← История

История · id 1020

العرب في صقلية

إحسان عباس

Полный текст (312 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إليه كل منحرف عن بني الطبري. ورأى أهل المدينة بشائر عدله حين قتل غلاماً له اتهم بالتعدي على أهل البلد (١) فتأكدوا أن هذا الوالي يختلف عمن سبقوه، واستبشروا به. ولما ثبتت قدمه في المدينة قبض على أهل الفتنة وصادر أموالهم (٢) . وظل الحسن في صقلية خمس سنين. ولما توفي حزن عليه أهل صقلية حزناً عظيماً لما كان قد أجرى الله على يديه من العدل وظهور الخير (٣) . وتعاقب على صقلية من الكلبيين عشرة ولاة في مدة خمس وتسعين سنة شهدت في أثنائها تقدماً في الحياة العمرانية وفي العلوم والأداب، كما شهدت جهادهم المستمر في جنوب إيطاليا وفي مقاومة أطماع الروم في الجزيرة. وأخلدت صقلية إلى الهدوء وجنت من ذلك خير الثمار. وكان من أسباب هذا الهدوء انشغال الجند في اكثر الأوقات بالحروب في جنوبي إيطاليا، وإخلاص الكلبيين في الدفاع عن صقلية، واعتبار أنفسهم مستقلين استقلالا داخلياً في شؤون الجزيرة. وقد استطاعوا منذ البدء أن يرضوا الطامعين المحليين ففي سنة ٣٤٧ سار احمد بن الحسن الكلبي ثاني ولاة الجزيرة من أسرة بني أبي الحسين ومعه ثلاثون رجلا من وجوه الجزيرة إلى المعز بأفريقية فبايعوه وخلع عليهم المعز (٤) وفي نسخة كمبردج العربية من تاريخ صقلية أن الذي ذهب بهم إلى إفريقية هو الحسن الوالي الأول (سنة ٣٤٦٩ ٩٦١م) وينص هناك صراحة على أنه أدخلهم في مذهب أمير المؤمنين وكثر مقتناهم وأفضلهم (٥) . ومعنى ذلك أن العناصر القلقة التي كانت تطلب لنفسها الزعامة قد أرضيت بالمال والتقرب من الخليفة، وأن الوجوه دخلوا في المذهب الشيعي ولا

стр. 37

ندري بعد هذا الخير كيف كان حال التشيع في الطبقات الأخرى. وابن حوقل وهو داعية من دعاة الفاطميين ينحى بالذم الشديد على الصقليين لكثرة ثورتهم على السلطان، فهل يفهم من هذا أن طبقات الشعب كانت تكره الخلافة الفاطمية؟. واستدعى المعز الأمير أحمد ففارق صقلية بجميع أهله وماله وأولاده وأخوته فركبوا في ثلاثين مركباً ولم يبق منهم بصقلية أحد (١) ، وولى الجزيرة يعيش المولى ففشل في تهدئة فتنة ثارت بين كتامة والقبائل (٢) . وتطاول أهل الشر من كل ناحية ونهبوا وأفسدوا على أهل المراعي، واستطالوا على أهل القلاع الآمنة (٣) . فأعيد الأمر إلى واحد من الكلبيين وتولى أبو القاسم الحكم سنة ٣٥٩هـ؟. وأبو القاسم هو الملقب بالشهيد لأنه استشهد في غزاته الخامسة بجنوب إيطاليا سنة ٣٧٢ هـ. وكان حسن السيرة فاضلا محبا للعلماء والصالحين (٤) . ولعل الجزيرة لم تشهد عهداً كعهد الأمير أبي الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة (٣٧٩ - ٣٨٨) فقد عهد أليه أبوه بولاية صقلية وأتاه سجل من العزيز من مصر بذلك، فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا (٥) وأسى بجلائله وفضائله كل من كان قبله نم بني أبي الحسين (٦) . وكانت أيام الناس بصقلية الناس بصقلية في مدته على أفضل ما يشتهون. وقد ضبط البلد ضبطاً عظيماً وأداخ الروم واستقامت له الأمور، وظهر من كرمه وجوده على سائر الناس ما لا يحيط به وصف (٧) . وكان بلاطه في بلرم مقصد العلماء والأدباء وظل قائماً بالأمر خير قيام حتى أصابه فالج عطل نصفه الأيسر فتنازل لابنه جعفر.

стр. 38

وأول وهن حدث في حكم الكلبيين اختلاف أفراد منهم فيما بينهم على الإمارة فقد ثار على جعفر الملقب بتاج الدولة أخوة على، واستفاد من الخلاف العنصري في الجزيرة فاستمال إليه البربر والعبيد، وقام بين الأخوين قتال مرير راح فيه كثير من مشايعي علي، وأسر علي نفسه فقتله أخوه ونفي من بالجزيرة من البربر بأسرهم، فلم يبق منهم أحد وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم. وكان انتصار جعفر فاتحة خذلان جديد فإنه حين قضي على البربر والعبيد لتخذ جنده من أهل صقلية، فطعموا فيه وزادهم تمادياً تغاضيه عن كتابه حسن بن الباغاني الذي صادر الناس وعاملهم بسوء واستحدث بدعاً في جباية الضرائب (١) وتنكرت قلوبهم له حين استخف بأهل صقلية وشيوخ بلادها واستطال عليهم (٢) فخرجوا عليه وحاصروه وعندئذ خرج إليهم أبوه في محفة وكانت له منزلة في نفوسهم، فلما رأوه هدأت ثائرتهم وطلبوا إليه أن ينصفهم من ابنه، فوعدهم بنزعة من ولايته فوقع اختيارهم على الأكحل أخيه. وبر يوسف بما وعد فارتحل مع ابنه جعفر إلى مصر، وترك صقلية في يد الأكحل. وتسلم الصقليون حسن الباغاني فقتلوه وطافوا برأسه وأحرقوه بالنار (٣) . وهدأت نفوسهم الحاقدة لما رأوا الأكحل يأخذ الأمور بجد وحزم. وكان إذا خرج في الغزو استخلف ابنه جعفراً فحاول جعفر أن يوقع التفرقة بين العناصر ونجح في فصل الصقليين عن الإفريقيين والتمييز بينهما في المعاملة فحمى الأفريقيين وأخذ يتقاضى الخراج عن أملاك الصقليين وحدهم (٤) ، وعندئذ لم يعد الصقليون يطيقون تلك الحال، وذهبوا إلى المعز بن باديس سنة ٤٣٧هـ؟ يطلبون مساعدته وإلا سلموا الجزيرة إلى الروم (٥) .

стр. 39

واستجاب المعز للصقليين وأرسل معهم ابنه عبد الله بجيش عدده ثلاثة آلاف فارس، ومثلهم رجال، فسار إلى الجزيرة وقاتل الأكحل وحاصره في قصره بالخالصة. ثم اختلف أهل صقلية وانحاز بعضهم إلى الأكحل، فقتله الذين استقدموا ابن المعز غدراً، ثم اجتمع الصقليون على الندم لإدخال جيش غريب في بلدهم، وتنكروا لابن المعز وحاربوه، فانهزم. وأخيراً ولى أهل صقلية عليهم الصمصام أخا الأكحل (١) . ٦ - أمراء الطوائف وانتهى عهد الكلبيين في الجزيرة بإخراج الصمصام من بلرم وسيطرة المشايخ على المدينة، ثم ظهور جماعة من الزعماء الطامعين يحققون لأنفسهم شيئاً من السلطة، ويحققون للمدن المتنافسة نوعاً من الاستقلال. أما مازروطرابنش والشاقة ومرسى على فاستقل فيها القائد ابن منكود، ووقعت قصريانة وجرجنت من نصيب القائد ابن الحواس علي بن نعمة. ثم ثار طامع يسمى محمد بن إبراهيم بن الثمنة فاستولى على سرقوسة وتلقب بالقادر بالله. ويقول ابن خلدون: - إن أهل بلرم ولوه على أنفسهم حينما أخرجوه الصمصام (٢) وهكذا انقسمت الجزيرة إلى ولايات متعددة. ويزعم التاريخ أن فتح العرب لصقلية كان من ورائه مشكلة إمراة ثم تأبى المصادر العربية أن تغلق صفحاتها على صقلية الإسلامية دون أن تجعل

