← Адаб

Адаб · id 1019

فن السيرة

إحسان عباس

Полный текст (149 стр.). Показаны 141–149 · переход к 146.

стр. 141

يدعه ليستنتج من طبيعة السيرة نفسها؛ فهو يصف مراحله ويتدرج بها، معتمداً على أن حياته خير مثل للانتصار على البيئة، " والوصول " في النهاية، ولكن طبيعة الثورة عنده ليست قوية، ولا هي مما يؤكد صبغة النصر النهائي، وربما أضافت الحلقات التالية من الأيام قوة إلى هذه الحقيقة، وجعلتنا نحس بمعنى التحرر من قبضة البيئة والظروف إحساساً عميقاً، أما الآن فأقوى صور الثورة الإيجابية في الكتاب وقفة الصبي من والده، وتهكمه بقراءة " دلائل الخيرات "، وسخريته ممن يلجأون إلى الأولياء، ثم تلك الغضبة التي أعلنها الطالب على أستاذه فقال له: " إن طول اللسان لا يمحو حقاً ولا يثبت باطلا "، ووقفته التي أدت إلى الصدام السافر بينه وبين الأزهر حينما كان يدرس على الشيخ سيد علي المرصفي، فنواة الثورة كما ترى موجودة، ولكنها في جانبها الإيجابي لا تزال أضعف منها في الجانب السلبي، وتتجمع العاصفة في نفس الصبي عن طريق الصدمات التي يتلقاها من الناس ومن المجتمع، بطريقة سلبية، فهو قد حرص على عرض تلك المواقف التي جرح فيها إحساسه وأهينت كرامته، فصمت عجزا، ومضى يختزن المرارة مع الأيام إلى أن تتحول المرارة إلى نقمة بالغة، ليمهد للانفجار الذي نتصوره في حلقة أخرى من حياته لم يقصها بعد. أم هو من جهة أخرى يمهد لإحقاق الانتصار الذاتي الذي أحرزه، بتصوير الإخفاق الذي كان من نصيب الشخصيات

стр. 142

الأخرى، فأكثر الشخصيات التي يرسمها من ذلك الفريق الذي ينقطع قبل نهاية الشوط، لا لسوء الظروف فحسب، بل للعجز الطبيعي عن بلوغ الغاية. وقد تدرج الكاتب تدرجا قويا ساطعا مع نمو سوء الظن في نفسه، وارتيابه فيما يدعيه الناس من حق وصدق وتدين، لأنه ركز اهتمامه في نقل صورة مريرة من النفاق والكذب، وخاصة في البيئة الدينية، وكان من ثمرة هذا التصوير اقتراب النفس التي عانت حفظ القرآن سنوات طوالا فلم تحفظه، - اقترابها من حومة العقل، لأن ذلك النوع من التدين في تلك البيئة، لم يغرس شيئا من الفضيلة لا في نفوس أصحاب الطرق، ولا شيوخ الريف ولا " سيدنا "، ولا طلبة العلم، ولا أساتذته، ولم يعلم هؤلاء الناس مرة واحدة معنى الرفق، ولم يعمق في نفوسهم مشاعر إنسانية كبيرة بحيث يستنكف أكبرهم عمامة وأوسعهم قفطانا من أن يقول له: " يا أعمى!! ".. وتحوله إلى العقل مشوب بالعاطفة، وسيظل هذان العنصران غير منفصلين في نظرته إلى الناس والأشياء: وقد أحب الكاتب الريف أكثر مما أحب بيئة الربع والأزهر، فكان في تصويره للأول، وسخريته بما فيه، ورسم صورة " سيدنا "، أقدر منه على رسم الثاني، ومن العجيب أن تعمق السخرية حيث يعمق الحب، ولكنه في الجزء الثاني صرف جهدا كثيرا في رسم

стр. 143

الشخصيات التي عرفها في الربع، فكانت الوحدة المستقطبة حول الذات في الجزء الأول أوضح منها في الثاني؛ وعلى الرغم من بعض المواقف العاطفية في الكتاب؛ فإن طبيعة الانسياب فيه، وسرده في ضمير الغائب، قد حققا شيئا من التجرد في الحكم. وباستعمال ضمير الغائب، برئ من مظنة العجب والدعوى والتمجد بالنفس وغير ذلك من الصفات التي يوحى بها ضمير المتكلم. ومما قلل من صراحته إخفاؤه الأسماء، - أسماء الأماكن والناس؟ فأضعف القيمة المكانية وشيئا من القيمة التاريخية في قصة حياته، وأبدى أنه لا يستطيع الجهر بأشياء كثيرة، لأن نفسه منذ الصغر طبعت على الاستحياء والتواري، وانجذبت إلى الرزانة وشدة التحرج: " كان قليل الأكل لا لأنه كان قليل الميل إلى الطعام، بل لأنه كان يخشى أن يوصف بالشره أو أن يتغامز عليه إخوته..... وكان يستحي أن يشرب على المائدة، مخافة أن يضطرب القدح من يده، أو ألا يحسن تناوله حين يقدم إليه " (١) ، وله في هذه النشأة عذر جلي، ولكن هذا لا يعفيه من أمر القوة في الصراحة؛ كما أن ذاكرته متحيزة، لأن طبيعته الحزينة جعلته يذكر كل ما كان ينمي عنده سوء الظن والنقمة، على مر الأيام. غير أن هذا التحيز في التذكر أو التحيز في الاعتراف، ليس غلوا إذا قسناه بما في " ذكريات

стр. 144

الطفولة " لإبراهيم " عبد الحليم من تحيز مسرف، فهنا نجد أن ذاكرة الفل لا تعي إلا جانب الفساد في الناس، من أغنياء وفقراء، ورجال ونساء، وصغار وكبار، حكوميين ومدنيين، ومع كل هذا الظلام المحيط بعهد الطفولة يريدنا الكاتب أن نؤمن بالمعجزة فنخرج من هذا الجو القاتم إلى الإيمان بالإنسان، دون أن تكون لهذا الإيمان أسبابه ومقدماته، يريدنا أن نثور على فلسفة الصبر والقناعة كما ثار، وهو قد جعل من صلابة الأم ومن صبر الأخت خير ثمرة بالصراحة من كتاب " الأيام "، ولكن يعوزه ما للأيام من قوة في البناء والنمو في الشخصية. وقد تأثر الأستاذ أحمد أمين بكتاب الأيام حين كتب سيرته في كتاب أسماه " حياتي "، وليس سبب هذا التأثر ما أحرزه كتاب الأيام من شهرة أدبية فحسب، بل هو في تلك النشأة الأزهرية المشابهة لنشأة صاحب الأيام، وفي العلاقة بين الأديبين؛ ففي " حياتي " يصف أحمد أمين صورة أزهرية أخرى، ويقف، عند بعض العناصر التي وقف عندها طه حسين، ولكن إسهاب طه في تحليل شخصيات الطلبة بالربع، والأساتذة في حلقات الدرس، صرف أحمد أمين عن الاستقصاء في هذه الناحية، وجعله يتجه إلى وصف الشخصيات التي عرفها في الحي، ويحاول أن يرسم لها صورا متنوعة، كالتي رسمها زميله وصديقه من قبل. وكما أطنب طه في وصف فقده لأخيه، وتأثره العميق لفقده

стр. 145

عرج أحمد أمين على حادثة مشابهة، فوصفها بتأثر شديد، وربما كان هذا من قبيل المصادفة والاتفاق. وانفرد صاحب " حياتي " بالإطناب في الحديث عن الشخصيات التي أثرت في نفسه حتى اكتملت له شخصية " الفتى المثقف "، فجمع إلى صورة أبيه؟ في هذه الناحية؟ صور كبار الأساتذة وخاصة سيدتين إنجليزيتين، كان لكل واحدة منهما أثر في نفسيته وشخصيته، وكما مضى الدكتور طه يصف الصدمات التي كانت تدفع به إلى الثورة، مضى أحمد أمين يصف الخطوات الإيجابية التي أدت به إلى الوصول، وغايته أن يصف كيف وصل: " وكنت وصرت، وكنت وصرت، مما يطول شرحه، فما أكثر ما يفعل الزمان " (١) . وإدراكه لهذا الفرق بين " كان " و " صار " هو الذي دفعه بقوة لكتابة سيرته الذاتية. ومن يقرأ سيرة أحمد أمين يجد أن الكاتب يتصور نتيجة التغير، وينص عليها، دون أن يجعل من أحداث حياته ما يفسر هذا التغير فهو أشبه بمن يقول لك " هكذا جرت الأقدار " أما من يقرأ " الأيام " فيجد فيه أن كاتبه كتبه وهو يريد أن يقرن بين الوصول والثورة، فأحمد أمين يمثل دور المستفيد الذي يسمع ويقرأ ويلتقي الناس، وتتكيف حياته من نفسها دون دوافع ذاتية قوية، أما طه فيصطدم بالناس، ويقلق وينزعج ويسوء ظنه فيهم. وهو يحس أن كل المنغصات

стр. 146

الخارجية ترسب في ذاكرته، فتظل تبتعد به عنهم، وتحفزه إلى الهجوم عليهم حين تحين الفرصة. ثم هنالك ذلك البون البعيد بين الكتابين في طريقة القص، فأحمد أمين تقريري يميل إلى ذكر الحقيقة، كما هي، وطه يميل إلى تصويرها كما أحسها ذات يوم، ولذلك جاء كتاب " حياتي " مرحلة وسطى بين الأيام وبين " تربية سلامه موسى "، وخصوصاً حين أدرج فيه صاحبه مذكرات كتبها عن مقامه بمنطقة البحيرات، وعن رحلته إلى سورية واستانبول وأوروبة، مما جعل الحديث عن فترات الحياة غير متناسب. وكتاب " حياتي " يصور فترى أطول من التي تصدى لها الدكتور طه في جزأين من " الأيام "، وصاحبه يحاول أن يصف ما أداه في عالم الحياة العملية والعلمية. وصلته بالحياة العملية تبدأ في دور مبكر جداً، فكأن ما يوازي عهد الطفولة وعهد التلمذة؟ وهما موضوعا كتاب " الأيام "؟ ليس إلا جزءاً صغيراً في الكتاب، ومن ثم افترقا في طبيعة ما يقصانه، فصاحب " الأيام " يصور نموه النفسي الداخلي وصاحب " حياتي " بصور علاقاته الخارجية بالناس والأماكن. وبينا تستطيع أن تبني من كل " الأيام " صورة لشخصية كاتبه، تجد أن أحمد أمين رسم صورته وطبيعته في بعض صفحات (١) . وهذا الفرق أيضاً يطغى

стр. 147

على الأسلوب الأدبي، فأسلوب طه حسين موسيقي مرنم، تصويري، كثير التكرار، باعث على الاسترخاء، وأسلوب أحمد أمين بسيط هادئ إخباري. والحقيقة أن أحمد أمين قد عاد بالسيرة الذاتية إلى التاريخ، وابتعد عن الناحية الفنية، التي تجعل من السير الذاتية ينبوعاً يتدفق من النفس، ويفيض على ما حولها. على أنا لا ننكر أن الصراحة توفرت في " حياتي " على وجه قريب لا استعلاء فيه، وأن الالتفات إلى الدقائق الصغيرة، وإن ملأ الكتاب بالعادي المبتذل من الأخبار، فقد كان كثير من الأحيان مفيداً، ومن نظر إلى الكتاب بعين الإنصاف فإنه يكبر صراحة رجلٍ يقول: " لكم تمسكت في شبابي بالمبدأ وإن ضرني، واستقلت من عمل يدر علي الربح لأني رأيته يمس كرامتي، وبنيت آمالاً واسعة على ما أستطيعه من إصلاح وما أحققه من أعمال ثم رأيت كثيراً من هذه الآمال يتبخر، وما أنوي من أعمال يتعثر، وها أنا ذا في شيخوختي قد أقبل ما كنت أرفض، وقد أتنازل عن بعض المبادئ التي كنت ألتزم " (١) . وقد أملى أحمد أمين أكثر كتابه من الذاكرة، ففوت عليه تراخي الزمن بعض الأمور، وأعتقد كما قلت في غير هذا

стр. 148

المكان (١) ، " أن الكتاب تأخر قليلاً عن أوانه؟ تأخر حتى أصبح الأستاذ أحمد أمين يعاني المرارة التي يخلقها المرض والشعور بتغير الناس وتنكر الأهل والأبناء والأصدقاء ". وقد استطاع أن يحتفظ للكتاب بروح التواضع التي كانت من أظهر خصائصه الخلقية، إلا أن اتصال حياته بكثير من الأحياء جعله أيضاً يتغاضى عن بعض ما يسيء إليهم، ويحذف ما لا تطاوعه نفسه على إثباته، من ذلك مثلاً أنه تحدث عن وقفته إلى جانب الأستاذ أمين الخولي، حين كانا زميلين بمدرسة القضاء، ولكنه أغفل الحديث عن نهاية ما كان بينهما من علاقة حين أصبحا معاً في الجامعة، وحين تعرض لذكر العلاقة بينه وبين الدكتور طه حسين، حاول أن يجد للخلاف الأخير بينهما أساساً نفسياً وفكرياً، وأعرض عن تفصيل الأمور التي جرت إلى ذلك في النظرة، والإنصاف في الحكم، وهذا شيء عسير لا يمكن أن يبلغ الإنسان فيه حد الكمال. ولست أعني بهذين الكتابين لأنهما كل ما كتب في أدبنا المعاصر من سير ذاتية، وإنما أعرض بهما اتجاهين متفاوتين، فكتاب " حياتي " ذو صلة بالتاريخ والمذكرات، وهو يقف في صف مع مذكرات محمد كرد علي ومذكرات الرافعي ومحمد

стр. 149

شفيق باشا، ومذكرات الملك عبد الله، ومحمد حسين هيكل، وتربية سلامه موسى وما أشبه، إلا أن العنصر الذاتي فيه أقوى وأوضح. وكتاب " الأيام " سيرة ذاتية فنية أدبية، إذا تحولت عناصره بعض التحول، أصبح قصة كما فعل توفيق الحكيم في " عودة الروح " والمازني في " إبراهيم الكاتب " والعقاد في قصة " سارة "، ففي هذه الكتب شيء غير قليل من العناصر الذاتية والترجمة الشخصية، غير أنه موضوع في إناء قصصي، ممزوج بقسط غير قليل من الخيال، فهي كتب لاحقة بالقصص لا بالسير الذاتية، وفي هذا الموقف المتوسط بين طرفين يظل كتاب " الأيام " أكمل ترجمة ذاتية أدبية في أدبنا الحديث، مثلما كان كتاب " جبران " لنعيمه أكمل سيرة أدبية.