تؤكد ضياع لك الملك الذي كان - ضياع قوة الشباب، ولكن الشاعر قد نسى واقعه وهو يخلق هذه القصيدة، وعاش في فترة الشباب يوم كانت تلك الملكية من أدواته.
وسواء أحس الشاعر أم لم يحس بضعفه فإنه لجأ إلى أمور يخفى بها وجه ذلك الضعف، فاستمد من روح الفتك القديمة بعض تعابيره:
خطبنا بنات لها أربعا ... ليفترع اللهو أبكارها وتلاعب تلاعباً جميلاً - لفظياً كان أو معنوياً - ليزين الصورة:
طرحت بميزاتها درهمي ... فأجرت من الدن دينارها أو جانس في اللفظ أو اتكأ عليه - كما كانت تضغط يده على العصا - وهو يشد على الحروف شداً يخيل إليك معه أنه يفتعل القوة افتعالا.
فالساقية " زرّرَت " أزرارها والقيان " سكَّنت حركات الأسى، وواحدة منهن " تقبل " مزمارها والشمع عمد " صفَّفت " وهي " تقلّ " الدجى على هامها وكأنها " تسلط " عليها آجالها " فتمحق " أعمارها والأسى " يهيج " التذكار وهكذا في كل قصيدة حتى لتستطيع أن تصلح بعض الروايات في قراءة أبيات معنية منها فابن حمديس لا يقول في هذه القصيدة " وراهبة أغلقت ديرها " ولكن يقول " غلقت " ولا يقول تثور فيقتل ثوراها وإنما يقول " فإن ثرن قتل ثوارها " حتى إذا انتهى الوصف في هذه القصيدة ووقفت الحركات، وقف ابن حمديس - كما يفعل دائماً - وقفة الحزين الذي يجر لحنه الأخير جرا ليشعرنا بأنه قارب النهاية فقال:
ذكرت صقلية والأسى ... يهيج للنفس تذكارها
ومنزلة للصبا قد خلت ... وكان بنو اللهو عُمارها
فإن كنتُ أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها وعند هذه الغاية نشهد آدم القديم يتحدث عن نفسه وعن لجنة التي أخرج
стр. 247
منها. غير أن آدم أخرج من الجنة حقا فهل خرج ابن حمديس من جنته مختارا أو وجد من أخرجه؟ ويعود هذا التساؤل يثير الحيرة في غربة مختارة أو غير مختارة، وحسبنا أن حمديس يقول إنه أخرج من هذه الجنة دون أن يذكر لنا الخطيئة التي أخرجته أو الثمرة المحرمة التي أكل منها. ولكن من تتبع ابن حمديس في ديوانه يجد " الذنب " شبحاً يلاحقه كقوله في غربته (١) :
ألم ترَ أنا في نوىً مستمرة ... نروح ونغدو كالمصر على الذنب وقوله في الصحراء (٢) :
كأنك في ذنب عظيم بقطعها ... فأنت إلى الرحمن منه تتوب وتتردد صورة آدم في نفسه فيقول (٣) :
قد كنت في عهد النصيح كآدم ... لكن ذكرتُ هوى الدمى فنسيت ولست أرى بأساً من اعتبار ابن حمديس تحت ظل ذنب معين بهذه الأبيات وغييرها.
نعم إنه آمن بأن حياة اللهو كانت ذنوباً، وأظهر الندم عليها في آخر عمره، وكانت صورة جده الشيخ الناسك الذي ضمه إلى صدره تتعرض من وراء السنين لتنظر إليه نظرة لوم على حياته اللاهية، ولكن لعل الخطيئة الكبرى كانت تشغل حاله، والخطيئة الكبرى في حياته أنه قصر حتى في حق وطنه، وإذا كان آدم قد نسى فأكل من الثمرة فإن ابن حمديس نسي الثمرة حين كانت في حاجة إلى رعايته. لقد رأيناه يحرض الصديق على أن يموت دفاعاً عن وطنه فلم لم يقل هذا لنفسه؟ ورأيناه دائماً يتمدح ببطولة قومه ليمدح نفسه فيهم، ويتستر وراء حادثة أن اثنتين باشر فيهما العمل فعلاً من أجل وطنه، ولكن ضميره كان يحدثه
стр. 248
بالذنب الذي ارتكبه، ومن ذلك الذنب نجمت طائفة كبيرة من الحزن الذي ظل يصبغ حياته حتى لقي الأجل، وقد كنا نتساءل خرج من صقلية فدعنا نسأل لم لم غليها، ففي الجواب على هذا السؤال تفسير لفكرة الذنب. لقد قال لنا إنه يعيش في ظل مثل معنية ولا يطيق أن يرجع إلى بلد فقد حريته:
ولو أن أرضي حرةٌ ... بعزم يعدٌ السير ضريه لازب
ولكن أرضي كيف لي بفكاكها ... من الأسر في أيدي العلوج الغواصب وحدثنا أنه يطلب العلا وتكلم عن ذلك كلاماً مبهماً. أما في الحقيقة فإنه لم يرجع لأنه كان يتمثل وطنه عاتباً عليه، وكان ذا حس مرهف بمرارة ذلك العتاب، فآثر الغربة ليغسل بدموعه ما كان يعده ذنباً. لم تكن عودته مستحيلة حتى أيام الحكم النورماني، وكان أهله يكاتبونه لعله يعود، فكان يقول لهم: كيف أعود إليكم وأمري بيد القضاء وبأي عين أراكم شيوخاً بعد أن عرفتكم شباباً، وتروني شيخاً بعد أن عرفتموني غلاماً، ولم تغربت؟ ألا تذكرون أنني أطلب العلا (١) :
وكيف أرى لي قْصدَ وجهي إليكمُ ... إذا كان في كف القضاء زمامي
وما هي إلا غربة مستعمرةٌ ... أرى الشيخ فيها بعد سن غلام
كأن قذالي بالقتير معوضٌ ... قبيلة سام من قبيلة حام
وما شيبَ الإنسان مثلُ تغربُ ... يمرّ عليه اليوم منه كعام
وهل رحتُ إلا طالباً بالنوى علاً ... كأني منها للنجوم مسام لم يكن ابن حمديس كاذباً في حزنه على وطنه وما صار إليه قومه، ولكنه كان مغلوباً بطمع واحد صرف قوته في وجهة أخرى - ذهب يطلب العلا - ولا أستطيع أن أفهم من هذه العلا إلا أنه ذهب يطلب الشهرة بالشعر. كان ذلك هو حلمه منذ أن أصبحت تطيعه القوافي - وإن لم يصرح لنا بهذا - ولم تكن
стр. 249
صقلية المحدودة تسع أطماعه المترامية، وخرج وهو يقدر أن يعود، ثم أرادت له الأقدار شيئاً آخر فلم يعد يستطيع أن يرجع إلى صقلية ليعيش مادحاً لقوم أعلن عليهم سخطه، ورآهم سبب المصيبة التي حلت بوطنه، ورضى بالغربة ليبكى تقصيره في حق الوطن، ولم تطمئن به حاله حيث وقع، لولا أملٌ كان يراوده بأنه سيكون شاعراً كبيراً في بلاط أمير كبير.
٤
- الآثار التي تركتها صقلية في نفسه وشعره
كثرت المؤثرات في حياة ابن حمديس وفي شعره بعد صقلية - زادت تجاربه في الحياة، واتسعت ثقافته، وأخذت وقدة الشباب تخمد في كيانه، واحتضنته بيئة أو بيئات جديدة تغاير صقلية في مؤثراتها ومظاهرها، فاصبح في شعره مجال للتجربة التي تهيئها السن، ومجال آخر للثقافة التي يزوده بهها الدرس. وبعد أن كانت صقلية تريد لشعره أن يسلم من وصف الناقة والرحلة للمدوح، ووصف الأطلال عادت البيئة الإفريقية فأمدته بهذا اللون، وأملت عليه الحروب المتتالية بين إفريقية وصقلية أن يفسح للدين والجهاد في سبيل الإسلام - بدلا من الجهاد في سبيل الوطن - موضعاً في شعره.
ولكن هذه الحياة بما فيها من ألوان لم تستطع أن تنسيه صقلية إذ لم يكن لها قبل بمحو الشباب وذكرياته، بل لعل صقلية ظلت أقوى من كل مؤثر جديد إذا كان صدق الشعور دليلنا على قيمة كل مؤثر، جديداً كان أو قديماً. وما كان ابن حمديس يتحدث عن شعوره ببساطة صادقة مزودة بشعلة عاطفية، إلا حين كان يذكر صقلية أو شيئاً يتعلق بها، وما كان يصحو إلى حقيقة وجوده المنطوي على مأساة، إلا حين كان يبلغه كتاب من قريب أو صديق أو
стр. 250
يصلى نعي قريب صقلي أو صديق - وكانت أكثر ذكرياته من وطنه تتصل بمتعة الشباب وصداقاته، أي تتصل بالأشخاص، وفي إحدى القصائد نراه يذكر الوطن بأزهاره فقد رأى النيلوفر مرة وقال:
هو ابن بلادي كاغترابي اغترابه ... كلانا عن الأوطان أزعجه الدهر وهذه العلاقة بالناس وذلك الحب لهم يفسران لنا جانباً هاماً من شخصية ابن حمديس الشاعر الذي كان يحب الجماعة ولا يقوى على العزلة، آما النقمة التي قد تصادفنا في ديوانه على الناس وأهل الدهر فنقمة عارضة تمليها حوادث عارضة.
