كان يلقب بالقائد، وينافس في الزعامة مسلماً آخر، ويحرض المسلمين على أسطفان، وأنه كان من الأغنياء ذوي الإقطاعات الواسعة، وقد رأى ابن جبير له ولإخوته وأهل بيته في بلرم قصوراً مشيدة أنيقة، وكان ذا أطماع بعيدة، يحلم بعودة الجزيرة إلى حوزة المسلمين، ويعمل لذلك، ويعمل لذلك، حتى ليقول الهروي إنه اجتمع به في صقلية فأعطاه أبو القاسم كتاباً إلى السلطان يحثه فيه على أخذ الجزيرة (١) . ولعل هذا التدبير قد استغله أعداؤه فوشوا به إلى الملك، فغضب عليه وصادر أمواله حتى أغرمه ما يزيد على ثلاثين ألف دينار مؤمنية، وتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه، حتى بقي دون مال (٢) ولما زار ابن جبير صقلية كان غليالم قد رضى عنه، وأخذ ينفذه في بعض أشغاله السلطانية " نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله " (٣) .
ولما نزل ابن قلاقس في ساحته كان لا يزال على حالته الأولى من الرفعة والغنى، فمدحه بقصائد كثيرة، وألف له كتاب " الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم " والكتاب كما تصوره القطعة التي اقتبسها العماد في خريدته لا يعدو أن يكون في مقدمته وصفاً للرحلة التي قام بها الشاعر حتى بلغ إلى ممدوحه، ثم المدائح التي قالها فيه وفي أبنائه، ثم وصف لبعض المجالس التي استدعت قول الشعر.
ولكن ما هو المنصب الذي يحتله أبو القاسم بدقة؟ إذا اعتمدنا على الزهر الباسم نثره وشعره، سمعنا ابن قلاقس يصفه بالبلاغة ويقول: إن " ألبس قلمه المداد عرى من الفصاحة قس إياد، وأنطلق طرسه الرسائل أخرس عن الخطابة سحبان وائل، يلزم لديه ابن العميد سمت العبيد، ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد، يقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب، ونهاية الصبابي أنه بألفاظه صابي،
стр. 282
حتى لو انقلب الديوان ديوان شعر والقرطي (؟) اقراط شذر لكان هو المقرظ المعلى والمقرط المحلى " (١) فابو القاسم كان صاحب ديوان ولكن أي ديوان؟ وما هو القرطي الذي يشير إليه؟
ثم هو في موضع آخر يمدحه بقوله (٢) :
وبيمناك طييرُ وسعد ... أصفر الظهرُ أسود المنقار
قلمٌ دَبرَ الأقاليم فالكت؟ ... ب به من كتائب الأقدار
يا طرازَ الديوان والملك أصبح؟ ... ت طراز الديوان والأشعار هو صاحب قلم يدبر الأقاليم، والأقاليم اصطلاح كان جارياً في صقلية على الأقسام العسكرية - في الغالب - ثم ما الذي جعله يعرج على الطراز؟ هل كان لأبي القاسم علاقة بديوان الطراز في بلرم؟ وأوضح من هذه الأبيات قوله فيه (٣) :
وتلتقي كُتبهُ الكتائب في ... جيش من الخط صائد الصيد
بكل لفظ كأنه نفسٌ ... غيرُ ممل بطول ترديد
صَحتُ معانيه فانتسبن إلى ... فضل ابتكار وحسن توليد فهذا يخيل إلينا أنه كان صاحب ديوان الإنشاء ولعل الأصح أنه كان رئيساً على كل " الدوائر " الإسلامية من ديوان إنشاء وطراز وسلطة إدارية وغيرها.
وإذا كان أبو القاسم في بلرم فمعنى ذلك أن ابن قلاقس أقام في ظله هنالك. فهل تعرف إلى غيره في مدينة سرقوسة؟ أو هل عرج عليها في دخوله إلى صقلية أو في رحيله عنها، لأنه يقول (٤) :
стр. 283
قد سعى بي الوشاةُ نحو علاهُ ... فسعوا لي فلا عدمتُ الوُشاتا
حركوا لي الشباةَ منهم فظنوا ... أنهم حركوا على الشباتا
فدعا من بلرم حجي فلبي؟ ... تُ وكانت سرقوسةُ الميقانا فمن هو الذي سعى به؟ وهل اجتمعا في سرقوسة ثم توجهها إلى بلرم أو أن هناك شخصاً آخر سافر إليه ابن قلاقس ونزل عنده في سرقوسة؟ وهذه القصيدة - حسب ما في الديوان - يقولها في مدح رجل يسمى القاسم بن خليع.
والظن قوي بأنه عرج على سرقوسة سواء كان ذلك في عودته إلى وطنه أو في قدومه إلى صقلية، لأن هناك قصيدة نونية يصف فيها رحلته، وربما كان الوصف ينطبق على رحلة من بلرم إلى سرقوسة لا العكس، وليست القصيدة في ديوانه وإنما احتفظ ياقوت بقطع متفرقة منها في معجم البلدان ولعل لها مقدمة غزلية هي تلك التي أوردها الصفدي في أعيان النصر (١) ومطلعها:
أصبحت بين سوالف وعيون ... وقفاً على أمنية ومنون وإذا كانت هي حقا فلدينا من هذه القصيدة قطعة فريدة، هي قصة رحلة فيها شيء كثير من صفات الشعر الجميل، فيها الانفعال والحركة وفيها قدرة شاعر ذي دربة في تقليب الأداة الشعرية في يديه كالعجينة المرنة، ولم يستطع الموضوع نفسه. موضوع الرحلة - أن يقف في سبيلها بحيث يجعلها جامدة، أو يجعلها حقيقة جغرافية منظومة، لأنها استمدت قسطاً وافراً من حيوية ابن قلاقس الشاعر الشاب العنيف المنفعل دائماً، وقد مر في وصفه بثرمة وجفلوذ والقارونية واجتاز ببقطس ولبيري وحاذي ميلاص إلى أن بلغ مسيني، فنزل فيها ثم عاد فجدد الرحلة إلى سرقوسة فهو يقول في ثرمة وجفلوذ:
فدخلتُ ثرمة وهو تصحيفُ اسمها ... لولا حسينُ الندب ذو التحسين
стр. 284
في حيثُ شبّ الماءُ جمرة قيظه ... وبقيت في مقلاهُ كالمقلين
وشربت ماء المهل قبل جهنم ... وشفعتهُ بمطاعم الغسلين
حتى إذا استفرغتُ منها طاقتي ... وملأت من أسف ضلوع سفيني
أجفلتُ من جَفلوذَ إجفال امرىء ... بالدين يُطلبُ ثم أو بالدين
مع أنها بلدٌ أشم يحفه ... روضُ يشم فمن منى ومنون
تجري بأعيننا عيونُ مياهه ... محفوفةً ابدا بحورٍ عين
وتركتها والنوءُ ينزل راحتي ... عن مالِ قارونٍ إلى قارون ويقول في مسيني وسرقوسة:
وأظل أنُشد حين أنشد صاحبي ... من ذا يُمسيني على مسينى
وحللتُها وحللتُ عقد عزائمي ... بيدي إلى السيد المبادر دونى
فأقامني تسعين يوماً لم تزل ... نفسي بها في عقدة التسعين
بتجلف لا يستقل جناحه ... ولو استطار بريشي جبرين
بردٌ جرى في معطفيه وفكه ... وكلامه وعجانه المعجون
ثم استقلتْ بي على علاتها ... مجنونةٌ سحبتْ على مجنون
هوْجاءُ تُقسيمُ والرياحُ تقودها ... بالنون أنا من طعام النون
حتى إذا ما البحر أبدتهُ الصبا ... ذا وجنة بالموج ذات غضون
ألقت به النكباءُ راحةَ عائث ... قلبتْ ظهورَ مشاهد لبطون
وتكلفتْ سرقوسةٌ بأماننا ... في ملجأ للخائفين أمين وفي هذه القصيدة التي علت على موضوعها وذللته، واستحقت اسم الشعر، يحدثنا ابن قلاقس كيف كره ثرمة لشدة حرارتها، ولم يجد فيها صدراً رحباً إلا عند رجل اسمه حسين، ثم أجفل من جفلوذ كما يجفل الذي يطلب بالدين أو بالدين - شأن مسلمي صقلية قبل زيارة ابن قلاقس لها بقليل - وسر الشاعر من جفلوذ ومن رياضها وعيون مياهها المحفوفة بالنساء الجميلات - صورة صقلية
стр. 285
ريفية لم يلمحها غلا شاعر غريب، وفي مسينة أقام تسعين يوماً - إن صحت رواية البيت - عند جلف ثقيل الظل لا تخف روحه ولو علق في جبينه جناحي جبريل مع أنه مسينة نفسها أعجبته خين نزلها غرة شعبان سنة ٣٦٣هـ؟ (١) وأعلن عن إعجابه بقوله:
بلد أعارتهُ الحمامة طوقها ... وكساهُ حُلة ريشة الطاووس
فكأنما الأزهار منه سُلافةٌ ... وكأن ساحات الديار كؤوس صورة صقلية أخرى لم تفتن إلا شاعراً غريباً.
