Полный текст (584 стр.). Показаны 561–584 · переход к 566.
стр. 561
شبكات التلفازية المنتشرة عالميًّا مثال على توحد العالم في معلومات إخبارية واحدة تقريبًا. ومن الأمثلة الواضحة أيضًا ما يحدث على مستوى الحاسبات الآلية ودخولها في شبكة من الاتصالات التي تربط مستعملي الحاسب الشخصي والحاسبات المركزية الضخمة في نظام واحد يُطلق عليه "الإنترنت".
لكن العولمة مثل التعددية الثقافية لم تؤد -كما يرى- الكثيرون إلى تعددية متساوية أو متوازية في المؤثرات الثقافية، وإنما تعكس الوضع الحضاري العالمي الذي يهيمن فيه النموذج الحضاري الغربي على غيره من النماذج، وإذا كانت تلك الهيمنة لا تتخذ شكل المواجهة المباشرة كما كان يحدث في الاستعمار الأوربي القديم للشعوب الأخرى، فإنها تتمثل في نوع من الزحف الحضاري السلمي وغير المباشر، كانتشار مطاعم الهمبورجر الأميركية، أو ملابس الجينز، أو أغاني الروك، أو من خلال سلاسل الفناقد الأميركية أو الأوربية أو شبكات التلفزيون الغربية، فعلى الرغم من أن هذه لم تنتج عن محو غيرها من المؤكلات أو الملابس أو أشكال الثقافة والاستثمار الاقتصادي الأخرى، فإنها زاحمتها إما إلى درجة الحد من الانتشار أو إلى ما يشبه الإلغاء التام، وذلك نتيجةً لأسباب كثيرة من أبرزها: عدم التكافؤ في المنافسة الاقتصادية.
ومن هنا فإن هناك من يرى أن العولمة أدت وتؤدي في كثير من الأحيان إلى هيمنة نموذج حضاري واحد هو النموذج الغربي الأميركي في المقام الأول.
ويحاول بعض المتحمسين للعولمة الثقافية أن يقنعوا الناس بأنها سوف تؤدي إلى إلغاء مختلف الحواجز التي ظلت قائمة تاريخية، ومن ثَم إلى زيادة التفاهم بين البشر والقضاء على التعصب والتنميطات؛ قفزًا فوق الحواجز الجغرافية والتاريخية والعرفية والدينية، وما إلى ذلك، ولا شك أن المشباك -أي:
стр. 562
الإنترنت- قد قرَّبَ المسافات بين الناس، وجعل الاتصال بين أي فرد وآخر في العالم في منتهى السهولة، دون أن يكون بالضرورة من وطن واحد أو دين واحد أو أصحاب لغة واحدة.
ولكن هل يعني هذا أنه سوف تكون هناك مساواة بين الثقافات والجنسيات واللغات المختلفة؟ لا نظن ذلك، إذ لا شك أن أية علاقة بين طرفين إنما تعكس قوة كل طرف بالنسبة إلى الآخر، وليس من المعقول أن يتنازل الطرف القوي أو الأقوى عن ميزته ويسوي نفسه بالطرف الآخر، لا لشيء إلا لكي يكون مخلصًا لمفهوم العولمة، ذلك أننا لا نحيا في عالم من الملائكة، بل في عالم من البشر، فيه من النزوع إلى السيطرة والتعصب لما يخصهم، والرغبة في استدامة ما يميزهم عن غيرهم. فتلك طبيعة البشر: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣).
وكما أن الدول الكبرى -وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية- تعمل على السيادة على الدول الأخرى في مَيْدان الاقتصاد والسياسة، فما الذي سوف يجبرها على أن تتخلى عن رغبتها تلك في ميدان الثقافة والآداب؟
بل إننا في ميدان اللغة نرى بأم أعيننا كيف أن السيادة في عالم السياسة والإنترنت وغيرهما هي اللغة الإنجليزية، وهو ما لا يمكن أن يتنازل عنه أصحاب هذه اللغة أبدًا، فيسووا بين لغاتهم وسائر لغات العالم، وهذا إن كان لكل لغة من المقومات والمؤهلات ما نجعلها تنجح في الوضع الراهن دفعةً واحدةً في مجال التسوية، ولا نظن ذلك، إذ ليس من المعقول أن ترتقي كل اللغات والثقافات والأمم دفعةً واحدةً إلى المستوى الذي بلغته اللغة الإنجليزية في هذا المجال عبر أزمان طويلة.
ونحن حين نقول ذلك لا نقصد أن اللغة الإنجليزية أفضل من غيرها من اللغات في حد ذاتها، فأنا -مثلًا- أؤمن أن العربية أفضل منها وأكثر ثراءً من ناحية المزايا
стр. 563
الذاتية، أي: المزايا المتعلقة باللغة ذاتها وتاريخيها وأوضاعها الطبيعية، إلا أن الأمر لا يُحسم بهذه الطريقة، بل الذي يحسمه هو مدى تقدم الأمة صاحبة اللغة بما لديها من تقدم علمي وقدرات، ومطامع ثقافية وأدبية وسياسية، وما إلى ذلك، فهل تتساوى كل الدول والشعوب في هذا؟ بطبيعة الحال لا، وإلا فلِمَ كان كل هذا التفاوت الذي نلمسه جميعًا في المجالات المذكورة وغيرها بين دول العالم وشعوبه؟
كما أن أميركا وإنجلترا تعملان على دوام الانتشار الواسع الذي تحظَى به لغتهما سواء في المحافل والمؤسسات الدولية، أو في مجال الاستعمال الفردي في الحياة اليومية، أو الحياة الثقافية أو الأدبية، ليس ذلك فقط بل إننا لا نسمع أن الدول الكبرى -وعلى رأسها أمريكا كالعادة- تستغل هذه العولمة بالإضرار بالشعوب الأخرى دون وازع من ضمير.
وأمامي الآن مقال كتبه جمال سلطان في جريدة "المصريون الضوئية" يتعرضون لمخاطر العولمة الناتجة عن أنانية بعض الدول ورغبتها الجامحة في الهيمنة على العالم، حتى لو كان ثمن تلك الهيمنة إنزال الأذى الشديد بالشعوب الأخرى بل إبادتها إن أمكن؛ كي تعيش هي في سيادة مطلقة لا يعكر من صفو سيادتها أحد، وهذا أمر لا غرابة فيه فقد سبق أن أباد الأمريكان شعبًا بأكمله يقدر عدد أفراده بعشرات الملايين إن لم يكن بمئاتها، ألا وهو شعب الهنود الحمر، الذي كان يسكن القارة الأمريكية الشمالية إلى أن خلا الجو تمامًا لهم، وأصبحوا هم أصحاب البلاد التي لم تكن لهم في يوم من الأيام، وأصبح الهنود في خبر كان.
