← Адаб

Адаб · id 1018

اتجاهات الشعر العربي المعاصر

إحسان عباس

Полный текст (288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

موت المحبوبة في القصيدة ضروريا لا لأنه يحقق العقاب وحسب، بل لأنه يبقى على الصورة المثالية دون أن تتشوه أجزاؤها. وتتكئ القصيدة على عنصر آخر متصل بالعنصر السابق شبه الديني، بل هو يوسع من حدوده، لأنه يجعل الإثارة متصلة بالشعائر مطلقا، أعني بذلك ترديد الكلمة السحرية التي تعتبر مفتاح القصيدة وشارة التحول فيها، وهي لفظة " ماتت " لفظة تنبعث من كل النواحي وترددها الظلمات وشجرات السرو والعاصفات وتصل أصداؤها إلى النجوم؛ وإحساس الطبيعة بهذا الموت، دليل على أن المحبوبة قد أصبحت جزءا من تلك الطبيعة كما أنه دليل على فداحة الفاجعة، هذا من ناحية الدلالة المعنوية أما من حيث تأثير اللفظة في بناء القصيدة فإنها حولت حركتها إلى جمود في كل مكان عن نبضات الحياة وعن حيوية التحليل النفسي، ولهذا شغلت من القصيدة أربعة مقاطع (من بين سبعة) . ولولا أن الشاعرة أوجدت في قصيدتها عنصرا ثالثا مهما؟ بل أهم عناصرها؟ لتوقف حركة القصة عند نهاية مألوفة، وذلك العنصر هو الخيط، وهو سر تعلق المحب بتفسير ما يظنه من لغز فيه، وهو تميمته (تعويذته) التي استعان بها على طرد أثر الكلمة السحرية " ماتت "، ووجوده هنالك مشدودا في شجرة السرو جعل المحب يهرب من مجال المسموع إلى مجال المنظور، وبدلا من أن تصعقه اللفظة السحرية، بشدة وقعها الرهيب، تلقى " الخيط " عنه لعنتها حين أمسكه وأخذ يبعث به، فغدا أداة " تسريب " للسموم التي كانت تنفثها في نفسه لفظة " ماتت ". ذلك أن حروف لفظة " ماتت "؟ في رسمها

стр. 37

كانت تبدو كالمشنقة، " كل حرف عصب يلهث في صدرك رعبا " كما أن الخيط كان صورة من المشنقة أيضا، كان " حبالا من جليد "، وقد هرب المحب من مشنقة حقيقية إلى أخرى رمزية، وكانت حياته؟ في نظر الشاعرة - ضرورية ليتعذب ويقاسي أهوال الندم ويغرق في لحج الضياع. وقد كانت الشاعرة قادرة على أن تجعل ذلك الخيط جزءا من الذكريات، فيصير في يد المحب شيء من الماضي، ولكنها أبت حتى ذلك عليه، إذ أنه بعد فراق شهرين، عاد ليرى الخيط وهو لا يدري متى شد في موضعه؟ من شده؟ ولماذا علقوه، أنه شيء لم يكن له في تاريخ الحب علاقة بالمحبوبة، ومع ذلك فقد تعلق به المحب، لعله أن يكون أثرا من آثار تلك التي ماتت، لعله؟ ألم يكن مشدودا إلى شجرة السرو، وهذه الشجرة ترمز إلى المحبوبة، أتراها هي التي وضعته هنالك ليرمز إلى أنها أحكمت ربقة الموت حول نفسها وحول حبها وحول الماضي؟؟ علالة نفس هي كل ما تبقى له من " الحب العميق "، وعدم اتصال الخيط بأي شيء من ذكريات الماضي يعمق مشاعر التشفي والشماتة، ويومئ في سخرية خفية إلى أن المحب حين فقد كل شيء انتحل لنفسه وجود لغز حسبه متصلا بالماضي ليتأمله على البقاء. وقد قسمت الشاعرة قصيدتها في سبعة مقاطع (أو دورات) ، ولكن هذه القسمة لم تكن ذات قيمة في البناء الفني للقصيدة، لأنها لا تمثل مراحل دقيقة في نموها واسترسالها، ولهذا يستطيع الدارس أن يغفل هذا المظهر دون أن يجوز بذلك على المبنى العام للقصيدة، وهو مبنى قائم في جملته على التوازي المستمر بين شيئين أظهرهما: موت " البطلة " وتحولها إلى جزء من الطبيعة الأم المخصبة تلك الطبيعة ترثي المحبوبة إلى الكون بترديد الخبر عن

стр. 38

موتها، كأنه القوة السارية في تلك الطبيعة، وحياة " المحب " والسخرية من تلك الحياة إذ يحاول استمداد البقاء من عنصر مجدب ميت تافه صغير هو " الخيط "، وبين هذين المتوازيين تقع المتوازيات الأخرى من حركة وتوقف، وتوبة وعقاب، ومسموع ومنظور، وراحة أبدية وعذاب مستمر، والتطهر بالموت (دون ذنب) والحرمان من التطهر (وبقاء الذنب) ، إلى غير ذلك من صور التوازي. هذا المبنى المتوازي ليس هو الذي يمنح القصيدة لونا جديدا، لأنه موجود في الشعر الكلاسيكي، كما أن منحاها الرومنطيقي لا يمنحها جدة وإنما يلحقها بتيار عريق في التاريخ الشعري، ومع ذلك يحس القارئ بهذه القصيدة أنها تنفرد بسمات مميزة: ومن أبرز تلك السمات طريقة خلق التوازي، وخلق الجو شبه الديني، والإلتفات إلى العناصر الصغيرة التي بها يكتمل نظام المبنى، فهل هذا كله من أثر انتحال جديد؟ مهما يكن الجواب على ذلك، فإن هذا الشكل قد يسر الجانب التحليلي، وقوى العنصر الدرامي، وجعل للتوازي مجالا واسعا، وسيجد من يدرس شعر نازك أن هذه القصيدة تعد معلما على التيار الكبير في ذلك الشعر، من حيث الاحتفال بالبناء والتحليل والدرامية وبسط التمهيدات المكانية والزمانية، والتمرس بمشكلة الموت وبالزمن، والاغتراف الكبير من الذاتية ذلك الاغتراف الذي يجعل التوجه إلى الخارج أمرا مرهقا غير سهل بل قد يستعصي على الشمولية والاحكام، فليس غريبا إذا وجدنا نازك تستقل بإتجاه خاص في الشعر يصعب التحول عنه. وقد سار بدر شاكر السياب في قصيدته " في السوق القديم " على الطريق الذي سلكته نازك من حيث قسمة

стр. 39

القصيدة في مقطوعات أو دورات (بلغت إحدى عشرة دورة) وهي أيضا في هذه القسمة تشكو ما تشكوه قصيدة نازك، من حيث أن تلك الدورات لا تعبر عن مراحل محددة في بناء القصيدة، ومن ثم فإن إغفالها لا يعد إخلالاً بطبيعة ذلك البناء، غير أن السياب؟ على الضد من نازك - لم يحصر القصيدة في جو البيت أو المعبد، وإنما جعله أرحب من ذلك حين أتخذ السوق مسرحا لقصيدته، غير أن هذا التغيير يجب ألا يخدعنا طويلا، فإن الوحدة مضروبة على هذا السوق نفسه لأن الوقت ليل، وقد خلا من البائعين والمشترين ومن الجالسين والماشين، سوى بعض العابرين الذين لا يتجاوز أصواتهم الغمغمة، وإنما فعل الشاعر ذلك ليتيح لنفسه عمق الإحساس بالغربة في ذلك الجو الليلي الذي بسطه - كما فعلت نازك أيضا - فاتحة لقصيدته، ولأنه يخشى أن تشغله الأصوات عن تأمل أمرين: الأول: البضائع التي يحتويها السوق، والثاني ما تثيره تلك البضائع من ذكريات أو ما تفتحه من كوى على المستقبل، وليس للأمر الأول من قيمة إلا لأنه يؤدي إلى الثاني. ويسير " الغريب " في السوق فيرى الأكواب والمناديل (أدوات حفلة عرس) ولكن الشموع هي أشد ما يجذب انتباهه، لأنها تذكره بقلبه الذي كان حيويا ثم أخذت حيويته في الإطفاء مثلما هو مصير كل شمعة، وفجأة يتذكر كيف عاد النور إلى قلبه بظهورها؟ أعني فتاته - لتنقذه من وحدته، ولكنه كان يحس أنها ليست هي، وأن أحلامه في أخرى سيمضي باحثا عنها، إلا أن الأولى أكدت له إنها هي معقد أمانيه، هي الحبيبة التي طال انتظارها، غير أنها تنبأت له بأنه لن يحقق حلمه ببناء بيت على الربوة مضاءة بالشموع، وتضعه بين " قرني المعضلة " حين تقول له:

стр. 40

أنا أيها النائي الغريب لك أنت وحدك، غير أني لن أكون لك أنت؟ اسمعها، واسمعهم ورائي يلعنون هذا الغرام سيبقى لا ثواء ولا رحيل، سيحاول السير فيجد أن قدميه مسمرتان في مكانهما، وسيستنجد بإرادته، لا بد من المضي للقاء تلك التي تنتظره، لأنه يحس بقسوة الشموع التي ستضاء في عرس تلك المتشبثة به؟ وهي ليست له -، لا بد من المضي، فترتخي يداها عنه، ليجد نفسه واقفا حيث هو لا يستطيع أن ينقل قدما. نحن إذن مرة أخرى في جو رومنطقي: غريب في جو حزين وذكريات حزينة، فالسوق كئيب والحوانيت كأنها أنغام تذوب والأنغام التي تتأدى فيه حزينة والنور شاحب ووجوه العابرين شاحبة وكلامهم غمغمة، والأشياء؟ بسبب الضوء الباهت (أو بسبب نفسية الغريب على الاصح) توحي بتنبؤات كئيبة: فالأكواب تحلم بالشراب والشاربين، وربما حشرجت فيها الحياة وبردت، والمناديل حائرة لأنها تنبئ عما سيحدث في المستقبل من مناظر وداعية، يضوع فيها العطر أو يضرجها الدم الذي يتقطر. مغمغما " مات. مات "؟ تماما كما فعلت الطبيعة في قصيدة نازك، إلا أن الكلمة هنا ليست سحرية، ولا تتردد سوى مرتين، وتنقطع النبوة عند هذا الحد، فيما يتصل بالمناديل، لأن سلعة أخرى شغلت انتباه الغريب وهي الشموع التي يراها؟ بعين بصيرته - وقد أوقدت في المخدع المجهول، في مكان ما في جنوب العراق، وحيث عاش الغريب يحلم " بالصدر والفم والعيون "، وطال به الحلم: بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل

стр. 41

حتى خبت شمعة قلبه وأعادت إيقادها؟ مؤقتا - تلك التي " أتت هي والضياء ". حتى هذا الحد أنهى الشاعر ثماني دورات من قصيدته وهو يصور انعكاس مواجده النفسية على الأشياء، وقدرة تلك الأشياء على الإثارة التنبؤية لما يكنه المستقبل، فهو غارق في حلم أو سائر في النوم، تلوح لعينيه المغمضتين رؤى المستقبل، كما تلوح له؟ في هذا الوضع - نافذة تضاء، والنافذة التي تضاء في شعر السياب تقترن بالطفولة (شناشيل ابنة الجلبي) وبالحب وبالمرأة المتمناة وبالأمل العريض، ولكنها هنا ترد عابرة وكأنها حشو في القصيدة، وهذا السائر في النوم لا يرى إلا بعض الأشياء التي تتخذ في حفلات الزواج، حتى إذا لاحت المنتظرة ظنها الفتاة التي سيقترن بها، ولكن حين وضعته في منطقة " الما بين " (١) ؟ لا يأس ولا رجاء، لا ثواء ولا رحيل - كان أقسى ما تصوره أن يحس بأن الشموع ستوقد في زفافعا لغيره: ليس أحداق الذئاب أقسى علي من الشموع في ليلة العرس التي تترقبين وكما هرب المحب في قصيدة نازك من صعقة الكلمة السحرية إلى الخيط، هرب الغريب في قصيدة السياب إلى إرادته ولاذ بها يستنجدها، مصمما على الرحيل، ليلقى الأخرى، " سوف أمضي، سوف أسير " ثم ليجد نفسه وقد أحاط به العجز من كل ناحية، ذلك لأنه عقد هذه الارادة بلقاء أمرأة متوهمة لا وجود لها، عند طرف السراب، في

стр. 42

الجنوب، حيث حدثنا أن حياته هنالك مرت في صورة حلم طويل لم يتحقق منه شيء، ولم تظهر فيه أية امرأة. قصيدة السياب قسمان يكادان يكونان متمايزين: تصورات بين الماضي والمستقبل أو سلسلة من الهواجس الحلمية ثم صراع؟ في الحلم - بين الواقع والمستحيل، والقسم الأول هو الأطول، إذ طال به التلدد في جنبات السوق حتى وقع بصره على الشموع وكانت وقفته عند الكوب والمنديل (رغم صلتها بحفلة الزواج) غير متسقة مع الوقفة الطويلة التي وقفها عند الشموع بل ربما لم يكن ربط الجزءين معا في هذا المبنى إلا بشيء من التجاوز والتقدير. ومع ما في قصيدته من تشابه بقصيدة نازك إلا أن الفروق بينهما واسعة، لا في أن السياب هنا استسلم لروابط واهية في إطالة القصيدة وحسب، بل لأنه ما يزال يعني بالتصوير الخارجي، لا بالتحليل الداخلي، ويذهب مع الاستطراد حيثما أتجه به، وإذا كان للشكل الجديد لديه من أهمية، فإن أهميته تكمن في القسم الثاني حيث استقوت الناحية الحوارية، على حساب التصوير الذي شغل أكثر القسم الأول. أن السياب؟ سيظل مثل نازك - شغوفا بالمشرع التمهيدي الذي يحدد الجو المكاني والزماني، بل سيزيد على نازك في هذا المنحى لأنه سيختلف اختلافاً كبيرا عن نازك في اتجاهه الشعري عامة وهذه القصيدة على دلالتها لا تصلح أن تكون مؤشرا على جميع انعطافات السياب في المستقبل، لأنها تجربة يحسن أن ينتقل عنها إلى غيرها، ولأنه تعرض لمؤثرات كثيرة عنيفة ظلت نازك بمعزل عنها. ولكن مهما يكن من شيء، فإن القصيدة تنبئ أيضا أن

стр. 43

التحول إلى الشكل الجديد لم يبعد بصاحبه كثيرا عن المنحى الرومنطقي الخالص، حتى ذلك الحين (١) ، كما أنها من وجه آخر تدل على شغفه بالإطالة؟ على حساب المبنى - وعلى قوة التداعي، وعلى تعلقه الواقعي بإبراز مشكلة حرمانه من المرأة، ورغبته الواقعية الطاغية العارمة في العثور على زوج وبيت، وعلى حنينه الدائم إلى " الجنوب " حيث القرية؟ (جيكور) - والأم والنخيل والحقل الذي تموج به السنابل تحت أضواء الغروب، وإذا كان السياب في هذه القصيدة لم يلجأ إلى الكلمة؟ التعويذة (جالبة الخير أو طاردة الشر) فإنه لجأ إليها في بعض قصائد هذه المرحلة مثل قصيدته " نهاية " (٢) حيث يردد ما قالته له الحبيبة " سأهواك " وسيلجأ إليها من بعد مقترنة بإيحاءات شعائرية خالصة (٣) . وقد يمكن أن يقال أن المحب في قصيدة نازك قد انتقل من المجتمع؟ عبر الطريق المألوف - إلى وحدة المعبد، وضاع في وحدته، وأن الغريب في قصيدة السياب قد ضاع في السوق، أي في المجتمع، أو في نوع منه (ولعل السوق هنا يرمز إلى المدينة) ، وأن كلا الضياعين يعبران بقوة عن اتجاهين مختلفين منذ البداية، وستتسع مسافة الخلف بينهما في المستقبل. ويتناول البياتي السوق في قصيدته " سوق القرية "، ويحتفل بالتوطئة المكانية والزمانية مثل زميليه، لكن

стр. 44

هذه التوطئة جزء من صلب القصيدة لا يراد منها أن ترسم جوا معينا يصلح لما يليه؟ لأن القصيدة كلها توطئة لشيء لم يقل من بعد - باستثناء لفظة " الشمس " التي تفتتح بها القصيدة، فإنها تصلح أن تكون تحديدا زمنيا كما تصلح أن تشير إلى معاناة المحتشدين في لك السوق من شدة الحرارة. فالمنظر إذن في النهار لا في الليل، وهو بذلك ضئيل الإيحاءات الرومنطقية لأنه ضئيل الصلة بالحلم، والشاعر هنا مشاهد، وقد يبدو أنه مشاهد محايد إلا أنه ليس كذلك، فإنه يعتمد على حاستين؟ متوازيتين توازيا مقصودا في القصيدة - وهما حاسة البصر وحاسة السمع، والأولى تسجل وكأنها آلة فوتغرافية، ولكنها في الوقت نفسه، انتقائية فيما تريد أن تنقله. كل شيء هنا مرتب بالتناوب؟ على نحو عامد - بين المنظور والمسموع: والمنظور نوعان: أشياء ومناظر توحي بالفقر والتخلف " كالحمر الهزيلة والذباب وحذاء قديم، وبنادق سود وأطفال يصطادون الذباب؟ "، وأناس طيبون حالمون: فلاح فقير يحلم بأن يشتري الحذاء القديم وحكيم صغير يبيع حكمته ولا يجد لها من يسومها، وحاصدون متعبون يزرعون صاغرين للإقطاعي ويظلون جائعين، فهم يحلمون يوما أن يزرعوا لأنفسهم، وعائدون من المدينة يصرخون مما شاهدوه من أهوالها ويلوذون بحمى قريتهم، وبائعة أساور وعطور (حيث يسعى الناس إلى العثور على الحاجي والضروري فكيف يجدون ما يعينهم على شراء الكمالي!) وحداد دامي الجفن يستعيض بالحكمة عن كساد سلعته، وبائعات كرم يحلمن بالأزواج: عينا حبيبي كوكبان وصدره ورد ربيع

стр. 45

في القصيدة حلم كثير بل سلسلة من الأحلام، ولكن الشاعر نفسه ليس هو الحالم الرومطيقي، وإنما هو يسقط الحلم على مجتمع هذا السوق (وهو نفسه مجتمع القرية) لأن ذلك الحلم في حياة أولئك الفقراء الكادحين تعويض عن الحرمان، وإذا كان " الغريب " في سوق السياب قضى شطرا طويلا من عمره " بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل " فإن القرية تبدو للواقف في سوق الباتي " أكواخا تتثاءب في غاب النخيل "، وكأن البياتي يقول في قصيدته: لماذا يختار الشاعر أن يمشي في الليل وحيدا في سوق قد خلت من الناس أو كادت ليحلم بالحب والمنتظرة، ولا يحاول أن يرى السوق في واقعها الصحيح، في رائعة النهار، وفي القرية لا في المدينة، ويستمع إلى أحلام الفقراء وتمنيات المعوزين، أنه ليس في حاجة أن يرى السوق حزينا لأنه هو نفسه حزين، شاحبا لأن أحلامه شاحبة، وما عليه إلا أن يجيل بصره وسمعه ليدرك أن السوق بائس حزين، دون استقطاعات ذاتية. ومن اللافت للنظر تلك المفارقة التي يقيمها الشاعر بين القرية والمدينة مستمدا حكمه على المدينة من تصور الفلاحين لها وهم يقولون لدى عودتهم منها: يا لها وحشا ضرير صرعاه موتانا وأجساد النساء والحالمون الطيبون فهذه المفارقة تضيف إلى بؤس الريفيين بؤسا جديدا: أين يذهبون؟ أنهم يفرون من قراهم وبؤسها وتخلفها إلى المدينة فتفترسهم ببراثنها خبط عشواء، فيعودون وقد ضاق عليهم المنقلب والمتردد يرضون بمعايشة الذباب، واجترار الحكم البالية. ويتذكرون أن قريتهم؟ رغم قذارتها