وعاد بعدها إلى تلك المجنونة التي كانت تسحب نفسها على ماء مجنون مثلها، سفينة هوجاء تحلف لهم بالنون أنهم سيكونون طعاماً للحيتان، وأخيراً. رحبت به سرقوسة فنزل في ملجأ أمين.
لا نعرف على وجه الدقة المدة التي قضاها ابن قلاقس في صقلية ولكنه كانفي اليمن سنة ٥٦٥هـ، فمقامه فيها رما لا يتجاوز السنتين. وفي أثناء هذه الإقامة تعرف إلى حياة بلرم وبعض رجلاتها، وحضر مجالس الشراب، ووصفها وذهب يطيل المدائح في أبي القاسم بن الحجر، ويثني على قدرته في الكتابة وعلى جوده، ويمدح بنيه أبا بكر وعمر وعثمان، ويهنئه بالصوم والعيد، وعرف من حياة صقلية ومن جمالها ما لمسنا أثره في القصيدة المتقدمة. ومن المغالاة أن ننسب إلى صقلية اثراً في شاعريته وصنعته لأن ذلك القدر من الإقامة لا يبيح مثل هذا التأثر السريع. وإذا كان شعره تحت سماء صقلية امتلأ بأسماء أمكنة صقلية وأعلام من أهلها، فهذا شيء لا يضفي على الشعر سمات جديدة والذين يدرسون أثر بيئة معنية في الشاعر سيجدون في مثل ابن قلاقس عقدة من نوع ما، لأنه لم يكن يستقر في مكان.
ولم تستطع صقلية أن ترضي ابن قلاقس ولذلك نجده يقول لصديقه الشيخ
стр. 286
أبي الحسن علي بن أبي الفتح بن خلف الأموي الصقلي، لما قرر الرحلة عنها.
وقمت لي من جفاءٍ في صقلية ... بلطف مصرَ عليه ظرفُ بغداد
إن كان طبعك من ماء ورقته ... فإن ذلك [..] بين الفولاذ ويقول له في قطعة أخرى:
تخذتك من صقلية خليلاً ... فكنت الوردُ يقطف من قتاد
وسمتك بين أهليها صفيا ... فكنت الجمر يقبسُ من زناد فلم استحقت منه صقلية هذا الذم؟ لم وجدها قتاداً وزناداً صلداً وفولاذاً صلباً ووصفها بالجفاء ونفي عنها الرقة؟ علينا أن لا نثق كثيراً بأحكام أولئك الغرباء الذين كانت تتغير عليهم البيئة، وخاصة إن كان ذلك متصلا بعاطفتهم، وما نظن أن الشاعر يصدق صدقاً - موضوعيا - حين يمدح أو يهجو إلا قليلا، زد على ذلك أن ابن قلاقس عاش في صقلية تلك المدة محكوماً بالحنين إلى وكنه يحلم بالعودة.
ولما قرر أن يعود كان الفصل شتاء، فهبت ريح ردتهُ من عرض البحر إلى صقلية فكتب إلى أبي القاسم يقول (١) :
منع الشتاءُ من الوصو ... ل مع الرسول إلى دياري
فأعادني وعلى اختيا ... ري جاءَ من غير اختيار
ولربما وقع الحما ... رُ وكان من غرض المكاري وحين نزل في ميناء الإسكندرية خرج اصدقاؤه للسلام عليه، ولكنه لم يستقر غلا ريثما يعد نفسه لرحلة جديدة.
стр. 287
فراغ
стр. 288
خاتمة
الشخصية الصقلية والشعر
١ - الطبيعة الأرضية وأثرها في الشعر
٢ - صقلية ملتقى شعوب لا وطن شعب وأثر ذلك في الشعر
٣ - الموقع الجغرافي والسمات التي تركها في الشعر
٤ - صقلية بين التأثر والتأثير
стр. 289
فراغ
стр. 290
١ - الطبيعة الأرضية وأثرها في الشعر
للبحث في القرون الوسطى صلة قوية بالدين وإذا لم تنل هذه الصلة حقها من الكشف والجلاء في مظاهر الحياة جميعاً - والشعر أحدها - كان ذلك إغفالا لأكبر حقيقة تقوم من وراء كل مظهر في تلك العصور. ليس يفهم الشعر حينئذ إلا حين نفهم العلاقة القائمة بينه وبين روح التدين - الروح لا المظهر المدرسي القائم على الدراسات الفقهية.
وفي شخصية صقلية ما يمكن أن نسميه " الطبيعة الأرضية ". وبيان هذا أن صقلية في عصور الأسطورة لم تستطع أن ترفع رأسها إلى السماء فعبدت آلهة أرضية، أي عبدت آلهة تخافها وتحبها في الأرض لا في السماء، لأن هذه الآلهة هي التي كانت تمدها بالثمار والحبوب والخمر والفوارات والينابيع، وهي التي تخيفها بقوة " إتنا " وجبروته، وهذه النظرة التي انصرفت بصقلية عن السماء إلى الأرض جعلتها ترى القداسة في جوانب تلك الأرض، ومن هذه القداسة والأساطير حولها تغذي الأدب. فلما جاءت المسيحية لم تقض تماماً على الأصول الوثنية لأن في طبيعتها قدرة قبول كثير من المواضعات التي درج عليها الناس، ومع ذلك لم تستطع صقلية في ظل المسيحية أن ترفع رأسها إلى السماء فعبدت القديسين على مسافات قريبة من أرضها - عبدتهم على رءوس الجبال وأسبغت عليهم صفات الآلهة الأسطورية. ثم جاءها الإسلام يمزج بين غابتين: بين توجيه نظرها إلى السماء وبين سعي حثيث في جنبات الأرض، فاختارت في الغالب ما هو أقرب إلى طبيعتها، وغرقت في الحياة المادية، وزادها غرقاً فيها أن الإسلام التي نزع من نفسها الإيمان بقداسة الموجودات الأرضية، ومحا الأسطورة القديمة
стр. 291
كانت لا تزال كامنة في نفسيتها - كانت لا تزال حقاً لأن الأساطير القديمة عن سكلا وخار بديس وصلت إلى المسلمين ورددوها تلميحاً لا إسهاباً -. فلما أراد بعض الثائرين على هذا الاتجاه المادي - أو بعض المتصوفة - أن يجذبوا إليهم المريدين أخفقوا في الوصول إلى غاياتهم على أرض لا تعرف هذا الاتجاه الواضح إلى العالم العلوي. فلا غرابة إذا كان الأدب في الأيام الإسلامية كفئاً بتلك الحاجات اليومية العابرة، لا تعبيراً عن شيء من المثالية في الحياة.