يقول جمال سلطان في الجريدة المذكورة بتاريخ الرابع من أكتوبر، سنة ألفين وتسع ميلادية، تحت عنوان: الخوف يجتاح العالم، انتشرت عبر أنحاء العالم
стр. 564
خلال الأسابيع الماضية احتجاجات واسعة على عملية فرض اللقاح الجديد لمرض أنفلونزا الخنازير، الاحتجاجات ليست وقفًا على العالم الثالث وحده، بل هناك خبراء وأطباء في الولايات المتحدة وأوربا ينشرون تقارير خطيرة على شبكة الإنترنت، تتحدث عن مخاطرَ جسيمة ترقى إلى مستوى الجرائم الإبادة الجماعية ترتكب في حق الشعوب بتعمد تعميم وفرض اللقاح الجديد.
الاتهامات المنشورة تتحدث عن أصل فيروس أنفلونزا الخنازير، وأنه فيروس مركب في معامل متخصصة، أو كما يقول أحد هذه التحذيرات نصًّا: إن التحليل الدقيق للفيروس يكشف عن أن الجينات الأصلية للفيروس هي نفسها التي كانت في الفيروس الوبائي الذي انتشر عام ألف وتسعمائة وثمانية عشر ميلادية. بالإضافة إلى جينات من فيروس أنفلونزا الطيور، وأخرى من سلالتين جديدتين H٣N٢، وتشير كل الدلائل إلى أن أنفلونزا الخنازير، هو بالفعل فيروس مركب ومصنَّع وراثي.
انتهى النص.
والحقيقة أنني ألاحظ موجات غير مسبوقة من إشاعة الخوف والرعب من هذا المرض على مستوى العالم كله، رغم أن الواقع العملي يقول: بأن مستويات في الإصابة به محدودة جدًّا إذا قِيست بالأمراض الوبائية الأخرى المنتشرة في العالم، كما أن المخاطر العملية حتى الآن التي يتسبب فيها لا تتسق مع حالة الترويع التي تنتشر الآن، فمِن بين قرابة ثلاثمائة إصابة حدثت في مصر تم شفاء جميع المصابين فيها تقريبًا، وكلهم قالوا: إنها أشبه بالأنفلونزا العادية، وحالتا وفاة فقط حدثتا، وكلتاهما ليست بسبب أنفلونزا الخنازير، وإنما بسبب إصابة الضحايا بأمراض خطيرة أخرى مثل القلب، جاءت الأنفلونزا مع الإهمال كسبب معاون في الوفاة.
الاتهامات التي تدور الآن على نطاق واسع في شبكة الإنترنت وعبر تصريحات أطباء في مصر وبلدان عربية وأوربية مختلفة، تطرح علامات استفهام حقيقية حول عملية ابتزاز العالم بالخوف والرعب، المحتجون يتحدثون بمنطق لا يمكن
стр. 565
دحضه، وهو أننا أمام إصابات بالأنفلونزا لعدد لا يتجاوز عدة عشرات من الآلاف على مستوى العالم كله، ونحن نريد أن نحقن مليارات البشر عبر العالم بلقاح جديد ومريب، وقد ينتج عنه كوارث طبية لا نعرف جوهرها إلا بعد سنوات. البعض قال: إن نتائج اللقاح الجديد تظهر أعراضها الجانبية بعد سنة واحدة، فكيف نعرض مليارات البشر للمخاطرة التي تصل إلى حد الإبادة، بدعوى تحصينهم من مرض لا يمثل حتى هذه اللحظة بالدليل العملي أي خطر جسيم يهدد البشرية، وكل ما نسمعه خطب ودعايات تشبه الترويج لمنتجات شركات المنظفات، ومعجون الأسنان في الصحف والقنوات التلفزيونية.
المحتجون يستدلون بأن "تشيكيا" أوقفت استخدام لقاح أنفلونزا الطيور قبل سنوات بعد أن اكتشفت أنه يحتوي على مواد تسبب السرطان، وتم وقف تعميمه في أوربا من لحظتها. ويقولون اليوم: إن لقاح أنفلونزا الخنازير يحتوي على مواد خطيرة للغاية، من أعراضها أمراض نفسية وعصبية، وتدمير للخصوبة وأمور أخرى.
الناس في حيرة، والحقيقة أن ما نحن بصدده الآن إحدى كوارث العولمة، فبقدر ما عاش العالم إيجابيات ثورة الاتصال والمواصلات والقرية الكونية الواحدة، فإنه يعيش اليوم مخاطر وسوءات تلك القرية الواحدة، فإن أي خطأ أو تلاعب في شركة أو مؤسسة في عاصمة في شرق الدنيا أو غربها، يمكن أن يعرِّض سكان نجع بعيد في صعيد مصر لخطر الإبادة من دون ذنب جَنَوْه، والعالم اليوم أمام أزمة انعدام الثقة، لا أحد يثق في التصريحات الرسمية لا أحد يثق في أمانة ونزاهة مراكز الأبحاث، لا أحد يطمئن أبدًا لتقارير شركات الأدوية، والناس ممزقة بين خوفين؛ خوف النصابين العالمين، وخوف الأمراض المجهولة النسب والمصدر والخطر.
انتهى كلام جمال سلطان.
стр. 566
ونفس الشيء يفعله الغرب في ميدان الثقافة والأدب، لنأخذ مثلًا ما يصنعه مع أي مبتدأ من شداة الأدب في عالمنا العربي، يتمرد في كتاباته على الإسلام والعروبة، وينشر القيم الانحلالية في أدبه، إنه يغدق عليه المال والشهرة، ويفتح له أبواب المناصب على مصراعيها أمامه، في الوقت الذي لا يتمتع بعشر معشار ذلك أي أديب أو كاتب يعتز بدينه وعروبته ويحرص على قيمه الأخلاقية، ولا يشنع على أمته، فيتهم تقاليدها الدينية الطاهرة بالتخلف والظلامية، وما إلى هذا من قاموس السخف والتنطع، الذي الذي مرضنا على سماع مفرداته منذ وقت طويل حتى مللناه مللًا كبيرًا.
