اتجاهات الشعر العربي المعاصر
تمهيد
كانت النية تتجه؟ حين أخذت في رسم حدود هذا البحث - أن يكون دراسة مبسطة موجزة، ولكن المطلبين: التبسيط والإيجاز قد يقعان في تعارض أحيانا، فالتبسيط مثلا يتطلب القدر اليسير من الأحكام النظرية والقواعد الفكرية، والإكثار من الأمثلة والمقارنات، والإيجاز يعني الاكتفاء بأمثلة قليلة. ثم أن التبسيط في ميدان الشعر المعاصر ناشب؟ طواعية - في أنواع مختلفة من الصعوبات، قد يكون غاية في ذاته، حين يراد تقريب هذا الشعر للقراء، ولكن هذا لا يعني أن " عملية " التبسيط سهلة، أو أنها ممكنة في بعض المواقف. ثم أن من يريد أن يكتب بحثا في " اتجاهات " الشعر المعاصر، يحتاج إلى أن تكون بين يديه دراسات عن أفراد الشعراء، وإلا ذهب؟ كما ذهبت - يدرس كل شاعر على حدة، ليتخلص من تلك الدراسة المطولة بعض الظواهر التي يدرجها تحت عنوان " الاتجاهات "، وهذا يعني أن البحث المبسط قد استغرق جميع الجهد المبذول؟ والوقت الطويل - في عدد كبير من دراسات غير مبسطة.
ثم أن تقريب بحث ما إلى أكبر عدد ممكن من القراء يعتمد على المنهج نفسه الذي اختاره المؤلف، وقد اخترت منهجا لا يعد في نظري ابسط المناهج في العرض والتوضيح، وان حاولت أن اجعل المحتوى واضحا بقدر الإمكان، ذلك أني وجدتني أقف بين أمرين: بين أن اختار طريقة مألوفة في دراسة الشعر: من خلال الاتجاه السياسي، أو الاتجاه القومي، أو الاتجاه؟ الخ، وبين أن أكون أقرب
стр. 2
إلى روح الشعر الحديث من حيث اعتماده العمق النفسي والفكري، فاخترت الثاني، لأن النوع الأول من الدراسة يحيل الشعر إلى وثائق، دون أن يركز البحث حول فكرة؟ أو أفكار - معينة، فيغدو أشبه شيء بالعرض التاريخي والوصف السطحي، لمظاهر، لا يعد الشعر أهم شواهدها أو وثائقها، وقد يكون المنهج الذي اخترته وثائقيا إلى حد، ولكنه متصل بحقيقة الشعر، لا بحقيقة التاريخ، ومحمله الفكري أعمق، والقدرة فيه على اكتشاف الفعاليات الفكرية والنفسية أرحب مجالا، ورغبة في تجنب " الوثائقية " المحض، وجدتني في الغالب - أقف عند النماذج التي أجدها ذات قيمة فنية في ذاتها إلى جانب ما قد يكون لها من قيمة " وثائقية "، وكل باحث يعرف أن الشعر حين يستخدم وثيقة يستوي فيه الجيد والرديء، بل كثيرا ما تكون النماذج الرديئة اكثر دلالة حين يستشهد بها، لأنها أكثر طواعية وأبعد عن " حذاقة " الفن ودقته. وقد كان هذا النهج الذي أخذت به نفسي، مصدرا لصعوبة جديدة، لا أعني بذل الوقت الطويل في الانتقاء، وأنما أعني الصعوبة التي تقف عائقا دون التبسيط المراد.
وقد كان من حسنات هذا المنهج أنه يمكن القارئ من إدراك " الركائز " الهامة في مواقف الشاعر، وفي شعره، ولكن من سيئاته أنه يحجب تطور هذا الشعر، كما يحجب التفاوت في مدى التطور، فهنا شعراء يؤخذون معا في نطاق واحد، دون إبراز شمولي للدور الحقيقي لكل شاعر، ولمكانته الصحيحة في تيار الشعر الحديث، كذلك كان في إخضاع هذا المنهج للإيجاز مأخذ آخر وهو الاكتفاء بذكر عدد محدود من الشعراء والإعراض عن ذكر آخرين، والشعراء العاصرين كثيرون، وإنتاجهم غزير، لهذا أجد أنه لا بد من القول بأن إغفال شاعر لا يعني عدم الاهتمام بشعره
стр. 3
أو الجهل بمكانته، ولكني إنما أقدم نموذجا وحسب، وأنا وإن كنت لم أحط بكل الشعر المعاصر؟ على وجه الشمول - فإني درست أضعاف أضعاف العدد الذي ذكرته من الشعراء.
وحين ترد كلمة " المعاصر " في عنوان هذا البحث، فإنها قد تتسع لتشمل الشعر منذ مطلع هذا القرن، وقد تضيق فتقتصر على شعراء الحقبة الأخيرة، ففي هذه اللفظة من الخداع الزمني ما في لفظة " الحديث "؟ على تفاوت في ذلك الخداع - وقد أثرت أن أقصر هذا البحث على الثلاثين سنة الأخيرة، لعدة عوامل: منها أن ما قبل هذه الفترة قد دارت حوله دراسات كثيرة، بينا لا تزال هذه الفترة بحاجة إلى مزيد من الدراسات، ومنها أن شعر ما قبل هذه الفترة لا يمثل مشكلة تحتاج تبسيطا، لأنه مباشر متصل بأسباب التراث على نحو وثيق، ومن تلك العوامل أيضا أن الإيجاز لن ينصف هذه الفترة لأنه؟ في أكبر تقدير - سيمنحها إلى جانب غيرها فصلا واحدا، وهذا مجال محدود لا يكاد يتسع لحركة شعرية مديدة الأبعاد كثيرة المظاهر.
وحين آخذت في هذه الدراسة كنت أعلم يقينا؟ سواء اعتمدت التبسيط أو لم أعتمده - أنني رضيت بالحد الأدنى من دور الناقد التحليلي التشريحي، وكنت كذلك أعلم علما ليس بالظن، أن هذا الناقد يعاني أزمة بالنسبة للشعر الحديث، ذلك لأنه يحاول ويفسر، وقسم كبير من هذا الشعر يستعصي على التحليل والتفسير، وأن هذا الناقد يتقدم من الشعر مزودا بقيم ومعايير ومقاييس آلفها، ودرج على استعمالها، وأنه لا يستطيع أن يتخلى
стр. 4
عنها، لا لجمود فيه، أو انغلاق في نظرته، بل لأنه يعجز أن يطور كل يوم قيمة جديدة، لو كان تقييم الشعر الحديث أو ذلك الجانب منه؟ يعتمد فيها جديدة - ثم أنه لا يستطيع أن يعمل دون قيم في ميدان يرفض كل تقييم " من الخارج ".
ذلك أنه بتأثر من السريالية قد جدت أشياء كثيرة في النظر إلى الشعر ومهمته: إذ لم يعد الشعر صورة من صور الأدب بل أصبح شيئا مستقلا، والفرق بينهما أن الأدب نتاج فعل الموهبة داخل حدود مرسومة، وأن الشعر كشف ذو مهمتين، تحويل العالم وتفسير العالم، أو كما يقول بريتون: " أن دور الشعر أن يظل يتقدم دون توقف، أن يكتشف مجال الإمكانات في كل وجهة، وأن يبدو دائما؟ مهما يحدث من أمر - قوة تحريرية ورصدية ". وعلى هذا الأساس يصبح انفتاح الشعر للفهم هو الدور الأكبر للكشف، لآن مهمة الشاعر الأولى هي إخراج اللفظة من الحيز العقلي، حتى تصبح الكلمة قادرة على أن تعبر " عن فعالية الروح وحاجتها " أي تصبح ثورة، وتصبح " لعبة الكلمات "، بما فيها من إيحاءات صوتية، أهم بكثير من قيمتها السمانتية (الدلالية) . ولهذا يتسم جانب كبير من الشعر الحديث بالغموض لأن الشعر لا يخضع للمواصفات العقلية، أي لا يقصد فيه التوصيل المباشر بين الشاعر والجمهور، وإنما يكون هذا التوصيل بمقدار ما تتمتع به لغة الشاعر من نزعة ثورية، بل أن هذا التوصيل غير وارد إذا لم يكن هنالك جمهور يستطيع ذلك، لأن هذا الجمهور سيتكون مع الزمن.
مثل هذا الموقف يحدد دور الناقد التحليلي، فيكون ما يقوله في تحليل هذا الشعر تسورا منه على حمى ذلك الفن، أو شيئا لا يثير الاهتمام، لأنه مرتبط بمعايير لا يقرها
стр. 5
أصحاب هذا الشعر. غاية ما يمكن هذا الناقد أن يقوله هو أن يبين ميزة الشعر بخروجه على المألوف، أو يصوغ نقده في شكل شعري، فيصبح النقد لونا من الشعر، يتحدث فيه الناقد بلغة شبه خاصة، خارجة عن حدود الفهم أو الحيز العقلي أيضا. وقد شاع هذا اللون من النقد، في الأيام الأخيرة، حتى كاد يحجب ما عداه. وهو لا يلغي دور الناقد وحسب، بل يوقع الدراسات الجامعية للشعر، في ظل الاستخفاف والاستهانة. غير أن مما يشفع لهذه الدراسة ويسوغ وجودها أن هذا التيار لا يمثل كل الشعر الحديث، حتى اليوم، وأن كان يبدو تيارا قويا، يضم عددا كبيرا من الشعراء، ولقوته استطاع أن يستميل إليه بعض الذين كانوا يسيرون في تيار الوضوح، ويتجهون بالشعر نحو غايات أخرى، ويقيمون جسورا متينة بينهم وبين الجمهور المتلقي للشعر.