وهذه الطبيعة الأرضية - وهي أول عنصر في شخصية الجزيرة - كان لها أثرها في توجيه الحياة الإسلامية بها، وكان لها أثران بارزان في الشعر، أما أولا فقد أقرت أصولا خلقية عامة يقبلها الناس في حياتهم فأصبح في الشعر صدى لهذه المقاييس العرفية أو الدينية - أي أنه أصبح يحث على هذه الأخلاق أو تلك، فاستقام في هذا مع دروس أهل الوعظ ومع الطابع العام للدراسات الفقهية في المساجد. وأما ثانياً فقد نشأ من الاتجاه إلى الحياة العملية اتجاهات دنيوية تحل بمقاييسها الجديدة محل الدين، ولست أتحدث عن جميع هذه الاتجاهات هنا وإنما يعيني منها ما اتصل بالشعر، ففي أواخر العصر الإسلامي كان الشعور بالوطن قد أخذ يقوي على كل شعور آخر، وأصبحت فكرة الوطنية هي الدين الجديد الذي يربط بين الصقليين أنفسهم، وهذا ما لمسناه في شعر ابن حمديس من قبل. فإن ابن حمديس في بكائه على صقلية كان يحس إحساساً وطنياً لا دينياً، ولكنه تغير بعد ذلك فرضت عليه الحياة أن يتحدث من بعد عن انتصارات المسلمين على غيرهم، وليس معنى ذلك أن الشعور الديني عند ابن حمديس فقد بتاتاً في أشعاره الصقلية، ولكنه حل في المقام الثاني، وأصبح ابن حمديس يقول لبني وطنه حين يحرهم على الثبات " موتوا من أجل الوطن فإن بلاد الناس ليست بلادكم ". وهذه صرخة عجيبة في القرون الوسطى لا نسمع مثلها إلا تمنيات المؤرخ فلقندو بأن يتحد مسلمو صقلية ومسيحيوها ليحموا وطنهم من الأعداء. والواقع أن الدين نفسه لم يكن يسمح لهذا الشعور الوطني بالتفوق
стр. 292
واحتلال المقام الأول، وقد رأينا كيف أن جماعات المتدينين أو من يأخذ أخذهم لم يبكوا على صقلية وطنهم الضائع لأنهم وجدوا في ضياعها عدالة سماوية تحق العذاب على من استحقه. وربما كان من التنبؤ الكاذب أن يقال بأن صقلية لا الاحتلال النورماني استطاعت أن تتبنى هذا الشعور الجديد وتنميه، ولكن لا شك في أن الاحتلال النورماني قد صرف المسلمين إلى العناية بذلك الحبل الذي يربط بين جماعتهم والإشفاق عليه من أن ينقطع. فاعتصم الناس بالدين بعد أن كانت إمارات الحال تدل على أن الشعور بالجزيرة - ذلك الشعور الذي تتبعنا مبادئه حتى تجسم عند ابن حمديس - سيصبح قاعدة الحياة الاجتماعية. ومع ذلك فإن الدنيوية في العصر النورماني لم تمت من الشعر وإنما رجعت إلى المنزلة الثانية.
وإذا كان للشعر العربي من أثر في الشعر الإيطالي، فهو أثر بهذه الروح الدنيوية التي حفزت الشعراء إلى اتخاذ موضوعات الحب والغناء والعبث برجال الدين أساساً لشعر جديد وخاصة الشعراء الجوليارديين Goliardic ونسمع أحدهم يقول (١) :
غايتي أن أقضي في الحان، فقرب الخمر مني حين تهم الروح أن تطير:
Meum est propositum in tabrnae mori ult eint vina proxima morientis eri وهي روح تجدهها شائعة في الشعر العربي فإذا في الشعر الصقلي وجدت شبيهاً بها قول ابن الخياط الصقلي:
ولو أن ملك الأرض تحت يدي ... لجعلتُ كل نباتها كرما
حتى تكون الأرضُ منهلةً ... تغني الصوادي عن زلال الما
стр. 293
أو تسمع من هذا الشعر نفسه قوله متهكماً برجال الدين ومن تبعهم خين خرجوا يستسقون:
خرجوا ليستسقوا وقد نشأتْ ... مجنونة شَرقٌ بها السفح
حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لفيض دموعهم نضح
كشفَ الغمامُ إجابة لهمُ ... فكأنما خرجوا ليستصحوا وقد كان الشعراء الصقليون يتفاوتون قليلا أو كثيراً في الشعور بالنواحي المتعددة لهذه الدنيوية، فبينا تجد ابن الخياط يتهكم برجال الدين أو يريد أن يجعل كل نبات الأرض كرماً ليشرب الناس خمراً، بدلا من الماء، تجده ضعيف الإحساس بالناحية الوطنية، إذا قارناه بابن حمديس. وقد مر بنا قوله من قبل لبني أبي الحسين:
ليسلكمُ أن الجزيرة بعدكم ... كما قيل في الأمثال لحم على وضمْ وكيف أن هذه السلوى على حساب الوطن الموزع المنهب، ومن كان عنده أدنى شعور بوطنه وعلاقته بد لا يقول مثل هذا القول. وإذا وضعنا هذا إلى جانب قول ابن حمديس وهو يتغزل:
رشأ أحن إلى حواه كأنه ... وطنٌ ولدتُ بأرضه ونُشيتُ تبين لنا أي فرق هنالك في الشعور بالوطن بين الشاعرين.
ومن الإغراق في الخضوع للطبيعة في النواحي الاجتماعية نشأت في حياة الجماعة ثوراتٌ عليها، فقام في المجتمع الصقلي الزهاد والمتصوفة، وسرت في الشعور نغمة التوجس والخوف من الناس، والآيمان بأنهم مطبوعون على الشر، واصطبغت البيئات الفقهية بصبغة المحافظة والتشدد. حتى لنستطيع أن ترسم لحياة الناس خطين متوازيين، يمتدان أحياناً بذلك التوازي في حياة الفرد نفسه. أي أننا
стр. 294
نستطيع أن نرى في وجهات متعددة بالبيئة الصقلية تشدداً وتزمتاً ومحافظة من ناحية وانحلالاً وعدم اكتراث ومفارقة لكثير من المقاييس التقليدية، من ناحية أخرى. ولذلك ابتعدت الدراسات الفقهية واللغوية وأهدافها عن الواقع الاجتماعي فأصبحت المحافظة صبغة لها والتحرز سمة عليها، وأصبحنا نرى من مظاهر هذا التشدد المقترن بمعنى التدين، أخذ الفقهاء بالأشد من كل حكم ولزومهم المدونة لا يحيدون عنها، وقول بعضهم وقد قدم إليه تلميذه خفه ليلبسه - وكان ذلك التلميذ ممن يفتى - اصفعني به يا أبى القاسم ولا تفتني (١) . وتأليف الكتب اللغوية في رد اللغة إلى مقياس واحد هو الفصحى وعدم إقرار اللهجة المحلية، وفي هذا الجو ألف كتاب تثقيف اللسان. بينا كان الواقع الاجتماعي يسير مع طبيعته في التكلم باللهجة المحلية أو الكتابة بها أحياناً، ويرى أن الضرورة لا تمنع الزواج من المسيحية على أن يقتسم الأولاد بين الأب والأم فما كان من ذكر فهو للزوج وما كان من أنثى فهو لها. وقد سرى مبدأ التشدد إلى الشعر حتى ليقول ابن حمديس (٢) :
خذْ بالأشد إذا ما الشرعُ وافقهُ ... ولا تملْ بك في أهوائك الرخصُ
ولا تكنْ كبني الدنيا رأيتهمُ ... إن أدبرت زهدوا أو أقبلت حرصوا ولا تستغرب هذه الدعوة من شاعر دنيوي فإنها تمثل أيضاً ذلك التباين بين الواقع والمثل الأعلى.