وكل مطلع على ما يجري في الساحة الفكرية والأدبية، يروعه كم الهجمات الضارية التي تشنُّ على الإسلام كل يوم بل كل ساعة، والتهم جاهزة على الدوام، والكذب مباح، بل فرض حتى ينجزوا ما يتغيونه من أهدافه شيطانية. والغرب مشهور بأنه لا يتذوق ثقافة التفاهم مع الآخرين، إنه في الغالب لا يفهم إلا لغةَ العنفِ والدمِ والصدامِ المروعِ، إنه يريد اقتلاع الإسلام وإحلال النصرانية محله، رغم أنه هناك لم يعودوا يبالون بالدين، ولا يرون في النصرانية غالبًا سوى خرافات عفى عليها الزمن.
لكن عند سماعهم اسم الإسلام يعتريهم لون من الخبال لا يصلح مع الطب الذي نعرفه.
ثم هل من المتوقع -ولا نقول: هل من الأفضل- أن تختفي الخصائص القومية والبيئية التي تميز أدبًا عن أدب في ظل العولمة التي نتحدث عنها؟ هل من المتوقع أن يسود العالم كله أدب واحد له طعم واحد، ويدعو إلى ذات القيم، ويهتم بنفس القضايا، ويتوصل لنفس النتائج؟
стр. 567
لا أظن ذلك أبدًا. إذ الإبداع الأدبي والثقافي إنما هو ابن بيئته، وسياقه لا يمكن أن يتحرر من هذا على الإطلاق، وإلا حكم الأدباء الذي يحاولون هذه المحاولة على أنفسهم وأدبهم بالضياع، نعم، ربما تتقارب الآداب أكثر، لو أن العالم كله أصبح دولة واحدة في مقابل دولة أخرى في القمر وثالثة في المريخ -مثلًا- بافتراض أن الحياة ممكنة في ذينك الكوكبين، ولكن حتى في تلك الحالة سوف تكون هناك سمات خارقة بين أدب كل إقليم وأدب غيره من الأقاليم في هذه الدولة المسكونية الواحدة، رغم التقارب الحادث بتأثير تحول الأرض كلها إلى دولة واحدة -كما أشرت.
إن الله قد خلق البشر مختلفين حسبما نصت الآيتان من سورة هود، ونصهما: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩) وهذا الاختلاف عنوان ثراء وغنًى، ولو صار الناس جميعًا شيئًا واحدًا لفسدت الأرض وأسنت الحياة.
ولو افترضنا -جدلًا- أن ذلك قد وقع، فما الذي يبقى للأدب المقارن ليفعله في تلك الحالة؟
إن وظيفة الأدب المقارَن هي في المقام الأول على الأقل المقارنة بين أدب أمة وأدب أمة أو أمم أخرى، ونحن نعرف أن المقارنة إنما تصح بين الآداب المختلفة لا بين منتجات الأدب الواحد ومبدعيه، أي: أنه لن يكون هناك موضوع للأدب المقارن على الأقل على النحو الذي نعرفه عليه الآن، اللهم إلا إذا تغير وتغيرت وظيفته ومهمته.
وهناك نقطة أخرى تخص الأدب المقارن وتتصل بالعولمة، وهي تلك المتعلقة بأدب المبدعين المهاجرين من أوطانهم في العالم الثالث عادةً إلى هذا البلد الأوربي أو
стр. 568
ذاك، ترى كيف نتعامل مع إبداع هؤلاء؟ هل نظل ننسب إلى أدب أمتهم التي غادروها وانضموا إلى أدب أخرى؟ أم هل نضعهم مع أدب الأمة التي هاجروا إليها؟ وهذا ينطبق -مثلًا- على الأدباء الجزائريين الذين تركوا الجزائر واستقروا بفرنسا، وصاروا جزءًا من الشعب الفرنسي، ويكتبون أدبهم بلغة الفرنسيس، أو بأديبة كالدكتورة إهداف سويف القصاصة المصرية التي تزوجت بريطانيًّا تعيش وتعمل الآن في بريطانيا بوصفها واحدةً من الشعب البريطاني، حتى لو ظلت تحتفظ بجنسيتها المصرية، أو كالشاعرة والقصاصة الدكتور مهجة قحف أستاذة الأدب المقارن بالجامعات الأمريكية، التي نالت الجنسية الأميركية وأضحت واحدة من أفراد الشعب الأمريكي، رغم احتفاظها بحجابها وتأكيدها بأنها تعتز بذلك.
ترى كيف ننظر إلى الأدب الذي يبدعه هؤلاء وأشباههم، ويكتبونه بلغة البلد الذي هاجروا إليه؟ أنعامله على أنه أدب إنجليزي أو فرنسي، ومن ثم يمكن أن نجري مقارنة بينه وبين نظير له في الآداب العربية؟ أم نعامله على أنه لا يزال أدبًا عربيًّا وإن كان مكتوبًا بلغة غير اللغة العربية؟
في رأي أن ذلك يتوقف على اتجاه هذا الإبداع وروحه، أهو مشدود إلى الوطن الأصلي ومشاكله وقضاياه وهمومه، وقيمه وتطلعاته، وتسري فيه الروح التي تسري في أدب ذلك الوطن؟ أم هو قد اندمج وسار يعبر عن أحوال الوطن الجديد وموضوعاته واهتماماته؟ إن كانت الأولى فهو أدب عربي مكتوب بالفرنسية أو الإنجليزية -مثلًا- أما إن كانت الأخرى فهو أدب فرنسي أو إنجليزي حتى لو كانت له بعض الخصوصيات الدقيقة وسط سائر إبداعات الأدب الذي ينتمي إليه.
هذا عن العولمة.
стр. 569
أما العالمية: فهي المصدر الصناعي من كلمة عالم، وهي ترجمة لكلمة "يونفرسلزين" المأخوذة من كلمة "بايونفيرس" ومعناها العالم بمعنى الكون، وإن كانت مستعملةً هنا بمعنى المجتمع البشري على الأرض، من باب إطلاق الجزء على الكل مثلما قلنا في العولمة.
إلا أن هذا المصطلح يخلو من الإيحاءات السلبية التي يحملها مصطلح العولمة، إذ يؤمى إلى الأخوة الإنسانية، وما ينبغي أن يسود بين الناس من تفاهم سبيله الحوار والتبادل الثقافي، وما إلى ذلك، على أساس من المساواة بين البشر ورجوعهم جميعًا إلى أصل واحد، وبخاصة في هذا العصر الذي قصرت فيه المسافات وتقاربت المتباعدات.