ولما كان هذا البحث لا يتحمل دراسة الآثار التي تركتها صقلية في نفسه وشعره بالتفصيل - لأن شعره أثناءها بغير صقلية - فإني أجمل تلك الآثار إجمالا:
١ - قضى ضياع الوطن بتغير فلسفته في اللذة - كما أشرت من قبل - وبعد أن كانت الخمر غاية في نفسها أصبحت عوناً له على نسيان الهموم. ولقوة همومه أصبحت الخمر أداة تحركها بدلا من أن تخمدها، وقد لمح هو هذه الظاهرة في حياته، في قصيدة لعلها من القصائد التي قالها بعد سقوط صقلية فقال:
يجر على شرب الراح هما ... ويورثُ قلبي الشدوُ اكتئابا
وفي خلق الزمان طباع خلف ... تمررُ في فمي النغب العذابا ٢ - ومن ثم اتصل الحزن بقلبه وبحياته، فقضي طول عمره يبكي مصائب الناس ويشاركهم في أتراحهم. نعم إن نصيبه من الشعور الإنساني كان وافراً ولكنه كان في كل مصيبة جديدة يبكي صقلية القديمة، وكانت الجزيرة تحضر
стр. 251
في نفسه دون استدعاء واستجلاب، لأنها دائماً حاضرة لا تغيب. وقد يفهم من هذا أن بكاءه مع الآخرين كان تظاهراً، ولكن الأمر لم يكن كذلك فإن صقلية كانت تتمثل له في كل حزن فيبكي مصائب الآخرين بشعور من الحزن عميق الجذور، وذلك التمثل الدائم قد جعل حزنه في كل مرحلة وعند أية مصيبة يظهر صادقاً، وكانت كل فاجعة لديه تمثل له بناء ينقض لأمرين: لأن صقلية تهدمت وأصبح يراها طللا - ويبكي الأطلال من أجلها - ولأن ابن حمديس بناء كانت الأعوام تشرف به على السقوط. وحده بكائه على ماضيه مستمدة من علاقة هذا الماضي بصقلية، ومن ثم عاش في ذلك الماضي، فكان كالرحالة الذي يحدث عن عجائب ما رأى، وكان في استطاعته أن يكبر تلك الذكريات ويضخمها لأنه كان يطل على مشارف كل حاضر يجد من ابعد نقطة فيه، ومع ذلك فإن ابن حمديس لم يغل في لك.
٣ - واستولى عليه الشعور الدائم بالغربة وفي هذا وحده دليل كاف على أن البيئات الجديدة لم تكن تتجاوب مع قلبه. وقد بدأت الغربة في حياته حقيقة تتصل بيوم الفراق، وانتهت أكبر حقيقة تاريخية عاطفية في حياته ولما شاء أن ينظر إلى أول يوم أزمع فيه الرحلة، قرنه بالتنبؤ لها، وأنها ستكون رحلة وحسب، طرفها الأول يوم الفراق وطرفها الثاني الأجل. وربما لم يكن لهذا التنبؤ من وجود ولكن عز عليه أن لا يكون للاشفاق من فراق الوطن نصيب في قلبه منذ البداية وإلى هذا يشير قوله:
وقالت غرابيبٌ دَرجنَ ببينه ... سيستدرج الأيام وهو غريب
فما كان إلا ما قضي بالها به ... فهل كان عنها الغيبُ ليس يغيب؟ وتنبه هذا المعنى - الغربة - في حياته لما مات أبوه، وأصبح يرى في وطنه منبعاً يقذف بالغرباء سواء في ذلك من يموت أو من يرحل:
стр. 252
ورحت إلى غربة مرّة ... وراح إلى غربة ساجيه ولما توفيت عمته لم يؤلمه شيء بقدر ما آلمه أنها ماتت غريبة:
فيا ليتني شاهدتُ نعشك إذ مشى ... حواليه لا أهلي حفاةً ولا صحبي
ودفنك بالأيدي الغريبة والتقت ... مع الموت في إخفاء شخصك في حدب وحسبك أنه رجل لم يطمئن به جنبه في أي مكان حله، حتى إنه ليحس في الثمانين أنه غريب، وقد كان من المنتظر أن ينسيه مر الأعوام أمله بالعودة إلى الوطن، ويمهد وطناً جديداً، ولكن الأعوام زادت شعوره بأن الوطن في ذلك الاتجاه الواقع على مسافة كذا من حيث يسكن، وظل ينظر في تلك الوجهة إلى البقعة التي انتزع منها. رجل في الثمانين من عمره لا يزال يحس أنه غريب أي بعد مضى ست وخمسين سنة منذ أن خرج من وطنه؟ إن كان لهذا دلالة فإن معناه أن الوطن كان؟ كل شيء في حياته - وليس كثيراً أن يكون أي أثر إلى جانبه سطحياً، وفي سن الثمانين قال يرثى ابنته (١) :
أراني غريباً قد بكيتُ غريبةً ... كلانا مشوقٌ للموطن والأهل
بكتني وظنتْ أنني مت قبلها ... فعشت وماتت وهي محزونة - قبلي - ومن هذا الوجد الشديد تشخصت الغربة في نفسه فلم تعد معنى مجرداً هائماً، وإنما أصبحت هي ابن حمديس، فإذا ذكرت الغربة أو دعيت أجاب:
أنا من صاح به يوم النوى ... عن مغانيه غرابٌ فاغتربْ
طفت في الآفاق حتى اكتهلت ... غربتي واحتنكت سن الأدب وتلك الغربة التي اكتهلت هي ابن حمديس الذي اكتهل.
٤ - وبقدر ما عمقت صقلية شعوره بالحزن لم تستطع أن تخلق له " مشكلة " يحاكمها ويحوم حولها ويحاول حلها، كان الحزن في حياته ذكريات متصلة وحلماً
стр. 253
طائفاً من عالم الماضي، ولكنه لم يصبح في حياته فلسفة ولا كان نتاجاً لها، حتى الموت ظل حيث كان - ظل تلك القوة الجبارة التي تتخطف العصم وتردى عقاب الجو - كما رآه أبو ذؤيب ذات مرة، أما هو فلم يسأل نفسه عن التناقضات التي طرحته الحياة فيها، ولم تتعقد في نفسه مشكلة الوجود أو مشكلة الفناء، ولم يصرخ ثائراً لأنه غريب، بل لم يستفد من هذه الغربة في المكان فلسفة الغربة الإنسانية عامة، - كان يشعر دائماً بالعجز إزاء كل مشكلة فيتركها لنفسها، وكان ليطمئن نفسه بعجز الطبيب الذي لا يرد العوداي عن نفسه، ويعجز الفيلسوف " عن طرق ليست لأهل العقول منسلكة "، وبعجز القائد القوي الذي لا يغني عنه سلاحه. وظل ينحدر في درجات السلم لا ليسأل نفسه إلى أين ولكن ليعد تلك الدرجات، أربعون، خمسون، خمس وخمسون، ستون، ست وستون، كان مشفقاً من أن يبلغ النهاية ولما بلغها كانت صقلية لا تزال على شفتيه، والغربة لا تزال محور حديثه، وكانت الشيخوخة قد حالت بينه وبين رؤية مشاهد الوجود بعينيه، لير - بعين المخيلة - صقلية وشبابه فيها.
стр. 254
الفصل السادس
حياة الشعر في العصر النورماني
١ - شعر هذا العصر من حيث الكم والاتجاه
٢ - وصف القصور والمتنزهات
٣ - الشعر في البيئة الإسلامية
٤ - مقارنة بين الشعر في البيئة الإسلامية والشعر في البلاط النورماني
стр. 255
فراغ
стр. 256
١ - شعر هذا العصر من حيث الكم والاتجاه
كل ما تبقى من شعر هذا العصر هو ما اقتبسه العماد عن ابن بشرون المهدوي الصقلي، وهو عثمان بن عبد الرحيم بن عبد الرزاق جعفر بن بشرون بن شبيب من قبيلة الأزد. وهو صاحب كتاب " المختار من النظم والنثر لفاضل أهل العصر ".
وهذا القدر الذي بقي يشمل أثنى عشر شاعراً (١) ، عاشوا في الفترة الأولى من العصر المشار إليه أي أنهم في الغالب عاصروا رجار الثاني، وليس هناك ما يدل على أن بعضهم عاش في زمن ابنه غليالم الأول. وكل ما نملكه من الشعر الصقلي في عهده نقش في قصره المسمى بالعزيزة (٢) . وهناك نقش آخر في مدح غليالم الثاني وذكر لفقيه صقلي اسمه الشيخ أبو الحسن علي بن أبي الفتح بن خلف الأموي الصقلي (٣) في زمنه أيضاً كان له بابن قلاقس علاقة. وإلى عهد غليالم الثاني يضاف ما قاله ابن قلاقس في مدح أبي القاسم بن حمود وغيره من رجالات صقلية. أما الشعر المهاجر في هذا العصر إلى الجزيرة فلدينا منه شعر الإدريسي الجغرافي (٤) وذكر ليحيى الشاعر القفصي التيفاشي (٥) الذي كان في صقلية أيام غليالم الأول، وقتل في الثورة التي ذبح فيها المسلمون سنة ٥٥٠هـ وقصيدة لشاعر آخر من بني رواحة في مدح صاحب صقلية حين انكسرت به سفينة
стр. 257
وأسر (١) ، وقصيدة للشيخ أبي الحسين بن الصبان المهدوي (٢) تدل على أنه كان في صقلية.