هذا من حيث التشدد، أما ما قد نسميه انحلالا فقد كان يشمل جوانب عدة - كان يشمل الخروج على مبادئ الخلق والعقيدة واللغة وقد وصف لنا ابن حوقل انحلالا واضحاً في أخلاق طبقات من الناس يعيشون في رباطات مليئة بالفساد على شاطئ البحر، ورأينا كذلك بعض من يفهمون الدين كما يوافق حالهم، أما في اللغة فقد تحدث ابن حوقل إلى رجل صقلي بعد أن سمع الخطيب
стр. 295
يلحن في خطبه الجمعة وسأله كيف يرضون بهذه الحال فكان جواب ذلك الصقلي الأديب " كأنه والله يا سيدي كما تقول غير أنا نحن لا نأبه لمثل هذا " (١) .
" غير أنا نحن لا نأبه لمثل هذا " كلمة تمثل ذلك الانحلال أو قلة الاكتراث عامة وأراها مناقضة صارخة لذلك الأخذ بالأشد من المقاييس - ومع ذلك فإنك واجد بين هؤلاء الصقليين الذين يصفون أنفسهم بأنهم لا يأبهون لمثل هذه الأمور - واجدٌ بينهم جماعة لا يرون الحديث وهم من حفاظه لأنه لم تتقدم لهم سابقة في العربية مثل أبي حفص عمر بن يوسف بن محمد بن الحذاء القيسي الصقلي وقد التقى به السلفي وجهد حتى يروى عنه الحديث فأبى، قال السلفي: " وجرى بيني وبينه خطب طويل في فضل الرواية وأن روايته أولى من امتناعه منها، فاعتل بعلل تكلمت عليها معه فوجودت عمدته في تحريه التحرز من الوقوع في الكذب على النبي ﷺ إذ لم تتقدم له قراءة للعربية " (٢) .
ولما دخل ابن القطاع مصر أخذ عليه نقدة المصريين تساهله في الرواية فقد أنكر أنه رأى كتاب الصحاح أن أ، هـ وصل صقلية " ثم لما رأى اشتغال الطلبة به ورغبة الناس فيه، ركب فيه طريقاً في روايته وأخذ الناس عنه مقلدين له إلا الأقل من محققي النقل في ذلك الوقت (٣) " أي أن ابن القطاع استباح الكذب ولم يأبه أن يوصف به. غير أنه في موقف آخر كان مثالاً للتشدد - مرض تلميذه نصرون بن فتوح بن الحسين الخزرجي بمصر واحتاج إلى شيء من المال فباع كتباً أدبية وغير أدبية، ومن جملتها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ولما أبل من مرضه ذكر ذلك لأستاذه ابن القطاع فغضب عليه غضباً شديداً وقال له " كنت تقنع ببيع كتب الأدب فعنها عوض وتترك عندك الصحيحين. هل رأيت مسلماً يخرج
стр. 296
الصحيحين من داره؟ هل رأيت مسلماً يخرج الصحيحين من داره؟ " وظل يردد ذلك أمام الحاضرين حتى شعر ذلك التلميذ بالندم الشديد (١) . وهكذا تلمس هذا الازدواج في النفس الواحدة وتراها مقلبة بين التساهل والتشدد.
٢
- صقلية ملتقى شعوب لا وطن شعب وأثر ذلك في الشعر
وأهم حقيقة ذات أثر في تكوين الشخصية الصقلية أن صقلية جزيرة في البحر وأنها في ذلك الموقع المتوسط ملتقى يجتمع فيه المسافرون، ويقف عنده المتحاربون، يوم أن كان البحر المتوسط مسرحاً للحضارات وطريقاً للحركات التجارية. فهذا الموقع هو الذي منح صقلية هذا اللون من التاريخ - أي تاريخ جزيرة يتعاقب عليها الغالبون أصحاب السيادة في البحر المتوسط، ولكنها لم تفقد أبداً الروح التي كانت تدفعها إلى الاستقلال حتى لحظ أحد المؤرخين المسلمين أنها لم تزل في يد متملك لا يطيع من حوله من الملوك (٢) ، غير أن هذه المحاولات كانت دائماً فردية لا تنبثق من نفسية الشعب الصقلي - إذا صح أنه كان هناك مثل هذا الشعب. يقول المؤرخ فريمان: " ولما كانت ملتقى الشعوب وميداناً للصراع فيما بينها لم تستطع أن تكون وطناً ومهداً لشعب واحد؟ ومن ثم لم يتكون فيها شعب صقلي " (٣) وفي هذا القول قسط كبير من الحق، وإن كنت لا آخذه على علاته، فأن الروح الوطنية في آخر العصر الإسلامي كانت قد نمت قليلاً، ولو استمر بها الحال لكان هنالك الشعب الصقلي الذي يشعر أنه ابن صقلية، ولكن الظروف لم تمهل هذه الروح طويلا فلم يطل تمتعها بالحياة - نعم
стр. 297
كانت صقلية الإسلامية جزءاً من عالم يدين بدين واحد ولكنها في البحر والمحيط بها استطاعت أن تنبت أجيالا صقلية المشاعر مسلمة الدين. إلا أن الهجرات المستمرة وغلبة العناصر الغريبة على بعض نواحي الحياة فيها كانت تضعف من قوة هذه الروح أيضاً. ولذلك رأينا مع الشعر الصقلي دائماً شعراً آخر يعيش إلى جانبه هو الشعر المهاجر الوارد إليها من إفريقية وغيرها.
وفي هذه الحقيقة، أي القول بأن صقلية كانت ملتقى شعوب ولا وطناً لشعب صقلي نجد تفسير الضعف الذي نلمسه في إقليمية الشعر أو وضوح النواحي الإقليمية فيه - وهي حقيقة تضاف إلى ما تحدثت عنه من عوامل كروح المحافظة، وحب التقليد للأمثلة الشرقية، والإيمان بمبادئ النقد التي تكونت في المدرسة الإفريقية، وكون هذه الأجناس التي افتتحت صقلية وتعهدت الشعر فيه إنما هي إجناس حظها من المقدرة اللغوية والأدبية، فإذا وضعنا كل هذه الأسباب معاً عرفنا غلبت الصبغة التقليدية على الشعر في أدنى صورها. حتى إنا قلما نعثر بشعر قد اخترق أسوار التقليد وشق لنفسه طريقاً جديدة، أو طريقاً فيها شيء كثير من الجدة.
فالصبغة العامة للشعر هي الصورة التي نلمحها في الشعر العربي حين أصبح نماذج مكررة يسري عليها التقليد، وتتمشى فيها المبالغة بقدم عنيفة، ويتوارثها الشعراء كأنها ملك عام لهم، في هذا الشعر لا يزال النهد كالرمان والورد يلوح من الوجنتين، والعذار ميدان لهم يتسابق في وصف جماله الشعراء، والفم لؤلؤ من شقيق، والجفن حد سيف مرهف. ولا يزال الشيب والخضاب فيه موضوعاً للأسى والأسف ومفتاحاً لتذكر الشباب واسترجاع الندم على فواته. حتى التعبير عن هذه الحقائق لم يصبح موضع تميز يفرد شاعراً عن شاعر حتى يقال فيه ما كان يقوله الأقدمون قد استحق هذا المعنى وأصبح به جديراً - ولا يزال الشاعر يفيء إلى ما اختزنه من دراسات في الصبا فإذا رأى الجميل ذكر يوسف
стр. 298
ذكراً عابراً، وإذا قيل له أنت قد سرقت قبلة وحد واجب عليك، تفقه في الجواب بقوله: إن الحد لا يجب إلا في السرقة من حرز، وإذا رأى المرجان الذي تصنع منه التماثيل اذكر داود الذي ألين له الحديد. وهو في هذه الإشارات والتلويحات يبني على أسس كانت حية فأحالها إلى التركز والثبات، وأخذ يستدعيها لتعينه على نقل أفكاره ومشاعره. وكلما انصرفت نفسه إلى الليل لم يستقل بتصوير تأثره، ولكنه كان دائماً يستحضر معنى النابغة فيه، فهو إلى جانب مخزوناته من فقه وقصص قرآنية يفيء إلى ما يملكه من معان شعرية ومن أمثال وحكم لقنها في نشأته. وكان اهتداؤه إلى هذه الأمثلة المقدسة المرعية هو الشاعرية الحقة في عصره، ومن الظلم أن نحاسبه في الشعر بما نحب ونكره، حتى التكرار الممل الواحدة في تلك العصور لم يكن أمراً منكراً يضيق به الناس كما نضيق به نحن اليوم.
