← Адаб

Адаб · id 1019

فن السيرة

إحسان عباس

Полный текст (149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣ - الدرجة الفنية في السيرة من الضروري أن نستعيد بعض الحقائق التي مرت في الفصلين السابقين لنكون على بينة من أمر السيرة وصلتها بالفن، وفي مقدمة تلك الحقائق أن السيرة التاريخية كان ينقصها البناء الكامل أو الهيكل الواضح، ومعنى هذا إن تزويدها بالهيكل أو البناء أمر لازم لها قبل أن نحكم عليها أهي فن أم لا. لأن كل عمل فني لا بد من أن يكون ذا بناء معين. ثم لا بد من أن تكون غايتها الرغبة في تاريخ حياة فرد من الأفراد؟ أو جانب كبير من حياته؟ لا تحقيقا لنظرة خاصة، أو فلسفة محدودة. وهذا يقتضي كاتب السيرة أن يدير الأحداث حول الشخص المترجم، ولا يسمح لحياة الأشخاص الآخرين بالتحكم في منحى السيرة، ولا يعرض من حياتهم إلا المقدار الذي

стр. 72

يوضح حياة بطل السيرة نفسه. وقد يتجه الكاتب في طريقته نحو التحليل، وقد يتجه نحو التركيب، ولكنه سواء سار في هذه الطريق أو تلك، عليه ألا يسخر الأحكام والأحداث وملابسات الحياة لعاطفته، فإن ازدياد العاطفة ينحرف بالسيرة عن وضعها الطبيعي، بل لا بد له من أن يبني ما يكتبه على أساس متين من الصدق التاريخي، فإذا ضعف عنصر الصدق في السيرة لم تعد تسمى سيرة، لأن الخيال قد يخرجها مخرجا جديدا ويجعلها قصة منمقة ممتعة. ولنفرض أن سيرة تحقق لها البناء الكامل، وكانت غايتها الرغبة في تاريخ حياة فرد من الأفراد، وكانت حياة هذا الشخص في الداخل والخارج محورا تدور حوله الأحداث، وشخصيته قطبا تلتقي عنده الشخصيات الأخرى: فهل بهذا كله تصبح السيرة عملا فنيا؟ أليس قيامها على عمل الذهن في الاختيار والنفي، وفي محاكمة الروايات وقبول بعضها ورد البعض الآخر، ما يوحي بأنها من هذه الناحية تفارق الفنون الأخرى التي لا بد أن تتدخل العاطفة في بنائها تدخلا مشروعا؟ ثم أليس الالتزام بالصدق التاريخي فيها ملزما للكاتب بأن يكبح جماح الخيال، وأن يقف عند الحقائق، يعرضها ويرتبها ترتيبا خاصا؟ وهذا العرض والترتيب أهما في ذاتها عمل فني تتطلبها السيرة تبعدها من الدائرة الفنية بينا يحاول كاتبها أن يقترب بها من

стр. 73

حرم الفن. بل لو تأمل القارئ عمل ليتون ستراتشي نفسه وهو أكبر قوة خالقة في تاريخ السيرة، لوجده أخضع السيرة لغاية غير الغاية التي تفترض لها، فكان يعيد للأذهان مهمة السيرة عند رجل مثل أفلاطون، حين دون في محاوراته آراء سقراط، أو رجل مثل فلوطرخس يتخذ من السيرة مطية لإظهار المبادئ السياسية التي يؤمن بها؛ ومرة أخرى يظهرنا ما قام به ستراتشي على ابتعاد السيرة عن الفن الخالص، فقد كتب سيرة الملكة فكتوريا وسيرة الملكة أليصبات. أما الأولى فحياتها واضحة، والمعلومات عنها كثيرة، والوثائق المتصلة بعصرها محفوظة، وأما الثانية فإن تراخي الزمان قد جعل حياتها غير واضحة، وأقام سدا كثيفا بين الكاتب وبين عصرها، ورماه بالعجز دون التمثل الصحيح لعلاقات الناس وأذواقهم ومشاربهم في ذلك العصر. فحين كتب ستراتشي حياة فكتوريا تعلق بالحقائق، وزم من خطران الخيال، واختصر الكلام حين كانت تعوزه الشواهد؛ أما حين كتب حياة أليصبات فإنه أطلق العنان لخياله وأفاض واسترسل. فماذا كانت النتيجة؟ نجح هذا الكاتب نجاحا منقطع النظير في سيرة الملكة فكتوريا، وأدركه الإخفاق في سيرة أليصبات، ودل إخفاقه على إن مبارحة الحقائق عند كتابه السيرة، فيه كل الخطر على كيانها العام (١) . والحرية في الخيال هي التي تضع الحد الفاصل بين القصة

стр. 74

والسيرة، فالقصصي حر في الخلق والبناء، يملك أن يتخيل مواقف ومحاورات، وله الحق في أن يصف التيار الداخلي في أنفس الشخصيات التي يرسمها، وقد يلجأ في بناء الشخصية إلى بعض العناصر المستمدة من التاريخ، ككاتب السيرة أيضاً، ولكنه كثيرا ما يخلق العناصر التي يراها ملائمة لمواقف شخصياته، فيتقمص هذا وذاك، ويبني عالما جديدا ليس له من صلة بالواقع إلا أنه شبيه به، وأن حدوثه أمر محتمل؛ أما كاتب السيرة فلا بد له من مذكرات ورسائل وشواهد وشهادات من الأحياء؟ أحيانا؟ يعتمد عليها في كل خطوة، وكثيرا ما تعوزه الشواهد في أدق المواقف، وكثيرا ما تكون الشواهد التي يعتمد عليها متناقضة أو ناقصة أو منحرفة عن موضعها، فلا حيلة له في مواطن النقص وانعدام الوثائق، وقد يعجز لقلة الأدوات التي يملكها عن أن يكشف عن درجة التناقض والتحريف، فيقف متكوف اليدين حائرا، وتصبح كتابة السيرة أمرا عسيرا أو مستحيلا؟ يقرأ فيما يقرأه من روايات إن أهل مصر حين زارها أبو نواس، ثاروا على الخصيب أمير الخراج، فخرج أبو نواس إليهم وخطب فيهم وأنهى خطبته بقوله: فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب فإذا لم يكن كاتب السيرة واعيا بما يعمل فإنه يمر بهذه الحادثة ويقرنها بغيرها من الأحداث، ولكنه إن كان شامل النظرة فيما يزاوله، لا يلبث أن يستكشف كيف أن الروايات

стр. 75

الأخرى حاولت أن تصور أبا نواس منحلا فرديا لا علاقة له بالأحداث من حوله، فموقفه هذا ونجاحه فيه؟ أو عدم نجاحه (من يدري؟) ؟ شيء جديد في سيرته، كيف حدث هذا؟ هل هو من محض الخيال؟ أو هل كان صحوة من سكرة عميقة؟ ويقرأ عن ابن خفاجة الأندلسي نصا غريبا ممعنا في الغرابة لم يتعود العثور بمثله في السير، لأن روح المحافظة حرمت عليها التدخل في الأمور النفسية والأشياء الخصوصية؟ يقرأ أن ابن خفاجة كان يذهب كل يوم إلى مكان بين جبلين ويصيح هنالك " يا إبراهيم! تموت؟ " ويظل يصيح حتى يقع مغشيا عليه، ثم تنقطع الرواية، ثم لا يكون في سيرة ابن خفاجة شيء وراءها يوضح عقدة نفسيه خاصة، وهو في شغفة ليكتب سيرة ابن خفاجة يقف عاجزا عن ذلك، لأنه لا يعرف من أحداث حياته شيئا إلا شيئا يسيرا، لا يصنع سيرة ممتعة. ويرى " في ظلمات وأشعة " رسالة كتبتها مي جعلت عنوانها " أنت أيها الغريب " ثم يقرأ هذه الرسالة نفسها منسوخة من كتاب مي مضمنة في " أوراق الورد " للرافعي، فيظن أن ميا كانت تحب الرافعي، ولولا أنها كانت كذلك لما تجرأ الرافعي على أن ينقل الرسالة من موضعها في كتابها إلى موضع في كتابه، وتنبني أمامه لبنة من لبنات ذلك الحب، ثم لا يلبث أن يجد آخرين يزعمون أن هذه الرسالة إنما كانت موجهة لجبران. للرافعي او لجبران؟ أين هي الحقيقة؟ ماذا كان موقف مي؟ أحقا إنها

