← История

История · id 1020

العرب في صقلية

إحسان عباس

Полный текст (312 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة في هذه الدراسة ومصادرها كان أملى حين بدأت هذه الدراسة أن تكون تأريخاً لحياة الشعر العربي في صقلية. ولكنى وجدت أن دراسة الشعر لا يمكن أن تتم دون تعميق في فهم تأريخ صقلية من نواحيه السياسية والاجتماعية والثقافية. ولذلك قدمت البحث في هذه الجوانب على البحث في الشعر، متعمداً الاستقصاء والاستكثار من الحقائق، بانياً الموضوع بالتدريج دون تحليل كثير أو مقارنات ومقايسات. إذا لا بد في البدء من تكوين صورة وافية لصقلية الإسلامية في ناحيتي التاريخ والأدب قبل القيام بالقياس والمقارنة والتحليل. وكان مما أعانني في دراسة النواحي التاريخية حضور مادتها في مجموعتين هما مكتبة الصقلية التي جمعها ميشيل أمارى من المطبوع والمخطوط، وكتاب العيد المئوي لميلاد ميشيل أماري Centenario Della Nascita Di M.Amari وهو يتمم عمل ذلك المؤرخ الكبير بمختارات لم يكن قد عثر عليها. وقد كان أماري ذا أثر كبير في توضيح الناحية التاريخية بتحقيقاته واستنتاجاته وآرائه التي ضمنها كتابه الضخم (تاريخ مسلمي صقلية) Storia Dei Musulmani Di Di Sicilia فهو عمدة كل باحث في هذه الناحية، لما وهب مؤلفة من دقة وضبط ونزاهة، ولأنه بلغ الغاية في الإحاطة بأطراف الموضوع، حين اعتمد على المصادر العربية واللاتينية واليونانية والوثائق والنقوش وعلى ما كتبه جماعة تناولوا نواحي الموضوع قبله. والطبعة التي اعتمدتها من كتابه الثانية وقد اشرف عليها الأستاذ نللينو وزودوها بتعليقات هامة، ومن تعليقاته تلك أفدت الكثير. أما الشعر فقد عالجه أمارى أيضاً في تاريخه، ولكن حديثه لا يعدو التعريف بالشاعر وترجمة شيء من شعره، ومعتمده في ذلك الخريدة للعماد الأصبهاني في كثير الأحيان. وقد قسم الشعر إلى موضوعات كالغزل والهجاء

стр. 2

واختار لكل موضوع خير من يمثله من الشعراء الصقليين. وتحدث البارون فون شاك عن الشعر الصقلي في كتابه: Poesi Und Kunst Der Araber In Spanien Und Sicilien وفي المجلد الثاني من هذا الكتاب فصلان عن صقلية أحدهما للشعر والثاني للفن، وأولهما مصدر بمقدمة في الشعر الصقلي ثم بتراجم الشعراء الصقليين وترجمة شيء من أشعارهم. وقد أفد مما كتبه هذان المستشرقان الجليلان عن الشعر فائدة جزئية، وجعلت همي في استقصاء مادة الشعر من المخطوطات والمطبوعات وجمعت منه قدراً صالحاً يصلح للدرس. وتبين لي أن المصدر الأول للشعر الصقلي هو " الدرة الخطيرة من شعر شعراء الجزيرة " لابن القطاع (- ٥١٥ هـ) . غير أن هذا الكتاب لا يزال في طي الخفاء والموجود منه مختصرات ونقول. أما المختصرات فهي الآتية: (أ) مختصر من الكتاب المنتخل من الدرة الخطيرة في شعر (الشعراء) الجزيرة تأليف أبي القاسم علي بن جعفر بن علي التميمي السعدي رحمة الله، اختيار الشيخ أبي اسحاق بن أغلب ﵀، ذكر فيه سبعة وستين شاعراً من شعراء جزيرة صقلية. وهذا الكتاب في المكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية (رقم ٢٢١٦ تاريخ) وهو فصلة من مخطوط بمكتبة باريس (رقم ٣٤١٨) لأن أولى ورقاته تبدأ بالرقم ٩٦ وتنتهي بالورقة ١١٠. وأول ترجمة فيه للأمير أبي القاسم عبد الله بن سليمان الكلبي، ثم لأميرين من أمراء الكلبيين، وليس هنالك ما يشير إلى ترتيب معين اتبعه صاحب المختصر، أو صاحب الأصل، وربما كان ابتداؤه بالبيت الكلبي إشارة إلى أن هذا هو الترتيب الذي سار عليه ابن القطاع نفسه. ولست اعرف شيئاً عن الشيخ أبي إسحاق بن أغلب صاحب المختصر ولا عن العصر الذي عاش فيه. وهذا المختصر ناقص فليس فيه أسماء سبعة وستين شاعراً كما جاء في المقدمة

стр. 3

فعدد من ذكروا فيه ثلاثة وأربعون، وبعد الورقة ١٠٦ يظهر نقص واضح يدل على سقوط بعض الترجمات. كما أن نهاية المختصر ليست فيما يبدو نهاية طبيعية وربما كان في هذا الموضع نقص آخر. وعلى هامش المختصر كتاب يضم منتخبات من الشعر بينها أشعار وأسماء صقلية ولا نستطيع أن نفرض أن هذه الأسماء التي على الهامش من أصل المختصر نفسه لوجود أسماء من غير صقلية فيما بينها، بل إننا لو فرضناها من الأصل لما بلغ عدد الشعراء الموجودين فيه سبعة وستين، فنقص المختصر لا يزال واقعاً. وقد عمل أبو إسحاق في اختصاره شيئين: ١ - حذف مقدمة الترجمة في أغلب الأحيان واكتفى بإيراد الشعر ٢ - أسقط أسماء كثير من الشعراء فلم يورد إلا سبعة وستين من مائة وسبعين شاعراً كانوا في الأصل. وليس له في اختياره منهج واضح وإن أكثر من الاختيار للفقهاء وأهل العربية. ولم يذكر ابن حمديس إما استغناء عن ذلك بشهرته، وأما لأن ابن القطاع لم يذكره في شعراء صقلية، والثاني هو الأرجح. (ب) الحريدة الجزء الحادي عشر رقم (٤٤٥٩ أدب) بدار الكتب المصرية من الورقة الأولى إلى الحادية والخمسين والمأخوذ من الخريدة في هذه الأوراق يشمل ٢١ - ٥١. وفي مواضع أخرى من هذا الجزء ترجمات صقلية أضيفت استدراكاً (انظر الورقة ١١٧ - ١١٨، ١٤٣،١٣٧) . والأولى من هذه التراجم مأخوذة من الدرة الحطيرة. وقد بدأ العماد اختياره بترجمة ابن القطاع صاحب الدرة مع أن المختصر ذكره قبل آخر اثنين فيه. وتمتاز قطعة الخريدة عن غيرها بأنها حفلت بمجموعة ضخمة من شعر صقلية، ولم يكن العماد في اختياره متعجلاً كما انه لم يحفل كثيراً بأشعار النحويين وأهل اللغة والفقهاء. وقد أغفل ذكر أبي القاسم بن سليمان الكلي الذي أطال صاحب المختصر في الاختيار من شعره وكذلك أهمل العماد ذكر ابن الخياط الربعي الصقلي الذي ورد في المختصر

стр. 4

وفي قطعة المغرب. ولعل العماد أغفله لقلة احتفال ذلك الشاعر بالمحسنات وهو تعليل لا يستقل بالإقناع. وكذلك لم يذكر العماد في هذه القطعة أبا العرب الصقلي مع أن ابن سعيد صرح بأنه من شعراء الدرة، وذلك لأن العماد عده من الأندلسيين. ومع ما في اختيار العماد من نقص فقطعة الجريدة غير ما وصلنا من الشعر الصقلي من حيث الكثرة والتنوع. وقد أدرج أمارى قطعة الخريدة في المكتبة الصقلية ولكنه لم يذكر من الشعر الوارد فيها إلا قليل. (ج) المغرب وفي الجزء الرابع منه (نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٧١٢ تاريخ) قطعة من صقلية تكون الكتاب الثاني من كتب شمال المغرب حسب ترتيب ابن سعيد واسمها (كتاب الألحان المسلية في حلى جزيرة صقلية) . والكتاب مصدر (بمنصة) وصف فيها صقلية جغرافياً نقلاً عن رحلة لابن عبد ربه والشريف وابن حوقل، ويتلوها (التاج) وفيه ذكر فتحها، ثم ترجم للأمير تاج الدولة الكلبي نقلا عن ابن القطاع، وختم الفصل بذكر نهاية صقلية. ثم بدأ باختيار الشعر فذكر أبا القاسم عبد الله بن سليمان الكلبي فأشبه في بداءته المختصر، ثم اختلفا بعد ذلك لأن ابن سعيد رسم لنفسه تقسيمات عامة سار عليها في كل كتابه، فهو يقسم الناس إلى طبقات من كتاب وعمال وزهاد وشعراء ويختار لهم شعرا. وفي قسم الشعراء ذكر ابن الخياط الصقلي. ولما ترجم لابن حمديس لم يشر إلى انه ينقل ترجمته من الدرة كما فعل مع غيره، وأضاف إلى الصقليين اثنين متأخرين عاشا في أيام المنصور والمستنصر من بنى عبد المؤمن. وابن سعيد في اختياراته سريع يورد البيت والبيتين والمقطوعة ولا يهتم بالقصيدة، ولكنه كان أميناً فألزم نفسه الإشارة إلى الدرة في كل مرة نقل منها. وهذه القطعة من المغرب نشرها موريتز في العيد المئوي لميلاد ميشيل أمارى المجلد ١: ٢٩٣ - ٣٠٠. ويلحق بهذه القطعة من عمل ابن سعيد قطعة أخرى أفرادها لصقلية في آخر كتابه (رايات المبرزين) الذي نشره الأستاذ غريسه غومس، وهو اختصار

