Полный текст (220 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التي يتطوع بها أصحابها لا التي وجبت عليهم قبل أن يتطوعوا بها وإنما أكل النبي ﷺ من هديه أن كان تطوعاً فأما ما وجب من الهدي كله فليس لصاحبه أن يأكل منه شيئاً كما لا يكون له أن يأكل من زكاته ولا من كفارته شيئاً، وكذلك إن وجب عليه أن يخرج من ماله شيئاً فأكل بعضه فلم يخرج ما وجب عليه بكماله وأحب لمن أهدى نافلة أن يطعم البائس الفقير لقول الله: "فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" وقوله: "وأطعموا القانع والمعتر" القانع هو السائل والمعتر الزائر والمار بلا وقت فإذا أطعم من هؤلاء واحد أو أكثر فهو من المطعمين فأحب إلى ما أكثر أن يطعم ثلثاً ويهدي ثلثاً ويدخر ثلثاً ويهبط به حيث شاء والضحايا من هذا السبيل والله أعلم وأحب إن كانت في الناس مخمصة أن لا يدخر أحد من أضحيته ولا من هديه أكثر من ثلاث لأمر النبي ﷺ في الدافة فإن ترك رجل أن يطعم من هدي تطوع أو أضحية فقد أساء وليس عليه أن يعود للضحية وعليه أن يطعم إذا جاءه قانع أو معتر أو بائس فقير شيئاً ليكون عوضاً مما منع وإن كان في غير أيام الأضحى.
قال: ومن ضحى قبل الوقت الذي يمكن للإمام أن يصلي فيه بعد طلوع الشمس ويتكلم فيفرغ فأراد أن يضحي أعاد ولا أنظر إلى انصراف الإمام اليوم لأن منهم من يؤخر ويقدم وكذلك لو قدم الإمام فصلى قبل طلوع الشمس، فضحى رجل أعاد، إنما الوقت في قدر صلاة النبي التي كان يضعها موضعها.
باب العقوبات في المعاصي
قال الشافعي: كانت العقوبات في المعاصي قبل أن ينزل الحد ثم نزلت الحدود ونسخت العقوبات فيما فيه الحدود.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد
стр. 142
عن النعمان بن مرة أن رسول الله قال: ما تقولون في الشارب والسارق والزاني وذلك قبل أن تنزل الحدود؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله: هن فواحش وفيهن عقوبات وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ثم ساق الحديث قال ومثل معنى هذا في كتاب الله قال: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت" إلى آخر الآية، فكان هذا أول العقوبة للزانيين في الدنيا ثم نسخ هذا عن الزناة كلهم، الحر والعبد والبكر والثيب فحد الله البكرين الحرين المسلمين فقال: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة".
حدثنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت عليه البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: قال عمر إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنا قد قرأناها.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك وابن عيينة عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وزاد سفيان وسئل أن رجلاً ذكر أن ابنه زنى بامرأة رجل فقال رسول الله: لأقضين بينكما بكتاب الله فجلد ابنه مائة وغربه عاماً وأمر أنيساً أن يغدو على امرأة الآخر فإن
стр. 143
اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها.
قال الشافعي ﵀: كان ابنه بكراً وامرأة الآخر ثيباُ قال: فذكر رسول الله عن الله حد البكر والثيب في الزنا فدل على مثل ما قال عمر من حد الثيب في الزنا.
قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه في الإماء: "فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " فعقلنا عن الله أن على الإماء ضرب خمسين لأنه لا يكون النصف إلا لما يتجزأ فأما الرجم فلا نصف له لأن المرجوم قد يموت بأول حجر وقد لا يموت إلا بعد كثير من الحجارة.
أخبرنا عبد الوهاب عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
قال الشافعي ﵀: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطان الرقاشي ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فزال من كتابي حين حولته من الأصل أم لا والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني.
قال الشافعي: فكان هذا أول ما نسخ من حبس الزانيين وأذاهما وأول حد
стр. 144
نزل فيهما وكان فيه ما وصفت في الحديث قبله من أن الله أنزل حد الزنا للبكرين والثيبين وأن من حد البكرين النفي على كل واحد منهما مع ضرب مائة ونسخ الجلد عن الثيبين وأقر أحدهما الرجم فرجم النبي ﷺ امرأة الرجل ورجم ماعز بن مالك ولم يجلد واحداً منهما، فإن قال قائل: ما دل على أن أمر امرأة الرجل وماعز بعد قول النبي ﷺ : الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، قيل: إذا كان النبي يقول: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، كان هذا لا يكون إلا أول حد حد به الزانيان فإذا كان أول فكل شيء جد بعد يخالفه فالعلم يحيط بأنه بعده والذي بعد ينسخ ما قبله إذا كان يخالفه وقد أثبتنا هذا والذي نسخه في حديث المرأة التي رجمها أنيس مع حديث ماعز وغيره فكانت الحدود ثابتة على المحدودين ما أتوا الحدود وإن كثر إتيانهم لها لأنهم في كل واحد من الأحوال جانون ما حدوا فيه وهم زناة أول مرة وبعد أربع عشرة وكذلك القذفة الذين أنزل الله أن يجلدوا ثمانين وجمع أهل الحدود.
قال الشافعي: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ثم قال: فليبعها بعد الثالثة أو الرابعة.
قال الشافعي: وروي عن النبي في الشارب يجلد ثلاثاً أو أربعاً ثم يقتل ثم حفظ عن النبي أنه جلد الشارب العدد الذي قال يقتل بعده ثم أتى به فجلده
стр. 145
ووضع القتل وصارت رخصة والقتل عمن أقيم عليه حد في شيء أربعاً فأتى به الخامسة منسوخ بما وصفت وكذلك بيع الأمة بعد زناها ثلاثاً أو أربعاً.
باب نكاح المتعة
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي قال: وكان الحسن أرضاهما عن أبيهما أن علياً قال لابن العباس: أن رسول الله نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: عن إسماعيل عن قيس قال: سمعت ابن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله وليس معنا نساء فأردنا أن نختصي فنهانا عن ذلك رسول الله ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء.
قال الشافعي: ثم ذكر ابن مسعود الإرخاص في نكاح المتعة ولم يوقت
стр. 146
شيئاً يدل أهو قبل خيبر أم بعدها فأشبه حديث علي بن أبي طالب في نهي النبي عن المتعة أن يكون والله أعلم ناسخاً، فلا يجوز نكاح المتعة بحال وإن كان حديث الربيع بن سبرة يثبت فهو يبين أن رسول الله أحل نكاح المتعة ثم قال: هي حرام إلى يوم القيامة، قال: فإن لم يثبت ولم يكن في حديث علي بيان أنه ناسخ لحديث ابن مسعود وغيره مما روى إحلال المتعة سقط تحليلها بدلائل القرآن والسنة والقياس وقد ذكرنا ذلك حيث سئلنا عنه.