стр. 76

كانت تعتمد اللجوء للقضاء من أجل هذه الجرأة التي تطاول بها الرافعي؟ وبينا هو يبني في ذهنه فصلا من حياة الرافعي وعلاقته بمي تجد هذا الفصل أنهار من أساسه، أنه لم يستطع أن يصل فيه إلى الحقيقة الكامنة وراء هذه الظاهرة. ويضرب صفحا عن كتابة سيرة الرافعي لما واجهه من عقبات، ويرمي ببصره إلى المتنبي، الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وفي نيته وهو يرسم صورته أن يسخر من العظمة والدعوى، وأن يضرب الغرور الإنساني في الصميم، فيجد أن المتنبي في أشد أوقات الصيف حرارة بالعراق كان يلبس قباء من سبع طاقات، وأنه إن دخل عليه ضيف لم يقم له؛ وتسعفه السخرية ليقول: " ولا أدري أهو الكبر الذي منعه من القيام أم ثقل الملابس التي كان قد تدثر بها "، وإلى هذا الحد تراه قد نجا بطريقة لبقة مقبولة من أن يقال له: قد زورت في سيرة أحمد بن الحسين. وبينا هو يجري بالسيرة إلى غاية، تجده بلغ ثنية لا جواز عندها. فكل الظنون تجمعت من هنا وهناك، لتقول له أنه أحمد بن الحسين لم يكن يحب سيف الدولة من أجل الكمال الذي وجده مجسداً على الأرض في شخصه، وإنما كانت دوافع هذا الحب مستمدة من حب آخر، هو هيامه بخولة أخت سيف الدولة. وتلح هذه المسألة على دماغه، ويثور لها خياله، ويقلب المصادر وينقب في الروايات، ويعود وقد امتلأ أسفاً. ولو كان روائياً لم يكتف بهذا الخبر، بل لاخترع منظراً من اللقاء بين المتنبي وخولة

стр. 77

ولصور لنا المتنبي في ساعة من ساعات الحنين، وهو يلوح بسيفه في قتام المعركة، ولتحدث عن نفسية المتنبي حديثاً طويلاً وهو يفارق حبيبته إلى مصر، انقياداً لروح الكبرياء فيه، عارفاً أنها رحلة لا رجعة بعدها. ولا أظنني متشائماً أو غالياً حين أقرر أن كتابة سيرة لأحد الأقدمين عندنا تعد أمراً معجزاً، وأن أكثر ما يحاوله الكتاب اليوم ليس إلا جهداً مبذولاً لترتيب بعض الروايات أو تصحيحها فليس لدينا الشواهد الضرورية من رسائل ومذكرات، وهناك اضطراب في الأخبار تبعاً لاختلاف الميول عند أصاحبها، وأخذ هذه الأخبار دون تعيين التيارات التي تحركها في الخفاء؟ أو في العلن؟ أمر يقضي على الصحة التاريخية المنشودة في كتابة السيرة. ومن هذه الناحية، يكاد الصدق التاريخي يبدو أمراً مستحيلاً، فنحن عاجزون عن أن نبني سيرة فرد ما، إن كنا لا نعرف من حياته إلا أخباراً متناثرة عن مشاركته في الحياة العامة دون نفسيته، ودخائل حياته بين أصدقائه وأولاده وزوجه وخادمه. ثم هنالك شيء هام لابد أن نتذكره ونحن نعالج سير الأقدمين وهو أنهم لم يكن لديهم خط قوي يفصل بين الخيال والواقع، فهذا الفصل الدقيق سمة من سمات العصر الحديث، ولذلك تمتزج الحقيقة بالخيال في كثير من الأخبار التي وصلتنا، لأن الخبر؟ من حيث هو؟ كان أمراً يستحق التسجيل، دون نظر إلى الظروف الكثيرة من

стр. 78

حوله. ويقابل هذا عند المحدثين قلة اهتمامهم بالوثائق، فقليل هم الذين يحتفظون بالمذكرات والرسائل، وقد قوي الميل أخيراً عند السياسيين أو المتصلين بحياة السياسة وحياة الرقص والغناء إلى كتابة مذكراتهم، وتسجيل الرسائل التي تلقوها أو صدرت عنهم، حتى كأن السير في المستقبل ستكون سهلة ميسورة حين يتناول الكاتب حياة رجل سياسي أو حياة أحد العاملين في ميدان الغناء والتمثيل. أما فيما يتعلق برجال الفكر والأدب فإن الأمر لا يزال غامضاً، وتسجيل المذكرات واليوميات، والاحتفاظ بالرسائل مما لم ينل بعد؟ العناية الكافية. وعند هذا الحد قد نسمع من يقول: هل يستطيع الكاتب المعني بالسير أن يعالج سيرة أي فردكان، حتى ولو توفرت لديه الشواهد اللازمة؟ وهل كل سيرة تستحق الصياغة والعناية والبناء؟ والجواب على ذلك أن كاتب السيرة جدير بالقدرة على صياغة أي سيرة تعرض له، حين يجد أمامه المسعفات من الشواهد، ولكنه يقبل على السيرة التي تعجبه أو تعجب روح العصر ونزعات القراء، أو تثير لديه رغبة ذاتية، لأن السيرة؟ كما شهد موروا؟ قد تكون تعبيراً ذاتياً عن نفسية كاتبها، وبعض الحماسة للعمل نفسه يبعث وقدة من الحياة فيه. ولذلك كان من الطبيعي ألا يقبل الكاتب على كتابة أي سيرة في الوجود؟ دون تمييز؟ أما أن كل سيرة أن تكتب فأمر كان يقول به جونسون وكولردج، ولكن الواقع ربما أثبت غير

стр. 79

ذلك، فقد يكتب المرء سيرة رجل من النكرات، أو سيرة رجل عادي، ثم ينسى كتابه بعد صدوره بقليل. إن المتعة التي يتبعثها القصة في نفوس القراء، لا تحققها السير إلا أن كانت قائمة على شخصية لها مميزاتها الفارقة، سواء كانت تلك المميزات مستمدة من الأحداث الدائرة حولها، أو من طبيعة السلوك الخلقي والنفسي. وفي حياة كل شخص فترات جامدة متوقفة لا نشاط فيها، ولا يستطيع كاتب السيرة أن يظهر هذه الفترات، فإذا كثرت تلك الفترات الراكدة في حياة أحد الناس، لم تكن حياته صالحة تماماً لأن تصاغ في سيرة، ولو كان شخصاً متألقاً في الحياة الاجتماعية. وإذا كانت حياة إنسان هادئة في الخارج قائمة على الصراع في الداخل، كان من العسير أن يصورها كاتب السيرة لأن الذي يفهم هذا الصراع ويعرف دواعيه وأوقاته هو ذلك الإنسان نفسه، فإذا لم يصرح بها أو يكتب مذكراته عنها، بقيت محجبة عن اعين الجمهور، مجهولة عند كل إنسان، عدا صاحبها. ولذلك كان لا بد لنجاح السيرة من هذا التعاون بين الحيوية الخارجية المتصلة بالمجتمع، والصراع النفسي الداخلي؛ ولا بد من بعض التقلبات والأعاصير التي تحتاج حياة شخص ما لتجعل منها موضوعاً صالحاً للسيرة، مثيراً لشهوة الاستطلاع. إن اندريه مورواً نفسه لا يستطيع أن يكتب أي سيرة أخرى ثلما كتب سيرة شللي، لأن في حياة شللي نفسه من الأحداث والتقلبات والثورات، ما يبث المتعة في

стр. 80

أكثر أجزائها، ولا أظن كاتب السيرة تستهويه قصة حياة أحمد لطفي السيد، أو أمد شوقي، إلا من قبيل الوصل بين الحياة والإنتاج الفكري والأدبي، ولكنه قد ينجح إذا كتب حياة جمال الدين الأفغاني، وربما فضل شخصيات ذات نهاية تراجيدية، أو شبه تراجيدية فكتب عن مصعب بن عمير ذلك الفتى المدلل الذي ثار على سلطة الأبوين، واعتنق الإسلام، وكان كل من يراه يلبس جلد الضأن بعد العز والغنى، يهز رأسه دهشة لهذا التغير في حياته، ولكن أي كاتب يحاول ذلك سيصدم بقلة الأخبار عنه. وقد يختاره سيرة الحسين بن علي لأنتهاء حياته على شكل مروع ولكنه يفقد النمو الأول الذي منح الحسين نظرته السياسية، وفكرته عن طبيعة الصراع الدنيوي بين الناس. وهو شيء لن يفقده في سيرة علي بن أبي طالب، فإن الخط البياني في حياته واضح، ونقطة الانحناء في ذلك الخط هي وفاة الرسول ﷺ . وليس من العسير أن يلمح كاتب السيرة ذلك الصراع النفسي الذي شغل حياة علي في مرحلته الثانية، ولا طبيعة التغير الذي نقل الفارس المحارب إلى قائد يرسم الخطط، ولا تلك الوقفة المزدوجة بين السعي لبلوغ الغاية، والندم على طبيعة الوسيلة، ولا ذلك العرق التراجيدي الخالص الذي يختم الصراع بين الشعور بالحق والمصالح المجتمعة. وقد يجد في سيرة المنصور بن أبي عامر، حاجب الأندلي ووارث الدولة الأموية، شيئاً من " الوصولية "، ولكنه لن يعدم أن يرى فيها قوة

