديا فقالوا: إنّ المقصود بهما المدح والهجاء. ولمندور تعليل آخر ذكره في كتابه (المسرح) ملخصه: أنه قام بالمقارنة بين الشعر العربي القديم وأشعار الأمم الأخرى؛ فوجد أن ذلك الشعر يتميز بخاصتين كبيرتين، هما الخطابية والوصف الحسي، وهاتان الخاصتان لا تصلحان للدراما؛ التي تحتاج إلى الحوار مختلف النغمات، لا الخطابة الرنانة، وإلى خلق الحياة الشخصية وتصوير المواقف والأحداث، لا مجرد الوصف الحسي كما كتب. ويحق لنا أن نتساءل إزاء هذا الغلو الخطير، متى وكيف وأين يا ترى قام "مندور" أو غير "مندور" بمثل تلك المقارنة؟ وما عدد اللغات التي كان يعرفها سيادته؟ إنه لم يكن يعرف إلا الفرنسية وإلا الإنجليزية إلى حد؛ فهل يستطيع من هو في مثل وضعه هذا، أن ينهض بتلك المقارنة التي تحتاج إلى طوائف من النقاد ومقارني الآداب، تعرف كل لغات العالم، وتجمع أشعار العرب ونظيراتها لدى الأمم الأخرى، وتعكف على كل هذا إلى أن تخرج بما تضع عليه يدها من نتائج. وأين دكتور "مندور" من هذا كله؟. ثم من قال: إن الشعر العربي جميعه شعر خطابي ذو وصف حسي؟ إنه كأي شعر في العالم فيه الخطابية، وفيه الهمس والنجوى، وفيه الانعزال عن الحياة،

стр. 74

وفيه الانغمار في الحياة والانشغال بمشاكلها، وفيه الوصف الحسي، وفيها الوصف الباطني، وفيه التأمل الفكري، وفيه التحليل العاطفي، وفيه القصص والحوار. أما ما يقوله "مندور" فهو كلام في الهواء لا يثبت شيئًا، ولا يدل على شيء، سوى أن صاحبه لا يبالي بما يقول، وهو مسلك خطير. وكثير من الشعر العربي القديم يفيض بالقصص والحوار الذي يعكس نفسية كل متكلم. إن دكتور "مندور" حين يقول ما قال، إنّما يُوحي بأنه لا علم له بالشعر العربي؛ إذ لا يمكن أن يصدر قوله هذا عن رجل يعرف هذا الشعر ولو معرفة بسيطة، وهذا أمر لا يليق. والواقع أن حسم القضية الخاصة بعدم معرفة العرب للمسرح، هو أمر ليس من السهولة بمكان؛ فلم يعد هناك عَربٌ يُمكن أن نسألهم عن السر في ذلك مثلًا؛ فأصبح البحث في المسألة كأنه بحث في ما وراء الطبيعة. وربما كان لصعوبة ظروف المعيشة التي كان يعيشها العرب دخل في ذلك، إذ لم تكن تدع لهم فرصة لالتقاط الأنفاس، والاهتمام بمثل ذلك الفن المعقد؛ لأنهم كانوا في حل وترحال، جريًا وراء الماء والكلأ، وكانت المعارك تشتعل بينهم لأتفه الأسباب؛ كما كانت النزعة الفردية متسلطة عليهم، اللهم إلا فيما تمليه عليهم الحياة إملاء لا معدى عنه كالحرب، وتنظيم القوافل مثلًا. والمسرح يحتاج إلى جهود في الإخراج والتمثيل، وإعداد المسرح ومستلزماته، وفوق هذا فالتمثيل يقتضي اختلاط الرجال بالنساء، ولا أظن النفسية العربية في ذلك الوقت كانت تسيغه أو تسيغ قيام الرجل بدور المرأة على المسرح.

стр. 75

ثم إن عدم وجود مواد سهلة ورخيصة للتدوين -وهذا لو أغضينا الطرف عن انتشار الأمية فيهم إلى مدى بعيد- من شأنه أن يقوم عقبة دون ظهور المسرح؛ إذ تحتاج المسرحية الواحدة في كتابتها إلى عشرات الصفحات. وهناك رأي آخر ظهر في الفترة الأخيرة، يقول: بأن العرب عرفوا فن المسرح منذ الجاهلية، وصاحب هذا الرأي هو الكاتب الإسرائيلي ذو الأصل العراقي "شموئيل" أو "سامي موريه" ففي كتابه (المسرح البشري في البلاد العربية خلال القرون الوسطى) يرفض "موريه" ما يقوله معظم الباحثين من أن العرب لم يعرفوا فن المسرح إلا في العصر الحديث، جراء احتكاكهم بالثقافة الأوربية؛ مؤكدًا على العكس من ذلك أنهم عرفوا هذا الفن منذ الجاهلية، وكان يسمى عندهم بالخيال, وذلك قبل انتقال "خيال الظل" إلى البلدان الإسلامية بقرون. كما عرفوا مسرحًا يقوم فيه الممثلون بعروض أمام الجمهور يختلف عن في شكله عن المسرح الأوربي، فهو نوع خاص من العروض المسرحية التي تعتمد في الأساس على الحوار والأزياء والحركة وغيرها من عناصر المسرح. ثم يتابع كلامه قائلًا: إن المستشرقين نظروا إلى المسرح العربي من وجهة نظر أوربية؛ فكانوا يبحثون عن الشكل المسرحي الأوربي في الثقافة العربية. ومن هنا كان إنكارهم معرفة العرب قديمًا لهذا الفن. ثم تابعهم الباحثون العرب في هذا الرأي دون أي محاولة للتعرف إلى المصطلحات المسرحية العربية التقليدية بصورة دقيقة؛ غافلين بذلك عن أن فن المسرح هو ابن البيئة والثقافة والدين. ومن ثم كان لكل شعب شكل خاص منه، لا يتطابق بالضرورة مع غيره من الأشكال المسرحية.

стр. 76

كذلك يؤكد الباحث الإسرائيلي أنه في الوقت الذي تطور فيه المسرح الأوربي، عن الطقوس الدينية، فإن المسرح العربي تطور عن اللهو والتقليد، والسخرية من الخصوم ونقد تصرفاتهم، ثم انتقل إلى نقد تصرفات القضاة والحكام. وعلى أية حال؛ فقد عرفت البلاد العربية فن المسرح كما يعرفونه في الغرب، بدءًا من دخول الفرنسيين مصر في أواخر قرن الثامن عشر، إذ أقاموا بعض المسارح الخشبية للترويح عن جنودهم وضباطهم, وكان بعض المصريين يسترقون النظر من خلال الأخصة، التي بين تلك الألواح، وإن كان كل ذلك قد انقضى بخروج أولئك المجرمين من مصر أوائل القرن التاسع عشر. ويقول المؤرخون: إن "مارون النقاش الشامي" هو مؤسس المسرح العربي، وربما سبقه "يعقوب صنوع" الملقب بـ"أبو نظارة" إلى هذا الأمر, وقد كان "مارون" قد زار إيطاليا، واطلع على فن التمثيل هناك فأعجب به إلى حد بعيد، وفكر في نقله إلى بلاده, وبين رواد هذا الفن في مصر "سليم النقاش" الذي أنشأ مسرحًا في الإسكندرية عام ستة وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد. وتلا ذلك ظهور فرق شامية أخرى منها: "فرقة أبو خليل القباني" و"فرقة يوسف خياط" و"فرقة إسكندر فرح". ثم ظهرت فرق مصرية صميمة كـ"فرقة سلامة حجازي" و"فرقة جورج أبيض" و"فرقة محمد تيمور" و"فرقة عبد الرحمن رشدي" و"فرقة نجيب الريحاني" و"فرقة يوسف وهبي" و"فرقة فاطمة رشدي" ثم أنشأ معهد التمثيل بالقاهرة في أوائل الثلاثينات من ذلك القرن، وبعده بعدة سنوات تكونت الفرقة القومية، ثم تتابع المطر واستمر مريره في أرض الكنانة، وفي بلاد العروبة كلها تقريبًا. وقد بدأت الكتابة المسرحية أيضًا باستيحاء المسرح الفرنسي والإيطالي والأخذ عنهما، مع إجراء بعض التعديلات التي تتقارب مع ذوق الجمهور وثقافته، كما

стр. 77

ظهرت بعض الأعمال المسرحية المؤلفة، مع وضوح تأثرها بالأسلوب الأوربي في رسم الشخصيات، وتطور الأحداث وغير ذلك من أساليب الكتابة المسرحية. وقد استمرت هذه البدايات وهكذا إلى ما يقرب ثلاث أرباع القرن تقريبًا، ثم جاء الاقتباس عن اللغة الإنجليزية متأخرًا, حيث احتلت مسرحيات "شكسبير" مكان الصدارة في هذا المجال، وكانت أولى مسرحياته التي قدمت على خشبة المسرح العربي هي: "روميو وجولييت" عام ألف وثمانمائة وواحد وتسعين للميلاد, ثم "هاملت" عام ألف وتسعمائة وخمسة للميلاد, ثم "عطيل" عام ألف وتسعمائة وثمانية للميلاد, ثم كثر المؤلفون المسرحيون تباعًا. ومن أهم المؤلفين المسرحيين "أحمد شوقي" و"عزيز أباظة" وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وتوفيق الحكيم، ومحمود تيمور، و"باكثير" و"محمود دياب"، و"مصطفى الحلاج"، و"سعد الله ونوس"، و"ممدوح عدوان"، و"رشاد برغوث"، و"سهيل إدريس"، و"برهان الدين العيوشي"، و"سميح القاسم"، و"يوسف العاني"، و"نور الدين فارس"، و"سعد الفرج"، و"صقر الرشود"، و"إبراهيم العريض" و"عبد الرحمن المعودة"، و"خالد أبو الروس"، و"عبد الله القويري"، و"الأظهر أبو بكر حميد"، و"أحمد إبراهيم الفقيه"، و"عز الدين المدني " ... إلى آخره. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 78

الدرس: ٤ الرواية والقصة القصيرة، ودلالات التأثر والتأثير فيها .