باب الخلاف في نكاح المتعة
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: خالفنا مخالفون في نكاح المتعة فقال بعضهم: النهي عن نكاح المتعة عام خيبر على أنهم استمتعوا من يهوديات في دار الشرك فكره ذلك لهم، لا على تحريمه لأن الناس استمتعوا عام الفتح في حديث عبد العزيز بن عمر فقيل له الحديث عام الفتح في النهي عن نكاح المتعة على الأبد أبين من حديث علي بن أبي طالب وإذا لم يثبت فلا حجة بالإرخاص في المتعة وهي منهي عنها كما روى علي بن أبي طالب والنهي عندنا تحريم إلا أن تأتي دلالة على أنه اختيار لا تحريم، قال: أرأيت إن لم يكن في النهي عن نكاح المتعة دلالة على ناسخ ولا منسوخ الإرخاص فيها أولى أم النهي عنها قلنا: بل النهي عنها والله أعلم أولى، قال: فما الدلالة على ما وصفت؟ قلت: قال الله جل ثناؤه: "الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" فحرم النساء إلا بنكاح أو ملك يمين، وقال في المنكوحات: "إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن" فأحلهن بعد التحريم بالنكاح ولم يحرمهن إلا بالطلاق وقال في الطلاق: "الطلاق مرتان
стр. 147
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وقال: "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطاراً" فجعل إلى الأزواج فرقة ما انعقد عليه النكاح فكان بيناً أنه والله أعلم أن يكون نكاح المتعة منسوخاً بالقرآن والسنة في النهي عنه لما وصفت لأن نكاح المتعة أن ينكح امرأة مدة ثم يفسخ نكاحها بلا إحداث طلاق منه وفي نكاح المتعة إبطال ما وصفت مما جعل الله إلى الأزواج من الإمساك والطلاق وإبطال المواريث بين الزوجين وأحكام النكاح التي حكم الله بها في الظهار والإيلاء واللعان إذا انقضت المدة قبل إحداث الطلاق.
باب في الجنائز
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله: إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع.
قال الشافعي: ورووا شبيهاً بما يوافقه وهذا لا يعود أن يكون منسوخاً وأن يكون النبي قام لها لعله قد رواها بعض المحدثين من أن جنازة يهودي مر بها على النبي فقام لها كراهية أن تطوله وأيهما كان فقد جاء عن النبي تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمره إن كان الأول واجباً فالآخر من أمره ناسخ وإن كان استحباباً فالآخر هو الاستحباب وإن كان مباحاً فلا بأس بالقيام والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعل رسول الله.
أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ وعن نافع بن جبير عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب أن رسول الله كان
стр. 148
يقوم في الجنائز ثم جلس.
باب في الشفعة
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله قال: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن رسول الله مثله أو مثل معناه لا يخالفه وبه أخبرنا الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ فنقول: لا شفعة فيما قسم اتباعاً لسنة رسول الله وعلمنا أن الدار إذا كانت مشاعة بين رجلين فباع أحدهما نصيبه منها فليس يملك أحدهما شيئاً وإن قل إلا ولصاحبه نصفه فإذا دخل المشتري على الشريك
стр. 149
للبائع هذا المدخل كان الشريك أحق به منه بالثمن الذي ابتاع به المشتري فإذا قسم الشريكان فباع أحدهما نصيبه باع نصيباً لا حظ في شيء منه لجاره وإن كانت طريقهما واحدة لأن الطريق غير المبيع كما لم يكونا بشركتهما في الطريق شريكين في الدار المقسومة فكذلك لا يؤخذ بالشرك في الطريق شفعة في دار ليسا بشريكين فيها وقد روي حديثان ذهب إليهما صنفان ممن ينسب إلى العلم وكل واحد منهما على خلاف مذهبنا أما أحدهما فإن سفيان بن عيينة أخبرنا عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع أن رسول الله قال: الجار أحق بشفعه.
قال الشافعي: وزاد في حديث بعض من خالفنا أنه كان لأبي رافع بيت في دار رجل فعرض البيت عليه بأربعمائة وقال: قد أعطيت به ثمانمائة ولكن سمعت رسول الله يقول: الجار أحق بشفعه.
قال الشافعي: فقال الذي خالفنا: أتأول هذا الحديث فأقول للشريك الذي لم يقاسم شفعة وللجار المقاسم شفعة كان لاصقاً أو غير لاصق إذا لم يكن بينه وبين الدار التي بيعت طريق نافذة وإن بعد ما بينهما واحتج بأن قال أبو رافع يرى الشفعة للذي بيته في داره والبيت مقسوم لأنه ملاصق.
قال الشافعي: فقلت له أبو رافع فيما رويت عنه متطوع بما صنع، قال: وكيف قلت: هل كان على أبي رافع أن يعطيه البيت بشيء قبل بيعه أولم تكن له الشفعة حتى يبيعه، قال: بل ليست له الشفعة حتى يبيعه أبو رافع قلت: فإن باعه أبو رافع فإنما يأخذ بالشفعة من المشتري قال: نعم، قلت: وبمثل الثمن الذي اشتراه به لا ينقصه البائع ولا أن على أبي رافع أن يضع من ثمنه
стр. 150
عنه شيئاً، قال: نعم، فقلت: أتعلم أن ما وصفت عن أبي رافع كله تطوع؟
قال: فقد رأى له الشفعة في بيت له فقلت: وإن رأى الشفعة في بيت له ما كان علينا في ذلك شيء عارض حديثنا بل حديث النبي إنما يعارض بحديث عن النبي فأما رأي رجل فلا يعارض به حديث النبي، قال: فلعله سمعه من رسول الله، قلت: ألست تسمعه حين حكى عن رسول الله قال: الجار أحق بسقبه، لا ما أعطى من نفسه قال: بل هكذا حكايته عن النبي قلت: ولعله لا يرى له الشفعة فتطوع له بما لا يرى كما تطوع له بما ليس عليه فإن حملته على أنه إنما أعطاه ما يراه عليه، قيل: فقد رأى على نفسه أن يعطيه بيتاً لم يبعه بنصف ما أعطى به قال: لا أراه يرى هذا قلت: ولا أرى عليه أن له شفعاً فيما نرى والله أعلم ولكن أحسن أن يفعل وقلت له: نحن نعلم وأنت تعلم أن قول النبي: الجار أحق بسقبه لا يحتمل إلا معنيين لا ثالث لهما قال: فما هما؟ قلت: أن يكون أجاب عن مسألة لم يخل أكثرها أن يكون أراد أن الشفعة لكل جار أو أراد بعض الجيران دون بعض فإن كان هذا المعنى فلا يجوز أن يدل على أن قول النبي: خرج عاماً أراد به خاصاً إلا بدلالة عن رسول الله أو إجماع من أهل العلم وقد ثبت عن رسول الله أن لا شفعة فيما قسم فدل على أن الشفعة للجار الذي لم يقاسم دون الجار المقاسم، وقلت له حديث أبي رافع عن رسول الله جملة وقولنا عن النبي منصوص لا يحتمل تأويلاً، قال: فما المعنى الثاني الذي يحتمله قول النبي قلت: أن تكون الشفعة لكل من لزمه اسم جوار وأنت تزعم أن الجوار أربعون داراً من كل جانب وأنت لا تقول بحديثنا ولا بما تأولت من حديثك ولا بهذه المعاني قال: ولا يقول بهذا أحد قلت: أجل لا يقول بهذا أحد وذلك يدلك على أن رسول الله أراد أن الشفعة لبعض الجيران دون بعض وأنها لا تكون إلا لجار لم يقاسم، قال: أفيقع اسم الجوار على الشريك؟ قلت: نعم وعلى الملاصق وعلى غير الملاصق قال: فالشريك ينفرد باسم الشريك، قلت: أجل والملاصق ينفرد باسم الملاصقة دون غيره من الجيران ولا يمنع ذلك واحداً منهما أن يقع عليه اسم جوار، قال: أفتوجدني ما يدل على أن اسم الجوار يقع على الشريك. قلت: زوجتك التي هي قرينتك
стр. 151
يقع عليها اسم الجوار قال حمل بن مالك بن النابغة: كنت بين جارتين لي يعني ضرتين، وقال الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقة … وموموقة ما كنت فينا ووامقة
كذاك أمور الناس تغدو وطارقة … وبيني فإن البين خير من العصا
وأن لا تزالي فوق رأسك بارقة … حبستك حتى لامني كل صاحب
وخفت بأن تأتي لدي ببائقة
قال الشافعي: وروى غيرنا عن عبد الملك بن عطاء عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: الجار أحق بشفعته ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كانت الطريق واحدة وذهب بعض البصريين إلى أن قال: الشفعة لا تكون إلا للشريك وهما إذا اشتركا في طريق دون الدار وإن اقتسما الدار شريكان.