في هذا العصر انفصلت صقلية بتاريخها عن ممالك الإسلام وأصبحت أحداثها الداخلية التي لا تهم العالم الإسلامي غامضة، وأصبح الشعراء في بيئتهم منعزلين لا تربطهم روابط بالمسلمين توضح حالهم، ولولا أن ابن بشرون عاش في الجزيرة مدة وخصص من كتابه فصلا لشعرائها، ولولا أن العماد اطلع على هذا الكتاب لجهلنا ما نعرفه الآن عن حياة الشعر في صقلية النورمانية، فليس من الغريب أن لا نسمع من شعراء مسلمين في بلد غليالم الثاني أو فردريك الثاني وابنه منفريد فيما بعد، لأنه إن كان هناك شعراء حقاً فإنه لم يسعفهم الحظ بابن بشرون آخر يدون آثارهم فتخترق حدود الجزيرة إلى غيرها. وحتى القدر الذي أورده العماد عن ابن بشرون ليس كاملا في أجزائه لأن الأصبهاني حذف أكثر الشعر الذي وجده في مديح الكفار، وصرح بذلك في قوله " واقتصرت من القصيدتين على ما أوردته، لأنهما في مدح الكفار فما أثبته " (٣) ولدينا شاعر هو عبد الرحمن بن رمضان المالطي ويصفه ابن بشرون بأنه كان غزير الشعر، وأنه استنزف جهده في مدح رجار، ومع ذلك فليس هنالك في شعره الموجود شيء من مدائحه.
وهؤلاء الاثنا عشر شاعراً فيهم نحوى وفقيهان وأربعة غلب عليهم الشعر وخمسة كانوا كتاباً. ولا بد من الإشارة إلى غلبة النثر على المشهورين في هذا العصر والذي سبقه، وهذه حقيقة هامة لا تسعفنا المصادر كثيراً في تصور مظاهرها ونتائجها وعلاقتها بالشعر، ولا تمكننا من القول بأن صقلية في العصرين أنتجت نثراً خصباً يوازي نشاطها في الشعر، أما أولا فلأننا لا نعرف لها نثراً كثيراً
стр. 258
وأما ثانياً فلأنها في الواقع اتجهت إلى الشعر اتجاهاً جعلنا نحكم لها بكثرته. ولقلة هذا الموجود من النثر لا نستطيع أن نحكم له بالتفوق على الشعر، إلا أن في رسائل ابن الصباغ في العصر السابق والنثر الذي أورده ابن بشرون كمية - على قلتها - تعطينا فكرة طيبة عن النثر في صقلية، فهو نثر عامر بالحياة فيه صنعة ولكنه ذو موضوع حي.
ومهما يكن من أسباب فإن الذين أخلصوا للشعر وحده أبين شخصية ممن غلبت عليهم نواح أخرى من النشاط، فلابن الخياط وابن حمديس وأبي العرب الصقلي مشخصات بينه على قلة ما نملك من شعر الأول والثالث، أما شعراء العصر النورماني فليس فيهم شاعر يهيء لنا شعره رسم صورة عامة لشخصيته.
ولابد من أن نقرر منذ البدء أن الشعر في العصر النورماني عاش في بيئتين في كل منهما خصائص اجتماعية ونفسية مختلفة، ولذلك نستطيع أن ندرس هذا الشعر على أنه قسمان:
(أ) شعر يتصل بالملك النورماني وبلاطه وفيه المدح ووصف المباني والمتنزهات الملكية وفيه الرثاء لأقرباء الملك أو أبنائه فالشاعر عبد الرحمن المالطي أكثر شعره في مدح رجار " يسأله العودة إلى مالطة، ولا يحصل منه إلا على المغالطة " وعمر بن حسن النحوي الصقلي وقع أسيراً في يد النورمان فهو يمدح رجار لعله يطلقه: وعبد الرحمن البثيري وابن بشرون وعبد الرحمن الاطرابنشي من الوصافين لقصور رجار ومتنزهاته، وأبو الضوء سراج الكاتب يرثى رجار الابن البكر لرجار الثاني.
(ب) شعر يصور حياة المسلمين وعلاقاتهم فيما بينهم وفيه العتاب والمدح والرثاء وشعر الرسائل، أو يصور أموراً ذاتية كالغزل بالمؤنث والمذكر وشعر المجون.
стр. 259
٢ - وصف القصور والمتنزهات
ولأتناول من هذا الشعر ما يتصل بوصف القصور والمتنزهات فإنه الموضوع الذي يبدو - لأول وهلة - أنه مليء بالحياة، وهذا يضطرني أن ألم عاجلا بشيء من حال بلرم نفسها ومن قصورها ومتنزهاتها التي جدت في العصر النورماني. ولا شك في أن البساتين والمياه والأرجاء والقصور كانت أهم مظهر للمدينة في العصر الإسلامي واستمر هذا المظهر وازداد في العصر الذي يليه، وشهادة المعاصرين فيه تكفي في هذا المقام. يقول الإدريسي (١) : " والمياه بجميع جهات صقلية مخترقة، وعيونها جارية متدفقة، وفواكهها كثيرة ومبانيها ومتنزهاتها حسنة تعجز الواصفين، وتبهر عقول العارفين، وهي بالجملة فتنة للناظرين " ز وجاء بعده ابن جبير فلم يملك نفسه من إظهار إعجابه بها (٢) " فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر، ومراد عيش يانع أخضر. عنيقة أنيقة، مشرقة مونقة، تتطلع بمرأى فنان، وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان؟ يشقها نهر معين وتطرد في جنباتها أربع عيون، قد زخرفت فيها لملكها دنياه؟ (فهو) يتقلب من بساتينها وميادينها بين نزه وملاعب. فكم له فها - لاعمرت به - ممن مقاصير ومصانع؟ إلخ " ويقول هوجو فلقندو (٣) " ومن ذا الذي يستطيع أن يعبر عن إعجابه بالبنايات المدهشة في هذه المدينة وبكثرة ينابيعها المنبثقة هنا وهناك، وحلاوة أشجارها الدائمة الخضرة وقنواتها التي تمد السكان بما يحتاجون، ومن ذا الذي يستطيع أن يستوفي وصف جمال السهل الأفيح؟ يا للسهل البهج السعيد
стр. 260
الذي يحمل في أحضانه كل نوع من الأشجار والثمار، ويبدي للعين أنواع المباهج، ويسحر كل ناظر ويخلب قلبه، فلا ينفك من رآه يصبو إلى مناظرة، هناك ترى الكروم التي قد أرسلت فروعها واسترسلت في خضرتها، وهناك جنات يثني المرء على آلائها وأبراجها المخصصة للفرجة والحراسة، وهناك أرحاء الماء ودلاؤه صاعدة هابطة؟ " ويمضي فلقندو في هذا الاستقصاء فيذكر أنواع الثمار من الرمان الحلو والحامض والليمون والبرتقال واللوز وأنواع التين والزيتون والنخيل والقصب.
أما القصور فقد بني منها ملوك النورمان قصر الفوارة وقصر العزيزة وقصر القبة وكثيراً غيرها، وقد أمر رجار بأرض واقعة على فرسخ من لرم، فجعل هناك بركة، وأمر بأن يوضع فيها السمك من كل نوع وعلى مقربة منها بني قصراً جميلا رائعاً هو الذي عرف بقصر الفوارة، كان يمكث فيه أيام الشتاء وأثناء الصوم لكثرة السمك هنالك. أما في الصيف فكان يفر من الحرارة ويقصد المتنزه ليسلى نفسه بالصيد. والمتنزه جبال وغابات حول بلرم أحاطها رجار بالأسوار، وجعل منها متنزهاً جميلاً غرست فيه أنواع الأشجار وربيت بينها الحيوانات، وعنده بني قصراً يجلب إليه الماء بالقنوات الأرضية (١) وليس هنا مكان وصف الفن المعماري والفسيفساء في هذه القصور، أو الآثار الإسلامية فيها، فذلك موضوع متصل بالفن، ولكن هذه الصورة الوصفية تهيئ الجو لتناول الشعر الصقلي الذي قيل في وصف القصور والمتنزهات.