فالشعر الصقلي بهذه النظرة هو الطاقة التي هيأت لها جميع النواحي في الحياة من اجتماعية وثقافية وسياسية، فهو كفاء بحاجة الناس الذين من أجلهم وجد وعن نفوسهم عبر. وعلى هذا الاعتبار - أي على أنه طاقة اشتراك في إخراجهم عوامل متعددة حتى كانت على هذا الوضع - يتقدم الدارس لدراسته. فالضعف فيه ظاهر بالنسبة لمقاييسنا. ويتجلى الضعف في أشد حالاته حين تكون المقاييس التي نستعملها فنية - عندئذ يتفتت هذا الشعر ولا يقف عند مقياس فني. ومن ثم تجنبت الحكم على فنية هذا الشعر قدر المستطاع، وإن كان من العسير كثيراً أن أدرس هذا الشعر وأخرس أثناء دراستي له صوت النقد، فاقل ما في هذه الطاقة وأضعفه جانبها الشعوري، حتى ليقال إن حظ هذا الشعر في الضعف وفير في كل ناحية - التعبير قاصر في الأكثر، والموضوع ميت لا حياة فيه. وقد حاول ابن حمديس أن يجعل صقلية موضوعاً لقصيدته، ويجعل فكرة الوطن محط التعبير في شعوره، فلم ينجح كثيراً وعاد يتأثر التقاليد الموضوعة ويخلط بين صقلية وبين الطلل - والدراسات الفقهية
стр. 299
تغمر هذا الشعر بقواعدها، والوعظ الديني يسيطر عليه بنصائحه ومقاييسه الخلقية. وفكرة المناظرة تنخر فيه - فمناظرة بين الشيب والشباب، والسوداء والبيضاء - وكلها تدور في رأس الشاعر الذي يحاول أن ينتصر للشيء وضده، ويظهر بذلك براعته. وهي لوثة جاءته من المشرق أيضاً. والشكل ظاهر على كل ما حوله عند الشاعر وهمه أن تتوفر له المقدمة ثم يتوفر له التخلص ولا يعنيه بعد ذلك شيء في اللب الذي تقوم به القصيدة. وللغزل والرثاء وغيرهما طابع لا يفارقه الشاعر. فكل غزله تذلل وشكوى وضراعة وسهر.. إلخ، وكل رثائه جار على نمط قول الشاعر الصقلي: " للموت ما يولد لا للحياة ".. والتذكير بأن النفس عارية مردودة، والتهويل بالفاجعة التي كادت تهز أرجاء الكون أو لعلها هزتها بالفعل - كما يفعل أبو تمام في مراثيه - هذه هي حال الشعر فيما يتناول من أمور، ودع عنك ما سقط الشعر دون تناوله فذلك كثير - وقد بينت منه طرفاً في فصول سابقة.
بهذا الضعف يقف الشعر الصقلي إذا قورن إلى أمثلة من الشعر العربي نفسه، فكيف لو حاولنا أن نضعه بازاء الشعر اليوناني كما فعل البارون فون شاك؟ إننا عندئذ نقدم قزماً إلى جانب عملاق ضخم، وهي مقارنة غير مستجلبة أو مقتسرة؟ على أي حال؟ لأن الأدبين عاشا في الجزيرة وخضعا لبيئة طبيعية متشابهة، وتكاد النتائج التي تتمخض عنها أية مقارنة لا تكون أسوأ من هذه النتائج التي تحصل عليها حين نجري المقارنة بين ما أنتجته صقلية الإسلامية وما أبدعته هيلاس (١) .
وقد لحظ شاك أن هذا الشعر العربي الصقلي يشارك الشعر العربي الأندلسي خصائصه الأساسية، وإذا قلنا الأساسية كان هذا القول صحيحاً لأن التمييز الفارق
стр. 300
في الشعر الأندلسي - فيما يظهر - كان قليلاً، ولكنه على أية حال أظهر تميزاً من الشعر الصقلي. ويجد شاك سر هذا التقصير في أن العرب يتذبذبون في دائرة ضيقة من الآراء والأفكار، وهذا ما يوصف عادة بروح المحافظة الغالبة عليهم. وهم قد جهلوا أساطير الأمم التي سبقتهم فلم يعرفوا شيئاً عن نبع أرثوسة وعن وادي يانة حيث كانت برسيفونة وصواحبها يجمعن الأزهار، ولم يكونوا يعرفون شيئاً عن عالم الأوديسية إلا ما تسرب منها إلى أسطورة السندباد، ولم يرد لأتنا الشامخ ذكر في شعرهم أبداً مع أن جغرافييهم وصفوه وصفاً دقيقاً. ولا جذب انتباههم تلك العظمة المتداعية التي كانت تمثلها المدن وهياكلها، لا شيء من ذلك أبداً (١) .
حقاً إن المسلمين لم يعرفوا شيئاً من هذا الذي يذكره شاك لأن قداسة الأمور الأرضية كان قد انتزعت من أنفسهم وعادوا يرون في أرثوسة وإتنا مظهراً عادياً، ولكنهم مسئولون عن إغفالهم الجمال - لا القداسة - في هذه المناظر وقد حاولت من قبل أن أشير إلى ضعف صلتهم بالبيئة الريفية في وطنهم لأسباب ذكرتها هنالك.
ويرى هذا المؤرخ الناقد أن الشعر العربي في الغرب كان نبتة من ارض بعيدة، يتوقع لها أن تستمد أنواعاً جديدة من التغذية، حيث زرعت في التربة الجديدة، ولكنها تغيرت قليلا في شكلها في هذا المناخ الغريب، ولم تتغير شيئاً في أصلها.. فكانت الصحراء هي التي تمد الشعراء بالمادة والصور في قصائدهم، وإذا كان شعراء أوروبة الحديثة يفيئون إلى ما تلقوه في دراستهم من أدب يوناني أو روماني، فإن الشعراء العرب كانوا يرون مصادر وحيهم في الحياة البدوية وما فيها من أبطال وشعراء، ومنها استعاروا اصطلاحاتهم وتعابيرهم. فإذا تصوروا " أركاديا " تمثلوا وادياً مقفراً بين جبلين من الرمل تقوم فيه أطلال مية؟ الخ ولعب الجمل والغزال في قصائدهم دوراً هاماً مع أنهما غير موجودين بصقلية.
стр. 301
ولعل صنعاء التي لم تكن خيراً من بلرم في ازدهار عهدها كانت مثال الحضارة ومحط السعادة في نظرهم، وأمراء غسان والحيرة (١) يتبدون لخيالهم أعلى ما بلغه العالم من أبهة وجلال (٢) .