стр. 5

للمغرب وذكر فيه اثنين لم يذكرهما في المغرب وهما ابن أبي البشر الصقلي وابن قاضي ميله. (د) اختيار علي بن منجب الصيرفي أو ابن الصيرفي (٥٤٢ هـ) ١١٤٧ - ١١٤٨ من الدرة الخطيرة وهي أقدم المختارات فيما يظهر وتتضمن تسعة عشر شاعراً. والمخطوطة نسخة وحيدة يملكها الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب باشا وقد ترجمها I. Di. Matteo إلى الإيطالية ونشرها ببلرم سنة ١٩٣٧ بعنوان Antelogia Di Poeti Siciliani Stratta Da Guella Di Ibn Al - Qatta ثم نشرها الشيخ محمد النفير التونسي في كتابه (عنوان الأريب) المطبوع بتونس سنة ١٩٥١. وأما المصادر التي نقلت عن الدرة الخطيرة فهي: (١) القفطى: إنباه الرواة (رقم ٢٨٠ تاريخ بدار الكتب المصرية) وكتاب المحمدين من الشعراء (رقم ٢٢١٧ تاريخ بالمكتبة التيمورية مصور من مكتبة باريس رقم ٣٣٣٥) . وقد اعتمد السيوطي على الأول منهما فأدرج بعض أسماء صقلية مما ورد فيه في كتابه بغية الوعاة. ولم يطاع الأستاذ أمارى على هذا الكتاب وإنما اطلع على مختصر الذهبي له. أما المحمدون من الشعراء فهو ناقص وفي القسم الموجود منه بدار الكتب تراجم ستة صقليين بينهم أربعة لم يرد لهم؟ فيما أعرف؟ ذكر في غيره. (ب) ياقوت: معجم البلدان كما هو واضح في مادة سمنطار وودان وفي معجم الأدباء ذكر لبعض اللغويين والأدباء. (ج) القاضي عياض، ترتيب المدارك (رقم ٢٢٩٣ تاريخ بدار الكتب المصرية) وما ينقله عن الدرة يصدره بقوله (وأورد له جامع شعر صقلية) . وما نقله القاضي عياض في كتابه إنما هو أشعار لبعض الفقهاء، وكل ما ورد عنده موجود في المجلد الأول من كتاب C.A (العيد المئوي لميلاد ميشيل أمارى) . (د) وفي الوافي بالوفيات تراجم لبعض الصقليين ولكن اضطراب نسخة دار الكتب تجعل الإفادة منها عسيرة. وفي الجزء الثالث من الوافي الموجود بمكتبة

стр. 6

أحمد الثالث تحت رقم٢٩٢٠/٢١ ترجمة لابن أبي البشر الصقلي ومختارات من شعره، وفي مرآة الزمان ترجمة لأربعة من الصقليين، قال سبط ابن الجوزي إنهم من الشعراء الذين ذكرهم ابن القطاع في كتابه. وواضح أن سبط ابن الجوزي ينقل عن الخريدة ومن ثم أخطأ فجعل محمد بن عيسى الصقلي بين من ذكرهم ابن القطاع مع أنه من شعراء العصر النورماني. هذه هي المصادر التي تدور حول الدرة الخطيرة اختصاراً أو نقلا وهناك مصادر أخرى أهمها. ١ - القسم الأول من قطعة الخريدة التي تقدمت الإشارة إليها (أي من الورقة ١ - ٢١) وهذا القسم يتضمن شعر أبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن أبي البشر الصقلي الأنصاري الكاتب منقولة من مجموع لم يذكر اسمه. ويتضمن قطعة أخرى نقلت من كتاب " المختار من النظم والنثر لأفاضل العصر " لابن بشرون المهدوي الذي كان في صقلية في العهد النورماني. وتمتاز هذه المجموعة بأنها المجموعة الوحيدة التي تصور لنا الشعر العربي أيام النورمان ويتمشى مع هذه القطعة ما ورد في الخريدة الورقة ١١٧ عن أبي الضوء سراج الذي كان في بلاط رجار، ويمتاز ما اختاره العماد عن ابن بشرون بوجود النثر الصقلي فيه إلى جانب الشعر. وعيب العماد في هذه القطعة تحرجة من الإمعان في اختيار ما مدح به الكفار. ولو لم تقف هذا الحرج في طريقه لكانت الفائدة فيما اختاره أبلغ. ٢ - الجزء من شعر أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي الكاتب رواية الفقيه أبي محمد عبد الله بن يحيى بن حمود الخريمي (الأسكوريال رقم ٤٦٧) . ولأبي الحسن الصقلي أشعار أخرى متفرقة في بعض المجاميع الأدبية وقد أورد له صاحب المختصر قصيدة طويلة في مدح رئيس الرؤساء، وبعض هذه القصيدة أوردة العماد في ترجمة ابن أبي البشر الصقلي. ومن ثم ثار عندي هذا التساؤل: هل أبو الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي الأنصاري الكاتب هو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن (ابن أبي البشر) الصقلي الأنصاري الكاتب الذي افتتح

стр. 7

العماد القطعة عن صقلية باسمه؟ وبعد البحث تبين لي أنهما شخص واحد عاش في القرن الخامس وهاجر إلى مصر ودرس فيها النحو والعروض وتختلط أشعارهما اختلاطاً لا يدع مجلا للشك في هذه الحقيقة. ٣ - ديوان ابن حمديس الصقلي (نشر سكيابا ريللى روما سنة ١٨٩٧) وقد نشر أماري بعض قصائد ابن حمديس في المكتبة الصقلية (ص ٥٤٧ - ٥٧٣) والملحق الأول (١٣ - ٤٦) وقراءة الشعر في مواطن كثيرة منها مضطربة، وتمتاز نشرة سكيابا ريللي بالترتيب وترقيم القصائد والإشارات الدقيقة إلى اختلاف الروايات. وهي أضبط مما نشره أمارى ولكنها لا تخلو من أخطاء تعمى المعنى على القارئ في كثير من الأحيان، وقد أخذت نفسي بتوجيه القراءة التي أراها أكثر إظهاراً للمعنى دون أن أشير إلى ما فارقت فيه قراءة الديوان. ٤ - السلفى: المعجم (رقم ٣٩٣٢ تاريخ بدار الكتب المصرية) وهو جزءان اضطربت أرقامهما وربما كانت النسخة كاملة لا ينقصها إلا إعادة ترتيبها. وهذا المعجم يعرفنا بأكثر المهاجرين من صقلية إلى الإسكندرية عند ما احتل النورمان الجزيرة ويلقى أضواء قليلة على بعض حياة صقلية الثقافية وفيه شعر للصقليين غير كثير. ٥ - ابن بسام: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وفيها تراجم بعض الراحلين من صقلية إلى الأندلس مثل سليمان بن محمد الصقلي وترجمته منقولة عن جذوة المقتبس للحميدي، وليس من الضروري أن نفرد الجذوة بالأشارة والتعريف لأنها لم تحتو من شعر الصقليين إلا على أبيات لسليمان المذكور. وفي الذخيرة ترجمة لابن حمديس وقصائد له لم ترد في الديوان وشعر لأبي العرب الصقلي وترجمة لابن الصباغ تجمع إلى جانب شعره ثلاثاً من رسائله. ٦ - التجيبي. شرح المختار من شعر بشار وفيه قطعه صالحة من شعر ابن الخياط الربعي الصقلي تبلغ ١٨٨ بيتاً وفيه بيتان لابن الطوبي وقد كان التجيبي معاصراً وصديقاً لابن الخياط ولكن النسخة المطبوعة من هذا الكتاب غير كاملة وكم كنا نحب أن نراها في صورتها الكاملة لتكون لابن الخياط

стр. 8

مجموعة أكبر من الشعر إذ الدراسة المتمعنة للشعر الصقلي جعلتني أختص ابن الخياط بالالتفاف لأنه عاش حياته في صقلية. ٧ - أشعار صقلية: وجدت مكتوبة على الآثار أو على شواهد القبور نشرها الاستاذ أمارى في مجموعات مثل: (أ) Amari: Le Eqigrafi Arabiche Di Sicilia (ب) Su Le Iscrizioni Arabiche Del Palazze Regie Di Messina والثاني من نشر Reale Accademia Dei Lincei سنة ١٨٨٠ - ١٨٨١ وقراءاتها تختلف، ولكن قراءة الأستاذ أماري تعد تحسناً واسعاً إذا قيست بقراءة غرغوريو greqorio في كتابه: Rerum Arabicarum Qusa Ad Historiam Siculam Sqectant (انظر مثلا النص ٢٤ ص ١٦٢) وهناك مجموعة منسقة منها ليست مقترنة بصور للأصول، ذكرها جويدي في محاضراته بالجامعة المصرية (١٩٠٧) ولا تفيدنا هذه الأشعار كثيراً لسببين: ١ - أنها ناقصة مبتورة في كثير من الأحيان وقد طمس كثير من معالمها. ٢ - أننا لا نقطع بأنها من تأليف الصقليين أنفسهم، وإلى ذلك أشار الأستاذ جويدي نفسه أيضاً. وهنالك أشعار صقلية متناثرة في الكتب التاريخية والأدبية ظفرت ببعضها وألحقته بمجموعة الشعر الصقلي، وقد رتبت هذه المجموعة ورقمتها وجعلتها ملحقاً لهذه الدراسة، وكل ما أتمناه أن أستطيع في يوم من الأيام تقديمها إلى القراء والمشتغلين بالدراسات الأدبية. وقد جعلت هذه الدراسة في ثلاثة كتب، خصصت الأول منها لتاريخ صقلية في العصر الإسلامي، والثاني لتاريخ المسلمين فيها تحت حكم النورمان، لأن الجماعة الإسلامية في تلك الجزيرة شهدت عصرين بينهما جوانب من التفاوت. وفي أحدهما عرفت السيادة الذاتية، وفي الثاني عرفت الخضوع للحاكم الغريب. أما الكتاب الثالث فدرست فيه الشعر في هذين العصرين

стр. 9

وبينت فيه المؤثرات التي عملت في تكوين الشعر الصقلي وما تركته من مظاهر القوة والضعف، ووضحت موقف صقلية في طبيعة موقعها بين التأثر والتأثير، وفي طبيعة النفسيات التي أنشأت ذلك الشعر، وفيما تركته الفتنة والفتح النورماني من آثار فيه، وتحدثت عن الشعر العربي في ظل السيادة النورمانية، وختمت الكتاب بفصل عن العلاقة بين الشعر والشخصية الصقلية عامة. وإنى لأشعر؟ في غير زهو أو تكثر؟ أن هذه الدراسة تضيف شيئاً إلى ما تقدمها من دراسات، وخاصة من النواحي الثقافية والأدبية، لأنه توفر لها من المصادر المخطوطة ما كان مجهولا. فلأول مرة؟ فيما أعتقد؟ يستفاد من مختصر الدرة، وتثقيف اللسان، وتهذيب المدونة أو مسائل عبد الحق الصقلي وترسل ابن قلاقس، والزهو الباسم ومعجم السلفى وكتاب المحمدين للقفطي وغيرها. وإلى جميع الذين أعانوني على إتمام هذا العمل أقدم شكري الخالص. غير أننى أحب أن أنوه بفضل أستاذي وصديقي الدكتور شوقي ضيف الذي رعى هذه الدراسة بالتوجيه السديد، كما أشكر صديقي المستشرق الأسباني الأب زكريا ريميرو الذي ساعدني في قراءة تاريخ أمارى، والسيد ولفرد مدلونج المستشرق الألماني الذي ترجم ما كتبه شاك عن الشعر الصقلي إلى اللغة الإنجليزية. والله أسأل أن تكون أخطائي في هذا الكتاب قليلة، فأما العصمة فأنها ليست من نصيب الخطائين.