قال الشافعي: فيقال له الشريكان في الدار أو في الطريق دون الدار فإن قال في الطريق دون الدار، قيل له: فلم جعلت الشفعة في الدار التي ليسا فيها بشريكين بالشرك في الطريق والطريق غير الدار أرأيت لو باع داراً هما فيها شريكان وضم في الشراء معها دار أخرى غيرها لا شرك فيها ولا في طريقها أتكون الشفعة في الدار أو في الشرك قال: بل في الشرك دون الدار التي ضمت مع الشرك قلت: ولا تجعل فيها شفعة إذا جمعتهما الصفقة وفي إحداهما شفعة قال: لا، قلت: فكذلك يلزمك أن تقول إن بيعت الطريق وهي مما يجوز بيعه وقسمه ففيها شفعة ولا شفعة فيما قسم من الدار قال: فإن قال فإنما ذهبت فيه إلى الحديث نفسه، قيل: سمعنا بعض أهل العلم بالحديث يقول: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظاً، قال: ومن أين قلت إنما رواه عن جابر بن عبد الله وقد روى أبو سلمة عن جابر مفسراً أن رسول الله قال: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وأبو سلمة من الحفاظ وروى أبو الزبير وهو من الحفاظ عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة ويخالف ما روى عبد الملك.
قال الشافعي: وفيه من الفرق بين الشريك وبين المقاسم ما وصفت جملته
стр. 152
في أول الكتاب فكان أولى الأحاديث أن يؤخذ به عندنا والله أعلم لأنه أثبتها إسناداً وأبينها لفظاً عن النبي وأعرفها في الفرق بين المقاسم وغير المقاسم.
باب في بكاء الحي على الميت
حدثنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة أنها سمعت عائشة وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: أما إنه لم يكذب ولكنه أخطأ أو نسي إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية وهي يبكي عليها أهلها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بمكة فجئنا نشهدها، وحضرها ابن عباس وابن عمر فقال: إني لجالس بينهما، جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلي فقال ابن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء فإن سول الله قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك ثم حدث ابن عباس فقال: صدرت مع عمر بن الخطاب من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا بركب تحت ظل شجرة، قال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب فذهبت فإذا صهيب قال ادعه فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين فلما أصيب عمر سمعت صهيباً يبكي ويقول: واأخياه واصاحباه فقال عمر: يا صهيب تبكي علي وقد قال رسول الله: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه قال: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله قال: إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه وقالت عائشة: حسبكم القرآن "لا تزر وازرة وزر أخرى" قال
стр. 153
ابن عباس عند ذلك: "والله أضحك وأبكى" وقال ابن مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء.
قال الشافعي: وما روت عائشة عن رسول الله أشبه أن يكون محفوظاً عنه ﷺ بدلالة الكتاب ثم السنة، فإن قيل: فأين دلالة الكتاب قيل في قوله : "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى"، وقوله: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" وقوله: "لتجزى كل نفس بما تسعى".
قال الشافعي ﵀: وعمرة أحفظ عن عائشة من ابن أبي مليكة، وحديثها أشبه الحديثين أن يكون محفوظاً، فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها فهو واضح لا يحتاج إلى تفسير لأنها تعذب بالكفر وهؤلاء يبكون ولا يدرون ما هي فيه وإن كان الحديث كما رواه ابن أبي مليكة فهو صحيح لأن على الكافر عذاباً أعلى فإن عذب بدونه فزيد في عذابه فبما استوجب وما نيل من كافر من عذاب أدنى من أعلى منه وما زيد عليه من العذاب فباستيجابه لا بذنب غيره في بكائه عليه، فإن قيل: يزيد عذابه ببكاء أهله عليه، قيل: يزيده بما استوجب بعمله ويكون بكاؤهم سبباً لا أنه يعذب ببكائهم، فإن قيل: أين دلالة السنة قيل: قال رسول الله لرجل: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه فأعلم رسول الله مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله له لا لغيره ولا عليه.
باب استقبال القبلة للغائط والبول
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن
стр. 154
عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي نهى أن تستقبل القبلة بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا.
قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم فوجدنا مراحيض قد بنيت من قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله.
أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن أناساً يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس قال ابن عمر: لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته.
قال الشافعي: وليس يعد هذا اختلافاً ولكنه من الجمل التي تدل على معنى المعد.
قال الشافعي: كان القوم عرباً إنما عامة مذاهبهم في الصحارى وكثير من مذاهبهم لا حش فيها يسترهم فكان الذاهب لحاجته إذا استقبل القبلة أو استدبرها استقبل المصلى بفرجه أو استدبره ولم يكن عليهم ضرورة في أن يشرقوا أو يغربوا فأمروا بذلك وكانت البيوت مخالفة للصحراء فإذا كان بين أظهرها كان
стр. 155
من فيه مستتراً لا يراه إلا من دخل أو أشرف عليه وكانت المذاهب بين المنازل متضايقة لا يمكن من التحرف فيها ما يمكن في الصحراء فلما ذكر ابن عمر ما رأى من رسول الله من استقباله بيت المقدس وهو حينئذ مستدبر الكعبة دل على أنه إنما نهى عن استقبال الكعبة واستدبارها في الصحراء دون المنازل.
قال الشافعي: وسمع أبو أيوب الأنصاري النهي من رسول الله ولم يعلم ما علم ابن عمر من استقباله بيت المقدس لحاجته فخاف المأثم في أن يجلس على مرحاض مستقبل الكعبة وتحرف لئلا يستقبل الكعبة وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره ورأى ابن عمر النبي في منزله مستقبلاً بيت المقدس لحاجته فأنكر على من نهى عن استقبال القبلة لحاجته وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره أو لم يرو له عن النبي خلافه ولعله سمعه منهم فرآه رأياً لهم لأنهم لم يعزوه إلى النبي ومن علم الأمرين معاً ورآهما محتملين أن يستعملا استعملهما معاً وفرق بينهما لأن الحال تفترق فيهما بما قلنا وهذا يدل على أن خاص العلم لا يوجد إلا عند القليل وقلما يعم علم الخاص وهذا مثل حديث النبي في الصلاة جالساً والقوم خلفه قيام وجلوس فإن قيل فقد روى سلمة بن وهرام عن طاوس حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها الغائط أو بول قيل له: هذا مرسل وأهل الحديث لا يثبتونه ولو ثبت كان كحديث أبي أيوب وحديث ابن عمر عن النبي مسند حسن الإسناد أولى أن يثبت منه لو خالفه فإن كان قال طاوس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها فإنما سمع والله أعلم حديث أبي أيوب عن النبي فأنزل ذلك على إكرام القبلة وهي أهل أن تكرم والحال في الصحارى كما حدث أبو أيوب وفي البيوت كما حدث ابن عمر لا أنهما يختلفان.