ومهما يكن من شيء فإن الدارس الذي يقدم لهذا الجمهور نفسه كتابا مبسطا، لا بد من أن يدرك حدود مهمته، وهو إذ لم يكن مؤرخا متزمتا - يستطيع أن يجعل " قيمه ومعاييره " مرنة "، فيعالج التيارات والاتجاهات بقبول " فكري "، متخطيا بذلك كل الأغلال " المعيارية " التي قد تحول دون ذلك.
ذلك ما حاولته هذه الدراسة، في مجملها، دون أن ندعي نجاحا كاملا، في تلك المحاولة.
وقد كان من المتوقع أن أخصص فيها فصلا للحديث عن الاتجاهات التي سلكها الشعر المعاصر في الشكل، ولكن حال دون ذلك أمور منها أن هذه الدراسة تعز على التبسيط
стр. 6
جملة، وتدخل في التفصيلات الدقيقة لطبيعة الكلمة والصورة والوان المبنى؟ الخ، كما أن تفاوت هذه الوسائل وأهدافها في الشعر المعاصر يكاد لا ينضبط، وهو حقل جدير بدراسة مستقلة أو بعدد من الدراسات.
بعد أن بسطت الموقف، بصراحة، أرجو أن يعذرني القارئ، إذا لم يجد هذا الكتيب المتواضع إجابة عن كل توقعاته، واستفساراته، وأني لأرجو أن أوفق إلى وضع دراسة شاملة، يكون هذا البحث نواة صغيرة فيها، والله الموفق (١) .
برنستون في٢ حزيران (يونيه) ١٩٧٧
إحسان عباس
стр. 7
" ١ "
نظرة تاريخية موجزة
كان ذلك في سنوات الحرب، وكنا يومئذ ما نزال نستقبل أنباء المعارك الأدبية بشيء من المتعة التي تستقبل بها أفلام العنف في هذه الأيام، وقد استوقف انتباهنا خبر نشرته مجلة الرسالة المصرية في عددها (٥٦٨) ، توقعناه بداية لمعركة تستشري، ويملأ الآفاق غبارها، وكان عنصر التحدي يلتمع في هذه الكلمات القليلة: " وأتعهد بجائزة مالية قدرها خمسة جنيهات مصرية أدفعها إلى من يستطيع فهم معاني تلك القصيدة وشرحها "، وأعجبنا التحدي، دون أن يكون لنا مطمع في الجائزة، وكانت يومئذ مغرية، وأغرب كثيرون منا في الضحك، وهم يقرأون القصيدة التي يدور حولها التحدي، بعنوان " إلى زائرة ":
لو كنت ناصعة الجبين ... هيهات تنفضني الزياره
ما روعة اللفظ المبين ... السحر من وحي العباره
ظل على وهج الحنين ... رسمته معجزة الإشاره
خط تساقط كالحزين ... أرخى على العزم انكساره
ماذا بوجد المحصنين ... صوت شبح خلف الستاره
غيبت في العجب الدفين ... معنى براعته البكاره
درا يقوت الناظمين ... ونهضت تهديني بحاره
خطوات وسواس حزين ... وهب تعميه الطهاره
стр. 8
وحين استحال رنين الضحكات إلى صدى باهت، بدأ صوت النقد محتجا، مجلجلا، فتسمع واحدا يقول: مشكلتي في هذه الأبيات أنني لا أستطيع أن استكشف العلاقة بين واحدها والآخر، وثانيا يقول، ما العلاقة بين نصاعة الجبين والزيارة التي تنفض، (وكيف تفعل الزيارة ذلك، أتراها تيارا كهربائيا؟!) وثالثا يقول: كيف يكون الظل على الوهج، وكيف يتساقط الخط، ورابعا يقول: ربما كان في هذه الأبيات إشارات غريبة إلى البكارة المطلقة في الكون والأشياء، ومن ثم يكون وجد المحصنين، ويكون الدر المغلق في بحار لا نهائية، وتكون الطهارة هي الهدية الكبرى من هذه البكارة الكلية، ولكن؟ لا أدري، ثمة علاقات بين الألفاظ والجمل والصور لا أستطيع أقامتها على نحو مقنع.
وخاب فألنا، لا لأن أحدا منا لم يستطع أن يحظى بالجائزة المرصودة، بل لأن ذلك التحدي لم يجر إلى معركة، تتناثر فيها الأشلاء يمينا وشمالا، إلا أن ذلك التحدي، فتح الباب واسعا، للتذمر مما كان يحاول الشعر أن يروده وأن يحققه، ذلك أن مجلة الرسالة نفسها نشرت؟ بعد عددين - تحديا آخر ممهورا بإمضاء (أ. ع) حول قصيدة بعنوان " من خريف الربيع " لمحمود حسن إسماعيل، يقول كاتبه: " فليتفضل منهم متفضل فيشرح لي هذه القصيدة شرحا تلتئم به أجزاؤها وتجتمع أوصالها، وتتكشف به غرائب مجازاتها وعجائب استعاراتها وبدائع أسرارها "، وكانت مجلة الرسالة قد نشرت هذه القصيدة نفسها في عدد سابق، وفي ما يلي مقطعان منها:
стр. 9
ذهبت للروض في الصباح ... مقيد اللحن والجناح
وفيه ما من أغان ... مطولة الشدو بالجراح أوتار أطياره سكارى ... يعزفن وجد الخميل نارا ... سعيرها خمرة الحيارى ...
حثت إليه الرؤى خطاها ... وخلفها انسابت الدموع
سيان في قبضة الرياح ... شوك الجلاميد والأقاحي
فكم رحيق بلا دنان ... وكم دنان بغير راح وكم ربيع لنا توارى ... تود لو كانت العذارى ... لسحره الغائب انتظارا ...
ماتت لياليه في صباها ... (١) فهل لأحلامها رجوع بين الاحتجاجين؟ رغم تفترتهما - علاقة اساسية، فكلاهما يلح على إيجاد شرح يجعل القصيدة مفهومة، أي يوضح الصلات المعنوية بين أجزائها، من خلال تبيان العلاقات اللغوية والنحوية والمنطقية، وبالتالي العلاقات الفكرية، وتلك ظلت تلازم الشعر العربي في جميع عصوره، وتخضع البيت أو القطعة أو القصيدة لهذا السؤال الخالد: ما معنى هذا البيت أو هذه القطوعة؟ وماذا يعني الشاعر حين يقول كذا وكذا؟ ورغم شيوع الحديث في أوساط النقد الرومنطقي يومئذ عن تأثير الشعر في
стр. 10
الشعور وعن قدرة الشعر على الإيحاء الذي يعز على الفهم أحيانا ظل المقياس الأول في النظرة إلى الشعر هو مدى قابليته للفهم وقبوله للتفسير.
ويزيد الاحتجاج الثاني على الأول أمرين آخرين، فهو يتطلب إلى جانب الفهم وحدة في القصيدة من نوع ما يسميها " التئام الأجزاء " ويضيف كلاما مبهما عن " غرابة المجازات والاستعارات "، وكلا الأمرين يرتدان إلى قضية الفهم أيضا، فأما التئام الأجزاء فأنه يعبر عن ضيق بما يمكن أن يسمى التفكك الظاهري ي قصيدة محمود حسن أسماعيل، وعن حيرة إزاء الوثبات التخيلية فيها، دون أن يعني الناقد نفسه بالبحث عن استمرارية السياق. ا، أن يفتش فيها عن روابط داخلية، أو لعلع بحث وفتش أدركه الإعياء والعجز. وأما غرابة المجازات والاستعارات فأنها هي التي ألقت القصيدة؟ في نظر ذلك القارئ - بين ضباب الغموض، ولعله تساءل: كيف تكون الأغاني مطولة الشدو بالجراح؟ وكيف يكون للرؤى خطى؟ وكيف يكون للخميل وجد، وإذا كان ذلك جائزا فكيف يعزف ذلك الوجد نارا؟ ونتذكر في هذا المقام تلك الأسطورة الجميلة التي تقول أن رجلا بعث إلى أبي تمام يسأله زجاجة مملوءة بماء الملام فأجابه الشاعر أنه لا يرى بأسا بذلك على شرط أن يبعث إليه ذلك الرجل بريشة من جناح الذل: قضية أخرى كبيرة واكبت الشعر العربي في جميع عصوره، ولعلها أن تكون أرسخ القواعد التي أسست عليها فكرة عمود الشعر، أعني: المقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وكأني بالاحتجاجين يقولان: حذار! أن الشعر المعاصر يومئذ قد أخذ يخرج على عمود الشعر حين جنح إلى مبارحة دائرة الفهم فإن القصيدتين ممعنتان في المحافظة: إحداهما
стр. 11
تجري على قافية في الصدر وقافية في العجز، وهو أمر يوحي بالتزمت في التزام نغمتين على طول المقطوعة، وأما الثانية فإنها رغم إفساح القافية في كل مقطوعة منها؟ على حدة - ترسف قس قيود التكرار بحيث تجيء كل مقطوعة مشابهة للأخرى في ما التزمته من تقفية (١) .
ومن الغريب أن ريح الثورة لم تهب من هذا المنطلق، أعني منطلق الصراع بين الفهم والإيحاء، وبين بعد الاستعارات أو قربها، وإنما انبعثت لتحطم تلك الإنضباطية في الشكل، سواء أكان ذلك الشكل قائما على شطرين أو على أساس توشيحي متنوع متكرر، كالذي تمثله القصيدتان، وكأنما كان الشعر يفتش عن طريقة تخلصه من الشكل الصارم، في القصيدة والموشح على السواء، وتمنح العبارة امتدادا والتصوير استقصاء دون التخلي عن نوع الإيقاع المنظم بادئ ذي بدء -. وقد أصبح من المعروف أن الرواد العراقيين: نازك والسياب والبياتي كانوا هم رسل هذه الثورة بتأثير من الشعر الإنكليزي، وكانت ثورتهم في شكلها الأولي تمثل تخلصا من رتابة القافية الواحدة (دون الاستغناء عن القافية تماما) وتنويعا في عدد التفعيلات في السطر الواحد (دون مبارحة الإيقاع المنظم) ، وليس من هم هذا البحث الموجز رصد المحاولات السابقة في تاريخ الشعر العربي للتخلص من أسر الشكل الصارم، وإنما الذي يميز هذه الحركة عن كل ما سبقها أن اعتمادها للشكل الشعري الجديد أصح مذهبا لا استطرافا، وأن إيمانها بقيمة هذا التحول كان شموليا لا محدودا، وأن أفرادها في حماستهم لهذا الكشف الجديد رأوا وما زالوا يرون؟ عدا استثناءات قليلة - أن هذا الشكل يصلح دون ما عداه وعاء لجمع أنواع التجربة الإنسانية إذا أريد التعبير عنها بالشعر.