ولست أرى في هذا الحكم جوراً على الشعر الصقلي، بل لعلني ذهبت إلى أبعد من ذلك فلم أبد إعجابي بذلك الشعر الذي يصور القصور والمتنزهات والبرك وأشجار الليمون والنارنج ويصف الحدائق والأزهار - لم ابد إعجابي بهذا الشعر الذي يفرده شاك بالعناية ويعده أصدق ما يمثل الطبيعة الصقلية حين يقول " وننصت بإعجاب إلى هؤلاء الشعراء حين يصورون الدور والقصور والزخرفة الفنية والسقوف في أبهاء القصور والعرائش والنافورات المرسومة في أشكال أسود ينبعث الماء من أفواهها. وننقاد في سرور أيضاً وراءهم حين ينتقلون بنا بين الأشجار الخضر حيث يلتمع الليمون من بين الأوراق ويبسق رأس النخلة في السماء؟ ونرحب بهم حين يطلقون العنان لعواطفهم ويتغنون بالحب البدوي دون توار أو مواربة. أو حين يصفون خمر سرقوسة ولياليها الصاخبة مصحوبة بأنغام المغنية وألحان الجواري على الناي، أو حين نسمعهم يتحدثون عن الإسلام الذي اندحر في خضوع أمام المسيحية، أو حين يمدحون الملك النورماني ويصورون روعة بلاطه، ويرسمون لنا حالة حضارة هي بين المسيحية والإسلام. فإلى هذه القصائد التي كانوا يبتعدون فيها عن التقليد ويستوحون المحيط بهم نريد أن نوجه اهتمامنا وفي هذه القصائد وحدها تخيم على الشعر الصقلي شخصيته المتفردة (٣) .
في هذه النواحي التي يعددها شاك يكاد يكون الشعر الصقلي صادقاً لبيئته حقاً ولكنه صدق وحسب. أما الأصالة الفنية في هذا الشعر فشيء نادراً جداً وكثير من هذه الصور التي يذكرها شاك مستمدة من ابن حمديس نفسه مثل
стр. 302
ليالي سرقوسة وخمرها والحديث عن الإسلام الذي ارتد على أعقابه أمام المسيحية، وهي صور جميلة في الواقع، فابن حمديس قد استطاع أن يرتفع بالشعر الصقلي ارتفاعاً يجعل له موضعاً بين سائر الشعر العربي، وأما تلك المدائح التي كانت تقال في الملك النورماني أو التي قبلت في وصف المتنزهات والقصور، فقد قلت فيها رأيي من قبل، وإن كنت لا أنكر أبداً أنها خير ما يصور صقلية في صدق. وموطن الطرافة فيها تلك الروح التسامحية التي يعيش بها المادح والممدوح على تباين الدين، في عصر لم يكن يسمح بذلك التسامح. وفيها شعور ساذج بالجمال - ساذج جدا - وهي بهذا القدر وحده جميلة في الشعر الصقلي.
وإذا قلت الشعر الصقلي عنيت دائماً هذا القدر منه، فإن هذا القدر الذي نملكه يكاد لا يتمتع بشيء يميزه. فمظاهر القوة فيه قليلة ولكنها غير منعدمة. وقد رأينا فيه خروجاً على بعض النواحي التقليدية وعرفناه تخطي قاعدة التذلل في الحب، وشهدنا كيف يعلو الشاعر أحياناً في رقة فيقول:
ليَ وعدٌ عينيك مضَى ... دونه عمري ووافي أجلي كما في أشعار عبد العزيز البلنوبي وهو من أصدق الشعراء الصقليين أصالة في القطع التي رويت له، ولكنها قليلة بحيث لا تستطيع أن تعطي عنه صورة صادقة، وستعجبك في هذا الشعر بعض الصور كقول ابن الخياط:
ترى كبرياء الحسن في لحظاتهم ... تشاب برهانية المتعبد او كقول ابن حمديس:
وقد سكت حركات الأسى ... قيان تحرك أوتارها وستجد في الخصائص العامة لهذا الشعر تلك النعومة المتشهية التي تغلب على شعر عبد الرحمن البلنوبي، أو ما يسميه شاك الخضوع للمتعة المؤقتة المستمدة من الطبيعة الجميلة، حتى لتكاد تظن في هذه الخاصة، أنك لم تبعد كثيراً عن
стр. 303
ثيوقريطس على اختلاف في الناس والزمان. والحق أني لست أذكر بهذا الشعر شاعر الرعاة وكيف يأخذ جماعة الرعاة عنده بالغناء تحت شجرة الصنوبر وفي ظلها الظليل والجنادب الداكنة تصوت وتصر والريح المثقلة برائحة الأزهار في الحقول تداعب الجفون بالسنة - لست أرى هذا في الشعر الصقلي العربي إلا إذا كانت الرائحة المنبثة في أشعار ابن حمديس وغيرها تستطيع أن تنقل قارئها إلى ذلك الجو الريفي الجميل.
ولقد طال بي الحديث عن نقد هذا الشعر حتى لاحسبني جرت عليه في التقدير ولكن ما إلى هذا قصدت، فأنا أتحدث عن الشعر الصقلي وحده، وهذا يجعل نقدي له يبدو أكبر مما هو، ولو قد نقد هذا الشعر في نطاق عام، لو قد أخذ بين الشعر العربي جميعاً لأصابة نصيبه العادل من النقد، إذ لم يكن الشعر الصقلي غريباً بمظهره ذاك في تلك العصور وأكاد أقول ولم يكن ضعيفاً، وهؤلاء هم الشعراء الصقليون لم يموتوا في البيئات التي انتقلوا إليها حين هاجروا من وطنهم بل عاشوا إلى جانب غيرهم إن لم نقل تفوقهم عليهم، وابن حمديس وأبو العرب في الأندلس مثالان واضحان على ذلك. وأسارع فأضيف أن العوامل التي دخلت في تقديرهم لم تكن دائماً عوامل فنية ولكنها كانت هي العوامل المؤثرة في تقدير غيرهم.
стр. 304
٣ - الموقع الجغرافي والسمات التي تركها في الشعر
غير أن صقلية البحرية، القريبة من جنوبي إيطاليا، المتصلة مع بلاد الإسلام بصلات ثقافية واجتماعية، قد أثرت هذه النواحي منها في الأدب تأثيراً واضحا. وخضوعاً لهذه المظاهر التي نجملها باسم الموقع نجد للشعر الصقلي ثلاث سمات بارزة:
(أ) السمة الحربية: وهي أول الصفات التي نشأت من موقع الجزيرة وقيام حياتها على الجهاد، لقربها ممن جنوبي إيطاليا واضطلاع أمرائها بالجهاد في ذلك الاتجاه، وقد وجدنا هذه السمة الحربية موضوعاً في الشعر فهنا تصور مناظر القتال وحياة الأمير المجاهد، ومن هنا يستمد ابن حمديس موضوعات البطولة التي يسبغها على بني قومه أو بعبارة أخرى الفخر بالقوة الحربية والفتك بالروم. ومن هنا تسربت إلى الشعر الصقلي أيضاً معاني القتال وتشبيهاته في موضوعات كالغزل ووصف الخمر وغيرها. فقد تسمع يصف الخمر بأنها تفتك بالهموم أو بأنها تغير عليها، وتسمعه إذا وصف روضة شيه الأشجار بالجنود والأغصان بالرماح، وعند استقصاء هذه الناحية في الشعر يتبين أنها ليست مجرد صور تقليدية يأخذها الشاعر من غيره فقد تكون كذلك ولكن لا ريب في أن للحقيقة المستمدة من البيئة أثرها تصور الشاعر وتصويره.
(ب) السمة البحرية: ففي هذا الشعر الصقلي ما يمكن، أن نسميه شعر البحر - فيه وصف المعارك البحرية والسفن المقاتلة وغير المقاتلة وخاصة في أشعار ابن حمديس، وفيه تصوير عام لانقضاء السيادة الإسلامية في البحر
стр. 305
يتمثل لك في قول أبي العرب الصقلي لما دعى إلى الأندلس:
لا تعجبنّ لرأسي كيفَ شابَ أسىَ ... واعجبْ لأسود عيني كيف لم يشب
البحر للروم لا تجري السفين به ... إلا على غرر والبر للعرب وفيه تصوير للسيادة البحرية أيام العصر النورماني فقد أسر أسطولُ صاحب صقلية أحد بني رواحة مع عصبة فوقف أمام الملك وأنشده قصيدة يمدحه بها ويقول في وصف الواقعة:
أيا ملكاً جالت أساطيلُ جيشه ... فأعظمت القتلى وأكثرت الأسرى
وأجريتها في لجة الماء إذ جرى ... فاسكرته جرياً وأجريتها بحرا
وكنا لما تجري المقادير عصبة ... ركبنا به والموج يخطفنا ذعرا
وجاءت من الأسطول طيرٌ مسفةٌ ... أحاطتْ بنا من كل ناحية قسرا
فقمنا إليه ثائرين لدفعه ... نغالبهُ قهراً فعاجلنا قهرا ومع بساطة هذه الأبيات فإنها صادقة في دلالتها على سيطرة الأسطول النورماني حينئذ وكثرته وقوته.