стр. 79

بسم الله الرحمن الرحيم الدرس الرابع (الرواية والقصة القصيرة، ودلالات التأثر والتأثير فيها) الرواية والقصة القصيرة؛ جذورها التاريخية وسماتها الأدبية الرواية والقصة القصيرة، ودلالات التأثير والتأثر فيها: القصة -طويلة كانت أو قصيرة- فن من الفنون الأدبية القديمة، إذ لا أظن أن مجتمعًا بشريًّا -قديمًا أو حديثًا- يمكن أن يخلو من هذا الفن، فحُبّ القصص نزعة فطرية في النفس الإنسانية، ولعل أقدم كتابة نقدية في هذا الموضوع هي ما كتبه أرسطو في كتابه (فن الشعر) عند كلامه عن الملحمة والمسرحية، ذلك أن الملحمة والمسرحية كلتاهما فن قصصي، كل ما في الأمر أن الملحمة كانت تنظم شعرًا، وأن المسرحية تقوم على الحوار، فلا سرد فيها إلا في أضيق نطاق، وذلك حين يضع المؤلف ملاحظاته السريعة الموجزة قبل بعض المشاهد كي يهتدي بها المُخرج لدن تحويلها من عمل مكتوب إلى تمثيل حي على المسرح، فضلًا عن أن المسرحية كانت تكتب أيام أرسطو شعرًا، وإن كتبت بعد ذلك نثرًا أيضًا. وفي كل من الملحمة والقصة والمسرحية، الحوادث والشخصيات والحوار والعقدة والحل والبناء الفني، كما أن المواصفات التي يراعيها المبدع في كل فن من هذه الفنون، لا تكاد تختلف بشكل جذري عما ينبغي مراعاته في الفنين الآخرين. وقد قال أرسطو في كتابه (فن الشعر): " إنّ كُلّ ما يَصْدُق على المَلحمة يصدق على المأساة، اللهم في أنّ المَلحمة لا تنظم إلا في بحر واحد من بحور الشعر، كما أنها تتخذ الشكل السردي، علاوة على أن المأساة محكومة في طولها الزمني، بدورة الشمس حول الأرض مرة واحدة، أي: بأرْبع وعشرين ساعة أو أزيد قليلًا إن كانت ثمة حاجة إلى ذلك، على حين أن زمن الملحمة مفتوح. ولأن العناصر الموجودة في الملحمة هي نفسها تقريبًا العناصر الموجودة في المسرحية؛ نجده يؤكد أن من يستطيع الحكم الفني على إحداهما يستطيع الحكم

стр. 80

على الأخرى، وبالمثل نراه يذكر أن المؤلف -أي: مؤلف- قد يروي قصته من خلال ضمير الغائب، أو من خلال ضمير المتكلم، أو من خلال ترك الشخصيات تتصرف أمامنا مباشرة. والأسلوب الأخير هو أسلوب المسرحية، أما الأسلوب الأول فأسلوب "هومر في شعره الملحمي"، إلّا أنه لم يضرب لنا مثلًا يوضح به كيفية تقديم الشخص نفسه من خلال ضمير المتكلم. والمسرحية تتكون عنده من: الحبكة، والشخصية، واللغة، والفكرة، والمنظر، والأغنية، وفي رأيه أن الحبكة أهم من رسم الشخصيات، وأساسها عدم تضمين العمل المسرحي والملحمي أي عنصر لا يضر العمل حذفه، وألا نحذف من العمل أي عنصر من شأنه أن يصيب العمل بالتفكك والانهيار عند هذا الحذف، كذلك لا بد في رأيه أن يكون كل حدث مترتبًا على الحدث السابق عليه. وبالنسبة إلى الشخصيات ينبغي أن تكون شخصيات حقيقية ممن نقابلها في الحياة، وأن ينم كلامها وسلوكها عليها وينسجم معها، وأن تكون متسقة مع نفسها ... إلى آخر ما كتب ذلك الفيلسوف عن المواصفات التي لا بد من مراعاتها في كتابة المسرحية والملحمة، وهو أساس النقد القصصي عند الأوربيين وعند غير الأوربيين. ومما قرأناه في المادتين الخاصتين بالقصة القصيرة والرواية في بعض المعاجم الإنجليزية والفرنسية، يتبينُ لنا أن فن القصص قديمٌ قدم الإنسان لم تخلُ مِنه أمّة، وأنه يقوم على سرد الأحداث، وتصوير الشخصيات والحبكة، وأنه كان يعتمد في انتشاره على الحكي الشفاهي، ثم تَدخل الرسم والكتابة في عملية التسجيل.

стр. 81

وكانت الأدوات المستخدمة في هذا قديمًا هي الحجر، وجدران الكهوف، والجلود، وجذوع الأشجار، وكل ما يمكن الاستعانة به في هذا الصدد، وأنه كان وما زال يتغي التسلية والتعليم والدعاية ونشر القيم التي يتمسك بها المجتمع، فضلًا على التضليل أيضًا في بعض الحالات، وأن الرواية فن مرن منفتح غير جامد، فهي كما تكتب نثرًا قد تكتب شعرًا، وهي قد تكون طويلة كما قد تكون قصيرة أيضًا. والمهم ألا تبلغ من القصر ما يحول دون إصدارها في كتاب على حدة، وهي تتأبى على الشكل المحدد، والأسلوب المحدد والموضوع المحدد على عكس الأشكال الأدبية الأخرى، فضلًا على أنها تتسع لعناصر غير قصصية: كالرحلات والتراجم، والتاريخ والصحافة، وهذا هو السبب في أنها استطاعت أن تزيح الأجناس القصصية الأخرى، وتحل محلها. لكني لا أحب أن يكون الكلام هكذا، وأوثر أن يقال: إن الرواية مجرد شكل من أشكال الفن القصصي المتعددة؛ كالملحمة والرومانس التي تشبه عِندنا السيرة الشعبية، إذ العناصر في كل هذه الأشكال -ولا أقول الأجناس- واحدة، ألَا وهِي الأحداث والشخصيات، والحوار، والزمان والمكان، والحبكة. أما أن الملاحم مثلًا كانت تقوم على الخرافات والخوارق وما إلى هذا، على حين أن الرواية وهي فن علماني لمجتمع علماني، كما جاء في المادة المخصصة لها في قاموس "أكسفورد" الأدبي تتغي الواقعية، فالرد على ذلك شديد السهولة؛ إذ إن القدماء لم يكونوا ينظرون إلى تجسد الآلهة وتعددهم، وتصرفهم كما يتصرف البشر، وتخلقهم بأخلاق البشر، وتزاوجهم فوق ذلك مع البشر، ولا إلى الخوارق والمعجزات، والغرائب والوقائع، والشخصيات الأسطورية على أنها أمور غير حقيقية، بل على أن هذا هو الواقع الفعلي.

стр. 82

وإذا اعترض بأن الملاحم كانت تصاغ شعرًا، فها هو ذا كاتب المادة يقول: إنّ الرِّواية قد تصب في قالب الشعر هي أيضًا، ثم ها نحن ذا نعود هذه الأيام؛ فنكتُب الرِّواية على مذهب الواقعية السحرية، وواقعية الخرافات والخوارق والعجائب والغرائب، كما كان الحال في السير الشعبية وألف ليلة وليلة مثلًا. بل إنّ الكَاتِب ليذهب إلى أن العمل مثل "ساتر الكون" الذي ظهر في القرن الأول قبل الميلاد لـ"بترونيا سنوماني" بمكن أن يعد رواية، وإن أضاف أن العرف قد استقر على أن "دونك شو" التي صدرت في أول القرن السابع عشر الميلادي للكاتب الأسباني "سيلفنس" هي أول رواية بالمعنى الحقيقي. وفي التفرقة بين الرواية والقصة القصيرة رأينا كتاب هاتين المادتين يستندون أساسًا إلى معيار الطول، إذ ينبغي ألا تزيد القصة القصيرة في الحجم بحيث يمكن أن تطبع في كتاب مستقل كما هو الحال مع الرواية، وهو ما يَستتبعُ أن تكونَ المِسَاحَةُ التي تتحرك فيها القصة القصيرة أَضيق، ومن ثم يهبط عدد الأحداث والشخصيات فيها إلى أقل حد ممكن، حدث واحد وشخصية أو شخصيتان. كما ينسب فن الرواية إلى أصله البعيد وهو الحكايات الشفوية التي كانت أساسًا لملحمتي "هوميروس" وهي نقطة جد هَامّة يسرني أن يتلاقى معها رأيي الحالي، الذي انتهيت إليه بعد تفكير طويل في هذه المسألة، وهو أن كل ما نعرفه من أشكال قصصية، فمرجعه إلى القصص والحكايات البَعِيدة الضّاربة في أعمق أعماق التاريخ، تلك القصص والحكايات التي تتخذ في كل عصر، وربما أيضًا بين الشعوب والطبقات المختلفة في العصر الواحد شكلًا مختلفًا، فيظن بعض الدارسين إننا إيذاء جنس جديد، وما هو بالجنس الجديد في حقيقة الأمر بل شكل من الأشكال التي اعتورت ذات الجنس على مدار تاريخه الطويل.