стр. 10

الكتاب الأول صقلية في العصر الإسلامي

стр. 11

فراغ

стр. 12

الفصل الأول الحياة السياسية ١ - لمحة جغرافية ٢ - صقلية في العهد البيزنطي ٣ - الفتح الإسلامي ٤ - الفتن الصقلية في فترة الانتقال من يد الأغالبة إلى بني أبي الحسين ٥ - صقلية تحت حكم بني أبي الحسين الكلبيين ٦ - أمراء الطوائف ٧ - الحكومة الإسلامية بصقلية

стр. 13

فراغ

стр. 14

١ - لمحة جغرافية في ذات يوم من أيام الربيع خرجت برسيفونة الجميلة ابنة ربة الخصب تخطر في المروج الصقلية الخضر، وتمتع طرفها بالنظر إلى الجداول المترقرقة ومن حولها صواحبها يطفن الأزهار، واقترب منها رب الجحيم والعالم الأدنى في خفة واختطفها وانحدر بها إلى عالمه. أسطورة قديمة من تلك الأساطير الكثيرة التي أوحت بها إلى الطبيعة صقلية ولكن الحقائق الجغرافية من وراء رموزها لا تزال جديدة، فربة الخصب لم تتخذ مقامها في تلك الجزيرة عبثاً، والجحيم لا يزال قابعاً في ناحية من نواحي الجزيرة تحت بركان إتنا الجبار، ولا يزال مردة الحدادين يضربون بمطارقهم صفائح الحديد تحت ذلك البركان؟ الذي كان لغز القرون حتى الفتح الإسلامي؟ ليعدوا منها صواعق لرب الأولمب. وما تزال سكلا الوحشية تعوي عند المجاز المسيني عواء لا ينقطع وتتقاتل مع خاربديس قتالا كانت تجأر منه سفن القرون الوسطى بالشكوى. نعم قد تكون بعض المظاهر الطبيعية والاقتصادية تغيرت في الجزيرة التي كان عرشاً لربة الخصب، ربما اختفت منها أنواع من المزروعات وقلت غابات البلوط التي يذكرها ثيوقريطس، واختفت مدن وقلاع كثيرة جنى عليها تتابع الهجرات وتغير الحكام؟ كل ذلك قد يخضع للتغير ولكن المظاهر الأساسية لا تزال هنالك؟ فالخصب لم يفتأ يتكشف عن القمح الذي كانت تعيش عليه روما، والكرمة والزيتون اللذين جلبهما اليونان، والليمون والبرتقال اللذين جلبهما العرب وأشجار اللوز والتين، وأنواع الأزهار. ولا تزال الأرض التي أوحت لثيوقريطس أغاني الرعاة مسرحاً للأغنام السائمة في السهول

стр. 15

والربى: ولولا أن الغابات فيها قليلة وبعض الجبال قد أصبح عارياً مجرداً من زينته الخضراء لتقدمت فيها حرفة الرعي وصناعات الألبان. وتزدان هذه الطبيعة بالجداول والعيون والفوارات والحمامات وكلها كانت في يوم ما موضوعات الأساطير. أما إتنا الشامخ على كل ما حوله في الجزيرة فإنه يهدر منذراً بالويل، وقد تلفع بعمامته الثلجية، وتضرم جوفه بالنار، فإذا به ذلك السيد الرحيم القاسي في آن، الذي يستطيع أن يجمع معجزة القرون الوسطى في شخصه، لأنه يمزج (العنصرين) في كفه. وإذا ثارت حممه غطى الأرض بطبقة خصبة، وفزع الآمنين. والحقائق الجغرافية هي التي رسمت للجزيرة حياتها الداخلية: مرتفعات وهضاب في الداخل لا تسمح للأرضي بالانبساط الواسع وتتباين تباينا واضحاً في ارتفاعاتها وأشكالها نحو السواحل، فترسم مواقع المواني. وعلى أعلى أجزائها بينت المدن الداخلية لتكون حصينة، وكان لذلك أثره في توجيه كل فتح، وبنيت المدن الساحلية عند خير المواقع صلاحية للملاحة، وهيأت السواحل حظوظاً متفاوتة لتلك المدن. فالشاطئ الغربي والجنوبي الغربي المقابل لأفريقية أقلها أهمية، وموانيه قليلة الصلاحية للملاحة، ونادراً ما تصل المرتفعات فيه إلى البحر إلا في نتوء واضح يبرز عند شنت ماركو. والساحل الشمالي يكاد يكون مستويا وفيه تقع ثرمة وجفلوذ وبلرم، ووراء هذه الأخيرة تنحسر الجبال مكونة سهلا من أخصب السهول. وفي الساحل الشرقي ذى الميزات الطبيعية والتاريخية تقع سرقوسة وطبرمين، وفيه سجل للتاريخ اليوناني والحضارة اليونانية. كما أن الساحل الشمالي شهد بدوره أروع الحضارات السامية. وموقعها الجغرافي شارك شخصيتها الجغرافية في تدوين تاريخها وتلوينه. فموقعها في البحر جعلها ابنة لهذا البحر لا يحوزها إلا من قهره، ولذلك كانت القوى المتصارعة في ذلك الميدان المائي تلتقي فيها وجهاً لوجه حتى تقرر تلك السيادة، وتوسطها بين أوروبة وأفريقية جعلها محط النزاع بين أقوام

стр. 16

الشمال والجنوب، وضيق مجاز مسينة قرن تاريخها بتاريخ أوروبة، وعند سواحلها كانت تتكسر أمواج الغزاة المتدحرجة في شبة الجزيرة الإيطالية. ومواجهة بعضها لليونان وفينيقيا، ومواجهة بعضها لأفريقية أنشأ تفاوتاً في أجزائها. فتاريخها إذن هو تاريخ الشعوب ذات الحضارات في حوض البحر المتوسط فهو جزء من تاريخ اليونان والفينيقيين والرومان والقوط والبيزنطيين والعرب؟ من يد القوط أخذها بلزاريوس قائد جستنيان، ومن أيدي البيزنطيين انتزاعها قادة بني الأغلب بعد جهاد عنيف. ٢ - صقلية في العهد البيزنطي لم يلق بلزاريوس قائد جستنيان عناء في الاستيلاء على صقلية من يد القوط حينما دخلها بجيشه سنة ٥٣٥م، فقد عهد أليه الإمبراطور بفتح الجزيرة إن كان ذلك أمراً ميسوراً لا يكلفه جهداً، ولا يستغرق منه زمناً طويلاً. ووجد بلزاريوس كل ما يهيئ له البلوغ إلى غايته؟ وجد صقلية تكاد تكون خالية من الحاميات القوطية، وتلقاه السكان فرحين مرحبين يريدون التخلص من حكم القوط، فاستولى على قطانية، وفتحت له سرقوسة أبوابها، ولم يلق مقاومة إلا في بلرم لأنها كانت مطمئنة إلى مناعة أسوارها وقوة الحامية القوطية فيها، ولكن لم يمض وقت طويل حتى أصبحت كل جزيرة في قبضته دون ان يزهق نفسا (١) . وعد القوط هذا التقلب في عواطف السكان وترحيبهم بالبيزنطيين نكراناً للجميل. إذ كان الصقليون قد رجوا ثيودريك القوطي أن يعفى بلدهم من الحاميات والفرق العسكرية، فأجابهم إلى طلبهم، وترك شؤونهم في أيديهم،

стр. 17

وكانت عاقبة هذا التسامح أن خذلوا القوط وتنكروا لهم أمام الفاتح الجديد، فلم تدافع مدينة عن نفسها، ولم يحاول أحد أن يشترك حتى في مناوشة، ولم يتظاهر السكان بأنهم مغلوبون على أمرهم. بل إنهم حالما شهدوا تلك القلة الضئيلة يقودها بلزاريوس، نكسوا كل علم قوطى وتنافسوا فيما بينهم في إظهار الولاء لبلزاريوس وسيده، فجرحوا بذلك شعور القوط جرحاً عميقاً ظلوا يتلمسونه ويتألمون منه على مر الأيام، حتى إذا أمكنتهم الفرصة أيام توتلا كان أول عمل قاموا به الانتقام لأنفسهم من صقلية الخائنة المتقلبة (١) . ولم تطل الفرحة بالصقليين فسرعان ما وجدوا أنفسهم يدفعون الضرائب الفادحة لخزينة الامبراطور، وعين جستنيان للجزيرة بريتوراً praetor من الدرجة الثانية، وجعل منها ومن دلماتيا ولاية واحدة (٢) . وخضعت صقلية للأنظمة التي فرضها جستنيان على ما فتحه في الغرب، تلك الأنظمة التي جرت ألوان التعاسة على أفريقية وإيطالية. ويرى بروكوبيوس (في تاريخه السري) أن أقفرت من سكانها، وخليت الولايات دون حماية، وأصبح حكمها سيئاً، ورزحت تحت عبء الضرائب والاضطهاد الديني والثورات العسكرية، ومهما يكن في كلامه من مبالغة ففيه أيضاً جانب كبير من الحق (٣) . أما حال الجيش فخير ما يصور لنا بؤس صقلية حينئذ أن العساكر البيزنطية كانت كالمجتمع نفسه أخلاطا من شعوب، لا يمكن أن تنبت في صدورهم محبة الوطن. وضعف الإغريق الذين كانوا عصب الجسم في الإمبراطورية، وغرقوا في الخرافات والأساطير وأخذوا يتهربون من الجندية، ويدفعون الفدية عن أنفسهم، فأصبح التجنيد وقفاً على البرابرة وسكان الحدود، ولم تكن الموارد الاقتصادية تكفي لتمد الجيوش بما يقوم بحاجاتهم، فلجأ القادة