стр. 81

الشخصية، وستتيح له كتابتها تصوير بين ذوي الطموح في المجالات المختلفة. وأم ما يلحظه الكاتب في السيرة، النمو والتطور والتغير في الشخصية، مع مراحل التقدم في السن، ولذلك كان من المحتوم عليه أن يتتبع التدريج التاريخي، وأن يلحظ بدقة تأثير الأحداث في الخارج والداخل على نفسية صاحبها؛ فليس أبو حيان التوحيدي الذي كان يطوف البلاد على قدميه في زي صوفي، هو نفسه الذي كان يطوف بين مجالس الفلسفة ببغداد، وليس ابن تومرت الفتى المغربي المغترب، هو نفس ابن تومرت بعد أن لقي الغزالي وتخرج في المدرسة النظامية. وهناك فرق واسع بين المعتمد بن عباد في اشبيلية، والمعتمد في اغمات، ومن واجب الكاتب أن ينمي عند القارئ مقدار الشعور بهذا الفرق، في طريقة إيحائية لبقة بارعة. وإذا كان كاتب السيرة غير محتاج إلى قوة كبيرة من الخيال الخالق، فانه لا يستطيع الاستغناء عن الإطلاع الواسع؛ فكل رواية، وأحياناً كل مكلمة، لها قيمة في إنماء تصوره، وفي تجلية السيرة التي يريد أن يكتبها. فمما يفيده حقاً أن يعرف من طريقة الحسن البصري في الجواب، ابتداءه حديثه في الرد بكلمة " ويحك ... " أو أن يسمع أبا حيان التوحيدي يقول عن نفسه: " قدمت مضيرة على مائدة الصاحب فأمعنت فيها " فإن كلمة " أمعنت " هذه تنقل له صورة، ربما لم تسعفه على تكوينها صفحات

стр. 82

كثيرة من الأخبار. وكتاب مثل طبقات ابن سعد يفيده كثيراً لأنه يعني بدقائق الأمور، كالثياب التي كان يلبسها المترجم له، وثمنها ولونها وطريقة لبسها، وطريقة اللقاء والتحدث، ووصف القامة واللون والمشية، وهي دقائق يعز وجودها في مصادر أخرى. ولا بد له من يقظة ذهنية مستمرة، مشفوعة بإرهاف خاص في التمييز والحدس والترجيح، ذلك لأن مهمة كاتب السيرة كمهمة أي فنان بعد أن تصبح المادة جاهزة لديه؟ مهمته هي أن يقرب ويبعد، ويستبقي ويرفض، وأن يضع ميزان الأختيار أمامه، فما كل شيء يستحق التسجيل، وليس يكفيه أن يكون له ما للمؤرخ من قوة ناقدة، تعرف أين هو موطن الضعف، وتفرز الرواية المغرضة من الرواية الصحيحة. بل لا بد له من إدراك ذوقي دقيق، يعرف ما يحسن أن يبقيه أو ينفه من الصحيح نفسه. فقد يجد ي الروايات أن عمر بن عبد العزيز أتى يوماً بمسك من الفيء، فوضع بين يديه فوجد ريحه، فوضع يده على أنفه، وقال: أخروه حتى لم يجد له ريحاً (١) ، فإذا قبل هذه الرواية، واطمأنت إليها نفسه، فأرى له ألا يثبتها لأنها لا تثير في نفس السامع الحديث إلا الضحك، وإذا أبى إلا إثباتها فعليه أن يمهد لها في نفس القارئ، بما يصيب المقاييس من تغيير وما يلحق المفهومات من تفاوت مع الزمن. وفي المصادر العربية خاصة لا توجد في غيرها، وربما كانت من سيئاتها لا من حسناتها

стр. 83

وهي أن ليس هناك حد لاستيفاء الأخبار عن هذا الشخص أو ذلك، على وجه قارب، لأن الأخبار مبعثرة في صفحات الكتب وجمعها عمل شاق ضروري معاً، وهو السبيل الوحيد لضبط التصوير والتقدير. فلو أن كاتباً أراد أن يترجم للزبير ابن العوام، ولم يقع على الرواية التي تصور كيف كانت أمه تقسو عليه في طفولته، وتضربه ضرباً مبرحاً، لكان قد فقد شيئاً هاماً حقاً، يفيده في الحكم على طفولته البير، وعلى ما يلي فترة الطفولة. فكاتب السيرة أديب فنان كالشاعر والقصصي في طريقة العرض والبناء، إلا أنه لا يخلق الشخصيات من خياله، ولا يعتمد الشخصية الأسطورية، ككاتب المسرحية، فهو لا يستطيع أن يقول شيئاً عن أوديب أو يمليخاً أو شهرزاد، لأن شخصياته تتصل بالمكان والزمان، ولا توجد إلا بوجودهما؛ ومن ثم كان في طريقته أقرب إلى المعماري، وهو كالمؤرخ في قوة النقد، وكالعالم في القدرة على التصنيف والتقسيم. وإذا أنشأ سيرة ووفق في إنشائها حقق غاية كالتي يحققها القصصي، أو زاد عليه، لأنه يمتع قراءة بصورة الواقع الملوس. ولإعادة الحياة كما عاشها أحد الناس المرموقين في ذهن القارئ، سحر لا ينكر، ولكن العيب في شخصياته أنها غير طويلة العمر، لأنه أعاد فيها عمل الطبيعة دون أن يضيف إليه، ولم يمنح الشخصية وجوداً جديداً إلا بمقدار محدود. وقد تعترضه مشكلة هامة إذا كان يكتب سيرة أديب أو

стр. 84

شاعر. فأمامه الوثائق الجانبية، وعنده أيضاً آثار ذلك الشاعر أو الأديب، فإلى أي حد يستطيع أن يستغل القصائد والروايات المسرحية في كتابته للسيرة؟ ليس ثمة من ينكر أن القصيدة تحوي التعبير عن نفس الشاعر، وأنه قد يكون في جانب من القصة جزء من شخصية كاتبها، وأن المسرحي قد يوزع بعض خصائصه على عدد من الشخصيات في الرواية، أو يخص بها إحداها. ولكني لا أرى أشد تضليلاً ن هذا العنوان " حياة فلان من شعره "، كما فعل العقاد في كتابه عن ابن الرومي. والخطأ عند العقاد في العنوان لا في الكتاب، فهو قد قام بحق التاريخ، حين جمع الأخبار الممكنة عن الشاعر، ثم حاول أن يجد في الشعر صورة لشخص ابن الرومي، وبعض أخباره. ولا ريب في أن أي دارس يستطيع أن يقول: إن ابن الرومي فقد ابنه الاوس ثم ابنيه الآخرين و.. فإذا كانت هذه هي الحياة المقصودة فاستنتاجها من الشعر ميسور، أما أن يترجم أحد الدارسين لشاعر، بالاعتماد على شعره فحسب، فتلك مسألة لا يمكن تحقيقها، لأن الشعر لا يصور إلا حالة وجدانية أو شبيهة بها، في لحظات معدودات من حياة قد تكون غير قصيرة. وكذلك أخطأ الذين حاولوا أن يكتبوا حياة شيكسبير بالاعتماد على مسرحياته، وأن يلموا عناصر شخصيته، من العناصر المكونة لشخصياته في الروايات (١) . بل أن العمل الفني حين يحتوي على عناصر من حياة

стр. 85

الفنان نفسه أو شخصيته فإن هذا لا يعني أن من حقنا إخراج هذه العناصر، وإدراجها في سيرة نكتبها، لأن هذه العناصر حين دخلت في البناء فقدت معناها الفردي الشخصي وأصبحت مادة إنسانية محسوسة. وشيء آخر وهو أن ما يصرح به الفنان، ربما لم يكن مما حدث له، بل مما يحلم به ويتمناه، وربما كان قناعاً يخفي وراءه شخصيته الحقيقية. فالعمل الفني ليس وثيقة من الوثائق التي تستعمل في كتابة السيرة، وإذا أخذ شيء من ذلك فلا بد أن يؤخذ بحذر بالغ. وأنا اتهم الطريقة التي قد يراها بعض الناس صواباً، والتي تريد أن تكشف عن توفيق الحكيم أو تيمور أو غيرهما في شخصياتهما الروائية أو القصصية. بل أذهب إلى أبعد من ذلك، حين أرى أننا لا عرف المازني من " إبراهيم الكاتب "، ولا توفيق الحكيم من " عودة الروح " ولا العقاد من " سارة "، ذلك لأن هؤلاء حاولوا أن ينسجوا جانباً من تراجم الذاتية نسيجاً قصصياً، وللقصة مبناها، ومتطلباته وأحكماها، فكم أجرى هؤلاء من تغيير الواقع حتى تتلاءم قصصهم وتنسجم أجزاؤها؟ وكما أضافوا إليها من خيالهم؟ وكم موقف سابق فسروه، من بعد، التفسير الذي يلائم ما طرأ عليهم من نمو عاطفي وذهني؟ غير أنا قد نفيد من هذه الكتب لتعزيز الشواهد الأخرى، من رسائل ومذكرات وروايات شفوية. أما أن نكتفي بهذه الكتب وحدها، فأمر يشوه الحقائق، ويباعد بيننا