стр. 83

وفي مادة "روما" من قاموس "لاروس" العالمي الكبير طبعة باريس، سنة ١٨٦٥م، نقرأ أن الرواية فن قديم قدم الإنسانية نفسها، وإن تغير شكله من عصر إلى آخر، ويقول دكتور "محمد غنيمي الهلال" في كتابه (الأدب المقارن): "إن النّثر القصصي في الآداب العالمية قد تأخر ظهروه بالنسبة إلى المَلاحِم والمسرحيات، وإنه كان أقل الأجناس الأدبية خضوعًا للقواعد وقيود النقد". وهذا معناه: أنّه يُفرق تفرقة جوهرية بين الملاحم والقصص، وهو ما لا أوافقه عليه، علاوة على أنني لا أظن أنه قد أتى على الناس حين من الدهر، لم يكونوا يعرفون رواية القصة والاستماع إليها، والاستمتاع بها، كذلك نراه يبدأ كلامه عن تاريخ الفن القصصي النثري بالكلام عن الإغريق وكأنهم هم رواد هذا اللون من الأدب، مع أن القصص المصري القديم يسبق ما وصلنا عنهم بزمن طويل. إذ نرى كاتبنا يرجع أول النثر القصصي اليوناني إلى القرن الثاني قبل الميلاد، على حين يعود القصص المصري إلى ما قبل هذا التاريخ بأشواط طوال، كما يعرفُ ذلك كل من له أدنى اتصال بالتاريخ المصري القديم، وبِمَا بَلغنا عنه من قصص كقصة "سنوحي" و"الفلاح الفصيح" و"الأخوان" و"الأميرة والشحاذ" وفيها شيء غير قليل من التماثل مع قصة "حسن ونعيمة" المشهورة. و"الملاح التائه" وهي تذكرنا بما سوف نقرؤه في قصتي "حي بن يقظان" و"روبونسون كروزو" بعد ذلك، من عيش أحد الأشخاص وحده لفترة طويلة على جزيرة غير مأهولة، وقصة الاستيلاء على يافا التي كتبت في عهد "تحتمس الثالث" وتتضمن حيلة للاستيلاء على المدينة، تشبه الحيلة التي لجأ إليها فيما بعد أصحاب "حصان طروادة"، إذ وضع بطل القصة جنوده في براميل مثقوبة للتهوية

стр. 84

محمولة على ظهور البغال، وما إن دخلت البغال المدينة حتى قفز من داخل البراميل الجنود المختفون واستولوا عليها. وكذلك القصص الشعبية التي تتناول الصراع الأبدي بين القط والفأر، ولكن على طريقة "توم وجيري"، حيث يغلب الفأر القط في كثير من الأحيان، وهو ما سبق به المصريون القدماء رسامي "الكرتون" الأمريكيين المعاصرين صاحبي فكرة توم وجيري ... إلخ. ولا يعني هذا أن القصص المصري هو أقدم قصص في الدنيا، بل كل ما أقصده أنه قد وصلنا عن المصريين القدماء قصص سابق في الزمان عن القصص الإغريقي، والسؤال هو: منذ متى عرف الأدب العربي فن القصص؟ وفي الجواب عن هذا نقول: إن بعض الدارسين يميلون إلى القول بأن القصة أحد الفنون الأدبية الطارئة على الأدب العربي، استمدها من الآداب الغربية في العصر الحديث. وهذا رأي خطير، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير: منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاجتماعيُّ، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل رسالة "النمر والثعلب" لسهل ابن هارون، ورسالة "التوابع والزوابع" لابن شعيب، و"رسالة الغفران" ورسالة "الصاهب والشاهب" للمعري، و"سلامان وأبسال" ورسالة "الطير" لابن سينا، ورسالة "حي ابن يقظان" لكل من ابن سينا وابن الطفيل والسهروردي، وقصص ألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة وسيرة سيف بن ذي يزن.

стр. 85

ومنه القصير كالحكايات التي ترص بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها "محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البيجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى" في أربعة مجلدات كبار، و"كليلة ودمنة" لابن المقفع، و"البخلاء" للجاحظ، و"الفرج بعد الشدة" و"مشوار المحاضرة" للقاضي التنوخي، و"المقامات" و"عرائس المجالس" للثعالبي، و"مصارع العشاق" للسراج القاري، و"سلوان المطالع في عدوان الأتباع" لابن ظفر الصقلي، والمكافأة لابن الداية، و"غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة" للوطواط، و"المستطرف من كل فن مستظرف" للإبشيهي، و"عجائب المقدور في أخبار تيمور"، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء" لابن عرب شاه، وبعض قصص ألف ليلة وليلة أيضًا. وما ذكره ابن النديم في (الفهرست) من كُتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُويت عن ملوك بابل، أو ألفت بالعربية؛ فكانت حوالي ١٤٠ كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ٨٠ كتابًا، كلها في أخبار العشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما ألف بعد ذلك. ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة و"طاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد، وهلم جرة. على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق أن الفن القصصي لم يعرف عند العرب إلا في عصر التدوين، بعد أن انتشر نور الإسلام، وتخلص العرب من الأمية، وأصبحوا أمة كاتبة قارئة مثقفة كأحسن ما تكون الأمم ثقافة وتحضرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية.

стр. 86

وهذا الحكم يستند: أولًا: إلى أن حب القصص نزعة فطرية لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلًا عن مجتمع كامل كالمجتمع العربي قبل الإسلام. وفي مادة " Story Telling " في "الويكيبيديا" يؤكد كاتبها عن حق أن جميع المجتمعات البشرية قديمًا وحديثًا قد عرفت رواية القصص. وثانيًا: إلى أن لدينا قصصًا كثيرًا تدور وقائعه في الجاهلية، وينتسب أبطاله إليها، وقد اقْتَصَر دَورُ الكُتّاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصَص، وقد يكُونون تدخلوا بأسلوبهم في صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه، ومن الواضح أن هذا القصص يصور المجتمع العربي قبل الإسلام تصويرًا لا يستطيعه إلا أصحابه. أما ما يقوله بعض المستشرقين، ويتابعهم عليه بعض كتاب العرب من أن العرب ينقصهم الخيال والعاطفة، وأنهم من ثم لم يعرفوا فن القصص؛ فأقَلُّ مَا يُقال فيه: هو أنه سخف وتنطع، إذ الميل إلى القصص هو ميل غريزي لدى كل البشر، كما أن الخيال والعواطف هي هبة من الله لم يحرم منها أمة من الأمم، بل كل الأمم فيها سواء. ومن ذلك ما زعمه المستشرق البريطاني "ديلاسي أوليري" في كتابه ( Arabia before Mohammed) من أن العربي ضعيف الخيال جامد العواطف، وإن كان الدكتور أحمد أمين قد عقب على ذلك في كتابه (فجر الإسلام) بأن الناظر في شعر العرب، وإن لم ير فيه أي أثر للشعر القصصي أو التمثيلي، أو الملاحم الطويلة التي تشيد بذكر مفاخر أمة كـ"إلياذة هوميروس" و"شهنامة الفردوسي"، سوف يلاحظ رغم ذلك براعة الشاعر العربي في فن الفخر والحماسة والغزل والوصف والتشبيه والمجاز، وهو مظهر من مظاهر الخيال.

стр. 87

كما أن بكاء ذلك الشاعر للأطلال والديار، وذكره للأيام والحوادث، ووصفه لشعوره ووجدانه، وتصويره لالتياعه وهيامه كل ذلك دليل على تمتعه بالعواطف الحية. ويُردد أحمد حَسن الزيات في (تاريخ الأدب العربي) شيئًا قريبًا مما قاله "أوليري" وإن اختلفت مُسَوّغاته، إذ من رأيه أن مزاولة هذا الفن تقتضي الروية والفكرة، والعرب أهل بديهة وارتجال، كما تتطلب الإلمام بطبائع الناس، وهُم قد شغلوا بأنفسهم عن النظر فيمن عاداهم، فضلًا عن احتياج ذلك الفن إلى التحليل والتطويل، على حين أنهم أشد الناس اختصارًا للقول، وأقلهم تعمقًا في البحث، مع قلة تعرضهم للأسرار البعيدة والأخطار الشديدة. ثم إنّ هذا الفن هو نوع من أنواع النثر، والنثر الفني ظل في حكم العدم أزمان الجاهلية وصدر الإسلام؛ حتى آخر الدولة الأموية حين وضع ابن المقفع الفارسي مناهج النثر، وفكر في تدوين شيء من القصص. بيد أن عددًا من كبار النقاد ومؤرخي الأدب عندنا تولى تفنيد هذه المهمة المتسرعة، التي أن صحت، وهي لا يمكن أن تصح، كان معناها أن الله حين خلق الخيال والروية كتب على كل منهما لافتة تقول: ممنوع اللمس، للأوربيين فقط. والحق أنني لا أدري كيف فكر أصحاب هذا الزعم العجيب الذي لا يقول به العقل، ولا الذوق ولا التاريخ، ولا الواقع ولا الشواهد. وثمة خبرٌ أورَده المسعودي في (مروج الذهب) عن معاوية يدل على أنه كان هناك منذ خلافته على الأقل تدوين كتابي لما كان الجاهليون يروونه من قصص وحكايات وأسمار، وأنّ هذا التدوين من ثم لم ينتظر حتى مجيء العصر العباسي -كما يقول الدكتور شوقي ضيف- وهذا هو النص المذكور، وقد ورد في