في هذا الجو عاش البثيري الصقلي فهو يصف المباني التي أنشأها رجار في قصيدة يمدحه بها فيقول:
وقصورُ منصورية ... حطٌ السرورُ بها المطيه
واعجبْ بمنزلها الذي ... قد أكملَ الرحمنُ زيه
стр. 261
والملعب الزاهي على ... كل المباني الهندسية
ورياضهُ الأنفُ التي ... عادت بها الدنيا زهيه
وأسود شاذَ روانه ... تهمي مياهاً كوثريه
وكسا الربيعُ ربوعها ... من حسنه حللاً بهيه
وغدا وكلل وجهها ... بمصبغات جوهرية
عطرنَ أنفاس الصبا ... عند الصبيحة والعشيه والشاعر يذكر في هذه القصيدة المنزل والملعب والرياض والأسود التي تتدفق المياه من أفواهها، ثم يلتفت ألوان الأزهار وعطرها الذائع في الصباح والمسا - " يذكر " فقط ولا شيء وراء هذا الذكر لأنه أعجز من أن يعبر عن إعجابه فهو يطلب إلينا أن نعجب بكل هذه الروائع، وهو كشعراء الطبيعة في العصر السابق ينظر إلى الأجزاء ويعدها، إلا أن الفرق بينه وبينهم أنه هنا غير مهتم بالتشبيه اهتمامهم، ليس لأنه عاجز عن توضيح هذه العناصر بما يقاربها، ولكن لأنها اقوى منه فغلبته بفكرة تفوقها، وأن لا شيء يدانيها، فاللعب يزهو على كل المباني، والرياض الأنف تزهو بها الدنيا، ومنزلها قد أكمل الرحمن زيه، وبيئته الشاعر الدينية قد أسعفته شيئاً ما في تصوره الجنة مثالاً أعلى لهذه القصور والمتنزهات البديعة، ومع ذلك فاي فرق بين هذا الوصف وبين قطعة فلقندو في تعداد أنواع الثمار ومحاولته الإفضاء بإعجابه بتلك المناظر والقصور؟ بل وربما كانت قطعة فلقندو أكثر انفعالاً من قطعة البثيري.
وعرض البثيري الشاعر قصيدته هذه على ابن بشرون وطلب إليه أن يعمل على وزنها ورويها فقال:
لله منصوريةٌ ... راقتْ ببهجتها البهية
وبقصرها اَلحسن البنا ... والشكل والغرف العليه
وبوحشها ومياهها ال؟ ... غزو العيون الكوثرية
стр. 262
فقد اكتستْ جناتها ... من بينها حللاً بهيه
غطى عبير ترابها ... بمدبجات سندسيه
يُهْدي إليك نسيمها ... أفواه طيبٍ عنبريه
واستوقفتْ أشجارها ... بأطايب الثمر الجنيه
وتجاوبتْ أطيارها ... في الصبح دأباً والعشيه
وبها رُجارُ نمى العلا ... ملك الملوك القيصرية
في طيب عيش دائمٍ ... ومشاهد فيها شهيه وإذا كنا لا نستطيع أن نتهم البثيري صراحة بعدم التأثر والاستجابة لفتنة القصور والأشجار والمياه، فالأمر مختلف مع ابن بشرون إذ أ، هـ دفع إلى المحاكاة دفعاً فردد ما قاله البثيري أوكاد، وكلاهما ذكر الحلل ووصفها بأنها بهية، واشار إلى الرائحة العطرة التي يحملها النسيم، ثم زاد ابن بشرون ملاحظته للأشجار المستوسقة بأثمارها، وتجاوب الأطيار في أعاليها. وربما لم يغفل البثيري هذين المنظرين لأن قصيدته غير تامة. وتسيطر صورة الجنة على ابن بشرون أكثر من صاحبه فهنا الغرف العلية والعيون الكوثرية والمدبجات السندسية، فالمثال عند الشاعرين واحد.
وكما وقف هذان الشاعران أمام القصور ومتنزهاتها وقف عبد الرحمن الطرابنشي أمام متنزه المعتزية المعروف بالفوارة يقول:
فوارةَ البحرين جمّعْت المنى ... عيشٌ يطيبُ ومنظرٌ يستعظم
قُسمَتْ مياهُك في جداول تَسعةٍ ... يا حبذا جريَانها المتقسم
في ملتقى بحريك معترك الهوى ... وعلى خليجيك الغرام مخيم
لله بحر النخلتين وما حوى ال؟ ... بحر المشيد به المقام الأعظم ففي فوارة البحرين تجمعت لمنى " عيش يطيب ومنظر يستعظم " ولا باس بهذا الجمع لأن المنى لا تجمع الأشياء حسب ترتيب منطقي، ولكن أرأيت
стр. 263
إلى كلمة " يستعظم " كيف أضعفت من شأن المنظر ولم تجعله عظيما بحال، إنها دليل فقر في القدرة على التعبير عند الشاعر. وهذا يجعلنا نلتفت إلى القصيدتين السابقتين ونرى فيهما مثل هذه الظاهرة لا في الألفاظ فحسب بل في ضعف التراكيب في تلك الصيحات التعجبية من مثل: لله منصورية، لله بحر النخلتين، وأعجب بمنزلها.. إلخ لنضيف فقراً آخر قد ذهب بالتأثر الصحيح والانفعال الصادق. ثم ما هذا الانتقال من فوارة البحرين إلى إعلامها أو إعلامنا أنها قسمت في تسعة جداول؟ ثم لماذا " حبذا جريانها المتقسم " هذا عجز يدل على أن الإحساس بالمنظر ميت أو معدوم أصلا في نفس الشاعر.
وطريقة الشاعر في الوصف أن يعدد المناظر التي رآها كلا على حدة كأن يقول:
وكأن ماءَ المفرعين وصفوهُ ... درُّ مذابٌ والبسيطةُ عندم
وكأن أغصانً الرياض تطاولت ... ترنو إلى سمك المياه وتبسم
وكأن نارنج الجزيرة إذ زها ... نارٌ على قُضُب الزبرْ جد تُضرم
وكأنما الليمون صفرة عاشقٍ ... قد باتَ من ألم النوى يتألم
والنخلتان كعاشقين استخلصا ... حذر العدا حصناً منيعاً منهمُ وهذه هي الطريقة التي رأيناها عند ابن حمديس وغيره من شعراء العصر السابق، والخيط الذي يربط بين أجزاء قصيدته هو حروف التشبيه، فإذا وصل إلى النخلتين انصرف عن كل منظر آخر سواهما وأطال الوقوف نسبياً عندهما. ولأورد أبياته فيهما قبل أن أحاول استكشاف السبب الذي دفعه إلى ذلك:
والنخلتان كعاشقين استخلصا ... حذر العدا حصناً منيعاً منهم
أو ريبة علقتهما فتطاولا ... يتّهيبان ظنون من يتوهم
يا نخلتيْ بحْريْ بلرْمَ سقيما ... صَوْبَ الحيا بتواصلٍ لا يُصْرم
стр. 264
هنيما مرّ الزمان ونلتما ... كل الأماني والحوادث نوم
بالله فيئا واسترا أهلً الهوى ... فبأمن ظلكما الهوى يتحرم ولكي نفهم سر هذا العشق للنخلة لابد من أن نعرف أن هنالك معنى مبهماً يحوم الشاعر حوله من أول القصيدة إلى آخرها، ومهما ينصرف عنه فإنه يعود إليه من جديد، وذلك المعنى المبهم هو " الهوى " - الهوى الذي لا يعرف حدوداً، ويكفي أن يكون أي هوى كان حتى يصلح لذلك المسرح الذي يخيم فيه الغرام. ثم لا بد أن نضيف إلى ذلك الهوى المبهم تلك الثنائية التي تأسر الشاعر أسراً قوياً: فالفوارة هي فوارة البحرين أو الخليجين، والبحر بحر النخلتين، والماء يجري في مفرعين، والماء يذكر مع البسيطة كالدر على العندام، والحوت في الماء يقابل الطير في أعالي الشجر، والنخلتان؟ هذه الثنائية تفسر ذلك الهوى المكبوت فالشاعر يرى الازدواج في الطبيعة ويفقده في حياته، وأجل ما يرمز إلى هذا الازدواج النخلتان اللتان ترتفعان بين تلك الأشجار بقامة إنسانية جذابة فهو يدعو للنخلتين بالهناءة طوال الأيام وبأن تنالا الأماني والحوادث عنهما غافلة - دعوات غريبة حقاً. ثم لم كانت الوقفة عند النخلتين لا عند أي شجرتين أخريين؟ وربما كان من أسباب ذلك تفردهما بطول يلفت النظر، وربما كان أقوى من هذا السبب ألفه يجدها الشاعر بين قلبه والنخلة لو كانت مما تورث لقلنا إنها موروثة لأن النخلة بني الصحراء (١) فهي أقرب إلى نفسية الشاعر من أي شجرة أخرى سواء أكان عربي الأجداد أو لإفريقي المنشأة، هي رمز البداوة التي لم تمت من نفسه على الرغم من بعد عهده بها. هذه النخلة جلبها آباؤه أو أجداد ومعها الجمل ليطبعوا على الأرض الصقلية طابع البداوة - التي أرادت أن تنقل الصحراء حيثما انتقلت.
ومهما يكن في هذه الأشعار من ضعف في العاطفة والأسلوب فإنها التفاتة
стр. 265
استطاعت أن تجعل من الطبيعة الصقلية ذات القصور والمتنزهات موضوعاً يوازيها - مع ما هنالك من فروق - إلا وقفات ابن حمديس عند تصور إشبيلية وبجاية. أما شعراء العصر الإسلامي السابق فلم يكن اهتمامهم بهذه الناحية واضحاً.