стр. 86

وبين الصدق التاريخي. وليس من ريب في إن " سارة " أو " عودة الروح " أو " عصفور من المشرق " أو " إبراهيم الكاتب " تتضمن نواة من حياة أصحابها وبعض الأحداث التي وقعت لهم، ومعالم من شخصياتهم وذواتهم، لأن هؤلاء كتاب ذاتيون في هذه الكتب على وجه الخصوص، فمحسن في عودة الروح يمثل كثيراً من توفيق الحكيم، ولكنه ليس توفيق الحكيم، لأنك تستطيع أن تقف عند كل نظر في القصة وتتساءل: أحدث هذا حقاً على هذه الصورة التي يصفها الكاتب؟ أجرى هذا الحوار تماماً كما جرى في الواقع؟ أحقاً أن الكاتب يستعيد مشاعره كما أحسها في تلك السن؟ وإذا كنت تقطع جازماً بان " محسن " هو الحكيم في هذه القصة فما صلة لحكيم بشخصية مصطفى؟ إنه يتحدث عن مشاعره وحركاته كما لو كان يتحدث عن نفسه، ولا يستطيع شخص ثان أن يرى ما كان يتحدث لمصطفى، إلا إن كان ظلاً له. فإذا استباح الحكيم أن يقص قصته الذاتية على حالها فهل كان دقيقاً في استقصاء الواقع حين اخذ يتحدث عن مصطفى كأنه هو؟ أليس هذا الجزء من القصة يدل على أن الحكيم تخيل ما شاء له التخيل، لا في مواقف مصطفى فحسب بل في سائر قصته؟ ها هو ذا يقول واصفاً مصطفى، وهو ينتظر ظهور سنية: " فتململ في مكانه وأخرج منديل الصدر الجميل الذي بلون بذلته، فمسح به جبينه، ثم شمر عن معصمه الأيسر، ونظر في ساعة اليد الذهبية، وقد خيل

стр. 87

إليه أنه جلس قرناً، ثم تأكدت في رأسه فكرة أنه لن يراها اليوم، فتحرك في كرسيه، قائلاً في نفسه: أنه ما دام يعلم ذلك فلماذا يجلس بالقهوة الآن " (١) ثم يحلل ما يدور في نفس مصطفى من هواجس، ويتبعه في كل زاوية ومنعطف، ويجريه أنى شاء، ويخلق له المشكلات ويحلها، حتى كأنه هو مصطفى نفسه. وهذه الطريقة القصصية تجعلنا نعتبر حديثه عن حسن أيضاً مزيجاً من الواقع والخيال. فإذا وجدت شواهد يقينية فإنها تفيدنا في معرفة العناصر الذاتية التي انتزعها الحكيم من نفسه، وأضفاها على شخصية محسن، أما أن يقال إن " محسن " هو توفيق الحكيم، وأن ما جرى له في " عودة الروح " جرى للحكيم نصاً وروحاً. فهذه غفلة تؤدي إلى التفاهة في الأحكام. وفي دافيد كوبر فيلد شيء كثير من حياة دكنز، ولكن ذلك القصصي لم يلتزم أيضاً بالموازاة الدقيقة بين نفسه وشخصية كوبر فيلد، بل خضع للروح القصصية، فمثلاً تزوج دافيد من اجنس Agnes في القصة مع إن هذا هو عكس ما حدث في الواقع (٢) . يقول توماس هاردي في نقد من يعتمد على قصص الكاتب لاستنتاج العناصر الذاتية منها: " لا يزال مستر هحكوك يعتمد على قصصي في وصف شخصيتي، وتحليله ليس من الذوق الحسن في شيء، وأنا ما زال حياً، حتى ولو كان ما يقوله صحيحاً،

стр. 88

وهو تحليله قائم في الحقيقة على الأحداث والشخصيات في قصصي وكلها من صنع الخيال. واعتماد المستر هجكوك على القصص يؤدي إلى أخطاء عديدة، من ذلك قوله انني نشأت أتكلم اللهجة المحلية، وهذا خطأ، فقد كنت أعرفها ولكني لم أتكلمها فأمي لم تكن تستعملها إلا حين تتحدث إلى الفلاحين، وأبي لم يستعملها إلا مع من كانوا يعملون عنده. وحديثه عن تعليمي مليء بالأخطاء، فهو يقول أنني درست في مدرسة ابتدائية ثم حرمت من الدراسة الكلاسيكية. وحقيقة الأمر أنني درست سنة أو اثنتين في المدرسة الابتدائية، حتى بلغت العاشرة، وبدأت تعلم اللاتينية وأنا في سن الثانية عشرة ... " (١) . وخلاصة القول: أن السيرة فن لا بمقدار صلتها بالخيال، وإنما لأنها تقوم على خطة أو رسم أو بناء، وعلى ذلك فهي ليست من الأدب المستمد من الخيال، بل هي أدب تفسيري، وهذا النوع من الأدب كالأدب الذي يخلق خلقاً، من حيث أن صاحبه معني بغاية محدودة تهديه في اختياره وترتيبه للحقائق، وهو كالروائي والقاص أيضاً، يحاول أن يكشف عن الصراع بين بطل سيرته والطبيعة، وصراعه مع الناس الآخرين ومع نفسه وهو يحاول أن ينقل إلى القراء حقيقة ذات قبول عام، ولكنه لا يستطيع أن يحكم خياله في أجزائها، وبدلاً من أن يقف موقف

стр. 89

الخلاق تراه يقف موقف المستكشف المفسر لأشياء وأشخاص وجدوا في الحقيقة (١) . ولا بأس إذا وضع شيئا من الحرارة في الحوار الذي يجريه في السيرة، فذلك مع البناء العام لها، كفيل أحيانا أن يحقق الخطة المؤثرة، وأن يثير العطف على بطل السيرة، كما يستثير الروائي العطف على البطل التراجيدي. وإذا استكنه القارئ هذه الحقائق الموجزة استطاع أن يجد السر في تفضيلنا لسيرة جبران، كما متبها ميخائيل نعيمه، فإن العناصر من صراع بين بطل السيرة والناس، وصراعه مع نفسه، والحرارة التي حاول أن يبعثها في الحوار، وذلك البناء الذي يتميز بقسط كبير من الأحكام؟ كل هذه تجعل مما كتبه نعيمه سيرة جميلة ممتعة فنية في كيانها العام؛ ولكن هل حقق نعيمه في تلك السيرة ما يسمى " الخطة المؤثرة "؟ والجواب على ذلك بالإيجاب، على قدر ما تسمح به حياة جبران ونهايته؛ ومن كان يظن أن الكاتب قد أثار كراهية الناس لما انطوت عليه حياة جبران من تناقض مع فلسفته ونظرياته، فإنه مخطئ، عاجز عن تذوق الحرارة على مرارتها، وليس لديه القلب الذي يرى في الخطيئات الإنسانية جانبها الطبيعي المقبول. وحياة " الملكة فكتوريا " لستراتشي من الأمثلة البارزة أيضاً على إحكام القدرة على التأليف بين متعارضين، هما التفسير الخيالي