قال الشافعي: وقد قيل إن الناس كانوا يبنون مساجد بحط حجارة في الطريق فنهى أن تستقبل للغائط أو البول فيكون متغوطاً في المساجد أو مستدبراً فيكون الغائط والبول بعين المصلي إليها ويتأذى بريحه وهذا في الصحارى منهي عنه بهذا الحديث وبغيره بأن يقال: اتقوا الملاعن، وذلك أن يتغوط في ممر الناس في طريق من ظلال المسجد أو البيوت والشجر والحجارة وعلى ظهر الطريق ومواضع حاجة الناس في الممر والمنزل.
стр. 156
باب الصلاة في الثوب ليس على عاتق المرء منه شيء
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال: لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.
قال الشافعي: وروى بعض أهل المدينة عن جابر أن النبي أمر الرجل يصلي في الثوب الواحد أن يشتمل بالثوب في الصلاة فإن ضاق اتزر به.
قال الشافعي: وهذا إجازة أن يصلي وليس على عاتقه منه شيء وهو يقدر بالمدينة على ثوب امرأته وعلى العمامة والشيء يطرحه على عاتقه.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن شداد عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله يصلي في مرط بعضه علي وبعضه عليه وأنا حائض.
قال الشافعي: وليس واحد من هذين الحديثين مخالفاً للآخر ونهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء والله أعلم اختيار لا فرض بالدلالة عنه ﷺ بحديث جابر وأنه صلى في مرط ميمونة بعضه عليه وبعضه على ميمونة لأن بعض مرطها إذا كان عليها فأقل ما عليها منه ما يسترها مضطجعة ويصلي النبي ﵇ في بعضه قائماً ويتعطل بعضه بينه وبينها أو يسترها قاعدة فيكون يحيط بها جالسة ويتعطل بعضه بينه وبينها فلا يمكن أن يستره أبداً إلا أن يأتزر به إئتزاراً وليس على عاتق المؤتزرين في هذه الحال من الإزار شيء ولا يمكن في ثوب دهرنا أن يأتزر به ثم يرده على عاتقيه أو أحدهما ثم
стр. 157
يسترها، وقل ما يمكن هذا في ثوب في الدنيا اليوم وكذلك روي عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا صلى أحدكم في الثوب الواحد فليتوشح به فإن لم يكفه فليأتزر به ".
قال الشافعي: وإذا صلى الرجل فيما يواري عورته أجزأته صلاته، وعورته ما بين سرته وركبته وليست السرة والركبة من العورة.
باب الكلام في الصلاة
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة قبل أن نأتي أرض الحبشة فيرد علينا وهو في الصلاة فلما رجعنا من أرض الحبشة أتيته لأسلم عليه فوجدته يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي فأخذني ما قرب وما بعد فجلست حتى إذا قضى صلاته أتيته فقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث الله أن لا تتكلموا في الصلاة.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال رسول الله: أصدق ذو اليدين، فقال الناس نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع.
стр. 158
أخبرنا مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال سمعت أبا هريرة يقول: صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم من ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: أصدق ذو اليدين فقالوا نعم، فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.
أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال: سلم النبي في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام الخرباق رجل بسيط اليدين فنادى: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت فخرج رسول الله مغضباً يجر رداءه فسأل: فأخبر فصلى تلك الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم.
قال الشافعي: فبهذا كله نأخذ فنقول: إن حتماً أن لا يعمد أحد الكلام في الصلاة وهو ذاكر لأنه فيها فإن فعل انتقضت صلاته وكان عليه أن يستأنف صلاة غيرها لحديث ابن مسعود عن النبي ثم ما لا أعلم فيه مخالفاً ممن لقيت من أهل العلم قال: ومن تكلم في الصلاة وهو يرى أنه قد أكملها أو نسي أنه في صلاة فتكلم فيها بنى على صلاته وسجد للسهو ولحديث ذي اليدين وأن من تكلم في هذه الحال فإنما تكلم وهو يرى أنه في غير صلاة والكلام في غير الصلاة مباح وليس يخالف حديث ابن مسعود حديث ذي اليدين وحديث ابن مسعود في
стр. 159
الكلام جملة ودل حديث ذي اليدين على أن رسول الله فرق بين كلام العامد والناسي لأنه في صلاة أو المتكلم وهو يرى أنه قد أكمل الصلاة.
باب الخلاف في الكلام في الصلاة ساهياً
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في الكلام في الصلاة وجمع علينا فيها حججاً ما جمعها علينا في شيء غيره إلا في اليمين مع الشاهد ومسألتين أخريين.
قال الشافعي: فسمعته يقول حديث ذي اليدين حديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، لم يرو عن رسول الله شيء قط أشهر منه ومن حديث العجماء جرحها جبار، وهو أثبت من حديث العجماء جرحها جبار، ولكن حديث في اليدين منسوخ، فقلت: ما نسخه؟ فقال: حديث ابن مسعود، ثم ذكر الحديث الذي بدأت به، الذي فيه إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث الله أن لا تتكلموا في الصلاة، فقلت له، والناسخ إذا اختلف الحديثان الآخر منهما؟ فقال: نعم، قلت له: أو لست تحفظ في حديث ابن مسعود هذا أن ابن مسعود مر على النبي بمكة، قال: فوجدته يصلي في فناء الكعبة، وأن ابن مسعود هاجر إلى أرض الحبشة، ثم رجع إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، قال: بلى، فقلت له: فإذا كان مقدم ابن مسعود على النبي ﷺ بمكة، قبل هجرة النبي، ثم كان عمران بن حصين يروي أن النبي أتى جذعاً في مؤخر مسجده، أليس تعلم أن النبي لم يصل في مسجده إلا بعد هجرته من مكة؟ قال: بلى، قلت: فحديث عمران يدلك، على أن حديث ابن مسعود ليس بناسخ لحديث ذي اليدين وأبو هريرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ قال: فلا أدري ما صحبه أبو هريرة، قلت: قد بدأنا بما فيه الكفاية من حديث عمران الذي لا يشكل عليك وأبو هريرة إنما صحب رسول الله ﷺ بخيبر وقال أبو هريرة: صحبت النبي ﷺ و بالمدينة ثلاث سنين أو أربعاً.