وفي هذا الشعر عامة شعور بالخوف من البحر، ويؤيد هذا الخوف واقع السفر البحري يومئذ. وفي رحلة ابن جبير وفي وصف ابن قلاقس للبحر وأهواله في كتابه " الزهر الباسم " ما يزيل دهشة من يستنكر مثل هذا الخوف. فكان البحر مما يتجنب، ولذلك كانت صورة البطولة في السفن البحرية أقوى من صورة الجهاد البري عند ابن حمديس، وعند هذا الشاعر يكبر الخوف من البحر، لأن هذا البحر هو الذي أخذ جاريته جوهرة، ولأنه نفسه كان ذات يوم في الغرقى حين حاول مرة أن يذهب لزيارة أهله، ثم هو يمقت البحر الذي يفصل بينه وبين وطنه، ويمكن لأعدائه سيادة وتبسطاً، ولذلك امتلأ شعوراً به وكثر انتزاعه للصور منه. ولعل افتخاره بقطع الصحاري وركوب السفائن البرية، وصبره على
стр. 306
أهوالها، تعويض لما كان يحسه من نفور إذا وقف إزاء البحر، فقد عاد ابن حمديس إلى إفريقية ووجد في مصاعب البداوة ما تقبله نفسه، أما أخطار البحر فلم يكن له صبر عليها. وقد دخلت صورة البحر في تشبيهات الشعر الصقلي وأبرز ما هو مستمد منه، صورة الشبكة في وصف الخمر وتكاد تكون عامة في الشعر الصقلي فيكررها ابن حمديس - كما مر من قبل - ويضيف إليها صورة الغائض الذي يذهب إلى القعر ليستخرج الدر - أي صورة الحباب حين يطفو عندما يصب الماء على الخمر. وهي في شعر أبي العرب الصقلي حيث يقول:
كادت تطير نفاراً حين نافسها ... لولا الشباكُ التي صيغتْ من الحبب وهي في شعر الأمير ابن القاسم الكلبي في قوله (١) :
كأن حبابها شيكٌ مقيم ... لصيد الألسن المتطايرة (ج) الرسائل الشعرية: فإن صقلية أولا بتوسطها في موقعها وثانياً بهجرة بعض أهلها وبقاء البعض الآخر فيها، قد أصبحت ترسل وتستقبل الرسائل الكثيرة. وكانت أكثر الرسائل الإخوانية بالشعر، ولعل هذه الظاهرة هي أوسع الظواهر وجوداً في الشعر الصقلي، ومنها كثير في شعر ابن أبي البشر، وكان شعراء العصر النورماني يراسلون بعضهم بعضاً وهم في صقلية، كما يراسلون جماعة من أصدقائهم في الخارج، كأبي الضوء الذي كان يراسل الشاقي الصقلي، وكان أبو الصلت يراسل كثيراً من شعراء عصره، وحوله قام نشاط أدبي واسع في هذه الناحية. وكذلك كانت المراسلات دائرة بين ابن رشيق وأصدقائه من الشعراء في صقلية. ولو كان إحصاء هذه الكثرة مما يفيد لوجدنا أن قسطاً وافراً من الشعر الصقلي الموجود لدينا ليس إلا رسائل أو أجوبة على رسائل.
ولكن هذه الرسائل كانت أحد عوامل الجمود في هذا الشعر بدلا من أن تكون سبب حياة. ذلك لأن هناك قيوداً يجدها الشاعر حين يرد على رسالة وصلته
стр. 307
من صديق له، ويرى نفسه إزاءها مضطراً إلى اصطناع بعض ما يستسيغه في الرد، وماذا يقول شاعر أرسل له صديقه قصيدة يطلب فيها أن يعيره كتاباً؟ ماذا يقول في رده سوى أن يحشد ألفاظاً فارغة لا معنى لها، ومع ذلك فإن هذه الرسائل التي كانت تدور بين الشعراء تتناسب في الواقع مع الشعراء أنفسهم ومع موضوعاتهم فهي عامرة بالرقة في شعر ابن أبي البشر كما هو الشأن في شعره عامة، وهي كذلك في شعر أخيه عبد العزيز الذي يقول لبعض إخوانه:
كتبت أشكو إليكم ما وجدت بكم ... من الغرام ومثلي من شكا فبكا
والله والله ثم الله ثالثة ... ما قصر البين في قتلي ولا تركا
كأن بين ضلوعي حين يذكركم ... قلبي جناح قطاة علقت شركا وهي في أشعار الفقهاء مثال الجمود والقصور في التعبير حتى حين يكون الموضوع عتاباً، وهي عند ابن حمديس تستمد قوتها من الموضوع، وعلى يديه بلغت هذه الرسائل أعلى درجات الأصالة والقوة، وفي رسالتين (١) أرسلهما لابن عمته أبي الحسن بن أبي الدار الصقلي، بلغ ابن حمديس من إجادة التعبير عما في نفسه حداً بعيداً وذلك من قوة الموضوع لأنه يتحدث عن غربته ويتعذر عن عدم تمكنه من القدوم على أهله ولأنه أيضاً يخاطب فيهما أبا الحسن وهو من الأقارب الأصدقاء الذين كان لهم تأثير في حياته.
وبهذه الخصائص الثلاث عبر الشاعر الصقلي عن واقع صقلية الجغرافي كما عبر بوصف المتنزهات والقصور ومجالس الخمور عن حياتها الداخلية. وهذه هي المظاهر البارزة التي تواجه الدارس للشعر الصقلي أول ما توجه، ضعيفة كانت أو قوية.
ولابد من أن نلمح في هذا الشعر أيضاً شعوراً بالمغربية تشير إلى نوع من الاستقلال الجزئي في الروح عن المشرق وما يتعلق به، فإن صقلية كانت تشعر
стр. 308
بحكم موقعها القريب من إفريقية وعلاقاتها بها أنها جزء من إفريقية، وكان استقلالها في المذهب قد أخذ يباعد قليلا بينها وبين الشرق حتى إن أحد الصقليين حين هاجر إلى العراق م يستطع أن يشهر بالفقه لأنه وجد الناس قد انصرفوا عن مذهب مالك، ولا بعلم الكلام لأنه لم يكن قادراً على أن يسبق العراقيين في هذا المضمار فحول اهتمامه إلى اللغة العربية (١) . وهذا الشعور بالمغربية يتجلى في تحميل الشعر مدح مالك ومذهبه، وفي استيلاء جزئية على مخيلة الشاعر هي القول بالشمس التي تطلع من المغرب وخاصة في الغزل كما في قول أحدهم:
أهذه الشمس التي قلتمُ ... تطلعُ للناس من المغرب وقول الآخر:
أيأسني التوبةَ من حبه ... طلوعه شمساً من المغرب وسافر أحد شعراء المغرب إلى المشرق ثم عاد فكتب إلى ابن حمديس فأجابه هذا بقصيدة (٢) يقول له فيها إنه طلع على مصر فقالوا هذا هلال طالع من المغارب، وفي مصر نيل ولكن في المغرب البحر والمحيط:
طلعتُ على مصر ونورك ساطعٌ ... فقالوا هلال طالعٌ من مغاربهْ
وفي المغرب البحرُ المحيط وقد علا ... على نيل مصر منه مد غواربه وبهذا الموقع كانت صقلية أيضاً حصناً يدافع عن بلاد الإسلام، فهي التي تتلقى الضربة الأولى دائماً، أي هي ثغر على الحدود بين عدوين أحدهما في الشمال والثاني في الجنوب. وبهذا الشعور تنظق أشعار ابن حمديس في حديثه عن الثغر وبني الثغر وفي مثل قوله:
صقلية كاد الزمان بلادها ... وكانت على أهل الزمان محارسا
стр. 309
والخلاصة أن صقلية بموقعها وببحرها وروحها الحربية استطاعت أن تتحكم في توجيه الأدب ولكنها لم تستطع أن تتحكم في تكوينه، وإذا كان هناك شاعر يمثل جوانبها المتعددة في وصف الخمر والبحر والجهاد، وفي الروح الدنيوية وفي قوة التعبير عن هذه جميعاً فهم ابن حمديس، ومع ذلك فإنه تكوين لم يتم لأنه فقد صقلية وهو اشد ما يكون تعلقاً بها، ومن ثم صهرت كل هذه الاتجاهات عنده في شعور بالوطن قد لا نجد له مثيلا عند أي شاعر آخر رثى وطنه.