стр. 12
وكثيرا ما تساءل الدارسون: من هو الرائد الأول في هذا المضمار، إذ كانت الأسبقية للاهتداء إلى الشكل الجديد متنازعة بين نازك والسياب (١) ، وأرى أن هذه المسألة؟ على هذا النحو - طفيفة القيمة، لأن محاولات كثيرة تمت قبل ذلك، وكان أكثرها؟ كما قلت فيما تقدم - استطرافا أو تجربة عابرة، ولعل نازك أول من شمل هذا الكشف بالإيمان العميق والوعي النقدي الدقيق، في مقدمتها على ديوان شظايا ورماد (١٩٤٩) ، ويبدو أن هذه المقدمة هي التي أوجدت للتيار الشعري الجديد مسوغاته الفكرية، وقرنت بين التجربة العملية والسند النظري، ومن اللافت للنظر أن نازك حين شاءت أن تعلل ضرورة شيء من التحرر من قيود الشكل القديم ربطت ذلك بفكرتي الإيحاء والإبهام اللتين تحدثت عنهما في مطلع هذا الفصل، فاتهمت اللغة العربية بأنها لم تكسب بعد قوة الإيحاء، ودافعت عن الإبهام لأنه " جزء أساسي من حياة النفس البشرية، لا مفر لنا من مواجهته أن نحن أردنا فنا يصف النفس ويلمس حياتها لمسا دقيقا "، فكانت بهذا الموقف تجمع بين طرفي الثورة، والتقرر نهجا شعريا يتجاوز التغييرات الشكلية الخالصة ليتبنى؟ في تسامح - المؤثرات الرمزية التي تمثلها قصيدة " إلى زائرة " والإيحاءات السريالية التي تبشر بها قصيدة محمود حسن إسماعيل، وحين ربطت بين الحلم والشعر فتحت باب اللاوعي على مصراعيه دون احتراس.
وفي تلك المقدمة نفسها عبرت نازك؟ دون تحفظ أيضا - عن إيمانها المطلق بضرورة الشورة الشعرية، وبالتغيرات التي ستحدثها، وكانت تبدو في ذلك على استعداد لتقبل تلك النتائج أيا كان لونها حين تقول: " والذي أعتقده أن الشعر
стр. 13
العربي، يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقي من الأساليب القديمة شيئا فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعزع قواعدها جميعا، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقا جديدة واسعة من قوة التعبير، والتجارب الشعرية " الموضوعات " ستتجه أتجاها سريعا إلى داخل النفس بعد أن بقيت تحوم حولها من بعيد ". ومن طبيعة التطور " الجارف العاصف " أن يتدفق دون كبح، وأن يسترسل دون توقف، وأن تضعف فيه المراجعة والنقد الذاتي، لأنه في سرعته لا يدع وقتا أو مجالا لذلك، وهو حقيق أن يحتقب كثيرا من الزيف، وأن يفسح المجال للنهازين، وأن يفاجئ بالتحولات المستمرة، وأن يصبح الجديد فيه بعد وقت قديما يتطلب تجديدا وهلم جرا، وأن يسخر بالحدود والقواعد وأدوات اللجم والترويض، وحين شاءت نازك أن تضع في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " (١) بعض القواعد النقدية، وأن تفرز الصالح من غير الصالح في ذلك الشعر، كانت الموجة أقوى من أن أصدها أناة النقد، ورزانة الفكر التنظيمي.
غير أن ظهور بدايات هذه الانطلاقة الشعرية وسندها بالقواعد المؤيدة على يد شاعرة؟ لا شاعر - تتقن العروض وتحسن التمرس بتغيراته المختلفة وتستمد بعض الإيحاءات من إطلاعها على أدب أجنبي، كل ذلك يشير إلى أمور يحسن أن نتنبه لها: فمن الواضح أن الدافع إلى ارتياد تجربة جديدة إنما كان هو محاولة التغلغل إلى أعمق أعماق النفس - في مجتمع لم يتعود صراحة في التعبير عن مشاعرها - ووضع ذلك التعبير على نحو تلويحي تقريبي، خاص بالأنثى حين تريد أن تحلل مشاعر خاصة بها،
стр. 14
طالما ظن الرجل أنه يحسن التعبير عنها أو التغلغل إلى إدراكها وللمرأة في تقبل البدعة حظ كبير، أضف إلى ذلك أن البدعة الجديدة تبعث لديها شعورا بالتفوق بسبب الاهتداء إلى كشف جديد، ثم أن هذه البدعة في شكلها الجديد تخلصها من إيقاعات البطولة الرجولية في شعر الرجال، تلك الإيقاعات التي تصبح زورا على الواقع إذا لم يكن لها في حاضر الأمة أعمال توازيها، وقد انسحب زمان طويل وإيقاعات البطولة تردد فيما ينظمه الرجال من شعر، ومن ثم تحول كثير من ذلك الشعر كلام أجوف، ومن الطبيعي أن يتوجه الشعر إلى منطقة أخرى وإيقاعات مختلفة، ويصبح حديث نفس لذاتها، وظهوره على أثر الإعجاب بما سمي " الشعر المهموس " دليل على أن حديث النفس، أصبح من مستلزمات التصور لحقيقة الشعر، ولا ريب في أن توجه " عاشقة الليل " أعني الفتاة المتوحدة التي اختارت العزلة والصمت نحو الإحساس بضرورة التنويع في حديث النفس أمر طبيعي. ولا بد هنا من استدراك صغير: فإن قولي بحاجة المرأة إلى التعبير عن مشاعر خاصة بها على نحو تلويحي إنما يتناول البداية فقط وظروفا خاصة في حياة الشاعرة التي ابتدأت الانطلاقة الجديدة، أما بعد البداية فقد أصبحت المرأة في بعض المواقف أجرأ من الرجل وأقدر على تحليل دقائق الرغبات، وذلك أمر إنما أشير إليه وحسب، وربما لم يتح لهذه الدراسة الموجة أن تتناوله بوجه ما (١) .
стр. 15
ثم أن إتقان هذه الشاعرة للعروض وتمرسها بالتغيرات المختلفة في البحور والأوزان كان يعد ضرورة لسببين: أولهما أن التمرس بالعروض يجعل " لعبة الشكل " جزءا من هواية ممتعة، وثانيهما أن إتقانه كفيل بالتأييد النظري للتجربة، ولعل هذه هي الرابطة الممتدة؟ في نظري - بين الانطلاقة الشعرية والموشح، فقد بينت عند الحديث عن العوامل التي ساعدت على نشأة الموشح شغف الأندلسيين بالعروض، تعلما وتجربة، وتباري الأساتذة والطلاب في ميدان النظم على ما يسمى " الاعاريض المهملة " أي التفعيلات التي قدر الخليل جواز وجودها، ولكن العرب لم ينظموا عليها (١) ، والحق أن الشعر الحديث لم يحاول أن يستمد في بناء القصيدة من الأعاريض المهملة وإنما أعتمد التنويع في بعض الأبحر المستعملة، فهو من هذه الناحية أشد محافظة من الموشح، وما ذلك إلا لضيق الشعراء المعاصرين بالعروض وتشقيقاته الكثيرة وتفريعاته، واستسهالهم لركوب ما يركب من بحوره، دون أن يسلموا في ذلك من كسر الوزن جهلا به، لا تحديا له (٢) .