стр. 40

للمرأة نصيباً في الإسراع بصقلية إلى نهايتها المحتومة. فتقص علينا هذه المصادر أن ابن الثمنة تزوج من ميمونة أخت علي بن نعمة،وذات يوم سكر وتشاجرا فأمر بفصدها، ولولا ابنه للقيت حتفها، فإنه استدعى لها الأطباء فعالجوها حتى شفيت، وفي صحوة اعتذر لها من فعلته، فأظهرت قبول عذره ثم استأذنته في الذهاب إلى أخيها فأذن لها، وقصت على أخيها ما كان من زوجها فحلف أنها لا ترجع إليه، وألح زوجها يطلب رجوعها، واشتد أخوها في منعها، فقامت الحرب بين الأميرين، ولما انكسر فيها ابن الثمنة ذهب يستنجد بالنورمان سنة ٤٤٤هـ؟، وبدخول النورمان ضاعت السيادة الإسلامية (١) . وبعد أن تمت هذه الأحداث في صقلية بقليل لقيت القيروان مصيرها السيئ على يد العرب. فان المعز بن باديس الذي كان متردداً في إعلان ولائه للعباسيين حسم في المر سنة ٤٤١ فأزال اسم الخليفة العبيدي من السكة ونقش فيها (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (٢)) فانتقم منه المستنصر بأن حرض العرب على الجواز إلى الغرب فتوجه منهم خلق كثير، وهاجموا القيروان وخربوها، فهاجر كثير من أهلها إلى صقلية. ٧ - الحكومة الإسلامية بصقلية افتتحت صقلية الإسلامية عهدها بأسد بن الفرات والياً وقاضياً، ولكن هذا الجمع بين الوظيفتين لم يدم طويلا، فما كاد المسلمون يحتلون بلرم ويتخذونها عاصمة لهم حتى اصبح الوالي والقاضي شخصيتين متمايزتين. ويحدثنا الرشاطى

стр. 41

أن زيادة الله بن إبراهيم الذي فتحت صقلية في زمنه ولى على صقلية ابن أخيه أبا الأغلب قطعية له؟ فكانت له بجميع ما فيها؟ وركب إليها من سوسة في مراكب كثيرة ومعه خيل ورجال أتوا من نواحي أفريقية لما يعلمون من كرمه وجوده (١) . ونستطيع أن نتصور من حال زيادة الله نفسه أن نتصور من حال زيادة الله نفسه أن والي صقلية ربما قلده في اتخاذ مجلس استشاري من حوله، وهو الذي كان يسمى في القيروان " الجماعة " ولذلك نسمع في تاريخ صقلية دائماً عن شيوخ المدينة (بلرم) . ولا نظن أن هؤلاء كانوا مجرد زعماء وإنما المعتقد أنهم كانوا يزاولون بعض السلطان إلى جانب الوالي. وكان لا بد من وجود هذه الصبغة الإدارية في الجماعة لأن والي صقلية في ايام بني الأغلب لم يكن يزيد على قائد عارف بفنون القتال، مستعد للغزو والجهاد، وكثيراً ما كان الجيش ينتخب الوالي دون أن ينتظر مجيء وال جديد من أفريقية. على أنه لا بد أن نلحظ أنه ليس من الواضح لدينا إن كان الذي يولي الوالي هو الجيش أو شيوخ البلد أو الفريقان معاً، ولا نسمع عن وال في العهد الأغلبي لم يكن يخرج في الغزو إلا عن الأمير محمد ابن عبد الله بن الأغلب فانه كان مقيما ببلرم لم يخرج منها وإنما كان يخرج الجيوش والسرايا فتفتح وتغنم. وتحدثنا المصادر أن العباس بن الفضل لما وقع عليه الاختيار اخذ يبث السرايا وهو مقيم في بلرم، فلما جاءه التصديق على ولايته من أفريقية قاد الجيش بنفسه. وربما أشار هذا إلى ان قيادة الجيش كانت هي الصفة الأولى التي تفترض حكومة القيروان توفرها في الوالي. وكان اكثر الولاة في الدولة الأغلبية من أسرة بني الأغلب أو من أقربائهم. وليس بين أيدينا مادة تصور شخصيات الولاة أو تميزهم سوى كثرة الحرص على الجهاد والغزو، إلا ما كان من أمر أبي مضر زيادة الله فإنه كان في أثناء ولايته على صقلية عاكفاً على اللهو وشرب الخمر ولم يرض هذا أباه فعزله. وقد رأى الراهب ثيودوسيوس والي بلرم؟ وهو يومئذ جعفر بن محمد؟ ووصفه بأنه

стр. 42

متكبر متجبر، واستدل على ذلك من جلوسه وراء حجاب. ولم يكن الوالي يستند إلى حرس خاص ولذلك نسمع عن وثوب أهل صقلية به وعزله أو إخراجه من بينهم. وكان الوالي يسكن القصر في بلرم ويودع فيه المال والسلاح والكساء (١) ومن قصره ذاك كان يشرف على النواحي المدينة وكان له أن يعين من قبله ولاة على المدن يخضعون له مباشرة. وظل الحال كذلك في أيام الكلبيين إلا أن الاستقرار وخضوع أكثر أجزاء الجزيرة للمسلمين مكن الوالي من توسيع سلطانه الإداري والاهتمام به. ومنذ ان بنى خليل بن إسحاق الخالصة أصبحت هي مركز الوالي بدلا من القصر القديم، ومن حوله الخالصة. وأصبح كل وال بعد ابن قرهب يتمتع بحماية حرس غريب عن الجزيرة. فلم يعد في إمكان أهل صقلية أن يطردوه بسرعة، إذ صار في إمكانه أن يتحصن منهم ويقاتلهم في مدينتهم. ومحك الخبرة عنده أن يتمكن من إقرار التوازن بين العناصر فلا يتظاهر بتفضيل عنصر على آخر وأن لا يمس المسائل المالية بتغيير يضر بصالح الاهالي. إلا أن بعض الولاة كان يطلق يد أعوانه في صقلية فيستبيحون لأنفسهم الغلو في تقاضي الأموال. وارتبطت صقلية في أيام الكلبيين بالخلافة الفاطمية في افريقية وأصبح يدعى على منابرها للخليفة الفاطمي (٢) وبذلك أصبح الوالي الصقلي ممثلا للخليفة ثم انتقل الفاطميون إلى مصر، ولا شك أنه كان في جيش جوهر الصقلي كثير من الصقليين، فالعناصر الصقلي في جيش العبيديين وأساطيلهم أقدم من ذلك ومنذ سنة ٣٠٧ هـ نجد أسرى صقليين في مصر، وقد من عليهم حاكمها بالإطلاق بعد تغلبه على جيش أخرجه صاحب أفريقية لقتاله (٣) . وبارتباط صقلية

стр. 43

بمصر أصبحت تتأثرها في أساليب الحياة ويهاجر إليها طلاب العلم وتقوم فيها الأنظمة الحكومية على غرار ما هي في مصر. وكان الوالي في صقلية يدين بنوع من التبعية للقاهرة، ويستمد منها القوة الإدارية والحربية، ولا بد أن يكون في يده سجل بولايته من الخليفة، وأن تصله منه الخلع والألقاب والتشريفات. وأصبحنا نسمع في صقلية ألقاباً مثل ثقة الدولة وتاج الدولة وتأييد الدولة وصمصام الدولة ولعل هذه الألقاب استحدثت منذ أيام الخليفة الحاكم أو قبله بقليل (١) ولم تنفك مصر عن هذه المراسيم بتقليد الولاية حتى كانت آخر خلع وصلت من مصر للصمصام (٢) . ولم يكن الخليفة يكتفي بهذا النوع من التدخل، أو يقنع بهذا القدر من العلاقة بينه وبين الوالي في صقلية، بل كثيراً ما كان يتدخل في الشؤون الداخلية معتبراً صقلية جزءاً من مملكته، له حق التصرف فيه، فكان يعقد الصلح مع الروم على شروط نافذة في صقلية، دون أن يأخذ رأى واليها ولم يكن للوالي إلا أن ينفذ ما يراه سيده مناسباً وإن كره ذلك وكرهه الناس. عقد المعز صلحاً مع الروم سنة ٣٥٨هـ؟ على أن يخلى المسلمون رمطة وطبرمين وأرسل إلى الأمير أحمد في صقلية بتنفيذ ذلك فصدع بالأمر على غير رغبة من المسلمين (٣) . وقد يقال ان هذا كان يحدث قبل الأذن للوالي بالاستقلال وأن استقلال والى صقلية لم يتم إلا بعد هذه السنة في عهد الأمير أبي القاسم، ولكن حتى بعد إحراز هذا السلطان لم يكن الحاكم يسلم من تدخل الخليفة تدخلا قد يفقده أجزاء من ولايته، ففي ولاية جعفر بن محمد الكلبي (٣٧٣؟ ٣٧٥) كتب إليه العزيز أن يدفع إلى الراهب أخي جاريته السيدة العزيزة قلاعاً من بلاد صقلية فيها بنقش (؟) وطبرمين وومطة وأن يدفع إليه كل سبى عنده قديم وحادث (٤) ، ولولا مماطلة جعفر وتلويحه لسيده بالعصيان لاقتطعت