стр. 18

والحكام إلى طرق خطيرة النتائج، فكان القائد مثلا يعهد بأرضه إلى جماعة من الجنود كي يفلوحها ويفيدوا من حاصلاتها (١) . ودخل في صفوف الجيش جماعة من الفقراء الذين رضوا أن يتقاضوا أجراً قليلاً، وحل هؤلاء بجهلهم محل العسكريين أصحاب الدربة القديمة (٢) . وهكذا تحول الجند إلى حاشية للقائد، ولم يعودوا أداة لكبح جماح الطغيان بل أصبحوا أداة لإحلال طغيان محل آخر (٣) . وأما في الضرائب فكانت صقلية كغيرها من ولايات الدولة فريسة لجشع المحصلين تدفع ضريبة على الأملاك، وأخرى على الرؤس، وإتاوات على التجارة والصناعة، وزيادات إضافية على الضريبة الأولى، وضرائب للجند، وأخرىللملاحين وأموالا يبتزها الموظفون ويزيدون بها الحمل ثقلا (٤) . وكانت الحال سيئة في أيام القوط فزادت سوءاً أيام السادة البيزنطيين حتى إن أحد الجباة في نهاية القرن السادس أجبر الرعايا العاجزين عن دفع المال على تقديم أبنائهم، واستطاع موظف تافه الشأن في صقلية أن يصادر الممتلكات بالقوة، ويقول القديس جريجوريو: " نحتاج إلى مجلد لنفصل الجور الذي سمعنا به من هذا القبيل " (٥) . ولم تكن الدولة هي المستغل الوحيد لصقلية بل كانت الكنيسة تشاركها النفوذ والسلطان لكثرة أملاكها فيها، فكان لكنيسة روما وميلان ورافنا اقطاعات كثيرة (patrimori) وكانت أملاك كنيسة روما موزعة في أنحاء الجزيرة حول سرقوسة وقطانية وميلاص وبلرم وجرجنت، وكان يديرها رئيسان أحدهما في سرقوسة والثاني في بلرم (٦) .

стр. 19

وكان في الأراضي الكنسية فلاحون يسمون الكولونيين coloni وهم طبقة من الناس تشبه العبيد في ارتباطها بالأرض وتدفع الضرائب نقداً أو محصولات (١) . وظلت صقلية؟ كما كانت من قبل؟ " اهراء روما " يسافر منها كل عام أسطولان محملان بالقمح، مرة في الربيع وأخرى في الخريف، وإذا غرقت المؤن في البحر أو نهبت قبل وصولها، طولب الكولونيون بالتعويض (٢) . هذا بالإضافة إلى أن جامعي المحصول كانوا يتلاعبون بالمكيال ويزيدون في نسبة الضريبة المقررة. فلما اعتلى جرجوريو الأول كرسي الباباوية سنة ٥٩٠م ورأى سوء الحال حاول أن يصلحها جهده. وفي الثمانية عشر شهراً الأولى من رئاسته كتب أربع عشرة رسالة إلى وكيل له بصقلية اسمه بطرس يحاول أن يذكره بضرورة النظر في ظلامات الناس وإنصافهم وتحقيق العدالة فيهم (٣) . فهو يأمره أن يرجع نسبة الضريبة إلى الحد المقرر، ويكسر المكاييل الكبيرة، ويصدر لكل فلاح في أراضي الكنيسة دفتر ضمان libellus securitatis يقيد فيه ما يدفعه من ضريبة مشروعة (٤) . ومن هذه الرسائل يتبين لنا الحيف الذي كان يصيب طبقات الفلاحين. وكان المشرفون على أراضي القديس أبولنارس حامي رافنا يبعثون كل سنة سفناً محملة بمئات القناطير من القمح والفواكه والخضروات والجلود المدبوغة باللون الأرجواني، ومحملة بالحرير اللازوردي والمواد الصوفية وغيرها وكلها كانت توفر للكنيسة دخلا هائلا (٥) . وفي أواخر القرن السابع أصبحت الجزيرة حصناً يدفع العدوان عن الجناح الغربي للإمبراطورية وثغرا بين عدوين قويين، وسمح لها أن تستقل نوعاً في

стр. 20

تنظيم قواتها العسكرية، فأصبح لحاميتها تحت رياسة قائدها الأعلى stategos نفوذ واسع، ولكن هذه الحامية كانت غريبة تدافع عن غير وطنها، ولم يشترك فيها الشعب الصقلي، بل عاش ضحية لها أو متفرجاً يرمقها بأنظاره وحينا يصفق وحيناً آخر يلعن ويبكي، ولكنه لم يبادر إلى حمل السلاح أبداً (١) . تلك هي حال الجزيرة بين أطماع الحكومة والكنيسة وفساد حال الجيش، ومن ثم لم يكن المجتمع الصقلي في ظل الدولة البيزنطية مجتمعاً سعيداً ناهضاً مكفول الحرية؟ كانت الجزيرة تضم خليطاً من لأجناس، أهم عناصره الإغريق والطليان، وإلى جانبهم جماعات من اليهود تميزوا منذ البدء بانكماشهم على أنفسهم، وبكره الأجناس الأخرى لهم، ولكنهم لم يكونوا كثيري العدد (٢) . وقد حاول جرجوريو أن ينصفهم ويدفع عنهم الاضطهاد. كما حاول أن يغريهم بالتنصر حين كلف وكيله في صقلية بحط الضرائب عنهم إن هم فعلوا (٣) ولما استولى أسقف بلرم على معبد اليهود وحوله إلى كنيسة، عد جرجوريو هذا العمل حيفاً، وأمر الأسقف بأن يدفع ثمن المعبد، إذ كان رده إلى حاله الأولى قد اصبح عسيراً (٤) وأضافت الحكومة إلى هذه الأجناس بعض المنفييين، إذ كانت تعتبر صقلية منفى للمذنبين والمجرمين والعساكر المتمردين. وامتلأت الجزيرة بقطعان العبيد الذين كثروا بما انضم اليهم من أسرى ومن ملاك صغار عجزوا عن الفلاحة لما بهظتهم الضرائب، فهربوا والتمسوا لهم منازل في مزارع الأغنياء ودفعوا حرياتهم ثمناً لذلك. وبعد زمن أخذ يقل تردد اسم العبيد في سجلات الأرض ويحل محله اسم الكولونيين (٥) . ولم تحاول الكنيسة أن تصلح من حالهم بل أن جرجوريو شد وثائقهم في أملاك البابا،

стр. 21

إذ صرفته شهوة الطموح السياسي عن أن يعمل شيئاً في سبيل أولئك التعساء حين ظن أن تحريرهم يقلل الوارد إلى خزينة البابا، ولم يكفه أنه أقر عبودية الأرض بل حرم عليهم أن يزوجوا أبناءهم من جنس آخر (١) . وكانت الخرافات تسيطر على حياة تلك الأجناس حتى مزجها الناس بالدين، فعبدوا القديسين وأخذ البابا يخص أهل الحظوة بشيء من بقايا رفاتهم، ويرسل إلى الكنائس النائية هدايا من زيت القناديل التي تضاء عند القبور الشهداء، أو يبعث بقطن غمس في ذلك الزيت ثم حفظ في زجاجة كتب عليها اسم أحد القديسين. ويؤكد جرجوريو نفسه أن لمس هذا الزيت يفعل المعجزات. وانضاف إلى عبادة الرفات إيمان بالخرافات الشائعة وبقيام الأموات من قبورهم ورؤية الهالات المطيفة برؤس القديسين، والرؤى التي يتمثل فيها الشياطين، ومن الغريب ان نجد رجلا مثل سان جرجوريو يؤمن بهذه الأباطيل وتكشف " حوارياته " عن إيمانه بكل خرافات عصره، حتى إنه لما دشن إحدى الكنائس باسم القديسة " إغاثة " حامية قطانية من غضب بركان لأتنا، قص هنالك أنه بعد الاحتفال رأى الشيطان قد تمثل خنزيراً وأخذ يروح ويجيء بين أرجل المصلين إلى أن فسحوا له وخرج وهذه الحواريات ترجمت إلى العربية في القرن الثامن (٢) . وفي النصف الأول من القرن الثامن أذاع ليو في الناس منشوراً يحرم به الصور في الكنائس ويأمر بإزالتها. وعارضة البابا في حركته هذه وأرسل إليه رسائل شديدة اللهجة. ولما شاء ليو أن ينتقم من البابا أرسل أسطولا إلى صقلية استولى على ما له من أملاك فيها (٣) . ثم زاد الضرائب على صقلية وقلوية، وأمر بتسجيل المواليد لكي يضمن للجزية سجلا لا يخطئ، وكانت ضربته

стр. 22

الأخيرة في هذا السبيل أن اقتطع صقلية وقلورية والبريا من قبضة البابا وضمها إلى بطريركية القسطنطينية (١) . وفي عهد خلفائه نسمع عن اضطهادات في الجزيرة وعن ضحايا كثيرين من أهل صقلية غير أن الحالة كانت هادئة في النصف الثاني من القرن الثامن لأن عدد الجيش والقلاع لم يكن يسمح بالثورة (٢) . وقد كان بعد الجزيرة يغري طامحاً بعد آخر بالاستقلال (٣) وقامت غير محاولة من هذا القبيل كانت آخر واحدة منها سبباً في دخول المسلمين صقلية. وجملة القول أن صقلية البيزنطية فقدت؟ كما يرى الأستاذ أماري؟ شخصيتها ومقومات الحياة العمرانية فيها، واختنق فيها كل شعور بالرفعة الإنسانية، وبلغت من الانحطاط درجة ليس ثمة ما هو أدنى منها. ٣ - الفتح الإسلامي ولم يكن الفتح العربي نتيجة لشعور الشعب الصقلي بأن حالته سيئة وأن تغير الحاكم قد يؤدي إلى تحسن في الأحوال، ولا كان استمراراً للموجة الإسلامية في اندفاعها الاول الذي كان من نتيجة فتح العراق وسورية ومصر وشمالي أفريقية والأندلس، فليس يمثل ذلك الاندفاع في صقلية إلا بضع غزوات قام بها المسلمون، ولم تثبت لهم في الجزيرة قدماً ولم تكن تلك الغزوات من اجل الغنيمة دائماً ففي ١٢٢هـ؟ نزل حبيب بن أبي عبيدة، حفيد عقبة فاتح أفريقية، أرض صقلية ومعه ابنه عبد الرحمن، وفي نيته أن يمضي في

