Полный текст (584 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
اعتبر الأدب المقارن الترجمة فرعًا صغيرًا من فروعه، ولكن هذا الافتراض يثير الآن تساؤلات كثيرة، لأن ما قام به بعض العلماء يوضح أن الترجمة تكون على درجة كبيرة من الأهمية في أوقات التحولات الثقافية العظيمة.
كما أن الترجمة تعد عملية بحث دائم عن الجوانب اللغوية والدلالية بين لغتين أو أكثر لتحديد الارتباطات اللغوية بين النتاجات المختلفة، التي قد تبدو متباينة من حيث المنطق وقواعد اللغة، لكنها تشترك في تجسيد الحالات النفسية والاجتماعية التي تنبع من أحاسيس ومشاعر إنسانية مشتركة.
٤ - التكافؤ الثقافي: ويتحقق من خلال ردم الهوة بين الثقافات المتباينة، ورفع الغبن التاريخي الذي لحق ببعض الثقافات؛ لأن التاريخ لم يشهد تساويًا وتكافؤ كاملًا في مستوى تطور الحضارات، بل جعل ثقافات بعض الشعوب ثقافات مهيمنة ومسيطرة، فيما جعل بعض الثقافات ثقافات مقلدة أو مهمشة؛ عليه فإن مهمة الأدب المقارن هي خلق حالة من التوازن والتكافؤ بين الآداب والثقافات المختلفة.
وليس بيننا وبين الكاتب بشأن هذا الكلام اختلاف يذكر، ما دام الأمر -كما يرى القارئ- لا يخرج عن دائرة الممكن والمحتمل، وهو ما قلناه مبكرًا؛ وهذه النقطة من الأهمية بمكان، كي لا نُعَلّق على الأدب المقارن كثير من الآمال الجامحة، التي ينتهي الإخفاق في تحقيقها إلى الإحباط واليأس، ناهيك عن الجهود الكثيرة التي تكون قد ضاعت.
ومن ثم؛ فالحصافة تقتضي أن نكون واقعيين، فلا نحلق في سموات الخيال والأوهام، ولقد ظَلّ الغربُ يَدرُسنا ويدرس حضارتنا مئات السنين، وأصبح يعرف عنا كل شيء وبطريقة منهجية؛ فهل ساعد ذلك على أن تكون علاقته بنا
стр. 527
طيبة، واحترامه لخصوصيتنا كبيرة، بالعكس فقد ظل أيضًا طوال تلك الفترة يمارس علينا مؤامراته الخبيثة، ويعمل بكل السبل على تحقير ثقافتنا، ويدعي علينا وعلى كل ما يتصل بنا الادعاءات، ويحاول بجميع قواه إفقادنا ثقتنا بأنفسنا وبماضينا وحاضرنا كله.
ولو كانت معرفتنا الآخر معينة بالضرورة على التفاهم السليم واحترام تراثه وخصوصيته، لكان حظّنا مع الغرب أفضل من ذلك كثيرًا، أما ونحن نحترق منذ قرون بناره، وكيده اللئيم، وعدوانه الوحشي الذي لا يعرف هوادة ولا خجلًا؛ فلنعرف جيدًا أن الأدب المقارن ليس من شأنه أن يصلح الأحوال ضربة لازب، بل يعتمد الأمر على النية والإرادة، كما سبق أن وضحت.
ولقد كانت نية الغرب من وراء هذه المعرفة سيئة منذ البداية، إذ دخل هذا الميدان وهدفه البغي والعدوان، وإن لم يمنع هذا من وجود شرفاء فيه ذوي ضمائر حية وإنسانية راقية، بيد أننا حين نتكلم هنا عن الغرب؛ فالمقصود هو الاتجاه العام بين شعوبه وأفراده، وبخاصة بين الساسة والمثقفين، الذي يعانون أولئك الساسة ويجعلون علمهم في خدمة مخططاتهم، وكذلك الجماهير التي تأتي بهم إلى سدة الحكم، وتصوت لهم وتضع يدها في أيديهم لبلوغ تلك الغايات الأثيمة.
ولكي يكون القارئ على بينة مما نقول: فإننا ننقل هنا الفقرة التالية من مقال الدكتور سامية عبد العزيز، أستاذة الحضارة الفرنسية بآداب المنوفية سابقًا، وهو موجود على المشباك "أي: الإنترنت" وعنوانه "الديني والسياسي في التعامل الغربي مع القرآن رؤية شاملة" وهذه الفقرة المذكورة: يقول الكاتب "جون بود يار" في كتابه المعنون (قوى الجحيم) الصادر في أواخر أكتوبر سنة ألفين واثنتين:
стр. 528
"إن ما يدور حاليًا هو أكثر من عنف، إنه احتدام العنف، إنه عنف يتزايد كالعدوى في سلسلة من ردود الأفعال التي تهزم كل الحصانات، وكل إمكانات المقاومة؛ لأن الإسلام هو النقيض الحيوي للقيم الغربية، ولذلك فهو يمثل العدو رقم واحد، وفيما يتعلق بالتعصب الديني المسيحي؛ فإن كل الإشكال المخالفة له تعد هرطقة، وبذلك فيتعين عليها أما أن تدخل النظام العالمي الجديد طواعية أو قهرًا، أو عليها أن تختفي.
إن مهمة الغرب الآن هي أن يتم إخضاع الثقافات المختلفة بشتى الوسائل إلى القانون الوحشي المسمى التساوي؛ فالهدف هو التقليل من المناطق المنشقة، واستبعاد كل المساحات المعترضة، سواء أكانت مساحات جغرافية، أم مساحات في مجال العقائدي.
ويؤكد "سرج لاتوش" في كتابه (حول تغريب العالم) قائلًا: "إن سيطرة الغرب لم تتمثل فقط في فرض الاستعمار، وإنما في التبشير والسيطرة على السوق، والاستيلاء على المواد الخام، والبحث عن أراض جديدة، والحصول على أيادٍ عاملة رخيصة، واقتلاع الهوية التراثية الدينية، والقيام بالغرس الثقافي الخاص بالغزاة؛ مستعينين بشتى وسائل الإعلام وغيره.
إنّ عملية تغريب العالم هي أولًا وأخيرًا هي عبارة عن حرب صليبية، والحروب الصليبية هي أكثر العمليات جنونًا فيما قام به البشر، إن عملية تغريب العالم كانت ولا تزال عملية تنصير، ومعظم عمليات التنمية في العالم الثالث تتم مباشرة أو بصورة غير مباشرة تحت علامة الصليب.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 529
الدرس: ٢٠ بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية .
стр. 530
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية)
بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي بتأثر السياب بـ"شِلي "
بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية.
كتب عدنان مكارم إن بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي "بيرسي بيتس شيلي" تعود لعام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين، حين تقدم أحمد الصاوي للمطبعة بترجمة كتاب ملخص عن "شيلي" كتبه "أندريه موروا" وأنه قبل هذه الترجمة كانت تكتب عن "شيلي" بعض المقالات القصيرة التي لا تتجاوز الترجمة لحياته شاعرًا، إلا أن المعرفة الحقيقية لأعمال "شيلي" حصلت عندما ترجم لويس عوض مسرحية ("شيلي" برمثيوس طليقًا) في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين.
ويشير مكارم إلى المقدمة الطويلة التي صدر بها المترجم كتابه، والتي تحدث فيها عن فكر "شيلي" وأدبه التقدميين.
أما بالنسبة للسياب فقد أتى عدنان مكارم على ذكر رسالة بَعث بها السياب إلى أحد أصدقائه بتاريخ الحادي عشر من شهر يوليو، سنة ألف وتسعمائة وأربع وأربعين، كتب فيها: أنه أثناء قراءته بعض القصائد للشاعر "شيلي" في لغتها الأصلية، وصله كتاب الصاوي -السالف الذكر- مضيفًا أنه لا بد أن يكون السياب قد اطلع على بعض القصائد الرومانسية الأولى لهذا الشاعر، كما يتوقع أن تكون لقصيدة "شيلي" (الملكة ماب) الدور الكبير في ترسيخ نظرة السياب حول البِغاء، وهو ما أدى إلى أن نظم قصيدته المشهورة "المومس العمياء".
ثم مضى فأورد بعض الأبيات من تلك القصيدة مترجمةً إلى العربية؛ كي يتبين مدى تأثير "شيلي" عليها. يقول "شيلي" في الجزء الخامس من (الملكة ماب):
التجارة رسمت وسم الأنانية.
стр. 531
ميسم قوتها الذي يستعبد الجميع.
ذلك المعدن البراق الذهب.
أمام جبروته يسجد العظام الأذلاء.
والموسرون الضعفاء.
والمتكبرون البؤساء.
وكذلك فعل السياب في "المومس العمياء" فالبغاء مرض اجتماعي ينتج عن توزيع الثروة بين الناس:
المال شيطان المدينة.
لم يحظَ من هذا الرهان بغير أجساد مهينة.
فغصت في أعماقهن يعيد أغنية حزينة.
المال شيطان المدينة.
رب فاوست الجديد.
جارت على الأثمان وفرة ما لديه من العبيد.
ويستمر مكارم قائلًا: إن هذه العلاقة بين سوء توزيع الثروة والبغاء، قد استشفها السياب من حاشية كتبها "شيلي" على قصيدة (الملكة ماب) فيها حديث عن شغفنا بالمعادن الثمينة، وما يجره ذلك الشغف من انقسام الأمة إلى فقراء وأغنياء، وما ينشأ عن ذلك من ضرر اجتماعي، فالبغاء -مثلًا- نتيجة لنظام الزواج الخاضع لقوانين جائرة، قامت لتخدم المجتمع التجاري الذي يربط ما بين الرجل والمرأة بكونها س لعةً، وقد ذكر عدنان مكارم أن قصيدة "شيلي" "أنشودة للريح
стр. 532
الغربية" ODE TO THE WEST WIND " هي خير ما كتبه هذا الشاعر، وأن النقاد قد نظروا إليها دائمًا على أنها تمثل الرومانسية القوية بأجلى مظاهرها، وعدّوها بأبدع ما قيل من الشعر على مستوى العالم كله، واصفين إياها بأنها قصيدة القصائد، وترنيمة عالمنا الخاص.