стр. 88

سياق كلام المسعودي عن المنهج الذي كان معاوية يتبعه في إنفاقِ سَاعاتِ يومه نهارًا وليلًا، وهو خاص بسماع العاهل الأموي أخبار العرب وأيامها في الجاهلية. يقول: "ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسِيَر ملوك الأمم وحروبها، ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطُّرَفُ الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك، وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتَّبون، وقد وُكِّلوا بحفظها وقراءتها، فتمرّ بسَمْعه كلَّ ليلة جُمَلٌ من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم". ولدينا أيضا كتاب (أخبار عَبِيد بن شَرِيّة الجُرْهُمِيّ في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها) الذي سَجّل فيه مؤلفه ما كان يقع بينه وبين معاوية بن أبى سفيان من حوادث تاريخية، وكان معاوية قد استقدمه؛ ليستمع منه إلى أخبار ملوك اليمن. ويذكر ابن النديم أن عَبِيدًا وَفَد على معاوية؛ فسأله العاهل الأموي عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة وأَمْر افتراق الناس في البلاد، وكان قد استحضره من صنعاء اليمن، فأجابه إلى ما سأل، فأمر معاوية أن يدوَّن ذلك ويُنْسَب إلى عبيد. وهو الكتاب الذي يؤكد المسعودي أنّ صاحبه هو الوحيد الذي صَحّ وفوده على معاوية من رواة أخبار الجاهلية". واللّافِتُ للنّظر أنّ الأغلبية من كُتّاب القِصّة ونقادها في بدايات العصر الحديث بأرض الكنانة مثلًا، لم ينظروا إلى القصة على أنها شيء جديد، بل على أنها امتداد للقصص العربي القديم إن لم تكن هي هو، وهذا واضح مما كتبه رفاعة

стр. 89

الطهطاوي في مقدمة ترجمته لرواية "فلينون" التي عنوها بـ" مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" إذ قال: إنها موضوعة على هيئة مقامات الحريري في صورة مقالات". كما يقارن عبد الله النديم في مقال له بمجلة "الأستاذ" بتاريخ ١٠ يناير ١٨٩٣م الأسلوب الذي كتبت به رواية سعيد البستاني "ذات الخدر" بأسلوب السير الشعبية، ويدافع عنها على هذا الأساس، كذلك كان حظ إبراهيم حين ترجم رواية "هوجو" "البؤساء" لينظر إلى عملِه على أنه امتداد لما كان العرب يعملونه في العصر العباسي، من نقل القصص الأجنبي القديم إلى لسانهم. وهذا الكلام متاحٌ لِمن يَطْلُبه في مقدمة الترجمة المذكورة، وهو نفسه ما قاله تقريبًا جورج زيدان في الجزء الرابع من كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية)، وإن أضاف أن القصص العصري ينحو نحو الواقعية التي تلائم روح العصر. وها هنا نقطة لا أريد أن أفوت الفرصة دون التعرض لها، وهي قول الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن): "إنه لم يكن للفن القصصي في الأدب العربي القديم شأن يذكر، وإن كبار الأدباء كانوا يتركونها لغيرهم من الوعاظ، وكتاب السير والوصايا، وهذا كلام غير صحيح بالمرة، ويكفي في تفنيده أن ننظر في أسماء كتاب القصة في أدبنا القديم التي أوردتها آنفًا لنجد أسماءً كسهل بن هارون، وابن المقفع، والمعري، وابن شعيب، والهمذاني، والحريري، وابن طفيل، والقاضي التنوخي، والثعالبي، وابن عرب شاه. أفليس هؤلاء من كبار أدباء العرب في تلك العصور، بل من كبار كبارهم؟!. والطريف أنه هو نفسه سوف يذكر بعد قليل بعض تلك الأسماء في سياق حديثه عن تأثير القصص العربي القديم في الأدب الأوربي.

стр. 90

كذلك لا نستطيع أن نوافقه ﵀ على نسبته فضل التأليف القصصي، أو على الأقل الريادة فيه إلى مسلمة الفرس، ممن كانوا -كما يقول- يعرفون اللغتين، مشيرًا إلى أنهم كانوا يفيدون من اطلاعهم على قصص "الشهنامة"، وهو بطبيعة الحال يقصد تاريخ ملوك فارس القديمة لا "الشهنامة" التي ألفها الفردوسي في ذات الموضوع؛ لأن هذه "الشهنامة" ما كان لها وجود في ذلك الوقت بعد كما هو معروف، إذ لم يبدأ الفردوسي تأليفها إلا في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري. ويلاحظ هنا أنّ هِلال لم يحاول أن يُقَدّم لنا ولو شاهدًا واحدًا على دعواه إفادة أولئك الكتاب من سير ملوكهم، وبالمناسبة نراه يشير ضمن هذا السياق بالهامش إلى ما وردت به أسباب النزول الآيتين السادسة والسابعة من سورة لقمان اللتين تتحدثان عن النضر بن الحارث، وما كان يصنع في التشويش على الدعوة الم حمدية في أوائلها، إذ كان يأتي بقصص رستم واسفنديار، حتى أذا وجد النبي في مجلس من مجالس قريش يدعوهم إلى دينه الجديد، جاء هو وقرأ عليهم تلك القصص زاعمًا أنها أفضل مما جاء به الرسول ﵇. فهلال يتخذ من هذا شاهدًا على تسرب قصص "الشهنامة" إلى بلاد العرب في تلك الفترة المبكرة من تاريخها. وفي حديثه عن "ألف ليلة وليلة" نجده يشير إلى ما استقاه كتابها من العناصر الفارسية، والهندية والإغريقية، مع تغليب العناصر الفارسية، وإن يكن قد أبرز أيضًا ما يفيض به ذلك العمل من إبداعات عربية ومصرية، أضيفت إلى أصله الأجنبي. وفي المقالة الثامنة من كتاب (الفهرست) لابن النديم، وتحت عنوان "الفن الأول في أخبار المسامرين، والمخرفين وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار"، يطالعنا هذا

стр. 91

النص المهم الذي يتحدث عن الأصل الفارسي لألف ليلة، إذ نقرأ أن: " أول من صنف الخرافات، وجعل لها كتبًا، وأودعها الخزائن، وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان الفرسُ الأُوَل ثم أرخ في ذلك ملوك الأشغانية، وهم الطبقة الث الثة من ملوك الفرس، ثم زاد ذلك واتسع في أيام ملوك الساسانية، ونقلته العرب إلى اللغة العربية، وتناوله الفصحاء والبلغاء، فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه. فأول كتاب عُمِلَ في هذا المَعنى كتاب (هزار أبسان) ومعناه: ألف خرافة. وكان السبب في ذلك أن ملكًا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة، قتلها من الغد، فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية، يقال لها: "شهرزاد"، فلما حصلت معه، ابتدأت تخرّفه وتصل الحديث عند انقضاء الليل، بما يحمل الملك على استبقائها، ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث، إلى أن أتى عليها ألف ليلة، وهو مع ذلك يطؤها إلى أن رزقت منه ولدًا فأظهرته، وأوقفته على حيلتها معه، فاستعقلها ومال إليها واستبقاها، وكان للملك قهرمانة يقال لها "دنيازاد" فكانت موافقة لها على ذلك". وقد قيل: إن هذا الكتاب ألف لحمان ابنة بهمن، وجاءوا فيه بخبر غير هذا، والصحيح -إن شاء الله- أن أول من سمر بالليل الإسكندر، وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه، لا يريد بذلك اللذة، وإنما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب (هزار أفسان) ويحتوي على ألف ليلة، وعلى دون المائتي سمر، لأن السمر ربما حدث به في عدة ليال، وقد رأيته بتمامه دفعات". ومع هذا كله فقد حكم ابن النديم على كتاب (ألف ليلة) بأنه "بالحقيقة كتاب غثّ بارد الحديث".