يقول الدكتور حسام الدين خطيب: إن فكرة العالمية ليست جديدة في التاريخ الإنساني، بل لعل الإنسان خُلِق في الأصل عالميًّا. وهذا كلام لا غبارَ عليه إذا كان المقصود أن الله قد خلق البشر جميعًا من أصل واحد هو الماء والتراب، وأنهم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة هما آدم وحواء، وأنهم مهما اختلفت بهم الأوطان والأزمان لهم نفس الغرائز، ويتمتعون بنفس المواهب، ولهم نفس المطامح والمخاوف، والأفراح والأحزان، وأنهم خلقوا بنفس الملامح.
لكن لا بد أن نعرف أن هناك دائمًا فرقًا بين الفكرة والواقع، فالأمر هو فعلًا كما قلنا، إلا أن هذا لا يعني أن البشر يقبلون فكرة المساواة، ويتواضع بعضهم لبعض أو يسارع بعضهم لنجدة بعض على نحو تلقائي، بل لا بد لذلك من تربية أخلاقية ومرارة طويلة، ثم إنهم بعد ذلك ورغم ذلك كثيرًا ما يفشلون عند أول منعطف، إذ ينبغي حساب الأطماع والتنافسات والرغبة في التميز والتسيد، وإيمان كل فرد أو فريق بأنه أفضل من غيره، كذلك لا ينبغي أن ننسى عامل
стр. 570
البطء الشديد في وسائل المواصلات قبل العصر الحديث، مما كان يصعب جدًّا جدًّا قيام إحساس بالعالمية في ظله. ومن هنا فما كان أسهل -بل ما أسهلَ الآن أيضًا- أن تنشأ العداوات وتشتعل الحروب، وينسى الناس في غمرة هذا كله الأصل الواحد، وما يجب أن يسود بينهم من تفاهم وحب ومساواة، وتعاون وشعور بالأصل الواحد، والمصير المشترك، رغم اختلاف الأوطان والأعراف والديانات والثقافات.
وعلى هذا، فإنني لا أستطيع أن أشاطر الدكتور الخطيب القول: بأنه على المستوى الديني والثقافي والفلسفي كان العالم القديم حتى مطالع العصر الحديث عالمي الأفق، إنساني الوجدان، ذلك أن الكلام هنا قد انتقل من ميدان الفكرة إلى ميدان الواقع، والواقع لم يكن بهذا الإشراق الذي توحي به العبارة، بل كانت هناك العداوات والحروب الشرسة الفتاكة التي يجتهد فيها كل طرف لسحق الطرف الآخر.
ألا يتذكر الكاتب الحروب الصليبية -مثلًا- التي أسال فيها الفِرنجة دماء عشرات الآلاف من المسلمين، لا لشيء سوى أنهم يدينون بدين غير الدين الذي يدينون هم به؟!
ألا يتذكر ما صنعه الإسلام بمسلمي الأندلس من قتل وسَجن، ونفي وتشريد، وإخراج من الوطن، جراء اختلاف الدين؟!
بل ألا يتذكر الحروب بين دول أوربا نفسها بسبب المذهب الديني رغم اجتماعها على النصرانية دينًا للقارة كلها؟!
стр. 571
بل إن هذه المشاعر التفريقية لا تزال لها السيادة في العلاقات بين الدول والشعوب رغم انتشار أفكار العالمية والعولمة، وتزايد الشعور بأن الأرض قد صارت قريةً واحدةً بسبب تقدم وسائل المواصلات المادية والفكرية، وسرعتها الرهيبة.
وها نحن أولاء المسلمين نصلى بعدوان الغرب على بلادنا في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وجنوب السودان منذ مدة، وتنهدم البيوت والمساجد والمدارس والجامعات، ويسقط القتلى من إخواننا في تلك البلاد وأمثالها بأعداد مرعبة، ويعتدي جنوده على أعراض نسائنا، بل ورجالنا أيضًا، دون أي اعتبار لمفاهيم الإنسانية والعالمية، وما إلى ذلك.
أما عن ارتباط العالمية بالأدب المقارن فالآداب جميعها أيًّا كان مستوى مبدعيها من الحضارة والثقافة والإبداع الأدبي، هي نِتاج إنساني يرتبط بطريقة أو بأخرى بغيره من الآداب، وعليه من المفيد معرفة الصلة التي تربطه بتلك الآداب الأخرى، والمقارنة بينه وبينها.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: هناك ما يُعرف بعالمية الأدب، وهي شيء قريب مما نحن فيه، فما هي تلك العالمية؟
يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: إن عالمية الأدب معناها خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها إلى أدب لغة أو آداب لغة أخرى، وهذه العالمية ظاهرة عامة بين الآداب في عصور معينة، ويتطلبها الأدب المتأثر في بعض العصور بسبب عوامل خاصة تدفعه إلى الخروج من حدود قوميته، إما للتأثير في الآداب الأخرى، وإما نشدانًا بما به يغنى ويكمن ويساير الركب الأدبي العالمي.
стр. 572
وواضح أنه يقصد هنا عملية التلاقح بين الآداب وأَخْذ بعضها من بعض بما يغنيها ويكسبها ما لم يكن فيها، وهذا من صميم الأدب المقارن. على أن هناك معاني أخرى لتلك العالمية منها ما قاله "بوتا" ومَن ساروا على دربه، من أن الآداب العالمية حين يتم تجاوبها بعضها مع بعض لم تلبث أن تتوحد جميعًا في أجناسها الأدبية، وأصولها الفنية، وغايتها الإنسانية، بحيث لا تبقى من حدود سوى اللغة، وما يمكن أن توحي به البيئة والإقليم.
وهو ما ينكر الدكتور محمد غنيمي هلال إنكار تحققه في يوم من الأيام؛ لأن الأدب كما قال: هو قبل كل شيء استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية إلى الوطن والقومية، وموضوعه تغطية هذه الحاجات، فهي محلية موضوعية أولًا، وإن كان لا يمكن مع ذلك أن تشف هذه الحاجات عن غايات عالمية، ولكن من وراء التعبير عن المسائل والآمال والآلام القومية، وما يتبع ذلك من المواقف النفسية والخواطر الذاتية التي لا بد أن تدل أولًا على حال المؤلف، بوصفه مواطنًا أو فردًا من جماعة كبيرة، فالآداب قومية وطنية أولًا.