стр. 44

هذه الأجزاء من ولايته وأصبح لصقلية واليان. وظلت صقلية إلى عهد متأخر ملكاً لسلطان مصر، على حد تعبير ناصر خسرو (١) ونكاد نجزم بأنها كانت تدفع مبلغاً معيناً من المال سنوياً للدولة الفاطمية، وهذا واضح من قول ناصر خسرو: " وتغادرها كل سنة سفينة تحمل المال إلى مصر (٢) " وفي مرآة الزمان (٣) أن السبب في استقدام النورمان إلى صقلية عجز وال يسمى ابن البعباع عن دفع المبلغ المطلوب لصاحب مصر مما أدى بالوالي إلى أن يستنجد بالفرنج. وهذا الخبر المتأخر نسبياً ليس له في المصادر الأخرى وجود، وربما لم يكن فيه من الصحة إلا دلالته على وجود علاقة بين صقلية ومصر تفرض على الجزيرة أداء مبلغ من المال كل سنة. وكان القاضي أكبر شخصية في الجزيرة بعد الوالي وانفصل القضاء عن الإمارة منذ أول الأمر. ولقضاة صقلية في العهد الأول صورة واضحة قائمة على المثالية والصدوف عن متاع الدنيا فالقاضي رجل زاهد، أو أن شئت فقل إنه يختار عمداً من بين الزاهدين الذين صدقت ظواهرهم وبواطنهم أو من الفقهاء الصالحين كابن أبي محرز وميمون بن عمرو وسليمان بن سالم الكندي. وكثيراً ما كان القاضي يجمع بين القضاء والتدريس، وكان بعض المتعففين لا يتقاضى راتباً فقد خرج أبو عمرو وميمون بن عمرو المعلوم (٤) من سوسة للقضاء بصقلية فلم يخرج معه إلا كساء وفروة وخرج فيه كتبه وجارية سوداء تخدمه ومعها جبة وكساء وكانت السوداء تغزل وتبيع غزلها وتنفق عليه من فضل ذلك. ولما مرض ودخل عليه الناس يعودونه وجدوا كل ما لديه من أثاث وسادتين محشوتين تبنا وحصيرة من البردي. وعاد إلى سوسة بما خرج به منها ولم يزد

стр. 45

عليه شيئاً (١) . ومن أمثلة هؤلاء القضاة المتقشفين سليمان بن سالم الكندي وكان يقضي ويدرس، ونقرأ أنه لما مات لم يوجد له مال (٢) وهذه إشارة قد يفهم منها أنه كان يتقاضى راتباً. وقد لحظنا من قبل أن القاضي كان يجيء صقلية من الخارج وظل ذلك كذلك مدة طويلة في أيام الدولة الفاطمية. وفي أيام الخليفة الحاكم أضيف إلى قاضي القضاة بمصر أحكام صقلية مع بلدان غيرها (٣) . ولا نسمع عن قاض من صقلية نفسها إلا في أيام ابن حوقل. ونحن مدينون له بمعرفة قاض ورع من صف القضاة الأولين ليس له في المصادر الأخرى ذكر وذلك هو عثمان بن الخزاز. وقد أراد ابن حوقل؟ كما هي طريقته في الذم؟ أن ينفذ إلى الحط من الجماعة الصقلية في حديثة عن القضاء فيها، فصور لنا القضاء في حال انحطاط حين انحدر إلى أيد صقلية، فالقاضي ممن له سابقة في قبض الرشا، والشهود الصقليون يستسهلون شهادة الزور حتى إن ابن الخزاز لم يكن يقبل شهاداتهم " وصارت أكثر أحكامه جارية على الصلح وشك فيهم فلم تثنه إليهم رغبة ولا رهبة، إلى أن هلك بينهم وحضرته المنيه، فقال ليس بجميع البلد من يوصي إليه، ودفع ديوانه إلى رجل كان بها من الغرباء يعرف بالغضائري من أهل القيروان وكان يزكيه " (٤) أما ابن الماجلي القاضي الصقلي الأصل فهو في نظره معلم برقجاني لم يكن ممن يستحق تولي القضاء وله فصول فيه مضحكة، وكثيراً ما كان يمد يده إلى الحصوم بالضرب (٥) . وربما استنتجنا من هذا أن صقلية كانت قد سئمت استقدام القضاة من الخارج وأخذت تشعر أنها مسلوبة السلطان فنزعت إلى أن تعهد بالقضاء لأناس منها كما أنفت مصر ذات يوم أن يكون قاضيها غريباً عنها (٦) .حين شاءت الدولة

стр. 46

العباسية أن تعاملها بقريب من معاملة الفاطميين لصقلية. وكان للقضاء كتبة ودار خاصة في بلرم منذ عهد مبكر. ونسمع أن ميمون بن عمرو لما وصل المدينة قيل له هذه دار القضاء تنزل فيها فقال " هذه دار عظماء ايش أعمل فيها " فنزل في دويرة لطيفة (١) . أما الوظائف الحكومية الأخرى فكان ينهض بها أصحاب الدواوين والموظفون فيها وقد عدت المصادر من الدواوين: ١ - ديوان الخمس. ٢ - ديوان الصناعة. ٣ - ديوان الخاصة. ٤ - ديوان الإنشاء. أما ديوان الخمس فأن متوليه كان يسمى " صاحب الخمس " وشخصيته ذات شأن في تاريخ صقلية وأدبها، فهو يتولى أمر البلد حين لا يكون لها وال، وهو بحكم مركزه مقصد الأدباء والشعراء. وقد ذكرت المصادر أسماء بعض ممن تولوا هذا الديوان منهم عمران الذي قتل في بلرم سنة ٦٤٢١ ٩١٣ (٢) وخليل الذي ضبط المدينة حين خلت من واليها سنة ٣٩٨ (٣) . ومنهم ابن

стр. 47

الرقباني (١) وابن الشامي صاحب الخمس أيام صمصام الدولة. أما الخمس نفسه فهو ضريبة معينة عدها ابن حوقل من جملة ما تحصله خزينة الدولة بصقلية ولكنه لم يوضحها. ويظهر أنه من الصعب تعيينها بدقة لأنها تضمنت غير دلالة واحدة. ويرى الأستاذ أماري أنها خمس الغنيمة والأرض التي أخذت عنوة (٢) . ويقول دوزي: صاحب الخمس هو متولى الأرض التي أصبحت ملكاً للدولة في مدن افتتحت عنوة (٣) ويعرف المقريزي (٤) الخمس بأنه الضرائب المختصة بالثغور أي هو ما يؤدي في مصر مثلا من تجار الروم الواردين في البحر عما معهم من البضائع، بمقتضى ما صولحوا عليه، وربما بلغ ما يستخرج منهم ما قيمته مائة دينار ومائتان وخمسة وثلاثون ديناراً وربما انحط عن عشرين ديناراً، ويسمى ذلك خمساً ومثل هذا المعنى الأخير محتمل وجوده في صقلية لموقعها البحري لولا أن ابن حوقل يميز بين ثلاثة أنواع من الضرائب هي الخمس ومال البحر وقبالة الصيود. وأما ديوان الصناعة فليس هناك شيء واضح عنه وكل ما نعرفه هو ما ذكره ابن سعيد في ترجمة أبي الحسن علي بن المعلم إذ قال إنه صاحب الديوان الصناعة (٥) . وأما ديوان الخاصة فيذكره المقريزي والقلقشندي باسم ديوان الخاص. وفي مختصر الدرة أن ميمون بن أبي بكر الوراق الشاعر مدح على ابن القطاع المتقلد ديوان الخاصة (٦) . وربما كان هذا الديوان خاصاً بالإشراف على إقطاعات الوالي وشئون قصره، وفي أيام المقريزي كان يشمل دار الضرب (٧) .

стр. 48

وأحفل هذه الدواوين بالصبغة الأدبية ديوان الإنشاء إذ لم يكن يتولاه إلا أجل الكتاب بلاغة، وعلاقته بالوالي متينة، وليس يحجب عنه أبدا، ومن أصحابه في صقلية ابن الطوبي وابن الودانى وغيرهما من مشاهير كتابها. ونجد في العهد النورماني ديوانين آخرين هما ديوان الطراز وديوان التحقيق. والأرجح أن هذين كانا موجودين في العصر العربي وربما كان ديوان الطراز هو ديوان الصناعة نفسه إلا إن فرضنا أن هناك خطأ نسخياً وأن ديوان الصناعة هو في حقيقة الأمر دار الصناعة، وكان عمل ديوان التحقيق المقابلة على الدواوين جميعاً (١) ، وله في مصر الفاطمية وجود، ومن ثم لا يستبعد وجوده في صقلية الإسلامية.