стр. 23

الفتح حتى يستولي على الجزيرة كلها، غير أن قيام ميسرة السقاء بثورة في إفريقية اضطره إلى العودة وأحبط سعيه. وكانت الحوادث في إفريقية مشغلة للمسلمين، فحولت جهودهم عن صقلية. والحق أن تلك الغزوات أضافت لي خزينة الدولة شيئاً من المال ولكنها كانت إحدى العقبات في سبيل الفتح حين جاء أوانه، لأنها نهبت الروم إلى مدى الأطماع في نفوس العرب الفاتحين، وجعلتهم يتخذون من صقلية قاعدة لحماية الإمبراطورية عند حدودها الجنوبية، فعمروا فيها الحصون والمعاقل، حتى لم يتركوا جبلا إلا وبنوا عليه حصناً وصاروا يخرجون في كل عام مراكب تطوف بالجزيرة وتذب عنها، وربما صادفوا تجاراً من المسلمين فأخذهم (١) . إنما كان الفتح نتيجة لحادث من تلك الحوادث المتكررة على مسرح السياسة بصقلية، فأن رجلا اسمه فيمي Euphemius ثار على قسطنطين بطريق صقلية، لأن البطريق أراد أن يقبض عليه ويعذبه بأمر من حكومة القسطنطينية. وسواء أكان فيمى طامعاً من أولئك الطامعين، ثار في سرقوسة وأخفق، فلجأ إلى المسلمين، أم أنه اختطف فتاة جميلة كانت قد لجأت إلى دير وشكاه أهلها إلى الإمبراطور، أم أنه أحب هومونيزه omoniza الجميلة واغتصبها منه صاحب صقلية (٢) فذهب يستعين بالقيروان عليه؟ سواء كان هذا السبب أو ذاك، فالذي حدث فعلا أن فيمي لجأ إلى بني الأغلب، يطلب منهم المعونة. وكانت بين أفريقية وصقلية هدنة لم تنقض مدتها، ولذلك جمع زيادة الله وجوه أهل القيروان وفقهاءها، وفيهم أسد بن فرات وأبو محرز القاضيان وسحنون الفقيه، واستشارهم في الأمر وجلس المجتمعون يقررون مصير صقلية، أتظل هذه الجزيرة للإمبراطور أم تكون لخليفة بغداد؟ أتبقى قطعة من القارة الأوربية أم تصبح جزءاً من أفريقية؟ وانقسم الناس فريقين: أقلية معتدلة

стр. 24

متريثة لا ترى الغزو ولا تشير به، فيها سحنون الذي سأل المجتمعين كم بينها وبين بلاد الروم، قالوا: يروح الإنسان مرتين وثلاثة في النهار ويرجع قال: ومن ناحية إفريقية؟ قالوا يوم وليلة قال لو كنت طائراً ما طرت عليها (١) . وفريق متطرف متمحس، ينظر أفراده إلى الأمر نظرة دينية، ويعدون القيام به جهاداً في سبيل الله، وإعزازاً لدينه، وغلب سحنون على رأيه، وبقي للأيام أن تظهر بعد نظرة، وأن صقلية في موقعها لا يمكن أن تكون جزءاً من أفريقية، وبقي للأيام أن تثبت مرارة الجهاد عند من تحمسوا له، وبقي أيضاً شيء واحد لم يكن له لولا الحماسة الدينية من حل: هو الهدنة وكيف يستبيح الفقهاء أن يفتوا زيادة الله بنقضها؟ وعرض الأمر على أسد وأبى محرز وعاد التطرف والاعتدال يقفان موقفهما من تلك المشكلة. فأما أبو محرز فآثار التريث، وأما أسد فرأى أن يسأل رسل الصقليين ليعرف هل لديهم في صقلية أسرى من المسلمين. قال أبو محرز: وكيف نقبل قول الرسل عليهم أو دفعهم عنهم؟ فقال أسد: بالرسل هادناهم وبالرسل نجعلهم ناقضين. قال الله : " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون " فكذلك لا نتماسك به ونحن الأعلون (٢) . وحلت العقدة أو تحلل زيادة الله من الهدنة، حين أقر الرسل بوجود الأسرى من المسلمين في صقلية، وأذن بالغزو وعهد بالقيادة إلى أسد، وأقلع الأسطول من مدينة سوسه يوم السبت، النصف من شهر ربيع الأول سنة ٢١٢ في نحو مائة مركب، سوى مراكب فيمي (٣) وأعاد التاريخ نفسه: هذه هي صقلية تغزي مرة ثانية من شمال أفريقية كما غزيت أول مرة على يد الفينيقيين، وهذا هو جيش أسد بن الفرات يدخل صقلية من الجهة التي دخلها منها الفينيقيون أيضاً، وها هي الجموع السامية تقاتل كما قاتلت من قبل

стр. 25

وتحمل دينا آخر تريد أن تبسطه على الجزيرة (١) . وتختلف المصادر في عدد الجيش الذي خرج مع أسد، ولكنها تتفق في أنه كان مكوناً من أشرف أفريقية من العرب والجند؟ ومعظمهم من الفرس الخراسانيين (٢) ؟ وأسد واحد منهم؟ ومن البربر والأندلسيين وأهل العلم والبصائر (٣) ولم يرتح أسد لاشتراك فيمى وأصحابه معه في القتال، فأمرهم أن يعتزلوا المسلمين (٤) ، واستطاع؟ في وقت قصير؟ أن يستولي على عدة حصون بينها مازر، وأن يغنم غنائم كثيرة، غير أنه عاد فوقع في خطأ من جاءوا قبله، حين حاول فتح سرقوسة. حقاً إنه استطاع أن يضيق عليها ويحرق مراكبها ويقتل جماعة من أهلها، مستعينا بأمداد من أفريقية والأندلس (٥) ، ولكن اسطولا من القسطنطينية وصل لنجدتها وكان الوباء قد تفشى في المسلمين وهلك من جرائه كثيرون فيهم أسد نفسه (٦) . وكان أسد قد ترك في كل حصن استولى عليه حامية تضبطه فقل عدد جيشه. ولما رأى المسلمون شدة الوباء نزلوا في مراكبهم فمنعهم الروم من الخروج، وعندئذ أحرق المسلمون مراكبهم، ورحلوا إلى مدينة ميناو mineo فحصروها ثلاثة أيام وتسلموا الحصن (٧) . ونستطيع أن نجمل القول بأن الفتح العربي كما دون في كتاب التاريخ غير ملطف بجو اسطوري، أو مزوق بشيء من التهويل، ولكنه على واقعيته التي يتسم بها يكاد يبلغ حد المغالاة في تصوير المثابرة والنفور من الاستسلام،

стр. 26

والذهاب إلى الغاية في التضحية بالنفس، وقد كانت الأوبئة والمجاعة والخسارة في الأرواح كافية لأن تخلق اليأس في نفوس الجند المحاربين، ولكن يشبه أن يكون فتح صقلية عناداً مستمداً من قوة النفسية التي خرج بها أسد فاتحاً أكثر من كونه سعياً وراء غنيمة أو كسب. وكان مما يزيد المحاربين حرجاً انشغال زيادة الله بفتنة في الداخل وغزاة من الخارج. ولما اصبح في مقدور زيادة الله أن يمدهم بالجند فتحوا بلرم سنة ٢١٦هـ؟. وكان فتح بلرم خطوة كبيرة أدت إلى استيلاء على سائر الجزيرة، فلم يعد المسلمون في حاجة إلى الانحياز في معسكرات أو قلاع صغيرة، وكانت بلرم مدينة بحرية جيدة الميناء، واتصالها بأفريقية سهل، ولذلك أصبح في استطاعتهم أن يعتمدوا على مدد دائم من أفريقية، وأن يحصلوا على المؤن باستمرار. ثم إن المنطقة حول بلرم خصبة يمكنها أن تزود عساكرهم بمؤن كثيرة (١) . ولذلك اتخذها المسلمون قاعدة لهم كما فعل الفينيقون من قبل. وأخذوا يزحفون منها على النواحي الأخرى من صقلية فإذا قضوا مهمتهم عادوا إليها. وأخذت السرايا تخرج كل يوم فتغير في انحاء الجزيرة، وترجع محملة بالرقيق والغنائم. وكان من أثر عمليات النهب هذه أن ضعفت روح المقاومة عند كثير من المدن والقلاع، فاستأمن كثير منها إلى المسلمين (٢) وبثت السرايا الرعب حيثما اتجهت. وعلى هذه الأعمال التمهيدية اعتمد الفتح في كثير من الأحيان، وكان حرق المزروعات خطة مقصودة لتوهين الناحية الاقتصادية ومن ثم إضعاف روح المقاومة عند السكان. إذ كانت المقاومة التي يلقاها المسلمون مزدوجة، فهم يواجهون القوات المحلية التي يقودها بطريق صقلية، ويواجهون الجيوش والأساطيل التي ترسلها حكومة القسطنطينية لتدافع عن الجزيرة. وكانت أعنف مراكز المقاومة ثباتاً هي قصريانة وسرقوسة وطبرمين ومنطقة دمنش، ولذلك كانت السرايا المبثوثة تحاول في يأس أن تعمل شيئاً. واستولى المسلمون على مسينة