إلا أنه برغم شمولية هذا القصيدة وعالميتها، هناك عدة عوامل يمكننا من خلالها مقارنتها بقصيدة السياب "أنشودة المطر".
وهذه العوامل هي:
أن موضوع القصيدتين هو موضوع واحد يرتكز إلى البعث الفكري للحضارة، والمقرون ببعث الطبيعة، وأن القصيدتين تنموان داخليًّا حسب حركة الأفكار والمشاعر المسيطرة عليهما، وأن الطبيعة في القصيدتين تشكل إطار الحياة المنفعلة، وتجري الحركة في الطبيعة وفي القصيدتين بشكل جدلي لا يدع المجال للتفريق بين هذه الثنائية، كما تربط القصيدتين خاصة أساسية يتحد فيها تجدد التاريخ الإنساني والوعي البشري عَبْر تجدد الطبيعة الخارجية، وأن غنى القصيدتين يعتمد على إبراز التفاؤل ضمن التشاؤم، والانتقال بصورة متناوبة لإبراز المغزى الشمولي للقصيدة: البعث الثورة.
وبالنسبة إلى بنية قصيدة "شيلي" يقول عدنان مكارم: إنها تتألف من خمسة مقاطع متداخلة:
في المقطع الأول: يخاطب الشاعر الريح الغربية:
محاكاة الطبيعة على دروب الرومانسيين.
وتبدو الطبيعة في هذا المقطع قاتمةً تجللها الألوان الشاحبة:
стр. 533
يا رياح البحر العاصفة.
يا نفس ينبعث من كيان الخريف.
أنت يا مَن تساوق أمام وجودك الخفي.
الأوراق المالية كأشباح تولي هاربة.
من ساحر صفراء وسوداء وشاحبة وحمراء محمومة.
جموع روعها الوباء أنت.
وأنه من خلال هذا الجو الشاحب، والطبيعة الحزينة، يبرز التفاؤل والأمل؛ ليعطي حقيقة الأشياء في الطبيعة.
إذًا يقدم الصورتين المتناظرتين للخريف: الحزن، وللربيع: التفاؤل، على أنهما منفصلتان، بل قدمهما على أنهما متداخلان وتؤلفان وجهين لحقيقة واحدة. ومن ثَم نستطيع أن نفهم ما يقصده الشاعر بالرياح الغربية، إنها رمز مستعار من الطبيعة لحركة الحياة الدائبة، بل هي دستور الحياة وجاذبيتها المستمرة:
حتى تجيء أختك اللاذة والدوية.
ريح الربيع وتنفخ في بوقها فوق الأرض الحالمة.
فتدفع البراعم الحلوة أسرابًا تغتذي في الهواء.
وتملأ السهل والتل بالعبير والألوان المحلية.
وفي المقطع الثاني: يقدم لنا ثنائية الطبيعة مرةً أخرى، ولكن بصورة أكثر عنفًا وقوةً، فالرياح أخذت شكل العاصفة التي تُشبه حركتها حركةَ شعر الراقصات اليونانيات وهن يرقصن في مهب العاصفة، وهنا يقدم "شيلي" أهم خاصة في القصيدة، وهي الذوبان في الطبيعة، واعتبار الإنسان جزءًا هامًّا فيها.
стр. 534
وفي المقطع الثالث: يقدم لنا الطبيعة البحرية، وقد هبت عليها الرياح فكشفت عن أستارها الدفينة في أعماقها؛ ليعكس لنا الأفكار الدفينة في أعماق البشر المنصهرين تمامًا في الحلم البحري.
وفي المقطع الرابع: تظهر صورة الإنسان المؤمن بالتغير، ورافع راية التحدي للطبيعة من أجل تغيرها داخليًّا:
آه ارفعيني مثل موجة أو ورقة أو سحابة.
هأنذَا أسقط على أشواك الحياة ويسيح دمي.
إن وطأة الحياة الثقيلة قد غلت وأحلت إنسانًا يشبهك أنت.
شرودًا سريعًا متكبرًا.
وفي المقطع الأخير: تأتي النتيجة، فالبذور التي زرعها "شيلي" تحت الأرض أنبتت عند قدوم الربيع وتفجرت حياة الأرض، وانطلقت البراعم الخضراء تفجر السهوب في ميلاد يوم جديد، فهو وإن جعل ثنائية الطبيعة الموتَ والحياةَ، وثنائيةَ الإنسان التشاؤم والتفاؤلَ مسيطرةً ومتناوبةً، قد غلب في النهاية نزعة الحياة على الموت في الطبيعة، ونصب نزعة التفاؤل على التشاؤم في الإنسان.
وهذه إحدى خصائص المدرسة الرومانسية الإنجليزية المفارقة بهذه خاصة للمدرسة الفرنسية "لامارتين" مثلًا:
انثر كالشرار والرماد مجمرة لا تخلو كلمات بين البشر.
وكوني في شفتي بوق النبوة للأرض الغافية.
أيتها الريح إذا أقبل الشتاء فهل سيتأخر الربيع طويلًا؟
стр. 535
وأخيرًا تمتزج لغة الطبيعة -الريح مع لغة الإنسان- وتقوم الريح بحمل أفكاره نحو بعث الوحي التاريخي.
و"أنشودة المطر" عند السياب تقوم على نفس هذه الركيزة، فالموت والحياة جدلية واضحة، ومن تداخلهما يبرز البعث الفكري للحضارة، ويقوم المطر بوصفه عنصرًا فعالًا في الطبيعة بمهمة الريح نفسها في قصيدة "شيلي":
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر.
وأسمع القرى تئن.
والمهاجرين يسارعون بالمجاديف وبالقلوع.
عواصف الخليج والرعود منشدين: مطر مطر مطر!!
ويقول عدنان مكارم: إنه لما كانت رياح "شيلي" تحمل ثنائية الموت والبعث، فإن مطر السياب أيضًا له نفس الخاصة، فهو كالدم المُراق، كالجياع، كالحب، كالأطفال كالموتى، هو المطر. مقارنًا أن هذه الرمزية الثنائية للمطر لم يكتشفها "شيلي" أو السياب أو حتى "إليوت" الذي استعملها كعنصر رمزي في كل شعره، بل هي رمزية لا واعية وُجِدت في الشعر العربي القديم، وتم للجهلي اكتشافها عبر مراقبته لحركة الطبيعة المؤثرة في مجمل حياته، إذ المطر في الشعر الجاهلي مرتبط بالفرح والحزن كليهما، وأنه من ثَم يتداعَى مع معاني الحياة والموت في حالات كثيرة منه.
كذلك فالميلاد الجديد -ميلاد الربيع في قصيدة "شيلي"- هو نفسه عالم الغد الفتي عند السياب حسبما يؤكد عدنان مكارم، إلا أن "الأنا" الرومانسية الطافية على السطح في قصدية "شيلي" قد ذهبت في الجماعة عند السياب، وذلك بسبب المرحلة الواقعية التي كتب فيها "أنشودة المطر".
стр. 536
يقول "شيلي":
أيتها الثائرة.
ادفعي أفكاري الميتة في أرجاء الكون.
كما تدفعين الأوراق الذابلة.
لتعجلي بميلاد كون جديد.
ويقول السياب:
وكل دمعة من الجياع والعراة.
وكل قطرة تُراق من دم العبيد.
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد.
أو حلمة توردت على فم الوليد.
في عالم الغد الفتي واهب الحياة.
أما بالنسبة للصور الجميلة التي زخرت بها قصيدة السياب، فيمكن رد جذورها إلى فهم "شيلي" لتركيبة الصورة التي تعتمد على المزج بين الحسي والمجرد بشفافية أسيرة، وبين الواقع والمثال، حتى لا يغدو الفصل بينهما أمرًا في غاية الصعوبة، وكذلك إلى أن صناعة الصورة تقوم على التقابل التناظري بين ما هو معنوي ومجرد من جهة، وبين ما هو حسي وواقعي من جهة أخرى.
ويأخذ الكاتب صورةً واحدةً من الصور المشهورة للسياب؛ لنرى مدى التطابق والتشابه في صناعة الصورة عند الشاعرين:
عيناك غابتَا نخيل ساعةَ السحر.
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.
عيناك حين تبسمان تورق الكروم.
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر.
стр. 537
معقبًا: بأنه يريد أن يصور عين المرأة، وبالذات المرأة الحوراء، فاستعمل ظلالَ السحر لسواد العين عند انعكاسه على غابة النخيل، واستعمل أيضًا أشعة القمر وقد غاب إلا أقله عن الشرفة، وأن هذه اللفتة في الجمع بين ما هو معنوي وما هو حسي، لم تكن لتوجد في صور السياب إن لم يكن قد قرأ "شيلي" وتأثر به في معطيات صوره، وإن لم يمنع هذا في رأيه من أن السياب قد صور البيئة وتمثلها خيرَ تمثل في شعره، فصورة الخليج وصداه عنده تنم عن تقنية خارقة في توسيع الصورة وغناها:
أصيح بالخليج!!
يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى.
فيرجع الصدى كأنه النشيج.
يا خليج!! يا واهب المحار والردى.
هذه هي صورة الخليج والإنسان، صراع بين قطبين، أحدهما يحتاج الآخر، أو أحدهما هو الآخر نفسه، ولكن الخليج الذي يمنح المحار هو الخليج نفسه الذي يمنح الردى، وحين يصرخ الإنسان بالخليج، لا يعود له سوى الصدى؛ صدى الأرواح الأسطورية والهياكل العظمية، صدى رجال كانوا في يوم ما، فغاب اللؤلؤ وبقي المحار والردى.