قال الربيع: أنا شككت وقد أقام النبي بالمدينة سنين سوى ما أقام بمكة بعد مقدم ابن مسعود وقبل أن يصحبه أبو هريرة فيجوز أن يكون حديث ابن
стр. 160
مسعود ناسخاً لما بعده قال: لا، قلت له: لو كان حديث ابن مسعود مخالفاً حديث عمران وأبي هريرة كما قلت وكان عمداً الكلام وأنت تعلم أنك في صلاة كهو إذا تكلمت وأنت ترى أنك أكملت الصلاة أو نسيت الصلاة كان حديث ابن مسعود منسوخاً وكان الكلام في الصلاة مباحاً ولكنه ليس بناسخ ولا منسوخ ولكن وجهه ما ذكرت من أنه لا يجوز الكلام في الصلاة على الذكر وأن التكلم في الصلاة إذا كان هكذا يفسد الصلاة وإذا كان النسيان والسهو وتكلم وهو يرى أن الكلام مباح بأن يرى أن قد قضى الصلاة أو نسي أنه فيها لم تفسد الصلاة قال: فأنتم تروون أن ذا اليدين قتل ببدر، قلت: فاجعل هنا كيف شئت، أليست صلاة النبي بالمدينة في حديث عمران بن حصين والمدينة إنما كانت بعد حديث ابن مسعود بمكة قال: بلى، قلت: وليست لك إذا كان كما أردت فيه حجة لما وصفت وقد كانت بدر بعد مقدم النبي ﷺ المدينة بستة عشر شهراً، قال: أفذو اليدين الذي رويتم عنه المقتول ببدر؟ قلت: لا، عمران يسميه الخرباق، ويقول: قصير اليدين أو مديد اليدين والمقتول ببدر ذو الشمالين ولو كلاهما ذا اليدين كان اسماً يشبه أن يكون وافق اسماً كما تتفق الأسماء، فقال بعض من ذهب مذهبه: قلنا حجة أخرى، قلنا: وما هي؟ قال: إن معاوية بن الحكم حكى أنه تكلم في الصلاة فقال رسول الله: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام بني آدم" فقلت له: فهذا عليك ولا لك إنما يروي مثل قول ابن مسعود سواء، والوجه فيما ذكرت قال: فإن قلت هو خلافه، قلت: فليس ذلك لك وتكلمك عليه فإن كان أمر معاوية قبل أمر ذي اليدين فهو منسوخ ويلزمك في قولك أن يصلح الكلام في الصلاة كما يصلح في غيرها وإن كان أمر معاوية معه أو بعده فقد تكلم فيها فيما حكيت وهو جاهل بأن الكلام غير محرم في الصلاة ولم يحك أن النبي أمره بإعادة الصلاة فهو في مثل حديث في اليدين أو أكثر لأنه تكلم عامداً للكلام في حديثه إلا أنه حكى أنه تكلم وهو جاهل أن الكلام لا يكون محرماً في الصلاة، قال هذا في حديثه كما ذكرت،
стр. 161
قلت: فهو عليك إن كان على ما ذكرته وليس لك إن كان كما قلنا، قال: فما تقول؟ قلت: أقول إنه مثل حديث ابن مسعود غير مخالف حديث ذي اليدين، فقال: فإنكم خالفتم حين فرعتم حديث ذي اليدين، قلت: فخالفناه في الأصل، قال: لا ولكن في الفرع، قلت: فأنت خالفته في نصه ومن خالف النص عندك أسوأ حالاً ممن ضعف نظره فأخطأ التفريع، قال: نعم، وكل غير معذور.
قال الشافعي: فقلت له: فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من فرعه حرفاً واحداً فعليك ما عليك في خلافه وفيما قلت من أنا خالفنا منه ما لم نخالفه قال: فأسألك حتى أعلم: أخالفته أم لا؟ قلت: فسل، قال: ما تقول في إمام انصرف من اثنتين؟ فقال له بعض من صلى معه: قد انصرفت من اثنتين، فسأل آخرين فقالوا: صدق، قلت أما المأموم الذي أخبره والذين شهدوا أنه صدق وهم على ذكر من أنه لم يقض صلاته فصلاتهم فاسدة، قال: فأنت تروي أن النبي ﷺ قضى وتقول: قد قضى معه من حضر وإن لم تذكره في الحديث، قلت: أجل، قال: فقد خالفته قلت: لا ولكن حال إمامنا مفارقة حال رسول الله، قال: فأين افتراق حاليهما في الصلاة والإمامة؟ قال: فقلت له: إن الله كان ينزل فرائضه على رسوله فرضاً بعد فرض فيفرض عليه ما لم يكن فرضه عليه ويخفف عنه بعض فرضه، قال: أجل، قلت: ولا نشك نحن ولا أنت ولا مسلم أن رسول الله لم ينصرف إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة، قال: أجل، قلت: فلما فعل لم يدر ذو اليدين أقصرت الصلاة بحادث من الله أم نسي النبي وكان ذلك بيناً في مسألته إذ قال: أقصرت الصلاة أم نسيت. قال: أجل، قلت: ولم يقبل النبي من ذي اليدين إذ سأل غيره قال: أجل، قلت: ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلامه فيكون مثله، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ولم يسمع النبي رد عليه فلما لم يسمع النبي رد عليه كان في معنى ذي اليدين من أنه لم يستدل النبي بقوله ولم يدر أقصرت الصلاة أم نسي النبي فأجابه ومعناه معنى ذي اليدين من أن الفرض عليهم جوابه، ألا ترى أن النبي لما أخبروه فقبل
стр. 162
قولهم لم يتكلم ولم يتكلموا حتى بنوا على صلاتهم؟ قال: فلما قبض الله رسوله تناهت فرائضه فلا يزاد فيها ولا ينقص منها أبداً، قال: نعم، فقلت: هذا فرق بيننا وبينه، فقال من حضره: هذا فرق بين لا يرده عالم لبيانه ووضحه فقال: فإن من أصحابكم من قال ما تكلم به الرجل في أمر الصلاة لم يفسد صلاته قال: فقلت له: إنما الحجة علينا ما قلنا لا ما قال غيرنا.
قال الشافعي: وقال قد كلمت غير واحد من أصحابك فما احتج بهذا ولقد قال: العمل على هذا فقلت له: قد أعلمتك أن العمل ليس له معنى ولا حجة لك علينا بقول غيرنا، قال: أجل، قلت: فدع ما لا حجة لك فيه، وقلت له: قد أخطأت في خلافك حديث ذي اليدين مع ثبوته وظلمت نفسك بأنك زعمت أنا ومن قال به نحل الكلام والجماع والغناء في الصلاة وما أحللنا ولا هم من هذا شيئاً قط، وقد زعمت أن المصلي إذا سلم قبل أن يكمل الصلاة وهو ذاكر أنه لم يكملها فسدت صلاته لأن السلام زعمت في غير موضعه كلام وإن سلم وهو يرى أنه قد أكمل بنى فلو لم يكن عليك حجة إلا هذا كفى بها عليك حجة ونحمد الله على عيبكم خلاف الحديث وكثرة خلافكم له.
باب القنوت في الصلوات كلها
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرني بعض أهل العلم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما انتهى إلى النبي قتل أهل بئر معونة أقام خمس عشرة ليلة كلما رفع رأسه من الركعة الأخيرة من الصبح قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد اللهم افعل فذكر دعاء طويلاً ثم كبر فسجد، قال: وحفظ عن جعفر عن النبي القنوت في الصلوات كلها عند قتل أهل بئر معونة وحفظ عن النبي أنه قنت في المغرب كما روي عنه من القنوت في غير الصبح عند قتل أهل بئر معونة والله أعلم، وروى أنس عن النبي أنه قنت وترك القنوت جملة ومن روى مثل حديثه
стр. 163
روى أنه قنت عند قتل أهل بئر معونة وبعده ترك القنوت فأما القنوت في الصبح فمحفوظ عن رسول الله ﷺ في قتل أهل بئر معونة وبعده لم يحفظ عنه أحد تركه.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن النبي لما رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف.