стр. 49

فراغ

стр. 50

الفصل الثاني الحياة الاجتماعية ١ - طبيعة الفتح العربي ٢ - أهل الذمة ٣ - الأجناس التي دخلت صقلية ٤ - الأنظمة المالية والتفاوت في الثروة ٥ - النهضة الزراعية والصناعية ٦ - الدين والأخلاق

стр. 51

فراغ

стр. 52

١ - طبيعة الفتح العربي في طبيعة الفتح العربي؟ كما أجملته في الفصل السابق؟ ما يفسر طابع المجتمع الصقلي من نواح عدة. فهذا الفتح هو الذي أضاف إلى العناصر الصقلية القديمة عناصر جديدة تجمعها غاية عسكرية أو وحدة دينية، وتفرق بينها نزعات عنصرية. والخط البياني لسير الفتح يرسم توزيع المجتمع الجديد، ويشير إلى انحسار العناصر القديمة أو انعزالها. وعلى أساسه تعلل الفوارق التي قامت بين الجهات الشرقية وغيرها من صقلية. وبعبارة موجزة إن الفتح خط قوي عميق يكاد يفصل بين صقلية في كل ما عرفت من حضارات وبين صقلية الإسلامية، لأنه الحركة الخارجية التي استطاعت أن تغير النظم الاجتماعية وتبسط على الجزيرة قيما جديدة ودينا جديداً، نعم لم يكن الفتح خيراً كله لن صقلية شقيت به حيناً بالقتل والسبي والتخريب وحرق المزروعات وقطع الكروم، وانهزمت أمامه بعض الحريات، والمعتقدات القديمة، ولكنا حين نتحدث عن الفتح يجب أن لا ننسى أننا نستعيد صورة من صور القرون الوسطى وكل هذا لا ينفي أثره في الهيئة الاجتماعية الأصلية: في الثقافة وفي نظام الطبقات وفي الحياة العمرانية. ٢ - أهل الذمة ويظهر أن الفاتحين جعلوا صقلية ولايات ثلاثا هي ولاية مازرونوطس ودمنش وإن يكن هذا الظن يفتقر إلى شواهد تؤيده (١) . وفي هذه الولايات عاش السكان الأصليون الذين سموا ذمييين على أربع أحوال؟ وخاصة في الفترة الأولى في العهد الأغلبي؟ فكان فيهم المستقلون الذين يصرفون شئونهم

стр. 53

الداخلية حسبما يريدون، ويدبر أمورهم سلطات بلدية كما كان الحال قبل الفتح، وهم ممتنعون وراء الأسوار، خاضعون في كثير أو قليل للإمبراطور البيزنطي، ويتآمرون معه على المسلمين، وإذا رأوا المصلحة في السلام عقدوا معهم معاهدات لا تزيد فترة إحداها على عشر سنين (١) . وانتهى الاستقلال أكثرهم حين خرج إبراهيم بن الأغلب في الجهاد سنة ٢٨٩ هـ وفتح طبرمين عنوة فهرب كثير من أهلها إلى البيزنطيين ووقع الباقون في السجن (٢) . وتمخض جهاد إبراهيم عن نقص في الجنسين الإغريقي والإيطالي في شرق الجزيرة وأصبحت البقية الباقية منهم تحيا حياة ضنك وشدة وخطر، وتحولت المدن التي كانت مستقلة إلى مدن تدفع الجزية، وانفصمت علاقاتها الوثيقة ببيزنطية، وزادها انفصاما ذلك السلام الذي قام بين البيزنطيين والفاطميين (٣) . وكان من سياسة إبراهيم في جهاده أن يرفض الجزية من المدن التي تغلب على أمرها، وأن يفرض على الذميين سياسة متشددة، ويأمرهم بالتمييز بعلامات فارقة. ولكن طبرمين عادت إلى وجودها شبه المستقل حتى فتحت عام ٣٥١هـ في أيام الكلبيين وقبل أهلها النزول على حكم العبودية حتى منحوا الأمان (٤) . وفي هذه الفترة كانت الروح الدينية في ولاية دمنش تنمى نفسها بين السكان وتوجه حياتهم الحضارية، وفي ظل تلك الروح قام القديسون يبثون في الشعب الكراهية للفاتحين ويشجعونهم على المقاومة. ولا تزال منطقة دمنش إلى اليوم إغريقية الطابع إذا قورنت بغيرها من جهات صقلية. وفريق آخر من الذميين هم أهل الجزية ولنا أن نقدر في هؤلاء تغير الناحية النفسية من قوم يتمتعون بقسط من الحرية إلى قوم مغلوبين، وكان هؤلاء يعيشون في أمان إذا هم وفوا بما عاهدوا المسلمين عليه، ودفعوا الضرائب المطلوبة منهم، ولكنهم كانوا ينتهزون اختلاف المسلمين فيما بينهم أو يستجيبون للكره

стр. 54

الديني والروح القومية، فيحطمون حدود المعاهدات ويتخطون شروطها (١) وكانت مدنهم يحض بعضها بعضا على الثورة فتضطر الجيوش الإسلامية إلى إخضاعها بالقوة، وحينئذ لا تعود الجزية كافية مقنعة للمسلمين؟ ولياج وطبرمين أيام إبراهيم مثال على ذلك؟ بل يصبح أهل هذه المدن أشبه بجماعات العبيد التي لا تملك شيئاً من الحرية. وقد شاع الولاء في المنطقة الإسلامية مثل ولاية مازر. وهذا ما يجعلنا نفهم قول ابن حوقل في الصقليين " والغالب عليه الرعاع. . . وأكثرهم برقجانة وموال يدعون ولاء قوم افتتحوها وقد هلكوا " (٢) . والطبقة الرابعة من الذميين هم العبيد وقد أحدث فيهم الفتح أكبر أثر مباشر وقد رأينا العبيد وكولوني الأرض في العصر البيزنطي وعرفنا سياسة السادة نحوهم والحيف الذي صبه جرجوريو عليهم، فلما شاهد هؤلاء جيوش الفاتحين وجدوا طريقاً للخلاص من قيودهم القديمة، وأملوا أن يجدوا في أسيادهم الجدد قلوباً أرحم ومعاملة ألطف، فنبذوا دينهم القديم، وتملقوا الأسياد الجدد باعتناق دينهم الجديد، ليكلفوا لأنفسهم شيئاً من الرفق في المعاملة. وأصبح الأرستقراطية القدماء ينظرون بحيرة إلى مزارعهم وهي خالية من عبيدهم الآبقين (٣) . وأصبح العبيد في المجتمع الإسلامي طبقة كبيرة وزاد عددهم بكثرة الأسر والسبي والشراء، وهيأ لهم الفتح حرفة جديدة تدر عليهم دخلا معقولا، إذ دخلوا في صفوف الجيش، وكان الفيء لهم موردا من الرزق منظماً، إلا أن الجيش شقى بهم فيما بعد حتى أصبحوا عنصراً خطراً قابلاً للثورة، وتضخم عددهم بعد الفتوحات في قلورية، وأضاف إليهم إبراهيم بعض الذين نفاهم من أفريقية. وفي أيام جعفر بن ثقة الدولة اتحدوا مع البربر وأيدوا علياً أخا جعفر وكان من نتيجة ثورتهم هذه أن قتل العبيد عن آخرهم (٤) وهو خبر لا نفهمه إ لا إن

стр. 55

قدرنا أن الذين قتلوا هم العبيد في الجيش. ومن كثرة العبيد والعناصر المحلية في الجيش أصبح الوالي في أيام بني الأغلب عاجزاً عن أن يسوسه أو يتحكم في أمره وزاد عنف الجنود وتحكموا في شئون السياسة حتى جاء ابن قرهب فنصح الخليفة الفاطمي بأن يكبح من جماح العسكر الصقلي بجيش خارجي، وأصبحنا نسمع في صقلية بجيش الأفريقيين وأغلبهم من كتامة. ثم كان من أسباب فساد الجيش أيام الكلبيين إعطاؤهم اقطاعات بدلا من النقود. ٣ - الأجناس التي دخلت صقلية تلك هي حال الذميين أما العناصر الإسلامية الجديدة التي دخلت الجزيرة فاتحة أو مهاجرة، أو منفية، أو لاجئة، فكانت خليطاً ضخماً من جنسيات عدة منها ما ينسب إلى أصول بلدية كالشامي والسوسعي والباغاني، ومنها ما ينسب إلى اصول قبلية كالكلبي والقيسي والكتامي واللواتي، ومنها ما ينسب إلى الحرفة كالوثائقي والغضائري والخراز. وكانت بلرم تعكس صورة هائلة من هذا الخليط المتموج المتحرك، منذ أول عهدها بالفتح العربي. وقبل ابن حوقل بمائة عام تقريباً وصفها الراهب ثيودوسيوس بقوله: " حافلة بالناس من أهلها والغرباء حتى كأنه قد اجتمع فيها كل المسلمين من شرق إلى غرب ومن شمال إلى جنوب، وبين أهلها من صقليين وإغريق ولمباردين ويهود ترى العرب والبربر والفرس والتتار والزنوج، بعضهم يرتدي العباءة والعمامة، وبعضهم يلبس الجلود وفيهم أنصاف عراة وثمة وجوه مستطيلة أو مربعة أو مستديرة من كل سحنة وهيئة، ولحى من كل لون طويلة أو قصيرة " (١) . وقد أضاف ابن حوقل إلى هؤلاء ذكر الصقالية وكان لهم في بلرم حارة مستقلة، اما اليهود فكانوا مستقلين أيضاً بحارتهم، وربما كان المركز التجاري