стр. 27

فانفتحت أمامهم الطريق إلى جنوبي إيطاليا. والظاهر أن جهودهم هذه حولت انتباههم عن بقية صقلية، وأتاحت للمدن فرصة تتقوى فيها. لكن أعمال السرايا القائمة على تخريب لم تنقطع فكانت تخرج في الصيف والشتاء. وانضم إلى هذه الأعمال الابتدائية عامل ساعد على الفتح، وبه انهار الركن الثاني من المقاومة؟ ذلك هو الخيانة المحلية فبمساعدتها تم الاستيلاء على قصريانة في ولاية العباس بن الفضل. ففي سنة ٢٤١ أقام العباس ثلاثة أشهر حول قصريانة، يقتل ويصيب ويغنم، وكان ممن أسره المسلمون رجل كان له عند الروم قدر ومنزلة (١) فلما راى هذا الرجل أنه مقتول، طلب إلى العباس أن يستبقيه ووعده بأن يسهل للمسلمين فتح قصريانة؟ كان الوقت شتاء والثلج قد غطى البقاع، وأهل قصريانة آمنون من قصد المسلمين وغير مستعدين للقاء، فأرسل العباس مع الرومي نحو ألفي فارس من عسكره، فدلهم على المدخل إلى المدينة، فدخلوا ووضعوا السيف في الروم وفتحوا الأبواب، ولما دخلها العباس بني فيها في الحال مسجداً ونصب فيه منبراً وخطب فيه الجمعة، وقتل من فيها من المقاتلة وأسر من فيها من بنات البطارقة بحليهن، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وأهدى من سبيها للمتوكل وبسقوطها ذل الشر يومئذ بصقلية ذلا عظيما (٢) . وارتجت المعنويات واهتزت لسقوطها القسطنطينية، وأرسلت أسطولاً ليثأر لها ففجأه المسلمون وقضوا عليه. ولم تعترف صقلية بالهزيمة لأن قسمها الشرقي وهو أقربها إلى القسطنطينية كان لا يزال ممعناً في المقاومة بتحريض من الإمبراطور، بل إن كثيراً من القلاع التي استسلمت للمسلمين انتقضت عليهم سنة ٢٤٦ ولم يجد الوالي المسلم بدا من تحصين قصريانة، لتكون ملجأ يلوذ به المسلمون كما يلوذ الروم بسرقوسة. بل إن العباس حاول التحرش بسرقوسة نفسها ولكن منيته أدركته عند غيران قرقنة، وطويت بموته صفحة من البطولة والشجاعة والجهاد

стр. 28

الدائب، فدفنه المسلمون هناك وجاء الروم فنبشوا القبر وأحرقوا جثته (١) . وسار خلفاؤه على سنته في بث السرايا وتخريب المزارع، والاستفادة من الخيانة المحلية، وبواسطتها سلمت نوطس، واستأمنت رغوس، وظلت سرقوسة ممتنعة وقصاري كل وال أن يبث في أرضها السرايا فيغنم ويحرق. وكاد المسلمون يستولون على طبرمين بعون من الخيانة سنة ٢٥٥ ولكن البطء في تنفيذ الخطة عاقهم عن ذلك (٢) . وبعد عشرين سنة من سقوط قصريانة جاء دور الركن الثالث من أركان المقاومة وأمير صقلية يومئذ جعفر بن محمد. وظلت سرقوسة التي ظن أسد ابن الفرات أنه يستطيع فتحها تقاوم مدة تزيد على خمسين سنة، ولم تهن عزيمتها إلا حين استطاع جعفر أن يملك بعض أرباضها، ووصلت إليها مراكب الروم فأصابها المسلمون، وتمكنوا من حصر المدينة واستمر الحصار تسعة اشهر عانى فيها السكان شدة وضيقا، ويحدثنا ثيودوسيوس في رسالة كتبها يصف فيها حصار المسلمين لبلده وكيف قاومت وكيف سقطت Epistolae De Expugnation Siracusarum، يحدثنا أن المسلمين أعدوا الحصار سرقوسة كل ما قدروا عليه من آلات الحصار (٣) . ثم نفدت المؤن من المدينة وانتشرت المجاعة بين الناس، ويقول ثيودوسيوس الراهب الغرماطيقي في لهجة حزينة: لقد أتينا على كل الدواجن واضطررنا أن نأكل ما كانت تحصله أيدينا، دون ان نراعي فروض الصوم، لأن الحبوب والأعشاب والزيت كانت كلها قد نفدت، وأما صيد السمك فوقف منذ أن قبض العدو على زمام الميناء. وكان المقدار الضئيل من القمح؟ إذا تيسر؟ يسوي مائة وخمسين بيزانته ذهبية (الواحدة؟ ١٠ شلنات) ومن الطحين مائتين، وأوقينا الخبز ببيزانتة واحدة، ورأس حصان أو حمار يباع بخمس عشرة أو عشرين، أما الفرس فلا يتيسر شراؤها بأقل

стр. 29

من ثلاثمائه ... (١) وكان لا بد لجيش اختلطت فيه ألوان كثيرة من الجنود أن لا يكون مثاليا في تصرفاته حين يستولي على إحدى المدن ولكن ثيودوسيوس لا ينكر حدوث ما يدل على المعاملة الحسنة والنظام بين الجنود والطاعة لأوامر قائدهم الاعلى. وفي نهاية جعلت سرقوسة تيهاً من الخرائب، ولم تبق فيها نسمة حياة، ولم يكن هنالك ثيوقريطس أو ابن حمديس ليبكي مصرع وطنه (٢) . وأخلى المسلمون المدينة ونقلوا الأسرى والغنائم إلى بلرم (٣) وكان على هؤلاء الأسرى أن يستطعموا مرارة أخرى سوى مرارة الأسر، تلك هي رؤيتهم مدينة بلرم التي كانوا يرون من الحطة أن يقيموا لها وزنا؟ رؤيتهم بلرم تحنيهم تحت نيرها. وثارت في نفوس أولئك الأسرى تلك المنافسة البلدية ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين بلرم التي كانت عاصمة لولاية بيزنطية وبين بلرم عاصمة الحكومة الإسلامية (٤) . ويحدثنا ثيودوسيوس بأنه نقل مع الأساقفة ورئيسهم صوفرونيوس بعد خمسة أيام إلى الأمير الأعلى، ويعني به والى صقلية، فوجدوه " جالساً في رواق وقد احتجب عن الأعين خيلاء وجبروتا " وتحدث الأمير إلى رئيس الأساقفة والمترجم بوجه الحديث بينهما في جدل ديني قصير، ثم أذن لهم فانصرفوا (٥) . كان سقوط سرقوسة نهاية محاولات طال مدها، ولكن لم ينته به كل عناء. فقد بقي أكثر القسم الشرقي غير خاضع للمسلمين، وظل الروم يجددون محاولاتهم لاسترداد ما فقدوه، وظلت قطانية وطبرمين وغيرها من المدن الشرقية شوكة في جنب المسلمين، وكانت الروح الدينية في هذه المنطقة ذات أثر في إذكاء نار المقاومة. وظل والى بلرم يخرج بجيشه أو يبث سراياه ويفسد الزروع والثمار ويحرق الكروم. ولما قرر إبراهيم بن الأغلب الخروج في

стр. 30

جهاد متسع الأطراف سنة ٢٨٩ استطاع فتح طبرمين وكان وقع الخبر على سماع الإمبراطور مؤلماً (١) . وارتكز هم إبراهيم في منطقة دمنش، ولكن منيته لم تهمله ليتم فتح هذه المنطقة، وأخذت الفتن المحلية تشغل بال المسلمين، ووافق ذلك ظهور العبيديين وسقوط الأغالبة، وكان هم أول وال عبيدي على صقلية أن يحارب دمنش، ولكن استمرار الفتن مدة طويلة أراح شرق الجزيرة من إلحاح الجيش الإسلامي، حتى طبرمين التي افتتحها إبراهيم عمرت من جديد واضطر أحد ولاة الكلبيين على جزيرة أن يعاود فتحها سنة ٣٥١ هـ، ويهدمها. وبقيت المنطقة الشرقية غير معترفة تماماً بسلطان المسلمين إلى آخر أيامهم في الجزيرة. وقنع منها الولاة بالجزية ووجهوا همتهم إلى الفتح في جنوبي إيطاليا أو إلى صد الروم عن إنجاح محاولاتهم للاستيلاء على شيء في الجزيرة. ٤ - الفتن الصقلية في فترة الانتقال من يد الأغالبة إلى بني أبي الحسين الكلبيين طال عهد الشقاق والفتنة بصقلية عند تغير الحكومة في أفريقية بزوال دولة الأغالبة وقيام العبيديين، وربما كانت تلك الفتن المتكررة (٣٠٠ - ٣٢٧) تعبيراً عن محاولات للاستقلال، وشعوراً داخلياً من شيوخ الجزيرة بكرههم للتبعية لأفريقية، ولكنها لم تكن كذلك في كل مظاهر العصيان، بل كانت أحياناً أخرى مسببة عن كره بعض الولاة للحكومة الشيعية الجديدة وميلهم بعواطفهم إلى الخلافة العباسية، ومنذ هذا الحين نجد صقلية أولا، وشمالي أفريقية ثانياً، مسرحاً للتنافس بين الخلافتين العباسية والفاطمية، وكانت الفتن في أحيان أخرى نتيجة ظلم الولاة واعتبارهم صقلية كنزاً يغترفون منه ما يملأ جيوبهم وخزانة دولتهم بالمال. وضرب الصقليون في هذه الفترة أمثلة كثيرة في التقلب وعدم الثبات على حال، وفي فزعهم إلى العدو الخارجي يستغيثون