قال الشافعي: فأما ما روى أنس بن مالك من ترك القنوت فالله أعلم ما أراد، فأما الذي أرى بالدلالة فإنه ترك القنوت في أربع صلوات دون الصبح كما قالت عائشة: فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر تعني ثلاث صلوات دون المغرب وترك القنوت في الصلوات سوى الصبح، لا يقال له ناسخ إنما يقال له الناسخ والمنسوخ ما اختلف فأما القنوت
стр. 164
في غير الصبح فمباح أن يقنت وأن يدع لأن رسول الله لم يقنت في غير الصبح قبل قتل أهل بئر معونة ولم يقنت بعد قتل أهل بئر معونة في غير الصبح، فدل على أن ذلك دعاء مباح كالدعاء المباح في الصلاة، لا ناسخ ولا منسوخ.
باب الطيب للإحرام
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: سمعت عائشة وبسطت يديها تقول: أنا طيبت رسول الله بيدي هاتين لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
أخبرنا سفيان عن عثمان بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله لحرمه ولحله فقلت لها: بأي الطيب؟ فقالت: بأطيب الطيب.
أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله لحله ولحرمه.
أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله بعد ثلاث.
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: أخبرنا عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال: كنا عند رسول الله بالجعرانة فأتاه رجل وعليه مقطعة يعني جبة وهو مضمخ بالخلوق فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وهذه علي، فقال له رسول الله: ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: نهى رسول الله أن يتزعفر الرجل.
стр. 165
قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ فنرى جائزاً للرجل والمرأة أن يتطيبا بالغالية وغيرها مما يبقى ريحه بعد الإحرام إذا كان تطيب به قبل الإحرام ونرى إذا رمى الجمرة وحلق قبل أن يفيض أن الطيب حلال له وننهى الرجل حلالاً بكل حال أن يتزعفر ونأمره إذا تزعفر غير محرم أن يغسل الزعفران عنه وكذلك نأمره إذا تزعفر قبل أن يحرم ثم أحرم وبه أثر الزعفران أن يغسل الزعفران نفسه للإحرام وإنما قلنا هذا لأن الدلالة عن رسول الله تشبه أن يكون لم يأمره بغسل الصفرة إلا أنه نهى أن يتزعفر الرجل وأن رسول الله أمر غير محرم أن يغسل الصفرة عنه ولم يأمره لكراهية الطيب للمحرم إذا كان التطيب وهو حلال لأنه تطيب حلالاً بما بقي عليه ريحه محرماً.
قال الشافعي: ونأمر المحرم إذا هو حلق أن يتطيب كما نأمره أن يلبس على معنى إن شاء إباحة له لا إيجاباً عليه ونبيح له الصيد إن خرج من الحرم.
باب الخلاف في تطيب المحرم للإحرام
حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا في الطيب قبل الإحرام وبعد الرمي والحلاق وقبل طواف الزيارة فقال: لا يتطيب بما يبقى ريحه عليه ولا بأس أن يدهن قبل الإحرام بما لا يبقى ريحه عليه وإن بقي لينه في رأسه ولحيته وإذهابه الشعث قال: وكان الذي ذكر واحتج به أن عمر بن الخطاب أمر معاوية وأحرم معه فوجد منه ريحاً طيباً فأمره أن يغسل الطيب وأنه قال: من رمى الجمرة وحلق فقد حل له ما حرم الله عليه إلا النساء والطيب.
قال الشافعي: وسالم بن عبد الله أفقه وأحمد مذهباً من قائل هذا القول.
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله وربما لم يقله قال: قال عمر: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب، قال سالم: وقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ولحله بعد أن رمى الجمرة وقبل أن يزور، قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع.
стр. 166
قال الشافعي: ما دريت إلى أي شيء ذهب من خالفنا في تطييب المحرم اتهم الرواية عن النبي فهي عن النبي أثبت من الرواية عن عمر يرويها عطاء وعروة والقاسم وغيرهم عن عائشة وإنما تلك الرواية من حديث رجلين عن ابن عمر عن عمر وإن جاز أن تتهم رواية هؤلاء الرجال مع كثرتهم عن عائشة عن النبي جاز ذلك في الرواية عن ابن عمر عن عمر وليس يشك عالم إلا مخطئ أن ما روي عن النبي أولى أن يؤخذ به وقائل هذا يخالف بعض ما روي عن عمر بن الخطاب في هذا، عمر يبيح ما حرمه الإحرام إذا رمى وحلق إلا النساء والطيب وهو يحرم الصيد خارجاً من الحرم وهو ما أباح عمر فيخالف عمر لرأي نفسه ويتبعه ويخالف به ما جاء عن النبي ﷺ مع كثرة خلافه عمر لرأي نفسه ورأي بعض أصحاب النبي قال: ولم أعلم له مذهباً إلا أن يكون شبه عليه بحديث يعلى بن أمية في أن يغسل المحرم أثر الصفرة عنه فإن قال قائل: فهل يخالف حديث يعلى حديث عائشة قيل: لا، إنما أمره النبي بالغسل فيما نرى والله أعلم للصفرة عليه وإنما نهى أن يتزعفر الرجل ولا يجوز أن يكون أمر الأعرابي أن يغسل الصفرة إلا لما وصفت لأنه لا ينهى عن الطيب في حال يتطيب فيها ﷺ ولو كان أمره بغسل الصفرة لأنها طيب كان أمره إياه بغسل الصفرة عام الجعرانة وهي سنة ثمان وكان تطيبه في حجة الإسلام وهي سنة عشر فكان تطيبه لإحرامه ولحله ناسخاً لأمره الأعرابي بغسل الصفرة والذي خالفنا يروي أن أم حبيبة طيبت معاوية ونحن نروي عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص التطيب للإحرام والحل ونرويه عن غيرهما وهو يقول معنا في الرجل يجامع أهله من الليل ثم يصبح جنباً أن صومه تام لأن الجماع كان وهو مباح له والتطيب كان وهو مباح للرجل قبل أن يطوف بالبيت بالخبر عن رسول الله ولو كان ينظر إلى حاله بعد الإحرام إذا كان الطيب قبله كان ترك قوله لأمره بالدهن الذي لا يبقى طيبه وإن بقي الدهن عليه لأنه لا يجيز له أن يبتدئ دهن رأسه ولحيته بدهن غير طيب وهو محرم ولا أعلمه استقام على أصل ذهب إليه في هذا القول.
стр. 167
باب ما يأكل المحرم من الصيد
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن أبن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله قال: فلما رأى رسول الله ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك، ألا أنا حرم، أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج قال: أخبرنا مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله التيمي عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة الأنصاري أنه كان مع النبي ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حماراً وحشياً فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناوله سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا، فأخذ رمحه فشد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي وأبى بعضهم فلما أدركوا النبي سألوه عن ذلك فقال: "إنما هي طعمة، أطعمكموها الله".
أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر إلا أن في حديث زيد أن رسول الله قال: "هل معكم من لحمه شيء؟ ".
قال الشافعي: وليس يخالف والله أعلم حديث الصعب بن جثامة، حديث طلحة بن عبيد الله وأبي قتادة عن النبي وكذلك لا يخالفهما حديث جابر بن عبد الله وبيان أنها ليست مختلفة في حديث جابر.
أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب
стр. 168
عن جابر أن رسول الله قال: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ".
أخبرنا من سمع سليمان بن بلال يحدث عن عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد عن النبي هكذا.
حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني سلمة عن جابر عن النبي ﷺ هكذا.
قال الشافعي: وابن أبي يحيى أحفظ من عبد العزيز وسليمان مع ابن أبي يحيى.