ويخلص الكاتب إلى أن "شيلي" قد أثَّر في السياب، سواء في سبات الطبيعة التي يتولد منها البعث، أو في امتزاج الإنسان بعناصر الطبيعة، أو في استعمال عناصر الطبيعة الواقعية وإضفائها على معنويات البشر، أو في كل هذه الأشياء مجتمعة.
هذا عن السياب وتأثره بـ"شيلي".
стр. 538
حكايات الحيوان عند كل من إيسوب الحكيم وإخوان الصفا
أما بالنسبة لحكايات الحيوان عند كل من "إيسوب" الحكيم وإخوان الصفا، فنقول:
لقد عاش "إيسوب" قبل الميلاد بعدة قرون ويقال: إنه ليس له وجود حقيقي، وإن الإغريق هم الذين اخترعوه، وهو ذو أصول إثيوبية، وبالمثل فإن كلمة "إيسوب" هي نفسها إثيوبية الأصل.
وقد امتازت شخصيته بما لها من سرعة بديعة، وقدرة عقلية فذة، وحكمة تنساب على لسانها, ولـ"إيسوب" -أو "يعسوب" كما يقول بعض الباحثين العرب- مجموعة من القصص تُنسب إليه مثلها مثل كافة الحكايات المروية على لسان الحيوان، فإن كلًّا من تلك الحكايات القصيرة تعلِّم ناحية أخلاقية وتقدم نصيحة مفيدة.
كما أن معظم الشخصيات في حكايات "يعسوب" حيوانات تتكلم وتتصرف كالبشر، وتوضح مساوئ وفضائل الطبيعة البشرية بطريقة مبسطة وفكِهة، وتنتهي كل حكاية خرافية بِمَثل يلخص مغزاها الأخلاقي.
وقد زُودت حكايات "يعسوب" بتعبيرات شهيرة كثيرة، وعلى سبيل المثال: فإن العدو الذي يتظاهر بأنه صديق يسمَّى ذئبًا في ثياب حَمَل، وقد نشأ هذا التعبير من قصة يتنكر فيها ذئب في جلد حمل، ثم يتحرك دون أن يُكتشف وسط قطيع من الخراف، ويقتلها ليأكلها. ومن ناحية أخرى فإن الراعي يحسبه حملًا فيذبحه للعشاء.
стр. 539
ولسنين كثيرة كانت حكايات "يعسوب" تروى بالتواتر من جيل لآخر. وفي حوالي عام ثلاثمائة قبل الميلاد، قام سياسي أثيني اسمه "ديمتريوس فارليوس" بجمع حوالي المئتين منها في مجموعة أسماها "تجمعيات حكايات يعسوب"، وقد ترجم هذه المجموعة إلى اللاتينية بعد حوالي ثلاثمائة سنة عبد إغريقي عتيق يسمى "فيدروس" وفي نحو عام مائتين وثلاثين ميلادية قام الكاتب الإغريقي "فالرليوس بابريوس" بضم حكايات "يعسوب" إلى بعض الحكايات الهندية، وترجمها شعرًا إغريقيًّا.
ومنذ ذلك الحين أعاد كتاب آخرون روايةَ الحكايات، وزادوا من معانيها، إلا أن الحكايات لم تفقد مطلقًا بَساطتها وجاذبيتها الأصليين.
ومن قصص "إيسوب" التي وصلتنا القصص التالية:
كان الثعلب يتضور جوعًا ويبحث عن أي شيء يسد رمقه عندما رأى تجويفًا كبيرًا في شجرة بها وجبة طعام، تركها الرعاه ليتناولها بعد القيلولة، فأكلها الثعلب، وعندما امتلأت معدته وانتفخ بطنه لم يستطع أن يخرج من التجويف، فأخذ يصيح، وسمع صياحه ثعلب آخر فسأله: ماذا حدث؟ وعندما روى القصة له كان رده: ابقَ حيث أنت، حتى تجوع وتعود المعدة إلى وضعها الأول، وعندئذٍ تستطيع الخروج بسهولة.
مَرَّ ثعلب على كرمة عنب فأخذ يقفز لكي يأكل العنب، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إليه، فقال: على أية حال، العنب لا يزال حصيمًا لم ينضج بعد.
دخل ثعلب منزل ممثل، وأخذ يعبث بمحتوياته، فوجد قناعًا على شكل وجه غول مخيف، وراح يقول: يا له من رأس جميل، خسارة ألا يكون فيه مخ. اعتقد الذئب أنه لو تخفى لاستطاع الحصول على صيد وفير، فوضع على جسمه
стр. 540
جلد غنم؛ ليخدع الراعي، ولحق بالقطيع في أرض معشوشبة دون أن يكشف أحد أمره، وعندما هبَط الليل أغلق عليه الراعي الحظيرة مع الغنم، ولما شعر الراعي بالجوع استل سكينه وراح يذبح أحدَ حيواناته؛ ليعد طعام العشاء، وكان هذا الحيوان هو الذئب.
جلس الدُّب تحت شجرة يشحذ أسنانه، فسأله الثعلب: لِمَ تجعل أنيابك حادة على هذا النحو إذا لم يكن هناك صياد يتعقبك ولا خطر يتهددك؟ فأجاب الدب: عندي مسوغ هام لذلك، هو أنه إذا ما تهددني الخطر فلن يكون عندي الوقت لشحذها، بل عليها أن تكون مستعدةً للعمل.
جرى الفأر مسرعًا فوق جسم الأسد وهو نائم، فهبَّ من نومه غاضبًا وأمسك به يريد أن يلتهمه، غير أن الفأر توسل إليه أن يتركه، واعدًا أن يرد الجميل يومًا ما، فضحك الأسد من وعده وتركه لحال سبيله، ومرت الأيام إلى أن جاء يوم وقع فيه الأسد في حبائل الصيادين الذين ربطوه في شجرة بالحبال، وذهبوا لتناولوا الطعام، وسمع الفأر زمجرةَ الأسد، فذهب إليه مسرعًا، وراح يقرض الحبل بأسنانه، ويقول: لقد سخرت مني ذلك اليوم عندما وعدتك برد الجميل؛ لأنك لم تتوقع أن أرد لك كرمك، وهأنذا أفعل الآن، ولعلك تدرك أنه حتى الفئران تقدر على الاعتراف بالجميل.
شد انتباه الأسد ما يحدثه نقيق الضفدعة، وقد ظنه في البداية يصدر عن حيوان كبير الحجم، وبعد أن انتظر لحظةً شاهد الضفدعة تخرج من البركة، فجرى إليها ووضع قدمه فوقها؛ لسحقها، ويقول: عجبًا، حجم مثل حجمك يصدر هذا الصوت العظيم.
стр. 541
دعا فأر من الريف صديقًا له يعيش في المدينة لطعام للعشاء، وعندما حضر الصديق قدم له فأر الريف طعامًا كان يتألف من الشعير والقمح فقط، فقال فأر المدينة لصديقه: دعني أقل لك شيئًا وأرجو ألا تغضب، أنت تعيش يا صديقي مثل النملة، أما نحن في المدينة فلدينا وفرة في الطعام من الأشياء الطيبة، ولو قبِلت دعوتي إلى زيارة المدينة فسوف تشارك فيها، وفي الحال سافر الاثنان إلى المدينة، وعندما قدم فأر المدينة لصديقه البازلاء والفول والخبز، والبلح والعسل والجبن والفاكهة، أصيب فأر الريف بالذهول، وهنأ زميله من صميم قلبه، ولعن حظه العاثر، وكان على وشك البدء في تناول وجبة الطعام الشهية عندما انفتح الباب فجأةً ودخل شخص، وهنا قفز المخلوقان الجبانان مرتاعين من الصوت، وفرَّا مذعورين إلى الشقوق، ثم حين عادا وحاولَا أن يتناولا بعض التين الجاف، رأيَا شخصًا آخرَ يدخل الغرفة كي يأخذ شيئًا، فقفزَا إلى الحجر من جديد، فقال فأر الريف: أنا لا أبالي أن أموت جوعًا، وداعًا يا صديقي، هنيئًا لك ما أنت فيه من رغد وشبع، ولكن ذلك يكلفك كثيرًا، إذ إنك تعيش دائمًا في رعب، وعلى حافة الخطر، أما أنا فأفضل أن أتناول وجبات فقيرة من القمح والشعير دون خوف أو إحساس بالخطر.
في يوم من أيام الشتاء وجد الفلاح أفعى تكاد أن تتجمد من البرد، فتحرك قلبه شفقةً عليها والتقطها ووضعها في صدره، لكن مع الدفء عادت إليها غريزتها الطبيعية، فلدغت الرجل الطيب الذي أحسن إليها لدغةً قاتلةً، فقال وهو يحتضر: لقد نِلت ما أستحق، لأنني أخذتني الشفقة بمخلوق شرير.
стр. 542
وقد وَضعت كل الشعوب القديمة تقريبًا حكاياتٍ شعبيةً فيها شخصيات لحيوانات ذات صفات آدمية، فالثعلب -مثلًا- كان يصور على أنه ماكر، والبومة على أنها عاقلة في بعض الثقافات، ونذير شؤم في بعض الثقافات الأخرى. وبمرور الوقت بدأ الناس يحكون الحكايات لتعليم الأخلاق الحميدة، وأصبحت الحكاياتُ خرافيةً. وينظر تعقب أصل الحكايات الخرافية الشعبية في البلاد الغربية إلى بلاد اليونان والهند القديمة، وتُنسب معظم الحكايات اليونانية إلى "يعسوب" أو "إيسوب" ذلك العبد اليوناني الذي عاش في حوالي عام ستمائة قبل الميلاد، وقد اكتسب شهرته لقدرته على قص حكايات فيها حكمة وذكاء وفكاهة على لسان الحيوانات، غير أن العلماء لا يعرفون عنه سوى القليل. ومن المحتمل أن الحكايات المعروفة باسم "حكايات يعسوب" جاءت من عدة مصادر قديمة، وبعضها هذه القصص مصدرها الهند.