стр. 31

به، كأنما كانت تسيرهم المصلحة العاجلة وحدها دون بعد في النظر، وسيظل هذا هو الداء العضال الذي تشكوه صقلية، بحكم موقعها، وسيكون هذا الداء سبباً في القضاء على السيادة الإسلامية في أرجائها. ونستطيع أن نتصور التبعية المطلقة التي كانت تدين بها صقلية لأفريقية أيام الأغالبة، إذا عرفنا أن المهدي، حال تسليمه المقاليد، أرسل إليها بوال وقاض من قبله، ولا نعرف أنه حاول عندئذ أن يرى رأى صقلية في المسألة، ولا أنه حسب لامتناعها عليه حساباً، فأعد لإخضاعها أسطولاً إن هي حاولت أن تقف موقف المعاند الجريء. ولم يثر الصقليون على أول ولاة المهدي، إلا حين أساء السيرة فيهم، واعتذروا إلى المهدي مما فعلوه فقبل عذرهم، وولى عليهم والياً آخر، فلما آنسوا منه ليناً وضعفاً، عزلوه وولوا عليهم أحمد بن قرهب (١) . ومن الطريف أن أحمد هذا كان كارهاً تولى المر فهرب من الصقليين وتوارى عنهم في غار (٢) . غير أن إلحاح وجوه البلد عليه وتعهدهم له بأن لا يخذلوه جعله يقبل. والحقائق التي نستطيع جمعها عن هذا الوالي الجديد تصوره رجلا بعيد الطموح، ولكن يشك في بعد نظره - كان يفهم طبيعة الصقليين فهماً تاماً، ويعرف أن العنصر الصقلي قد قوي إلى حد لا يستطاع إخضاعه أو قهره بالعسكر الصقلي نفسه، إذ كان من السهل أن يتفاهم الشعب والجيش على خصومه الوالي الأجنبي عنهم. وكان يعلم أن أهل بلرم خاذلوه دون اكتراث كثير ليمان أو عهود، ومع ذلك فقد قام بعدة محاولات فيها ما يناقص هذا الفهم فأسرع بنفسه إلى الهاوية ووقع فريسة لتقلب الصقليين. حاول ابن قرهب أن يغير العاصمة فأرسل ابنه إلى طبرمين ليفتحها ويجعلها حصناً يأوى إليه هو وأبناؤه وعبيده وأمواله، ونسى أن طبرمين امتنعت على كل قائد من قبله، وغفل كذلك عن أن طبرمين في منطقة مسيحية لا تتجاوب

стр. 32

معه في العواطف، وأنها لا تصلح حتى أن تكون ميناء يهرب منه إلى المشرق. وعند أسوار طبرمين ثبت لابن قرهب فعلا أن الجند الصقلي كان قد اصبح أداة فاسدة، إذ اختلفوا على ابنه أثناء الحصار وكرهوا طول الإقامة، واحرقوا خيمته، وكادوا يفتكون به، لولا أن حماه العرب (١) . وحماية العرب له تدل على أن ابن قرهب كان قد انحاز إلى الفئة القليلة ولم يكن ذلك يرضى الصقليين. والظاهر أن ابن قرهب لم يكن في بادئ الأمر يفكر في الخروج على المهدي، وشاهد ذلك أنه كتب إليه القول: إن أهل صقلية يكثرون الشغب على أمرائهم ولا يطيعونهم، وينهبون أموالهم، ولا يزول ذلك إلا بعسكر يقهرهم ويزيل الرياسة عن رؤسائهم (٢) . فمثل هذا القول يدل على إخلاصه النصح للخليفة العبيدي، ولا ندري ما الذي غيره عن هذه الطريقة فإذا به يستميل أهل صقلية، ويقنعهم بالثورة على المهدي والدعوة لبني العباس، وإذا هو يطمئن إلى الصقليين وينسى سرعة تقلبهم. وإجابة الناس إلى طاعة المقتدر فخطب له بصقلية وقطع خطبة المهدي (٣) . وكتب إلى المقتدر ببغداد أن يكون داعياً له وقائماً بأمره بجزيرة صقلية، فأنفذ المقتدر ذلك له، وبعث إليه بألوية سود وخلع سود وطوق ذهب، ولما وصل إليه ذلك سر به، وأظهر الحزم والجد في أمره (٤) ، فبدأ بالمقاومة العملية فأحرق أسطول المهدي بمرسى لمطة وقتل قائده وأسر من أصحابه نحو ستمائة رجل، وبلغ الأمر عبيد الله فأرسل جيشاً يدافع عن الأسطول، ظناً منه أنه لا يزال يمكن إنقاذه، فظفر ابن هرقب بأصحابه وغنم ما معهم. ثم اتسعت خطة ابن هرقب فأراد أن يغزو المهدي في عقر داره فبعث بأسطول إلى أفريقية، ولكن أسطول المهدي انقض عليه، وأخذ مراكبه،

стр. 33

وطارت أحلام ابن قرهب في لحظة. واستيقظ أهل صقلية من سحر ابن قرهب، ورأوا أن الوقت حان لإعلان العصيان، وكان البادئ بذلك أهل جرجنت فكتبوا إلى المهدي، وتبعهم في ذلك أهل البلاد الأخرى، وثارت صقلية كلها على ابن قرهب ودعوته العباسية، ولم تنفعه خلع المقتدر وألويته. وحاول مداراة أهل البلد وملاينتهم فلم تثمر محاولته، ثم فكر في النجاة إلى الأندلس واكترى مراكب وشحنها متاعاً، فحال أهل صقلية بينه وبين ما أراد، وانتهبوا ما كان له وأسروه هو وابنه وقاضيه ابن الخامي (١) . وبعثوا بهم إلى المهدي فقتلهم وصلبهم وانتهت بذلك هذه الحركة الخطيرة. ولم يكن أهل صقلية جادين في تحولهم نحو العبيديين، كانوا يريدون الخلاص من ابن قرهب فتم لهم ذلك، ثم أرادوا ان تكون الحكومة في أيديهم وأن لا يكون المهدي إلا اسم، فأرسلوا يطلبون منه واليا وقاضياً، ويظهرون عدم احتياجهم إلى رجال أو مدد (٢) ، ويشترطون شروطاً خاصة، وكانوا ينوون من ذلك أن تظل المبادرة في أيديهم، وأن يتحكموا في الوالي كيفما طاب لهم، ولكن ابن قرهب لم يمت قبل أن يفضي للمهدي بسر حالهم، وعرف المهدي كبف يؤدبهم، فجهز إليهم جيشاً من الكتاميين أنصاره الخلص، وأخرجهم في أسطول فأظهرت بلرم الامتناع، فحاصرها القائد بجيشه وقتل جملة من أهلها، وأحال كتامة على من ألفى في أرباض المدينة من النساء والذرية فعبثوا بهم وافترع الجواري الأبكار (٣) . وعندئذ طلب أهل صقلية الأمان ودفعوا القائد المهدي المحرضين على الفتنة، فآمنهم وهدم سور مدينتهم وأخذ سلاحهم وخيلهم وضرب عليهم مغرماً، وبعث بمن أخذ منهم إلى عبيد الله في مراكب فانكفأت بهم في البحر (٤) . وأتاه كتاب من المهدي يأمره بالعفو

стр. 34

عن العامة (١) . وولى صقلية سالم بن أبي راشد وجعل له حراساً من كتامة. وكان سالم مثال الوالي الظالم العسوف، فعهد بحكم المدن إلى ولاة غلاظ قساة، وحاق بالناس ظلم أخرجهم عن طورهم وأدى بهم إلى الاستماتة في مقاومة ذلك العسف، فثارت جرجنت (٢) واقتدت بها بلرم فأرسل سالم إلى الخليفة القائم يعرفه أن أهل صقلية خرجوا عن طاعته وخالفوا عليه، فأمده بجيش على رأسه خليل بن إسحاق. واستقبل الناس خليلاً بالشكوى، وخرج إليه النساء والصبيان يبكون ويشكون، حتى رق الناس لهم وبكوا لبكائهم (٣) . وتذمروا من سالم وسياسته، وظنوا أن الخلاص سيكون على يدي خليل ولكن سرعان ما كذبتهم الظنون فغن سالماً خلا بهم وأفهمهم أن خليلاً جاء لينتقم منهم بمن قتلوا من عسكره، وتحقق لديهم صدقه حينما أخذ خليل يهدم أسوار بلرم، ويبني عند المرسي مدينة ويحصنها، وهي التي سماها " الخالصة " وأرهق الناس في أعمال البناء، فخاف أهل جرجنت، وحصنوا مدينتهم واستعدوا للحرب، فسار إليهم خليل سنة ٣٢٦هـ؟ وحاصرهم ثمانية أشهر ولم يخل يوم واحد فيه من القتال، ولما حل الشتاء رحل عنهم إلى الخالصة. وسعى أهل جرجنت فألبوا عليه المدن الأخرى، وفي السنة التالية ثارت جميع القلاع وأهل مازر. وكاتب الجرجنتيون ملك القسطنطينية يستنجدونه فأمدهم بالمراكب فيها الرجال والطعام. وفزع خليل ورأى أن صقلية تؤول إلى الانفلات من قبضة العبيديين فاستنجد بالقائم فأمده بجيش كبير، فأخذ يحاصر القلاع، حتى انقضت سنة ٣٢٧ وضيق على جرجنت، وظل يحاصرها حتى سنة ٣٢٩، فسار كثير من أهلها إلى بلاد الروم، وتنصر أكثرهم، وطلب الباقون الأمان فأمنهم على أن ينزلوا من القلعة، فلما نزلوا غدر بهم وحملهم إلى المدينة، ولما سقطت زعيمة الثورة أذعنت سائر القلاع، وهدأت

стр. 35

صقلية بعد أربعة أعوام قضاها خليل في حررب وحصار. ولما عاد إلى إفريقية أخذ معه وجوه أهل جرجنت وفي عرض البحر خرق بهم السفينة فغرقوا. وذات يوم كان خليل في أحد المجالس وحوله جماعة من وجوه الناس. والحديث بينهم ينتظم ويفرق، ولما بلغ القوم الحديث عن صقلية قال خليل مفتخراً " إني قتلت ألف ألف يقول المكثر، والمقلل يقول: مائة ألف في تلك السفرة " ثم قال: لا والله إلا أكثر؛ فرد عليه واحد من الجماعة بقوله: يا أبا العباس لك في قتل نفس واحدة ما يكفيك " (١) . ٥ - صقلية تحت حكم بني أبي الحسين الكلبيين ولم تحب صقلية ولاة من قبل الخليفة الشيعي كما أحبت بني أبي الحسين. ففي سنة ٣٣٦ هـ تولى أمرها الحسن بن علي بن ابي الحسين من أسرة الكلبيين وكانت هذه الأسرة من أخلص أعوان العبيديين، ولأفرادها مواقف جليلة في خدمة الدولة الفاطمية أثناء ثورة أبي يزيد، وتقديراً لخدمات الحسن كافأه الخليفة المنصور بولاية صقلية، وتلقته بلرم كما كانت تتلقى من قبله من الولاة، إذ كانت أطماع الرؤساء المحليين لا تزل مصدراً للقلق في المدينة. وكان آل الطبري هم زعماء المقاومة فيها. ولم يكن مع الحسن حينما نزل صقلية جيش يعتمد عليه في مقاومة المشاغبين، ولكنه استطاع بدهاء فذ أن يفسد خططهم. ووجد في بلرم جماعة قد سئموا كثرة التقلب ورغبوا في السلامة فانضموا إلى الوالي الجديد وانحاز إليه أصحاب الدواوين وكل من يريد العافية (٢) . ومال