стр. 16
وبسبب التحولات السريعة المفاجئة، والشغف بالتجديد المستمر، ضربت الحركة الشعرية رواقا من الحيرة حول النقد والناقد، وكانت أكثر الدراسات النقدية التي واكبت هذه الحركة على نوعين: نوع وصفي نير المحتوى، ونوع شعري مبهم لا تتحدد فيه غاية ولا يتضح حكم، وهذه الحال تغري بأن يطرح المرء هذا السؤال: كيف استطاعت هذه الحركة ان تقوي وتشتد دون أن يكون لها سند كبير من نقد أصيل؟ أن مثل هذا السؤال يفترض أن دعم النقد لازم لكل حركة أدبية تحتاج أن تستمر وتنمو، وهو افتراض ليس من الضروري أن يكون دائما صحيحا، ولكن هبنا أخذنا به في هذا المقام، فإننا سنجد عوامل أخرى ساعدت تلك الحركة الشعرية على الثبات البقاء منها: روعة الجدة، والملاءمة لروح العصر، وصدق كثير من التجارب، والمثابرة على تحدي الصعوبات، وسرعة العدوى و؟ إلى عوامل أخرى تستحق ثلاثة منها بسطا، لأنها تمثل ثلاث مراحل في تاريخ تلك الحركة:
الأول: التضامن الصامت، ذلك أن حركة الشعر الحديث ظلت بمنحى من الانقسامات الداخلية الصارخة، وإذا استثنينا بعض المواقف الفردية كوقفة السياب ضد صلاح عبد الصبور أو وقفته ضد البياتي، وموقف نازك من العيوب التي لابست هذا الشعر، وما أشبع ذلك، وجدنا أن كل من مارس النظم على النحو الجديد، قد انظم إلى الحظيرة، وأصبح عضوا في " مدرسة المحافظة "، حتى وأن كان حظه من التجديد نزورا يسيرا، وهكذا استطاع هذا التضامن الصامت أن يحتضن مختلف الانتماءات والنظرات والمواقف، التي كان من الممكن أن تجر إلى انقسامات وتراشق بالاتهامات مثلما تفعل على الصعيد السياسي، وكان مما
стр. 17
ساعد على ذلك؟ في المرحلة الأولى - عدم وضوح تلك الانتماءات والمواقف، على نحو ساطع، إذ كان الرواد الأول لا يبغون من انتحال شكل جديد تعبيرا عن موقف فكري أو انتماء سياسي أو عقائدي وإنما كانوا يبحثون عن شكل يفرغون فيه مشاعرهم الرومنطقية، على نحو تحليلي، لم يعد يسعف عليه الشكل القديم، وإذا أنت قارنت بين ديوان عاشقة الليل وشظايا ورماد لنازك أو أزهار ذابلة وأساطير للسياب أو ملائكة وشياطين وأباريق مهشمة للبياتي، أو بين قصائد صلاح عبد الصبور ذات الشطرين وقصائده المتفاوتة في تفعيلاتها، لم تجد تغيرا كثيرا إلا في السمة التحليلية، والتطور القصصي، وإذا كانت الانتماءات والمواقف غير واضحة حينئذ، فإن الاتجاهات الشعرية نفسها كانت أيضا. ولا نجد خروجا عنيفا على منطق هذا التضامن الصامت مثل نقد أدونيس لشعر المقاومة. ولكن يجب أن نذكر أن ذلك النقد قد كتب بعد أن أصبحت الحركة الشعرية قليلة الحاجة إلى الإغضاء والمجاملة (١) ، وبعد إذ أصبح شعر المقاومة نفسه " ظاهرة شعبية " تهدد كثيرا من شعر " الصفوة المثقفة " بالحجب والانكماش. يقول أدونيس " إن شعرنا في الأرض المحتلة هو أولا رافد صغير في الشعر العربي المعاصر، بل رافد ثانوي، وهو ثانيا، امتداد لا بداية، امتداد لشعر التحرر الوطني الذي عرفه العرب طيلة النصف الماضي من هذا القرن وليس شعرا ثوريا " (٢) ويؤيد أدونيس رأيه هذا بعدة ملاحظات منها أن هذا الشعر ضمن الأطر الموروثة، وانه خارج الثورة لأنه يعتبرها حدثا خارجيا قابلا للوصف والهتاف والغناء فهو من ثم محض حماسة لا تفعل شيئا، ومنها أنه مشبع المبالغة، والمبالغة تفرغ الوعي
стр. 18
وتجعله خاويا، وهو نتاج غنائي بأبسط مستوى للغنائية، وهو محافظ منطقي مباشر ينطق بالقيم التقليدية. ولا ريب في أن هذا الرأي يتفق ومفهوم أدونيس للشعر، والعلاقة بينه وبين الثورة، ولم أورده لاناقشه، فذلك يتطلب خروجا عن مقتضى هذا السياق، وإنما أوردته لاشير إلى أول انقسام جذري في " معسكر " التضامن الصامت، بعد إذ توضحت معالم التباين في الانتماءات والاتجاهات.
الثاني: المجلة، لقد أثبتت مجلة " أبولو "؟ قبل ظهور الحركة لشعرية الأخيرة بكثير - أن كل اتجاه شعري يريد أن يفرض وجوده في التاريخ الأدبي لا يجد لذلك وسيلة خيرا من المجلة. ودور المجلات في الحركة الشعرية - موضوع هذه الدراسة - يتطلب بحثا تاريخيا تقييميا موضوعيا، يتعذر الوفاء به في هذا المقام. وبحسبي هنا أن أشير إلى دور مجلتي " الآداب " و " شعر " البيروتيتين في إفساح المجال لهذا الشعر يوم كان المؤمنون به قلة، ولما كانت مجلة " شعر " وقفا على الحركة الشعرية الجديدة، فأنها استطاعت أن تكون أبلغ أثرا من سواها في تاريخ تلك الحركة أيا كانت طبيعة ذلك الأثر ونوعيته؟ لأنها جعلت من نفسها منبرا لاتجاهات متفاوتة في داخل الحركة نفسها، وتبنت قصيدة النثر القصيدة ذات الإيقاع المنظم والتفعيلات المتفاوتة، وككل مجلة أخرى، شجعت بواكير شعرية لم تثبت طويلا في المجال الشعري، وأطلعت الشعراء والقراء على نماذج مترجمة من الشعر الغربي، وأيدت الاتجاه بأصوات نقدية متعددة، وحين توقفت عن الصدور خلفتها في هذا المضمار مجلات أخرى مثل " حوار " و " مواقف " ثم فاض فيض المجلات التي تعنى بهذا اللون من الشعر في كل الأقطار العربية. وقد استقطبت هذه المجلات من حولها " أسرا أدبية " و " اتحادات كتاب "، كما نشأت أسر
стр. 19
واتحادات مستقلة، أخذت تقوم بدور المجلة في تشجيع شتى فنون الأدب الحديث، ولا تقتصر في ذلك على الشعر.
الثالث: دور النشر، وهذا العامل ذو صلة وثيقة بالعامل السابق، ولهذا تقف دار الآداب ودار شعر في طليعة الدور التي أخذت على عاتقها تقديم الديوان الشعري الحديث بصورة منظمة وعلى نحو يغري القارئ باقتنائه. ثم تجاوزت " دار العودة " مدى كل دار أخرى في هذا السبيل، حين اعتمدت نشر " الأعمال الكاملة " لكل شاعر، بحيث أتاحت لقراء الشعر مكتبة كاملة ذات " قطع " موحد. ولوزارة الأعلام في العراق دور هام في هذا أيضا بما نشرته وتنشره من دواوين. ولما لم يكن الاستقصاء مطلبا لي في هذه الدراسة، أجدني اكتفي بهذه الأمثلة التي تدل دلالة واضحة على أن الحركة الشعرية الحديثة؟ في المرحلة الراهنة - قد أصبحت تتنفس في جو أكثر حرية، وتجد لها قبولا واسعا ومؤيدين كثيرين، مهما تختلف أهدافهم وتتعدد الحوافز من وراء تحمسهم لهذا الشعر.
غير أن هذه الحركة الشعرية؟ مثل كل حركة تتسم بشيء من الخروج على العرف - لم تصل إلى هذه المرحلة على بساط، من الورد، فقد واجهت كثيرا من العواصف، ومشت على الشوك طويلا، وتعرضت لحملات كثيرة من التشكيك والشجب والمعارضة، فصورت على أنها مؤامرة لهدم اللغة العربية، وأتهم أصحابها بأنهم إنما لجأوا إلى هذا اللون " الممزق " من الشعر لأنهم عاجزون عن الشعر الجزل ذي الشطرين، وهب أن هذه الهمة كانت صحيحة فأنها لا تضير الشاعر الحديث، ونحن نرى أن كثيرا من شعراء الأندلس؟ مثلا - كانوا يعجزون عن نظم الموشح، كما أن كثيرا من الوشاحين لم يكن لهم حظ كبير في القصيد، وقياسا على ذلك يمكننا أن نقول أن الشاعر الحديث ليس من
стр. 20
الضروري أن يحسن " القصيد " لأن القصيد له شروطه وظروفه وقواعده وأساليبه وبيئته. وها هنا طرفة تصلح للاعتبار، فقد استشارت هذه التهمة أحمد عبد المعطي حجازي حين أعترض الأستاذ عباس محمود العقاد على اشتراك بعض الشعراء المجددين في مهرجان الشعر بدمشق (١٩٥٩) لأنهم لا يعرفون أصول الشعر العربي وهدد العقاد يومئذ بالانسحاب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب احتجاجا، فما كان من حجازي إلا أن نظم قصيدة ذات شطرين ليثبت للعقاد أنه لا يجهل أصول الشعر العربي، وكانت تلك الهفوة؟ فيما أعتقده - سقطة العارف، لأنها أثبتت حقا أن حجازي لو مضى يقول الشعر ذا الشطرين لما ثبت طويلا في حلبة الشعر (١) .
وخير ما يمكن أن يصور جانبا من طبيعة الحركة المناوئة للشعر الحديث مذكرة تقدمت بها لجنة الشعر المصرية إلى نائب رئيس الوزارة وزير الثقافة والإرشاد القومي سنة ١٩٦٤ وقد عبرت تلك المذكرة عن أن حركة الشعر الجديد قد جعلت اللغة الفصحى موضوعا للمناقشة، ومكنت لفريق أن يدعو إلى تبني اللغة العامية لأنها هي لغة الشعب، والتهاون بأمر اللغة أنما هو تهاون بالقضية القومية العربية، مع أن الشعر كان دائما؟ من بين جميع الفنون وعند جميع الأمم - هو الفن الذي يحرص كل الحرص على صيانة اللغة. وأخطر ما في ذلك الشعر أنه يعكس روحا منافية لروح الثقافة الإسلامية العربية لأن بعض صور التعبير فيه مستمدة من ديانات أخرى غير العقيدة الإسلامية كفكرة الخطيئة والصلب والخلاص، كما أن فيه تهاونا كبيرا في استعمال لفظة " الإله " كأنها لا تزال تحمل دلالتها عند
стр. 21
الوثنيين، وخلاصة ذلك كله أن الحركة الشعرية هذه حركة هدامة تعادي التراث في صورة لغة ورباط قومي وتحاول تحطيم الشوامخ من شعراء العربية.