قال الشافعي: فإن كان الصعب أهدى الحمار للنبي ﷺ حياً فليس للمحرم ذبح حمار وحشي حي وإن كان أهدى له لحماً فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه ومن سنته ﷺ أن لا يحل للمحرم ما صيد له وهو لا يحتمل إلا أحد الوجهين والله أعلم، ولو لم يعلمه صيد له كان له رده عليه ولكن لا يقول حينئذ له إلا: أنا حرم، وبهذا قلنا: لا يحتمل إلا الوجهين قبله، قال: وأمر أصحاب أبي قتادة أن يأكلوا ما صاده رفيقهم بعلمه أنه لم يصده لهم ولا بأمرهم فحل لهم أكله.
قال الشافعي: وإيضاحه في حديث جابر وفي حديث مالك أن الصعب أهدى للنبي حماراً أثبت من حديث من حدث أنه أهدى له من لحم حمار والله أعلم، فإن عرض في نفس امرئ من قول الله: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً" قيل له: إن الله جل ثناؤه منع المحرم قتل الصيد فقال: "لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم".
стр. 169
وقال في الآية الأخرى: "أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم" فاحتمل أن يصيدوا صيد البحر وأن يأكلوه إن لم يصيدوه وأن يكون ذلك طعامه ثم لم يختلف الناس في أن للمحرم أن يصيد البحر ويأكل طعامه وقال في سياقها: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً". فاحتمل أن لا تقتلوا صيد البر ما دمتم حرماً وأشبه ذلك ظاهر القرآن والله أعلم ثم دلت السنة على أن تحريم الله صيد البر في حالين أن يقتله رجل وأمر في ذلك الموضع بأن يفديه وأن لا يأكله إذا أمر بصيده فكان أولى المعاني بكتاب الله ما دلت عليه سنة رسول الله وأولى المعاني بنا أن لا تكون الأحاديث مختلفة لأن علينا في ذلك تصديق خبر أهل الصدق ما أمكن تصديقه وخاص السنة إنما هو خبر خاصة لا عامة.
خطبة الرجل على خطبة أخيه
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ".
أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي مثله قال: وقد زاد بعض المحدثين حتى يأذن أو يترك.
أخبرنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله قال لها في عدتها من طلاق
стр. 170
زوجها: فإذا حللت فآذنيني، قالت: فلما حللت فأخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباني فقال رسول الله: "أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه، انكحي ابن زيد، قالت: فكرهته، فقال: انكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيراً واغتطبت به.
قال الشافعي: وحديث فاطمة غير مخالف حديث ابن عمر وأبي هريرة في نهي النبي ﷺ أن يخطب المرء على خطبة أخيه، وحديث ابن عمر وأبي هريرة مما حفظت جملة عامة يراد بها الخاص والله أعلم لأن رسول الله لا ينهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه في حال يخطب هو فيها على غيره ولكن نهيه عنها في حال دون حال، فإن قال قائل: فأي حال نهى عن الخطبة فيها؟ قيل والله أعلم، أما الذي تدل عليه الأحاديث فإن نهيه عن أن يخطب خطبة أخيه إذا أذنت المرأة لوليها أن يزوجها لأن رسول الله رد نكاح خنساء بنت خذام وكانت ثيباً فزوجها أبوها بلا رضاها فدلت السنة على أن الولي إذا زوج قبل إذن المرأة المزوجة كان النكاح باطلاً وفي هذا دلالة على أنه إذا أراد زوج بعد رضاها كان النكاح ثابتً وتلك الحال التي إذا زوجها فيها الولي ثبت عليها فيها النكاح ولا يجوز فيه والله أعلم غير هذا لأنه لا حالين لها يختلف حكمها في النكاح فيهما غيرهما وفاطمة لم تعلم رسول الله إذنها في أن تزوج معاوية ولا أبا جهم ولم يرو أن النبي نهى معاوية ولا أبا جهم أن يخطب أحدهما بعد الآخر ولا أحسبهما خطباها إلا مفترقين أحدهما قبل الآخر، قال: فإن كانت المرأة بكراً يزوجها أبوها، أو أمة يزوجها سيدها فخطبت فلا ننهى أحداً أن يخطبها على خطبة غيره حتى يعده الولي أن يزوجه لأن رضا الأب والسيد فيهما كرضاهما من أنفسهما، قال فقال لي قائل: إن بعض أصحابك ذهب إلى أن قال: إنما نهى عن الخطبة إذا ركنت المرأة فقلت هذا كلام لا معنى له أفرأيت إن كان ذهب إلى أنها إذا ركنت أشبه
стр. 171
بالنكاح منها قبل أن تركن، فقيل له: أفرأيت إن خطبها رجل فشتمته وآذته ثم عاد فتركت شتمه وسكتت ثم عاد فقالت: أنظر أليست في كل حال من هذه الأحوال أقرب إلى أن تكون رضيت بنكاحه منها على الحال التي قبلها لأنها إذا تركت الشتم فكأنها قريبة من الرضا وإذا قالت: انظر فهي أقرب من الرضا منها إذا تركت الشتم ولم تقل: انظر أرأيت إن قال له قائل: إذا كان بعض هذا لم يسع غيره الخطبة، هل الحجة عليه إلا أن يقال هي راكنة وقريبة من الرضا ومستدل على هواها لا يجوز إنكاحها وإذا لم يجز إنكاحها فلا حكم يخالف هذا منها إلا أن تأذن لوليها أن يزوجها وإذا لم تأذن لوليها أن يزوجها فليس له أن يزوجها وإن زوجها رد النكاح وهي إذا أذنت بالنكاح فعلى وليها تزويجها فإن لم يفعل زوجها الحاكم وإذا زوجت بعد الإذن جاز النكاح ولا افتراق لحالها أبداً إلا الإذن وما خالف من ترك الإذن وسن قال: إذا ركنت خالف الأحاديث كلها فلم يجز الخطبة بكل حال لحديث فاطمة ولم يردها بكل حال لجملة حديث ابن عمر وأبي هريرة ولم يستدل ببعضها على بعض فيأتي بمعنى يعرف.
قال الشافعي: وقول من زاد في الحديث حتى يأذن أو يترك لا يحيل من الأحاديث شيئاً وإذا خطبها رجل فأذنت في إنكاحه ثم ترك نكاحها وأذن لخاطبها جاز لغيره أن يخطبها وما لم يفعل لم يجز.
قال الشافعي: فإن قال قائل: فمن أين ترى هذا كان في الرواية هكذا قيل والله أعلم.
أما أن يكون حضر سائلاً سأل رسول الله عن رجل خطب امرأة فأذنت فيه فقال رسول الله: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، يعني في الحال التي سأل فيها على جواب المسألة فسمع هذا من النبي ولم يحك ما قال السائل أو سبقته المسألة وسمع جواب النبي فاكتفى به وأداه، ويقول رسول الله: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه إذا أذنت أو كان حال كذا فأدى بعض الحديث ولم يؤد بعضاً أو حفظ بعضاً وأدى ما يحفظه ولم يحفظ بعضاً فأدى ما أحاط بحفظه ولم يحفظ بعضاً فسكت عما لم يحفظ أوشك في بعض ما سمع فأدى ما لم يشك فيه وسكت عما
стр. 172
شك فيه منه أو يكون فعل ذلك من دونه ممن حمل الحديث عنه وقد اعتبرنا عليهم وعلى من أدركنا فرأينا الرجل يسأل عن المسألة عنده حديث فيها فيأتي من الحديث بحرف أو حرفين يكون فيهما عنده جواب لما يسأل عنه ويترك أول الحديث وآخره فإن كان الجواب في أوله ترك ما بقي عنه وإن كان جواب السائل له في آخره ترك أوله وربما نشط المحدث فأتى بالحديث على وجهه ولم يبق منه شيئاً ولا يخلو من روى هذا الحديث عن النبي عندي والله أعلم من بعض هذه المعاني.