стр. 92

وبالنسبة إلى (رسالة الغفران) نرى الدكتور محمد غنيمي هلال يسوق احتمالًا مرسلًا لم يعضده بأي شاهد ولا بأي دليل أو مرجع، وهو: أنّ أبا العلاء قد يكون متأثرًا بكتاب "أرده ويراف نامة" الفارسي الذي يحكي رحلة موبذان من "زرادشتي" إلى الجحيم، وبالمثل يرى من المحتمل أن يكون لقصة "أبسال وسلامان" المتصلة بقصة "حي بن يقظان" لابن سينا أصل يوناني. أما فن المقامة، فهو كما يؤكد فن عربي أصيل، على أنه لم يكتف بهذا بل مضى، فتناول انتقال تلك الأعمال بدورها إلى اللغات والآداب الأخرى، وتأثيراتها فيها، وبخاصة الأوربية منها، فقد تُرجمت "حي بن يقظان" لابن الطفيل إلى العبرية في القرن الرابع عشر الميلادي، ثم إلى اللاتينية في القرن السابع عشر، ثم إلى الإنجليزية، كما ترجمت في سنة ١٩٢٠م إلى الروسية، ثم إلى الفرنسية أوائل الثلث الثاني من القرن العشرين، وكان لهذه القصة تأثير شديد في قصة "كريتيكود" للكاتب الإسباني "جراسيان" الذي عاش في النصف الأول من القرن السابع عشر. وإن أضاف أننا لا نعرف الطريق الذي تأثر من خلاله "جراسيان" بالقصة العربية؛ لأنها لم تترجم إلى أي لغة أوربية قبل عام ١٦٧١م، أي: بعد وفاة "جراسيان"، إلا أنه مع هذا يستبعد أن تكون وجوه التماثل بين العملين مجرد مصادفة، وبخاصة أن المستشرق الإسباني "جارسيا جوميز" يؤكد أن قصة ابن الطفيل اكتسبت شعبية كبيرة في عهد "جراسيان" من قبل ترجمتها إلى اللاتينية، ومن ثم يقرر أن الكاتب الإسباني لا بد أن يكون قد اطلع على القصة في أصلها العربي. كذلك يضيف هلال أن قصة ابن الطفيل قد لقيت رواجًا كبيرًا لدى الفلاسفة الأوربيين، خصوصًا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكذلك "الرومانتيكيون" في القرن التاسع عشر، إذ كان هؤلاء وهؤلاء يعتقدون أن

стр. 93

الإنسان قادر بفطرته وحدها على الاهتداء للفضائل، وهي الفكرة التي تدور حولها "حي بن يقظان" كما هو معروف. كذلك ترجمت "ألف ليلة وليلة" إلى الفرنسية في أوائل القرن الثامن عشر، ثُمّ تُرجمت إلى سائر اللغات الأوربية بعد ذلك تاركة آثارًا متنوعة في فنون الأدب المختفلة هناك، إذ شَدّ الأُدباء "الرومانتيكيين" إليها ما كانت تشتمل عليه من موضوعات كانت تشغلهم، كالهروب من واقع الحياة إلى عالم السحر، والتهكم على الملوك، وترجيح العاطفة على العقل متمثلة في "شهرزاد" التي ردت "شهريار" الملك عن وحشيته لا بالمنطق العقلي بل بالعاطفة. ثم يزيد الدكتور هلال قائلًا: "إنّ حكايات ألف ليلة وليلة بعيدة في مستواها الفني عن القصة في معناها الحديث"، وهذه الملاحظة الأخيرة لا داعي لها حتى ولو كانت صادقة، إذ ليس مطلوبًا من أي فن أو شخص أن يسبق عصره، وأن يمتثل بدهر الغيب لمواصفات عصر مقبل لا يزال في ضمير الغيب، وإلا لم يكن هناك عمل جديد بالرضا لأن ما هو مقبول اليوم سوف يتغير الرأي فيه غدًا حين تجد على الساحة مواصفات فنية أخرى. على أن كلامي هنا لا يَعني أن أدبَ كُلّ عصر لا يمكن أن يلبي متطلبات العصور المقبلة بالضرورة، إذ لا يمنع هذا من تحقق تلك المتطلبات المستمرة في كلها أو بعضها، وهذا لو كانت ملاحظته صحيحة، وهي للأسف ليست كذلك، إذ إن من بين حكايات ألف ليلة ما يصمد بالمقارنة مع القصة الحديثة قصيرة كانت أم طويلة. ولا ننسى ما أخذنا نسمع به منذ عدة عقود من الواقعية السحرية، ذلك المذهب الذي أتانا من أمريكا الجنوبية، واستقاه أدباؤها من ذلك العمل الساحر. فإما المقامة فهي كما يقول: "حكاية يسودها شبه حوار درامي وتحتوي على مغامرة يرويها أحدهم عن بطلها الذي قد يكون شجاعًا متقحمًا للأخطار، أو

стр. 94

ناقدًا للأوضاع والاجتماعات والسياسية، أو عالمًا متضلعًا بمسائل الدين أو اللغة، لكنه في كل الأحوال تقريبًا متسول ماكر مستهتر، ولوع بالملذات، يحتالُ للحصول على مال ممن يخدعهم، فضلًا عن أنه أديب مجيد". وفي المقامة أيضًا وصف للعادات والتقاليد السائدة حينذاك في الطبقتين الدنيا والوسطى، وقد تأثر الأدب الفارسي بالمقامات متمثلًا في القاضي "حميد الدين البلخي"، وإن لم يحتذ في مقاماته مقامات البديع والحريري احتذاءً امسترة، وبخاصة في اشتمالها على المناظرات، واتسامها بالطابع الصوفي. كما أثرت المقامات العربية في الآداب الأوربية أيضًا على نحو واسع، إذ غزت قصة "الشطار" الإسبانية سواء من ناحية الفن أو من ناحية الوزن نزعة الواقعية التي تسودها، ثم انتقل تأثيرها إلى سائر الآداب في القارة العجوز، فساعدت الكتاب على هجر قصص الرعاة لتحل محلها القصص التي تتناول العادات والتقاليد، وتنحو نحو الواقعية والقضايا الاجتماعية. وفي هذا السياق يحسُن أن نورد ما كتبه "صلاح الدين الصفدي" في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) عن مقامات الحريري إذ قال: "ويحكى أن الفرنج يقرؤونها على ملوكهم بلسانهم، ويصورونها ويتنادمون بحكاياتها". وما ذَاك إِلّا أن هذا الكتاب أحد مظاهر تلك الحكايات المضحكة، والوقائع التي إذا شرع الإنسان في الوقوف عليها تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، وتشوقت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة، هذا إلى ما فيها من الحكم والأمثال التي تشاكل كتاب (كليلة ودمنة) وإلى ما فيها من أنواع الأدب، وفنونه المختلفة وأساليبه المتنوعة. وبالنسبة إلى التشابه القوي الحاصل بين "رسالة الغفران" للمعري و"الكوميديا الإلهية" للشاعر الإيطالي " دانتي أليجيري" ذلك العملين الذي يصور كل منهما رحلة إلى العالم الآخر؛ فإن الدكتور "محمد غنيمي هلال" يعزوه إلى تأثر دانتي

стр. 95

بحكاية الإسراء والمعراج، التي من الممكن أن يكون المعري هو أيضًا قد استلهمها، فكان هذا التّشابه بين عمله وعمل الشاعر الإيطالي، إذ لم يثبت أن دانتي قد اطلع على رسالة المعري، وإن كان هلال قد خلع على الشاعر العربي الكبير قصب السبق عليه في تناول مثل تلك الرحلة؛ نظرًا للمسافة الزمنية الطويلة التي تفصل بين الشاعرين. والمقرر الآن فعلًا بين الباحثين: أن دانتي قد اطلع على قصة المعراج قطعًا، لكن هل معنى هذا أنْ نَجْزِمَ بأنّه لم يتأثر بالمعري؟ الحق أنّ ذلك غيرُ لازم، فمن المحتمل أن يكون قد قرأ المعري لكن لم يخلف وراءه أثرًا يدل على ذلك الاطلاع. الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة ونصل الآن إلى الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة، ولسوف نسترشد بما اشتمل عليه كتاب (قصص العرب) ومن ينظر في فهرس هذا الكتاب، يجد أن أصحابه قد قسموا القصص العربية إلى: - قصص تستبين بها مظاهر حياة العرب، وأسباب مدنيتهم، بذكر أسواقهم، وأجلاب تجارتهم، والمساكن التي كانت تؤويهم، وسائر ما كان على عهدهم من دلائل الحضارة، ووسائل العيش. - وقصص تتضمن معتقداتهم، وأخبار كهانهم وكواهنهم، وتبسط ما كانوا يعرفون من حقائق التوحيد، والبعث والدار الآخرة، وما كانوا يتوسلون به من إقامة الأوثان، وتعهدها بألوان الزلفى والقربان. - وقصص تجلو علومهم ومعارفهم، وتتوضح منها ثقافتهم، وما كان متداولًا بينهم من مسائل العقل والنقل، التي هدتهم إليها فطرهم، أو أنهتها إليهم تجاربهم.

стр. 96

- وقصصٍ يُرَى مِنها ما كانوا يتغنون به من المكارم والمفاخر، وما كانوا يتزممون به من المناقص والمعرات، سواء أكان ذلك متصل بكل منهم في نفسه، أم فيما يتصل بالأقربين من ذويه، أم فيما يضم أهل قبيلته، أم فيما يشمل الناس جميعًا. - وقصص تعدد غرائزهم وخصالهم، فتكشف ما طبع عليهم من وفرة العقل، وحدة الذكاء وصدق الفراسة، وقوة النفس، وما أهلتهم له طبيعة بلادهم، وأسلوب حياتهم من شريف السجايا، وممدوح الخصال. - وقصص تشرح ما أثر عنهم من عادات وشمائل في الأسباب الدائرة بينهم، وتبين ما انتهجوه في مواسمهم وأعيادهم، وأفراحهم، وأعراسهم، مما يمثل حياتهم الاجتماعية أصدق تمثيل. - وقصص تمثل أحوال المرأة العربية، وما تجري عليه في تربية أطفالها، ومعاشرتها زوجها، ومعاونتها له في الحياة الاجتماعية والمدنية، بالسعي في سبيل الرزق، والاشتراك في خوض معامع الحروب، والأخذ بالقسط من الثقافة الأدبية السائدة في ذلك العهد. - وقصص تمثل ذلاقة لسانهم، وحكمة منطقهم، وما ينضاف إلى ذلك من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى، وجمال الأسلوب، وحسن التصرف في الإبانة والتعبير. - وقصص تسرد بارع ملحهم، ورائع طرفهم في جواباتهم المسكتة، وتصرفاتهم الحكيمة وتخلصاتهم اللبقة، مما يدل على حضور الذهن، وسرعة البديهة، وشدة العارضة. - وقصص تُعرب عما يقع بين العامة والملوك والقواد، والرؤساء، والقضاة ومن إليهم من كل ذي صلة بالحكم والحكام، مما تناول حيلهم في المنازعات