стр. 46

المادية - نظيفة معنويا لأن أجساد النساء لا تباع فيها، وينسون وهم الحاصدون المتعبون " أنهم مسخرون جسديا ومعنويا ليزرعوا صاغرين كي يأكل الإقطاعيون. (وليس من شك في أن هذه القرية وتلك المدينة هما؟ من بعد - قرية السياب ومدينته، إلا أن القرية تتوشح بذكريات الطفولة وظلال النخيل والبراءة كما يكبر الوحش الضرير وتطول أنيابه وتشحذ براثنه، حتى يصبح هولا لا يطاق، ولا نجاة منه إلا بالعودة إلى وداعة القرية وسماحتها، لأن السياب سيظل دائما واحدا من " الحالمين الطيبين ") . وليس في قصيدة البياتي ذلك المبنى الذي يمنح قصيدة نازك ما فيها من روعة في الأحكام، ولا فيها شيء كثير من التحليل، ولا فيها نزوع السياب إلى الافتتان بحشد الصور والتقاطها من كل مكان، وإنما هي محض " صورة " للسوق في فترة زمنية محددة تقع بين حدة النشاط فيه واقفاره، نعم فيها ذلك التوازي الذي لا يختل بين المنظورات والمسموعات، ولكن لا شيء سوى ذلك، وتكاد تعتمد الجانب الإحصائي، دون تدخل مباشر أو تعليق موجه أو إغراق في استعمال الصفات، وتكاد تتجنب الإثارة العاطفية؟ في ظاهرها - وهي بهذا كله اقرب إلى لوحة الرسم منها إلى القصيدة، وهي من ثم غير متطورة من داخل الموجة الرومنطقية في الشعر العربي، كما هي الحال في القصيدتين السابقتين، ولما كانت أقرب إلى الرسم لم تحاول شيئا من الدرامية الحوارية، وكل ما أفادته من الشكل الجديد حرية الاختيار في الإحصاء، وإرسال الأقوال الحكم دون توطئة لها بمثل " قال " أو " يقول ". ومشاعر الشاعر فيها محتبسة وراء سور؟ يكاد يكون مصمتا - من الاقتصاد الدقيق في إسباغ الصفات والصور والاكتفاء

стр. 47

بالتسجيل، فهو رغم حدبه على هؤلاء الكادحين، في تعبيرات خاطفة في إيحاءاتها، لا يبدي شيئا من الرثاء لحالهم، ولا يصرح بشيء من التفجع لهم، ولا يستصرخ أحدا لإنقاذهم. ليس في القصيدة فرد يقع تحت تقلبات العاطفة وتغير العلاقات أسيرا للضياع، هنا مجتمع صغير ضائع، كل فرد فيه ضائع لأنه مرتبط بالمجموعة الضائعة ويحاول أن يتعزى بالحلم. وحضور الشاعر هنا جزئي، لا شخصاني (وليعذرني اللغويون في استعمال هذه الصيغة) ، وهو أمر لم نألفه في الشعر الغنائي الذي يتطلب أن يكون حضور الشاعر كليا. ذلك حضور أقرب إلى تصور اليوت لمهمة الشاعر، في أن يكون حياديا، إلى أقصى ما يستطيع، ولكن رغم أن حيادية اليوت قناع من الأقنعة الذاتية، فإن هذه القصيدة تخرج على ما يريده اليوت نفسه، من حيث أنها صورة مسطحة لا تنقل الرمز وأعماقه، معا في آن واحد، بل هي بعيدة أن تكون رمزا، لأنها تنقل ما تنقل دون أن تقول؟ على المستوى الرمزي - أي شيء. وإذا كانت هذه القصيدة؟ كما قررنا من قبل - غير متطورة من داخل الموجة الرومنطقية، فهل نذهب لنبحث عن منتمى جديد لها؟ لا أجد بأسا في ذلك لأننا نعلم حق العلم أن التجاه إلى التجديد في هذا الشعر إنما كان مستوحى من الإطلاع على الشعر الإنكليزي؟ كما سبق القول - فلا ضير إذا نحن ذهبنا نطلب صلة لهذه القصيدة بمناخ آخر غير مناخ اشعر العربي. إن قصيدة نازك نفسها تذكرنا بقصيدة " سويني بين العنادل " (١) لاليوت، من حيث البناء، فقصيدة اليوت تزاوج بين الرثاء والسخرية؟ رثاء البطل الحقيقي أغاممنون، والسخرية من البطل المزيف

стр. 48

المضحك " سويني "؟ إلا أننا لا نعتقد أن نازك تأثرت قصيدة اليوت أو أنها كانت قرأتها حين نظمت قصيدتها " الخيط المشدود "، ذلك لأنها اختارت؟ في بناء قصيدتها - منهج التوازي، بينما ذهب اليوت في قصيدته إلى التطابق؟ أو إلى إيهام التطابق - وبين المنزعين فرق كبير. أما قصيدة البياتي فأنها - رغم رفعها للراية الحيادية الاليوتية على نحو ما - لا تصل بمنزع اليوت الشعري ولا تحتذيه، ولعلها؟ من ثم - تنتمي إلى مجال آخر. وفي سبيل أن نهتدي إلى هذا المجال دعنا نحدد مميزاتها الكبرى: أنها قصيدة رغم التوازي فيها بين المسموع والمنظور، شديد الاهتمام - في ذلك الجو النهاري الحار المشمس - بالمنظور نفسه، وليس المسموع فيها إلا نتيجة للعناصر التي يتكون منها ذلك المنظور، فهي بهذا المعنى صورة كاملة واضحة الجوانب مميزة العناصر، وهي من وجه آخر ثورة على القصيدة التي تلتبس بالحلم، صحيح أن الناس في داخل الصورة الكبيرة يحلمون، ولكن الشاعر نفسه ليس حالما، بل هو واقعي إلى حد أن يكون " طبيعيا " في نقل ما يراه، وهي من وجه ثالث ثورة على أن تكون القصيدة اعترافية، إذ لو اعتبرنا القصائد الثلاث، لوجدنا أن ما يقوله كل من نازك والسياب لا يعدو أن يكون فيضا اعترافيا لمواجد ذاتية في لحظة ما، أو جزءا من تاريخ عاطفي، متخيل أو حقيقي، أما قصيدة " سوق القرية " فإنها لا تؤمن بهذا الاعتراف، ولا تقر به، وهي تتجنبه قدر المستطاع، ثم هي من وجه رابع بداية رؤية للحركة الجماعية وابتعاد عن الذات، ترسم دون أن تنتقد، ولكنها قد تتطور في المستقبل فتجمع؟ في صورة أخرى - بين الرسم والنقد معا في آن. هذه المميزات تجعل منها تجربة جريئة، لأنها قد تكون نتاج تيارات مختلفة، فالفصل بين القصيدة والحلم يذكرنا

стр. 49

بموقف الشاعر الفرنسي بول ايلوار الذي يجعل التمييز بينهما ضروريا لأن الحلم يستهلك ويتحول بينما لا يضيع من القصيدة شيء ولا يغير، وكذلك هو الإلحاح على أهمية البصر في الرسم أيضا، فإنه ينتمي إلى ايلوار نفسه، ولكن الناحية الإحصائية في القصيدة ذات منتمى آخر، غير بعيد، فهو منتمى سريالي دون تحديد، إذ نجد بعض قصائد السرياليين لن تكن سوى مجموعة من الأسماء صفت في نطاق واحد، ويتصل هذا؟ من وجه ما - بنصاعة الصورة ووضوحها وصلابة حواشيها، وذلك أمر يلحق بمذهب الصوريين (الإيماجيين) الذين كانوا يرون أن الشعر لا بد أن ينقل الأجزاء والعناصر بدقة تامة، صلبة واضحة، وأن التركيز هو جوهر الشعر وحقيقته، وفي النهاية يتفق هذا اللون من النقل من الحيادية التي يتطلبها اليوت، وذلك يعني تبرئة القصيدة من عناصر الاعترافية الذاتية. فأما العنصر الآخير وهو التنبه للحركة الجماعية فإنه قد أعان الشاعر على مبارحة النطاق الذاتي الاعترافي، ولكنه قد يكون من وجه آخر بداية اليقظة على آلام المجتمع وبؤس الكادحين، بوحي من نظرة يسارية. قد يكون في كل هذا التصور إسراف، لا أريد به وجه التجني، إذ أنا أقول أن البياتي قد خضع لكل هذه المؤثرات حين كتب هذه القصيدة، وإنما نحن إزاء قصيدة نقل لنا صورة للشعر لم نألفها من قبل، ونحن حين نقرؤها نستذكر مظاهر كثيرة كانت تجري في الشعر الأجنبي، الإنكليزي والفرنسي، وأننا إذ ندرس الشعر العربي الحديث، فلا بد أن نكون على وعي بتلك المظاهر وما تمثله من تيارات، فذلك حقيق أن ينير أمامنا جوانب من الطريق ونحن نتحدث عن اتجاهات ذلك الشعر، وإذا كانت القصيدة نفسها تذكر بانتماءات شتى، فليس معنى ذلك أن الشاعر