وهذا صحيح، فإن الأديب -أي أديب- لا يستطيع تجاهل ما هو موجود أمامه، لكي يسبح في بحار العالمية دفعة واحدة دون المرور بالمحلية التي هي جزء من الإنسانية، ومن ثم فهي العالمية مصبوغة بصبغة محلية، على أن الأديب الكبير لا يفَنى في العنصر المحلي، جاعلًا إياه كل أكده، بل يتخذه نقطة انطلاق نحو الأشواق والأحزان والأفراح الإنسانية، وتصويرها بعمق من خلال هذا العنصر كما فعل ويفعل كل أديب عبقري.
ومن العرب يمكن أن نضرب المثل بالروائي نجيب محفوظ الذي يرسم من خلال أحياء القاهرة المُعزية ما يشغل الإنسان في كل زمان ومكان، بحيث يجد القراء على
стр. 573
اختلاف بيئاتهم وأوطانهم ولغاتهم أنفسهم فيه، ويتفاعلون بقوة مع ما يُبدع، رغم أنه إنما يتحدث في الإساس عن الناس في بعض أحياء القاهرة.
أما الدكتور الطاهر أحمد مكي فيقول: إن "بوتا" قد أعاد النظر في معنى عالمية الأدب، إذ رجع فوضح أن الفكرة التي ينادي بها ليست هي أن تفكر الأمم بطريقة واحدة، وإنما عليها أن تتعلم كيف تتفاهم فيما بينها. وإذا لم يكن يعنيها الحب المتبادل فلا أقل من أن تتعلم كيف تتسامح، فالحمد الله الذي جعل الفيلسوف والأديب الجرماني يرجع إلى ما يمكن وقوعه بدلًا من التعلق بأهداب ما يبدو مستحيلًا لا يُستثار تحقيقه.
وثم معنى ثالث لمفهوم العالمية ألا وهو بلوغ بعض الأعمال الأدبية مستوى فنيًّا ومضمونيًّا سامقًا، بحيث يُقبل عليها النقاد والقراء من مختلف دول العالم، ويجدون فيها المتعة والفائدة، ويتفقون على أنها أعمال متميزة على مستوى العالم.
لكن كيف تصل تلك الإبداعات لأيدي القراء من مختلف دول العالم؟
ليس هناك من سبيل إلا الترجمة، فهي وسيلة المواصلات التي تنقل تلك الأعمال إلى القراء، لكن مَن يقوم بهذه المهمة؟ إنهم ناس من الناس يخضعون لما يخضع له الناس من كسل وهوى وتعصب واعتبارات سياسية أو دينية أو أدبية، ومن ثَم فمن الممكن أن تترجم أعمالٌ لا ترقى إلى المستوى العالمي، وتهمل أعمال أخرى رغم قيمتها الفنية والإنسانية العالية. ولقد سبق أن أشرت قبل قليل إلى ما تصنعه المؤسسات الغربية الثقافية والسياسية مع أدباء العالم الثالث، إذ تقرر مَن ينخرطوا في خدمة مخططاتهم، وتُغدق عليهم نفحاتها، في الوقت الذي تضرب فيه صفحًا عمن يتأبى منهم على ذلك ويخلص لوطنه ودينه.
стр. 574
وترجمة الأعمال الأدبية إلى اللغات الواسعة الانتشار، والكتابة عنها، والإشادة بها وبأصحابها، وتلميع أسمائهم، هي باب من أبواب المكافأة في هذا المضمار. ويتحدث الدكتور حسام الدين الخطيب عن تأثير المركزية الأوربية في ذلك الميدان، إذ ما أسرع أن تترجم وتختار للقراءة في كتب المختارات إبداعات الإغريق والرومان، وسائر الإبداعات الأوربية المعاصرة، في الوقت الذي يندر فيه ترجمة إبداع لأي عربي أو مسلم.
ونقرر ما قلناه لتونا من أن الأدباء العرب والمسلمين الذين يحتفى بهم عادةً هم أولئك الذين يكتبون على هوى الغربيين، فيتناولون موضوعات بعينها كالإباحية الجنسية، والشذوذ، والتمرد، والإلحاد، والتغيير في المجتمعات العربية والإسلامية، ويدعون إلى قيم تتصادم وقيم الإسلام، ويتداعون إلى نصرتها بدعوتها حرية الفكر والتعبير، وأن الأدب يعلو ولا يعلَى عليه، فلا ينبغي من ثم أن يخضع لأي قيمة دينية أو أخلاقية ... وهكذا.
والآن، ما الذي ينبغي أن يصنعه المقارنون في هذا السياق؟
الواقع أن المقارن الغربي ينبغي أن يعلو فوق مثل تلك الاعتبارات لو أراد أن يكون مقارنًا محترمًا، فيبحث عن الإبداعات غير الغربية ويسلط عليها الضوء، دون أن يقيم للاعتبارات التي تناولناها لتونا أية أهمية. بل يعتمد على يمليه عليه ضميره النقدي وميزانه الإنساني المستقيم، وإذا وجد إبداعًا راقيًّا أشاد به بغض النظر عن أي شيء آخر، إذ لا ينبغي أن يكون لديه ابتداءً أي مانع من أن يكون الإبداع غير الغربي أفضل من نظيره الغربي المشابه له.
ومن جهة أخرى فقد نبه الدكتور محمد غنيمي هلال إلى معنى مهم حين قال: إن عالمية الأدب في معناها الذي شرحناه، وهو خروج الآداب من حدودها القومية طلبًا لما هو جديد مفيد تهضمه وتتغذى به، واستجابةً لضرورة التعاون الفقهي والفني بعضهم البعض، لها أسسها العامة والتي تحدد سيرها.
стр. 575
ثم مضى يذكر أهم تلك الأسس، ومنها: أنه ينبغي للأديب المتأثر البحث أثناء عملية الاختيار التي يقوم بها؛ بُغيةَ النهوض والتقدم عما يساعده في بلوغ هذا الهدف ويعصمه من التردي فيما يضيره، ومنه: الحفاظ على اللغة القومية، والخصائص العبقرية للأدب القومي، فلا يكون نقل الأدب القومي عن الآداب الأخرى تقليدًا أعمى، يمحو أصالته، ويربطه برباط التبعية والعبودية لتلك الآداب. وهو يرى أنه لا بد من التلاقح مع الآداب الأخرى؛ لأن أي أدب قومي لا يمكنه الاستقلال التام عن الآداب الأخرى، بل لا بد له من العطاء والأخذ، وإلا أصابه الركود والعطن.