стр. 97

والخصومات، ويوضح طرائقهم في رفع الظلمات، ورجع الحقوق، وما يجري هذا المجرى. - وقصص تصور احتفاظهم بأنسابهم، واعتزازهم بقبائلهم، وتمجيدهم للأسلاف، وتعديدهم ما تركوا من مآثر، وما أدى إليه ذلك من مفاخر ومنافرات. - وقصَصٍ تنقل ما كانوا يتفكهون به من أسمار، ومطايبات ومناقضات وأفاكيه، مما نال به المحدثون والندماء ثني الجوائز والخلع من الخلفاء والوزراء، وما ارتفعت به مكانتهم عند السادة والوجوه في المجتمعات والمنتديات. - وقصص تؤرخ مذكور أيامهم، وتفصل مشهور وقائعهم، ومقتل كبائرهم، وتصف الحروب والمنازعات التي كانت تدور بين قبائلهم، أخذًا بالثأر وحماية للذمار. - وقصص تحكي ما كان للجند من أحداث، وأحاديث الغارات والغزوات والفتوح مصورة نفسيتهم وأحمالهم، واصفة تطوراتهم العقلية والخلقية بنشأة الدولة العربية، وانفساح رقعتها، مفصلة عددهم وآلاتهم وأسلحتهم في حياتهم الجديدة. لكن الملاحظ مع هذا كله أن العرب القدماء لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص، كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب، رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا ومتنوعًا، ورائعًا، وهو أمر يبعث على الاستغراب، ولعل السياق هنا يتطلب مناقشة ما قالته الدكتورة "ألفت الروبي" في الصفحات الأولى من كتابها (بلاغة التوصيل وتأسيس النوع) من أن الفن القصصي كان مهمشًا، وغير معترف به عند العرب، ذلك أن حكمها هذا حكم خاطئ تمامًا، ولو أنها قالت أنه كان

стр. 98

مهمشًا في كتابات النقاد القدماء، فلم يتناولوه بالتحليل الفني، واكتفوا في الحالات التي وقعت لنا على الأقل بالأحكام الانطباعية التي يبدون فيها إعجابهم بالعمل الذي يتحدثون عنه، لكان في كلامها صحة. وكيف يكون القصص لدى العرب مهمشًا، وغير معترفًا به، وقد تركوا لنا كل هذا الكم الوفير من القصص؟ وكذلك كيف يكون هذا الفن مهمشًا، وغير معترف به عندهم، وقد ألف فيه كبار الكتاب كابن المقفع وسهل بن هارون والجاحظ وأبي الفرج الأصفهاني، وابن شريد وأبي علاء المعري وبديع الزمان الهمذاني، وياقوت الحموي والزمخشري، وابن الجوزي، والقاضي التنوح والإبشيهي، وابن عرب شاة؟. وكيف يكون هذا الفن مهمشًا، وغير معترفًا به، وها هم هؤلاء الكتاب الكبار يبدون إعجابهم بالأعمال القصصية؟ والعجيب أنها تعود فتقول في الفصل الثاني من الكتاب: "إن الكتابة النثرية العربية قد اتخذت مسارات قصصية متعددة، فكيف يصح هذا مع قولها: إن هذا اللون من الكتابة كان مهمشًا، وغير معترفًا به عند العرب؟ وبالمثل قد أخطأت خطأ آخر حين زعمت أن الشكل القصصي قد تولد من رحم الرسالة في نصي "رسالة الغفران" و"رسالة التوابع والزوابع"، إذ الفن القصصي كما رأينا كان معروفًا عند العرب منذ الجاهلية، وبعد الإسلام نجد لدينا عبيدة بن شرية، وابن المقفع، وسهل بن هارون والجاحظ ... إلخ. وكل هؤلاء سابقون على المعري وابن شهيد كما هو معلوم، ولن نتحدث عن القرآن والأحاديث، وما فيهما من قصص، فما قالته إذًا هو حكم متعجل لا عمق، ولا روية فيه.

стр. 99

شبه ما يعترضون على وجود القصص العربي القديم والآن بعد أن فرغنا من موضوع القصص العربي القديم، واتضحت قضيته تمامًا، أحب أن أعود مرة أخرى، ولكن بالتفصيل إلى النظر في شبه ما يعترضون على وجوده، وذلك لأهمية الموضوع، وقد سبق في ردنا على من يقولون إن شكل القصة الغربية يختلف عنه في القصص العربي القديم، أن أوضحنا أن هذا الاعتراض ليس بشيء؛ لأنّ الفن القصصي تتغير أشكاله مع الزمن، والقصص الغربي نفسه في بدايته يختلف عنه الآن من هذه الناحية اختلافًا شديدًا، وليس هذا بمسوغ عند أحد للقول بأن الغرْبَ لم يكن يعرفوا القصة من قبل. بل إن الشعر العربي نفسه قد تغير الآن تغيرًا هائلًا عن الشعر الذي كان ينظمه العرب القدماء، فهل يصح الزعم بأن العرب لم يعرفوا الشعر في الماضي؟ إن هذا مثل ذاك، بل إن عددًا كبيرًا مما تركه العرب من قصص لا يصمدُ لمحك الشكل الفني الحديث، رغم أن هذا ليس بشرط أبدًا، فلكل زمان، ولكل مكان دولة ورجال، وكثير من النقاد العرب الكبار في عصرنا، قد أثبتوا هذا، وأطالوا القول فيه، والمهم أن يتألف العمل القصصي من أحداث تقع في زمان ومكان معينين وشخصيات، وحوار وسرد وموضوع تدور عليه القصة، وشكل فني محكم يتكون من بداية وعقدة ونهاية. أما التفصيلات فتختلف من زمن إلى زمن، ومن أمة إلى أمة، تبعًا للتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والذوقية وما إلى ذلك، وما يُعجبنا اليوم رُبّما لا يعجب أبناءنا وأحفادنا غدًا؛ مثلما لا يُعجبنا بعض ما خلفه لنا أسلافنا، وهل تجري الحياة على وتيرة واحدة؟ فلماذا يشذ الفن القصصي على

стр. 100

هذه السنة؟ وتكون القصة الغربية في العصر الحديث هي القصة بـ"ال" الماهية وما سواها ليس بقصة. وإذا كان الأوربيون في غمرة غرورهم، وتصورهم الأحمق أنهم مركز الكون، وأن ذوقهم هو المعيار الذي ينبغي أن يأخذ به العالم أجمع، فما عذر بعضنا في ترديد هذا السخف الذي يراد به أول ما يراد الفت في عضدنا، وتوهين عزائمنا، وإشعارنا بالقلة والنقص إيذاءهم. وإذا كنا قد ترجمنا ولا نزال نترجم الأعمال القصصية التي يبدعها الغربيون، فقد ترجموا هم بدورهم كثيرًا من الأعمال القصصية التي أبدعها أجدادنا، وتأثروا بها مثلما تأثرنا نحن بهم، ترجموها إلى اللغات الأوربية المختلفة، بل كثيرًا ما ترجموا العمل الواحد إلى اللغة الواحدة عدة مرات، وهي سنة كونية لا تتخلف أبدًا، كل أمة تأخذ من غيرها وتعطيها، فليردد الغربيون ما يشاءون في تمجيد أنفسهم، وتفخيمها فكل إنسان حر في أن يقول عن نفسه ما يريد، لكن العبرة بالمستمع الذي ينبغي أن يكون عاقلًا، فلا يصدق كل ما يقع على أذنه من كلام، حتى لو كان كلامًا مزقًا تافهًا لا يقبله العقل، ويتناقض مع معطيات الحياة. كذلك قد يحتج الذين ينفون عن العرب القدامى معرفتهم بالفن القصصي، بأن ألف ليلة وليلة والسير الشعبية مثلًا تقوم على حوادث مغرقة في الخيال لا علاقة لها بالواقع اليومي، إلا أن هذا احتجاج خاطئ، ففي كثير من قصص ألف ليلة وليلة تصوير حي للواقع العربي والإسلامي، في الفترة التاريخية التي تدور فيها. أما الجانب المغرق في الخيالات والغرائب، فهي ذي الواقعية السحرية تعيده لنا اليوم من جديد، وكثير من القصاصين والنقاد يتحدثون عنها حديث المبهور؛