стр. 56

للجزيرة يهيئ لهم مقاماً نافعاً. ونسمع عن صلات كانت لهم بيهود المشرق وخاصة في فلسطين. وهناك رسالة بعث بها يوشع روش يشيبا إلى المجامع القاطنة في المدن الصقلية يطلب فيها مساعدات مالية من يهود صقلية، وقرئت الرسالة في معابد الجزيرة ووعد المصلون بالدفع، ولكن قبل إن يتمكنوا من جمع شيء وقع اليهود تحت طلبات جديدة بهظتهم بها الحكومة وأعجزتهم عن الاكتتاب في سبيل إخوانهم، واضطر بعضهم إلى الهرب من صقلية، وأبى شيوخ الجماعة (ولعلهم شيوخ بلرم) أن يردوا على رسالة يوشع دون أن يرفقوا إجابتهم بشيء من المال. وربما كانت هذه الرسالة في زمان الخليفة الحاكم (١) . وظل اليهود بصقلية في العصر النورماني ولما زار بنيامين التطيلي صقلية (١١٦٩م) في أيام غليالم الثاني وجد في مسينة مائتي يهودي وفي بلرم ألفا وخمسمائة (٢) . وربما كان لبعض هؤلاء اليهود نشاط علمي إلى جانب نشاطهم المالي. وتدل أسماء الأعلام والأماكن الصقلية على الأجناس والقبائل التي كانت تملأ الجزيرة، وهي تثبت أن صقلية اكتظت بأناس من جميع الشعوب الساكنة في الإمبراطورية الإسلامية ومن هؤلاء عرب عدنانيون وقحطانيون، ومن القحطانيين وهم الأكثرية الغالبة من الجنس العربي همدانيون وكلبيون، وجاء الفتح إلى صقلية بالخراسانيين وغيرهم من الفرس، ودخلوها من إفريقية في القرن الثامن، وربما كان ركمويه زعيم السفهاء في إحدى الفتن فارسي الأصل، كما أن بني الطبري من أعيان بلرم تشير نسبتهم إلى طبرستان، وتدل عين السندي وبلهرا على مهاجرين من أصل هندي، وهذه السماء والمنازل تعين النواحي التي نزلها المسلمون وخاصة بلرم والشاطئ الممتد منها إلى طرابنش. ودخل الجزيرة جماعات كثيرة من البربر سكنوا النواحي الشمالية من ولاية

стр. 57

مازر، وكانت جرجنت عاصمة للجماعات البربرية، وأسماء الأماكن الواقعة بين مازر ولقاطة تدل على القبائل البربرية فهناك اندراني، وقرقود ومزيزينو وحجر الزناتي ومليلي وكلها أسماء أماكن تشير إلى القبائل البربرية، إنداره ومزيزة وزناته، ومليلة، وفي أيام الفاطميين امتازت كتامة ودخلت مع خليل ابن إسحاق إلى صقلية، وغير هذه القبائل قبائل بربرية أخرى كثيرة. وكانت هذه العناصر تتحرك بالفتن فيما بينها حتى انصبغت الثورات أيام الأغالبة بمظهرين: ثورات بين شيوخ المدينة وبين الأغالبة والدافع إليها التنافس على انتخاب الوالي، وثورات بين العرب والبربر، ويمكن أن يقال إن البربر الذين منحوا الإقطاعات أجوراً لهم هم الذين اشتهروا بخلع الطاعة لأنهم لم يكونوا يطيقون الإخلاد إلى حياة الزراعة وإنما كانوا يفضلون أخذ الفيء أجوراً لهم (١) أما العرب فبرزوا أيام الكلبيين وخاصة اليمينية منهم، ولكنا لا نسمع لهم بعصبية ظاهرة إلا أيام ابن قرهب، ولا نجد لحسن الحظ خلافاً بينهم على أصول القيسية واليمينية لأن القيسية فيما يظهر كانوا قليلي العدد. وحيناً كان العرب والبربر يتحدون تحت اسم الأفريقيين ويواجهون الصقليين، ولما دخلت كتامة أرض الجزيرة. وأصبحت مستند الوالي خفت صوت الصقليين لضعفهم النسبي إزاء العناصر الأخرى. ثم كانت فتنة صقلية الأخيرة عودة لسيادة العناصر الصقلية بعد قتل العبيد ونفي البربر. ولما وقعت الهدنة بين الخليفة المعز والإمبراطور البيزنطي كتب المعز إلى والي صقلية؟ الأمير أحمد؟ يعرفه بالصلح ويأمره ببناء أسوار المدينة وتحصينها ويعلمه أن البناء اليوم خير من غد، وأن يبني في كل إقليم من أقاليم الجزيرة مدينة حصينة وجامعاً ومنبراً، وأن يأذن أهل كل إقليم بسكنى مدينتهم، ولا يتركوا متفرقين في القرى، فسارع الأمير أحمد إلى ذلك وشرع في بناء سور المدينة وبعث إلى جميع الجزيرة مشايخ ليقفوا على العمارة (٢) . وينفرد

стр. 58

النويري بهذا الخبر الطريف وحديثه عن سور بلرم يوافق قول ابن حوقل بأن سور بلرم من حجارة مانع شامخ، ويتفق مع الإصلاحات التي ينسبها الرحالة للأمير أحمد في أبواب المدينة (١) . أما البقية الخبر فلا نستطيع أن نفهمه إلا بنوع من التأويل. ويرى الأستاذ أماري أن " أهل كل إقليم " ليس من الضروري أن تعنى كل السكان مسيحيين كانوا أو مسلمين، أحراراً أو ذميين أو عبيداً، نبلاء أو وضعاء، بل ليس من الضروري أن تعنى كل المسلمين ويستنتج أن الإقليم في الاصطلاح يعنى منطقة عسكرية، وأن أهل الإقليم ندل على الجند وحدهم. ويفترض أماري أن الوالي كان يقسم على الجنود؟ وخاصة في ولاية دمنش؟ إقطاعات بدلا من النقد فأصبح الجند مشتتين في القرى يفلحون أرضهم، وانتشر على آثارهم جامعو الضرائب، وكان هذا سبباً في الفوضى وفي وقوع الحيف على الذميين (٢) وكان من ذلك صدور الأمر من المعز إلى الأمير أحمد. أما الجامع والمنبر فقد كانا تأييداً للخليفة في كل مدينة بالجزيرة وتثبيتا للدعاء له. وأضاف المعز إلى هذه السياسة من تألف الصقليين ما أنفقه على أهلها سنة ٣٥١ هـ في إعذار بعض الأمراء من بنيه وقد حمل في هذه المناسبة إلى صقلية سوى الخلع والثياب خمسون حملا من الدنانير، كل حمل عشرة آلاف دينار. وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبي (٣) ولم يعف أولاد المليين والذميين من الختان. وهذا الرقم لا يستطيع أن يدل على نسبة معينة في سكان الجزيرة، ويقدر ابن حوقل عدد سكان بلرم بثلثمائة ألف نفس. ولا شك أن خليل بن إسحاق أهلك بأعماله الحربية ثلث سكان ولاية مازر الإسلامية. ولعل عدد سكانها سنة ٩٣٨ م مع بلرم كان مليوني نسمة، المسلمون منهم أقل من النصف (٤) . وأكثر السكان الصقليين القدماء

стр. 59

الذين انحازوا إلى ولاية مازر كانوا يضمون بعض الأحرار وكثيراً من أهل الموالي والعبيد، وكان بعضهم مسيحيين وبعضهم يهودا، وكان معظمهم يعيش في المدن وأقلهم في القرى (١) . ٤ - الأنظمة المالية والتفاوت في الثروة خضع السكان على اختلاف طبقاتهم وأجناسهم لأنظمة الإسلامية في الضرائب، فوضع العشر على أراضي المسلمين، وخضعت بعض الأراضي التي يملكها غير المسلمين لخراج مؤقت، كما فرض على بعضها خراج دائم وبقيت أملاك أخرى كالحبوس والأوقاف تطبق عليها أنظمة خاصة (٢) . والحقيقة أننا لا نملك وثائق عن هذه الأمور نستبين منها حال صقلية بالذات وأقصى ما يمكننا عمله أن نقيس صقلية بما كانت عليه الحال في إفريقية والأندلس ونتعرف إلى طرق الجباية وأنواع الضرائب والاقطاعات فيها ثم نحاول أن نقول إن الأمر في صقلية كان كذلك، وليس هذا مما يقدم البحث كثيراً لأن الهدف المنهجي الأول أن ندرس صقلية نفسها بكل ما تهيئه من معلومات، قلة وكثرة. والنص القديم الوحيد الذي نملكه عن الضرائب بصقلية هو ما أورده ابن حوقل إذ يقول إن الضرائب تضم: " خمسها ومستغلاتها ومال اللطف والجوالي المرسومة على الجماجم ومال البحر والهدية الواجبة في كل سنة على أهالي قلورية وقبالة الصيود وجميع المرافق؟ (٣) " ولا تزال بعض هذه الضرائب غامضة مثل المستغلات، فهل تدل على نوع محدود من الضريبة؟ ومال اللطف هل هو