ولست أسمي هذه اتهامات، فإن جانبا منها لا يعتمد افتراء في الجملة، ولكنها من حيث صدورها عن حركة مناوئة إنما تستعمل منظورا مختلفا عن ذلك الذي يستعمله أصحاب الشعر الحديث، وكأن المسافة بين المنظورين هي مسافة الخلف بين لونين متباعدين بل متصارعين من الفكر والثقافة والمنحى. ولهذا فإذا كان الاتجاه الشعري الحديث ظاهرة حتمية، فإن الثورة عليه ظاهرة طبيعية كذلك.
ولقد مات كثير من أعداء الحركة الشعرية الجديدة مثل العقاد وعزيز أباظة وصالح جودت؟ تغمدهم الله برحمته، وأتيح لها من المؤيدين والأنصار أكثر مما كانت تتوقع، وقيض لها من سبيل الانتشار والذيوع ما لعلها لم تكن تنتظره، ولكن بقي لها أعداد كثيرون، بعضهم من داخلها، وبعضهم من خارجها، وهذا الفريق الثاني يصنف في ثلاثة أنواع:
الأول: الأغنية: فأنها أشد شيء محافظة في عالمنا العربي، ذلك أنها أن كانت شعبية، فأنها ما تزال تعتمد الجناس وغيره من المحسنات البديعية، وأن كانت غير شعبية فأنها ما تزال تتحدث عن العذول والرقيب والسهر والعذاب والدموع، وتبدو منقطعة الصلة بالتحول الذي طرأ على المجتمع في النظرة إلى العلاقات العاطفية، وكأنما هي تدور حول نفسها في استلهام مواقف رو منطقية كاذبة، حتى أن مد جسر بينها وبين القصيدة الحديثة ليبدو أمرا متعذرا، وبما أن الأغنية تجد قبولا لدى قطاع ضخم من الناس، فأنها ستظل تربي الذوق العام على غير ما يريده الشعر الحديث
стр. 22
وستظل تقيم من نفسها شاهدا على أنه شعر غريب المنحى، ينتمي إلى فئة الأقلية (١) .
الثاني: المدرسة، وبطلها السمح البري هو المعلم، وهو معذور لأنه لا يجد لديه عملا نقديا يفك له مغلقات الشعر الحديث، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أن يدرس لطلابه شيئا تكون أجوبته جميعا على محتواه: لا أدري.. لا أدري، ولهذا فإنه يرتاح إلى النماذج الكلاسيكية للإلقاء. فإذا لم تصبح مادة الشعر الحديث جزءا من الثقافة المدرسية، فإنه من الصعب أن يجد الناشئة في هذا الشعر تعبيرا عن وجودهم.
الثالث: الملتقيات الشعرية أو الأسواق العكاظية: وهي تحني الشعر الحديث عن وجهته، ليجد قبولا لدى الالتقاء، ومعنى ذلك أن يبقى في الشعر الحديث أوتار خطابية، لأنه في صورته الحقيقية غير قابل للإلقاء في ملقيات عامة. ولعل الاقتصار على الندوات الصغيرة ذات الجمهور المتقارب في ذوقه، أجدى على هذا الشعر أن كان صاحبه ممن يحسن تأديته، فإن في بعضه من الشجن الدفين على الوضع الإنساني ما يعوض عن الخطابية التي يتمتع بها الشعر الكلاسيكي. حتى هذا الحد تجنبت استعمال مصطلحين شاعا كثيرا على الأقلام والألسنة، لأولهما مصطلح " الشعر الحر " في الدلالة على هذا اللون من الشعر الحديث الذي خفف من قيود
стр. 23
القافية وصرامة الشطرين، والثاني مصطلح " الشعر العمودي " في الدلالة على كل ما عداه، وأنا أرى أن كلا المصطلحين قاصران، فأما الشعر الحر؟ وهو المصطلح الذي قبلته نازك في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " وهو أيضا الترجمة العربية للمصطلح الفرنسي vers libres (١) فليس حرا؟ بالمعنى المطلق - لأنه ما يزال يراعي رويا معينا وما يزال يخضع للإيقاع المنظم، خصوصا إذا شئنا أن نفصل بينه وبين ما يسمى " الشعر المنثور "، وهو فصل ضروري، فيما أرى، رغم إنكار الكثيرين لهذا الفصل (٢) . على أن إيجاد تسمية شاملة لهذا اللون من الشعر ليس بالأمر السهل، ذلك أنني كلما قرأت شعر شاعر وجدتني أشتق للحركة الشعرية تسمية مستوحاة مما قرأته: حين أقرأ أدونيس يلوح لي أن هذا الشعر؟ وأرجو أن يؤمن القارئ بأني جاد كل الجد - يسمى " المرايا الحارقة " وحين أقرأ بلند الحيدري يصبح اسم هذا الشعر " الحارس المتعب "، وإذا قرأت البياتي وجدت أن هذا الشعر اسمه " الأقنعة السبعة "، وعندما أنتهي من قراءة خليل حاوي أجد أوفق اسم لذلك الشعر: " عرس قانا الجليل فوق بيادر الجوع "، وتلم بي تهويمة وأنا أقرأ شعر محمود درويش فأظن ما قرأته يسمى " كيف تتحدث الريح الشمالية إلى البرتقال
стр. 24
والأرض "، واجنح إلى شعر سلمى الخضرا، فأجد أن ما اقرؤه يقال له: " نشيد الأرض حين ينضب النبع الحالم "، وأقرأ، وأقرأ؟ هل أمضي في العد؟ لو أنني مضيت في القراءة، لوضعت أسماء للشعر بعدد الشعراء.
ولست أعني من كل ذلك أنني عجزت عن أن أجد في هذا الشعر عناصر مشتركة، ولكن تباعد الإيحاءات التي يستمدها الدارس من شعر كل شعر على حدة، دليل على حيوية خاصة وتفرد في العناصر المميزة لدى كل فرد؛؟ دون انعدام صفة التواتر والتشابه أحيانا - ويكاد أن يكون الشكل الخارجي هو أقوى رابط يربط بين المسارب المتعددة في هذا الشعر، وأن لم يكن الرابط الوحيد، ولهذا ستظل كل محاولة لإيجاد اسم لهذا الشعر تحوم حول الشكل (حين يصبح العامل الزمني في التسمية مثل " الشعر الحديث " و " الشعر المعاصر " ضعيفا بمرور الزمن) ، ولهذا يستسهل الدارسون أن يسموه الشعر الحر (أو المتحرر أو المنطلق أو المسترسل) ؛ وقد خطر لي قياسا على وفرة المصطلح الدال على الأشكال الشعرية عند العرب (مثل الموشح والزجل والمسمط والمعلقة والملعبة والكان وكان والقوما و؟. الخ) أن أسمي هذا اللون الجديد من الشعر باسم " المغصن " مستوحيا هذه التسمية من عالم الطبيعة لا من الفن الزخرفي، لأن هذا الشعر يحوي في ذاته تفاوتا في الطول طبيعيا كما هي الحال في أغصان الشجرة، خصوصا وأن للشجرة دورا هاما في الرموز والطقوس والمواقف الانسيابية والمشابه الفنية، ثم لأن هذه التسمية تشير من وجه خفي إلى كتاب " الغصن الذهبي " الذي كتبه جيمس فريرز، وما أثار من تنبه إلى الرموز والأساطير، وما كان له من أثر عميق في هذا الشعر نفسه.
стр. 25
ولكني أعلم أن هذه التسمية لن تروق كثيرين، لأنها قد توحي بشيء من التنظيم المصطنع، لأنها اقتراح فردي لم يعمل فيه " الإحساس الجماعي " قريحته، ثم لأنها توحي بشيء من التراثية أي محاولة لربط هذا الشعر بالتراث، وهو شيء قد أنقذته منه لفظة " حر " إنقاذا يزيد على ما تستحقه طبيعته بكثير، وأعتقد أن كل محاولة من هذا القبيل لن تستطيع أن تطمس مصطلح " الشعر الحر " لسهولته وشيوعه والابتهاج بإيحاءات الحرية فيه.
وأما مصطلح الشعر العمودي فإنه أيضا مصطلح قاصر، لأن كل شعر عمودي إذا اعتبرنا " نظرية عمود الشعر " في أوسع مدلولاتها، وأبسط مثل على ذلك أن هذا الشعر الجديد المغصن لا يزال يجري على الأوزان القديمة، فهو من ناحية الوزن عمودي. ثم أن هذه التسمية أن أريد بها الاستخفاف بالشعر القديم أو الغمز من قيمته فهي تسمية ماجنة تنطوي على حمق كثير وجهل أكثر. ولهذا يمكننا أن نسميه الشعر المشطر، فهذه التسمية تشمل القصيد والموشح والمسمط والدوبيت وكل ما جرى على سياق الأشطار المتساوية.
ومن الطبيعي أن نسأل؟ في هذا الصدد - أين يقف هذا الشعر اليوم؟ ومن أجل أن نتصور ذلك على نحو مقارب نستشهد برأيين متباعدين عن هذا الشعر نفسه، أولهما رأي لنازك الملائكة التي كانت من أول رواد هذه الحركة وأشدهم في البداية تحمسا لها، ورأي نازك ذو طرفين أولهما يمثل موقفا من ذلك الشعر عام ١٩٦٢ حيث تقول " مؤدى القول في الشعر الحر أنه ينبغي إلا يطغي على شعرنا المعاصر كل الطغيان، لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها، بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية، ولسنا ندعو بهذا إلى نكس
стр. 26
الحركة، وإنما نحب أن نحذر من الاستسلام المطلق لها؟ " (١) والطرف الثاني وهو أشد اتصالاً بمستقبل ذلك الشعر جملة يمثل عام ١٩٦٧، وفيه تقول نازك: " وأني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها، وليس معنى هذا أن الشعر الحر سيموت وإنما سيبقى قائما يستعمله الشاعر لبعض أغراضه ومقاصده دون أن يتعصب له ويترك الأوزان العربية الجميلة " (٢) . ورغم انتقال نازك في طرفي هذا الرأي من النصيحة إلى التنبؤ، فإن ثمة شبها قويا بين الموقفين وهو إيمانها بأن هذا اللون من الشعر سيتحدد وجوده ويتعايش مع ألوان من الشعر المشطر، كل ذلك يصدر عن شاعر واحد في آن معا، ولا يعني تعايشا بين تيارين أو مدرستين، لأن الشاعر الواحد بحاجة إلى أن ينوع في شعره بين الشعر الحر والمشطر بحسب تنوع الموضوعات، وصلاحية شكل لموضوع دون آخر، وربما كان هذا هو معنى قولها " سيتوقف " ثم قولها بأنه " لن يموت "، فإن بين التوقف وعدم الموت، مرحلة وجود أشبه بالموت لأنها حال من " التجمد " أو " التجميد "، ولو قالت " سيتحدد " لكان ذلك أقرب إلى الدقة فيما تحاول أن تصدره من نبوءة أو حكم.