стр. 101

فهل نَستطيعُ القول بأنّ الرِّوايات التي يكتبها قصاصو أمريكا الجنوبية، ومن يتبعون سنتهم، وكثير ما هم على أساس من هذا الواقعية السحرية لا تمت بصلة إلى فن القصة. وهناك أيضًا من يحاولون التهوين من شأن المقامة، بدعوى أن كتباها كانوا يتغيون استعراض عضلاتهم اللغوية فحسب، وهذه في واقع الأمر دعوى منكرة؛ لأن المقامات ليست براعة لغوية فقط، بل في كثير جدًّا مما ترك الهمذاني والحريري مثلًا الحكاية الشائقة، والتصوير العجيب والحوار الخلاب، والعقدة المحكمة، فإذا أضفنا إلى ذلك كله الأسلوب اللغوي المزخرف الذي كان يستخدمه كاتب المقامة، أدركنا إلى أي مدى كان المقامي متقنًا لفنه، ممسكًا بخيوطه بغاية الإحكام. وأين هذا من بعض كتاب القصة الحاليين عندنا ممن يعانون من فقر المعجم، ورَكاكة الأسلوب والجهل بقواعد النحو والصرف، صحيح أن الذوق الأدبي قد تغير الآن، بيد أن هذا لا ينبغي يدفعنا إلى الافتئات على ذلك الفن وأصحابه، الذين كانوا في إبداعهم أبناء عصرهم الأوفياء. أما الجَديدُ حقًّا الذي عرفه القصص العربي في العصر الحديث، ولم يكن له وجود في فيما خلفه لنا العرب القدماء في حدود ما نعلم، فهو رواية القصة على لسان عدة أشخاص من أبطالها، كل يراها من زاويته، ويفسر ما يراه تفسيرًا يختلف كثيرًا أو قليلًا عن تفسير الرواة الآخرين، وهذا الشكل الفني أساس فكرة النسبية التي أفرزها العصر الذي نعيش فيه. ومن ذلك أيضًا طيار الوعي، وهو أحد مظاهر التأثر بالدراسات النفسية، ومن هذا الجديد كذلك المزج بين القصة والمسرحية، هذا المزج الذي تمثل في "بنك القلق" لتوفيق الحكيم، وسماه صاحبه "مسرواية" وإن لم ينتشر كما كان يرجى

стр. 102

له، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر؛ فإن السيرة الشعبية مثلًا كانت تمزج أيضًا بين الشعر والنثر، وإن اختلفت في هذا المزج عن طريق "المسرواية" التي تتألف من فصل قصصي يتلوه فصل مسرحي، وهكذا دواليك. أما السيرة فيرد الشعر فيها السرد والحوار كجزء منهما لا كشيء منفصل، وهذه السمة موجودة لكن على استحياء في بعض قصص يوسف السباعي مثلًا. وهناك أيضًا النقد القصصي، والتأريخ للروايات، والقصة القصيرة، والترجمة لأعلامهما، وهو أمر لم يعرفه الأدب العربي القديم، إذ كان النقد آنذاك منصبًّا على الشعر بالدرجة الأولى، ثم الخطابة، والرسائل الديوانية بعد ذلك، وها هو ذا مثلًا كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، و (الصناعتين) لأبي هلال العسكري، وكتاب (نقد النثر) المنسوب لقدامة بن جعفر، و (المثل السائر) لابن الأثير، فلنقلب فيها كما نحب، فلم نجد أي كلام في النقد القصصي. أما الآن، فالدراسات النقدية والتاريخية التي تدور حول فن القصة، وأعلامه، واتجاهاته وأشكاله، قد بلغت من الكثرة والتنوع مدى بعيدًا، وهذا من شأنه أن يساعد أدباء القصة على التجويد والتطوير المستمر، ولا شك أننا مدينون في هذا المجال للنقد القصصي الغربي الذي قرنه في رواية أصلية أو مترجمة، وهذا النقد يرجع في أساسه إلى ما كتبه أرسطو على المسرحية والملحمة حسبما أوضحنا. أما كتب النقد والأدب، والتراجم التراثية المعروفة؛ فالموجودُ فيها عن الفن القصصي هو كلام انطباعي، أو نقد لغوي بلاغي ليس أكثر، كما أن كلمات الحكاية، والقصة، والرواية لا تُستخدم فيها إلا بالمعنى اللغوي العادي كما في قولنا: "شرح فلانٌ القصة أو حكى الحكاية، أو هكذا كانت الراوية بالكلام، أي: الخير ليس إلا، ولا تستخدم كمصطلح أدبي.

стр. 103

ولقد كان لترجمة الروايات الغربية دور مهم قي تطوير القصص العربي في العصر الحديث، وكان رفاعة الطهطاوي -فيما نعرف- أو مصري يقوم بترجمة رواية غربية، وهي رواية القس الفرنسي "فلينون لزافنتور دو تليماك" التي أعطاها عنوانًا مسجوعًا هو "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك"، اقتضاءً بالطريقة التي كانت شائعة في كثير من المؤلفات العربية في العصور المتأخرة. وقد ظهرت هذه الترجمة عام ١٨٦٧م، وإذا كان عدد من المترجمات القصصية قد صُبّ في أسلوب سليم متين؛ فإن كثيرًا منها لم يعن به العناية اللازمة، فجاءت لغته هزيلة ركيكة مبتذلة لا تخلو من الأخطاء الصرفية والنحوية، وكان بعض المترجمين لا يهتم إلا بتأدية المعنى كيفما اتفق، إذ كلما قرأ فصلًا من الرواية التي يترجمها نحاها جانبًا، ثم شرع يترجم من الذاكرة ناسيًا أشياء ومضيفًا أخرى، ومقدمًا ومؤخرًا حسبما يحلو لذاكرته، ودون أن يراجع ما كتب، إذ كثيرًا ما كان المترجمون يتخذون من ذلك العمل محترفًا لكسب الرزق، فلم يكن لديهم وقت للتدقيق والتجويد، وإحسان التعبير. كما كانوا يحولون الحوار في كثير من الأحيان إلى سرد، مضيفين إليه بعض محفوظاتهم من الشعر العربي مما يناسب الموقف، فضلًا عن أن كثيرًا من الروايات التي عربوها لم تكن من روائع القصص في كثير أو قليل، بل من الروايات الشعبية التي يراد بها التسلية، والتي لا تهتم إلا بالتشويق والمغامرات وحيل اللصوص والمجرمين وما إليه. وإلى جانب القصص المترجم، كانت هناك الروايات والقصص القصيرة العربية المؤلفة، وكانت في كثير من الأحيان، تتأثر خطى القصص الغربي حتّى في موضوعاته، بعد أن كانت في بداءة أمرها تجري في أثر القصص العربي القديم،

стр. 104

وقد مضى بعضهم في هذا الطريق شوطًا طويلًا، حتى إنهم ليقلدون الغربيين حتى في وضع عبارات لتقديم الحوار عقب أقوال المتحاورين، لا قبلها كما يقتضي الأسلوب العربي. وكذلك في الإكثار من الجمل الاسمية اتباعًا أعمى للأساليب الغربية التي لا تعرف من الجمل إلا ما كان اسميًّا، بخلاف اللغة العربية التي تراوح بين الجمل الاسمية والفعلية، وأضحى لدينا قصص رومانسي، وآخر واقعي، وثالث طبيعي، ورابع رمزي وهكذا، وظهر من بين القصاصين عمالقة يمكنهم أن يسامتوا نظراءهم الغربيين بل وأن يتفوقوا على بعضهم كجبران ونعيمة وإبراهيم رمزي وعلي الجارم، وأحمد طاهر لاشين والعقاد براويته الوحيدة "سارة" التي بلغت أفقًا من الإبداع شاهقًا. وإبراهيم المازني، والحكيم، ومحمد فريد أبو حديد، ومحمد سعيد عريان، ومحمود تيمور، ووداد سكاكيني، وبنت الشاطئ، وعلي أحمد باكثير، ويحيى حقي، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وعبد الكريم غلاب، ومحمود المسعدي، وعبد السلام العجيل، ويوسف إدريس. وثم تلا هؤلاء جيل جديد لم يستطع التحليق في الآفاق السامقة التي كان يحلق بها ذلك الجيل. بل إن كثيرًا منهم يضاف إلى انحطاط مستواه الفني ضعفًا مخزيًا، ومحزنًا في اللغة، علاوة على مغازلة بعضهم شهوة القارئ بالإسراف في العنصر الجنسي دون أن يكون هناك ما يستدعيه كي يعوضوا بذلك تفاهة موهبتهم، والمرجو أن يعود الأمر إلى سابق عهده فنرى كتابًا قصصيين عربًا من طراز عالٍ مرة أخرى. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 105

الدرس: ٥ الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه .

стр. 106

بسم الله الرحمن الرحيم الدرس الخامس (الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه) معنى الشعر الغنائي وماهيته الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه: نبدأ أولًا بتحديد مصطلح الشعر الغنائي، يقول الدكتور "محمد مندور": إن كلمة "غنائي- Lyric " مشتقة من " Lyre " أي: العود، وفي رأيه أن هذا اللون من الشعر كان يتغنى به منذ فجر الإنسانية، سواء عند الأوربيين أو عند العرب، ولست في الواقع أدري الأساس الذي استند إليه الدكتور مندور في الجزم القاطع بأن الشعر الغنائي كان يتغنى به منذ فجر الإنسانية، أي: منذ خلق الله البشر على سطح الأرض، إن ذلك أمر من أمور الغيب التي لا يمكن الحكم عليها إلا على سبيل الظنون والظنون فقطـ. كذلك يفهم مما قال؛ أن كل شعر من هذا النوع كان يتم التغني به في ذلك الزمن، فهل هذا صحيح؟! إننا الآن نرى بأم أعيننا كيف أن أقصى ما يناله الشاعر المحظوظ في هذا المجال، أن يتحمس له أحد المطربين أو الملحنين، فيغني له بضع قصائد رغم سهولة التلحين والغناء الآن، وازدياد الطلب عليه، واهتمام الناس كلهم تقريبًا به، وإقبالهم عليه، وإنفاقهم الكثير في سبيل التلذذ بمتعته. فهل يمكن القول بأن الوضع في فجر الإنسانية كان أفضل مما هو الآن، وأن كل قصيدة تنظم في ذلك الحين كان يتغنى بها؟! ثم أن كلمة " Lyre " ليس معناها العود، بل الهارب الصغير، كذلك في الشعر الغنائي لم يكن هو وحده الذي كانت تغنى بعض نصوصه، بل كان يشركه بذلك الأمر الشعر الملحمي، إذ قيل: إن الشاعر الإغريقي كان يتجول في البلاد، ويحمل آلته الموسيقية منشدًا ملحمته عليها، مثلما كان يصنع الراوي الذي يروي سيرة أبي زيد الهلالي وأمثالها حتى وقت قريب.