وفي ذات الوقت نبه الدكتور هلال: إلى أنه ينبغي للأدباء والنقاد والقراء ألا يتطرفوا في أي من الاتجاهين؛ اتجاه الحرص المبالغ فيه على التقاليد، أو اتجاه التطرف والتمرد على كل قديم، ونحن نوافقه في هذا، وعلى أهل كل أدب أن يزنوا الأمور في هذه الحالة بميزان العقل المستقيم والذوق السليم، متسلحين بالثقة بالنفس، وسعة الأفق، والحرص على الذاتية، التي تميز الأدب القومي التمييز الذي يُفتخر به دون تعصب مطلق لكل ما فيه، حتى لو ثبت ضرره، وكذلك دون التعبد لما عند الآخرين لمجرد أنه غربي حتى لو ثبت أنه خالٍ من القيمة.
المثاقفه بين الآداب وبعضها
وهذا يجرنا إلى الحديث عن المثاقفة بين الآداب، أي: أَخْذ الثقافات والآداب بعضها عن بعض؛ بُغيةَ التجديد والتطوير والتحسين، ومعروف أنه لو بقي الماء في مكانه دون حركة ودون تجدد لصار راكدًا تعافه الناس بل ضارًّا يؤذي.
وهذه المثاقفه من شأنها أن توسع الأفق، إذ ترينا كيف أن الأذواق والأوضاع والقيم الأدبية تختلف من أدب إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، رغم أن هناك أشياء
стр. 576
مشتركة كثيرة أيضًا، وهذا الاختلاف دليل على ثراء الحياة وعلى غنى القدرة الإلهية المبدعة التي لا تنفد، ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وفي القرآن الكريم آية تقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩) وهذه الآية وإن كانت تتعلق بالأديان واختلافها واختلاف الناس بشأنها، من الممكن الاستشهاد بها هنا، فالاختلاف بين البشر لا يقتصر على الأديان، بل يشمل كل شيء يتعلق بهم، إنه سنة بشرية مثلما التشابه في بعض الجوانب سنة بشرية أخرى.
ولا شك أن اطلاعنا على ما عند غيرنا وتحققنا من أنه يختلف كثيرًا أو قليلًا عما عندنا، جدير أن يعمق فهمنا للحياة والأحياء، ويوسع مداركنا ويجعلنا نتقبل الآخرين، ونتفهم حقيقة اختلافهم عنا، فنكون أرحب صدرًا وأقدر على التسامح مع تمسكنا بما لدينا في ذات الوقت، وإلا تحول الأدب المقارن نقمةً وأذًى إذا كانت ثمرته تمييع مواقفنا، والانتهاء بنا إلى العجز عن اتخاذ موقف ثابت نابع من إيمان حقيقي بفائدة ما في أيدينا وصحته وأحقيته.
لنأخذ على سبيل المثال ما كتبه رفاعة الطهطاوي أبو المقارنين العرب في العصر الحديث، في موضوع المقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي كتبه وهو في فرنسا في النصف الأخير من ثاني عقود القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي أنشئ فيه أول كورسي الأدب المقارن في فرنسا، ولم يكن قد مر على وصول رفاعة إلى باريس إلا عامان. وهو كتاب عجيب لا يمكن تجاهله أبدًا إذا ما أردنا الكلام عن بدايات عصر النهضة في مصر، إذ يبدو وكأنه يحتوي على كل شيء يتعلق بذلك العصر.
المهم أن كاتبنا قد خصص بضع صفحات من ذلك الكتاب على درجة عالية من القيمة في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية، وبين أدبيهما، ففي عدة مواضع
стр. 577
من ذلك الكتاب نراه يعقد مقارنةً بين لغتنا وبين لغة الفرنسيس، وبلاغتنا وبلاغة الفرنسيس، فيقول مثلًا: إن لكل لغة قواعد خاصة مِن تنظيم استعمالها والتفاهم بها، وأنه إذا كان لأقسام الكلمة في لساننا ثلاثة هي الاسم والفعل والحرف، فإنها في الفرنسية هذه الثلاثة المذكورة، مضافًا إليها الضمير، وحرف التعريف، والنعت، واسم الفعل واسم المفعول، والظرف، وحروف الجر، وحروف الربط، وحروف النداء، والتعجب، ونحوه، وإن الكلمة قد تكون حرف جر في موضع، وظرفًا هي نفسها في موضع آخر؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم كانت حرفًا، بخلاف ما لو استقلت بنفسها فإنها تكون حينئذٍ ظرفًا.
ومما قارن به بين اللسانين والبلاغتين أيضًا قوله: إنهم في فرنسا لا يعرفون نَظْم العلوم كما هو الحال عندنا في (الألفية) مثلًا، وهذا راجع إلى اتساع العربية، وضيق المجال في لغة الفرنسيين.
وبالمثل تكلم عن الفرق بين العَروض العربية ونظيره الفرنسي، قائلًا: إن لكل لغة عروضها الخاص بها، وإن النثر الفرنسي لا يعرف التقفية، أي: أنهم لا يلجئون إلى السجع، بخلاف الحال عندنا حيث استخدموا السجع في الرثاء والخطب والتاريخ، وما إلى ذلك، حسبما يقول.
كما أن المؤلفين الفرنسيين يهتمون بالتدقيق في ألفاظهم وعباراتهم، ويعملون على أن يجيء ما يكتبونه واضحًا لا يحوج إلى معاناة في الفهم والتعلم، ولا إلى ما كان يسمى عندنا بفك الألفاظ، ومن ثم فليس للكتب الفرنسية شروح ولا حواش، اللهم إلا إذا استلزم الأمر بعض التعليقات السريعة بمزيد من الضبط والإتقان.