أما الرأي الثاني فإنه لأدونيس، ورأيه هذا منبعث في مختلف كتاباته، غير أنه قلما يصدر على ما هو موجود، وإنما يحاول في الأغلب أن يتصور كيف يجب أن
стр. 27
يكون الشعر، كيف تكون علاقته بالثورة، بالتراث، ما معنى التجديد، ما دور اللغة، كل ذلك في إطار التصور لما يجب أن يكون عليه " التكامل " الكلي، من خلال عمليتي الرفض والتجدد المستمرين. ومع إيمان أدونيس بالمرحلية في العلاقة الجدلية بين الشعر والجمهور، فإن تصوراته مجتمعة قد تفسر على أن هذا الشعر الجديد لم يبلغ شوطا يحقق به حتى ما يريده له أدونيس في هذه المرحلة الراهنة، فكيف بالمراحل التالية التي تتطلب تنويعا في الإبداع ورفضا لما يعد مقبولا لهذه المرحلة. وأذن فإن أدونيس يقف موقفا مناقضا لموقف نازك، فبينما ترى هي أن الشعر قد فقد الأسباب الداعية لشمولية جوانب الحياة المعاصرة/ كما فقد دواعي الحماسة المتطرفة من أجله، يرى أدونيس أن هذا الشعر لم يستطع بعد أن يحقق الدور الشعري الصحيح في التحرر التام من السلفية والنموذجية والشكلية والتجزئية والغنائية الفردية والتكرار، ذلك أمر قد يستخلص من مجمل آراء أدونيس، ولكنه في أحد المواقف يصرح بهذه الاتهامات أو ببعضها حين يقول: " المشكلة الآن في الشعر العربي الجديد لم تعد في النزاع بينه وبين القديم، وإنما أصبحت في معرفة الجديد حقا وتمييزه، فالواقع أن في النتاج الشعري الجديد اختلاطا وفوضى وغرورا تافها وشبه أمية. وبين الشعراء " الجدد " من يجهل حتى ابسط ما يتطلبه الشعر من أدراك لإسرار اللغة والسيطرة عليها، ومن لا يعرف من الشعر غير ترتيب التفاعيل في سياق ما، ومع ذلك يملأ كل منهم الجرائد والمجلات بتفوقه وأسبقيته على غيره وبمزاعمه أنه نبي الشعر الجديد ورائده. بل أننا مع القائلين أن الشعر الجديد مليء بالحواة والمهرجين ". (١)
стр. 28
أن في حدة هذه الصراحة ما يسوغ ذلك التضايق الذي شعرت به نازك إزاء كثير من المحاولات الشعرية المعاصرة، ولكن الفرق بين الموقفين هو الفرق بين إحساس بشيء من التشاؤم تجاه إمكان خلوص هذا الشعر من زيف كثير علق به، وبين إيمان متفائل بأن الشعر؟ الرؤيا - قد يتحقق، بل لعل جانبا منه قد تحقق على يد قلة؟ أو على يد واحد - من الشعراء.
وهما يكن من تقارب بين بعض جوانب هذين الرأيين فإني أرى أن الحقيقة تقع في مكان ما بينهما: ذلك أن هذا الشعر الذي تسميه نازك شعرا حرا لم يعد تلبيه لرغبة في التجديد الشكلي؟ كما بدأ - وإنما أصبح مع الزمن طريقة من التعبير عن نفسية الإنسان المعاصر وقضاياه ونزعاته فهو يتطور في ذاته كلما تطورت المداخل لفهم تلك النفسية، والمبادئ المطروحة لحل تلك القضايا، والوسائل الجديدة للكشف عن ضروب اللقاء والصراع في تلك النزعات، ويجب أن نتوقع استمرارية في هذا التطور، لا عودة إلى الوسائل السابقة، حتى أمد غير قصير، خصوصا إذا صورنا ملازمة هذا التطور لأمرين هامين، أولهما: أن الزمن سيخلق أجيالا لا تعرف من صور شعرنا القديم وضروبه إلا أصداء يسيرة تفرضها النظرة التاريخية، وإنما هي أجيال قد تغذت بهذا الضرب الجديد من الشعر، ووجدت فيه صورة لما تبحث عنه في الحاضر وبعض اسقاطات على ما ترغب تحقيقه في المستقبل، وثانيهما: أن الشعر غير منفصل ولا منعزل عن ضروب التعبير الأخرى في القصص والمسرح والسينما والرسم والموسيقى، وإذا كان التغير في هذه الضروب شاملا، متطورا، (وكان ذلك كله بسبب التغير المستمر السريع في منطلقات العلم والتقنية والكشوف المتتابعة) فليس من الطبيعي أن يستقل الشعر بالارتداد إلى صور التعبير
стр. 29
القديمة. نعم أن شيئا من الماضي قد يمكن بعثه في سياق هذا التطور؟ أو على الأصح قد يمكن استخدامه وتحديثه، لا لقيمته للحاضر، ولكنه بهذا نفسه لن يظل ماضيا. ثم أن هناك حقيقة تتصل بما سبق، ويجب ألا نغفل عنها، وهي أن هذا الشعر يمثل جزءا من موجة عالمية طاغية، فإذا لم تكن هذه الوحدة الكبيرة هي التي تمده بالقوة والاستمرار، فإن طغيان الموجة وحده كفيل بأن يدفعه شوطا طويلا. ولدينا في طغيان الموجة المحلية أمثلة كثيرة من شعراء تحولوا بقوتها نحو الشكل الجديد، فكيف إذا كانت الموجة عالمية تغري الشاعر بأن يرتبط بما وراء حدود البلد أو الإقليم ويترجم شعره إلى عدة لغات، ويجد الاعتراف بشاعريته على نحو يتجاوز الرقعة الضيقة؟ وإذا كان لا بد من التمثيل فلنأخذ مثالين بارزين هما الفيتوري وبلند الحيدري بين الشعراء المعاصرين، فقد أصدر الفيتوري ديوانه " أغاني أفريقيا " و " أذكريني يا أفريقيا " وفي الثاني منهما أخذ يتجه نحو الشكل الشعري الجديد، (ليس قبل ١٩٦٤) مع أن الشكل القديم في ديوانه الأول لم يكن يشكو ضعفا أو قصورا، بل كان يعد من حيث تعبيره عن المشكلات الإفريقية من استعمار وعبودية وتمييز وعنصرية غاية في الاداء، ولكنه تحول؟ ولم يضعف في تحوله، رغم صعوبة ذلك، أما بلند الحيدري فقد كان أول ديوان له هو " خفقة الطين " (١٩٤٤ (؟)) وهو يمثل طاقة شعرية فائقة، استعاض عنها بلند حين تحول إلى الشكل الجديد بالعمق الفكري، ولكن ذلك العمق لم يستطع؟ فيما أرى - أن يكون بديلا لتلك الطاقة الشعرية.
ورأي أدونيس؟ وأن كان أقرب إلى فهم طبيعة التطور ومتطلباتها - لا يزال يشكو من الطموح المثالي، ذلك أنه إذا كانت " الوحدة المنتظرة هي التي يجب أن تتم بين فن
стр. 30
ثوري يرفض البنية الثقافية القديمة في الحياة العربية، ونظام ثوري يرفض بنيتها الاقتصادية - الاجتماعية " (١) فإن عدم تحقق أحد طرفي المعادلة يشل من قدرة الطرف الثاني على أن يتحقق كاملا مثلما يعوق ظهور الوحدة المنتظرة وفي هذا المجال علينا أن نقر بالمرحلية عمليا لا نظريا وحسب، ومعنى ذلك أن نربط بين الواقع والنموذج الفني، فلا نتحدث عن النموذج بحسب ما يجب أن يكون، وإنما بمعيار صلته بالواقع. وهذا أمر قد يقلل من شغفنا بالتنظير المسبق، ويوجه أكثر جهودنا إلى أن ندرس وندقق ونتفحص، ونعلل من خلال الوقائع المعطاة، والحدود والأبعاد التي أبرزها الإمكان. ألم يقل أدونيس نفسه في مراجعة له على مجموعة قصائد نثرية لانسي الحاج: " في مجموعتك صراخ يفتح باب الرعب.. صحيح أن الصراخ قلما يكون وسيلة للشعر، لكنه في هذه اللحظة من تاريخنا قدر نفسي يحكمنا " (٢) ، أن الصراخ؟ لن يكون بأي منطق - وسيلة للشعر، ومع ذلك فقد قلبه أدونيس لأنه " قدر نفسي " لبعض الناس في مرحلة تاريخية، وهناك مستويات أخرى كثيرة يحاكمها أدونيس بمنطق " المثل الأعلى "، ولابد هنا، من موقف موحد، لا يتطرف إلى هذه الناحية أو تلك بحسب المزاج أو إيحاءات اللحظة العابرة.