стр. 60

المال الحاصل من هدايا خاصة في مواسم معينة؟ أما الخمس فقد بينت المعاني التي يتحملها، وأما الجوالي المرسومة على الجماجم فهي مال الجزية المفروضة على غير المسلمين. والجزية في أيام المقريزي تسمى الجوالي ويقول القاضي الفاضل في متجددات سنة ٥٨٧ إن الجوالي قلت جدا لكثرة إظهار النصارى للإسلام (١) وهذا يقطع بأن الجوالى هي الجزية. وأما مال البحر فهو ما يحصل على السفن الراسية في الموانئ الصقلية. والقبالة نوع ممن الضمان أي أن المصايد كانت تعرض على متقبلين بمبالغ معينة وقد يكون المتقبل هو المباشر للعمل أو ينتدب له من يريد (٢) وإذا لم تكن (المرافق) كلمة عامة فهي تدل على ما يحصل من مال على المراعي والمنتجات المحلية. وكانت المرافق في مصر تشمل المال الهلالي أيام ابن المدبر ثم أسقطها أحمد بن طولون وأحياها العبيديون وأصبحت تعرف بالمكوس (٣) . ولا شك أن الضريبة العشرية كانت على أراضي من اعتنق الإسلام من المسيحيين وأكثرها كان يحصل من ولاية مازر في القرن التاسع ثم من ولاية نوطس ودمنش في القرن الذي يليه (٤) . وكان بعض الولاة يطلق يد العشارين فيجورون على الناس. وفي نسخة كمبردج العربية (٥) أن ابن سالم أتى سنة ٢٤٣٥ ٩٢٧ م بشيخين استغرما أهل صقلية وكرر هذا العمل سنة ٣٤٤٠ ٩٣٢م ولا نستطيع أن نفهم من هذا الخبر إلا استهانة بعض الولاة بأهل البلاد مع أن التهاون في النواحي المالية كان من اكبر الأسباب الحافزة للسكان على الثورة. وفي خبر من أواخر العهد الإسلامي أن ابن الباغاني الكاتب غير الضريبة على أهل صقلية، فجعل العشار من طعامهم وثمارهم وإنما كانت العادة أن يؤخذ على الزوج البقر شيء معلوم ولو أصاب ما أصاب. والخبر يدل على الطريقة التي كانت متبعة في صقلية لعهد

стр. 61

طويل. ولما أخذ جعفر بن الأكحل بالتضريب بين العناصر الصقلية والأفريقية حمى أملاك الأفريقيين وأخذ الخراج على أملاك الصقليين فأعلنوا الثورة. غير أن أهم أثر أحدثته النظم الإسلامية في لأرض هو طرق توزيعها، فقد كان الجرح العميق الذي تشكو منه صقلية هو الإقطاعات الكبيرة، وفي فترة قصيرة قضى نظام الإرث الإسلامي على هذه الاقطاعات. وفي القرن الثاني عشر نجد في ولاية مازر أسماء عربية كثيرة تملك مساحات صغيرة من الأرض ولكن النظم الإسلامية لم تكد تنقذ صقلية من الإقطاعية الكبيرة حتى عادت هذه أليها مع الفتح النورماني (١) . وليس معنى ذلك أن الإقطاعات الكبيرة فقدت في العهد الإسلامي بل ظل الأمراء والخاصة يحتفظون لهم بإقطاعيات واسعة واحتكارات خاصة تدر عليهم أموالا طائلة. وقدم إلى أحد العباد في القيروان كعك فرده، وقال: لست آكل سكر صقلية وعلل امتناعه عن أكله بأنه يعمل من ضياع اقتطعها السلطان (٢) . وكان الحديد مستغلا لبعض بني الأغلب ثم انتقل إلى أيدي بني أبي الحسين، ومنه كانت تعمل مراكب السلطان وقرسطياته (٣) وكان جزء من البردي محتكراً لعمل طوامير للسلطان خاصة. وفي هذه البيئة قام التفاوت البين في الثروة بين الطبقات. ومع أننا نعلم مثلا أن أبا القاسم الكلبي لم يخلف دينارا ولا درهماً ولا عقاراً لأنه وقف أملاكه كلها على الفقراء وأبواب البر (٤) إلا أننا نعرف كذلك أن ثقة الدولة ارتحل إلى مصر ومعه ٦٧٠ ألف دينار و ١٣ حجرة سوى البغال وغيرها (٥) - كل هذا الثراء بينما الفرد العادي من الطبقة التي عاشرها ابن حوقل لم يملك بدرة عين ولا رآها إلا عند سلطان، إن كان ممن يدخل إليه، ومحله محل من يؤذن

стр. 62

له عليه (١) وكان المهاجرون إلى صقلية في النصف الأول من القرن العاشر أهل حرف أو جنوداً أو لاجئين (٢) . ولدينا ما يفيد أن أحد الأفريقيين ورث من أخ له مات بصقلية أربعمائة دينار أعانه عليها إبراهيم بن أحمد الأمير (٣) . وتحت عنوان الفقر تستطيع أن تسلك طبقة المعلمين، ولم يكن يزيد دخل بعضهم عن عشرة دنانير في العام، ومثلهم بعض الشعراء، وتسمع عن شاعر يسمى الرزيق كان محدوداً محارفاً وقد بره مرة بعض الولاة بدنانير فلما عاد إلى بيته وجد اللص قد استصفى ما فيه (٤) ، وكذلك كان كثير من العلماء فقراء. والحقيقة التي لحظها ابن حوقل أن هناك فقراً شاملا إلا لأقلية معينة، واستتبع هذا الفقر وقلة المال في ايدي الناس رخصاً في الحاجات وقلة في النفقات. ومما زاد الرخص كثرة العرض في السلع وخاصة الزراعية منها لخصب الجزيرة وهو الموضوع الذي تقف منه المصادر العربية وقفة المعجب. ومنذ القرن التاسع نسمع الاصطخري يقول بأن في صقلية من الخصب والزرع والمواشي والرقيق ما يفضل سائر مدن الإسلام المتاخمة للبحر (٥) . ولكن لابد من ان نقر بان الجدب كثيراً ما كان يعتري الجزيرة وفي سنة ٣٤٤٤ ٩٣٦م جاءت ريح عاصف قبلية حرقت الدوالي والثمار ولم يكن في تلك السنة قطاف (٦) . وبعد الحروب المهلكة التي قام بها خليل انتشرت المجاعة في المدينة والبوادي " حتى أكلوا الوالدون أولادهم (٧) ". واشتدت المجاعة كثيراً حتى خربت قلاع صقلية وبواديها. وكثيراً ما كانت الفتن تجعل الناس يغفلون عن العناية بمحاصيلهم فيسوء حالهم. ويحدثنا ابن حوقل أنه لما دخل صقلية كانت قد استحالت جميع أمورها من الخصب إلى الجدب (٨) .

стр. 63

٥ - النهضة الزراعية والصناعية ومن أسباب رخص الحاجيات وكثرتها أيضاً النهضة الزراعية والأساليب الزراعية واستغلال كل ارض صالحة لأن تفلح، وتهيئة الأرض لأنواع جديدة من المزروعات. ففي أيام البيزنطيين كانت صقلية تهتم بالقمح والكرمة وتعتمد في الزيتون والزيت على شمال إفريقية، ويظهر أنها ظلت تستمدها من هناك في العصر الإسلامي أيضاً، لأن صاحب كتاب الاستبصار لا يزال يقول في زيت سفاقس " وعليه معول أهل صقلية وإيطالية وأنكبورده وقلورية " (١) وفي أخبار الفتح نسمع عن الكروم حول طبرمين وكلاما مبهماً عن الزروع. أما المسلمون فإنهم أدخلوا إلى صقلية كثيراً من أنواع الزراعة جاءوها بالليمون والبرتقال والقصب والأرز والنخيل والقطن والبردي حتى نشأت في صقلية أساليب زراعية تلائم بيئتها وأصبحنا نسمع في كتاب الفلاحة بما يسمى طريقة صقلية في زراعة البصل مثلا (٢) أو عادة أهل صقلية في زراعة القطن (٣) أو طريقهم الخاصة في عمل معنب من عصير العنب الحلو (٤) . وأكثر الناس من زراعة الخضروات وبعض أنواعها أدخله المسلمون إلى الجزيرة. وكانت بلرم وضواحيها عامرة بالبساتين والأجنة والطواحين على وادي عباس (٥) . وكانت الأراضي السبخة القريبة منها مزروعة بالقصب الفارسي وبالمقاثي الصالحة، وكان في خلال أراضيها بقاع قد غلب عليها البربير وهو البردي المعمول

стр. 64

منه الطوامير وأكثره يفتل حبالا للمراكب وأقله يعمل للسلطان منه طوامير لا يزيد على قدر كفايته (١) . ويذكر المقدسي كثرة الفواكه والخيرات والأعناب في بلرم وضواحيها (٢) وتتردد في الشعر بساتين المعسكر ومتنزهاته وفواراتها، ولم يغير الفتح النورماني كثيراً من عمران صقلية ولذلك نستطيع أن نعتمد على ما كتبه الإدريسي لنتصور الحالة الزراعية بصقلية في العصر الإسلامي. وليس هنالك من بلد مذكور في نزهة المشتاق لا يقترن به ذكر البساتين والمنازه والمياه والمزارع الطيبة؟ كذلك كان الحال في بلرم وجفلوذ ومسينة وقطانية وقارونية ولنبياده وبثيرة وجرجنت وسائر القلاع والحصون، داخلية كانت أو ساحلية. وحول شنت ماركو خاصة كان يكثر البنفسج ذو الرائحة الفائحة العطرة (٣) . وشملت النهضة أيضاً الحياة الصناعية، وكانت هذه ذات أصول في العصر البيزنطي. وقد مر بنا أن الجلود الأرجوانية اللون والحرير اللازوردي وبعض الصوف كانت مما يحمل من صقلية إلى رافنا. ولكن الصناعة في العصر الإسلامي كثرت وتقدمت وشمل الإتقان عدة أنواع منها. واعتمدت الصناعات على الحاصلات النباتية والحيوانية والمعدنية فقامت صناعة السفن على الخشب من حول جفلوذ (٤) وعلى الحديد من بلهرا (٥) وكان القطن الذي يزرع حول حطين (٦) يصدر بكثرة إلى البلاد أفريقية (٧) ومن ميلاص يتجهز بالكتان الكثير الطيب (٨) ، وكان الكتان الصقلي ذا شهرة واسعة. ويذكر ابن حوقل أن ثياب الكتان فيها لا نظير لها جودة ورخصاً، ويباع مستعملها مما يقطع قطعين من الخمسين رباعياً إلى ستين رباعياً فيزيد على ما يشتري من أمثاله