وقد تأثرت حكايات الشعب الهندي باعتقادهم بأن بني البشر يُولَدون بعد الموت على هيئة حيوانات، وألف رواة القصص الهنود حكايات كثيرة عن مثل هذا البعث أو الميلاد الجديد، واستخدموه لتلقين مختلف الدروس الأخلاقية، كما وصلت بعض هذه القصص إلى الغرب في بداية التاريخ الميلادي، وتم ضمها إلى المجموعات الأولى لـ"حكايات يعسوب" وخلال القرن الثالث قبل الميلاد أو بعده جمع الهنود أفضلَ حكاياتهم في عمل يسمى "بانتشا تنترى" وعبر القرون أعاد كثير من الكتاب رواية الحكايات الخرافية القديمة.
وفي الثقافة العربية الكثير من الخرافات التي تعود إما لأصل محلي أو جاءت من ثقافات أخرى كما في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع. ويحكَى أن كلمة خرافة في
стр. 543
العربية جاءت من اسم شخص من بني عذرة يدعى بهذا الاسم، كان يروي حكايات غريبة.
ويقول فاروق سعد محرر رسالة (تداعي الحيوانات على الإنسان التي وضعها إخوان الصفا): إن تلك الرسالة تعد نموذجًا راقيًا لملحمة الحيوان، وهي تقوم على اكتمال العناصر الشكلية والموضوعية التي يتميز بها هذا النوع الأدبي، ومسرح أحداث هذه الملحمة هو جزيرة يقال لها "بلاسارون" تقع في وسط البحر الأخضر مما يلي خط الاستواء، وتتميز بطيب هوائها، وكثرة مياهها وزروعها، ولا تقتصر شخصيات هذه الملحمة على البشر والحيوان فقط، بل تجمع أيضًا الجن ممثلين في شخص رئيس المحكمة الملك "بيوراس" الحكيم وأعضائها، أما البشر فهم نحو سبعين رجلًا من بلدان شتى بينهم عراقي وهندي وعبراني وسرياني وعربي ويوناني وفارسي وحجازي.
أما الحيوانات فقد اجتمعت كلها في المحكمة على اختلاف ألوانها وأجناسها، فالسباع وملكها الأسد، والطيور وملكها السيمرن، والجوارح وملكتهم العنقاء، وحيوان البحر وملكهم التنين، والهوام وملكها الثعبان، والحشرات وملكهم اليعسوب.
لقد طرحت العاصفة سفينةً من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان فيها قوم من التجار والصناع وأهل العلم وسائر أبناء الناس، فخرجوا وساحوا في تلك الجزيرة، فوجدوها كثيرةَ الأشجار والفواكه، والثمار والمياه العذبة، تتميز بالهواء الطيب والتربة الحسنة، والبقول، والرياحين، وألوان الزروع والحبوب، وبعد أن وجدوا الحيوانات متآلفةً معًا، طمعوا فيها فاستأنسوا بعضها، وهرب منهم البعض الآخر، حتى ضَجَّت الحيوانات منهم وفزعت إلى ملك الجزيرة
стр. 544
"بيوراس" ملك الجن تطلب عدله، فبادر "بيوراس" إلى دعوة بني الإنسان الذين أسرعوا بدورهم لعرض الشكايات من الحيوانات عبيدهم الآبقين، واستدعى الملك البهائمَ ليسمع جوابها، وأخذ كل من الطرفين يعرض ادعاءاته، ويعرض دفوعه الواحد تلو الآخر، وكان محور النزاع هو مدى ما للإنسان من حق السيادة على الحيوانات، وقد صدر الحكم في نهاية المحاكمة بأن البشر يتميزون عن غيرهم من المخلوقات بالخلود والبقاء، فأمر الملك أن تكون الحيوانات بأجمعها تحت أمرهم ونهيهم، منقادين لهم، فقبلوا مقاله، ورضوا بذلك وانصرفوا آمنين.
وتستند الرسالة في معالجتها لموضوع الخلاف بين البشر والحيوانات على أدلة نقلية من القرآن الكريم، وأخرى فلسفية أملاها العقل يحتج بها الإنسان؛ ليبرر بها سلطته على الحيوان، يقابلها الحيوان بأدلة أخرى نقلية وعقلية، يرد بها على الإنسان، ويفند حجته.
فمن ذلك هذا الحوار النقلي والعقلي بين الطرفين الذي أعطى الرسالة مكانتها وقيمتها:
قال الملك: قولوا ما تريدون وبينوا ما تقولون، قال زعيم الإنس: نعم أيها الملك، إن هذه البهائم والأنعام والسباع والوحوش والحيوانات أجمع عبيدنا، ونحن أربابها، فمنها هارب عاص ومنها مطيع كاره منكر للعبودية، فقال الملك للإنسي: ما الدليل؟ وما الحجة على ما زعمتَ وادعيت؟ قال الإنسي: نعم أيها الملك، لنا دلائل شرعية سمعية على ما قلتُ، وحجج عقلية، فقال: هات، فقام خطيب من الإنس من أولاد العباس -رضوان الله عليه- فصعد المنبر فقال: الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، صاحب الشفاعة يوم الدين،
стр. 545
وصلوات الله على الملائكة المقربين، وعلى عباده الصالحين، وأهل السماوات والأرض من المؤمنين والمسلمين، وجعلنا وإياكم منهم برحمته، وهو أرحم الراحمين.
والحمد الله الذي خلق من الماء بشرًا وخلق منه زوجةً، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وأكرمَ ذريتهما، وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، قال الله : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: ٥، ٦)، وقال : ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: ٢٢)، وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (النحل: ٨)، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (الزخرف: ١٣).
وآيات كثيرة في القرآن والتوراة والإنجيل، تدل على أنها خلقت لنا ومن أجلنا، وهي عبيد لنا ونحن أربابها، وأستغفر الله لي ولكم.
قال الملك: قد سمعتم معشر البهائم والأنعام ما ذكر الإنسي من آيات القرآن، واستدل بها على دعواه، فأي شيء عندكم فيما قال؟
فقام عند ذلك زعيمها وهو البغل، فقال: الحمد الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، القديم السرمدي، الذي كان قبل الأكوان بلا زمان ولا مكان، ثم قال: كن، فكان نورًا ساطعًا أظهره من مكنون غيبه، ثم خلق من النور نارًا أجاجًا، وبحرًا من الماء رجراجًا ذا أمواج، ثم خلق من الماء والنار أفلاكًا ذات أبراج، وكواكبَ وسراجًا وهاجًا، والسماء بناها، والأرض طحاها، والجبال أرساها، وجعل أطباقَ السموات مسكنَ للعليين، وفسحة الأفلاك مسكن الملائكة المقربين، والأرض وضعها للأنام، وهي النبات والحيوان، وخلق الجان
стр. 546
من نار السموم، وخلق الإنس من طين، ثم جعل نسلهم من سلاسة من ماء مهين في قرار مكين، وجعل ذريتهم في الأرض يخلفون؛ ليعمروها ولا يخربوها، ويحفظوا الحيوان، وينتفعوا بها، ولا يظلموها، ولا يجور عليها، وأستغفر الله لي ولكم.
ثم قال: ليس في شيء مما ذكر هذا الإنسي من الآيات أيها الملك دلالة تدل على ما زعم أنهم أرباب ونحن عبيد، إنما هي آيات تدل على إنعام الله عليهم، وإحسانه إليهم، فقال: سخرها لكم كما سخر الشمس والقمر والرياح والسحاب، أفترى أيها الملك أنها عبيد لهم ومماليك وأنهم أربابها؟
أخذ زعيم الحيوان يبين لملك الجان أن الخلائق كلها في السموات والأرض مسخرة بعضها لبعض، إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، هذه العلة لا كما ما ظنوا وتوهموا، وقالوا من الزور والبهتان بأنهم أرباب لها والحيوانات عبيد لهم، ثم جعل زعيم الحيوان يصف الحياة البدائية الأولى التي عاشوها قبل آدم، وما كانوا عليها من السعادة والصفاء والمودة والتفاهم، حتى جاء آدم وانتشرت ذريته وأخذوا في تسخير الحيوانات من غنم وبغال وحمير وخيول وبقر، وطاردوها شر مطاردة، فأمسكوا ما أمسكوا، وما لم يمسكوه ذهب في فِجاج الأرض، والبراري والقفار وبطون الأودية، ورءوس الجبال، واستغلوها أبشع استغلال من حمل وركوب، وجر وشد، وحرث ودياس، وقتل وسَلْخ، وحطم وكسر، وجَز ونتر، وشي وطبخ.
وبعد أن وصف زعيمها صنوف العذاب التي لاقوها من بني الإنسان، وألوان الاستعباد التي عانوها، دعا للملك، وطلب منه النصفة والعدل.
стр. 547
وهنا يتوقف سَوْق الأدلة النقلية، ويأخذ الإنسان والحيوان في إيراد الأدلة العقلية حتى نهاية الرسالة، إذ يأتي الإنسي بحجة عقلية وبرهان منطقي، فيرده عليه الحيوان بحجة وبرهان, ومن ذلك هذا الحوار:
قال الملك للإنسي: إن الدعاوَى لا تصح عند الحكام إلا بالبينات ولا تقبل إلا بالحجج، فما حجتك فيما قلتَ وادعيت؟ قال الإنسي: إن لنا حججًا عقليةً ودلائلَ فلسفيةً تدل على صحة ما قلنا، قال الملك: ما هي؟ بينها، قال: نعم، هي حسن صورتنا، وتقويم بنية هيكلنا، وانتصاب قامتنا، وجودة حواسنا، ودقة تمييزنا، وذكاء نفوسنا، ورجحان عقولنا، كل هذا دليل على أننا أرباب وهم عبيد لنا، قال الملك لزعيم البهائم: ما تقول فيما ذكر؟ قال الزعيم: ليس شيء مما قال دليلًا على ما ادعى هذا الإنسي، اسمع ما أقول، واعلم بأن الله تعالى لم يخلقهم على تلك الصورة ولا سواهم، ولا تلك البنية لتكون دلالة على أنهم أرباب، ولا خلقنا على هذه الصورة لتكون دلالةً على أننا عبيد، ولكن لعلمه واقتضاء حكمته بأن تلك الصورة أصلح لهم، وهذه أصلح لنا.