стр. 36

إليه كل منحرف عن بني الطبري. ورأى أهل المدينة بشائر عدله حين قتل غلاماً له اتهم بالتعدي على أهل البلد (١) فتأكدوا أن هذا الوالي يختلف عمن سبقوه، واستبشروا به. ولما ثبتت قدمه في المدينة قبض على أهل الفتنة وصادر أموالهم (٢) . وظل الحسن في صقلية خمس سنين. ولما توفي حزن عليه أهل صقلية حزناً عظيماً لما كان قد أجرى الله على يديه من العدل وظهور الخير (٣) . وتعاقب على صقلية من الكلبيين عشرة ولاة في مدة خمس وتسعين سنة شهدت في أثنائها تقدماً في الحياة العمرانية وفي العلوم والأداب، كما شهدت جهادهم المستمر في جنوب إيطاليا وفي مقاومة أطماع الروم في الجزيرة. وأخلدت صقلية إلى الهدوء وجنت من ذلك خير الثمار. وكان من أسباب هذا الهدوء انشغال الجند في اكثر الأوقات بالحروب في جنوبي إيطاليا، وإخلاص الكلبيين في الدفاع عن صقلية، واعتبار أنفسهم مستقلين استقلالا داخلياً في شؤون الجزيرة. وقد استطاعوا منذ البدء أن يرضوا الطامعين المحليين ففي سنة ٣٤٧ سار احمد بن الحسن الكلبي ثاني ولاة الجزيرة من أسرة بني أبي الحسين ومعه ثلاثون رجلا من وجوه الجزيرة إلى المعز بأفريقية فبايعوه وخلع عليهم المعز (٤) وفي نسخة كمبردج العربية من تاريخ صقلية أن الذي ذهب بهم إلى إفريقية هو الحسن الوالي الأول (سنة ٣٤٦٩ ٩٦١م) وينص هناك صراحة على أنه أدخلهم في مذهب أمير المؤمنين وكثر مقتناهم وأفضلهم (٥) . ومعنى ذلك أن العناصر القلقة التي كانت تطلب لنفسها الزعامة قد أرضيت بالمال والتقرب من الخليفة، وأن الوجوه دخلوا في المذهب الشيعي ولا

стр. 37

ندري بعد هذا الخير كيف كان حال التشيع في الطبقات الأخرى. وابن حوقل وهو داعية من دعاة الفاطميين ينحى بالذم الشديد على الصقليين لكثرة ثورتهم على السلطان، فهل يفهم من هذا أن طبقات الشعب كانت تكره الخلافة الفاطمية؟. واستدعى المعز الأمير أحمد ففارق صقلية بجميع أهله وماله وأولاده وأخوته فركبوا في ثلاثين مركباً ولم يبق منهم بصقلية أحد (١) ، وولى الجزيرة يعيش المولى ففشل في تهدئة فتنة ثارت بين كتامة والقبائل (٢) . وتطاول أهل الشر من كل ناحية ونهبوا وأفسدوا على أهل المراعي، واستطالوا على أهل القلاع الآمنة (٣) . فأعيد الأمر إلى واحد من الكلبيين وتولى أبو القاسم الحكم سنة ٣٥٩هـ؟. وأبو القاسم هو الملقب بالشهيد لأنه استشهد في غزاته الخامسة بجنوب إيطاليا سنة ٣٧٢ هـ. وكان حسن السيرة فاضلا محبا للعلماء والصالحين (٤) . ولعل الجزيرة لم تشهد عهداً كعهد الأمير أبي الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة (٣٧٩ - ٣٨٨) فقد عهد أليه أبوه بولاية صقلية وأتاه سجل من العزيز من مصر بذلك، فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا (٥) وأسى بجلائله وفضائله كل من كان قبله نم بني أبي الحسين (٦) . وكانت أيام الناس بصقلية الناس بصقلية في مدته على أفضل ما يشتهون. وقد ضبط البلد ضبطاً عظيماً وأداخ الروم واستقامت له الأمور، وظهر من كرمه وجوده على سائر الناس ما لا يحيط به وصف (٧) . وكان بلاطه في بلرم مقصد العلماء والأدباء وظل قائماً بالأمر خير قيام حتى أصابه فالج عطل نصفه الأيسر فتنازل لابنه جعفر.

стр. 38

وأول وهن حدث في حكم الكلبيين اختلاف أفراد منهم فيما بينهم على الإمارة فقد ثار على جعفر الملقب بتاج الدولة أخوة على، واستفاد من الخلاف العنصري في الجزيرة فاستمال إليه البربر والعبيد، وقام بين الأخوين قتال مرير راح فيه كثير من مشايعي علي، وأسر علي نفسه فقتله أخوه ونفي من بالجزيرة من البربر بأسرهم، فلم يبق منهم أحد وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم. وكان انتصار جعفر فاتحة خذلان جديد فإنه حين قضي على البربر والعبيد لتخذ جنده من أهل صقلية، فطعموا فيه وزادهم تمادياً تغاضيه عن كتابه حسن بن الباغاني الذي صادر الناس وعاملهم بسوء واستحدث بدعاً في جباية الضرائب (١) وتنكرت قلوبهم له حين استخف بأهل صقلية وشيوخ بلادها واستطال عليهم (٢) فخرجوا عليه وحاصروه وعندئذ خرج إليهم أبوه في محفة وكانت له منزلة في نفوسهم، فلما رأوه هدأت ثائرتهم وطلبوا إليه أن ينصفهم من ابنه، فوعدهم بنزعة من ولايته فوقع اختيارهم على الأكحل أخيه. وبر يوسف بما وعد فارتحل مع ابنه جعفر إلى مصر، وترك صقلية في يد الأكحل. وتسلم الصقليون حسن الباغاني فقتلوه وطافوا برأسه وأحرقوه بالنار (٣) . وهدأت نفوسهم الحاقدة لما رأوا الأكحل يأخذ الأمور بجد وحزم. وكان إذا خرج في الغزو استخلف ابنه جعفراً فحاول جعفر أن يوقع التفرقة بين العناصر ونجح في فصل الصقليين عن الإفريقيين والتمييز بينهما في المعاملة فحمى الأفريقيين وأخذ يتقاضى الخراج عن أملاك الصقليين وحدهم (٤) ، وعندئذ لم يعد الصقليون يطيقون تلك الحال، وذهبوا إلى المعز بن باديس سنة ٤٣٧هـ؟ يطلبون مساعدته وإلا سلموا الجزيرة إلى الروم (٥) .

стр. 39

واستجاب المعز للصقليين وأرسل معهم ابنه عبد الله بجيش عدده ثلاثة آلاف فارس، ومثلهم رجال، فسار إلى الجزيرة وقاتل الأكحل وحاصره في قصره بالخالصة. ثم اختلف أهل صقلية وانحاز بعضهم إلى الأكحل، فقتله الذين استقدموا ابن المعز غدراً، ثم اجتمع الصقليون على الندم لإدخال جيش غريب في بلدهم، وتنكروا لابن المعز وحاربوه، فانهزم. وأخيراً ولى أهل صقلية عليهم الصمصام أخا الأكحل (١) . ٦ - أمراء الطوائف وانتهى عهد الكلبيين في الجزيرة بإخراج الصمصام من بلرم وسيطرة المشايخ على المدينة، ثم ظهور جماعة من الزعماء الطامعين يحققون لأنفسهم شيئاً من السلطة، ويحققون للمدن المتنافسة نوعاً من الاستقلال. أما مازروطرابنش والشاقة ومرسى على فاستقل فيها القائد ابن منكود، ووقعت قصريانة وجرجنت من نصيب القائد ابن الحواس علي بن نعمة. ثم ثار طامع يسمى محمد بن إبراهيم بن الثمنة فاستولى على سرقوسة وتلقب بالقادر بالله. ويقول ابن خلدون: - إن أهل بلرم ولوه على أنفسهم حينما أخرجوه الصمصام (٢) وهكذا انقسمت الجزيرة إلى ولايات متعددة. ويزعم التاريخ أن فتح العرب لصقلية كان من ورائه مشكلة إمراة ثم تأبى المصادر العربية أن تغلق صفحاتها على صقلية الإسلامية دون أن تجعل

стр. 40

للمرأة نصيباً في الإسراع بصقلية إلى نهايتها المحتومة. فتقص علينا هذه المصادر أن ابن الثمنة تزوج من ميمونة أخت علي بن نعمة،وذات يوم سكر وتشاجرا فأمر بفصدها، ولولا ابنه للقيت حتفها، فإنه استدعى لها الأطباء فعالجوها حتى شفيت، وفي صحوة اعتذر لها من فعلته، فأظهرت قبول عذره ثم استأذنته في الذهاب إلى أخيها فأذن لها، وقصت على أخيها ما كان من زوجها فحلف أنها لا ترجع إليه، وألح زوجها يطلب رجوعها، واشتد أخوها في منعها، فقامت الحرب بين الأميرين، ولما انكسر فيها ابن الثمنة ذهب يستنجد بالنورمان سنة ٤٤٤هـ؟، وبدخول النورمان ضاعت السيادة الإسلامية (١) . وبعد أن تمت هذه الأحداث في صقلية بقليل لقيت القيروان مصيرها السيئ على يد العرب. فان المعز بن باديس الذي كان متردداً في إعلان ولائه للعباسيين حسم في المر سنة ٤٤١ فأزال اسم الخليفة العبيدي من السكة ونقش فيها (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (٢)) فانتقم منه المستنصر بأن حرض العرب على الجواز إلى الغرب فتوجه منهم خلق كثير، وهاجموا القيروان وخربوها، فهاجر كثير من أهلها إلى صقلية. ٧ - الحكومة الإسلامية بصقلية افتتحت صقلية الإسلامية عهدها بأسد بن الفرات والياً وقاضياً، ولكن هذا الجمع بين الوظيفتين لم يدم طويلا، فما كاد المسلمون يحتلون بلرم ويتخذونها عاصمة لهم حتى اصبح الوالي والقاضي شخصيتين متمايزتين. ويحدثنا الرشاطى
следующие страницы →