стр. 107

بل كان الشاعر الملحمي لينشد الملحمة كلها بهذه الطريقة، بخلاف الحال في القصائد التي لا يغني المغني من أي من دواوينها إلا بعض النصوص ليس إلا، إن حدث أن غُني شيء منها أصلًا، وربما يصح الكلام لو قيل إن كلمة " Lyric " كانت تطلق في بلاد الإغريق على الأغنية التي تغنى على القيثارة أو على الهارب الصغير، ثم توسع في استعمال الكلمة للدلالة على الأشعار التي يمكن أن تغنى لا التي تغنى فعلًا فحسب. وعلى هذا فقد يكون تعريف المصطلح في طبعة سنة ٢٥٠٠ من " Britannica Councile Encyclopaedia" دائرة المعارف البريطانية الموجزة هو التعريف الصحيح، إذ نقرأ أن الشعر الغنائي هو الشعر الذي يمكن غناؤه أو يفترض أنه يمكن غناؤه، على آلة موسيقية كانت في الماضي البعيد -هي الهارب الصغير عادة- أو هو الشعر الذي يعبر عن العواطف الشخصية المكثفة على نحو يوحي بأننا إيذاء أغنية. ولكي نزيد الأمر إيضَاحًا نورد تعريف ( The Penguin Dictionary of literary terms and literary theories- معجم البينجوين لمصطلحات الأدب ونظرياته) لذات المصطلح لما فيه من توازن ووضوح، وبعد عن الحذلقة والإغراب اللذين نجدهما في بعض التعريفات الأخرى. فالشعر الغنائي نوع من القصائد يتميز عن شعر الملاحم والمسرحيات، ويتسم بالقصر حتى إن القصيدة منه لا تزيد طولًا عن بضع عشرات من الأبيات، وغالبًا ما تعبر عن مشاعر فرد ما أو أفكاره على نحو شخصي وذاتي، وهذا اللون من الشعر يستغرق معظم الشعر الموجود في أي أدب.

стр. 108

بعد ذلك ينتقل الدكتور مندور إلى قضية أخرى هي: هل الشعر الغنائي محاكاة أو تعبير عن الوجدان؟ ثم هل هو تعبير عن الوجدان الفردي أو عن الوجدان الجماعي؟ وينتهي أخيرًا إلى أنه تعبيرٌ عن الوجدان الفردي والجماعي على السواء، وإن كان قد عاد فقال عن الشعر الجاهلي إنه قد نشأ مطابقًا مُطابقة عجيبة لنظرية "المحاكاة الأرسطوطاليسية"، فهل نَفهم من هذا أنه يقصي هذا الإبداع مملكة الشعر الغنائي أم ماذا؟. وهذا إن صح أن الشعر الجاهلي كان كله شعر محاكاة، وتصوير حسي للبيئة الطبيعية والبشرية على السواء، وهو شعر لا يكاد يظهر فيه وجدان الشاعر إلا في القليل، بحيث لا نستطيع أن نقول عنه: إنه تعبير عن الوجدان ذاته، فالشعراء قد وصفوا في دقة حسية بالغة الناقة، والحصان، وحمار الوحش، والذئب، كما وصفوا الأطلال والدمنة، والأثافي وبعض الآرام والهضاب والدروب، وأعشاب الصحراء. وبالمثل وصفوا المرأة وصفًا حسيًا دقيقًا، وانحصر غزلهم فيها في هذا الوصف، ولم يعرفوا الغزل العاطفي، ولواعج الغرام إلا بعد ظهور الإسلام، وفي بيئة الحجاز المترفة في العصر الأموي، حيث ظهر الغزل العذري عند المجنون، وقيس بن ذريح، وجميل بن معمر، وابن قيس وسيد عزة حسب كلامه نصًّا. والواقع أنّ الشعر الغنائي يمكن أن يكون شعرًا تعبيريًّا أو شعر محاكاة أو مزيج من هذا وذاك، ويُمكن أن يكون شعرًا واضحًا أو شعرًا رمزيًّا يبرز فيه دور الموسيقى والإيحاء لا التعبير المباشر، ويُمكِنُ أن يكونَ شعرًا فرديًّا أو شعرًا يُعَبّر فيه صاحبه عن مشاعر الجماعة وآمالها وآلامها وقيمها، ومخاوفها ومفاخرها، ويمكن أن يكون وجدانيًّا أو واقعيًّا، ويمكن أن يكون واقعيًّا متشائمًا أو واقعيًّا متفائلًا،

стр. 109

ويمكن أن يكون هامسًا أو مجلل النبرة، ويمكن أن يكون تأمليًا أو وصفيًا، ويمكن أن يكون سلطانيًّا أو قصصيًّا، ويمكن أن يكون موضوعيًّا أو ذاتيًّا. ولا تناقض في شيء من هذا الكلام، فالحياة لا تعرف هذه الحواجز المصطنعة، التي تقول: إما هذا وإما ذاك، ولقد رأينا الكاتب نفسه يقرر أن الشعر الجاهلي كان مطابقًا مطابقة عجيبة لنظرية "المحاكاة الأرسطو طاليسية" وهذا شيء مخالف لما قرره قبلًا من أن الشعر الغنائي هو شعر الوجدان. ومع هذا فإننا لا نوافقه على القول بأن شعرنا الجاهلي كان كله أو معظمه شعر محاكاة، إذ فيه وجدان كثير، وهذا الوجدان ليس وجدانًا غراميًّا فحسب؛ لأن الكلام عن الحروب وصف الحال مثلًا يدخل فيه الوجدان كما يدخل في النسيب للمرأة، ذلك أن العواطف والانفعالات الإنسانية ليست مقصورة على ميدان الحب وحده، بل هي أوسع من ذلك مدىً وأكثر تنوعًا. وإن تتابع المدارس الشعرية المختلفة الاتجاهات، والميول والاهتمامات على مدى تاريخ هذا الفن، لهو دليلٌ لا يُصَدّ ولا يرد على صحة ما نذهب إليه، ذلك أن هذه الاتجاهات، لا تكره الشعر على غير طبيعته بل تستعمل إمكاناته الموجودة فيه على سبيل الفعل، أو على سبيل القوة، معتدلة في ذلك أحيانًا ومتطرفة أحيانًا أخرى، ولهذا نرى النقاد والشعراء يختلفون في تعريف هذا الفن تبعًا لتركيزهم على هذه الناحية أو تلك منه. وهذا يفسر لنا تعدد التعريفات التي نجدها مثلًا في ( Encyclopedia of literature and criticism - موسوعة الأدب والنقد) حيث تورد لنا مادة " Lyric" خمسًا من تلك التعريفات عازية كل منها إلى صاحبه أو صاحبته، ويذكر كاتب مادة " Lyric" في (معجم "بينجوين" لمصطلحات الأدب ونظرياته"

стр. 110

أن الشعر الغنائي في مصر القديمة هو أقدم شعر في العالم، إذ يعود إلى نحو٢٦٠٠ قبل الميلاد، ثم يأتي الشعر العبري والإغريقي بعده، وأن هذه الأشعار جميعًا قد نشأت في أحضان الاحتفالات الدينية. وأنا وإن كان الجزء الأول من هذا الكلام يدغدغ مشاعري الوطنية، أرى أنه لا يصح إلا على أساس أن هذا الشعر المصري هـ وأقدم ما وصلنا فعلًا من شعر، أما أن يكون أول شعر غنائي في العالم على الإطلاق؛ فلا أظن أنه يمكن البرهنة عليه، فنحن نعرف أن عمر الجنس الإنساني على وجه الأرض أقدم من ذلك كثيرًا جدًّا، ومن المستحيل أن يبقى البشر قبل التاريخ المذكور صامتين لا يتغنون بما يجيش في قلوبهم، وعقولهم من أفكار وأحاسيس، ولا بما تعرضه أمور الطبيعة على أعينهم آذانهم من صنوف الجمال والمتعة. لهذا فإننا نقبل كلام كاتب المادة عن أقدمية الشعر الغنائي المصري في الحدود التي عيناها. أما أن يكون فن الشعر قد نشأ ضربة لازب في ظلال الاحتفالات الدينية؛ فمن الصعب الموافقة عليه، ذلك أن الدين إنما يمثل جانبًا من جوانب الحياة، مهما تكن ضخامة هذا الجانب، وإلا فهناك أيضًا لذة الحب ومرارة الحزن، وآلام المرض، ونشوة الخمر، وعواصف الحرب وفورة النصر، وانكسارة الهزيمة، والانتشاء بالجمال المبثوث في أرجاء الكون، ومشاعر الحِقْد، والقهر والغيظ، وهلم جرة. وكل واحد من هذه الملابسات أو المشاعر هو في الواقع باعث قوي لنظم الشعر بغض النظر عن تدين الشخص أو عدمه، بل بغض النظر عن إيمانه أو أكفره أصلًا، ولا يعقل أن الإنسان القديم لم يكن يحث بدافع لقول الشعر إلا في أزمان الاحتفالات الدينية فحسب.
следующие страницы →