стр. 65

بمصر بالخمسين والستين ديناراً كثيراً (١) . وفي خطط المقريزي أنه وجد لعبدة بنت المعز في جملة ما وجد في خزائنها ثلاثون ألف شقة صقلية (٢) . وربما دلت هذه الشهرة المبكرة في الكتان على رسوخ صناعته في العصر الأغلبي إن لم يكن قبله. ويقول المقدسي: ومن صقلية تحمل الثياب المقصورة الجيدة (٣) ويقول ناصر خسرو: ويجلبون منها كتاناً رقيقاً وثياباً منقوشة يساوي الثوب منها في مصر عشرة دنانير مغربية (٤) . ولا ننسى بجانب المنسوجات صناعات أخرى قائمة على المواد الحيوانية كالجلود، لشهرة صقلية بالمواشي كما في أشعار بندار. أما تلك التي يذكرها ثيوقريطش في قصائده فهي أنواع من المعزى وبعض المعزى الموجودة فيها اليوم من ذوات الأذن المتدلية مما يرجح أن العرب هم الذين جلبوها (٥) وكان لخيول صقيلة في العصر البيزنطي شهرة واسعة إذ كانت تربى بكثرة في إقطاعات البابا ويستمد الباباوات خيولهم منها. ولما دخل العرب صقلية دخلتها الخيول العربية وطمست شهرة الخيول المحلية، وكذلك جاء المسلمون بالجمل إلى صقلية ولكنه انقرض منها. وقد مر بنا أنه كانت تصنع فيها حبال والطوامير والسكر، ويذكر ابن حوقل صناعة الخمور وتحضير القند (٦) . كما كانت تعتمد صادراتها على مستخرجات الثروة المعدنية كالكبريت والشب والزفت والقطران، وعلى ثروة الغابات الخاصة من جبل إتنا الذي يؤخذ منه الجوز والقسطل وخشب الأرزن (٧) أضف إلى ذلك مستخرجات البحر والأنهار كسمك التن والمرجان. أما الواردات

стр. 66

إليها فكانت تشمل كل ما تدفع إليه الحاجة من سائر الطلبات (١) . واستدعت النهضة الصناعية تعدد الحرف في أيدي الناس. وفي بلروم وحدها عدا ابن حوقل أصنافاً كثيرة منها وذكر أن أهل حرفة سوقاً. فبين مسجد ابن سقلاب والحارة الجديدة كانت تقع أكثر الأسواق كسوق (الزياتين بأجمعهم والدقاقين والصيارفة والصيادنة والحدادين والصياقلة وأسواق القمح والطرازين والسماكين والأبزاريين وطائفة من القصابين وباعة البقل وأصحاب الفاكهة والرياحين والجرارين والخبازين والجدالين، وطائفة من العطارين والجزارين والأساكفة والدباغين والنجارين والغضائريين والخشابين خارج المدينة. وببلرم طائفة من القصابين والجرارين والأساكفة وبها للقصابين دون المائتي حانوت لبيع اللحم والقليل منهم برأس السماط ويجاورهم القطانون والحلاجون والحذاءون " (٢) . وهذه الفقرة الإحصائية غنية بالدلالة على حال السوق في بلرم أثناء العصر الإسلامي. ٦ - الدين والأخلاق ونجد ابن حوقل يصف الصقليين (٣) بقلة المرؤة، وبإقبالهم على شهادة الزور، ويرميهم بقلة الفطنة وكلال الفهم وحدة الجهل وسرعة الطيش وموت اليقظة وبراعة اللؤم، ويصل بين هذه الصفات فيهم وبين أغذيتهم السيئة ومطاعمهم المنتنة وخاصة إكثارهم من أكل البصل؟ الأمر الذي بلد إحساسهم ويصمهم بغلظ الطباع وسوء الخلق وغلبة الجفاء وطول المراء. وهذا الوصف منصرف إلى أهل بلرم. أما أهل بواديها وأرباب تلك البوادي فتغلب عليهم

стр. 67

بهيمية غامرة لألبابهم، وغفلة عن الحقوق والواجب ظاهرة في معاملاتهم، وقول من الحق بعيد، وشنآن للغريب والطارئ عليهم عظيم شديد، لا يألفون ولا يؤلفون، وهم في كرههم للغرباء يشبهون أهل بلرم حاضرتهم فقد طبع أهلها على بغض التجار والغرباء المجهزين، مع جفاء معدوم النظير في أجفى الجبليين، مع أن مصالحهم تعتمد على الجلابين، وهم محتاجون إلى المسافرين لقيام حياتهم على التجارة. وليس من الضروري ان نصدق ابن حوقل في كل ما يقول لأنه يصور أخلاق قوم كرههم، فليس من السهل أن نأخذ ما يقوله في هذه الناحية بالتسليم وبخاصة لأنه يتحدث عن أمور اعتمد في تصويرها على الشعور فأشبه بذلك الشاعر الذي يهجو. ثم إن الأخلاق نسبية تتغير من إقليم إلى إقليم ولا شك أنه كانت بين العراق وصقلية فوارق في الحياة الاجتماعية جعلت ابن حوقل يكره من صقلية ما لم يكن عراقي الصبغة، وكذلك حال ابن حوقل في الأندلس فإنه لم يستسغ فيها أشياء كثيرة، وهذه الفوارق نمت مع الزمن وصورها ابن سعيد في المفاضلة بين المشرق والمغرب (١) وهي أمور يلمحها الغريب. وقد انتقد ابن جبير الرحالة أشياء في الشاميين وجدها تخالف ما عليه حال الناس في بلده وأحس بالكره لها. والأساس الذي يبني عليه ابن حوقل قلة المروءة والبلادة في الصقليين فاسد، ونحن اليوم نمر بهذه الثورة على البصل مبتسمين. أضف إلى ذلك أن ابن حوقل كره صقلية لأنه غريب لم يجد فيها التقدير الذي يتطلع إليه غريب مثله، وهو عندئذ ذو حساسية خاصة بما يلقى من معاملة، وإذا صح أن الصقليين كانوا يكرهون الغرباء فإن من السهل أن نعلل ثورة ابن حوقل على صقلية. ثم هو قد كره صقلية لأنها كانت تثور على السلطان وتنقض الطاعة، ومن مهمته في رحلته أن يؤكد الناس ولاءهم للسلطان وخضوعهم له، وهو كذلك قد وجد فيها قوماً يشتمون أهل العراق ويستهجنون

стр. 68

مبادئهم في القدر والإرجاء. وتدل رحلته على أنه لم يختلط إلا بطبقات معينة، وأنه كان يألف الغرباء ويطمئن إليهم أكثر من أهل الوطن. وفي هذه الفترة نسمعه ينحي بالذم على أهل الوادي التابعة لبلرم ولكن أتراه زارها؟ وإن كان زارها فأين الوصف الدقيق الذي سجلته عينه النفاذة وجرأته النفسية؟ ومهما ننكر مما قاله ابن حوقل في ذم أخلاق الصقليين لا نستطيع ان ننكر أنه زار صقلية حين لم تكن تنعم الا ببوادر الهدوء والطمأنينة في ظل الكلبيين، وكانت قد مرت بها سنوات عصيبة، حتى ان ابن حوقل وجدها قد حالت من الخصب إلى الجدب. كما لا نستطيع أن ننكر أن أهل البلاد الأصليين، إن كان يعنيهم ابن حوقل بالتسمية الصقلية، كان اغلبهم من الموالي والعبيد، ولم يدفع هؤلاء إلى الإسلام إلا الرغبة في التخلص من بعض القيود الاجتماعية والمادية. ويحدثنا ابن حوقل أنه كتب كتاباً مستقلاً في صقلية جعله عشرة أبواب، بدأ فيه بذكر ما يتفاخر به أهل الأمصار والقبائل والبلدان وما يلحقهم من الفضائل وكيفية لحاقها بالكور والمدن والرذائل المقصرة ببعضها عن الفخر والطيب والحسن، ووسمه بكتاب صقلية ولم يترك لهم من فضيلة ورذيلة إلا ذكرها وسمى فيه معلميهم وذكر فتنهم وخلعهم للسلطان وطاعته وبعض فرقهم الدينية (١) ولا شك في أن هذا الكتاب الذي ذكرت فيه الفضيلة إلى جانب الرذيلة اثمن من تلك الصفحات التي جعلها فصلا من كتاب " صورة الأرض ". وخير ما يظهر لنا انحياز ابن حوقل إلى جانب المساوئ ما ذكره جغرافي آخر وصف أهل صقلية بقوله: " وأهلها مرموقون من بين من جاورهم بنظافة الأعراض والثياب والأحوال، متميزون بالجميل في الناس وحسن الصور والقصد في المعاش إلى مرؤات ظاهرة وعشرةة حسنة " (٢) . ومن مستغرب ما ذكره ابن حوقل عن أهل صقلية كرههم للغريب وهو شيء شاذ في بيئة تجارية تعتمد على الغرباء والجلابين، ولعل هذا الكره نشأ