стр. 31
٢ - دلالة البواكير الأولى
القصيدتان اللتان وصفتا بأنهما بداية الانطلاقة الجديدة في الشعر، وهما قصيدة " الكوليرا " لنازك، وقصيدة " هل كان حبا " للسياب (١) ، لا يصلح اتخاذها مؤشرا قويا على شيء سوى تغيير جزئي في البنية، فأما الأولى فأنها خبب مسيقي لذلك الموكب المخيف الذي يمثله الموت، ووصف خارجي للوصول إلى إثارة الرعب؟ دون القدرة على إثارته - باختيار مناظر يراد بها أن تصور هول الفجيعة، وأما الثانية فإنها تنطلق من محاولة لتحديد معنى الحب هل هو نوح وابتسام أو خفوق الأضلع عند اللقاء، ثم تتردد فيها المشاعر بين تصوير للغيرة والشك والحسد للضوء الذي يقبل شعر المحبوبة، ولولا تفاوت ضئيل في بعض الأشطار دون بعض، لما ذكرت هذه القصيدة أبدا في تاريخ الشعر الحديث.
أذن فإن اختيار هاتين القصيدتين لدراسة معالم الاتجاهات لهذا الشعر في البداية لن يؤتي نتيجة تلفت الأنظار، ولهذا كان لابد من تجاوزهما، زمنيا، إلى نماذج مما جد بعدهما، وبين العمد والعفوية، أراني أختار لهذه الغاية ثلاث قصائد للرواد الثلاثة الأوائل، وهي: قصيدة " الخيط المشدود في شجرة السرو "
стр. 32
لنازك (١٩٤٨) و " في السوق القديم " للسياب (غير مؤرخة ولكنها ربما لم تتجاوز ١٩٤٨) و " سوق القرية " للبياتي (حوالي سنة ١٩٥٤) مع الاستعانة في تحليل القصيدة الثالثة، بقصيدة رابعة للبياتي عنوانها " مسافة بلا حقائب " وكلتاهما من ديوانه " أباريق مهشمة ". (١)
ومن أجل أن أضع القارئ في جو قصيدة نازك " الخيط المشدود " أقول أنها قصة محب كان يظن واهما أن الحب في قلبه قد مات، ولكنه عاد إلى المعاهد الأولى لذلك الحب، وأقترب من " البيت " والهواجس تقول له لأن صاحبته ما تزال على عهده وأنه سيلقاها ولا بد، وبعد أحجام يدق الباب، فلما لم يجبه صوت، يفتحه فيرى في ظلمة الدهليز وجها شاحبا، هو وجه الأخت (أخت المحبوبة) ، ويقف السؤال في فمه وهو يحاول أن يقول: هل؟. ويجيئه الجواب، أنها " ماتت "، وفيما هو يسمع هذه الكلمة الرهيبة وهي تتردد في أذنيه كالمطرقة، يتعلق طرفه بخيط مشدود في شجرة سرو قائمة في باحة البيت، وبين رنين اللفظة الداوي يملأ الليل صراخا: " ماتت. ماتت " وبين الخيط المشدود تتوزع نفسه متقسما، ويطول به الوقوف، وهو غائب عما حوله، تتجاذبه القوتان الطاغيتان، ثم يعود؟ وهو ما يزال يسمع الصوت - والخيط في يده يعبث به ويلفه حول إبهامه.
على هذا الوجه تبدو القصيدة تصورا ذاتيا لما سيحدث في المستقبل، فهي حلم أو نبوءة أو أمنية تصور العودة ومد العواطف المستشرقة للقاء حتى الذروة، ثم الصدمة النفسية ثم التمزق ثم العودة الثانية (عودة المحب أدراجه مضطربا آيسا) ، فهي أذن وجدانية ذاتية، ومن
стр. 33
خلال هذا التلخيص تبدو عادية في رومنطقيتها. ولكنها ليست كذلك لاحتوائها على عناصر شعرية رفعتها فوق ذلك المستوى.
وقبل الحديث عن تلك العناصر لا بد من الإشارة إلى أن الشاعرة اهتمت في فاتحتها بإبراز الجو المكاني والزماني " الشارع المظلم؟ الليل - أشجار الدفلى " وهو جو ذو صلة بالذكريات، غير أن رسم مثل هذا الجو وتحديد معالمه يعد متكأ أثيرا لدى الشاعرة في كثير من قصائدها السابقة واللاحقة، كأن تقول: " في سكون المساء/في ظلام الوجود " أو " كان المغرب لون ذبيح/ والأفق كآبة مجروح " أو " في الكرادة في ليلة أمطار ورياح "؟ الخ، وغالبا ما تكون هذه التوطئة إيذانا بقص حكاية، وقد عمدت في هذه القصيدة إلى هذا الشكل القصصي نفسه، لأنه شكل قابل للنمو الطبيعي بين طرفي " العقد والحل "، ولأنه يتلائم بقوة وتلك الحرية التي اختارتها في سياق التفعيلات المتفاوتة، وقد مكنها الشكل المتحرر والقالب القصصي من إبراز أمر ثالث وهو: التعمق في تحليل نفسية المحب وربط تلك النفسية بمظاهر الطبيعة، وإخراج بعض كوامن تلك النفس على شكل حديث ذاتي أو مونولوج داخلي، يعكس الاستشراف والقلق والتذكر والتردد والحيرة والابلاس والتعب الذي يشرف بصاحبه على الانهيار.
ويمثل " البيت " عنصرا هاما في قصيدة نازك، بل في كثير من قصائدها:
وترى البيت أخيرا
بيتنا، حيث التقينا
عندما كان هوانا ذلك الطفل الغريرا
وترى البيت فتبقى لحظة دون حراك
ها هو البيت كما كان هناك؟.. "
стр. 34
لا لأنه وحسب، موطن اللقاءات والذكريات، بل لأنه أيضا بيت العائلة، وحين يفتح المحب بابه يجد الأخت شاحبة حزينة على فقد أختها، واختيار هذا المكان للقاء يوحي أن هذا الحب كان عفيفا نقيا، يتم تحت سمع العائلة وبصرها، ولا غرابة إذا أصبح البيت في شعر نازك هو نفسه " المعبد "، وانتقل الحب إلى جو ديني من الصفاء والعفة، حتى أن المحب العائد لا يتصور إلا روعة اللقاء، والتحايا التي تعود أن يسمعها:
ويتلقاني تحايا كما كنا قديما
وستلقاني؟
لا غرابة إذن أن نجد العنصر الأكبر في هذه القصيدة شبه ديني يقف بين مصراعيه التوبة؟ والعقاب، فقد عاد المحب تائبا:
ها أنا عدت وقد فارقت أكداس ذنوبي
وقد جاء يرجو " التطهر " في معبد الحب، برؤية جميع الرموز التي تربطه بالماضي: الطريق، أشجار الدفلى والتارنج والسرو، السلم، الباب ذو اللون العميق، الممر المظلم الساكن، ولكن التوبة متأخرة، ثم لم تكن مقبولة، وكان لا بد من العقاب، وقد جاء هذا العقاب قاسيا يوحي بالتشفي والشماتة، والمحبوبة تحت الثرى في مكانها " الداكن الساجي البعيد " ترى أية صاعقة عنيفة وقعت على ذلك المحب الذي لم يعد في الوقت المناسب. وكان العقاب ضياعا للماضي كله وانطفاء لرموزه المختلفة؟ عدا رمز واحد - ثم ضياع المحب في الحاضر (والمسستقبل) لأنه أصبح مجردا من ماضيه، ومن الواضح أن هذا العقاب يقف موازيا لتضحية المحبوبة، وموتها، في القصيدة، ولكن
стр. 35
علينا أن نتذكر أن الشاعرة؟ في عدد غير قليل من قصائدها - تلح على هذا اللون من الحب الذي يلتبس حينا بالعداوة:
نحن إذن أعداء
وإن تكن تجمعنا أحلام
من أمسنا أودت بها الأيام
كما يلتبس حينا آخر بالبغض:
وأبغضك لم يبق سوى مقتي أناجيه
وأسقيه دماء غدي وأغرق حاضري فيه
وأن هذا البغض يفضي إلى القتل، ولكنه يتمخض عن قتيلين (كما في القصيدة التي أدرسها) :
وكنت قتلتك الساعة في ليلي وفي كأسي
؟
فأدركت ولون اليأس في وجهي
بأني قط لم أقتل سوى نفسي
وليس هذا تصويرا للحظات متفاوتة متقلبة بين الأمل واليأس، وإنما هو هرب من هذا العائد، لأنه لن يكون نفسه، لن يحمل صورته السابقة، وإنما سيكون شخصا آخر مختلفا عن الصورة التي أرتسمت في النفس:
ولو جئت يوما؟ وما زالت أوثر إلا تجيء -
لجفت عبير الفراغ الملون في ذكرياتي
وقص جناح التخيل واكتأبت أغنياتي
أنه هرب من المفارقة القائمة بين الواقع والخيال، واقع المحبوب العائد، وصورته المثالية المتخيلة، على ذلك يصبح
стр. 36
موت المحبوبة في القصيدة ضروريا لا لأنه يحقق العقاب وحسب، بل لأنه يبقى على الصورة المثالية دون أن تتشوه أجزاؤها.
وتتكئ القصيدة على عنصر آخر متصل بالعنصر السابق شبه الديني، بل هو يوسع من حدوده، لأنه يجعل الإثارة متصلة بالشعائر مطلقا، أعني بذلك ترديد الكلمة السحرية التي تعتبر مفتاح القصيدة وشارة التحول فيها، وهي لفظة " ماتت " لفظة تنبعث من كل النواحي وترددها الظلمات وشجرات السرو والعاصفات وتصل أصداؤها إلى النجوم؛ وإحساس الطبيعة بهذا الموت، دليل على أن المحبوبة قد أصبحت جزءا من تلك الطبيعة كما أنه دليل على فداحة الفاجعة، هذا من ناحية الدلالة المعنوية أما من حيث تأثير اللفظة في بناء القصيدة فإنها حولت حركتها إلى جمود في كل مكان عن نبضات الحياة وعن حيوية التحليل النفسي، ولهذا شغلت من القصيدة أربعة مقاطع (من بين سبعة) .