стр. 578
وعلى نفس المنوال يمضي رفاعة مقارنًا بين البلاغة لدينا وبين البلاغة لدى الفرنسيين، فيقول: إن هذا الفن موجود في كل اللغات، ومنها الفرنسية بطبيعة الحال، بيد أنه في لغتنا أكمل منه في لغة الفرنسيين، كما أن علم البديع يوشك أن يكون خاصًّا بالعربية. وهو في هذه النقطة يختلف مع تلك الطائفة من الكتاب العرب القدماء ممن قالوا بخلو اللغات الأخرى من التشبيهات والاستعارات والمجاز، وما إلى ذلك. ويضيف الطهطاوي قائلًا: إن من الصور البيانية ما تستحسنه الأذواق في كل اللغات، ومنها ما يستحسنه بعض منها دون بعض، مثال ذلك: تشبيهنا الرجل الشجاع بالأسد، فهو تشبيه مقبول ومستحسن من الجميع، بخلاف كلام الشعراء العرب عن ريق الحبيبة، إذ لا يفهم الرجل الفرنسي ويعجز عن تذوقه، قائلًا: إنه بُصاق، والبصاق يبعث على النفور لا التلذذ.
وبالنسبة للشعر الفرنسي يقول رفاعة: إنه يجري على عادة الجاهلية اليونانية التي تعرف لكل معنًى من المعاني ولكل شعور من المشاعر إلهًا خاصًّا، فتراهم يقولون: إله الجمال، وإله العشق، وهذا كفر كما صرَّح، وإن أضاف أنهم لا يعتقدون في شيء من هذا، بل هو مجرد تمثيل، وهو يحكم على الأشعار الفرنسية بأن الكثير منها لا بأس بها، ولا ريب أن هذا حكم جريء يستغربه الأديب العربي الحالي الذي قد يرى أن الآداب الأوربية أرقى من الآداب العربية، أما رفاعة فرغم إعجابه بجوانب كثيرة من مدنية الفرنسيين، كان يرى أننا متفوقون عليهم في أمور الدين والاعتقاد، وكذلك في ميدان الشعر والبلاغة.
ومن الطريف قوله عن ترجمته لإحدى القصائد من الفرنسية للعربية: أخرجتُها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام. ثم تعقيبه على جهده في ذلك بقوله: إن
стр. 579
الترجمة تذهب بحسن الأصل الأدبي في أية لغة، يستوي في ذلك أن تكون القصيدة منقولةً من الفرنسية بلغتنا أو العكس.
هذا، وقد تكررت الإشارة إلى حرص الغرب على نشر ثقافته وآدابه في العالم على حساب الثقافات والآداب الأخرى، وهو ما يسمى بالاختراق الحضاري، أي: العمل على غزو الشعوب الأخرى غزوًا ثقافيًّا وأدبيًّا، وطبعها بطابع غربي؛ كي يسهل انقيادها وشعورها بأنها تابعة للغرب، فلا تبدي مقاومةً لمخططات في إخضاعها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، ومن ثَم لا يحتاج إلى جيوش يجيشها، وأموال ينفقها، وجنود وضباط تزهق أرواحهم في المواجهة بين المقاومة الوطنية وجيوش احتلاله.
وقد سبق أني استشهدت بقول الدكتور حسام الدين الخطيب: إنه ينبغي الاعتراف بأن الذي تغير اليوم هو الوعي العالمي العام، بأن النموذج الغربي متفوق حقًّا في مختلف مجالات الثقافة والعلم، والإنتاج والقوة المادية، والاتصال، وغزو الفضاء، ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته، ولا سيما بين المثل الأعلى المعلن والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستيلاب، ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منه حذرًا وانتقائيًّا وغيرَ مبني على الانبهار والتسليم الأعمى، كما أن هناك شيئًا آخر مهمًّا قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوربية، وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في إفريقيا وآسيا، والتسليم بما قدمته هذه الحضارات، ومنها الحضارة العربية الإسلامية من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.
وهنا أيضًا يقتضي الإنصاف منا الإشارة إلى أن عددًا لا يُستهان به من مثقفي الغرب وعلمائهم وأدبائه، أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها، وإلى جانبها
стр. 580
فكرة أصالة الإنتاج الفني والأدبي الراهن في بلدان العالم القديم أو بلدان الجنوب، وضرورة وضعه في واجهة لائحة التثقيف اليومي للأجيال من جهة، والاستعانة به في جهة أخرى؛ لترسيخ النزعة الإنسانية والفطرية لدى جمهرة المتنقلة في العالم.
ومثال ذلك رسالة منظمة اليونسكو، ولا سيما في مجال إحياء الثقافات المستضعفة، وإعادة بناء قائمة الروائع الأدبية العالمية، بحيث تشمل منجزات العالم القديم الثالث، وكل هذه التغيرات تصب في صالح المقارنة؛ لتجعل منها رافدًا فعالًا من روافد الصبوة العريقة للاتجاه نحو بناء حضارة إنسانية منسجمة مع ذاتها أو مثلها، وغير قائمة على التناقضات والتمييز بين الأنا والآخر.
خصوصية الأدب العربي وسماته، وعَلاقة ذلك بالأدب المقارن
وبالنسبة إلى خصوصية الأدب القومي، وعلاقة ذلك بالأدب المقارن، نقول: إنه لمن الواجب على المقارن العربي المسلم أن ينتبه أن هناك فروقًا بين عاداتنا وتقاليدنا وعقيدتنا وأخلاقنا وأذواقنا، وبين نظيراتها عند الأمم الأخرى، وأن كل ذلك من شأنه على نحو أو على آخر، أن يطبع كل أدب بطابعه. وعلى هذا فلا بد عند الأخذ من الآداب الأخرى أو دراسة هذا الأخذ، أن نكون على بصيرة ووعي كاملين بها، فلا نترامَى على آداب الآخرين فرحين بتقليدها، أو النقل عنها باعتبار ما ننقله شيئًا جديدًا، وبالذات إذا كان خاصًّا بأمة من أمم الغرب القوية المتقدمة في عصرنا؛ ظنًّا منا أننا حين ننقل عن أي من تلك الأمم فإننا بهذه الطريقة نلحقها ونستعيرها في تقدمها وقوتها، إذ ليس كل ما يقدمه الغرب سليمًا دائمًا، فضلًا عن أن يكون نافعًا، وبالذات لنا نحن الذين نختلف
стр. 581
عنهم في أشياء غير قليلة، رغم ما يوحدنا معه ومع كل البشر من الملامح الإنسانية المشتركة بين الشعوب والأمم المختلفة.
ذلك أن هذه الاختلافات هي التي تشكل هُويتنا وذاتيتنا، ونحن حين نقول هذا لا نقوله على سبيل الشغب والمكابرة والرغبة في المخالفة، بل نقول ما يعرف الغرب ذاته، ويحرص عليه أشد الحرص حين يكون الأمر متعلقًا به وبهويته الحضارية والثقافية، لكنه بالنسبة لنا لا يريد أن نتذكره فضلًا عن أن نتمسك به، ونناضل من دونه.