وبيان ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأولاده عراةً حفاةً بلا ريش على أبدانهم، ولا وبر ولا صوف على جلودهم تقيهم من الحر والبرد، وجعل أرزاقهم من ثمرات الأشجار، ودِثارهم من أوراقها، وكانت الأشجار منتصبة مرتفعة في جو الهواء، جعل أيضًا قامتهم منتصبة؛ ليسهل عليهم تناول الثمر والورق منها، وهكذا لما جعل غذاء أجسامنا من حشائش الأرض، جعل بنية أبداننا منحية ليسهل علينا تناول العشب من الأرض، فلهذه العلة جعل صورتها منتصبةً، وصورتنا منحنيةً، لا كما توهموا.
وهكذا وهكذا، تأخذ الرسالة في ضروب من الحجج والبراهين والأدلة العقلية.
стр. 548
ولكن ما هي الاعتبارات التي أعلت من شأن الإنسان، ومنحته مكانته ومنزلته، وأعطته مقام الربوبية على الحيوانات، أُولى هذه الاعتبارات قيمة العقل، وكون الإنسان حكيمًا عاقلًا ذا مقدرة على الفهم والتأمل والدرس، وبواسطة هذا العقل يحصل العلوم والمعارف والمهارات التي تخضع له الطبيعة، وتجعله يقر بخالقها.
قال الأسد: لماذا يفتخرون علينا ويستحقون الربوبية أم بالشجاعة والجسارة أما بالحملات والوثبات؟ قال الرسول: ليست الحكومة ولا المناظرة بحضرة ملك الجن في قصرة من هذه، وإنما الحجاج بفصاحة الألسنة، وجودة البيان، ورجحان العقول، ودقة التمييز، وليس يفتخر بنو آدم بشيء من هذه ولكن برجحان العقول، وفنون العلم، وغرائب الآداب، ولطائف الحيل، ودقة الصنائع والفكر، والتمييز والروية، وذكاء النفوس، وثاني هذه القيم تصرفهم في فنون العلم والبحث والتجربة والمغامرة في البر والبحر، وعمارة الأرض، وتسيير دفة الحياة.
قال خطيب الإنس بعد كلام طويل أثنى فيه على الله بما هو أهله: فله الحمد والمن والثناء، إذ خصنا بذكاء النفوس، وصفاء الأذهان، ورجحان العقول، فنحن بذات الله استنبطنا العلوم الغامضة، وبرحمته استخرجنا الصنائع البديعة، وعمرنا البلاد، وحفرنا الأنهار، وغرسنا الأشجار، وبنينا البنيان، ودبرنا الملك والسياسة، وأوتينا النبوة والرياسة.
وبعد ذلك تكلم اليوناني فقال بعد أن مجد الله وحمده: وجعلنا ملوكًا بالخصال الفاضلة، والسير العادلة، ورجحان العقول، ودقة التمييز، وجودة الفهم، وكثرة العلوم، والصنائع العجيبة، والطب والهندسة وعلوم النجوم، وتركيب
стр. 549
الأفلاك، ومعرفة منافع الحيوانات والنبات، ومعرفة الأبعاد والحركات، وآلات الأرصاد والمطلسمات، وعلم الرياضيات والمنطقيات، والطبيعيات والإلهيات، فله الحمد والشكر والثناء على جزيل العطايا.
والرسالة تتوجه في خطابها إلى الإنسان في كل زمان ومكان بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لغته أو قوميته. والدليل على ذلك أننا نجد جميع أصناف الناس وشتى طوائفهم وكافة أديانهم، انظر إلى إخوان الصفا عند ختام المحاكمة كيف جعل المتحدث الذي له كلمة الفصل، فقال عند ذلك الخبير الفاضل، الذكي العابد، المستبشر الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي الإسلام، العراقي الأدب، العبراني المخبر، المسيحي المنهاج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي التعبير، الصوفي الإشارات، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف، فقال: الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على النبي محمد وآله أجمعين أما بعد:
أيها الملك العادل، لما بان وتبين في حضورك صدق ما ادعى جماعة الإنس، وظهر عندك أن من هؤلاء الجماعة قوم هم أولياء الله، وصفوته من خلقه وخيرته من بريته، وأنهم لهم أوصاف حميدة وصفات جميلة وأعمال ذكية، وعلوم متقنة، ومعارف ربانية، وأخلاق ملكية، وسير عادلة قدسية، وأحوال عجيبة، قد كلَّت ألسنة الناطقين عن ذكرها، وقصرت أوصاف الواصفين لها عن صفاتها، فما يأمر الملك العادل في حق هؤلاء الغرباء من الإنس وهؤلاء الحيوانات العبيد لهم؟ فأمر الملك أن تكون الحيوانات بأجمعها تحت أوامرهم ونواهيهم، ويكونوا منقادين للإنس، فقبلوا مقالته، ورضوا بذلك وانصرفوا آمنين في حفظ الله تعالى وأمانه.
стр. 550
ومن الأدلة على ذلك أيضًا: أننا نجد ذكر قوم موسى وعيسى وأقوالهم وأخبارهم، وكذلك ذكر البوذيين والبراهنة وعقائدهم، واليونانيين والفرس والسريان والرومان والهنود وغيرهم، فهي رسالة تتوجه إلى الإنسان في كل زمان ومكان في مواجهة المخلوقات الأخرى من نبات وحيوان وجن، وتبين مكانته، وتوضح فضله على كافة الكائنات.
ولكن لا يقعنَّ في وهنك ولا يستقر في خلَدك أن الرسالة جعلت الإنسان ينفرد ويطغى ويستبد بالأمر وحده في هذه الحياة من غير رادع ولا ضابط حتى يكون إلهًا أو شبيهًا بالإله، لا، بل هناك ضوابط تكبح جماحه، وكوابح تحد من طغيانه واستبداده، وتتجلى تلك الضوابط والكوابح في ذلك الكم الوفير من النقل لطبقات الأمة، وشرائح المجتمع من ملوك وساسة ووزراء وكتاب وأدباء وفقهاء، وقراء وتجار ومهندسين ووكلاء ومحاسبين، وفي تلك النقادات المرة الأجناس من روم وفرس وسريان وهنود وعرب وغيرهم، فعندما يقوم الهندي من جزيرة "سرنديم" ويتكلم ويثني على ربه ويمدح قومه، ويصف ما لهم من المزايا والخصال الحميدة، يرد عليه صاحب العزيمة في التو واللحظة ليكبح جماحه، ويضعه موضعه من غير تهويل ولا تحقير، فيقول له: لو أتممتَ الخطبة وقلت: ثم بُلينا بحرق الأجسام، وعبادة الأوثان والأصنام والقردة، وكثرة أولاد الزنا، وسواد الوجوه.
وهكذا كلما افتخر جنس من الأجناس بمزاياه ومحاسنه، رده صاحب العزيمة من الجن إلى جادة الصواب، وردعه بذكر مساوئه وسيئاته لئلا يطغى ويضل، وكذلك عندما يفتخر الإنسان -جنس الإنسان- بطبقاته وملوكه ورؤسائه، يردعه الحيوان الواقف له على الناصية المقابلة كخَصم وقرين، ويوجهه ويعيده إلى جادة الحق وسواء السبيل.
стр. 551
قال زعيم الإنس: إن منا الملوك والأمراء والخلفاء والسلاطين، وإن منا الرؤساء والكتاب والعمال وأصحاب الدواوين، والقواد والحجاب والنقباء، والخواصة وخدم الملوك وأعوانهم من الجند، ومنا أيضًا الدَّهاقين والشرفاء والأغنياء، وأرباب النعم، وأصحاب المروءات، ومنا أيضًا الصناع وأصحاب الحرث، ومنا أيضًا الأدباء وأهل العلم، ومنا المتكلمون والنحويون والقصاص، وأصحاب الأخبار، ورواة الحديث والقراء والعلماء، والفقهاء والقضاة والحكام والعدول، وأيضًا منا الفلاسفة والحكماء والمهندسون والمنجمون والطبيعيون، فرد عليه زعيم الحيوانات، وأخذ ينتقد الطبقات طبقةً طبقةً، والطوائف طائفةً طائفةً.
فمن ذلك قوله: وذلك أن منكم الفراعنة والنماردة والجبابرة والكفرة والفجرة والفسقة والمشركين، والمنافقين والملحدين والمارقين والناكثين والقاسطين والخوارج، وقطاع الطريق واللصوص والعياريين والطراريين، ومنكم أيضًا الدجالون والباغون والمرتابون، ومنكم أيضًا الغمازون والكذابون والنباشون، ومنكم أيضًا السفهاء والجهلاء والأغبياء والناقصون إلى آخره.
وذلك أن أول شيئًا ذكرت وافتخرتَ به أن منكم الملوك والرؤساء ولكم أعوان، وما علمتَ أن أكثر ملوك الإنس ورؤسائهم لينظر في أمور رعيته وجنوده وأعوانه، إلا لجر المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنه، أو لأجل من يهواه بشهواته كائنًا من كان، وليس هذا من فعل الملوك العقلاء، ولا عمل الرءوس ذووا السياسة الرحماء، بل من سياسة الملك وشرائعه وخصال الرئاسة، أن يكون الملك والرئيس رحيمًا رءوفًا لرعيته، مشفقًا متحننًا على جنوده وأعوانه؛ اقتداءً بسنة الله الرحمن الرحيم الجواد الكريم الرءوف الودود لخلقه وعبيده.