стр. 50

سيظل قادرا على الإيحاء بهذه الانتماءات جميعا، وفي بعضها أحيانا تضارب، وبعضها قد يقوي حتى يحجب غيره، ولكنه سيختار اتجاها أكثر تلاؤما مع نفسيته وبيئته، ولهذا فإن اتجاهه الكبير لم تتوضح معالمه بعد. وحسبك أن تضع عناصر الثورة على المألوف الشعري في هذه القصيدة إلى جانب ذلك الاتكاء الواضح على التراث في الأقوال والأمثال المرسلة من مثل: ما حك جلدك مقل ظفرك، لن يصلح العطار ما قد افسد الدهر الغشوم، أبدأ على أشكالها تقع الطيور، وهذا الاتكاء وأن كان مستوحى من اليوت؟ على نحو لا يقبل الشك - فإنه من العناصر التي لن يتخلى عنها البياتي، مهما يمتد به حبل التطور، وهو يرينا أهمية تحديد المنطق في تبين العناصر المتحولة؟ أو القابلة للتحول - والعناصر الثابتة في اتجاهات شاعر ما. غير أن مما يحجب المسرب الكبير الذي سيتجه فيه شعر البياتي من بعد أنه كان في هذا الدور من نشاطه الشعري ما يفتأ يجرب، يبحث، يتلمس جاهدا ليستكشف الطريق، ولهذا فإن قصيدة واحدة؟ رغم كل ما تحمله من دلالات - لا تستطيع أن تصور وحجها جميع الروافد التي كانت تعمل معا لتشكل اتجاه التيار الكبير، وحسبنا على ذلك مثل آخر هو قصيدته " مسافر بلا حقائب " (١) ، التي يفتتحها بقوله: من لا مكان لا وجه لا تاريخ لي، من لا مكان تحت السماء وفي عويل الريح اسمعها تناديني " تعال! "

стр. 51

ولست أريد أن أقف عند هذه القصيدة وقفة تحليلية، وإنما أكتفي بملاحظات أراها ضرورية في هذا السياق، فهذه القصيدة تقدم لنا معجما يكاد مستوفى من ألفاظ: العبث والتثاؤب والضجر والسأم والوحل والطين واللاجدوى والجدار والباب المغلق، ومن السهل أن نتصور من خلال هذه الألفاظ جميعا أي جو تريد أن تضعنا فيه وأي جو تستوحيه، فهي تستعيد أكثر ما في قاموس الحركة الوجودية في مرحلة من مراحلها، و " المتكلم " في القصيدة يعاني الانفصال ويشكو اللامكانية واللاتاريخية، وحين يقول " لا وجه لي " فإنه قد يشير إلى أنه بف السمات المميزة أو يفقد الوجهة ولا يعرف إلى أين يسير، وسواء أكان " أنسانا " عاديا أو فنانا فإنه؟ على الحالتين - واحد من بني الإنسان الذين يجدون أنفسهم جميعا معزولين، أو كما يقول سارتر في كتابه " الوجود والعدم ": كل إنسان تفصل بينه وبين الآخرين هوة لا يمكن عبورها، فالتواصل على ذلك مستحيل، وقد رمز الشاعر لهذه الهوة بالتلال وبالصوت الذي يسمعه يناديه " تعال " من وراء تلك التلال، ومع أن الحب قد يصبح قوة موحدة إلا أنه في هذا الوجود يعجز عن أن يقوم بهذا الدور. ومن الأصح أن نسمي هذا الإحساس الذي تنقله القصيدة غربة، وأن نربط بين الغريب فيها وغريب كامو، وحين نبحث عن أسباب هذه الغربة؟ أو التغرب - لا نجدها سارترية بالمعنى الدقيق، لأنها ليست غربة عن الذات بسبب نظرة الآخرين، إنما هي غربة متافيزيقية لانبات الصلة بالمكان والزمان (التاريخ) ؛ وقد يكون أسباب الاغتراب كثيرة؟ حسبما يراها علماء الاجتماع - فمن أسبابها الشعور بالوحدة، وعدم الرضى عن العلاقات الاجتماعية، والسخط على طبيعة الوظيفة، والإحساس بالضعف أو بعدم الثقة؟ الخ، ولكنها عند الشاعر ربما تمت إلى كل هذه

стр. 52

الأسباب، ربما كان فيها شيء من الضيق " بمستنقع التاريخ " أي بالواقع الحضاري وقيمته، إلا أنها في الجملة " غربة وجود "، لأن ذلك الوجود لا يجد ما يسوغه، وهي بهذا المعنى تعود لتلتقي مع تصرفات بعض أبطال سارتر في بعض رواياته لا مع فلسفته النظرية عن الاغتراب، وأيا كانت صلتها ومهما تكن بواعثها، فإنها كانت يومئذ تتصل بما شاع من نظرات وجودية. وخلاصة موقف " المتكلم " فيها أنه إنسان فقد هويته، وأنه لو كان هناك " رجاء " لا حب أن يستعيد تلك الهوية من خلال سيره الدائب بحثا عنها، ولكنه لا يغفل، وحين يعلل نفسه بقوله: " سأكون " يحس بعدم الجدوى وبأنه سيبقى دائما سائرا من لا مكان، ودون وجه ودون تاريخ. ولكنه لن يستطيع أن يتجاوز ذلك الصوت الذي يناديه، والذي سيشكل بحسب التحولات التي توجهه من بعد في كل مرحلة شعرية، وأنه أن كان في هذه القصيدة مؤمنا باستحالة استرداد الهوية التي فقدها، فإن كثيرا من همه في المستقبل سيغدو بحثا عن تلك الهوية رجاء استعادتها. ومهما يكن من شيء فانا نرى البياتي؟ بعيد سنوات قليلة من الانطلاقة التي سار فيها كل من نازك والسياب - قد سخر الشكل الشعري الجديد لمؤثرات خارجية مختلفة، تجاوزت التحوير للمواجد الرومنطقية الذاتية، وأتاح للحركة الجديدة أن تبارح نقطة التحول من داخل الماضي، وأن تعانق وجهة؟ بل وجهات - جديدة، فإذا كان نازك والسياب قد اشتركا في ارتياد شكل جديد، فإن البياتي كان أسبق المجددين إلى تغيير طبيعة المحتوى في ذلك الشكل. لقد ألقى الأولان حجرا في ماء الشعر وسرهما؟ إلى حين - اندياح الدوائر واتساع أقطارها في ذلك الماء، وذهب الثالث يعمل على تحويل مجرى ذلك الماء ليسقي غراسا مختلفة.

стр. 53

٣ - العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية كانت الغاية من التحرم بهيكل التاريخ؟ في الفصل السابق - أن نستجلي " نقطة البداية " لا غير، دون أن يكون ثمة إصرار على الاستمرار في هذا السياق التاريخي، وهو سياق طبيعي ممكن، بل يكون أحيانا ضروريا. ولكن الأخذ فيه هنا تحول دونه أسباب كثيرة، أبسطها أن الدواوين الشعرية التي بين يدي ليست جميعا تحمل تاريخ صدورها الأول أو تواريخ القصائد، ولهذا كان لا بد من العدول عن هذا السياق، والانتقال إلى منطقة التساؤل عن العوامل التي رسمت؟ وما تزال ترسم - المسالك والاتجاهات التي سار فيها الشعر المعاصر، وما يزال يسير. سؤال كبير متعدد الجوانب بسبب طبيعة العصر الذي نعيش فيه: عصر متفجر بشتى الأحداث والمشكلات والمبتكرات والقضايا والنظريات والعلوم، متميز بسرعة التحول والتطور في ما يتصل بهذه الشؤون جميعا. وأحسب أن كثيرين منا حين يلقون هذا السؤال على أنفسهم تتجه بهم خواطرهم؟ أولا وقبل كل شيء - إلى القضية الفلسطينية التي ارتبطت نشأة هذا الشعر زمنيا بها، وإلى ما تمخض عنها من آثار قريبة وبعيدة، من توزيع لأهلها بين من يقطنون خارج الوطن وداخله، وما يواجهه كل فريق منهم من مشكلات، وإيجاد دولة دخيلة تقسم العالم العربي في شطرين، بل تقسم الدول مرة أخرى إلى دول مواجهة ودول بعيدة عن المواجهة، والعواصف الداخلية

стр. 54

التي اجتاحت العالم العربي بعدها، من انقلابات وثورات، والعواصف الخارجية على شكل تدخلات وحروب، وشن الغارات على المخيمات، ثم تجسد الأماني الفلسطينية في حركة فدائية، ومحاولة القضاء على هذه الحركة في مراحل، إلى غير ذلك من شؤون، ولست أعني هنا كيف أصبحت القضية والأحداث المتصلة موضوعا للشعر، وإنما أعني ما الذي خلقته من مواقف وأساليب شعرية ووعي شعري، وإلى أي حد غيرت العطاء الشعري، وبلورت المفهومات والمنطلقات الشعرية، وكيف كان من المحتوم أن تربط هذا الشعر بالحركات التحررية في أرجاء العالم: في فيتنام وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، وأن توحد رموز التضحية؟ توحد بين لوركا وغيفارا وغسان كنفاني وكمال ناصر و؟، وحين فعلت ذلك لم يعد هذا الشعر يستطيع الانفصال عن الإحساس بأثر قضايا الحرب والسلام، والتمييز العنصري، والحرب الباردة بين المعسكرين الكبيرين، وظهور المعسكر الثالث، والانقسام بين قوى اليسار، وانحسار الاستعمار القديم، وتغول الاستعمار الجديد، وقضايا البترول وأثرها في داخل البلاد العربية وخارجها، والتنكيل بالأحزاب اليسارية في البلاد العربية نفسها، وتعرض تلك الأحزاب للانقسامات، وظهور حركات " رد فعل " يمينية، وعلى ضوء هذا كله تحددت على نحو حاسم معان كثيرة: معنى الثورة، معنى الشعر الثوري، معنى الشاعر الثوري، مدى العلاقة بين الماضي والحاضر، مدى " الرؤيا " المستقبلية، مدى إيمان الشاعر بوسائل النضال أو بمسارب الهرب، وبرزت من خلال ذلك أسئلة قديمة، ما مهمة الشعر؟ ما وجه الصلة بين الشاعر والمفكر؟ ما اللغة وما اللغة الشعرية؟ وما العلاقة بين الشاعر والجمهور؟ وقد كانت الأجوبة على هذه الأسئلة أيضا محددة للاتجاهات التي سار فيها الشعر.