وقد تحدثنا من قبل عن كتاب أنور الجندي (خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقل الأدبي الحديث) الذي عمِل كل ما في وسعه على أن يستفزنا إلى البحث عما يغني أدبنا، ويحافظ على أصالته وقيمه الخيرة، وينفي عنه أضرار التقليد الضار الذي يضيع معالمه ويفسده، ويحمله ما لا نرضاه له من مضامين مؤذية تتنافى وقيمنا الإسلامية الكريمة.
وموقفنا من الأدب العربي هو وجوب وَضْع هذا الأدب في كل عصور تحت المِجهر، فما كان في مضامينه متفقًا مع قيم الخير والجمال والحقيقة بالله، وما لم يكن قلنا فيه رأينا بمنتهى الصراحة، واستنكرنا ما يتضمنه من قيم الزيف والتشويه والأذى، على أن يكون مرجعنا في هذا هو الإسلام، وقيمه، ومبادئه، وليس معنى ذلك أننا ننادي بتحويل الأدب العربي إلى موعظة ونشرات دينية، بل معناه أن نترك للأديب الحريةَ كاملةً داخل ذلك النظام القيمي الإسلامي فلا يناقضه ولا ينقضه، وهو حر بعد هذا في أن يتناول من الموضوعات ما يشاء على النحو الفني الذي يشاء، أي: أننا في الوقت الذي لا نوجب على الأديب -مثلًا- أن يأمر
стр. 582
الناس بالصلاة، لا نقبل منه أن يكتب قصيدةً أو قصةً أو غيرَ ذلك من الإبداعات الأدبية يحرِّض الناس فيها على ترك الصلاة، أو يسخر من المصلين، وهكذا.
قد يقال: إن الأدب والفن لا يزدهران إلا في جو الحرية!! فنجيب: بأن الحرية المطلقة لا وجود لها في أي مكان من العالم، والذين ينادون بهذا إنما يريدون التفلت من قيم الإسلام إلى قيم أخرى يريدون نشرها تحت ستار حرية التعبير، وهذا واضح مفهوم، رغم كل الغبار الذي يثيره هؤلاء في أعيننا كي لا نطلع على ما يخططون له.
ومن الناحية اللغوية: فالمعروف أن العربية الفصحى كانت هي أداة الإبداع العربي على مر العصور، لا يعرف أداة غيرها، اللهم إلا في الزجل الأندلسي تقريبًا، وفي بعض خَرْجات الموشحات الأندلسية التي تختلط فيها بعض الكلمات الأجنبية بالكلمات العامية. ثم جاء العصر الحديث فأُثيرت مسألة الكتابة بالعامية، وتولى كِبر الدعوى إليها على حساب الفصحى طائفة من عُتاة المستشرقين، الذين لا تهمهم المسألة بذاتها قليلًا أو كثيرًا، لكنهم إنما يرمون من وراء ذلك إلى القضاء على لغة القرآن؛ لتمزيق الروابط التي تصلنا بالتراث وبكتاب الله وأحاديث رسول الله، ومن ثم ننسلخ عن ماضينا وهويتنا، ونضحي أمساخًا مشوهةً لا هم لها إلا تقليد الغرب في كل شيء.
ثم سَرعان ما رأينا بعضَ الكتاب من الأدباء والنقاد يزينون لكتاب القصص والمسرحيات الصناعة العامية في الحوار، بحجة الحفاظ على الواقعية وصدق التصوير، ثم تتابعت الكتابات التي تفعل ذلك وكثرت نسبيًّا، وإن كان هناك في ذلك الوقت أدباء كثيرون وبخاصةٍ من ذوي القامات والمواهب العالية، لا يزالون يلتزمون الفصحى في كل شيء: سردًا، وحوارًا، ووصفًا.
стр. 583
فهذه سمة أخرى من سمات الأدب العربي التي ينبغي الحفاظ عليها وعدم التهاون فيها.
وسمة أخرى لذلك الأدب ينبغي الحفاظ عليها، ألا وهي ألا تقوم بين المبدع والقارئ تلك الأسوار العالية الصلبة التي لا يمكن اختراقها، وبالتالي لا يمكن أن يفهم القارئ إبداع المبدعين، لقد كان الشاعر العربي على مر العصور حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاقَ في شعره ولا ألغازَ، اللهم إلا في بعض العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم النظم في لغز تعمدًا؛ تسليةً للقارئ ليس إلا.
أما في العصر الحديث -فكما سبق القول- أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته، وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية وتأثرنا نحن بها، تلك المذاهب التي يُرجِعها المرحوم أنور الجندي إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوم والعواصف والليل البهيم المرتبط بالأساطير والرمزية، على عكس طبيعة بلاد العرب التي ينتشر فيها النور والشمس والضوء، وينكشف فيها الأفق تمامًا، ومن ثَم عجزت الأساطير والرمزيات وأدب الظلال أن تجد لها مكانًا عندنا.
ومن المضحك أن بعض الشعراء والأدباء العرب يزعمون تقليدًا منهم لما يقرءونه في النقد الغربي، أن الشعر الواضح لا يمكن أن يكون شعرًا حقيقيًّا، إذ لا بد من المعاناة في قراءة الشعر وفهمه، بل لقد يقولون: إن الشعر لا يُكتب ليُفهمَ بل ليشعَر به ليس إلا!! وليت شعري!! كيف يستطيع الإنسان أن يتمتع بشعر لا يمكن فهمه؟!
стр. 584
إن مثل تلك المزاعم العجيبة تناقض طبيعةَ العقل البشري الذي يقول: إنه في مجال الأدب لا يمكن أن يتذوق القارئ أو السامعُ أيَّ إبداعٍ ما لم يفهمه أولًا، ولو على نحو مقارب. أما مع غموضه واستغلاقه فهذا ما لا يمكن أن يكون.
وهكذا، ينبغي أن يكون كل مِن الأديب الذي يأخذ عن الآداب الأخرى، والدارس المقارن الذي يتناول البحث في هذا الأخذ عن الآداب الأخرى على ذكر من هذا كله؛ حتى لا تنجر قدماه إلى الرمال المتحركة المهلكة، وهو يظن أنه سائر في الطريق والاتجاه الصحيحين دون أن يعرف أنه إنما يسيء صنعًا.
والسلام عليكم ورحمة الله.