стр. 90

والحقيقة التاريخية، أو كما تقول فرجينيا وولف: " لقد استغل [ستراتشي] كل قدرة المترجم في الاختيار والترتيب، وتشبث بكل قوته، بعالم الحقائق ". وسيظل هذا من أهم العناصر في السيرة، لأنه يمثل الحد القوي بين انجذابها مرة إلى التاريخ ومرة إلى القصة المتخيلة. والوثوق من هذه النقطة يخفف من الزلل أو الالتواء أو الانطلاق وراء الخيال، كما يخفف من جفاف الحقيقة ويسمح بالتخلي عن حقائق غير ضرورية. فإذا شاء القارئ أن يرى الحد الفاصل بين السيرة وما يسمونه " القصة التاريخية " فانه واجد في الثانية حرية أكثر في الخيال، وشخصيات وأحداثاً مخترعة، وتشكيلاً جديداً، ويختلط كل ذلك بشيء من التاريخ، قائم على فهم عام لروح العصر وطبيعة ناسه. وقد يكتفي القاص باستيحاء التاريخ، ومفهوماته عن العصور، فيكتب تحت تأثير ذلك الاستيحاء من خياله، على أن يكون صادقاً مخلصاً في التعبير عن روح الزمان والمكان، دون تسوية للحقائق الكبرى، والمشاكل العظمى. فجوهر القصة التاريخية متخيل، والأحداث الهامة فيها حقيقة، وليس هدفها أن ترسم حياة شخص ما، كما تفعل السيرة، بل هدفها أن تستعيد صورة الماضي لإثارة بعض المتعة التي لا يحققها التاريخ (١) في نفوس أناس ربما لم تسمح لهم ظروفهم وميولهم، أو هما معاً، بالدراسة التاريخية الجادة. أما

стр. 91

السيرة فإنها تزاوج متعادل بين حقائق التاريخ والقوة المتخيلة البارعة في الحذف والإثبات والبناء. ويتمايز كتاب السير، بعد هذا كله بالطريقة والأسلوب، فقد يختار الواحد الطريقة الدرامية كما فعل ستراتشي في حياة الملكة فكتوريا، ومثل ذلك فعل جرارد ولتر Gerard Walter في كتابه " يوليوس قيصر "؛ إذ يكاد يكون كتابه هذا مسرحية ذات ثلاث فصول: جعل قيصر في الأول منها وعنوانه " المؤامرة " هو البطل، واتخذ كاشيوس وبروتس لتصوير المقاومة، وكشف عن طبيعة المؤامرة، وعن الدوافع عند كل من كاشيوس وبروتس، ثم أثار عطف القارئ على قيصر الذي يترقبه الموت، وفي القسم الثاني وهو " الاغتيال "؟ صور كيف كاد قيصر ينجو من الفخ المنصوب، بعون من إيحاءات نفسه وأحلام زوجه، ثم كيف يقنعه بروتس بالذهاب إلى مجلس الشيوخ حيث يقتل. وفي القسم الثالث تصوير لما نجم عن مقتل قيصر، وللتناحر المزري على السلطة، وارتفاع شأن انطوني (١) . وقد يختار الكاتب الطريقة الحكائية السردية، كما فعل بوزول حين كتب سيرة جونسون. وربما وجد من الأنسب أن يستعمل طريقة التفسير والشرح وذلك جانب مما اهتم به نعيمة في سيرة ج؟؟؟؟؟؟ بران. وقد يمزج بين واحدة وأخرى من هذه الطرق، حسب ما تمليه عليه طبيعة الموضوع، إذ ليس من مرشد إلى الطريقة المثلى إلا حس الكاتب

стр. 92

نفسه، ففي هذا وفي الأسلوب موطن للتفرد الذاتي. وقد تكون الحقائق التي يوردها كاتب السيرة معروفة مشهورة، فميزته الفارقة تتضح في طريقة قولها؟ اعني في أسلوبه الأدبي؟ هذا عنصر هام لا بد منه في السيرة الأدبية، فأكثر الحقائق التي يعرضها العقاد في العبقريات معروف؟ كما قلت من قبل؟ للكثير من الناس، ولكن طريقة عرض العقاد لها، بذلك الأسلوب التقريري الحاد هو الشيء الجديد الذي يملك به القارئ أو يكسب ثقته، لأنه في أسلوبه يوحي بان ما يقوله هو الصدق عينه، لقيامه على ما يعتقده أنه المقرر المرسوم من حقائق العلم والطبيعة الإنسانية. ويفتن نعيمه في إظهار مقدرته الأسلوبية في كل فصل من فصول كتابه، ويتردد فيه بين الاستعلاء الذي يشبه الحذلقة، والبساطة الجميلة، في حالي الابتعاد عن الموضوع والاقتراب منه. وفي البناء والطريقة، يختار الكاتب التقسيم الذي يريده، فليس عند بوزول مثلاً تقسيمات موضوعية كما إن كتاباً آخرين قد يقسمون حياة بطل السيرة إلى مراحل: أولى وثانية وثالثة الخ ... وآخرون يخرجون على هذا النوع التقليدي، كما صنع جرارد ولتر في سيرة قيصر، ومورواً في سيرة شللي، وقد افتتح نعيمة كتابه بتصوير جبران على فراش الموت أي بدأ بالنهاية، فلم ينقص هذا كثيراً من حب الاستطلاع لمعرفة التدرج في حياته، بعد أن عرفت نهايتها ابتداء. وبدأ جلبرت هجت

стр. 93

Gilbert Highet سيرة أوسلر بقوله: " منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً يوم كانت أكسفورد مدينة هادئة جميسلة، مات رجل كبير ذو وجه في خضرة الزيتون، بعد أن ظل يعاني آلام الزكام والتهاب الشعبتين طوال حياته، ولما أن هاجمه الالتهاب الرئوي الهجوم الأخير عرف أنه هموماً كان حينئذ " صديقه القديم "؟ كان رجلاً على حظ من القوة فدافع المرض عدة أسابيع، حتى أعجزه التهاب ذات الجنب والأنفلونزا، عندئذ أدرك أن النهاية قد دنت، وكان هو نفسه طبيباً فلما أراد الطبيب الذي يتعهده أن يشرح له بعض الأعراض قال له: يا لك من مجنون، لقد ظللت أرقب هذه الحالة شهرين، وأنا آسف لأني لا أستطيع أن أقوم بالتشريح بعد الموت. وبعد بضعة أيام توفي مخلفاً وراءه ما تخلفه شخصية غريبة، لكنها كثيراً ما كانت محببة إلى النفوس ". واذن فلا قيد على الكاتب من هذه الناحية، فذلك جزء من حريته التي لا ينازع فيها؛ وللكاتب أيضاً أن يرسم للسيرة طولاً يسمح باكتمالها، ولكن الطول في السيرة ليس شيئاً صارماً كما هي الحال في المسرحية والقصة، على أن الإتقان في تقدير الطول أمر هام أيضاً، ولكن استفاضة السير، وخاصة عند الغربيين، أمر ملحوظ. ومن النادر أن تجد سيرة قصيرة، فبعضها يتجاوز المجلدين، ويصل أحياناً ستة مجلدات ضخمة، ومن عرف " نابليون " أو " بسمارك " لاميل لدفيج، يدرك أن

стр. 94

السير المكتوب في الأدب العربي، صغيرة بالنسبة لغيرها من السير، وقد يكون الطول فيها حائلاً دون إقبال القراء عليها. وينص مورواً على ملاحظ صغيرة يجدر بكاتب السيرة أن ينتبه لها، فمن ذلك أنه لا يجوز له أن يسبق الزمن فيقول في حديثه عن شاعر مثلاً: " ولد هذا الشاعر الكبير ... الخ " لأنه لم يكن شاعراً ولم يكن كبيراً يوم ولد، وعليه أن لا يقيم السيرة على إحدى المشكلات أو المعظلات، فإن التجربة قد دلت على أن هذا النوع من السير ربما لم يلاق نجاحاً، لأن خير السير ما أوحى بالدرس الخلقي ولم ينص عليه، وإلا حالت السيرة قطعة تعليمية باردة. وثمة مطلب آخر قد يخطئ فيه المتمرسون بكتابة السير، وهو دور الشخصيات الثانوية في السيرة، فلا بد من بعث الحياة فيهم، وتحريكهم والسير بهم في مراحل الحياة، مع سير بطل السيرة نفسه، ولا يجوز الاستخفاف بهم، أو جعل أدوارهم طاغية تتجاوز ما قدر لهم ي واقع الحياة (١) . ولا ريب في ان السيرة تتدرج من النمو إلى الفناء، ومن المهد إلى اللحد، فهي ترسم فناء قد يشيع فينا الحزن والأسى، وربما مهد لليأس طريقاً إلى نفوسنا، لأن واقعية السيرة هي واقعية على وجهها الظاهر المجرد المعني بالحركة في ارتفاعها ثم انحدارها وتلاشيها، وستظل السيرة كذلك ما دامت هذه هي الطبيعة

стр. 95

الحياة الإنسانية، ولكن القيمة الحقيقية إنما هي في الصراع، وفي مدى القوة التي تمنحها القراء، وهي تقدم لهم مثالاً حياً من أنفسهم. حقاً إن من يقرأ قصة حياة شللي سيحزن كثيراً لذلك الموت المبكر الذي بدد الجهد والحيوية والطموح، ومن يقرأ سيرة جبران سيشعر بشيء قريب من ذلك، غير أن في أدوار حياة كل من هذين الرجلين، ما يغرس الثقة في النفس الإنسانية، وما يوحي بأن دور كل منا يجب ألا يمر يائساً خاملاً، على الرغم من النهاية المحتومة.