стр. 69

في نفوسهم أولا نحو المهاجرين، ثم عم حتى شمل كل الغرباء المقيم منهم والعابر، واصبحوا يظنون أن كل غريب فإنما جاء ينافسهم في بلدهم ويستولي على أرزاقهم. أما الجفاء فهو أمر نسبي ولكنا نجد ابن قلاقس يلمسه حين زار صقلية فهو يقول في قصيدة أرسلها إلى أبي الفتح بن خلف الصقلي: وقمت لي من جفاء في صقلية ... بلطف مصر عليه ظرف بغداد غير أن ابن جبير لم يلحظ في البلاد حين زارها إلا اللطف في المعاملة، ولعل الفرق بينه وبين ابن حوقل وابن قلاقس أنه كان مشمولا بالعطف الديني على مسلمي الجزيرة وأنه مغربي وهما مشرقيان، يحسان بفرق واسع في الطباع بين المشرق وصقلية. على أي حال صور لنا ابن حوقل بهذه الوصاف مجتمعاً صقلياً منحلا ضعفت فيه الروابط الخلقية إلى حد غير قليل وتعارضت مقاييسه وقواعد الدين الإسلامي أحياناً. فقد وجد الرحالة فيها " رباطات كثيرة على ساحل البحر مشحونة بالرياء والنفاق والبطالين والفساق متمردين شيوخ وأحداث أغثاث رثاث قد عملوا السجادات، منتصبين لأخذ الصدقات وقذف المحصنات، نقم منزلة وبلايا شاملة وحتوف مصبوبة منصوبة وأكثرهم يقودون ومنهم لا يرى ذلك لشدة الرياء والسمعة وأكثرهم بالزور تطوعاً يشهدون، مع جهل لا يفرق فيه بين فرض الوضوء وسنته، ويقصدهم من أعوزه المكان لبطالته والموضع لعيارته فيؤونه، وربما شاركوه بتافه من المأكول على أحوال يقبح ذكرها " (١) ماذا نفهم من هذه العبارات على غموضها؟ وما معنى الذين اتخذوا السجادات؟ أكانوا يبتزون أموال الناس بإظهار الصلاح؟ وما معنى قوله: ومنهم من لا يرى ذلك لشدة الرياء والسمعة بعد قوله وأكثرهم يقودون؟ لقد أراد ابن حوقل؟ فيما يظهر؟ أن يصور في هذه العبارة جانباً مظلماً من حياة بعض الجماعات في بلرم، وهي طبقة من الناس احترفت البطالة وأقامت في رباطات على ساحل

стр. 70

البحر، تحاول أن تكسب عيشها بشتى الطرق، وكلها دنئ خسيس قائم على إهدار الكرامة وعلى النصب والاحتيال. ومن أهم ما لحظه ابن حوقل في صقلية فرقة ذات مذهب خاص تسمى المشعمذين واليها ينتمي أكثر أهل الحصون والبوادي والضياع أي هي منتشرة في الأرياف، وخاصة بين طبقات الموالي والعبيد. " ورأى هؤلاء التزويج إلى النصارى على أن ما كان بينهم من ولد ذكر لحق بابيه من المشعمذين، وما كانت من أنثى فنصرانية من أمها؟ لا يصلون ولا يتطهرون ولا يزكون ولا يحجون، وليس فيهم من يصوم شهر رمضان أو يغتسلون إذا صاموا من الجنابة، وهذه منقبة لا يشركهم فيها أحد، وفضيلة دون جميع الخلق أحرزوا بها في الجهل قصب السبق، ولقد أعررت كتابي هذا بذكرهم (١) ". ومن هذا الوصف يتبين لنا إلى أي درجة تقبلت نفوس الصقليين الدين الجديد، وهي نفوس أقوام من الفلاحين والجنود والأرقاء. وهذه ناحية تفسر في الواقع أكثر مظاهر الحياة العقلية والأدبية وقصورها على فئات المهاجرين. وإذا قرأنا كتب التراجم وجدنا فيها صورة غير هذه، تمثل لنا لوناً من التشدد في المحافظة على الدين ومقاييسه في الفضائل. ألم يكن في تلك الطبقة من العباد والحجاج والمصلين؟ ألم يكن فيهم صقليون أصليون؟ إن من الظلم لصقلية أن نؤمن بأن الفضل كان وقفاً على جماعات المهاجرين من عرب وبربر وغيرهم، ولكن ابن حوقل بعد ذلك انما يؤرخ ما شاهده في فترة معينة مما قد لا ينطبق على صقلية من بعده. ومن العبث أن نحاول رد من نعرف تراجمهم من الصقليين إلى أصولهم لنعرف أكانوا صقليين أصلا أم صقليين من أصل غريب عنها لنثبت أن فيمن كانوا من صقلية أصلاً قوماً متدينين يحجون ويصلون ويزكون ويتطهرون. وليس معنى هذا أني أدفع تهمة الانحلال الخلقي عن البيئة الصقلية فطبقات الموالي والعبيد كانت مطعونة في نفسياتها، وهي خصبة لنمو الرياء والملق والنفاق، واختلاط الأجناس يعطى الفرصة لوجود ذلك الانحلال. ثم إن قيام الحياة

стр. 71

في المدن الصقلية على التجارة يدعو في الغالب إلى العناية بظواهر الأشياء أكثر من الاحتفال بالتربية النفسية، ولا شك في ان كثرة المساجد، حتى يكون منها في قرية قريبة من بلرم مائتا مسجد، لا تدل دائما على تدين. وفي مثل هذه البيئة ما يسمى مراعاة العواطف وخاصة في المآتم والأفراح، وهذا الملق الظاهري يفسر السجادات، والمصلحة الفردية تفسير للتطوع بشهادة الزور، والفقر من وراء كل تلك الرذائل، أي أن الاختلال في نظم الحياة الاقتصادية هو العامل الأول في تلك النقائض ولست أستطيع أن أتصور إلى أي درجة كانت كثرة الأجناس من ناحية وشعور الأقليات بالانكماش على نفسها من ناحية اخرى، يمد ان الحياة الاجتماعية بتفكك في الروابط، واتضاع في القيم، وقصر ومحدودية في النظرة إلى النفع والضرر، وخاصة أن المادة الخصام على أصول العصبية وغيرها كثيرة وفيرة. وقد نلاحظ أن العصبية الإقليمية أوحت لابن حوقل بشيء كثير من الشنآن للمجتمع الصقلي، وباعدت بينه وبينه، وهي عصبية غير مستغربة حين نعرف أنها كانت تقوم بين بلدان صقلية نفسها، وهي مشاعر ورثتها منذ العصر البيزنطي، وقد رأينا كيف اغتاظ السرقوسيون لما رأوا بلرم في أول العهد الإسلامي قد أصبحت تتحكم في مصايرهم بعد أن كانت مدينة لا يأبهون بها، وفي أيام المسلمين كانت جرجنت مركز البرابرة تنافس بلرم عاصمة الأرستقراطية العربية. بل لا نستبعد أن يكون الانقسام الأخير في صقلية قام على أسباب من بينها تلك العصبية البلدية، أي أن الأقاليم كانت ثائرة على زعامة بلرم وصادف ذلك هوى في نفوس القواد المحليين، فانتهزوا الفرصة لما سنحت، واستقلوا، وكانت بلرم تمثل الحضارة رفعة ودنوا وتهيئ لمن ينزل فيها كل ما يمكن أن تقدمه الحضارة من خير وشر. وكان قد نشأ بينها وبين المدن الأخرى تفاوت واسع حتى كانت مثالا يثير المنافسة والحسد، وهذا الفرق في الترف نلمحه في صيحة ابن منكود صاحب مازر في وجه ابن البر اللغوي حين عرف أنه يشرب الخمر: " إذا كان ولا بد من شرب الخمر فهذا النوع

стр. 72

ببلرم وربما يعز وجوده هنا " (١) . ولعل في هذا ما يدل على نزعة المفاضلة بين البلدان كما أنه يدل على ميل ابن منكود ليجعل من مازر ملجأ لما اعتقد أنه فضائل إسلامية ولكن روح التدين شيء والسياسة شيء آخر، وقد أثبتت الأيام أن ابن منكود كان مخفقاً سياسياً (٢) .

стр. 73

فراغ

стр. 74

الفصل الثالث الحياة العقلية ١ - صقلية والصلات الثقافية ٢ - المدارس والمعلمون ٣ - هجرة الكتب إلى صقلية ٤ - الفقه والحديث والقراءات ٥ - النواحي اللغوية ٦ - الزهد والتصوف ٧ - علوم الأوائل ٨ - نظرة إجمالية

стр. 75

فراغ
следующие страницы →