٣
- الشعر في البيئة الإسلامية
ونخلي هذا الشعر في بلاط الملك النورماني وبين متنزهاته لنرى حال الشعر بين الجماعة الإسلامية، ونطلع على روافده الاجتماعية والنفسية، ونعرف إلى أي حد تأثر بالأوضاع الجديدة. وقد عرفنا من قبل ما صنعه الفتح بالجماعة الإسلامية، وكيف نفي منها الأكثرية المثقفة، وأبقي أقلية من العلماء والأدباء، ثم راينا كيف احتفظ الحكم النورماني بالجماعة المفيدة له في الحياة العملية - بالتجار والصناع أو بتلك الطبقات المدنية التي كانت رسخت فيما بينها قواعد المال، وبالجند الذين كانوا ضرورة لازمة لحماية المملكة الجديدة. وشاهدنا كيف انقلب المسلمون في بعض النواحي إلى أرقاء لاصقين بالأرض وكيف انحصر في ربقة هذا الرق عدد كبير منهم.
هذا المجتمع الإسلامي الجديد ليس هو المجتمع الذي عرفناه من قبل وإنما هو مجتمع ذمي يدفع الجزية، مجتمع كان يتمتع بالسيادة على غيره من الأجناس، فاصبح يحاول بالطرق السلمية الضعيفة أن ينال بعض الحقوق التي قد تقربه من الأجناس الأخرى، أو إن شئت التمثيل فقل إنه مجتمع كان أسداً فمسخ ثعلباً، وحالته الاجتماعية والنفسية والخلقية تلخص في الجوانب التالية:
(أ) فقد السيادة وأصبح محكوماً بعد أن كان حاكماً، ومنع الإيمان المطلق برمز معين كانت قداسته في الحياة السياسية ذات أثر في حياته لاتصالها
стр. 266
بالدين، وذلك الرمز هو الخليقة، وليس من الممكن جحد الأثر الذي كان للخلافة في عقليات الناس يومئذ.
(ب) أصبح حكمه حكم الأقلية، له ما للأقليات من دأب ونشاط، بسبب المنافسة، وفيه ما في الاقليات من محاولة المحافظة على الكيان الجماعي والتمسح بأذيال الحاكمة والتقرب منها بشيء الوسائل، ثم فيه ما يتبع ذلك من مداهنة وتملق صاغر والتفاف حول الحامي كالتفاف الكلب على صاحبه، وقد يصبح هذا الحامي موضع لنزاع الجماعة نفسها إن كان فيهم ذوو أطماع، فيحاول كل فريق أن يستأثر بعطفه، فتنقسم الجماعة على نفسها وخاصة إن تقريب الحامي لجماعة دون أخرى أو لفرد دون آخر يوقع الجماعة في خصام فتصبح قوتها مشلولة بالاختلاف والتناحر ويفيد من ذلك صاحب السلطان.
(ج) صار دائم التوجس والخوف من عدوان يقع عليه بين لحظة وأخرى وأصبح يعد نفسه لمقابلة الشر بالشر، لا للإنتاج المفيد في وقت السلم، وفي هذه البيئة يكثر الشطار والنهازون للفرص، كما تكثر العيون التي تسعى لتكيد للجماعات الأخرى في السر.
(د) اصبح من سماته التدين والالتفاف حول عمود الدين لأنه المبدأ الذي يربط الجماعة ذات الجنسيات المختلفة، وهو الذي يحدد علاقتها بغيرها من أهل الأديان الأخرى، ومن أشق أحوال الشعور الديني كتبه خوفاً أو تقية ولذلك لا تكاد الأقلية تشعر بشيء من القوة حتى تصخب متظاهرة بشعائرها في شيء من التحدي تعرفه القرون الوسطي صخباً جماعياً، أما الفرد نفسه فيشيع الصدقات ويعين الفقراء ويعطف على الغرباء من أهل دينه. والعداوة الدينية مريرة تسير الحياة، ومما يذكيها رؤية الثراء في فريق دون آخر، ورؤية المسجد الذي حول كنيسة، وتربع فريق دون غيره في الوظائف العليا، وكلمة نابية ندت في حق واحد من غير دينه.. إلخ ثم تستمد كل هذه المظاهر سيفاً كتب عليه اسم الدين أثناء الثورة والهياج.
стр. 267
(هـ؟) امتحان فريق من الأقلية بالفتنة في دينه، ولجوئه أحياناً إلى تغيير دين آبائه لإخفاقه في دنياه، أو لحب غلب عليه، أو لشهوة عابرة يقضيها كالتخلص من الضريبة، أو الرفعة في المناصب، وما أشبه، ومثل هذا له نفسية خاصة أبرز ما فيها القلق.
(و) الفوضى في حياة الأسرة وخروج الابن عن طاعة أبويه، وثورة البنت على أهلها، وانحلال الأب والزوج لوجود ملجأ يعوذ به الحانق ويتخلص به مما يعتقده ظلماً واستبدادا، وغلبة المداراة أو النفاق الاجتماعي لا في السوق والمكتب والديوان فحسب، بل في البيت وبين أفراد السرة الواحد.
ونسرف إن قلنا إن المسلمين كانوا غالباً يعرفون الرضى عن حالتهم في صقلية ويدينون بالقناعة فيما صاروا إليه - كانوا يخافتون في تذمرهم ويهمسون فيما بينهم وبين أنفسهم بالشكوى، فإذا وجدوا رجلا كابن جبير يحدثونه بمخاوفهم وآلامهم نفضوا بين يديه كل ما كان خافياً، ولدينا قطعة نثرية فيها هذا التذمر والقلق، ويقول فيها كاتبها بعد إعلان الشوق لصديقه: " لكني إذا رجعت إلى شاعد العقل، وعدلت إلى طريق العدل يمازج قلبي سروراً، ويخالط شوقي بهجه وحبوراً، بما ألهمك إليه من صفاء النية والإخلاص والظفر بأمل النجاة والخلاص، فأتلو عند ذلك " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً " ثم أرجع إلى قول ﷺ : " الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن " فاعلم أن الأمور كلها مقدورة وأنها في اللوح مسطورة، فأفزع إلى الدعاء لمقدر الأمور الذي يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور، أن يحسن لنا العقبى، ويقضي لنا بالحسنى، ويسبل علينا من العافية ستراً سابغا ضافياً، ويوردنا من السلامة مورداً سائغاً صافياً " (١) .
وقد صور الشعر هذه الحياة للجماعة الإسلامية إذ نجد صوراً من الغضب والرضى والتعاطف فهناك من يسعى بين اثنين - فقيهين - فيتعاتبان بشدة
стр. 268
ليتصافا، وهناك رسائل في الشعر تصور مبلغ التلطف في مخاطبة الواحد الآخر ورسائل منثورة مليئة بالعتاب الذي يبلغ أحياناً حد الغضب، وهناك من يحجب عن أحد الرؤساء فيؤثر هذا في نفسه حتى ليتمكنوا أنه لم يكن. وهذا الإرهاف في المعاملة من ناحية، وسورة النفس ونهوضها إلى التدقيق في العلاقات من ناحية أخرى - ألا يمكن له صلة بما قد نسميه " الواجب المتعارف " بين جماعة متآخية في الدين يؤذي الفرد إلى درجة النفور أن يحس الإخلال في هذا الواجب آتينا لا من الغريب بل في القريب؟ ثم ألا يدل هذا الإسراع إلى التعبير عن القلق أنه مستوحي من روح ذلك التضامن الذي يمليه الواجب المتعارف؟
وليس عبثاً أن نسمع في هذه البيئة شاعراً لا يدعو إلى التنفير من الناس فحسب بل يقوي صوته فيدعو إلى إعلان الحرب عليهم وينهي عن الاغترار بالتبسم والملق الذي يبدونه (١) :
إخوان دهرك فالقهم ... مثل العدا بسلاحكا
لا تغترر بتبسم ... فالسيف يقتل ضاحكا وهل نستطيع أن ننسب إلى عدم النجاح في التقرب من الحامي والإخفاق في المنافسة، وإلى التباين الذي تحدثه الحكومة المؤسسة على النظم الإقطاعية - هل نستطيع أن ننسب قول الشاعر (٢) :
وكم خامل في الناس أمسى مرفعا ... ترقى إلى العلياء كل سنام
فتعسا لدهر حط علو مراتبي ... وقلل إخواني وأكثر ذامي
إذا اخضر يوماً منه للمرء جانب ... غدا فجلا للعين كف لئام
стр. 269
نعم هذا معنى شائع كثيراً ولكن هل من الغريب أن تنبت الأسباب المشابهة نتائج متشابهة؟
ثم ماذا كان أثر التدين في شعر هذا العصر عامة؟
لقد انعدم الشعور الديني في القصائد التي تدور حول الملك النورماني وأسبابه، وماتت كلمة الجهاد، فلم نعد نسمعها أو نسمع متعلقاتها في الشعر، إذ لم يعد يجمع بين الممدوح والمادح رابطة دينية، أو يحفزه إلى الثناء عليه شعور ديني بجانب حاجاته الدنيوية - هذا صوت قد خفت أبداً، وقد كان المتوقع أن يكون كبت هذا الشعور في العلاقة بين الشاعر وصاحبه سبباً لتسربه في ظل الحياة الإسلامية الخالصة، ولكن إذا استثنينا قصائد الرثاء وجدنا الصبغة الدينية تمحي في الشعر الإسلامي الخالص أيضاً، حتى لنجد أشعار الفقهاء لا في الحب فحسب بل في المجون والغزل ببني الصفر.