стр. 552
وهكذا لم يترك إخوان الصفا طائفةً ولا طبقةً إلا وصوبوا إليها سهام النقد، ونبال التقريع، لا لشيء إلا لكي يمحصوا هذا الإنسان الذين أرادوه أن يكون خالدًا، ولا لشيء إلا لكي ينقدوا أوضاع عصرهم بصراحة وصدق، قل نظيرها.
فكما ترى كتب إخوان الصفا قصة ضمنوها أبطالًا من الحيوانات مثلما فعل "إيسوب" وغيره ممن ألفوا هذا اللون من القصص، إلا إن هناك فروقًا بين ما صنعوه وما صنع "إيسوب"، فأبطال "إيسوب" كلهم حيوانات، على حين كان أبطال إخوان الصفا مزيجًا من الإنس والحيوان والجن أيضًا، كما أن حكايات "إيسوب" حكايات شديدة القصر، وتنزع إلى تقديم موعظة أخلاقية، أما إخوان الصفا فالأمر عندهم أوسع من ذلك مدى وأكبر، إذ يعالجون في قصتهم قضية فلسفية عميقة يقلبون فيها الرأي على كل جوانبه، بحيث يتبين لنا أن الحقيقة ذات أوجه متعددة، وأن الوصول إليها يحتاج إلى جهد وتقليب رأي، كذلك بينما نرى "إيسوب" قد ترك حكايات حيوانية كثيرة، إذ بنا لا نجد إخوان الصفا إلا تلك الحكايات التي بين أيدينا.
ولكن ما صلة رسالة إخوان الصفا بحكايات "إيسوب"؟ هل تأثر إخوان الصفات بحكايات ذلك الحكيم الإغريقي ذي الأصل الحبشي؟
ليس هناك دليل على أن هذا التأثر قد وقع، إلا أن يكون ثَمة تأثر غير مباشر، وهو ما لا نستطيع في الظروف الراهنة أن نضع يدنا عليه.
والخلاصة:
أننا في الوضع الحالي ليس في مكانتنا أن ندلي بجواب على هذا السؤال رغم ما يوجد من تشابه عام شديد العمومية بين العملين.
стр. 553
ونفس الشيء يقال عن الصلة التي يتصورها البعض بين أبي العلاء المعري و"لافونتين" الشاعر الفرنسي الذي كان يعيش في القرن السابع عشر الميلادي باعتبار كل منهما من مبدعي قصص الحيوان، فقد ناظر "لافونتين" ديوانًا كاملًا سماه "الخرافات" " La fable " نحا فيه منحى حكايات "إيسوب" و (كليلة ودمنة) وغيرهما، كما ذكر في إعلان عن ديوانه المذكور آنفًا، فعمله إذًا قصائد قصيرة يعرض في كل منها حكاية سريعة، أبطالها من الحيوانات والطيور وما إلى ذلك.
كما وصلنا عن المعري رسالة "الصاهل والشاحج" على لسان الحيوان أيضًا، إلا أن إبداع الشاعرين فيما عدا هذا التشابه العام الشديد العمومية، يختلفان اختلاف رسالة إخوان الصفا عن حكاية "إيسوب" كما أنه من غير المستطاع في الظروف الراهنة العثور على صلة تأثر وتأثير بين الشاعرين وإبداعيهما حسبما يتضح فيما يلي:
فبالنسبة إلى "لافونتين" كتب محرر المادة الخاصة به في النسخة العربية من موسوعة "اليوكبيديا" أن براعته التي تتميز بها موهبتُه تظهر في عمله المعروف باسم "لي فابل" أكثر من أي عمل آخر من أعماله، وسار الكثيرون على نفس درب "لافونتين" في كتابة القصة الخرافية وبخاصة ما يدور منها حول الوحوش، واستلهم الشاعر أعماله من أعمال كل من "إيسوب" و"هوراس" و"بوكاشيو" و"ايلستو" و"تاسو". كما استلهمها أيضًا من الأدب الهندي القديم مثل "البانش تنترى" وهي مجموعة من القصص الخرافية التي تدور على ألسنة الحيوانات. ولقد ذكر هو ذلك بنفسه إذ قال في إعلان له عن ذلك الديوان: هذا هو كتابي الثاني الذي يحوي قصصًا خرافية تدور على ألسنة الحيوانات أقدمه للجمهور، ولا بد
стр. 554
أن أعترف أن الجزء الأكبر من كتابي قد استلهمته من كتابات (كليلة ودمنة) وهو اسم آخر لمجموعة القصص الخرافية التي تدور على ألسنة الحيوانات المكتوبة بالهندوسية والبذوية المعروفة باسم "بانش تنترى" والتي كتبها "فيشنو" الحكيم الهندي.
وكانت المجموعة الأولى عبارة عن مائة وأربعة وعشرين من تلك القصص الخرافية، وتحمل عنوان "فابلشوازي" أي: خرافات مختارة، وشكل هذا الإصدار الأول ما يعرف الآن بالكتب الستة الأولى، وفيها احتذى "لافنتوين" حذو مَن سبقوه في كتابه هذا النوع من الأعمال مقتربًا جدًّا من أعمالهم، ولكنه تحرر من قيود الالتزام بأسلوبهم في المجموعات التالية، وهي المجموعات التي تظهر فيها العبقريات الحقيقية، وتظهر فيها أيضًا جرأة أفكار "لافنتوين" السياسية بالإضافة إلى مهارته وترحيل أفكاره عن الأخلاق، كذلك يتضح في سياق سرده القصصي إدراكه التام للطبيعة البشرية، وتمكنه الفني من صياغة أفكاره.
ويُنتقد "لافنتوين" أحيانًا بأن نظرته إلى الطبيعة الإنسانية نظرة متشائمة سوداوية بشكل غير مقبول، وتشبه إلى حد بعيد نظرة "لارشفكو" الذي كان الشاعر يشعر تجاهه بالإعجاب العميق، ويمكن أن يُرد على هذه الفكرة: بأن العمل هجائي. ولقد كان "لافنتوين" واحدًا من أبرز من كتبوا أعمالًا هجائية لا بد أن يتصل بالضرورة بالجانب المظلم من شخصية الإنسان، وليس بالجانب المشرق منها.
وربما أن يكون أفضل نقد لقصص "لافنتوين" الخرافية هو ما قاله اللغوي والمستشرق الفرنسي "سلفستر دو ساسي" عندما قال: إن تأثير قصص "لافنتوين" الخرافية يدخل السعادة على قلوب ثلاثة أجيال مختلفة، فالطفل يبتهج بالنظارة والحيوية التي تتميز بها القصة، أما دارس الأدب المتلهف فيجد فيها ضالته
стр. 555
المنشودة من الأدب تام الكمال الذي يظهر في طريقة السرد، بينما يستمتع الرجل المجرب ما فيها من تأملات بارعة في الشخصية الإنسانية وفي الحياة، ولم يقم أي شخص باستثناء البعض ممن قدموا أفكارًا عن "لافنتوين" تبدو مناقضةً مثل "روسُّو" وبعض أدباء مذهب الرومانسي مثل "مارتين" بإنكار أن الجانب الأخلاقي في قصص "لافنتوين" الخرافية له نفس التجدد والقوة التي يتمتع بها الجانب الأدبي منها.
وهكذا أصبح كتاب "لافنتوين" من الكتب التي يتم تداولها بشكل شائع داخل فرنسا وخارجها؛ لأغراض تعليمية للأطفال أو للكبار من الأجانب، بغرض تعليمهم اللغة الفرنسية.
ومن الأدلة الواضحة على جودة هذا الكتاب حقيقة أن هذا الاستخدام لهذا العمل الأدبي الفريد أو سوء الاستخدام -إذا صح التعبير- لم يستطِع أبدًا أن ينتقص من شعبيته كعمل أدبي، وقد قدم عمل "لافنتوين" المعروف باسم "لي فابل" نموذجًا سار على نهجه من بعده كل من كاتب القصص الخرافية "إيجناسك كرانسسكي" من بولندا، و"إيفان كراينوخ" من روسيا.
أما عن رسالة "الصاهل والشاحج" للمعري، فقد كتب محي الدين اللاذقاني بصحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ الحادي والعشرين من فبراير، سنة ألفين واثنتين، تحت عنوان: "أمة في مواجهة العدوان من منظور البغل والثعلب والحصان" أن عنوان الكتاب هو اسما بطليها الصاهل والشاحج وهما الحصان والبغل، اللذان أجرى المعري أفكاره على لسانيهما، وأشرك معهما في رواية الأخبار الثعلب والحمامة، لكن بأسلوب يختلف عن حكايات (كليلة ودمنة) وتوزيع حكمها وأمثالها.
стр. 556
وقد حضرت الحمامة واسمها "فاختة" في أول الرسالة لأغراض الكوميديا:
فارت الجمل من بغل لتنتقم لنفسها في مؤامرة ضمنية بينها وبين الحصان، ثم غاب ت عن المشهد مخلية المجال للبغل والحصان اللذين لم يفتح حواريتهما الطويلة إلا حضور الثعلب بأخبار ملك الروم، فقد كانت الأمة في مواجهة عدوان خارجي، والثعلب بمثابة وزير فيها، قريبًا لذلك الكائن المحدود المدارك في لحظة حاسمة من لحظات تاريخ أمتنا المجيد.