стр. 55

وحين يخرج المرء من هذه الغابة من الأسئلة (وأنى له أن يخرج) تسلمه قدماه إلى غاية أخرى: ولنسمها " غابة الحقوق ": (يقول مفكر ساخر: هذا عصر يتحدث الناس فيه عن الحقوق، ولم أسمع أحدا يتحدث فيه عن الواجبات) : حقوق العمال، حقوق الفلاحين، حقوق الموظفين، حقوق المرأة، وما آلت إليه هذه الحقوق الأخيرة من مطالبة بالأنصاف إلى مطالبة بالتحرر، واهتزاز وضع العائلة أو تفككها، وضياع سلطة الأب، والعلاقات الجديدة بين الأب والأبناء (أو انعدام العلاقات) ، واستعلاء قضية " الجنس " واحتلالها مقام الأهمية، والاستشفاء بمعالجة الكبت (العفة القديمة) بإشباع الرغبات، كيف فعلت كل هذه في توجيه الشعر، وقبل كل ذلك كيف غيرت مفهوم العصبية العائلية، وحطمت القيم القديمة، وأيدت التساهل في تصوير الشذوذ، وأوجدت معنى جديدا للحب، وفعلت؟ وفعلت؟ مما لا قبل لهذه اللمحة بتصويره. وقبل هذا كله أين يقف الشاعر نفسه من فكر عصره وثقافته وأيديولوجياته: هل هو ماركسي يتحدث؟ دون أدنى تعقيد - عن البروليتاريا والثورة وصراع الطبقات وحتمية التاريخ، أو هو ليبرالي؟ وهل يؤمن بما تدعو إليه الوجودية من مبادئ؟ أتراه يرى أن الإنسان ابن موقفه وأن مطلبه الأول والأخير هو الحرية، وأن حريته بالمعنى الدقيق التزام، وهل توغل في شعاب التحليلات النفسية الفرويدية وآمن بسيطرة اللاوعي وبأهميته في حياة الأفراد، وبالأحلام وما تعنيه من مخزونات جنسية، ولا بد أن يتأثر اتجاهه - بل لعله يتحدد - إذا أعجب بالسريالية وآمن كما يؤمن السرياليون بتعطيل العقل الواعي (automism) ليجد العقل الباطن سبيله إلى الانطلاق دون أن تعوقه أية عوائق، أو إذا عدل في هذا الموقف متابعا فنسنت بونور

стр. 56

في المزاوجة بين فيوض العقلين اللاوعي، لأنه لا جدال " في أن الجهاز النفسي لدى الإنسان كان موحدا، وأن الشعر وسيلة لإيجاد هذه الوحدة المفقودة ". وهل يرى أن " العجيب " هو قلب الشعر وعصبه النابض، وأنه إذا كان المطلب المحوري لدى الوجودي هو " الحرية " فإن المطلب المحوري لدى السريالي هو " الرغبة "، وتجري في هذا النطاق استفسارات كثيرة عن الميدان العالمي المحبب إلى الشاعر، هل هو علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو الفلسفة، وأي فروع علم الاجتماع مثلا، ومن هو رفيقه المفضل من الكتاب: أهو ماكس قيبر أم لفي شتراوس أم هيدجرام؟ بل لعل الباحث حاول أن يتعرف إلى اللون الغالب على قراءات الشاعر: أهو ممن يحب قراءة الروايات والقصص أو قراءة الدواوين الشعرية أو قراءة الكتب العلمية أو يفضل أن يبتعد عن سيطرة الكتاب والأفكار ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا كان يجب قراءة الشعر فهل هو يفضل (مثل السياب) الشاعرة الإنكليزية أيدث سيتول أو الشاعر الإنكليزي ت. س. ايليوت، أو لعله لا يقرأ هذه ولا ذاك، وإنما يحب سان جون بيرز أو يعجبه بابلو نيرودا أو ناظم حكمت. ليس هذا كله من قبيل التهويل، بل لعلنا أغفلنا؟ رغبة في الإيجاز - عوامل أخرى تحدد اتجاهات الشعر من مثل دور المجلة والصحيفة والجامعة ومؤسسات الإعلام ووسائله، ومدى الاطلاع على النظريات النقدية الحديثة، ومدى صلة الشاعر بألوان التطور في الإخراج المسرحي، والمنتمى جملة دون تفصيل، ونمو المدن، وتضاؤل شأن الحياة الريفية، والاتجاه نحو التصنيع، وغير ذلك من العوامل التي تقوم بدور كبير في حياة المجتمع الحديث. بل لعلنا أغفلنا أهم عامل بين تلك العوامل جميعا وهو " شخصية الشاعر " نفسه، ومدى استقلالها، ومدى قدرتها على صهر بعض

стр. 57

هذه العوامل القابلة للصهر، أو نبذ ما لا يتفق وطبيعتها، ومدى صلابتها، وقدرتها على خوض التجارب، أو مدى قابليتها للانهيار والضعف والتخاذل. وعلينا أن نتذكر أن ما عددناه من عوامل لم يوضع بحسب قسمة منطقية دقيقة، وإنما هو وليد خواطر مرسلة، وأن بعضه قد يصلح أن يكون نتيجة، وأن كثيرا منه يتفاعل معا، وأن المحك في النهاية هو العلاقة بين العامل الواحد أو العوامل المتكثرة، أو العوامل المتفاعلة المتداخلة وبين نفسية الشاعر وشخصيته. وليس يتم الكشف عن هذه العلاقة أو عن ماها، بطرح بيان من الأسئلة على الشاعر، لأن الشاعر أعطى هذا البيان دون أن يسأل، وشعره هو الذي يتحدث عنه، ومهمة الدارس بعد ذلك هي أن يستنطق هذا البيان ليحدد الاتجاه الواحد أو الاتجاهات المتعددة، وهي مهمة قد تبدو سهلة؟ في الظاهر - ولكنها ليست كذلك في الحقيقة. لقد قلت: أن ما عددته من عوامل باعثة على خلق الاتجاهات أو بلورتها أو تنوعها ليس من قبيل التهويل، وكنت أعني ما أقول، ذلك لأن الفروض؟ أية فروض - لا بد أن تأخذ باعتبارها كل الاحتمالات أو أكثرها أن كان لا بد لها من أن تكون شمولية أو قريبة من الشمول، فإذا قلنا أن قضية تحرر المرأة لا بد أن تكون ذلت أثر في رسم وجهة شعرية ما، فالفرض صحيح، وعجزنا عن اكتشاف ذلك الأثر ليس دليلا على عدم وجوده، بل أن عدم وجوده أن صح دليل على اختلال في العلاقات الضرورية بين الشعر والحياة. وحين نبارح دائرة الفروض إلى دائرة الواقع علينا أن نأخذ في الاعتبار أمرا هاما، وذلك أن تطور هذا الشعر م يكن دائما على نسق أو حسب خطى منتظمة، وقد يبدو

стр. 58

هذا طبيعيا بسبب اختلاف الأجيال والموارد الثقافية وحاجات الوقت، ولكني اعني شيئا آخر، أعني أن هذا الشعر ظل في مراحل مختلفة الابن الوفي لنشأته، وقد رأينا أن نشأته كانت تحولا في الشكل مع التمسك بالرومنطقية وعدم مبارحة مجالها إلا شيء يسير؟ أو غير يسير - من الاستبطان الذاتي، والتحليل النفسي والتحوير القصصي، وفي هذه السمة التي يمكن أن توصف بأنها تحليلية؟ على وجه العموم - يتفاوت الشعراء، دون أن يعني ذلك أن الجيل الذي جاء بعد الرواد الاوائل، أو الجيل الذي بعده، قد استطاع أن يطور في هذا المنحى، أضف إلى ذلك أن الخضوع للرومنطيقية ظل هو الوجه الغالب على هذا الشعر، بحيث تعنف هذه النزعة أو تبهت بحسب حظ الشاعر منها، حتى معالجة القضايا الإنسانية أو القومية أو العقائدية ظلت تتم في هذا الإطار؟ في أكثر الأحيان -. ولست هنا بصدد شجب الرومنطيقية، إذ يبدو أن التخلص منها؟ أن كان لا بد منه - ليس أمرا سهلا، وخاصة إذا تضافرت عوامل عدة في واقع الأمة العربية تغذيها وتنعشها كلما فترت؛ ولكن الذي أقوله أن الرومنطيقية تحدد زاوية الرؤية وتضخم الجانب المأساوي لدى اصطدام النفس الحساسة بالمشكلات، وبهذا لا يستطيع الشعر الحديث أن يصبح " رؤيا " خالصة كما يريد له أصحابه. ومن الواضح أن هذا الاتجاه هو الذي غلب على شعر نازك وصلاح عبد الصبور ومحمد إبراهيم أبو سنة وبلند الحيدري، كما نجده في المراحل الأولى من شعر أمل دنقل وفايز خضور وسعدي يوسف وفدوى طوقان ومحمد عفيفي مطر، وفي مرحلة لاحقة في شعر البياتي، وقد وجد انعطافة قوية نحو مزيد من الرومنطقية في شعر توفيق زياد والمراحل الأولى من شعر سميح القاسم ومحمود درويش