وحب الحياة أو الثورة النفسية على الواقع الديني تتضح في شعر الإدريسي إذ يحاول في قصائده أن يقتل الشعور بالحرمان، ويصور تحقق الرغبات والغرق في اللذة في زياة تستغرق طول الليل، وقد كنا هذا العامل الجديد قادراً على أن يكسب الشعر في هذا العصر حيوية لم نعرفها في كثير من شعر العصر الإسلامي ولكن هذه الحيوية لم تكتمل له لأن عمره كان قصيراً، ولأن الثورات قد باعدت بين المسلمين والطمأنينة التي تبث في الصدور حب الحياة.
ومهما يكن فقد برزت في هذا الشعر بعض مظاهر القوة وخاصة في التصوير واصبحنا نجد مثل هذه الصورة الفكهة في قصيدة مجونية (١) .
تجذب خصراً مخطفا ... بكفل مرجرج
كمثل زق ناقص ... على حمار أعرج
стр. 270
أو هذه الصورة الأخرى (١) :
بتنا على فرش العفاف وبيننا ... نجوى ترق لها الصفا وتلين
والليل كالزنجي شد وثاقه ... والنجم مطلع عليه أمين
٤
- مقارنة بين الشعر في البيئة الإسلامية والشعر في البلاط النورماني
ولتوضيح الفرق بين الشعر في الجماعة المسلمة والشعر في بلاط الملك النورماني أتناول شعر الرثاء بالمقابلة وأدع المدح، لأن الذي وصلنا منه في رجار قليل لا يسمح بعقد مقارنة وافية. أما الرثاء فلدينا منه قصيدة لأبي الضوء سراج في رثاء ولد رجار كما أن هناك عدة قصائد في رثاء بعض زعماء المسلمين. وكثرة الرثاء والتفجع على من يموت من هذه الجماعة فيه إحساسها بالخسارة الاجتماعية كلما ذهب فرد عظيم من أفرادها، ولابد من أن نقدر الفروق القائمة في كل مناسبة حتى لا يقع الحيف على ابي الضوء في قصيدته. يقول أبو الضوء (٢) :
خبا القمرُ الأسى فاظلمت الدنا ... ومادَ من العلياء والمجد أركانُ
أحين استوى في حسنه وجلاله ... وتاهتْ به أوطارُ عزّ وأوطانُ
تخطفهُ رَيبُ المنون مخاتلاً ... على غزة، إن المنون لخوان
كذلك أغراض البدور يعوقها ... إذا كملت من حادث الدهر نقصان فهو يصف الظواهر التي صاحبت وفاة المرثى ثم ينحى على الموت الخائن القادر الذي استلبه حين استوى في جلاله، ومثله بالبدر الذي يعتريه النقص إذا سعى إلى الكمال.
وبعد انتهى من هذه المقدمة قال: إنه من الحق أن يبكي عليه بدموع
стр. 271
بيض وحمر كالدر والمرجان، وأن تحرق الأكباد وتمرض الأنفس وتعظم الأتراح والأحزان. فانظر كيف جعل الشاعر البكاء حقا على سواه أما هو فلا شأن له بتنفيذ هذا الذي يعده حقاً:
لحق بأن يبكي عليه بأدمع ... لها في مسيل الخد درٌ ومرجان ثم ما قيمة تشبيه الدموع في موطن الحزن أو تقسيمها إلى فئات إن كان الحزن صحيحاً؟ وقد ذكر الدموع في هذا البيت فلم عاد يذكرها بعد بيت واحد؟
وتبتاع أحزان وتهمى مدامع ... وتجمع أمواه غزار ونيران وما الفرق بين الدمع هنا والدمع هنالك وما هذه الأمواه إلا الدموع؟ وما الفرق بين قوله: وتعظم أتراح؟ وتكبر أشجان؟ وتبتاع (؟) أحزان؟ من هنا ترى الفقر شاملاً في كل شيء - في العاطفة، في الأسلوب، في الترتيب، والشاعر إنما يحشد ألفاظاً تتصل بمعنى الحزن ولا تنطوي عليه. وقد يكون هذا من ضعف شاعريته، ولكن مما زاد الضعف وضوحاً، انعدام العاطفة في موضوع يحتاج إلى قسط كبير من الصدق ولا ينفع فيه الانفعال البسيط.
ضع هذه القطعة مقابل قول محمد بن عيسى:
عز العزاء وجل البين والجزع ... وحل بالنفس منه فوقَ ما تسعُ
يا عينُ جودي بدمع خالص ودم ... فما عليك لهذا الرزء ممتنع
فالجسم ينحلُ والأنفاس خافتةٌ ... والقلبُ يخفق والأحشاء تنصدع
كوني على الحزن لي يا عينُ مسعدة ... فإن قلبي لما تأتينه تبع فهنا هذا التهويل المقارب للتهويل السابق، وفيه هذه الدموع البيض والحمر، وفيه تصوير للحالة الجسمية والنفسية التي نزلت به من جراء الحادث الجلل - فيه كل التكلف الذي ورد في القطعة الأولى ولكن فيه عنصراً واحداً ينقص شعر ابي الضوء فقد ابى أن يقول للناس إنه بكى أو أن كبده احترقت أو أن الماء
стр. 272
اجتمع مع النار من شدة حزنه هو - أبى أن يقول ذلك لأنه في حقيقة الأمر صادق مع نفسه لم يحزن ولم يبك ولم تحترق كبده، وإذن فلم يرثى ولم يطلب إلى غيره أن يفعل ما لم يفعله؟ كلا الشاعرين يرثى شخصاً غريباً عنه وكلاهما يلجأ إلى التهويل في تصوير الحزن ولكن حتى في هذا التهويل فرق لأن التعاطف المشترك مفقود بين أحدهما وبين المرثى.
ثم انظر المسألة حين تخف حاجة الشاعر إلى هذا التعاطف القائم في أصله على وحدة ما - والوحدة الدينية يومئذ أقواها - واستمع إلى أبي الضوء يعد الأشياء التي حزنت على ولد رجار تجده يقول:
تبكت له خيماته وقصوره ... وناحت عليهُ مرهفات ومران
وعاد صهيلُ في لهواتها ... حنيناً وعاقتهن لُجمٌ وأرسان
وما ناح وُرْقُ الأيك إلا لهُ فلوْ ... دَرَت لبكت قبل الحمائم أغصان فهذا ميت قد بكت عليه الخيمات والقصور والمرهفات والمران والخيل والورق وكذلك مرثى ابن عيسى بكت عليه الخيل والسيوف (المرهفات) والخطيئة (المرن) . فالباكون متقاربون أو متشابهون ولكن أين الفرق؟ استمع إلى ابن عيسى يقول:
بكته المذاكي المقربات وقطعت ... شكائمها إذ منه أعدمت الركضا
مشت وهي بين الخيل أنزرها دما ... وأبرزها جسما وأهزلها نحضا
وكادت سيوف الهند تندق حسرة ... وأجفانها تنشق عنها لكي تنضا
وخط على الخطيئة الرزءُ أحرفاً ... أرادت لها خفضاً فحولها خفضا تجد أن صورة أبي الضوء ألطف لأن فيها عبوراً سريعاً في الصورة - المستحيلة أصلا - أما ابن عيسى فوقف عند المحال يغرق فيه، ويمد في
стр. 273
جوانبه، ويضفي على الصورة زيادات تزيدها افتعالاً، ولا شك في أن أبا الضوء حين جعل صهيل الخيل حنيناً كان ألطف طبعاً من محمد بن عيسى الذي أخرج الخيل عن طورها حتى قطعت الشكائم ونحل جسمها وبانت عظامها وأدركها الهزال والإعياء. فلما لم يكن أبو الضوء في حاجة إلى سند من شعور عميق في هذا المعنى استطاع أن يجلوه خيراً من ابن عيسى.