ويمضي اللاذقاني موضحًا أسباب تأليف تلك الرسالة، قائلًا: إنه كان لأبناء شقيق المعري قطعة أرض بور قريبة من حماة، وكان الوالي يلزمهما دفع الضرائب، وقد طلب منه أن يتوسط لدى حاكم حَلب الذي كان يولي ولاة تلك المناطق كي يسقط عنهما الضريبة، فاستصغر الأمر، ولما زاد الإلحاح العائلي قدحت الفكرة في ذهن الشاعر، فكتب لحاكم حلب عزيز الدولة تلك الرسالة الطويلة، ومدحه فيها على طريقة مدائح المتنبي لكافور، وأثنى على انقطاعه للنظر في علم العروض، ولك أن تتصور حجم السخرية المبطنة من حاكم حلب، وهو من أصل رومي، وكان تابعًا لـ"منجد كين الأرمني" غلام الحاكم بأمر الله، وهو يترك شئون المقاطعة المهددة بالغزو في كل لحظة، ويتفرغ للمناقشات الزاحفات، والعلل في عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، وما أضافه واستدركه الزجاج وآخرون.
ويمنح مؤلف رسالة "الصاهل والشاحج" في بعض المواقع إلى احتمال تعاون عزيز الدولة مع ملك الروم، فيستعين بوصول هدية منه إلى حاكم حلب، تتألف من عدد كبير من الغلمان، ثم يحاول أن يبرر أسبابها، وكل غرضه أن يثبت الخبر الذي أتاه به الثعلب.
وفي ملكية هؤلاء الغلمان عدة أقوال، فبعض الناس يشيعون أنه هدية ملك الروم، وآخرون يقولون: إن عزيز الدولة اشتراهم بماله، وتلك الرواية لا تقلق
стр. 557
المعري ولا يتقصاها بعد أن أثبت الخبر، فأهم من ذلك كله أن حاكم حلب قرر أن يختن غلمانه، فكان ذلك أحكمَ قرارٍ سياسي يتخذه.
وحديث المعري عن الأمة في مواجهة العدوان والاستعدادات لمقاومة الغزو المحتمل، كوميديا لغوية راقية، ففي هذه الرسالة شبه المجهولة يسيح المعري في الشمال السوري؛ ليعدد عوامل انتصار حاكم حلب الذي يتلهى بالعَروض والعدو على أبواب القلعة، فيجد أن النصر مضمون لغويًّا؛ لأن العدو حين يصل النيرب -وهي ضاحية من ضواحي حلب الحمدانية- ستصيبه الهزيمة حتمًا؛ لأن نيرب تعني في اللغة الداهية، وإذا مر جيش العدو بأرميناز -وهي بلدة قريبة من معرة النعمان- فالنصر مضمون؛ لأن أصلها إرميناز أي: غُلب فسكت، وعلى طريق الروم من أنطاكيا إلى حلب بلده تضمن النصر الأكيد لعز الدولة، وهي "بلانياس" المؤلفة كما يقول المعري من بلاء ويأس، وهي غير "بانياس" الساحل وهكذا.
وكانت الأمة أثناء كتابة هذه الرسالة التجريبية على السخرية تغط في نوم عميق، وشبابها في كل مكان سادر في غطيطه؛ لأنه كان كحالنا في بعض أقطارنا هذه الأيام، محكوم عليه بالنفي والاغتراب وعدم المشاركة السياسية، فهو كعنترة يدعى إلى الحرب ولا يدعى إلى المجالسة والمسامرة في أوقات اتخاذ القرارات الكبرى.
مما سبق يتبين أن المعري والشاعر الفرنسي لا يتشابهان إلا التشابه العام الذي نوَّهت به قبل قليل، وأنه لم تكن هناك في حدود علمنا صلة تأثر وتأثير بين الشاعرين، اللهم إلا إذا ثبت في مقبل الأيام أن "لافنتوين" قد اطَّلع رغم هذا على كتاب المعري وتأثر به على نحو أو آخر كما تأثر بـ (كليلة ودمنة) مثلًا حسبما قرأنا في إقراره ونفسه بذلك.
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
стр. 558
الدرس: ٢١ علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية، والمثاقفة بين الشعوب، وتحديد خصوصية الأدب العربي وبيان ملامحه .
стр. 559
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية ، والمثاقفة بين الشعوب، وتحديد خصوصية الأدب العربي وبيان ملامحه)
علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية
علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية والمثاقفة بين الشعوب، وبتحديد خصوصية الأدب العربي وبيان ملامحه.
العولمة: هي المصدر من عولم، وهو فعل مستحدث في اللغة العربية، شقاقًا من لفظ عالم، والمعنى اللغوي للعولمة: إكساب الشيء أو الأمر أو الشخص صفة العالمية.
وهذه العولمة هي ترجمة لكل مة "قلوبلايزيشن" المستحدثة بدورها في اللغات الأوربية، والمأخوذة من "قلوب" أي: الكرة الأرضية وإن كان العالَم في أصل استعماله أوسع كثير من الأرض، إذ هو الكون كله لا الأرض وحدها، لكن المجاز قام بدوره هنا، فاستخدم الكل وأريد به الجزء، وهذا أمر معروف في الاستعمالات اللغوية، وليس في الفعل عولم أية مشكلة من الناحية الاشتقاقية، فهذه الصيغة الفعلية إحدى ثماني صيغ أصلها من الثلاثي، زِيد فيها حرف بغرض الإلحاق، ومنها: فعلل، وفوعل، وفعول، وفعيل، وفيعل، وفنعل، وفعنل، وفعلى.
وجاء على هذا البناء الأفعال حوقل أي: قال: لا حول لا قوة إلا بالله، وخوزق أي: وضع على الخازوق، وهوجل أي: نام أو سار في الهجر، وهو الطريق غير الواضح، وبوتق أي: وضع في البوتقة، وجورب أي: ألبسه جوربًا، ونورج أي: درس بالنورج ... إلى آخره.
فالفعل -كما ترى- ذو أصل عربي، ويجري على قواعد اشتقاق العربي، فهو عربي مائة في المائة.
стр. 560
أقول هذا تعليقًا على تشكك الدكتور حسام الدين الخطيب في أن يوافق النحويين على استعمال هذا الفعل ومشتقاته، وتأكيده أنه لا يوجد أساس لغوي لكلمة عولمة، وقوله: إنه إلى حد علمنا تأخرت الجهات المختصة في معالجة هذا الأمر. ولعله يقصد المجامع اللغوية، فها نحن أولاء قد وضحنا الأساس المعجمي والصرفي لتلك الكلمة، فلا خوف إذًا من استعمالها فهي عربية تمامًا كما قلنا منذ قليل.
وليس من المعقول أن نقف حيارَى في كل مرة تقابلنا مثل تلك المسألة، بل علينا أن نعمل حسنا اللغوي ومعارفنا النحوية والصرفية والمعجمية، مستلهمين ذوقنا الذي اكتسبناه بممارسة لغتنا العبقرية التي لا يعجزها شيء، اللهم إلا خوف بعضنا أو تردده أحيانًا دون مسوغ.
هذا من جهة التأصيل اللغوي.
أما من الناحية الاصطلاحية لكلمة العولمة، فتقول المادة المخصصة له في "الموسوعة العربية العالمية": يطلق هذا المصطلح الذي انتشر في التسعينيات من القرن العشرين على عملية التداخل الثقافي بين أنحاء العالم المختلفة، وما ينتج عن ذلك من تأثير ثقافي وسياسي واقتصادي. والعولمة ترجمة لمصطلح إنجليزي، وقد اشتقت بالعربية من توحد العالم بتوحد المؤثرات الثقافية أو الحضارية، تحدث في العولمة نتيجة التطور الهائل في وسائل الاتصال بين المجتمعات والدول، وانتقال المؤثرات من بلد إلى آخر بسرعة لم يسبق لها مثيل.
فالاتصالات الهاتفية عبر الأقمار الصناعية، والمحطات الفضائية التلفازية، وانتقال الناس عبر المواصلات السريعة من طائرات وغيرها، كل هذه عوامل تزيد من تداخل الشعوب والثقافات ببعضها البعض. ونموذج الأخبار التي تنقلها
стр. 561
شبكات التلفازية المنتشرة عالميًّا مثال على توحد العالم في معلومات إخبارية واحدة تقريبًا. ومن الأمثلة الواضحة أيضًا ما يحدث على مستوى الحاسبات الآلية ودخولها في شبكة من الاتصالات التي تربط مستعملي الحاسب الشخصي والحاسبات المركزية الضخمة في نظام واحد يُطلق عليه "الإنترنت".
لكن العولمة مثل التعددية الثقافية لم تؤد -كما يرى- الكثيرون إلى تعددية متساوية أو متوازية في المؤثرات الثقافية، وإنما تعكس الوضع الحضاري العالمي الذي يهيمن فيه النموذج الحضاري الغربي على غيره من النماذج، وإذا كانت تلك الهيمنة لا تتخذ شكل المواجهة المباشرة كما كان يحدث في الاستعمار الأوربي القديم للشعوب الأخرى، فإنها تتمثل في نوع من الزحف الحضاري السلمي وغير المباشر، كانتشار مطاعم الهمبورجر الأميركية، أو ملابس الجينز، أو أغاني الروك، أو من خلال سلاسل الفناقد الأميركية أو الأوربية أو شبكات التلفزيون الغربية، فعلى الرغم من أن هذه لم تنتج عن محو غيرها من المؤكلات أو الملابس أو أشكال الثقافة والاستثمار الاقتصادي الأخرى، فإنها زاحمتها إما إلى درجة الحد من الانتشار أو إلى ما يشبه الإلغاء التام، وذلك نتيجةً لأسباب كثيرة من أبرزها: عدم التكافؤ في المنافسة الاقتصادية.
ومن هنا فإن هناك من يرى أن العولمة أدت وتؤدي في كثير من الأحيان إلى هيمنة نموذج حضاري واحد هو النموذج الغربي الأميركي في المقام الأول.