стр. 96

٤ - السير الذاتية؟ نظرة عامة ليس في الناس من يكره التحدث عن نفسه، حتى الذين يقولون ذلك بألسنتهم إنما يعانون ألماً شديداً لكف أنفسهم عما تشتهيه، إذا هم قدروا على كفها. وكثير منهم من يجعل من ذلك وسيلة إلى التحدث عن ذاته، على وجه يوحي بأنه ينتزع الكلام عنها انتزاعاً، وهو كاره له، وإذا كان الحديث عن النفس بطريقة شفوية عامة حظاً مشاعاً بين أبناء الإنسانية، فإنه من بعض صوره قسمة تختص بالأديب أو الفنان، لأن " الأنا " حاضر لديه مقنعة أو مكشوفة. وهي تتقنع وراء شخصيات المسرحية والقصة، لأن صاحبها يجب أن يخلق المرايا المجلوة وينظر إلى نفسه فيها، وه مكشوفة إذا كان يترجم لذاته، ويتحدث عن سيرة حياته. وليست الترجمة الذاتية حديثاً

стр. 97

ساذجاً عن النفس، ولا هي تدون للمفاخر والمآثر، ومن ثم كنا نستسيغها ونجد فيها متعة عميقة، بينما نهرب من الثرثارين الذي يملأون المجالس بالحديث عن جهودهم ومفاخرهم، وننسبهم إلى الغرور، ونتهكم منهم إذا استطعنا، لأنهم يصدمون فينا إحساسنا الذوقي بالصدق ف الخبر، ويسدون علينا المجالس العريضة حين يملأونها بدعواهم المنتفخة وغورهم العريض. أما كاتب السيرة الذاتية فإنه قلما يصدم مشاعرنا بما يقول إلا أن يطالعنا بمثل ما يقول سبنسر في ترجمته عن نفسه: " كانت لدي قدرة فائقة في العرض، فقد كنت أقدم مقدماتي وتعليلاتي ونتائجي بوضوح ونصوع لا يتمتع به الكثيرون. فمن أين جاءتني هذه المقدرة؟ سرها أن جدي قضى حياته ف التعليم وصرف أبي كل حياته في التعليم أيضاً؟ ولا ستطيع أحد أن ينكر أني بطبعي نقادة؟ " أو كقول نيتشه في ترجمته الذاتية: " لماذا تفوق معرفتي معرفة سائر الناس، ولم أنا في الجملة رجل حاذق (١) ؟ " فهذا مما تخونه اللباقة، وإن كان حقاً؛ ومثل هذه الأقوال نفسها لا تدمنا كما تفعل قصص المتنفجين عن أنفسهم، لأننا نعترف، ونحن نقرؤها، أن سبنسر كان موهوباً، وأن نيتشه كان عبقرياً، والموهبة والعبقرية يغفران كثيراً من العجب،

стр. 98

وتسجيل هذا اعجب ف كتاب أسهل قبولاً من إشاعته اللسان؛ من ذلك حديث العقاد عن نفسه في " سارة " فإنه أخف مئة مرة، من حديثه عن نفسه للنفر الذي يحضر مجلسه كل جمعة. وبين المتحدث عن نفسه وكاتب السيرة الذاتية فرق كبير، فالأول لا يزال كلما أمعن في تيار الحديث يثير شكنا، والثاني يستخرج الثقة الممنوحة له منا، خطوة أثر خطوة؛ ولذلك كان الأول شخصاً عادياً أو أقل من العادي في نفوسنا أما الثاني فشيء مغاير له تماماً، لاعتقادنا أنه لم يكتب سيرته لملء الفراغ فحسب، وإنما كتبها لتحقيق غاية كبيرة؛ أبسطها الغاية التي ذكرها سبنسر في سيرته وهي أن يجعل كتبه واضحة لمن يقرؤها؛ أو ليعرف الناس بالكتب التي ألفها والتي يزمع تأليفها، كما فعل ابن الهيثم في سيرته حيث قال: إني لم أزل منذ عهد الصبا مروياً في اعتقادات هذا الناس المختلفة، وتمسك كل فرقة منهم بما تعتقده من الرأي، فكنت متشككاً في جميعه، موقناً بأن الحق واحد وإن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه. فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات وأنواع علوم الديانات، فلم أحظ منها بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجاً، ولا إلى الرأي اليقيني مسلكاً جدداً، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية ... فلما تبينت ذلك أفرغت وسعي إلى طلب علوم الفلسفة ... وأنا أشرح ما صنعته، ليوقف منه على موضع

стр. 99

عنايتي بطلب الحق، وحرصي على إدراكه، فما صنعته في العلوم الرياضية خمسة وعشرون كتاباً.. " الخ: ثم يأخذ في تبيان ذلك على وجهه (١) . وكاتب السيرة الذاتية قريب إلى قلوبنا، لأنه إنما كتب تلك السيرة من اجل أن يوجد رابطة ما بيننا وبينه، وأن يحدثنا عن دخائل نفسه وتجارب حياته، حديثاً يلقى منا أذناً واعية، لأنه يثير فينا رغبة في الكشف عن عالم نجهله، ويوقفنا من صاحبه موقف الأمين على أسراره وخباياه؛ وهذا شيء يبعث فينا الرضى، وقد يأسرنا فيحول أنظارنا عن نقد الضعيف والواهي في سرده، ويحملنا على أن نتجاوز له عن الكذب، ونتقبل أخطاءه بروح الصديق، وإذا أدى الكاتب هذه المهمة فقد رضي أيضاً عن نفسه لأن دوافعه إلى التحدث هي الدوافع التي تحدو صاحب السر إلى الإفضاء بمكنونات صدره، دون تحرج أو تأثم. وقد يكون العالم الداخلي الذي يطلعنا عليه صورة لصراعه مع الحياة، في الأحوال التي يعدها الناس طبيعية عادية، وقد يكون نتيجة لفترات الاضطراب والحرب ومظاهر الاستبداد، والثورات، فهذه العهود مجال خصب تظهر فيه السير الذاتية بغزارة. وقد دل الاستقصاء على أن فترة الحرب الثانية كانت خصبة وافرة الحظ من السير الذاتية، وإن الكتاب كانوا على

стр. 100

استعداد لتحقيق ذاتياتهم، وإنه كانت لدى القراء رغبة للهرب من الحاضر إلى ذكريات الماضي، وخاصة بين الكبار الذين منعتهم شيخوختهم من الاشتراك في الحرب (١) . ويقودنا هذا إلى التساؤل، لنعرف متى يكتب الكاتب سيرته الذاتية، فتعيين هذا قد يساعدنا على فهم الغايات التي تكتب السير الذاتية من أجلها. ونستطيع أن نقول في الجواب على هذا السؤال إن كل سيرة فإنما هي تجربة ذاتية لفرد من الأفراد، فإذا بلغت هذه التجربة دور النضج، وأصبحت في نفس صاحبها نوعاً من القلق الفني، فإنه لابد أن يكتبها. والناس مهما يطل عليهم الأبد وتختلف أحوالهم هم أحد رجلين: رجل وصل إلى حيث يؤمل وانتصر على الحياة وصعابها، وأحسن التخلص من ورطاتها وشعابها، ورجل كافح حتى جرحته الأشواك وأدركه الإخفاق. وكلا العاملين، أعني الوصول والخيبة، يبلغان بالتجربة حد النضج على شرط واحد: هو اكتمال التصور لأطراف هذه التجربة ورؤيتها عند التطلع إلى الماضي، على أساس من نظرة ذاتية خاصة، ولولا هذا الشرط لكان كل إنسان قادراً على أن يكتب سيرة حياته. وإنك لتستمع إلى أشخاص يقصون عليك قصصاً من أحداث حياتهم، يمتعك سماعها ويبعث فيك شيئاً من النشوة، ولكنهم يعجزون عن أن يكتبوها سيرة كاملة، لأنهم يعجزون عن أن يروا مكانهم من الحياة، ولا يرى الإنسان مكانه بوضوح إلا

стр. 101

إذا أصبحت تجاربه ذات وحدة متكاملة، وكانت لديه قاعدة فلسفية يتقابل بها وجهاً لوجه مع حقائق الوجود الأخرى؛ وهذا فرق أصيل بين الفنان وغيره، وهو سر تفرده في الحياة، كما أنه سر سعادته أو شقائه، أعني ما يصيبه من وصول أو خيبة. ولست أقول إن التجربة في الحياة لا تكون إلا روحية، ولكن التجارب الروحية من أشدها حثاً على كتابة السير الذاتية، ومن أكثر الحوافز خلقاً للسير الذاتية الجميلة؛ ومن هذا القبيل اعترافات القديس أوغسطين واعترافات تولستوي، والانصهار الروحي الذي صوره الغزالي في " المنقذ من الضلال " ومذكرات ماري بشكرتسيف Marie؟ Bashkirseff. وتلي هذه السير القائمة على أساس روحي ما كان صورة لصراع فكري، وهنا تكون السير أقرب النماذج إلى التجرد في الحكم والصدق في الخبر، ومن هذا القبيل سيرة جون ستوارت مل، وسيرة المؤرخ الإنجليزي جبون، وسيرة أدمند غوس Edmund Gosse التي سماها " الأب والابن " وصور فيها صراع جيلين مختلفي الاتجاه والنظرة والميول. وكل هذا يضع هذه السير الذاتية في مرتبة أعلى من أنواع أخرى منها، يكتبها بعض الصحفيين والبحارة والممثلين وأناس اتصلوا ببعض الرجال العظماء فهم يحققون وجودهم عن طريق تاريخ تلك الصلات (١) .