ثم راح أبو الضوء يصور هول ذلك اليوم وأنه تشيب فيه الولدان ويشبهه بيوم الحشر وقد اجتمع فيه الرجال والنساء حتى ضاقت بهم الأرض، ولحظ لبسهم للسواد فشبههم بالأغربة، بعد أن كانوا في ثياب اللهو كالحمائم:
كأن منادي البعث قام منادياُ ... لحشر فهب الخلق طرا كما كانوا
وقد ضاق رحب الأرض بالخلق فالتقت ... جموعهمُ مرجاً رجالٌ ونسوان
وكانوا بلبس اللهو حمائماً ... فعادوا وهم في ملبس الحزن غربان وهذه المعاني مفرقة عند ابن عيسى في غير قصيدة. ففي معنى يوم القيامة يقول:
شهدنا على قرب بمشهد موته ... مشاهد لم تخط القيامة والعرضا وفي لبس السواد:
سعوا مشاة وهم في الزي أغربة ... مسودة من وراء النعش تتبع وانفرد ابن عيسى بمعان لم يكن أبو الضوء يستطيع أن يقترب منها وهي أمور إسلامية كذكر العيد وحال السرور فيه، وكيف منعت الوفاة الناس من ورود المصلى ضحى، والتعزي بالرسول والصحابة، والتحدث عن الملائكة التي جاءت لترفع الميت إلى السماء. أبو الضوء إنما يحشد المبالغات حشداً لأن المضطرب الذي يهوى فيه محدود، وربما لم يساعده كثيراً في الرثاء أنه ليس من الشعراء الذين يجدون العزاء في مظاهر كونية حتى يلجأ إلى الحكمة والتفلسف في
стр. 274
أمر الموت فهو ضيق الباع قصير الرشاء من ناحيتين: ناحية المعاني التي لابد له أن يتجاوزها في مثل موقفه، وناحية مذهبه الشعري، والضعف في الناحية الأولى يجئ من ضعف الشعور الديني المتبادل. وهناك معنى لا يمكن أن يتعرض له أبو الضوء، وأفاد منه الشعراء المسلمون في رثاء عظمائهم، وهو أن كل مفقود منهم فان فقده ضربة في صميم العزة الإسلامية بالجزيرة وركن كانوا يستندون إليه فخفت هيتهم بعده:
لقد مات فيه عدة أي عدة ... لنا فعدمنا كل عيش به يرضى
وأبصارنا كانت تسامى له وقد ... غدا الكل منا طرفه اليوم قد غضا
وقد كان طرفي ليس يغضى على القذى ... فأصبح عن أقذائه اليوم قد أغضى
стр. 275
فراغ
стр. 276
الفصل السابع
هجرة الشعر إلى صقلية
ابن قلاقس الإسكندري
стр. 277
فراغ
стр. 278
هجرة الشعر إلى صقلية - ابن قلاقس الإسكندري
كل ما تقدم من حديث عن شعر العصر النورماني يشمل عصر رجار على وجه الخصوص، وليس بعده شعر عربي صقلي إلا نقوش على القصور من أثلتها في قصر لغليالم الثاني (١) :
تأمل وقفْ ترَ خير إيوان ... لخير ملوك الأرض غليالم الثاني ولكن إغراء الأدباء والشعراء بالقدوم إلى صقلية وتشجيعهم على ذلك بالمنح والعطايا كان لا يزال دأب الملك النورماني منذ أن سن رجار هذه الطريقة. ولعل هذا هو الذي أثار ابن قلاقس عن مصر وحمله على زيادة صقلية إذ ليس هناك إشارة واضحة إلى الدافع الذي حدا به القيام بتلك الرحلة. وذكر ابن ميسر في تاريخه " أن رجار يحب مديح الشعراء ويجزيهم فذهب إليه جماعة من الشعراء ومدحوه منهم ابن قلاقس، وأمر أن يصنف له تاريخ فصنف له تاريخ كبير " (٢) . وفي هذا النص سهو فإن ابن قلاقس لم يزر رجار وإنما زار صقلية أيام غليالم الثاني، وأما التاريخ الكبير الذي صنف له فربما كان إشارة إلى كتاب الإدريسي وهو في الجغرافية لا في التاريخ. ولسنا ندري هل اتصل ابن قلاقس الإدريسي الثاني أو لم يتصل، فقد كان غليالم حين دخل ابن قلاقس صقلية سنة ٥٦٣هـ؟ لا يزال تحت وصاية أمه. وليس في ديوانه؟ أو ما تبقى منه؟ قصيدة في مدح صاحب صقلية. وينص الصفدي على أنه مدح ملك صقلية الإفرنجي
стр. 279
(غليالم) وأن جملة ما أعطاه هذا الملك مركب مملوء جبناً (١) ومما قد يؤدي هذا النص أن ابن قلاقس عرف شخصاً يسمى " جردان " (٢) وهو يدعى في ديوانه وزير صاحب صقلية، ومدحه بقصيدة مثبتة فيما بقى من شعره. واتصاله بالوزير أو بهذه الشخصية العظيمة مما قد يجعل اتصاله بصاحب صقلية نفسه محتملا. ولكن من هو (جردان) هذا؟ إن التاريخ لا يسمى إلا اسطفان المستشار عند والدة غليالم الذي كان بمرتبة الوزير. ولكن إذا صدقنا ابن جبير الذي يتحدث عن وزراء غليالم بصيغة الجمع لم نستبعد أن يكون هنالك وزراء كثيرون لغليالم ولا يبعد أن يكون جردانو واحداً منهم، بل ربما كان الأرجح أن جردانو وكثيرين غيره كانوا أعضاء المجلس Curia في بلاط الملك، وإذن فيكون جردانو أحد أولئك الأعوان الشيوخ. وفي مدحه يقول ابن قلاقس (٣) :
وجردنا المدائح فاستقرت ... على أوصاف جردنا الوزير
فنظمنا المفاخر كاللآلى ... وحلينا المعالي كالنحور
وقمنا في سماء العز نرعى ... جبين الشمس في اليوم المطير
وأعجبُ ما جرى أنا أمنا ... ونحن بجانب الليث الهصور وواضح أن ابن قلاقس يحوم حول مدح لينفذ إلى صفات يمدح بها، ويبهم في القول فيستعمل ألفاظ المفاخر والمعالي والعز، ولكن قدرة الشاعر في هذا الإبهام جعلت التحويم حول المدح خيراً من المدح نفسه، فلما نفذ إلى المدح المباشر عاد يرتطم بصخور المبالغة، وهو يحاول أن يقلبها على كتفي ممدوحه ويقول:
لهيبُ صواعق العزَمات منه ... يكادُ يذيبُ أفئدة الصخور
стр. 280
وماءُ مكارم الأخلاق منه ... يكادُ يردّ صاعدةَ الزفير
وأغراسُ الأماني في يديه ... تهز معاطف الروح النضير ويدل ما تبقى من رسائله على أ، هـ تعرف في حضرة غليالم إلى القائد غارات ابن جوشن " خاصة المملكة الغليلمية بصقلية " وفي كتاب له كتبه إليه شكر على ما لقيه في جنابه من حفاوة وإكرام " فقد فارق جنابها (الحضرة) الكريم ممتلء اليد نعمةً، والفم نغمة والخاطر آمالا، والناظر أموالا، اصطناعاً منها، وتفضلاً أبى الله أن يصدرَ إلا عنها " (١) .
وكات كذلك السديد الحصري وهو اسم يذكرنا بمنافس ابن الحجر الذي يسميه هوجر فلقندو Sedictus وفي كتابه إليه دعابة تدور حول شهر رمضان، وأنه شهر عظيم البركة، ثقيل الحركة، ودعاء لعله أن يمضي سريعاً، ويقضي بخنجر الفطر صريعاً (٢) . ولكنه كان أكثر أنساً بشخص ثالث اسمه ابن فاتح وهو شيخ فقيه أديب بصقلية، يطلب إليه في رسالة عوناً على السفر " فإن رأت (الحضرة) أن تيسر له أسباب سفره، وتفتح له أبواب ظفره، قبل خروج ركابها العالي، فلسان شكره ينقلب دعاء، ويكون له سمع الإجابة وعاء " (٣) .
فهذه الرسائل قد عرفتنا بثلاثة من المسلمين في بلرم ولعلهم كانوا جميعاً من رجال الدولة ومن الزعماء في بني قومهم.
ولكن ابن قلاقس في صقلية اختص بمدائحه أبا القاسم بن الحجر، ابن حمود زعيم المسلمين حينئذ في الجزيرة والذي نعرفه من التاريخ أن أبا القاسم
стр. 281
كان يلقب بالقائد، وينافس في الزعامة مسلماً آخر، ويحرض المسلمين على أسطفان، وأنه كان من الأغنياء ذوي الإقطاعات الواسعة، وقد رأى ابن جبير له ولإخوته وأهل بيته في بلرم قصوراً مشيدة أنيقة، وكان ذا أطماع بعيدة، يحلم بعودة الجزيرة إلى حوزة المسلمين، ويعمل لذلك، ويعمل لذلك، حتى ليقول الهروي إنه اجتمع به في صقلية فأعطاه أبو القاسم كتاباً إلى السلطان يحثه فيه على أخذ الجزيرة (١) . ولعل هذا التدبير قد استغله أعداؤه فوشوا به إلى الملك، فغضب عليه وصادر أمواله حتى أغرمه ما يزيد على ثلاثين ألف دينار مؤمنية، وتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه، حتى بقي دون مال (٢) ولما زار ابن جبير صقلية كان غليالم قد رضى عنه، وأخذ ينفذه في بعض أشغاله السلطانية " نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله " (٣) .
ولما نزل ابن قلاقس في ساحته كان لا يزال على حالته الأولى من الرفعة والغنى، فمدحه بقصائد كثيرة، وألف له كتاب " الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم " والكتاب كما تصوره القطعة التي اقتبسها العماد في خريدته لا يعدو أن يكون في مقدمته وصفاً للرحلة التي قام بها الشاعر حتى بلغ إلى ممدوحه، ثم المدائح التي قالها فيه وفي أبنائه، ثم وصف لبعض المجالس التي استدعت قول الشعر.