٤
- صقلية بين التأثر والتأثير
ويحكم هذا الموقع أيضاً كانت صقلية متأثرة مؤثرة؟ كانت تستقبل المؤثرات الخارجية المهاجرة أليها من الكتب والمهاجرين على اختلاف مهنهم، وظهر هذا التأثر في فنها، حتى لم يعثر دارسو الفن في صقلية الإسلامية على ما يميزها فيه عن سائر الأقطار الإسلام، وظهر كذلك في شعرها وخاصة في صورته التقليدية - كانت متأثرة حين تعتبرها جزءاً من بلاد الإسلام، وكانت مؤثرة حين تعتبرها جزءاً من ذلك العالم متفوقا على ما حوله في الحضارة، حتى كانت حضارتها مما تقتبس، وكان مبلغ من الجودة في الأشياء عند بعض العارفين بالحضارة الإسلامية انه شئ يعجب اليونان والمسلمين، وهذه الحضارة هي التي احبها النورمان وشجعوها وجاء من بعدهم فردريك الثاني منفريد وسارا على منوالهم (١) .
وقد كان فردريك شخصية ذات جوانب متعددة فهو شاعر محب للفلسفة وتربية الحيوانات والتريض والصيد، وهو مشرع مستنير يضطهد المارقين، ويصادق اليهود والمسلمين، ويحسن لغات عدة ويقول فيه معاصره سالمبين:
стр. 310
" لو أنه أحب الله والكنيسة لما كان له إلا أشباه قليلون! " وقد أصبحت شخصيته في عهد مبكر موضوعاً للأساطير وصوره الدينيون عدوا للمسيحية، حتى جعله يصلي اللظى في الجحيم مع ملحدي الأبيقوريين، وهو في القصص الشعبي الألماني يشبه " المهدي المنتظر " متلبث في الكهوف بين الجبال يرقب اليوم الموعود ليرجع فيعيد الإمبراطورية ويخلص المظلوم. وقد كانت الثقافة الإسلامية ذات أثر فعال في حياته وتتحدث المصادر العربية أن الذي رباه وهو صغير قاضي صقلية وتصفه هذه المصادر بأنه كان فاضلا محباً للحكمة والمنطق والطب (١) .
في بلاط ملوك النورمان، وفي بلاط فردريك الثاني وابنه منفريد كان الشعراء المسلمون ينشدون قصائدهم إلى جانب شعراء اليونان واللاتين. وليست لدينا الشواهد التي تظهر مقدار الصلة بين هؤلاء الشعراء ولكن كل الذي نعرفه أن مدرسة صقلية تنظم الشعر باللغة الدارجة تكونت في بلاط غليالم الثاني، وبلغت ذروتها حول فردريك، الذي كان عارفاً باللسان اللاتيني واللغات الدارجة في
стр. 311
إيطاليا وفرنسا، الذي كان يجتذب إلى بلاطه رجالاً ممتازين في العلم والأدب (١) ولا شك أنه تمم في عصره وبتأثير منه تقدم في تركيز الألفاظ والشكل والشعر فقد اجتمع في بلاطه شعراء من عدة جهات لهم لهجاتهم المحلية فتخلوا عن كثير من محليهم واتخذوا نموذجاً من القول يناسب المقام، ومن المنتظر أنهم فضلوا اللهجة الصقلية على غيرها في نظمهم (٢) وصقلوا لهجاتهم ونبوها الخشونة والشذوذ اللذين فيها (٣) .
ولكي نتصور الحال الأدبية لابد أن نذكر أن النظم حينئذ كان ألهية البلاط، كان فردريك وابناه ومستشاره يتابعون هذه الهواية، وكان الكتاب والقضاة والمحامون يخففون عبء الزمن البطيء بالنظم، حتى إن أحدهم تقدم مرة إلى فردريك وأنشده قصيدة فتوجه بإكليل ولقبه " ملك القريض " (٤) .
حينئذ كان الأدب باللغة الدارجة قد أخذ ينافس الأب باللاتينية، ففتح أمام الناس ينابيع جديدة تهيء لهم التمتع بالحياة. وفي بلاط فردريك أخذ الوزن الشعري صورته التي جرى عليها الشعر الإيطالي فيما بعد (٥) . وبدأت فيه بوادر القافية وأشكال معنية من الشعر منها Tenzone، Canzone.
ولكن هذا الشعر الذي نشأ في بلاط فردريك تقليدي محافظ ضحل، أولا لأنه نتاج جماعة أرستقراطية، وثانياً لأنه ترسم مثلا معنية كان قد جرى عليها شعر بروفانس مدة طويلة فتحجرت. فما كان من هذه المدرسة الصقلية وتقليدا لتلك الأمثلة بلغة جديدة فهو شعر ضعيف البنية في مهده، ولابد أن يظهر فيه الحبيب المهجور كالأوزة التي تغني أغنيتها الأخيرة، وهي تطلع في الغيب على
стр. 312
دنو المنية. وشعلة الحب كالذهب المصفي، وبسمة من الحبيبة تسوي الجنة، فهي وردة وزنبقة ونجم ومرآة للأنوثة، وهي تقتل بعينيها، وحبيبها في لظى الحب، ولو استطاع أن يعبد الله كما يعبدها لدخل الجنة (١) .
ومن العسير الشاق أن نحدد للشعر العربي صلة بهذه المدرسة من ناحية أو بالحركة الشعرية عامة في صقلية وجنوبي إيطاليا.
فالشعر الصقلي العربي قليل إذا كانت مشكلة التأثير موضوع البحث، وليس بين أيدينا منه شيء من الموشحات أو الزجل وهي التي أحدثت أثراً في شعراء التروبادور بجنوبي فرنسا، ثم إن الشعر الذي بقى من المدرسة الصقلية قليل أيضاً يجعل إثبات المسألة صعباً. ولكن الذي حدث فعلا هو أن الاتصال الحضاري بين المسلمين وغيرهم بصقلية وجنوبي إيطاليا، ثم تلك النهضة العلمية التي كانت في بلاط ملوك النورمان وعند فردريك وابنه، قد خلقت في الواقع جواً من الحيوية هو مجال التأثر. وقد كان أمثال يوجين في عهد غليالم الثاني يعرفون اللغة العربية ويترجمون عنها كتباً ليست كلها ذات صبغة فلسفية أو رياضية، فلم لا يكون أمثال يوجين ممن ينظمون ويشتغلون بالدراسات العربية قابلين للتأثر؟ ورب قائل يقول إن الضعف الذي تمثل به الشعر الصقلي يجعل من العبث أن نتخذه أداة للتأثير في غيره هذا الضعف الذي نراه نحن اليوم لا ينفي ان هذا الشعر كان يمثل في عصره اتجاهات معينة.