стр. 102

وإذا كانت السيرة عامة تتطلب لرواجها أن يكون بطلها شخصاً ذا تميز واضح في ناحية من النواحي، فإن هذا الشرط أساسي في السيرة الذاتية بخاصة، إذ لابد لشمول الرغبة فيها أن يكون صاحبها ذا صلة دقيقة بأحداث كبرى، أو أن يكون ممن لهم مشاركة في بعض تلك الأحداث، أو أن يكون؟ كما قلت قبل قليل؟ ذا نظرة خاصة إلى الحياة وحقائق الكون، قد تجعله سابقاً لأوانه متقدماً على أبناء عصره، أو ذا غاية كبيرة، أو صاحب أخطاء جسيمة. فإن الجواذب التي تجذب الناس إليه إنسانية أولاً ظاهرة ساطعة ثانياً؛ ولذلك يموت كثير من السير الذاتية لأنها لا تستطيع أن تحيا في نفوس الناس لا من جانبها الإنساني ولا من جانبها الفني. يقول سلامه موسى: " ولذلك أيضاً يجب ألا نستصغر قيمة السيرة يكتبها المتوسط العادي وحتى المنحط الشاذ، لأن في تخلفه عن اللحاق أو في عجزه عن السبق، عبرة قد يرجع مغزاها إلى المجتمع الذي عاش فيه، فتقع تبعته على بيئته وليس عليه وعندئذ تكون سيرته دعوة إلى هذا المجتمع كي يتغير ويتطور " (١) صحيح أنه يجب علينا ألا نستصغر قيمة سيرة كهذه؛ ولكن ما الذي يدعو إلى قراءة سيرة كتبها ذلك المتوسط العادي أو المنحط الشاذ؟ وإذا كان قد كتب سيرته وكان يحس أنه عاش على خلاف مع بيئته وجعلنا نحس بذلك عينه، فإن هذا التميز

стр. 103

يرفعه عن درجة المتوسط العادي والمنحط الشاذ؛ إن سلامه موسى في سبرته أراد أن يقرر كيف كان شخصه ذات طوابع مفارقة للكثير من مواضعات عصره، وهذا أمر يحسن بالكاتب أن يجعله مستنتجاً من سيرته جملة، لا أن يفرضه على القارئ فرضاً؛ إذ التقرير المحض في هذه الأمور لا يثبت حقيقة ولا ينقصها؛ وسلامه موسى قد يكون سابقاً لعصره في نظر نفسه فقط، ولكنه عاجز عن أن يجعلنا نؤمن بهذا الذي يدعيه مما كتبه في سيرته؟ والقليل من تلك السيرة هو الذي يستدعي منك أن تقرأه، قراءتك لتجربة ذاتية ذات حدود واضحة بين ولادتها واكتمالها، أما أكثر صفحاته فإنه عرض لجوانب تاريخية ومقالات في بعض الموضوعات، ولذلك تراه يستطرد فيه فيترك الحديث عن تجاربه، ليحدثك عن التاريخ والأحداث والآراء التي سمعها أو قرأها، ولولا شعوره بإنه ذو نظرة خاصة إلى الكون والناس، لما كتب سيرته، ولما استحق ما يقرأ منها باسم السيرة الذاتية، فإنها ادخل في باب التاريخ، وأقرب إلى طبيعة التقريرات العلمية. وسيرة أخرى؟ صاحبها أدنى حظاً من سلامه موسى من حيث صلته بالحياة الأدبية في عصرهن لم تنل شيئاً؟ إلا قليلاً من الذيوع والإقبال، هي " سيرة حياتي "؟ كتبها توفيق فضل الله ضعون، وهو لبناني قضى جانباً كبيراً من حياته متنقلاً بين مصر والسودان وغيرهما، وهي من خير الأمثلة التي يرد

стр. 104

بها علي رأي سلامه موسى، فإن أحداً لا يخطر له أن يقرأها إلا إن كان يكتب في تاريخ السيرة الذاتية، وهي أشبه بمذكرات الرحالة، مع مجموعة من الملاحظ السطحية عن بعض الشخصيات والمشاهدات، ولها في هذا المجال وفي شيء من روح السخرية، متعة لا بأس بها، ولكن لا صاحبها ولا الأحداث المتصلة بحياته، ولا الشخصيات التي ينقلها، ولا طريقته في التعبير عنها، مما يهم المجتمع الذي كتبت له، لأن هذه كلها تعيش على هامش ضيق من الحياة والأدب. وقد كتبت تحت شعور خاطئ بأن أي شيء من الذكريات يكتبه صاحبه فإنه يفيد في إثارة العبرة، وإن كتابة السيرة الذاتية بدعة في الأدب العربي، وهو تعميم له شطر من الصواب، ولكنه خاطئ في جملته. ومن اجل هذا أرى أن حظ السيرة الذاتية من البقاء منوط بحظ صاحبها نفسه من عمق الصراع الداخلي أو شدة الصراع الخارجي، وإنه قد تجري حياة فرد عظيم من الناس جريان الماء الرقراق على أرض من الحصباء، ولكن عظمته في مكانه من التاريخ تجعل لسيرته الذاتية قيمة وذيوعاً، سواء أكانت تلك العظمة في دنيا الأعمال أم الأفكار. ولابد لها كي تكتب من أن يتجسد فيها الماضي بخيره وشره، لا على شكل ذكريات متقطعة، ولا على شكل صور خارجية شاهدها الكاتب في الناس والأشياء، بل على أساس من التطور الذاتي في داخل النفس

стр. 105

وخارجها؛ ومن ثم قد تجيء السيرة الذاتية صورة للاندفاع المتحمس والتراجع أمام عقبات الحياة، وقد تكون تفسيراً للحياة نفسها، وقد يميل فيها الكاتب إلى رسم الحركة الداخلية لحياته، مغفلاً الاهتزازات الخارجية فيها إهمالاً جزئياً، وقد تكون مجرد تذكر اعترافي موجه إلى قارئ متعاطف مع الكاتب، وقد تمتزج هذه العناصر على أنصباء متفاوتة. فإذا كان الشخص الذي يترجم لنفسه ذا منزلة خاصة في المجتمع، وكان يرمي إلى إنشاء هذا التعاطف بينه وبين القارئ، وأقام سيرته في بناء فني، لم يغفل فيه قيمة الأسلوب وتأثيره، وكان ماهراً في الربط بين الصورة الداخلية لحياته ومنعكساتها في الخارج، فهنالك تتم سيرة ذاتية مكتملة، وليس ثمة من سبب يحول دون تلقيها بالقبول؛ أما إذا اقتصر الكاتب على تدوين مذكراته أو يومياته، أو وجه سيرته لتصوير أحداث أكثر من تصوير " ذات "، فإن عمله يلتقي مفهوم السيرة الذاتية وليس هو. والغاية الأولى التي تحققها السيرة الذاتية هي الغاية المزدوجة التي يؤديها كل عمل فني صحيح، أعني تخفيف العبء على الكاتب بنقل التجربة إلى الآخرين، ودعوتهم إلى المشاركة فيها؛ فهي متنفس طلق للفنان، يقص فيها قصة حياة جديرة بأن تستعاد وتقرأ، وتوضح موقف الفرد من المجتمع، كما تمنحه الفرصة لإبراز مقدرة فنية قصصية إلى حد كبير، وتريحه نفسياً لأنها