стр. 59

أعني من نسميهم " شعراء الأرض المحتلة "؛ وقد كان لهذه الانعطافة أسبابها القوية، الفردية والجماعية، وكان مما ساعد على استمرارها وإطالة عمرها سهولة الاستجابة لهذا اللون من الشعر، ومحاولة إبقاء جذوة الوعي بالقضية الكبرى حية ملتهبة، إيمانا من الشاعر بأن الإثارة العاطفية هي الجسر المباشر بينه وبين جمهوره، وحسبي أن أورد على ذلك مثالين أثنين، أولهما قصيدة لتوفيق زياد بعنوان " رجوعيات " (١) ، يقول في مطلعها: دموع هذه الريح التي تأتي من الشرق محملة هتاف أحبتي الغياب مذبوحا من الشوق صريحا عاري النبرات ملء الأرض والأفق والقصيدة تضعنا في جو غارق في الحزن، في انتظار العائدين، وهي أحق أن تسمى " بكائيات "، لأنها تستقطب جميع الآلام التي مرت على المنتظر والغائبين خلال أعوام وأعوام، وحين نتذكر أنها نظمت سنة (١٩٦٦) نجدها نبوءة؟ رغم تشبثها بالأمل واستصراخها لمواطن القوة والصبر والنضال - للهزيمة المروعة التي جاءت بعد أقل من عام، وحين يقول الشاعر: أناديكم أشد على أيديكم أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم

стр. 60

وأهديكم ضيا عيني ودفء القلب أعطيكم فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم عندما يقول ذلك نشعر أن هذا الوتر الرومنطيقي الذي يعزف عليه الشاعر قد حشد له كل المعاني التضحية، وأنه ليس شيئا فرديا، وأنه ليس استغراقا في الحلم الذاتي الخالص، وإنما هو العيش في سبيل الجماعة والموت أيضا في سبيلها، وقد اجتمع إلى ذلك، تعبير باللغة البسيطة العادية التي تحبها تلك الجماعة، وتستطيع أن تتجاوب معها. وبين الاعتزاز بالصلابة خلال سنوات طويلة من الظلم والاضطهاد، والفناء في حب الوطن، والذوبان في الجماعة، والتمسك بكل ما يربط الشاعر بالجماعة من مجد تراثي، وفوكلور جميل، نحس أن الرومنطقية لم تعد " مرضا " فرديا، وإنما أصبحت قوة عجيبة في قدرتها على الربط بين الحزن والصلابة، بين الانتظار والاستمرار في النضال، وهي رغم الاستغراق الشديد في بحر الأسى، ترى بوعي شديد أن هذا الأسى يجب ان لا يقف حالا دون الصمود الدائم: أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي وقفت بوجه ظلامي يتيما عاريا حافي حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي وصنعت العشب فوق قبور أسلافي أناديكم؟ أشد على أياديكم.

стр. 61

وفي هذا اللون من الشعر تكبر الحقيقة، ويتسع مدى التجربة، وتشتد المعاناة، حتى أنها لتتنفس في أي شكل كان، أو بعبارة أدق: في أشكال متعددة، وإذا كانت وطأة التجربة بهذا العنف، لم نستطع أن نحاسب الشاعر، لأنه أختار لقصيدته شكلا دون آخر. وأما المثال فهي قصيدة " عاشق فلسطين " (١) لمحمود درويش، وهي كالقصيدة السابقة في روحها من حيث الجمع بين الحزن المأساوي والصلابة، ولكنها تختلف عنها في أنها لا تتوجه إلى الجماعة، وأن كانت تنطق بألسنتهم، مع التسليم التام بأننا جميعا " لم نتقن سوى مرثية الوطن " وأن الوطن يتطلب شيئا آخر غير المرثية، وحين تتحد المحبوبة والبلاد في الخطاب نحس بأن " الرومنطقية " في شكلها الجديد، تستطيع أن تغلغل إلى أعماق لم تكن تستطيعها في شكلها القديم: رايتك أمس في الميناء مسافرة بلا أهل؟ بلا زاد ركضت إليك كالأيتام أسأل حكمة الأجداد لماذا نسحب البيارة الخضراء إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء وتبقى رغم رحلتها ورغم روائح الأملاح والأشواق تبقى دائما خضراء! وأكتب في مفكرتي: أحب البرتقال واكره الميناء واردف في مفكرتي

стр. 62

وقفت وكانت الدنيا يون شتاء وقشر البرتقال لنا، وخلفي كانت الصحراء. وأقول: أنني لم أكتب دراسة تحليلية عن القصيدتين، وإنما أوردتهما على سبيل التمثيل، ولو كان المجال يتسع لوقف الدارس عند كل كلمة، فيهما، لأنها لم تأت عبثا. لماذا الحديث عن حكمة الأجداد؟ ما الدلالة الواقعية في سحب " البيادر "؟ رمز الحضارة الفلسطينية المتطورة - إلى سجن أو منفى أو ميناء؟ وما معنى أن يكون قشر البرتقال؟ دون لبه - لنا؟ وما معنى أن تكون الصحراء هي الإطار الممتد خلف ذلك الكيان؟ هذا نفس " رومنطيقي "، لا سبيل إلى جحد ذلك، وهو أشد عنفا من رومنطقية نازك أو السياب أو صلاح عبد الصبور أو أبو سنة، وهو أيضا في الوقت نفسه، حلقة الوصل بين الشاعر والجماعة، وهو إذا اعتبرنا الشعر صورة من الصلابة التي لا تلين، شعر مقاوم، يتشبث بالصمود، ورغم تعلقه بالماضي، فان أيما نه بالمستقبل ركين لا يتزعزع، بحيث نجد أن الوتر الرومنطيقي لم يستعبد الشاعر، وإنما سخره الشاعر نفسه لكي ينقل أنقى مشاعر المناضل في حومة المجموع، وفي الوقت نفسه جاء به على هذا النحو ليعبر عن المجموع في أقصى ما يحس به آمال وآلام. وفي هذا اللون من الشعر - وليعذرني النقاد فيما أقول - يظل كل سؤال عن الطريقة الشعرية والبناء الفني، شيئا تاليا لعمق التجربة، ها هنا معادلة صعبة: تتسلط فيها العفوية، ويتدفق فيها المد العاطفي بحيث يكسر كل الحواجز، ويطغى على كل ما حوله، ومع ذلك فمن ذا الذي يستطيع أن يقول أن الشكل العفوي، لا يخلق إطارا فنيا، على خير ما يجب أن يكون عليه ذلك الإطار؟

стр. 63

ليكن شاهدي على ذلك قصيدة لسميح القاسم بعنوان: " تعالي لنرسم معا قوس قزح " (١) ، وهي قصيدة كتبت بعد هزيمة (١١٦٧) ، فهي مرهونة بهول المناسبة وشدة وقعها، وما أعقبها من شعور بالضياع والخيبة والعذاب، والانكماش والتضاؤل على المستوى الفردي والجماعي، ومع أنها تمتلئ بالتفجرات العاطفية، فإنها استطاعت تتحرك ضمن إطار فني متكامل، وتجئ حركتها في ثلاث دورات أو ثلاثة مناظر: (١) شمول الظلام: في هذا المنظر نجد الشاعر نازلا على " سلم أحزان الهزيمة " وهو يحس أن كيانه يتلاشى " يمتصني موت بطيء "، وفي حركة النزول توجه إلى قرارة مظلمة، تسيطر فيها العتمة من كل ناحية، مما يجعل الشاعر غير قادر على أن يميز أن كان وحده، أو كان في الجماعة، ولكنه يدرك - في حالة الجمود بين يدي الموت البطيء - أنه لم يكن وحده، بل معه أيضا " ملايين مائة "، وكان الظلام يلفهم كما يلفه لأن عيونهم كانت مطفأة، وفي هذا الجو من العمى الكلي، الذي رماهم به " العار الجديد " لم يعد ثمة ما يميز القديس بينهم عن المارق، هم جميعا اشباح، فلماذا البحث في الظلام عن أكتاف تتحمل مسؤولية ذلك العار؟! وفي هذا الجو الداجي المطبق يحس الشاعر؟ الذي لم تطفئ عيناه - بحاجة ملحة إلى الضوء، أنه يريد ما ينير له طريقه في تلك الهوة، ولضيقه بالموت البطيء، يريد موتا وحبا، ويقدم نفسه قربانا للحزن، لنار العار كي تحرقه لعله يضيء، فيخرج من حيز الموت البطيء إلى التلاشي المطلق، مقدما نفسه ضوءا أن كانت العيون المطفأة قد تعود إلى الإبصار.

стр. 64

(٢) هزة التعرف والتذكر: فجأة يسمع صوتا، أو لعله رأى شبحا، ولكن الظلام الذي يحيط به لم يمكنه من التمييز: ترى من تكون تلك التي نادته " يا حبيبي "؟ أهي أخت نسيتها أمه ليلة الهجرة الأولى (قبل عشرين عاما) ثم بيعت سبية، وضاعت " بين آلاف السبايا "؟ ترى من تكون، ليتها تجيب! وتنحسر الأعوام العشرون كأنها لم تكن فاصلا زمنيا، لتغمض عينيها عن " عار الهزيمة " فإن الشقي هو الذي يستطيع أن يحدق في ذلك العار، وليهربا معا إلى الذكريات، إلى الحديث عن " الغربة والسجن الكبير " وعن الأمل بانحسار الليل؟ الذي لم يزدد إلا أمتدادا وظلاما - وبزوغ الفجر، وعن كوخ يتخذانه عشا للحياة الزوجية الهادئة، ويتخذ هذا الهرب من الحاضر شكل حوار تستعاد فيه الذكريات التي زرعتها الأعوام العشرون: قلت لي: في أي أرض حجريه بذرتك الريح من عشرين عام قلت: في ظل دواليك السبيه وعلى أنقاض أبراج الحمام قلت: في صوتك نار وثنية قلت: حتى تلد الريح الغمام جعلوا جرحي دواة، ولذا فأنا أكتب شعري بشظية وأغني للسلام! ويختتم هذا المنظر بالبكاء، الذي قد يطفئ نار الهزيمة في العروق، دون أن يستطيع محو عارها. (٣) الدعوة إلى الاتحاد: يحدث تحول شديد في هذا المنظر إذ يتم الانتقال فيه من " أغمضي عينيك " إلى