ولكن ما هو المنصب الذي يحتله أبو القاسم بدقة؟ إذا اعتمدنا على الزهر الباسم نثره وشعره، سمعنا ابن قلاقس يصفه بالبلاغة ويقول: إن " ألبس قلمه المداد عرى من الفصاحة قس إياد، وأنطلق طرسه الرسائل أخرس عن الخطابة سحبان وائل، يلزم لديه ابن العميد سمت العبيد، ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد، يقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب، ونهاية الصبابي أنه بألفاظه صابي،
стр. 282
حتى لو انقلب الديوان ديوان شعر والقرطي (؟) اقراط شذر لكان هو المقرظ المعلى والمقرط المحلى " (١) فابو القاسم كان صاحب ديوان ولكن أي ديوان؟ وما هو القرطي الذي يشير إليه؟
ثم هو في موضع آخر يمدحه بقوله (٢) :
وبيمناك طييرُ وسعد ... أصفر الظهرُ أسود المنقار
قلمٌ دَبرَ الأقاليم فالكت؟ ... ب به من كتائب الأقدار
يا طرازَ الديوان والملك أصبح؟ ... ت طراز الديوان والأشعار هو صاحب قلم يدبر الأقاليم، والأقاليم اصطلاح كان جارياً في صقلية على الأقسام العسكرية - في الغالب - ثم ما الذي جعله يعرج على الطراز؟ هل كان لأبي القاسم علاقة بديوان الطراز في بلرم؟ وأوضح من هذه الأبيات قوله فيه (٣) :
وتلتقي كُتبهُ الكتائب في ... جيش من الخط صائد الصيد
بكل لفظ كأنه نفسٌ ... غيرُ ممل بطول ترديد
صَحتُ معانيه فانتسبن إلى ... فضل ابتكار وحسن توليد فهذا يخيل إلينا أنه كان صاحب ديوان الإنشاء ولعل الأصح أنه كان رئيساً على كل " الدوائر " الإسلامية من ديوان إنشاء وطراز وسلطة إدارية وغيرها.
وإذا كان أبو القاسم في بلرم فمعنى ذلك أن ابن قلاقس أقام في ظله هنالك. فهل تعرف إلى غيره في مدينة سرقوسة؟ أو هل عرج عليها في دخوله إلى صقلية أو في رحيله عنها، لأنه يقول (٤) :
стр. 283
قد سعى بي الوشاةُ نحو علاهُ ... فسعوا لي فلا عدمتُ الوُشاتا
حركوا لي الشباةَ منهم فظنوا ... أنهم حركوا على الشباتا
فدعا من بلرم حجي فلبي؟ ... تُ وكانت سرقوسةُ الميقانا فمن هو الذي سعى به؟ وهل اجتمعا في سرقوسة ثم توجهها إلى بلرم أو أن هناك شخصاً آخر سافر إليه ابن قلاقس ونزل عنده في سرقوسة؟ وهذه القصيدة - حسب ما في الديوان - يقولها في مدح رجل يسمى القاسم بن خليع.
والظن قوي بأنه عرج على سرقوسة سواء كان ذلك في عودته إلى وطنه أو في قدومه إلى صقلية، لأن هناك قصيدة نونية يصف فيها رحلته، وربما كان الوصف ينطبق على رحلة من بلرم إلى سرقوسة لا العكس، وليست القصيدة في ديوانه وإنما احتفظ ياقوت بقطع متفرقة منها في معجم البلدان ولعل لها مقدمة غزلية هي تلك التي أوردها الصفدي في أعيان النصر (١) ومطلعها:
أصبحت بين سوالف وعيون ... وقفاً على أمنية ومنون وإذا كانت هي حقا فلدينا من هذه القصيدة قطعة فريدة، هي قصة رحلة فيها شيء كثير من صفات الشعر الجميل، فيها الانفعال والحركة وفيها قدرة شاعر ذي دربة في تقليب الأداة الشعرية في يديه كالعجينة المرنة، ولم يستطع الموضوع نفسه. موضوع الرحلة - أن يقف في سبيلها بحيث يجعلها جامدة، أو يجعلها حقيقة جغرافية منظومة، لأنها استمدت قسطاً وافراً من حيوية ابن قلاقس الشاعر الشاب العنيف المنفعل دائماً، وقد مر في وصفه بثرمة وجفلوذ والقارونية واجتاز ببقطس ولبيري وحاذي ميلاص إلى أن بلغ مسيني، فنزل فيها ثم عاد فجدد الرحلة إلى سرقوسة فهو يقول في ثرمة وجفلوذ:
فدخلتُ ثرمة وهو تصحيفُ اسمها ... لولا حسينُ الندب ذو التحسين
стр. 284
في حيثُ شبّ الماءُ جمرة قيظه ... وبقيت في مقلاهُ كالمقلين
وشربت ماء المهل قبل جهنم ... وشفعتهُ بمطاعم الغسلين
حتى إذا استفرغتُ منها طاقتي ... وملأت من أسف ضلوع سفيني
أجفلتُ من جَفلوذَ إجفال امرىء ... بالدين يُطلبُ ثم أو بالدين
مع أنها بلدٌ أشم يحفه ... روضُ يشم فمن منى ومنون
تجري بأعيننا عيونُ مياهه ... محفوفةً ابدا بحورٍ عين
وتركتها والنوءُ ينزل راحتي ... عن مالِ قارونٍ إلى قارون ويقول في مسيني وسرقوسة:
وأظل أنُشد حين أنشد صاحبي ... من ذا يُمسيني على مسينى
وحللتُها وحللتُ عقد عزائمي ... بيدي إلى السيد المبادر دونى
فأقامني تسعين يوماً لم تزل ... نفسي بها في عقدة التسعين
بتجلف لا يستقل جناحه ... ولو استطار بريشي جبرين
بردٌ جرى في معطفيه وفكه ... وكلامه وعجانه المعجون
ثم استقلتْ بي على علاتها ... مجنونةٌ سحبتْ على مجنون
هوْجاءُ تُقسيمُ والرياحُ تقودها ... بالنون أنا من طعام النون
حتى إذا ما البحر أبدتهُ الصبا ... ذا وجنة بالموج ذات غضون
ألقت به النكباءُ راحةَ عائث ... قلبتْ ظهورَ مشاهد لبطون
وتكلفتْ سرقوسةٌ بأماننا ... في ملجأ للخائفين أمين وفي هذه القصيدة التي علت على موضوعها وذللته، واستحقت اسم الشعر، يحدثنا ابن قلاقس كيف كره ثرمة لشدة حرارتها، ولم يجد فيها صدراً رحباً إلا عند رجل اسمه حسين، ثم أجفل من جفلوذ كما يجفل الذي يطلب بالدين أو بالدين - شأن مسلمي صقلية قبل زيارة ابن قلاقس لها بقليل - وسر الشاعر من جفلوذ ومن رياضها وعيون مياهها المحفوفة بالنساء الجميلات - صورة صقلية
стр. 285
ريفية لم يلمحها غلا شاعر غريب، وفي مسينة أقام تسعين يوماً - إن صحت رواية البيت - عند جلف ثقيل الظل لا تخف روحه ولو علق في جبينه جناحي جبريل مع أنه مسينة نفسها أعجبته خين نزلها غرة شعبان سنة ٣٦٣هـ؟ (١) وأعلن عن إعجابه بقوله:
بلد أعارتهُ الحمامة طوقها ... وكساهُ حُلة ريشة الطاووس
فكأنما الأزهار منه سُلافةٌ ... وكأن ساحات الديار كؤوس صورة صقلية أخرى لم تفتن إلا شاعراً غريباً.
وعاد بعدها إلى تلك المجنونة التي كانت تسحب نفسها على ماء مجنون مثلها، سفينة هوجاء تحلف لهم بالنون أنهم سيكونون طعاماً للحيتان، وأخيراً. رحبت به سرقوسة فنزل في ملجأ أمين.
لا نعرف على وجه الدقة المدة التي قضاها ابن قلاقس في صقلية ولكنه كانفي اليمن سنة ٥٦٥هـ، فمقامه فيها رما لا يتجاوز السنتين. وفي أثناء هذه الإقامة تعرف إلى حياة بلرم وبعض رجلاتها، وحضر مجالس الشراب، ووصفها وذهب يطيل المدائح في أبي القاسم بن الحجر، ويثني على قدرته في الكتابة وعلى جوده، ويمدح بنيه أبا بكر وعمر وعثمان، ويهنئه بالصوم والعيد، وعرف من حياة صقلية ومن جمالها ما لمسنا أثره في القصيدة المتقدمة. ومن المغالاة أن ننسب إلى صقلية اثراً في شاعريته وصنعته لأن ذلك القدر من الإقامة لا يبيح مثل هذا التأثر السريع. وإذا كان شعره تحت سماء صقلية امتلأ بأسماء أمكنة صقلية وأعلام من أهلها، فهذا شيء لا يضفي على الشعر سمات جديدة والذين يدرسون أثر بيئة معنية في الشاعر سيجدون في مثل ابن قلاقس عقدة من نوع ما، لأنه لم يكن يستقر في مكان.
ولم تستطع صقلية أن ترضي ابن قلاقس ولذلك نجده يقول لصديقه الشيخ