стр. 106

تستند إلى الاعتراف؛ فإن كان يشعر باضطهاد المجتمع له كما شعر روسو، تخفف من هذا الشعور، وإذا أحس بوقع ذنوبه وآثامه، أراح ضميره بالتحدث عنها، وقمع نفسه بالإعلان عن سيئاتها، ووقف منها موقف المتهم والقاضي معاً. وإذا خرج سالماً من لجة الصراع الروحي والنفسي والفكري إلى ساحل من الطمأنينة، رسم صورة لذلك الصراع، وأنهى قصته بالهدوء الذي يعقب العاصفة، والاستبشار الذي يأتي بعد اليأس؛ وإذا تحول من دين إلى دين، أو من مذهب سياسي إلى مذهب آخر، أو من منتصر إلى منهزم، أو من قاض إلى متهم، أو أخفق في خطة، فلا بد له من أن يرضي ضميره، فيكتب سيرة حياته، منتحلاً ضروباً من التعليل والاعتذار و " التبرير "، ولعل هذا العامل وما يكتنفه من غايات، من أقوى البواعث على كتابة السير الذاتية. وإذا كان متهماً في أنظار الناس بريئاً عند نفسه وعند الحقيقة، وإذا كان يحس بعظم الرسالة التي وكلت إليه، والناس من حوله لا يقدرونها ولا يأبهون بها، كان الكشف عن دخائل الأمور المتصلة بحياته، طريقه الطبيعي إلى إحقاق الحق وإعلان الصدق، ووراء كل سيرة هذا الدافع النفسي أو ذاك؛ وغاية مرصودة، لا يعلن صاحبها عنها، لأنها كالصورة الكلية للعمل الفني، تظل غائمة، حتى تكتمل السيرة. وليس لدى الكتاب من عمر محدود يقفون عنده لكتابة سيرهم، فإن نيتشه كتب سيرته وهو في الأربعين، وكتبها

стр. 107

سلامه موسى حين بل الستين؛ وأحمد أمين حين تجاوز هذه السن أيضاً؛ ولكن لا ريب في أن الإسراع إلى كتابة الترجمة الذاتية، في سن مبكرة، يفوت على كاتبها أموراً كثيرة، فقد يكتبها قبل أن تتضح له نتائج تطور خطير في حياته، وقد يكتبها قبل أن تقف مبادئه في الحياة واضحة جلية لينيه. وهناك خطر آخر: وهو أنه يحشد في سيرته تجارب كان من الممكن أن يفيد منها في بناء عدة قصص. وفي خلق عدة شخصيات، وفي نظم عدد من القصائد أو استغلالها في أي فن أدبي آخر (١) ؛ وهذا ما وقع فيه الدكتور طه حسين في " الأيام "، فإنه قد " جمد " تجاربه دفعة واحدة، حتى كان هذا الكتاب؟ على أنه من أوائل ما كتب؟ أغنى كتبه وأحفلها وأكثرها إمتاعاً، وأقربها إلى العمل الفني، لا لأن الدكتور طه حسين يحسن هذا النوع وحد من الفن الأدبي، بل لأنه تحول بقلمه إلى نقل واقعه كله، أو أكثره، على هذه الصورة، فهو يتجنب؟ قدر استطاعته؟ أن يعيد هذا الواقع وتلك التجارب إذا كتب قصة أو مقالة من بعد. من كل ما تقدم يتبين لنا إلى أي حد تعتمد السيرة التي يكتبها الشخص لنفسه على العنصر الذاتي، بينما السيرة العامة، قائمة في المقام الأول، على الاتجاه الموضوعي. فلابد أن يكون

стр. 108

من يكتب سيرة غيره موضوعياً في النظرة إلى صاحبه، وإلى الأشياء والحقائق المتعلقة به، كما لا يمكن أن يكتب سيرة نفسه إلا إن كان يبصر الحقائق المتعلقة بذاته على نحو ذاتي. وهنا موطن دقيق يحسن التنبه له، وهو أن يكون الكاتب لسيرته الذاتية موضوعياً أيضاً في نظرته لنفسه، بمعنى أن يتجرد من التحيز لنفسه، وهو يذكر موقفه من الناس والحوادث، ولا ينساق مع غرور النفس وتعلقها بذاتها، وحبها لإعلاء شأنها وتنقصها من أقدار الآخرين. وقل من يحسن هذا النوع من التجرد، وكثير من الناس يحتالون عليه، ليمنحوا ما يكتبونه أصالة وصدقاً، ويقع في أنفس القراء موقعاً حسناً، وأعيد القول هنا بأن هذا التجرد كان من نصيب بعض الكتاب المفكرين من مثل جون ستيوارت وإدموند غوس، وهو إلى حد كبير ميزة السيرة التي كتبها أحمد أمين. ولكن: هل هذا هو كل الفرق بين الترجمة الذاتية والسيرة العامة: أن الأولى ذاتية مع شيء من الموضوعية وأن الثانية موضوعة مع ذرات صغيرة من الذاتية؟ نحن هنا إزاء فريقين يختلفان اختلافاً بيناً: أما الفريق الأول فيرى أن لا فرق بين السيرة الذاتية والسيرة عامة، في الغاية والشكل والمضمون، إلا أن إحداهما تكتب بصيغة المتكلة والأخرى بصيغة الغائب؛ كلاهما فن لا علم والدليل على ذلك أنه لو اجتمع عشرون كاتباً على كتابة سيرة لأحد الناس

стр. 109

لتوفرت لدينا عشرون سيرة مختلفة، على الرغم من أن المواد واحدة متفقة. ولو كتب هؤلاء سير أنفسهم لطالعنا أيضاً مثل ذلك العدد من السير الذاتية المتباينة. ويعتمد القائلون بتشابههما وتقاربهما، في إثبات هذا الرأي، على مثل سيرة جونسون التي كتبها بوزول فيقولون: إن بوزول كان حقاً كاتباً قديراً للسيرة، ولكن ما كتبه ليس إلا صورة مزدوجة فيها سيرة جونسون، وفيها أيضاً سيرة بوزول نفسه؛ ولم يتوفر لذلك الكاتب النجاح فيما كتب، إلا لأنه سعى السعي كله لتحسين نفسه بكتابة سيرته الذاتية، فليست سيرة جونسون إلا ذلك الشخص الذي تجسمت فيه كل أماني بوزول، حين وجد فيه؟ مصادفة لا تعمداً؟ شخصية ترضي كل نزعاته الخلقية رضاء تاماً، فكرس حياته وقلمه من أجله. إذن فالقول بأن صاحب السيرة موضوعي وصاحب السيرة الشخصية ذاتي، تعميم يخرج على منطوقه كثير من الشواهد. والقول بأن الإنسان يعرف ذاته خيراً مما يعرف ذوات الآخرين هو أيضاً قول مرسل لأن قاعدة " أعرف نفسك " لا تزال من أبعد القواعد عن حيز الإمكان (١) . وأما الفريق الآخر فيقول: إن بينهما شركة كالتي بين كثير من الفنون الأدبية، ولكن القول باتفاقهما

стр. 110

التام خاطئ أو بعيد عن الصواب. لأن الترجمة الذاتية نقل مباشر أما الترجمة الغيرية؟ أي ترجمة حياة الآخرين؟ فإنها نقل عن طريق الشواهد والشهادات والوثائق، وشتان ما هما؛ ثم إن الصفات التي تجعل السيرة الذاتية عظيمة ليست هي نفس الصفات التي تجعل السيرة الغيرية عظيمة: وفي رأس تلك الصفات أن يكون كاتب السيرة موضوعياً، يلمح بسرعة ويفهم بأحكام ويلم الحقائق، ويحكم عليها، ويمزجها مزجاً متعادلاً منسجماً، ويصبغها بأسلوبه. أما كاتب السيرة الذاتية فإنه ذاتي قبل كل شيء، ينظر إلى نفسه ويسلط أضواء النقد ودقة الملاحظة على شخصيته؛ ومترجم غيره يقف موقف الشاهد لا القاضي أما مترجم نفسه فإنه يجمع بين الصفتين. فليس للأول أن يحمل فكرة مقررة سابقة عمن يترجم له، وإنما من واجبه أن ينقل صورته إلى الخلف، كما كانت تلك الصورة معروفة بين معاصريه. ومثل هذا التقييد لا يمكن فرضه على من يترجم لنفسه فما يقوله يقبل على وجهه. ونتيجة لهذه الفروق تنبع السيرة الذاتية من الداخل، متجهة نحو الخارج، على عكس الاتجاه الذي تمشي فيه السيرة غير الذاتية. ونجاح المترجم الذاتي يقاس بنسبة الذاتية فيما كتب، أما نجاح من يكتب سيرة فيره فيقاس بمقدار تجرده وغيرته (١) . ويبدو من هذا الجدل حول الموضوع أن القول
следующие страницы →