ويحاول بعض المتحمسين للعولمة الثقافية أن يقنعوا الناس بأنها سوف تؤدي إلى إلغاء مختلف الحواجز التي ظلت قائمة تاريخية، ومن ثَم إلى زيادة التفاهم بين البشر والقضاء على التعصب والتنميطات؛ قفزًا فوق الحواجز الجغرافية والتاريخية والعرفية والدينية، وما إلى ذلك، ولا شك أن المشباك -أي:
стр. 562
الإنترنت- قد قرَّبَ المسافات بين الناس، وجعل الاتصال بين أي فرد وآخر في العالم في منتهى السهولة، دون أن يكون بالضرورة من وطن واحد أو دين واحد أو أصحاب لغة واحدة.
ولكن هل يعني هذا أنه سوف تكون هناك مساواة بين الثقافات والجنسيات واللغات المختلفة؟ لا نظن ذلك، إذ لا شك أن أية علاقة بين طرفين إنما تعكس قوة كل طرف بالنسبة إلى الآخر، وليس من المعقول أن يتنازل الطرف القوي أو الأقوى عن ميزته ويسوي نفسه بالطرف الآخر، لا لشيء إلا لكي يكون مخلصًا لمفهوم العولمة، ذلك أننا لا نحيا في عالم من الملائكة، بل في عالم من البشر، فيه من النزوع إلى السيطرة والتعصب لما يخصهم، والرغبة في استدامة ما يميزهم عن غيرهم. فتلك طبيعة البشر: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣).
وكما أن الدول الكبرى -وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية- تعمل على السيادة على الدول الأخرى في مَيْدان الاقتصاد والسياسة، فما الذي سوف يجبرها على أن تتخلى عن رغبتها تلك في ميدان الثقافة والآداب؟
بل إننا في ميدان اللغة نرى بأم أعيننا كيف أن السيادة في عالم السياسة والإنترنت وغيرهما هي اللغة الإنجليزية، وهو ما لا يمكن أن يتنازل عنه أصحاب هذه اللغة أبدًا، فيسووا بين لغاتهم وسائر لغات العالم، وهذا إن كان لكل لغة من المقومات والمؤهلات ما نجعلها تنجح في الوضع الراهن دفعةً واحدةً في مجال التسوية، ولا نظن ذلك، إذ ليس من المعقول أن ترتقي كل اللغات والثقافات والأمم دفعةً واحدةً إلى المستوى الذي بلغته اللغة الإنجليزية في هذا المجال عبر أزمان طويلة.
ونحن حين نقول ذلك لا نقصد أن اللغة الإنجليزية أفضل من غيرها من اللغات في حد ذاتها، فأنا -مثلًا- أؤمن أن العربية أفضل منها وأكثر ثراءً من ناحية المزايا
стр. 563
الذاتية، أي: المزايا المتعلقة باللغة ذاتها وتاريخيها وأوضاعها الطبيعية، إلا أن الأمر لا يُحسم بهذه الطريقة، بل الذي يحسمه هو مدى تقدم الأمة صاحبة اللغة بما لديها من تقدم علمي وقدرات، ومطامع ثقافية وأدبية وسياسية، وما إلى ذلك، فهل تتساوى كل الدول والشعوب في هذا؟ بطبيعة الحال لا، وإلا فلِمَ كان كل هذا التفاوت الذي نلمسه جميعًا في المجالات المذكورة وغيرها بين دول العالم وشعوبه؟
كما أن أميركا وإنجلترا تعملان على دوام الانتشار الواسع الذي تحظَى به لغتهما سواء في المحافل والمؤسسات الدولية، أو في مجال الاستعمال الفردي في الحياة اليومية، أو الحياة الثقافية أو الأدبية، ليس ذلك فقط بل إننا لا نسمع أن الدول الكبرى -وعلى رأسها أمريكا كالعادة- تستغل هذه العولمة بالإضرار بالشعوب الأخرى دون وازع من ضمير.
وأمامي الآن مقال كتبه جمال سلطان في جريدة "المصريون الضوئية" يتعرضون لمخاطر العولمة الناتجة عن أنانية بعض الدول ورغبتها الجامحة في الهيمنة على العالم، حتى لو كان ثمن تلك الهيمنة إنزال الأذى الشديد بالشعوب الأخرى بل إبادتها إن أمكن؛ كي تعيش هي في سيادة مطلقة لا يعكر من صفو سيادتها أحد، وهذا أمر لا غرابة فيه فقد سبق أن أباد الأمريكان شعبًا بأكمله يقدر عدد أفراده بعشرات الملايين إن لم يكن بمئاتها، ألا وهو شعب الهنود الحمر، الذي كان يسكن القارة الأمريكية الشمالية إلى أن خلا الجو تمامًا لهم، وأصبحوا هم أصحاب البلاد التي لم تكن لهم في يوم من الأيام، وأصبح الهنود في خبر كان.
يقول جمال سلطان في الجريدة المذكورة بتاريخ الرابع من أكتوبر، سنة ألفين وتسع ميلادية، تحت عنوان: الخوف يجتاح العالم، انتشرت عبر أنحاء العالم
стр. 564
خلال الأسابيع الماضية احتجاجات واسعة على عملية فرض اللقاح الجديد لمرض أنفلونزا الخنازير، الاحتجاجات ليست وقفًا على العالم الثالث وحده، بل هناك خبراء وأطباء في الولايات المتحدة وأوربا ينشرون تقارير خطيرة على شبكة الإنترنت، تتحدث عن مخاطرَ جسيمة ترقى إلى مستوى الجرائم الإبادة الجماعية ترتكب في حق الشعوب بتعمد تعميم وفرض اللقاح الجديد.
الاتهامات المنشورة تتحدث عن أصل فيروس أنفلونزا الخنازير، وأنه فيروس مركب في معامل متخصصة، أو كما يقول أحد هذه التحذيرات نصًّا: إن التحليل الدقيق للفيروس يكشف عن أن الجينات الأصلية للفيروس هي نفسها التي كانت في الفيروس الوبائي الذي انتشر عام ألف وتسعمائة وثمانية عشر ميلادية. بالإضافة إلى جينات من فيروس أنفلونزا الطيور، وأخرى من سلالتين جديدتين H٣N٢، وتشير كل الدلائل إلى أن أنفلونزا الخنازير، هو بالفعل فيروس مركب ومصنَّع وراثي.
انتهى النص.
والحقيقة أنني ألاحظ موجات غير مسبوقة من إشاعة الخوف والرعب من هذا المرض على مستوى العالم كله، رغم أن الواقع العملي يقول: بأن مستويات في الإصابة به محدودة جدًّا إذا قِيست بالأمراض الوبائية الأخرى المنتشرة في العالم، كما أن المخاطر العملية حتى الآن التي يتسبب فيها لا تتسق مع حالة الترويع التي تنتشر الآن، فمِن بين قرابة ثلاثمائة إصابة حدثت في مصر تم شفاء جميع المصابين فيها تقريبًا، وكلهم قالوا: إنها أشبه بالأنفلونزا العادية، وحالتا وفاة فقط حدثتا، وكلتاهما ليست بسبب أنفلونزا الخنازير، وإنما بسبب إصابة الضحايا بأمراض خطيرة أخرى مثل القلب، جاءت الأنفلونزا مع الإهمال كسبب معاون في الوفاة.
الاتهامات التي تدور الآن على نطاق واسع في شبكة الإنترنت وعبر تصريحات أطباء في مصر وبلدان عربية وأوربية مختلفة، تطرح علامات استفهام حقيقية حول عملية ابتزاز العالم بالخوف والرعب، المحتجون يتحدثون بمنطق لا يمكن
стр. 565
دحضه، وهو أننا أمام إصابات بالأنفلونزا لعدد لا يتجاوز عدة عشرات من الآلاف على مستوى العالم كله، ونحن نريد أن نحقن مليارات البشر عبر العالم بلقاح جديد ومريب، وقد ينتج عنه كوارث طبية لا نعرف جوهرها إلا بعد سنوات. البعض قال: إن نتائج اللقاح الجديد تظهر أعراضها الجانبية بعد سنة واحدة، فكيف نعرض مليارات البشر للمخاطرة التي تصل إلى حد الإبادة، بدعوى تحصينهم من مرض لا يمثل حتى هذه اللحظة بالدليل العملي أي خطر جسيم يهدد البشرية، وكل ما نسمعه خطب ودعايات تشبه الترويج لمنتجات شركات المنظفات، ومعجون الأسنان في الصحف والقنوات التلفزيونية.
المحتجون يستدلون بأن "تشيكيا" أوقفت استخدام لقاح أنفلونزا الطيور قبل سنوات بعد أن اكتشفت أنه يحتوي على مواد تسبب السرطان، وتم وقف تعميمه في أوربا من لحظتها. ويقولون اليوم: إن لقاح أنفلونزا الخنازير يحتوي على مواد خطيرة للغاية، من أعراضها أمراض نفسية وعصبية، وتدمير للخصوبة وأمور أخرى.
الناس في حيرة، والحقيقة أن ما نحن بصدده الآن إحدى كوارث العولمة، فبقدر ما عاش العالم إيجابيات ثورة الاتصال والمواصلات والقرية الكونية الواحدة، فإنه يعيش اليوم مخاطر وسوءات تلك القرية الواحدة، فإن أي خطأ أو تلاعب في شركة أو مؤسسة في عاصمة في شرق الدنيا أو غربها، يمكن أن يعرِّض سكان نجع بعيد في صعيد مصر لخطر الإبادة من دون ذنب جَنَوْه، والعالم اليوم أمام أزمة انعدام الثقة، لا أحد يثق في التصريحات الرسمية لا أحد يثق في أمانة ونزاهة مراكز الأبحاث، لا أحد يطمئن أبدًا لتقارير شركات الأدوية، والناس ممزقة بين خوفين؛ خوف النصابين العالمين، وخوف الأمراض المجهولة النسب والمصدر والخطر.
انتهى كلام جمال سلطان.
следующие страницы →