стр. 65

" ارفعي عينيك "، وتتحول الظلمة التي رانت على المنظر الأول فتصبح مجرد " غيمة " تنثرها هبة ريح. الظلام لا يمكن أن يظل شاملا لأن الشاعر كان قد تعود كلما استبد به الظلام في سجنه (منذ عشرين عاما) أن يرسم وجهها أو يتمثله في خياله فيتبدد كل ظلام. ولكنه لا يزال يحس بالأنفصال، ويتوق بحرقة إلى الاتحاد، أن كلا منهما ينتمي إلى واد بعيد عن وادي الآخر، وكل واد يسيطر فيه شبح، فلم لا يتحد الشبحان في غيمة واحدة يشربها قوس قزح؟ أنه ليس فجرا صادقا، ولا يمكن أن يكون كذلك، ولكنه عزاء ما يكشف شيئا من أسداف الظلام، ويتكرر الوعد الذي طالما ردداه، في تصوراتهما السابقة: وسآتيك بطفلة ونسميها " طلل " وسآتيك بدوري وفله وبديوان غزل. وللقارئ بعد ذلك أن يتأمل قيمة أشياء صغيرة في هذا البناء الكلي، مثل تحديد الفترة الزمنية (عشرين عاما) بين الهجرة الأولى والهزيمة، فهو تحديد يرمز إلى الضد، أي أن الزمن طال وطال حتى أصبح يتجاوز؟ في أحساس المسجونين والمسبيين - مئات السنين، وهذا يتمشى مع التعبير عن الواقع باسم " المنفى الكبير " و " السجن الكبير " بينما حصاد السلم الذي أصبحت تتوق له نفس الشاعر يتمثل في " الكوخ الصغير "، ولا بد كذلك من الوقوف عند أهم ثلاث صور في القصيدة وهي الطفولة الطيور، الغيمة؛ فالهرب إلى الذكريات بدأ بالعودة إلى الطفولة، وبكاء الحبيبين كان كبكاء " طفلين غريبين "، والفجر الذي يحلمان به سيكون منه " طفلة " تسمى " طلل "، أما

стр. 66

لماذا كان المرجو طفلة لا طفلا، فإن ذلك يتمشى مع الوداعة المنتظرة التي سيحققها الفجر المرتقب، ومع جو " الطيور " أجمالا، فهذه الطيور التي فارقت " الأبراج " منذ عشرين عاما إنما كانت حمائم، وهذه الحمائم؟ في ظل الهزيمة - تبكي " الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص يبكي /والحمام الزاجل العائد في الأقفاص يبكي "، وسيكون " الطائر الدوري " الصغير من هدايا ذلك الاتحاد؟ مع زهرة رقيقة وديوان شعر رقيق؛ أن كل شيء يوحي بالجنوح إلى الرقة، والسكينة. ومع أن " الغيمة " تضيف إلى صورة هذه الوداعة الشاملة فإن لشاعر قد أستغلها في عدة مواقف، منها أن يظل في صورة نار وثنية " حتى تلد الريح الغمام "، والتعبير هنا غامض، لأنه قد يدل على الاستحالة، كما قد يدل على انتظار أن تلد الحرب سلما، ثم أنه يصدر أحزان الهزيمة في صورة " غيمة " تبددها الريح بسهولة، ثم أنه يحاول أن يجمع شبحي الواديين في " غيمة " واحدة ليشربها قوي قزح، فالغيمة بهذا المعنى الثالث ترمز إلى بقية الظلام العالق بالنفوس، وعلى هذا يبدو أن صورة " الغيمة " تخدم أغراضا متعددة عند الشاعر. وفي سياق هذا التأمل يجدر بنا أن نقف عند استعمال الشاعر للفظة " الريح "، فالطفلة القديمة بيعت لريح حملتها عبر باب الليل للمنفى الكبير، والشاعر بذرته الريح، وللهزيمة ريح يبست حنجرته، وغيمة الهزيمة لا تحتاج حتى تنقشع إلا إلى هبة ريح، وهكذا تكون " الريح " أداة تغريب وتشتيت ونشر، ويقابل هذه الحركة العنيفة، حركتان متوازيتان هما: حركة التشرب والاكتنان وحركة الميلاد والعطاء؟ فالموت البطيء " يمتص " الشاعر، والملايين المائة تستكن في صدره، والمنفى الكبير والسجن الكبير

стр. 67

يحيطان بالآلاف، وحين يلتقي الشاعر بصاحبته يطلب إليها أن " تحضنه "، والكوخ الصغير " مختبئ " بين أحراج الجبل، والحمام " رابض " في الأقفاص؟ ناظرا كان أو عائدا - وقوس قزح " يمتص " الغيمة، ومن ناحية أخرى " تلد " الريح الغمام والام الرحيمة ما تزال " تنجب "، وزوجة المستقبل ستلد " طلل " وموهبة الشاعر " ستلد " ديوان غزل، ووجه الوطن " ينكشف " عند أنحسار الليل. وبعبارة ثانية نجد أن القصيدة تخضع لإيقاع النشر والطي (أو ما سميته الاكتنان) والولادة. ولعل الشاعر لم يفكر أن يبني قصيدته على أساس أسطوري، ولكن من السهل أن نجد فيها توافقا مع أسطورة أورفيوس الذي نزل إلى العالم السفلي ليجد حبيبته يورديسه، ويستعيدها. ولنا بعد ذلك أن نأخذ على الشاعر شيئا من التناقض الظاهري حين يقول في قصيدته " صاروخا في وجه أحزاني القديمة " ثم يقول في موضع آخر " يبست حنجرتي ريح الهزيمة "، ولكن هذا التناقض لا يلبث أن يزول حين نتذكر أن تيبس الحنجرة يعني اليأس من الوسيلة الفنية وليس العجز عن الصراخ، كذلك يمكن أن نحاسبه على سرعة التحول من عالم الظلام الكثيف والضياع والتخاذل إلى عالم التشدد والتهوين من شأن الهزيمة، وعلى انصياعه لجوانب الرقة والوداعة دفعة واحدة، وكأنه يئس من النضال جملة، إلا إذا اعتبرنا أن الاتحاد الذي يسعى إليه لا يعني الاكتفاء الفردي، وإنما يرمز إلى اتحاد القوى في الداخل والخارج، للفوز بسلم مشرف يثمر أطفالا وأزهارا وطيورا. أذن فإن ما سميناه بالانعطافة الرومنطيقية الحادة، كان محكوما بظروفه، وطبيعة العمل الثوري، ولم يكن الإغراق في العاطفية، هدفا فرديا فيه. بل كان هو الشكل

стр. 68

الطبيعي في ظروف غير طبيعية. فإذا قيل؟ من بعد - أن شعر المقاومة يتحدث عن الثورة، دون أن يكون شعرا ثوريا، فذلك تجاهل للظروف وللحقبة التاريخية، وللبراهين الفنية التي تتضح من الدراسة التفصيلية، دون الأخذ بالتعميم، والاحتكام إلى الفروض النظرية. ورغم قوة هذا الاتجاه، وسيطرته على كثير من جوانب الشعر الحر، فأنني لا أنوي أن أتخذه منطلقا لهذه الدراسة، لأنه يضيق حدودها ويمنعها من الاتجاه إلى التأمل في تفريعات أخرى، فالدراسة حين تتناول الرومنطقية، تتحدد في فرعين كبيرين: رصد ما هو ومنطقي وما هو غير ذلك، ولكن حين يتسع اتجاه كبير، فمن الخير أن يدرس في تفرعاته المختلفة، حين يكون لكل فرع منها اثر بارز. وكذلك يستحسن في هذا المجال الا تدرس الاتجاهات الشعرية مقترنة بالعوامل الكبرى التي ذكرتها آنفا: كأن يقال الاتجاه الماركسي أو الاتجاه الوجودي أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك يعني أن دراسة كل عامل من هذه العوامل مع ما أتصل به من شعر تتطلب كتابا مستقلا، توضح فيه المميزات لكل عامل قبل البدء بالحديث عن صلته بالشعر، فتحدد على نحو حاسم؟ مثلا - جميع السمات التي تميز الفكر الماركسي أو الفلسفة الوجودية، وهذا يخرج كثيرا عن حدود هذه الدراسة الموجزة، كما أن الخطر فيه أن يتحول الشعر إلى دور الوثيقة الاجتماعية أو العقائدية، وهو أمر لا بد أن يمارس باقتصاد وحذر كبيرين، ثم أنني؟ في الواقع - لا أعتقد بأننا نلازم جانب الدقة حين نقول هذا اتجاه ماركسي أو ذاك اتجاه وجودي، وإنما الأصح أن يقال ثمة أثر ماركسي وأثر وجودي وما أشبه ذلك في جوانب من الشعر الحديث، وقد نجد لدى الشاعر الواحد مؤثرات مختلفة، كما قد

стр. 69

نجد لديه تحولات من اتجاه إلى آخر، في حقبتين مختلفتين من عمره، ثم أن كثيرا من العوامل التي ذكرتها آنفا قد تتداخل، وتصعب نسبة التأثير فيها إلى عامل دون غيره، خذ مثلا فكرة " الثورة " تجد لها مفهومات مختلفة عند الشعراء، منتمية إلى عوامل متداخلة معا، يعسر تمايزها أو الفصل بينهما، أو خذ مثلا فكرة " الرفض " تجد السريالي والوجودي يتفقان حولها إلى مدى ثم يفترقان، فإذا تحدث شاعر عن الرفض أو آمن به فالى أي المدرسين ينتسب؟ ثم أن استعمال مصطلح مذهب ما لا يعني تبنيه أو الانتماء اليه أو الإيمان به، وهذا واضح في قصيدة البياتي " مسافر بلا حقائب:، التي عرضت لها في افصل الثاني، دون أن تكون القصيدة تعبيرا حقيقيا عن معاناة وجودية؟ في الواقع وفي الانتماء -، وقد تقرأ قصيدة فتقع فيها على تطبيق تام لنظرية نفسية، دون أن يكون صاحبها ممن يعنى كثيرا بمذهب نفسي ما، وبإبراز أثره في شعره؛ من ذلك مثلا قصيدة " الأخضر بن يوسف ومشاغله " (١) لسعدي يوسف، فأنها تعبير عما يسميه بعض الدارسين " القرين " The Double حيث يصور فيها انفصام القرين عن ذاته، مع المشاركة فيما بينهما في المسكن وشرب القهوة والحليب والملابس، بل حتى في مرافقة محبوبة واحدة: نبي يقاسمني شقتي يسكن الغرفة المستطيلة وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب وسر الليالي الطويلة

стр. 70

؟؟ يرافقني في زيارة محبوبتي ثم يدخل قلبي وينظر في مقلتيها طويلا ويجلس في آخر الحجرة المعتمة وما عناصر الانفصال بين الأصل والقرين (مثل اختيار الثاني ليس البرنس، أو الاختلاف فيما يرسمه كل منهما وهو برفقة الفتاة) إلا محاولة من الأصل للوصول إلى التطابق الكلي (بين سعدي بن يوسف والأخضر بن يوسف) : سأستخدم اسمك معذرة ثم وجهك أنت ترى أن وجهك في الصفحة الثانية قناع لوجهي حتى ليصبح هذا التطابق شيئا يجوز على رجال الجوازات أنفسهم وهم يفحصون الجواز، ومع ذلك فإن الشاعر حين يختار هذا اللون من التصوير النفسي، لا يحاول تطويره أو تطوير أشباهه في قصائد أخرى: ولعله اهتدى إلى ذلك بوحي من وعيه النفسي، كما هو واضح في نماذج أخرى من شعره. وللمقارنة أقول: أن موضوع " القرين " هذا قد عالجه خليل حاوي من قبل في المقطع السادس من قصيدته " وجوه السندباد " (١) وهي قصيدة ترسم؟ في ظاهرها على الأقل - المفارقة بين وجهين " وجه طري أسمر "، يظل كذلك محتفظا بصورته في نفس المرأة؟ الحبيبة - التي لا

стр. 71

تستطيع أن تؤمن بقوة الزمن على التغيير، بل ليس للزمن في قاموسها وجود، و " ووجه جارت عليه دمغة العمر السنية "، يراه صاحبه كذلك لأن إحساسه بالزمن عميق واقعي، ويكاد صاحب الوجه الثاني أن يطمئن ذات لحظة إلى أنه لم يكن ضحية لفعل الزمن، لأنه حين يعيش بين اكتب يرتاح إلى أن " وجهه من حجر بين وجوه من حجر "، ولكن إلحاح المرأة على أنها ترى الحقيقة يجعله دائما في أزمة، ولهذا فإنه حين يمشي في الطريق ينفصل الوجهان، الأصل والقرين: وقناع مسه، حدق فيه لودعاهء آ. لن يمضي معه " أنت هل أنت؟ بلى لا، لست، لا، عفوا، ضباب موحل يعمي مصابيح الطريق أن في وجهك بعض الشبه من وجه صديق ". وكان ذلك الصديق أو القرين ذا وجه " ليس فيه أثر الحمى وتحفير الزمان "، وبروح الصديق؟ العدو - يقود القرين صاحبه إلى الجسر، ويزين له الانتحار غرقا في النهر، لكي يريحه مما يعانيه. زاعما له أن في النهر قوى وأرواحا تستطيع أن تعيد إلى وجهه " سمرته الأولى المهيبة "، وتمضي لحظة من الدوار واختلاط الصور والذكريات،. متعب؟. ماء؟ سرير متعب؟. ماء؟ أراجيح الحرير متعب؟. ماء؟ دوار

стр. 72

وتلمست حديد الجسر كان الجسر ينحل ويهوي صور تهوي وأهوي معها أهوي لقاع لا قرار، وفجأة اختفى القرين، وعزى صاحبه نفسه عن اختفائه بأنه " ربما عادت إلى عنصرها الأشياء وانحلت ضباب ". وتكفي هذه اللمحة ليدرك القارئ الجو الذي تحرك فيه القرين في قصيدة خليل، ومدى أهميته بالنسبة إلى المبنى الكلي في القصيدة، ومدى الإحكام، البناء، والدقة في الوصف للمواقف النفسية المختلفة، وكل ذلك ينبئ أن خليل حاوي إنما كان يزاوج بين وعيه النفسي العميق، وبين ثقافته النفسية الواسعة، وأن بعث القرين ليس خطرة، وإنما هو إلحاح فني حتمي من داخل حركة القصيدة ونموها المتصاعد. وقد تكون الدلالة السلبية - عند محاولة دراسة الاتجاهات الشعرية - أبلغ في كشف حقيقة الشاعر من الدلالة الإيجابية فقد تقول وأنت تتصفح ديوان سميح القاسم هذا شاعر واقعي، إذ أنك حينما وجهت بصرك وجدت مثل قوله: سلاما يا سواعد اخوتي العمال سلاما يا مداخنهم سلاما يا ملازمهم أو مثل قوله: مادمنا نحيا في عصر الإيقاع النفسي فسأحمل فأسي سأشج حماقات الأوثان

стр. 73

ولكنك لا تلبث حين تتعمق النظر أن تدرك أنه كثيرا ما يعالج موضوعاته الواقعية من زاوية رومنطقية خالصة، نعم إن هذه الواقعية تجعله يحب " الحضارة الحديثة " مثلا ويمجد منجزاتها، ولكنك حين تسمعه يقول: وصوت الآلة الحسناء يدعونا تجد أنه ينظر إلى الآلة نظرة رومنطقية تامة، إذ أن هناك " آلة " وحسب، ولكن ليست آلة حسناء. وعلى عكس ذلك يفعل أبو سنه في قصيدته " عصر الإنسان " (١) التي يحاول أن يقارن فيها بين منجزات العصر ومواطن النقص فيه، فيقول: أغرس أعلامك فوق الكون لكن عد للأرض كي تبني قريه يسكنها فقراء الهند لتجفف أنهار الدم (٢) الحمراء ولتصنع مهدا للأطفال التعساء. فكأنما هو يحاول أن يهون من قيمة انتصارات الإنسان على الطبيعة في هذا العصر، إذ يضع إلى جانبها في موضع المفارقة لفقر والتشرد وويلات الحروب وتعاسة الاطفال؛ والتعارض غير قائم، والأمران يؤخذان منفصلين كلا على حدة، لأنهما صادقان واقعيان ما داما منفصلين، لا حين يربطان معا في مقارنة نجتلبة، فهذا كمقارنة الناس؟ في الحياة اليومية - بين الصحة والمال، أو كمقارنة القدماء بين الغني الشاكر

стр. 74

والفقير الصابر وأيهما أحسن، وهو سؤال باطل، كما بين ابن حزم الفقيه الظاهري منذ قرون. وما عليك وأنت تطالع هذا التحفظ تجاه انتصارات الإنسان وتقدمه التقني إلا أن تقارن هذا الموقف بموقف آخر للشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم وهو يحيى رائدة الفضاء الروسية " فلنتيما ترشكوفا " (١) بقوله: أنا الذي ليس له أن يملك الأرض ولا أن يقبل الأجر ولا أن يقرع الأجراس في بيع ولا شراء الصائغ الماهر والحداد، سادن الأسرار، مانح الأسماء مسخر الكور، مسير النار، مدوخ السندان مبدع الأشياء مبارك الحصاد، مكمل الطقوس، باذر الموروث، سامر المساء ؟. أنا صلاح الشاعر، في تواضع جم وفي حب وبانحناء اهدي إليك هذا العسل البري يا فلنتينا ترشكوفا، ومنك للنساء. فإن " صلاح " لا يعلن عن إيمانه المطلق بما يستطيع التقدم العلمي أن يحققه من منجزات، وإنما يتخذ هذه المناسبة فرصة ليتحدث عن إيمانه بدور المرأة؟ والمرأة الأفريقية السودانية؟ بوجه خاص - وحقها في الحياة الكريمة إلى جانب الرجل، ولولا أن قصيدة صلاح مثقلة بالأسماء والإشارات التاريخية لحق اقتباسها للدلالة على وجهة جديدة لا في المحتوى وحسب، بل في الشكل أيضا.

стр. 75

ومن الزاوية السلبية أيضا يمكن أن نتبين طبيعة الخطأ في قول أبي سنه نفسه، في قصيدة أخرى (١) : قالوا أن كنت تحب فلتحفظ كتب الحكمة وليعرف عقلك كل الأسرار ولتخرج لتصارع وحشا جبليا يربض عند الأسرار فالشاعر هنا يشير إلى " المعجزات " التي كلف القيام بها كي يثبت أنه جدير بالحب، وهو موضوع نجده في الأدب الشعبي في قصص " الشاطر حسن " وفي أساطير الأمم الأخرى، مثل الأعمال الباهظة الاثني عشر التي كلف بها هرقل في الأساطير اليونانية، وعند مقارنة ما يقوله الشاعر بما كانت تحويه تلك الأساطير والآداب الشعبية، نجد أنها قد تذكر من بين تلك المبهظات " مصارعة وحش جبلي "، ولكنها لا تذكر " حفظ كتب الحكمة "، إذ أن العاشق الذي سيحفظ تلك الكتب، ربما لم يعد في حاجة إلى أن يظل عاشقا، وغاية الشاعر هنا أن يقول أن بطل أسطورته مثقف، وأنه عانى كثيرا في سبيل الحصول على ثقافته، وقد كان يستطيع أن يعبر عن ذلك على نحو رمزي دون أن يبارح " الروح الجماعية " التي سجلها الأدب الشعبي على مر الزمن، فإذا كان الفولكلور من العوامل المؤثرة في الشعر الحديث فإنه؟ في هذا الموقف - قد مزج بما شوه روحه العميقة. ومثل هذا خطأ جزئي، لا يضر كثيرا بعقيدة سليمة البناء، ولا يحرم الشاعر حق تسويغه كأن يقول: أنني أضيف إلى الفولكلور لأن هذه الإضافة تقوي الموقف الذي أتحدث عنه،
следующие страницы →