ولولا أن الشاعرة أوجدت في قصيدتها عنصرا ثالثا مهما؟ بل أهم عناصرها؟ لتوقف حركة القصة عند نهاية مألوفة، وذلك العنصر هو الخيط، وهو سر تعلق المحب بتفسير ما يظنه من لغز فيه، وهو تميمته (تعويذته) التي استعان بها على طرد أثر الكلمة السحرية " ماتت "، ووجوده هنالك مشدودا في شجرة السرو جعل المحب يهرب من مجال المسموع إلى مجال المنظور، وبدلا من أن تصعقه اللفظة السحرية، بشدة وقعها الرهيب، تلقى " الخيط " عنه لعنتها حين أمسكه وأخذ يبعث به، فغدا أداة " تسريب " للسموم التي كانت تنفثها في نفسه لفظة " ماتت ". ذلك أن حروف لفظة " ماتت "؟ في رسمها
стр. 37
كانت تبدو كالمشنقة، " كل حرف عصب يلهث في صدرك رعبا " كما أن الخيط كان صورة من المشنقة أيضا، كان " حبالا من جليد "، وقد هرب المحب من مشنقة حقيقية إلى أخرى رمزية، وكانت حياته؟ في نظر الشاعرة - ضرورية ليتعذب ويقاسي أهوال الندم ويغرق في لحج الضياع. وقد كانت الشاعرة قادرة على أن تجعل ذلك الخيط جزءا من الذكريات، فيصير في يد المحب شيء من الماضي، ولكنها أبت حتى ذلك عليه، إذ أنه بعد فراق شهرين، عاد ليرى الخيط وهو لا يدري متى شد في موضعه؟ من شده؟ ولماذا علقوه، أنه شيء لم يكن له في تاريخ الحب علاقة بالمحبوبة، ومع ذلك فقد تعلق به المحب، لعله أن يكون أثرا من آثار تلك التي ماتت، لعله؟ ألم يكن مشدودا إلى شجرة السرو، وهذه الشجرة ترمز إلى المحبوبة، أتراها هي التي وضعته هنالك ليرمز إلى أنها أحكمت ربقة الموت حول نفسها وحول حبها وحول الماضي؟؟ علالة نفس هي كل ما تبقى له من " الحب العميق "، وعدم اتصال الخيط بأي شيء من ذكريات الماضي يعمق مشاعر التشفي والشماتة، ويومئ في سخرية خفية إلى أن المحب حين فقد كل شيء انتحل لنفسه وجود لغز حسبه متصلا بالماضي ليتأمله على البقاء.
وقد قسمت الشاعرة قصيدتها في سبعة مقاطع (أو دورات) ، ولكن هذه القسمة لم تكن ذات قيمة في البناء الفني للقصيدة، لأنها لا تمثل مراحل دقيقة في نموها واسترسالها، ولهذا يستطيع الدارس أن يغفل هذا المظهر دون أن يجوز بذلك على المبنى العام للقصيدة، وهو مبنى قائم في جملته على التوازي المستمر بين شيئين أظهرهما: موت " البطلة " وتحولها إلى جزء من الطبيعة الأم المخصبة تلك الطبيعة ترثي المحبوبة إلى الكون بترديد الخبر عن
стр. 38
موتها، كأنه القوة السارية في تلك الطبيعة، وحياة " المحب " والسخرية من تلك الحياة إذ يحاول استمداد البقاء من عنصر مجدب ميت تافه صغير هو " الخيط "، وبين هذين المتوازيين تقع المتوازيات الأخرى من حركة وتوقف، وتوبة وعقاب، ومسموع ومنظور، وراحة أبدية وعذاب مستمر، والتطهر بالموت (دون ذنب) والحرمان من التطهر (وبقاء الذنب) ، إلى غير ذلك من صور التوازي.
هذا المبنى المتوازي ليس هو الذي يمنح القصيدة لونا جديدا، لأنه موجود في الشعر الكلاسيكي، كما أن منحاها الرومنطيقي لا يمنحها جدة وإنما يلحقها بتيار عريق في التاريخ الشعري، ومع ذلك يحس القارئ بهذه القصيدة أنها تنفرد بسمات مميزة: ومن أبرز تلك السمات طريقة خلق التوازي، وخلق الجو شبه الديني، والإلتفات إلى العناصر الصغيرة التي بها يكتمل نظام المبنى، فهل هذا كله من أثر انتحال جديد؟ مهما يكن الجواب على ذلك، فإن هذا الشكل قد يسر الجانب التحليلي، وقوى العنصر الدرامي، وجعل للتوازي مجالا واسعا، وسيجد من يدرس شعر نازك أن هذه القصيدة تعد معلما على التيار الكبير في ذلك الشعر، من حيث الاحتفال بالبناء والتحليل والدرامية وبسط التمهيدات المكانية والزمانية، والتمرس بمشكلة الموت وبالزمن، والاغتراف الكبير من الذاتية ذلك الاغتراف الذي يجعل التوجه إلى الخارج أمرا مرهقا غير سهل بل قد يستعصي على الشمولية والاحكام، فليس غريبا إذا وجدنا نازك تستقل بإتجاه خاص في الشعر يصعب التحول عنه.
وقد سار بدر شاكر السياب في قصيدته " في السوق القديم " على الطريق الذي سلكته نازك من حيث قسمة
стр. 39
القصيدة في مقطوعات أو دورات (بلغت إحدى عشرة دورة) وهي أيضا في هذه القسمة تشكو ما تشكوه قصيدة نازك، من حيث أن تلك الدورات لا تعبر عن مراحل محددة في بناء القصيدة، ومن ثم فإن إغفالها لا يعد إخلالاً بطبيعة ذلك البناء، غير أن السياب؟ على الضد من نازك - لم يحصر القصيدة في جو البيت أو المعبد، وإنما جعله أرحب من ذلك حين أتخذ السوق مسرحا لقصيدته، غير أن هذا التغيير يجب ألا يخدعنا طويلا، فإن الوحدة مضروبة على هذا السوق نفسه لأن الوقت ليل، وقد خلا من البائعين والمشترين ومن الجالسين والماشين، سوى بعض العابرين الذين لا يتجاوز أصواتهم الغمغمة، وإنما فعل الشاعر ذلك ليتيح لنفسه عمق الإحساس بالغربة في ذلك الجو الليلي الذي بسطه - كما فعلت نازك أيضا - فاتحة لقصيدته، ولأنه يخشى أن تشغله الأصوات عن تأمل أمرين: الأول: البضائع التي يحتويها السوق، والثاني ما تثيره تلك البضائع من ذكريات أو ما تفتحه من كوى على المستقبل، وليس للأمر الأول من قيمة إلا لأنه يؤدي إلى الثاني. ويسير " الغريب " في السوق فيرى الأكواب والمناديل (أدوات حفلة عرس) ولكن الشموع هي أشد ما يجذب انتباهه، لأنها تذكره بقلبه الذي كان حيويا ثم أخذت حيويته في الإطفاء مثلما هو مصير كل شمعة، وفجأة يتذكر كيف عاد النور إلى قلبه بظهورها؟ أعني فتاته - لتنقذه من وحدته، ولكنه كان يحس أنها ليست هي، وأن أحلامه في أخرى سيمضي باحثا عنها، إلا أن الأولى أكدت له إنها هي معقد أمانيه، هي الحبيبة التي طال انتظارها، غير أنها تنبأت له بأنه لن يحقق حلمه ببناء بيت على الربوة مضاءة بالشموع، وتضعه بين " قرني المعضلة " حين تقول له:
стр. 40
أنا أيها النائي الغريب
لك أنت وحدك، غير أني لن أكون
لك أنت؟ اسمعها، واسمعهم ورائي يلعنون
هذا الغرام
سيبقى لا ثواء ولا رحيل، سيحاول السير فيجد أن قدميه مسمرتان في مكانهما، وسيستنجد بإرادته، لا بد من المضي للقاء تلك التي تنتظره، لأنه يحس بقسوة الشموع التي ستضاء في عرس تلك المتشبثة به؟ وهي ليست له -، لا بد من المضي، فترتخي يداها عنه، ليجد نفسه واقفا حيث هو لا يستطيع أن ينقل قدما.
نحن إذن مرة أخرى في جو رومنطقي: غريب في جو حزين وذكريات حزينة، فالسوق كئيب والحوانيت كأنها أنغام تذوب والأنغام التي تتأدى فيه حزينة والنور شاحب ووجوه العابرين شاحبة وكلامهم غمغمة، والأشياء؟ بسبب الضوء الباهت (أو بسبب نفسية الغريب على الاصح) توحي بتنبؤات كئيبة: فالأكواب تحلم بالشراب والشاربين، وربما حشرجت فيها الحياة وبردت، والمناديل حائرة لأنها تنبئ عما سيحدث في المستقبل من مناظر وداعية، يضوع فيها العطر أو يضرجها الدم الذي يتقطر. مغمغما " مات. مات "؟ تماما كما فعلت الطبيعة في قصيدة نازك، إلا أن الكلمة هنا ليست سحرية، ولا تتردد سوى مرتين، وتنقطع النبوة عند هذا الحد، فيما يتصل بالمناديل، لأن سلعة أخرى شغلت انتباه الغريب وهي الشموع التي يراها؟ بعين بصيرته - وقد أوقدت في المخدع المجهول، في مكان ما في جنوب العراق، وحيث عاش الغريب يحلم " بالصدر والفم والعيون "، وطال به الحلم:
بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل