← Адаб

Адаб · id 1019

فن السيرة

إحسان عباس

Полный текст (149 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تستند إلى الاعتراف؛ فإن كان يشعر باضطهاد المجتمع له كما شعر روسو، تخفف من هذا الشعور، وإذا أحس بوقع ذنوبه وآثامه، أراح ضميره بالتحدث عنها، وقمع نفسه بالإعلان عن سيئاتها، ووقف منها موقف المتهم والقاضي معاً. وإذا خرج سالماً من لجة الصراع الروحي والنفسي والفكري إلى ساحل من الطمأنينة، رسم صورة لذلك الصراع، وأنهى قصته بالهدوء الذي يعقب العاصفة، والاستبشار الذي يأتي بعد اليأس؛ وإذا تحول من دين إلى دين، أو من مذهب سياسي إلى مذهب آخر، أو من منتصر إلى منهزم، أو من قاض إلى متهم، أو أخفق في خطة، فلا بد له من أن يرضي ضميره، فيكتب سيرة حياته، منتحلاً ضروباً من التعليل والاعتذار و " التبرير "، ولعل هذا العامل وما يكتنفه من غايات، من أقوى البواعث على كتابة السير الذاتية. وإذا كان متهماً في أنظار الناس بريئاً عند نفسه وعند الحقيقة، وإذا كان يحس بعظم الرسالة التي وكلت إليه، والناس من حوله لا يقدرونها ولا يأبهون بها، كان الكشف عن دخائل الأمور المتصلة بحياته، طريقه الطبيعي إلى إحقاق الحق وإعلان الصدق، ووراء كل سيرة هذا الدافع النفسي أو ذاك؛ وغاية مرصودة، لا يعلن صاحبها عنها، لأنها كالصورة الكلية للعمل الفني، تظل غائمة، حتى تكتمل السيرة. وليس لدى الكتاب من عمر محدود يقفون عنده لكتابة سيرهم، فإن نيتشه كتب سيرته وهو في الأربعين، وكتبها

стр. 107

سلامه موسى حين بل الستين؛ وأحمد أمين حين تجاوز هذه السن أيضاً؛ ولكن لا ريب في أن الإسراع إلى كتابة الترجمة الذاتية، في سن مبكرة، يفوت على كاتبها أموراً كثيرة، فقد يكتبها قبل أن تتضح له نتائج تطور خطير في حياته، وقد يكتبها قبل أن تقف مبادئه في الحياة واضحة جلية لينيه. وهناك خطر آخر: وهو أنه يحشد في سيرته تجارب كان من الممكن أن يفيد منها في بناء عدة قصص. وفي خلق عدة شخصيات، وفي نظم عدد من القصائد أو استغلالها في أي فن أدبي آخر (١) ؛ وهذا ما وقع فيه الدكتور طه حسين في " الأيام "، فإنه قد " جمد " تجاربه دفعة واحدة، حتى كان هذا الكتاب؟ على أنه من أوائل ما كتب؟ أغنى كتبه وأحفلها وأكثرها إمتاعاً، وأقربها إلى العمل الفني، لا لأن الدكتور طه حسين يحسن هذا النوع وحد من الفن الأدبي، بل لأنه تحول بقلمه إلى نقل واقعه كله، أو أكثره، على هذه الصورة، فهو يتجنب؟ قدر استطاعته؟ أن يعيد هذا الواقع وتلك التجارب إذا كتب قصة أو مقالة من بعد. من كل ما تقدم يتبين لنا إلى أي حد تعتمد السيرة التي يكتبها الشخص لنفسه على العنصر الذاتي، بينما السيرة العامة، قائمة في المقام الأول، على الاتجاه الموضوعي. فلابد أن يكون

стр. 108

من يكتب سيرة غيره موضوعياً في النظرة إلى صاحبه، وإلى الأشياء والحقائق المتعلقة به، كما لا يمكن أن يكتب سيرة نفسه إلا إن كان يبصر الحقائق المتعلقة بذاته على نحو ذاتي. وهنا موطن دقيق يحسن التنبه له، وهو أن يكون الكاتب لسيرته الذاتية موضوعياً أيضاً في نظرته لنفسه، بمعنى أن يتجرد من التحيز لنفسه، وهو يذكر موقفه من الناس والحوادث، ولا ينساق مع غرور النفس وتعلقها بذاتها، وحبها لإعلاء شأنها وتنقصها من أقدار الآخرين. وقل من يحسن هذا النوع من التجرد، وكثير من الناس يحتالون عليه، ليمنحوا ما يكتبونه أصالة وصدقاً، ويقع في أنفس القراء موقعاً حسناً، وأعيد القول هنا بأن هذا التجرد كان من نصيب بعض الكتاب المفكرين من مثل جون ستيوارت وإدموند غوس، وهو إلى حد كبير ميزة السيرة التي كتبها أحمد أمين. ولكن: هل هذا هو كل الفرق بين الترجمة الذاتية والسيرة العامة: أن الأولى ذاتية مع شيء من الموضوعية وأن الثانية موضوعة مع ذرات صغيرة من الذاتية؟ نحن هنا إزاء فريقين يختلفان اختلافاً بيناً: أما الفريق الأول فيرى أن لا فرق بين السيرة الذاتية والسيرة عامة، في الغاية والشكل والمضمون، إلا أن إحداهما تكتب بصيغة المتكلة والأخرى بصيغة الغائب؛ كلاهما فن لا علم والدليل على ذلك أنه لو اجتمع عشرون كاتباً على كتابة سيرة لأحد الناس

стр. 109

لتوفرت لدينا عشرون سيرة مختلفة، على الرغم من أن المواد واحدة متفقة. ولو كتب هؤلاء سير أنفسهم لطالعنا أيضاً مثل ذلك العدد من السير الذاتية المتباينة. ويعتمد القائلون بتشابههما وتقاربهما، في إثبات هذا الرأي، على مثل سيرة جونسون التي كتبها بوزول فيقولون: إن بوزول كان حقاً كاتباً قديراً للسيرة، ولكن ما كتبه ليس إلا صورة مزدوجة فيها سيرة جونسون، وفيها أيضاً سيرة بوزول نفسه؛ ولم يتوفر لذلك الكاتب النجاح فيما كتب، إلا لأنه سعى السعي كله لتحسين نفسه بكتابة سيرته الذاتية، فليست سيرة جونسون إلا ذلك الشخص الذي تجسمت فيه كل أماني بوزول، حين وجد فيه؟ مصادفة لا تعمداً؟ شخصية ترضي كل نزعاته الخلقية رضاء تاماً، فكرس حياته وقلمه من أجله. إذن فالقول بأن صاحب السيرة موضوعي وصاحب السيرة الشخصية ذاتي، تعميم يخرج على منطوقه كثير من الشواهد. والقول بأن الإنسان يعرف ذاته خيراً مما يعرف ذوات الآخرين هو أيضاً قول مرسل لأن قاعدة " أعرف نفسك " لا تزال من أبعد القواعد عن حيز الإمكان (١) . وأما الفريق الآخر فيقول: إن بينهما شركة كالتي بين كثير من الفنون الأدبية، ولكن القول باتفاقهما

стр. 110

التام خاطئ أو بعيد عن الصواب. لأن الترجمة الذاتية نقل مباشر أما الترجمة الغيرية؟ أي ترجمة حياة الآخرين؟ فإنها نقل عن طريق الشواهد والشهادات والوثائق، وشتان ما هما؛ ثم إن الصفات التي تجعل السيرة الذاتية عظيمة ليست هي نفس الصفات التي تجعل السيرة الغيرية عظيمة: وفي رأس تلك الصفات أن يكون كاتب السيرة موضوعياً، يلمح بسرعة ويفهم بأحكام ويلم الحقائق، ويحكم عليها، ويمزجها مزجاً متعادلاً منسجماً، ويصبغها بأسلوبه. أما كاتب السيرة الذاتية فإنه ذاتي قبل كل شيء، ينظر إلى نفسه ويسلط أضواء النقد ودقة الملاحظة على شخصيته؛ ومترجم غيره يقف موقف الشاهد لا القاضي أما مترجم نفسه فإنه يجمع بين الصفتين. فليس للأول أن يحمل فكرة مقررة سابقة عمن يترجم له، وإنما من واجبه أن ينقل صورته إلى الخلف، كما كانت تلك الصورة معروفة بين معاصريه. ومثل هذا التقييد لا يمكن فرضه على من يترجم لنفسه فما يقوله يقبل على وجهه. ونتيجة لهذه الفروق تنبع السيرة الذاتية من الداخل، متجهة نحو الخارج، على عكس الاتجاه الذي تمشي فيه السيرة غير الذاتية. ونجاح المترجم الذاتي يقاس بنسبة الذاتية فيما كتب، أما نجاح من يكتب سيرة فيره فيقاس بمقدار تجرده وغيرته (١) . ويبدو من هذا الجدل حول الموضوع أن القول

стр. 111

باشتراكهما التام مصحوب بالغلو، ولكن اتفاقهما في كثير من المظاهر والعناصر أمر طبيعي؛ وكلما أصبحت السيرة تعبيراً ذاتياً عن نفس كاتبها وظروفه، وكانت الشخصية التي يتحدث عنها هي مثله الأعلى، قلت نسبة الفرق بين هذين الفنين. ونخلص من هذا إلى أن كاتب السيرة الذاتية لا يصور نفسه فحسب، وإنما يحكم عليها ويحاول أن يتجرد من الرابطة العاطفية التي تشده بها، فإلى أي حد يمكن أن يكون هذا الكاتب الذاتي صادقاً؟ وبعبارة أخرى، ما هي درجة الصدق في السيرة الذاتية، وهل من الممكن للصدق التام أن يتحقق فيها؟ والجواب على هذا التساؤل سهل لا يحتاج كثيراً من التدقيق. فالصدق الخالص أمر يلحق بالمستحيل، والحقيقة الذاتية صدق نسبي، مهما يخلص صاحبها من نقلها على حالها؛ ولذلك كان الصدق في السيرة الذاتية " محاولة " لا أمراً متحققاً. وقد عرض موروا للحوائل التي تحول دون تحقق الصدق في السير الذاتية: فعد منها النسيان الطبيعي، والنسيان المتعمد، فنحن لا نذكر من عهود الطفولة إلا القليل، وبعض ما نذكره أحياناً نحاول إخفاءه لأنه لا قيمة له، وما دمنا ننشئ فناً فإن عملية الاختبار هي التي تتحكم فيما نعمله، فنحذف ما نحذفه ونبقي ما نبقيه، خضوعاً لتلك الحاسة الفنية فينا. وهناك أشياء نستحي من ذكرها، كبعض العلاقات الجنسية، وقليلون هم الذين لديهم جرأة روسو، بل كثيرون هم الذين يخجلون من أن يقروا روسو

стр. 112

على تلك الصراحة. ثم إن الذاكرة لا تنسى فحسب بل هي تفلسف الأشياء الماضية، وتنظر إليها من زوايا جديدة، وتهدم وتبني حسبما يلائم تجدد الظروف وتغيرها، وتجد التعليل والمعاذير لأشياء سابقة، لأنها في عملية كشف دائم؛ ومعنى ذلك أن الماضي شيء لا يمكن استرجاعه على حاله، ولا مناص من تغييره، بوعي أو بغير وعي، ومن ضروب التغيير الواعي فيما نذكره ونكتمه أننا لا نقول كل ما نعرفه عن الأحياء، لئلا ينالهم الأذى من صراحتنا (١) . فليست هناك سيرة ذاتية تمثل الصدق الخالص، ولذلك كان جوته محقاً؟ كما قال موروا؟ حين سمى سيرته " الشعر والحقيقة " إشارة منه إلى أن حياة كل فرد إنما هي مزيج من الحقيقة والخيال (٢) . وفي السير الذاتية بالغرب معالم كبيرة كان لكل معلمٍ منها أثره في كتابة السيرة الذاتية وطريقتها، وفي طليعة تلك السير " اعترافات القديس اوغسطين " فإنها فتحت أمام الكتاب مجالاً جديداً من الصراحة الأعترافية، وشجعت الميل إلى تعرية النفس، في حالات كثيرة تلتبس بالآثام، أو يثقل فيها عناء الضمير. ثم هنالك " اعترافات روسو " وقد خطت بالصراحة المكشوفة

стр. 113

خطوة جديدة، وكان صاحبها حين بدأ كتابتها يشعر أنه يقوم بعمل لم يسبقه إليه أحد، ولن يوجد من يقدر على محاكاته فيه، وقد عني روسو فيها عناية فائقة بالصراع الداخلي، دون تفلسف كثير حول ذلك الصراع، فجاءت اعترافاته مثلاً ساطعاً على نقلها الواقعي للحياة. وقد كان يظن أنها أصدق سيرة كتبت، ولكن الدراسة المتعمقة قد دلت على أن روسو كان أكبر مشوه للحقائق، وهو أخلص الناس في نقلها. وثمة معلم ثالث له أثره أيضاً في السير الذاتية بالغرب، وهو يوميات أندريه جيد، وقد انفق فيها السنوات الطوال، يحاول أن ينقل صورة نفسه بأخطائها ووصماتها، ولكنه مع ذلك، من أقرب كتاب اليوميات إلى الصراحة الكاذبة، فقد شهد صديق من أصدقاء جيد، موثوق بقوله، إنه ليس في كتاب الاعترافات كاتب مثل جيد، تحيل في الصراحة، ليكيف في شكل التمثال الذي ينصبه لنفسه، كلما تقدم في العمر، ويضع له قاعدة صلبة (١) . ويطول بنا القول كثيراً لو أننا تناولنا أشهر السير الذاتية التي كتبت في الغرب؟ دع عنك إحصاءها؟ ولكن المتطلع إلى قراءة هذا النوع من الفن الأدبي لابد أن يعرف السير التي مرت أسماءها في هذا الفصل، هذا إن لم يغيره حب الاستطلاع بقراءة سير ذاتية أخرى، فإن من التنوع والخصب ما

стр. 114

يجعلها من أغنى الكتب بالتجارب الإنسانية. فإن كان يعجبه أن يتعرف إلى النفوس الكبيرة والعبقريات الفذة في صراعها وتقلبها وأخطائها، فهو واجد في اعترافات تولستوي وأشباهها، ما يرضيه. وإن كان يريد أن يحس كيف تتمخض النفس الإنسانية من خلال التيار العاطفي لمعانقة الفكر، وتعيش في جحيم العاطفة العاتية لتبلغ المجرد، وتبتدع لنفسها الحياة المرجوة من خلال الحياة نفسها، وتشك أو تؤمن تحت وطأة التشاؤم والتفاؤل، ففي مذكرات ماري بشكرتسيف أروع قصة لأغرب حياة نفسية، عاشتها فتاة أكرانية مسلولة، تحلم بالمجد وتعيش من أجله، وتتخذ من كل شيء، صغيراً كان أو كبيراً، موضوعاً للتأمل والتحليل، وقد كتبت مذكراتها لتقص للناس " التاريخ الكامل لامرأة، بكل أفكارها وآمالها، وما عانته من خيبة وأمل، وما أدمى قلبها من خسة الناس ولؤم طباعهم، وما نعمت به من جمال واستشعرته من مباهج وأحزان. " (١) وإذا كانت تستهوي القارئ صورة الصراع بين الجيل الفاني والجيل الصاعد، بين الأب والابن، بين النظرة الدينية المستسلمة وحرية الفكر، فإن كتاب " الأب والابن " لادمند غوس، كفيل بتبليغ هذه الرسالة في صدق وتجرد، مع قسط لازم من روح السخرية المغموس في غمار المأساة، أثناء ذلك الصراع. لقد كان

стр. 115

ادموند غوس ابناً لرجل عالم متدين وأم متدينة؛ ومنذ البدء نذره هذان الأبوان، للحياة الدينية الخالصة، وعودا نفسه الوقوف عند الحدود الصارمة، والاكتفاء بالكتب الدينية التي يريانها مفيدة له، وإبعاد كل ما قد يقربه إلى حب الحياة الدنيا من كتب ولدات؛ وفي الثانية عشرة من عمره كان أبوه قد " عمده " في المذهب الذي يعتنقه، واعتبره مسؤولاً عن توجيه الاتباع وهدايتهم، وقراءة الصلوات لهم، وهو يصف تدرج نفسه وتفتحها، واصطدامها بهذا الواقع الذي رسمه أبوه مرحلة مرحلة، موضحاً إلى جانب هذا التغير النامي، قوة الثبات، بل التراجع، في نفسية أبيه، وانقطاعها عن العالم، وازدراء الشهرة، والتوفر على شؤون المذهب، والارتياح لكل بادرة من التغير تظهر في أعمال ذلك الابن وأقواله. ولما وضح أن الابن أخذ يضيق ذرعاً بالتزمت، وتتجه نفسه إلى الأدب والحياة بأقوى من اتجاهها إلى الدين، وتحاول أن تستكشف العوالم التي أخفاها ذلك الخناق الضيق في النظرة والنشأة، عمل الأب؟ في فزع لا يخفى؟ على أن يوجهه فيما يعتقده أنه الطريق السوي، ناسياً أن " التدين ليس أمراً وراثياً وإن ظل يرجو أن يحققه عن طريق القهر " (١) . وأخيراً، كتب لابنه رسالة يقول فيها " عندما جئت إلينا في الصيف، وقعت علي نازلة ثقيلة، فقد استكشفت مدى ابتعادك عن الله. لا أقول إنك استسلمت للتيار القوي من

стр. 116

دم الشباب، ووقعت ضحية لشهوات الجسد، فلو حدث هذا، وهو أمر مؤسف، لارتفع صوت ضميرك الحي جهراً، ولوجدت الهداية بالعودة إلى الدم الذي ينقي خطايانا جميعاً، وإلى الاعترافات وقتل الذات، وإلى العفو والإنابة إلى الله. لم يحدث لك شيء من ذلك، ولكن ما حدث كان أسوأ، وهو ذلك الجحود الراعب، الذي ثار في عقلك وقلبك بقوة مخيفة. وإنما أقول إنه أسوأ لأنه ينحت أسس الإيمان التي يقوم عليها كل دين صحيح، وكل توجه حقيقي إلى الله " (١) . حينئذ كان الابن قد بلغ الحادية والعشرين، ورأى أن كتاب أبيه لم يدع مجالاً للتفاهم، ولم يبق للصلح موضعاً، فاختار أن يرفع نير الاستسلام عن عنقه، ومضى دون أن يثير عاصفة أو يحس ندماً، يشق طريقه في الحياة، مستقلاً في تكييف ذاته، وبناء معتقده، وحياته الخاصة. ومن أحدث ألوان السيرة الذاتية في الغرب، اللون القصصي الذي يمثله كتاب " في البحث عن زمن ضاع " لمارسيل بروست، و " صورة الفنان في شبابه " لجيمس جويس، وكلاهما يتميز بالمزج بين الحركة الشعورية واللاشعورية في القول والعمل. ويتسم الكتاب الأول بالاتساع الذاتي لشمول النظرة التحليلية حتى للشخصيات التافهة، ذات الدور الثانوي في الحياة، كما

стр. 117

يختص الثاني بالاندفاع المتحمس الذي يشبه التيار المتدفق في استعراض حياة الصبا وفورة الشباب، والثورة على نظام المدرسة، والتزمت الديني، وهو في ناحيته الأخيرة قريب الشبه بكتاب " الأب والابن " لادمند غوس، لأنه صورة للقلق الفكري، الذي ينبع من محاولة الانطلاق، وراء حدود التربية الدينية الصارمة.

стр. 118

٥ - السيرة الذاتية في الأدب العربي إن تلك الطبيعة الثورية القلقة الجياشة؟ التي شهدنا شيئاً منها في الفصل السابق؟ ليست من المميزات الواضحة في السيرة الذاتية في الأدب العربي. فإن طبيعة الاستسلام أغلب على هذا اللون من الأدب، حتى عند أصلب شخصياته، وأشدها تمرساً بالمصاعب، وهي طبيعة يمثلها ابن خلدون نفسه، على صلابة عوده، لأنه إذا واجه مشكلة تنحى عنها لتمر، أو اختار الهجرة لئلا يضعف إزاءها، وهو يعزل ثم يولى ثم يعزل ثم يولى، ويتقبل هذا الأمور كأنها أحداث تجري بمعزل عنه وعن تفكيره وتقديره؛ ويغرق أهله جميعاً في سفينة قادمة من تونس، فإذا جوابه على هذه الفاجعة أنه يريد زيارة مكة ليتعزى عمن فقدهم. ومعنى هذا أن الإحساس بالصراع الذي يخلق الفن، ضعيف في

стр. 119

تلك السير الذاتية، أما الصراع نفسه فحاضر في كل مرحلة من مراحل الحياة. ويلي هذا العنصر في القوة، عنصر التعري النفسي والاعتراف المخلص، فهو أقوى ظهوراً من سابقه، وخاصة عند أهل الاتجاه الروحي أو الفكري؛ فابن الهيثم يعترف بأن الإقبال على علوم الديانات لم يفده شيئاً، فاتجه إلى الأمور العقلية، وهذه شجاعة لا يوازيها إلا الاعتراف الغزالي بأنه شك في كل شيء إلا في البديهيات، لولا أن الغزالي عاد من ثورته هذه إلى الاستسلام الذي ألقى به في أحضان التصوف. أما الاعتراف الذي يصيب حقائق الحياة الذاتية، في السلوك العام، وفي الأحداث الخاصة، فشيء قلما يصيبه المرء في هذه السير الذاتية أو المذكرات واليوميات. ولذلك نرى ابن حزم الأندلسي فذاً في تلك النتف الاعترافية التي ضمنها كتابه " طوق الحمامة "، وهو زعيم مذهب، وأخو تشدد بالغ في النظرة الدينية، ومع ذلك نجده يقول: " وعني أخبرك أنني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر، فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه؛ وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، لا تؤاتيني نفسي على سواه، ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي، ﵁، وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه الأجل " (١) .

стр. 120

ويتعمق ابن حزم استبطان أحواله النفسية في بعض مذكراته كأن يقول " وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظمأ ... ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى، فما وجدتني إلا مستزيداً، ولقد طال بي ذلك فما أحسسن بسآمة، ولا رهقتني فترة؛ ولقد ضمني مجلس مع بعض من كتب أحب، فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل، إلا وجدته مقصراً عن مرادي، وغير شاف وجدي، ولا قاضٍ قل لبانة من لباناتي، ووجدتني كلما ازددت دنواً ازددت ولوعاً " (١) . ويتدرج من هذا التعميم أحياناً إلى التفصيل الدقيق للحادثة الواحدة، فيعرضها في صراحة، قل أن تجد لها مثيلا. ولكن مما قلل من صراحته في الكتاب، أنه لم يستطع أن ينسب كثيراً من الوقائع إلى نفسه، فاكتفى بالتلميح أحياناً، وكنى عن أسماء الأحياء مراعاة لمشاعرهم، وفاته كثير من الذكريات لأنه كان كما قال: " فأنت تعلم أن ذهني متقلب، وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال وتبدل الأيام ... " (٢) ولم يكتب أحد في موضوع الحب كتابة قائمة على التجربة والمشاهدة، والاعتراف وبعض التعمق النفسي، مثلما فعل ابن

стр. 121

حزم الأندلسي، ولولا أنه مزج كتابه بأشعاره الكثيرة، والتزم فيه تقسيمات مصطنعة، لاستوفى المتعة الصحيحة، وما قصر عن الغاية. وإلى جانب العاملين السابقين وهما روح الثورة والتعري، نجد السير الذاتية والمذكرات واليوميات في أدبنا، مفتقرة إلى العمق النفسي، الذي وجدنا بعض خيوط دقيقة منه عند ابن حزم الأندلسي. وهذا شيء يتمشى مع العنصرين الأولين، ويعتمد إلى حد كبير على التوافق بين الفرد ومجتمعه، ونظرته إلى نفسه وإلى الناس، وهو أعمق بكثير من الفخر الفردي القائم على تعداد المآثر في الذات، وملاحظة السيئات في الآخرين. ولا يزال مجتمعنا حتى اليوم يؤهل لهذه السطحية، لأن التكأة الفلسفية للشخصية فيه ضعيفة أو مكسورة، وقد نجد هناك براعة في نقل الحركة الخارجية في القصة والمسرحية والسيرة، ولا نجد هذا الغوص داخل النفس، إلا قليلاً، وهو عمق تتبلور حوله الشخصيات، وتعيش خالدة متميزة. ويمكن أن نقسم السير الذاتية وما شابهها، حسب كيانها العام وغايتها، إلى الأصناف التالية: (١) الصنف الإخباري المحض، وهو يضم الحكايات ذات العنصر الشخصي سواء أكانت تسجل تجربة أو خبراً أو مشاهدة، كتلك الحكايات التي يقصها الجاحظ وأبو حيان والصلاح

стр. 122

الصفدي والصابي والصولي وغيرهم عن نفوسهم، وعن الأحداث التي صادفتهم، كما تضم بعض المذكرات التي كتبها صاحبها من أجل الغاية التاريخية، وهذا يشمل جانباً من السير التي تحدثت عنها في الفصل الأول، ويشمل " مياومات " القاضي الفاضل، والعناصر الذاتية في كتب الرحلة، كرحلة ابن جبير والشيخ خالد البلوي وابن رشيد والعبدري، ومجموعة من السير الذاتية مثل سيرة ابن سينا، وموفق الدين البغدادي، وعلي بن رضوان الطبيب المصري، وهم كل واحد من هؤلاء أن يعرف الناس أين نشأ، وكيف تعلم، وكيف كانت قابليته للعلم، ومن شيوخه، وما هي الكتب التي ألفها، والبلاد التي زارها متنقلاً. يقول ان سينا في سيراه: " إن أبي كان رجلاً من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور، واشتغل بالتصرف وتولى العمل في أثناء أيامه، بقرية يقال خرميثن من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها أفشنة وتزوج أبي منها بوالدتي وقطن بها وسكن، وولدت منها بها، ثم ولدت أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب، وأكملت العشر من العمر، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضي مني العجب وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين، ويعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا اسمعهم، وأدرك ما يقولونه

стр. 123

ولا تقبله نفسي، وابتدءوا يدعونني إليه أيضاً، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند. وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعليمي منه، وقبل قدومه كنت اشتغل بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب، على الوجه الذي جرت عادة القوم به، ثم ابتدأت بكتاب ايساغوجي على الناتلي. ولما ذكر لي حد الجنس: أنه هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب " ما هو "، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجب مني كل العجب، وحذر والدي من شغلي بغير العلم ... " (١) . ويختصر ابن رضوان مراحل تعليمه على هذه الصورة أيضاً من الإيجاز، فيقول في جانب من سيرته: " فلما بلغت السادسة أسلمت نفسي في التعلم، ولما بلغت السنة العاشرة انتقلت إلى المدينة العظمى، وأجهدت نفسي في التعليم، ولما أقمت أربع عشرة سنة، أخذت في تعليم الطب والفلسفة، ولم يكن لي مال أنفق منه فلذلك عرض لي في التعليم صعوبة ومشقة، فكنت مرة أتكسب بصناعة القضايا بالنجوم، ومرة بصناعة الطب، ومرة بالتعليم. ولم أزل كذلك وأنا في غاية الاجتهاد في التعليم إلى

стр. 124

السنة الثانية والثلاثين، فإني اشتهرت فيها الطب، وكفاني ما كنت أكسبه الطب، بل وكان يفضل عني إلى وقتي هذا، وهو آخر السنة التاسعة والخمسين. وكسبت مما فضل عن نفقتي أملاكاً في هذه المدينة، إن كتب الله عليها السلامة وبلغني سن الشيخوخة، كفاني في النفقة عليها. وكنت منذ السنة الثانية والثلاثين إلى ومي هذا أعمل تذكرة لي، وأغيرها في كل سنة، إلى أن قررتها على هذا التقرير الذي استقبل به السنة الستين.... " (١) . ويذكر عبد اللطيف البغدادي في سيرته كيف تعلم، والكتب التي تعلمها، وشيوخه الذي تلقى عليهم العلم. ويسهب القول في رحلته، وفيمن لقي من الشيوخ، ويقول بعد أن وصف إقامته وتحصيله ببغداد: " ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي، ويملأ عيني، ويحل ما يشكل علي، دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال ابن يونس جيداً في الرياضيات والفقه، متطرفاً في باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله ووقته في حب الكيمياء وعملها، حتى صار يستخف بكل ما عداها، واجتمع إليّ جماعة كثيرة وعرضت علي مناصب، فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة ودار الحديث التي تحتها، وأقمت بالموصل سنة في اشتغال دائم ليلاً ونهاراً، وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا من أحد من قبلي ما رأوا مني، من سعة المحفوظ، وسرعة الخاطر، وسكون الطائر،

стр. 125

وسمعت الماس يهرجون في حديث الشهاب السهروردي المتفلسف، ويعتقدون أنه قد فاق الأولين والآخرين، وأن تصانيفه فوق تصانيف القدماء، فهممت لقصده، ثم ادركني التوفيق، فطلبت من ابن يونس شيئاً من تصانيفه، وكان أيضاً معتقداً فيها، فوقعت على التلويحات واللمحة والمعارج، فصادفت فيها ما يدل على جعل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا الأنوك، وفي أثناء كلامه يثبت حروفاً مقطعة، يوهم بها أمثاله أنها أسرار إلاهية.... (١) ". وكل هذه السير، على تفاوت أصحابها في إعجابهم بأنفسهم، وبما حققوه من مجد أو غاية كانوا يسعون إليها، تفيدنا كثيراً لأنها تقرير مباشر عن تجاربهم في الحياة، وعن جهادهم فيها، فإذا لم تكن فيها المتعة الفنية، ففيها المتعة التي يثيرها الخبر الطريف، والتجربة الصادقة، وهذا النوع من السير الأخبارية الصغيرة غير قليل في الأدب العربي، ولكنا نكتفي منه في هذا المجال بالأمثلة السابقة. (٢) صنف يكتب للتفسير والتعليل والاعتذار والتبرير ومن هذا النوع سيرة المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي، وسيرة ابن خلدون، ومذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة، وكل واحد من هؤلاء كانت تكتنفه ظروف مضطربة

стр. 126

فيها مجال للأخذ والرد والقيل والقال، فكتبوا سيرهم لينصفوا أنفسهم أمام التاريخ، وليبرروا ما جرى لهم من زاوية ذاتية. أما لمؤيد فكان داعي دعاة الدولة الفاطمية وأحد أقطاب المذهب الإسماعيلي، وهو معروف بالمراسلات التي دارت بينه وبين أبي العلاء المعري، حول تحريم اللحوم والاكتفاء بالنباتات. وللمؤيد هذا شخصية لا تعرف للطموح حداً، فقد عاش في شيراز، في خضم مائج من العواصف السنية المعادية، واستطاع أن يستميل الملك البويهي، أبا كاليجار، إلى مذهبه الإسماعيلي. ثم يغادر فارس إلى مصر، مؤملاً أن يجد فيها الحظوة التي ترفعه إلى أعلى الدرجات. غير أن مصر الفاطمية الغارقة حينئذ في الانحلال، لم تعترف له بعبقريته، فجاهد غير يائس في سبيل الدولة الفاطمية، وتآمر على الدولة العباسية مع البساسيري، واستطاع أن يدعو للخليفة الفاطمي على منابر بغداد، مدة من الزمن. فهذا الدور الذي لعبه المؤيد لم يجد القلم الذي يوضحه، ولا المؤرخ المنصف الذي يجلوه، ولذلك أقبل هو نفسه على كتابة سيرته، لينتصف من خصومه، وليؤكد ما يراه حقاً وصواباً. وقد كانت حياته سلسلة من المغامرة والمصابرة، ويبدو أنه لم يكن لبقاً في أصول الخطاب، أو كان قليل المجاملة في طريقة التعبير، وكان هذا نفسه مزلة في عصره، يتعقبه فيها أعداءه ويكيدون له بها؛ خاطب مرة أبا كاليجار فقال له " ما ينجيني منك سخط ولا رضى، فلقد كنت علي إلباً، قبل المعرفة

стр. 127

قاصداً لروحي بلا بصيرة ولا بينة، وكان يتجافى جنبي عن المضجع رهبة من بغتاتك وخوفاً من سطواتك، فلما سهل الله تعالى، وأيقظك من رقدتك، وجمع بيني وبينك، ففعلت بك ما لم يفعله والدك؟ أعني من طريق الإرشاد والأخذ به من الاختلال في دينه إلى السداد؟ صرت لا أتخلص من أذى من هم حولك، ونصبهم لي أشراك الغوائل، ولقائهم إياي بالخدع والمخاتل " (١) . وقد غضب الملك من قوله له: " فعلت بك ما لم يفعله بك والدك " ونقلها لأصحابه، وهم أعداء المؤيد، فهولوا فيها وقالوا له: هذه لفظة لا تقال للسلطان، حتى اضطر المؤيد إلى الاعتذار عنها. ويصور حاله بعد أن لم يعد له حيلة في قمع المكايدين له فيقول: " ومضيت أجر رجلي إلى بيتي، وبت ليلة يا لها من ليلة، وصارت بشيراز صيحة واحدة بحديثي وذكري في البيوت والمساجد والمجامع، وتباشر المخالفون في كل بقعة وكل مكان، ونفذت الكتب إلى البلدان الشاسعة بالتهاني، إن الملك رجع عما كان عليه من الضلالة، وقتل فلاناً وجعله قطعة قطعة ... " (٢) . ولم يبق أمام المؤيد إلا الرحيل فعزم على قصد مصر؛ قال: وعملت على تنكير الزي والهيئة، والدخول في أطمار رثة،

стр. 128

واستبعت غلامين مجهولين، وسلكت في بعض المجاهل من الطرق، أكثري من مرحلة إلى مرحلة حماراً أركبه أو جملاً أو ثوراً على حسب ما يتفق، وأتحمل في خلال ذلك من مشقة المشي وخوض الأودية والوحول، والصبر على مضض البرد والنزول على المواضع القذرة، ما يكون الموت عند دائه شافياً " (١) . وقد ملأ المؤيد سيرته بالرسائل التي كتبها أو تلقاها، ولكنه؟ على أي حال؟ أراد أن لا يدع التاريخ يغفل فيه دوره، وهو هام في رأيه، وأن يطلع الناس على حقائق، لولاه لظلت مستورة إلى الأبد. وأسلوبه في سيرته غير سهل ولا سائغ، وهو يعتمد السجع الذي أنكره على أبي العلاء، في بعض رسائله. وأما عبد الله أمير غرناطة فقد كان أحد أمراء الطوائف، وكانت أزمة الأندلس بين أطماع الإسبانيين بقيادة الفونش السادس من جهة، والمرابطين من جهة أخرى، تجعل موقفه حرجاً، فكل عمل يقوم به يساء تفسيره: إذا حصن بلده قيل إنما يقاوم تقدم المرابطين، وإذا زوج أختيه من بعض أقاربه أتهم بأنه إنما يفعل ذلك لئلا يتزوج من إحداهما أمير المرابطين، وإذا هاجم الفونش مدن الأندلس، ولم يهاجم غرناطة ذهب المرجفون يقولون إن ذلك حدث بمؤامرة الأمير عبد الله نفسه؛ كل هذا والأمير يجد نفسه في مأزق ضيق، والثورات في الداخل تتولى عليه، والكارهون يسيئون إلى سمعته عند المرابطين

стр. 129

وأميرهم؛ وأهل بلده يداخلون الأمير على التسليم سراً. ولمواجهة هذه الاتهامات الكثيرة، كان لابد للأمير عبد الله من أن يقص القصة كما يعرفها مخلصاً، بعيداً عن التزيد، موضحاً ما تلبس بسيرته من إشاعات، نثرها المغرضون وأهل الأهواء، فهو يقول في موضع من كتابه: " ولم نعتقد في أمر المرابطين؟ يعلم الله ذلك؟ صدهم عن جهاد، ولا تضافراً مع أحد عليهم، ولا أردت بهم شيئاً من مساءة نسبت إلينا، أكثر من أني جزعت الجزع الشديد مما تقدم ذكره من تلك المعاني التي أبصرتها، وما جرى على ابن رشيق، مع هلعي لذلك وتمكن السوداء مني، وسوء الظن من معاينة اليقين فقلت: ما دام تلتقي الفئتان، نخشى حملة السيل على هذه المدينة، فتحصينها أولى، ولن يضر ذلك. فمتى دعاني أمير المسلمين إلى إعطاء عسكر أو مال اتو ما أشبه ذلك، مما يجب من مشاركته وإنجاده، لم نتأخر عنه ... غير أني متى دعاني إلى الخروج إليه بنفسي، نعتذر وندافع ذلك جهدي، فعسى أن يتركني ويقبل عذري، ومتى لم يقبل عذراً، نعلم أنه يريد إخراج أمري إلى حدود الفعل، فهو إذن علي متعسف، لكلام الأعداء والكذب، فلابد لي عند ذلك من الاحتياط على مهجتي والتحصين على نفسي، ونجعله إذ ذاك كسائر من يريد إخراجي من السلاطين، ولي معه الله، إذ لم أنو به سوءاً، ولا واسيت عليه أحداً، ولا صددته عن جهاده " (١) .

стр. 130

وهكذا يظل الأمير عبد الله يشرح موقفه موضحاً، حتى لا تتعلق به تهمة؛ ولكن الوشاة أفسدوا الجو عليه، وعلق في مخالب رجل قوي. فهو في جانب من سيرته يصور ما حل به بطريقة تستثير العطف والرثاء؛ وخاصة حين استقصيت أمواله عن آخرها، وأصبح لا يملك من الدنيا شيئاً، وهدد بأنه مطالب هو وأمه، باستخراج كل وديعة لهما عند الناس، وإلا فلا عهد له عند المرابطين قال يصف حاله حينئذ: " ورجعت إلى الوالدة أعظها وأقول لها: أسألك بالله إلا ما أشفقت علي فربما قد أخرجتن شيئاً [من المال] لا أعلمه فيظهر بعدي، ويكون فيه هلاكي وهلاكك، والدنيا أقل من هذا كله، والقوم كما ترين متعلقون بشعرة، يطلقون معنا أرق سبب، فإياك أن تشمتي بي، وإذا تبرأنا له، لا يمكن له تضييعنا، وليس يدخر المال إلا الثلاث: سلطان يجور، أو فتنة تدوم، أو عمر يطول، ونحن في نفر يسير. فلما سمعت ذلك، بكت وقال: نخشى أن نبقى فقراء والموت أهون من الفقر؛ فسهلت عليها الأمر وقلت: إن الله لا يضيع من خلق " (١) . وبين دفع الاتهام وإثارة العطف وتحقيق المسؤولية على وجهها الصحيح، مضى الأمير عبد الله يؤرخ الأحداث التي كان هو محورها، والحق أن الظروف كانت أقوى بكثير من أن تدفعها أو تحولها شخصية ذلك الأمير، فإنه كان امرءاً يستسلم للحوادث، ويحب البقاء، معتقداً أن

стр. 131

لكل شيء مدة؛ حتى قال فيه أحد المؤرخين يصفه: " كان جباناً مغمد السيف، قلقاً لا يثبت على الظهر، عزهاة لا أرب له في النساء، هيابة مفرط الجزع، يخلد إلى الراحات ويستوزر الأغمار " (١) ومن أجل التاريخ الذي لا يرحم، أراد الأمير عبد الله أن يستثير الرحمة والأنصاف لنفسه بكتابة سيرته. ولم تكن الأحداث التي عاش ابن خلدون في غمارها أقل تشابكاً واضطراباً، فكتب سيرتهن وضمنها ذكر شيوخه، والكتب التي درسها، والرسائل التي كنبها، والأشعار التي نظمها في المناسبات. ولكن وراء كل ذلك غاية من التبرير والتفسير؛ فقد اتهم ابن خلدون بأنه شارك في بعض الانقلابات، ولما كان في الأندلس، أخذ يتنكر له الناس حتى صديقه لسان الدين ابن الخطيب، ولما كان في مصر ولي القضاء وعزل عنه عدة مرات حتى ليظن الناظر إلى هذا التقلب في حياته، أن العيب في شخصه لا فيمن حوله؛ فكتب سيرته منتصفاً لنفسه، وأبان عن وجه الحقيقة كما كان يراه، ولم تخل سيرته من غرض آخر، هو تصوير تلك الشهرة العريضة، والمنزلة الرفيعة التي نالها في الحياة السياسية والاجتماعية، حتى كان من قفته بنفسه أن سعى لمقابلة تيمورلنك (السلطان تمر؟ كما يسميه -) ، بل إن هذا السلطان نفسه سأل عنه ورغب في لقائه، قال: وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني، وهل سافرت مع عساكر مصر، أو أقمت بالمدينة

стр. 132

فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول، وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت الباردة على نفسي، وبكرت سحراً إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي أولاً ثم أصغوا لي، ودلوني من السور، فوجدت بطانته عند الباب.. " (١) وموقف ابن خلدون في لقاء تيمورلنك، من أدل المواقف على نفسيته في عهد الشيخوخة، وحرصه على السلامة، وهو يرسم مفارقة واضحة لروحه المغامرة ولصلابته قبل ذلك، في أيام القضاء، وتمسكه التام بما يعتقد أنه العدل والحق، دون أن تأخذه فيه لومة لائم. وقد وصف ذلك أبلغ وصف جاء فيه " فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم، وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخ مشهور، ولا يعرف لهم كتاب في فن، قد اتخذوا الناس هزؤاً، وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض، ومأبنة للحرم، فأرغمهم ذلك مني، وملأهم حسداً وحقداً علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، يشترون بها الجاه، ليجيروا به

стр. 133

على الله؛ وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم، يترخصون به للإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت أحكام الله فيمن أجاروه، فلم يغنوا عنه من الله شيئاً، وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة، وانطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي، وسوء الأحدوثة عني، بمختلق الإفك وقول الزور، يبثونه في الناس، ويدسون إلى السلطان التظلم مني، فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب عند الله ما منيت به من هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض على سبيل سواءٍ من الصرامة، وقوة لشكيمة، وتحري المعدلة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والأغراض متى غمزني لامسها، ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة، فنكروه علي، ودعوني إلى تبعهم، فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناءً على أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعلمون أن قد تمالأوا عليه ... فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع علي إلباً، ولمن ينادي بالتأفف مني عوناً، وفي النكير علي أمة.... " (١)

стр. 134

(٣) وصنف ثالث، يصور الصراع الروحي، وهو ملموح في سيرة ابن الهيثم، وفي بعض ما كتبه المحاسبي في " كتاب النصائح " (١) وواضح في " المنقذ من الضلال " للغزالي. وليس هذا الكتاب سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق. لأنه لا يصور إلا جانباً من أزمة روحية. تعرض لها الغزالي، دون نظر إلى ما عداها؛ ولكنه رسم هذه الأزمة بدقه فقال: " ولم أزل في عنفوان شبابي؟ منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن، وقد أناف السن عل الخمسين؟ اقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، واستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر سفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه، للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته، وقد كان التعطش إلى درك حقائق

стр. 135

الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد من الصبا. " (١) . والغزالي صريح في تفسير حالة الشك التي وقع فيها؛ ولكن لابد أن نذكر أنها صراحة لم تكن ضارة بسمعته بين الناس حينئذ، على عكس صراحة ابن الهيثم، ذلك لأن الغزالي خرج من لجة الاضطراب إلى ساحل التصوف المطمئن، وانتقل من الشك العقلي إلى الإيمان التسليمي، وهو يقول في وصف حالته النفسية حين أقبل على التصوف: " فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل من التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطبيباً لقلوب المختلفة إليّ (٢) ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة، ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه

стр. 136

سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم. ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له. فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب " (١) . (٤) : صنف يقص قصة المغامرات في الحياة، وما يلاقيه المرء من تجارب، وليس لدينا من هذا الصنف سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق، ولكن من أقرب النماذج إليها، مذكرات أسامة بن منقذ التي سماها " كتاب الاعتبار "، ففيه يتحدث أسامة عن حياة حافلة بالتجارب والمشاهدات والمغامرات، في أسلوب بسيط ينقل الحوار باللغة الدارجة في ذلك العصر، ولا يبرز الكتاب قوة الصراع من الناحية الفكرية، إلا أنه يحاول أن يستخرج العبرة من الأحداث نفسها؛ وأكبر قاعدة فلسفية فيه أن الإنسان لو طوح بنفسه على الموت لما تيسر له أن يموت، قبل أن يحل أجله. ولكنه في جملته يصور حياة أسامة في نشأته واختبارته الحربية، وشجاعته في محاربة الإنسان والحيوان، وفيه دراسة لبعض الطبائع والنفسيات، بين الرجال والنساء من المسلمين والصليبيين. ولا أعرف لهذا الكتاب ضريباً في نوع المتعة التي ينقلها إلى القارئ، وفي

стр. 137

البساطة المتناهية التي يتلقاه بها؛ مع عدم اعتداد بالنفس أو تبجح بها، حيث لا يستنكر الاعتداد والتبجح؛ ومن أصدق الانطباعات عنه قول الدكتور حتى في المقدمة: " وفي مجمل معاملاته مع أصدقائه واخصامه يدهشنا هذا الرجل بميله للنصفة والعدالة " (١) ؛ فهو نموذج للإنسان الحديث الذي نحب أن نراه كاملاً في روحه الرياضية، وإيجابيته، واحترامه للمرأة، ومشاعره الإنسانية، وفي ترفعه عن أن يلوث يديه بما ينقص من عزته النفسية وكرامته. وليس من السهل أن يصح للقارئ انطباع صادق عن الكتاب باقتباس أو اثنين منه، لأن حكاياته الصغيرة كلها مجتمعة هي التي ترسم انطباعاً كاملاً؛ ولكن لا أخلي هذا المكان من بعض النماذج المتصلة بأسامة نفسه: فمن ذلك تصويره للطريقة التربوية التي نشأ عليها: " وما رأيت الوالد، ﵀، نهاني عن قتال ولا ركوب خطر مع ما كان يرى في وأرى من إشفاقه وإيثاره لي ... ومرة كنت معه، ﵀، وهو واقف في قاعة داره، وإذا حية عظيمة قد أخرجت رأسها على إفريز رواق القناطر التي في الدار، فوقف يبصرها، فحملت سلماً كان في جانب الدار أسندته تحت الحية، وصعدت إليها وهو يراني فلا ينهاني، وأخرجت سكيناً صغيراً من وسطي، وطرحتها على رقبة الحية وهي نائمة، وبين وجهي وبينها دون الذراع، وجعلت أحز رأسها، وخرجت التفت على يدي،

стр. 138

إلى أن قطعت رأسها، وألقيتها، إلى الدار، وهي ميتة " (١) . ومثل آخر يصور العلاقة بينه وبين الصليبيين: " كان في عسكر الملك فلك بن فلك فارس محتشم أفرنجي، قد وصل من بلادهم يحج ويعود، فأنس بي، وصار ملازمي يدعوني " أخي " وبيننا المودة والمعاشرة. فلما عزم على التوجه في البحر إلى بلاده قال لي: يا أخي، أنا سائر إلى بلادي، وأريدك تنفذ معي ابنك (وكان ابني معي وهو ابن أربع عشرة سنة) إلى بلادي يبصر الفرسان، ويتعلم العقل والفروسية، وإذا رجع كان مثل رجل رجل عاقل. فطرق سمعي كلام ما يخرج من رأس عاقل، فإن ابني أو أسر، ما بلغ به الأسر أكثر من رواحه إلى بلاد الأفرنج، فقلت: وحياتك هذا الذي كان في نفسي، لكن منعني من ذلك أن جدته تحبهن وما تركته يخرج معي حتى استحلفتني أني أرده إليها، قال: وأمك تعيش؟ قلت: نعم. قال: لا تخالفها. " (٢) وهناك سير ذاتية أخرى بعضها إخباري محض أورد ياقوت منها في معجمه نماذج كثيرة. ولحنين بن إسحاق رسالة تحدث فيها عما أصابه من المحن، وقد ذكرها ابن أبي أصيبعة في ترجمة حنينن ولكن الأستاذ روزنتال يرى أنها منحولة. وللرازي سيرة سماها " السيرة الفلسفية "، ولعمارة اليمني سيرة فيما سماه

стр. 139

" النكت العصرية " أما سيرة لسان الدين بن الخطيب التي صور فيها دوره في الحياة السياسية والأدبية فأنها لا تزال مخطوطة، وهناك سير ذاتية أخرى ذكرها السخاوي في " الدرر "، ولا نعرف عنها وعن مصيرها شيئاً. ولعل أول سيرة ذاتية ظهرت في العصر الحديث هي " كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق " للشيخ أحمد فارس الشدياق، وفيها حديث عن تنقلات الشدياق وبعض أحواله، ولكن هذا كله غارق في غمار الاستطرادات والمترادفات اللغوية، وفي السخرية والمجون، وهما من أبرز خصائص الكتاب، ومما يمزي الشدياق رحابة صدره لتلقي المدينة الحديثة، ونظرته إلى المرأة، وسخريته برجال الدين، ونقده لبعض العادات عند الغربيين والشرقيين على السواء، ولكن غرامه باللغة، وانقياده لطبيعة المقامة، وإسرافه في التورية والتلميحات الجنسية، كل هذه تفسد عليه الاسترسال، وتعرقل المتعة في السرد. ومن باب المبالغة المسرفة قول مارون عبود في هذا الكتاب: " لم يكتب مثله شرقي كما يقصر عنه الكثيرون من نوابغ الغرب فأيام طه حسين، وكتاب الفونس دوديه مثلاً؟ أُلهية بالقياس إليه

стр. 140

وربما كان بينه وبين اعترافات روسو القرابة الدموية (١) " حقاً أن الشدياق كان سابقاً لأوانه في نفاذ نظرته، مشرفاً كالعملاق الساخر على عيوب عصره، متحدياً بالقدرة اللغوية اليازجي ومن نسج اليازجي على منوالهم، كل هذا موطن للإعجاب، ولكن حين نضع كتابه إلى جان الأيام، واعترافات روسو، فإننا نفترض أنه سيرة ذاتية مكتملة، وفي هذا إسراف في التقدير، لأن الجوانب الخيالية، والمشاهد المصنوعة فيه تربو بكثير على الأمور الواقعية، كما أن الاستطراد في اللغة والنقد والسخرية والحوار المصنوع، كل هذه تخرجه عن أن يكون سيرة ذاتية بالمعنى الفني. ولذلك أرى أن " للأيام " في السير الذاتية الحديثة مكانة لا تتطاول إليها أي سيرة ذاتية أخرى، في أدبنا العربي، وخاصة في الجزء الأول منه، مزايا كثيرة منها: تلك الطريقة البارعة في القص، والأسلوب الجميل، والعاطفة الكامنة في ثناياه المستعلنة أحياناً حتى تطغى على السطح؛ وتلك اللمسات الفنية في رسم بعض الصور الكاملة للأشخاص، والقدر على السخرية اللاذعة في ثوب جاد حتى تظهر وكأنها غير مقصودة. وكتاب " الأيام " صورة واعية للصراع بين الإنسان وبيئته، وكاتبه يعمد عمداً إلى تصوير ذلك الصراع، ولا

стр. 141

يدعه ليستنتج من طبيعة السيرة نفسها؛ فهو يصف مراحله ويتدرج بها، معتمداً على أن حياته خير مثل للانتصار على البيئة، " والوصول " في النهاية، ولكن طبيعة الثورة عنده ليست قوية، ولا هي مما يؤكد صبغة النصر النهائي، وربما أضافت الحلقات التالية من الأيام قوة إلى هذه الحقيقة، وجعلتنا نحس بمعنى التحرر من قبضة البيئة والظروف إحساساً عميقاً، أما الآن فأقوى صور الثورة الإيجابية في الكتاب وقفة الصبي من والده، وتهكمه بقراءة " دلائل الخيرات "، وسخريته ممن يلجأون إلى الأولياء، ثم تلك الغضبة التي أعلنها الطالب على أستاذه فقال له: " إن طول اللسان لا يمحو حقاً ولا يثبت باطلا "، ووقفته التي أدت إلى الصدام السافر بينه وبين الأزهر حينما كان يدرس على الشيخ سيد علي المرصفي، فنواة الثورة كما ترى موجودة، ولكنها في جانبها الإيجابي لا تزال أضعف منها في الجانب السلبي، وتتجمع العاصفة في نفس الصبي عن طريق الصدمات التي يتلقاها من الناس ومن المجتمع، بطريقة سلبية، فهو قد حرص على عرض تلك المواقف التي جرح فيها إحساسه وأهينت كرامته، فصمت عجزا، ومضى يختزن المرارة مع الأيام إلى أن تتحول المرارة إلى نقمة بالغة، ليمهد للانفجار الذي نتصوره في حلقة أخرى من حياته لم يقصها بعد. أم هو من جهة أخرى يمهد لإحقاق الانتصار الذاتي الذي أحرزه، بتصوير الإخفاق الذي كان من نصيب الشخصيات

стр. 142

الأخرى، فأكثر الشخصيات التي يرسمها من ذلك الفريق الذي ينقطع قبل نهاية الشوط، لا لسوء الظروف فحسب، بل للعجز الطبيعي عن بلوغ الغاية. وقد تدرج الكاتب تدرجا قويا ساطعا مع نمو سوء الظن في نفسه، وارتيابه فيما يدعيه الناس من حق وصدق وتدين، لأنه ركز اهتمامه في نقل صورة مريرة من النفاق والكذب، وخاصة في البيئة الدينية، وكان من ثمرة هذا التصوير اقتراب النفس التي عانت حفظ القرآن سنوات طوالا فلم تحفظه، - اقترابها من حومة العقل، لأن ذلك النوع من التدين في تلك البيئة، لم يغرس شيئا من الفضيلة لا في نفوس أصحاب الطرق، ولا شيوخ الريف ولا " سيدنا "، ولا طلبة العلم، ولا أساتذته، ولم يعلم هؤلاء الناس مرة واحدة معنى الرفق، ولم يعمق في نفوسهم مشاعر إنسانية كبيرة بحيث يستنكف أكبرهم عمامة وأوسعهم قفطانا من أن يقول له: " يا أعمى!! ".. وتحوله إلى العقل مشوب بالعاطفة، وسيظل هذان العنصران غير منفصلين في نظرته إلى الناس والأشياء: وقد أحب الكاتب الريف أكثر مما أحب بيئة الربع والأزهر، فكان في تصويره للأول، وسخريته بما فيه، ورسم صورة " سيدنا "، أقدر منه على رسم الثاني، ومن العجيب أن تعمق السخرية حيث يعمق الحب، ولكنه في الجزء الثاني صرف جهدا كثيرا في رسم

стр. 143

الشخصيات التي عرفها في الربع، فكانت الوحدة المستقطبة حول الذات في الجزء الأول أوضح منها في الثاني؛ وعلى الرغم من بعض المواقف العاطفية في الكتاب؛ فإن طبيعة الانسياب فيه، وسرده في ضمير الغائب، قد حققا شيئا من التجرد في الحكم. وباستعمال ضمير الغائب، برئ من مظنة العجب والدعوى والتمجد بالنفس وغير ذلك من الصفات التي يوحى بها ضمير المتكلم. ومما قلل من صراحته إخفاؤه الأسماء، - أسماء الأماكن والناس؟ فأضعف القيمة المكانية وشيئا من القيمة التاريخية في قصة حياته، وأبدى أنه لا يستطيع الجهر بأشياء كثيرة، لأن نفسه منذ الصغر طبعت على الاستحياء والتواري، وانجذبت إلى الرزانة وشدة التحرج: " كان قليل الأكل لا لأنه كان قليل الميل إلى الطعام، بل لأنه كان يخشى أن يوصف بالشره أو أن يتغامز عليه إخوته..... وكان يستحي أن يشرب على المائدة، مخافة أن يضطرب القدح من يده، أو ألا يحسن تناوله حين يقدم إليه " (١) ، وله في هذه النشأة عذر جلي، ولكن هذا لا يعفيه من أمر القوة في الصراحة؛ كما أن ذاكرته متحيزة، لأن طبيعته الحزينة جعلته يذكر كل ما كان ينمي عنده سوء الظن والنقمة، على مر الأيام. غير أن هذا التحيز في التذكر أو التحيز في الاعتراف، ليس غلوا إذا قسناه بما في " ذكريات

стр. 144

الطفولة " لإبراهيم " عبد الحليم من تحيز مسرف، فهنا نجد أن ذاكرة الفل لا تعي إلا جانب الفساد في الناس، من أغنياء وفقراء، ورجال ونساء، وصغار وكبار، حكوميين ومدنيين، ومع كل هذا الظلام المحيط بعهد الطفولة يريدنا الكاتب أن نؤمن بالمعجزة فنخرج من هذا الجو القاتم إلى الإيمان بالإنسان، دون أن تكون لهذا الإيمان أسبابه ومقدماته، يريدنا أن نثور على فلسفة الصبر والقناعة كما ثار، وهو قد جعل من صلابة الأم ومن صبر الأخت خير ثمرة بالصراحة من كتاب " الأيام "، ولكن يعوزه ما للأيام من قوة في البناء والنمو في الشخصية. وقد تأثر الأستاذ أحمد أمين بكتاب الأيام حين كتب سيرته في كتاب أسماه " حياتي "، وليس سبب هذا التأثر ما أحرزه كتاب الأيام من شهرة أدبية فحسب، بل هو في تلك النشأة الأزهرية المشابهة لنشأة صاحب الأيام، وفي العلاقة بين الأديبين؛ ففي " حياتي " يصف أحمد أمين صورة أزهرية أخرى، ويقف، عند بعض العناصر التي وقف عندها طه حسين، ولكن إسهاب طه في تحليل شخصيات الطلبة بالربع، والأساتذة في حلقات الدرس، صرف أحمد أمين عن الاستقصاء في هذه الناحية، وجعله يتجه إلى وصف الشخصيات التي عرفها في الحي، ويحاول أن يرسم لها صورا متنوعة، كالتي رسمها زميله وصديقه من قبل. وكما أطنب طه في وصف فقده لأخيه، وتأثره العميق لفقده

стр. 145

عرج أحمد أمين على حادثة مشابهة، فوصفها بتأثر شديد، وربما كان هذا من قبيل المصادفة والاتفاق. وانفرد صاحب " حياتي " بالإطناب في الحديث عن الشخصيات التي أثرت في نفسه حتى اكتملت له شخصية " الفتى المثقف "، فجمع إلى صورة أبيه؟ في هذه الناحية؟ صور كبار الأساتذة وخاصة سيدتين إنجليزيتين، كان لكل واحدة منهما أثر في نفسيته وشخصيته، وكما مضى الدكتور طه يصف الصدمات التي كانت تدفع به إلى الثورة، مضى أحمد أمين يصف الخطوات الإيجابية التي أدت به إلى الوصول، وغايته أن يصف كيف وصل: " وكنت وصرت، وكنت وصرت، مما يطول شرحه، فما أكثر ما يفعل الزمان " (١) . وإدراكه لهذا الفرق بين " كان " و " صار " هو الذي دفعه بقوة لكتابة سيرته الذاتية. ومن يقرأ سيرة أحمد أمين يجد أن الكاتب يتصور نتيجة التغير، وينص عليها، دون أن يجعل من أحداث حياته ما يفسر هذا التغير فهو أشبه بمن يقول لك " هكذا جرت الأقدار " أما من يقرأ " الأيام " فيجد فيه أن كاتبه كتبه وهو يريد أن يقرن بين الوصول والثورة، فأحمد أمين يمثل دور المستفيد الذي يسمع ويقرأ ويلتقي الناس، وتتكيف حياته من نفسها دون دوافع ذاتية قوية، أما طه فيصطدم بالناس، ويقلق وينزعج ويسوء ظنه فيهم. وهو يحس أن كل المنغصات
следующие страницы →