باب الصوم لرؤية الهلال والفطر له
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله قال: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له " وكان عبد الله بن عمر يصوم قبل الهلال بيوم قيل لإبراهيم يتقدمه قال: نعم.
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن جبير عن ابن عباس قال: عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله: "لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه ".
أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوماً، كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين.
стр. 173
أخبرنا عمرو بن أبي علقمة عن سلمة عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صياماً فليصمه.
قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ والظاهر من أمر رسول الله والله أعلم أن لا يصام حتى لا يرى الهلال لأن الله جعل الأهلة مواقيت للناس والحج وقدرها يتم وينقص فأمرهم الله أن لا يصوموا حتى يروا الهلال على معنى أن ليس بواجب علكيم أن تصوموا حتى تروا الهلال وإن خفتم أن يكون قد رآه غيركم فلا تصوموا حتى تروه على أن عليكم صومه ولا تفطروا حتى تروه لأن عليكم إتمامه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يعني فيما قبل الصوم من شعبان ثم تكونوا على يقين من أن يكون لكم الفطر لأنكم قد صمتم كمال الشهر، قال وابن عمر سمع الحديث كما وصفت وكان ابن عمر يتقدم رمضان بيوم، قال: وحديث الأوزاعي: "لا تصوموا إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم " يحتمل معنى مذهب ابن عمر في صومه قبل رمضان إلا أن تصوموا على ما كنتم تصومون متطوعين لا إن عليكم واجباً أن تصوموا إذا لم تروا الهلال، قال: ويحتمل خلافه من أن يرى أن لا يوصل رمضان بشيء من
стр. 174
الصوم إلا أن يكون رجل اعتاد صوماً من أيام معلومة فوافق بعض ذلك الصوم يوم يصل شهر رمضان.
قال الشافعي: فاختار أن يفطر الرجل يوم الشك في هلال رمضان إلا أن يكون يوماً كان يصومه فاختار صيامه وأسأل الله التوفيق ولهذا نظير في الصلاة سنذكره في موضعه إن شاء الله وهو النهي عن الصلاة في ساعات من النهار.
باب نفي الولد
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن ابن شهاب عن ابن المسيب أو أبي سلمة عن أبي هريرة "الشك من سفيان " أن رسول الله قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن عبد بن زمعة وسعداً اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة فقال: سعد: يا رسول الله أوصاني أخي إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فاقبضه فإنه ابني، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي فرأى شبهاً بيناً بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة.
أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله فرق بين المتلاعنين وألحق الولد بالمرأة.
أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من بني زهرة كان يسكن دارنا فذهبت معه إلى عمر بن
стр. 175
الخطاب فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية فقال: أما الفراش فلفلان وأما النطفة فلفلان فقال عمر: صدق ولكن رسول الله قضى بالفراش.
أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي وذكر حديث المتلاعنين فقال: قال النبي انظروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذباً قال: فجاءت به على النعت المكروه.
أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيب وعبد الله بن عبد الله بن عتبة أن رسول الله قال: "إن جاءت به أميغر سبطاً فهو لزوجها وإن جاءت به أديعج جعداً فهو للذي يتهمه، قال: فجاءت به أديعج ".
قال الشافعي: وفي حديث إبراهيم بن سعد من الوجهين عن النبي دلالة على أن رسول الله نفى الولد عن الزوج لأنه لو لم ينفه عنه لم يأمر والله أعلم بالنظر إليه ودلالة على أن أحكام الله ورسوله في الدنيا على الظاهر من أمرهم، وأحكام الله على الناس في الآخرة على سرائرهم لأن الله لا يطلع على السرائر غيره وفي ذلك إبطال أن يحكم الناس في شيء أبداً بغير الظاهر وإبطال أحكام التوهم كلها من الذرائع وما يغلب على سامعه وما سواها ولأني لا أعلم شيئاً بعد أمر المنافقين أبين من أن يقول رسول الله للملاعنة وهي حبلى: إن جاءت به كذا فهو للذي يتهمه وإن جاءت به كذا فلا أحسبه إلا قد كذب عليها فتأتي به على ما وصف أنه للذي يتهمه ثم لا يحد الذي يتهم به ولا هي.
قال الشافعي: وفي حديث مالك عن نافع ما في هذه الأحاديث من الحاق
стр. 176
النبي الولد بالمرأة وذلك نفيه عن أبيه وهو أبين من هذه في نفي الولد عن أبيه عند من ليس له نظر.
قال الشافعي: وليس يخالف حديث نفي الولد عمن ولد على فراشه، قول النبي: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ومعنى قوله: الولد للفراش معنيان أحدهما وهو أعمهما وأولاهما أن الولد للفراش ما لم ينفه رب الفراش باللعان الذي نفاه به عنه رسول الله، فإذا نفاه باللعان فهو منفي عنه وغيره لاحق بمن ادعاه بزنا وإن أشبه كما لم يلحق النبي المولود الذي نفاه زوج المرأة باللعان ولم ينسبه إلى رجل بعينه وعرف النبي ﷺ شبهه به لأنه ولد على غير فراش وترك النبي أن يلحقه به مثل قوله: وللعاهر الحجر فجعل ولد العاهر لا يلحق كان العاهر له مدعياً أو غير مدع.
قال الشافعي: والمعنى الثاني إذا تنازع الولد رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش وإن نفى الرجل الولد بلعان فهو منفي وإن حدث إقرار بعد اللعان فالولد لاحق به لأن المعنى الذي نفي به عنه بالتعانه وكذلك إذا أقر بكذبه بالالتعان كان الولد للفراش كما قال رسول الله ولو أقر به مرة لم يكن له نفيه بعد إقراره باللعان لأن إقراره بكل حق لآدمي مرة يلزمه ولا يخرجه منه شيء غيره وقد قال قائل من غير أهل العلم: لا أنفي الولد باللعان وأجعل الولد لزوج المرأة بكل حال لأن النبي قال: الولد للفراش وقوله: الولد للفراش حيث مجمع عليه ونفي الولد عن رب الفراش حديث يخالف الولد للفراش، قال: وحديث الولد للفراش ثابت وكذلك حديث نفي الولد باللعان، والحديث أن النبي نفى الولد عن المتلاعنين وألحقه بأمه أوضح معنى وأحرى أن يكون فيه شبهه من حديث الولد للفراش، لأنه إذا نص الحديث في الولد للفراش فإنما هو أن رجلين تنازعا ولداً أحدهما يدعيه لرب أمه الواطئ لها بالملك، والآخر يدعيه لرجل وطئ تلك الأمة بغير ملك ولا نكاح فقضى رسول الله ﷺ بنسبه بمالك الأمة. أفرأيت لو قال لنا قائل: إذا كان مثل هذا الولد للفراش لأن رسول الله إنما ألحقه بالفراش بالدعوى لصاحب الفراش وإذا لم يكن هذا فولد مولود على
стр. 177
فراش رجل لم ألحقه له إلا بدعوى يحدثها له، هل الحجة عليه؟ إلا أن معقولاً في الحديث أن يثبت النسب بالحلال ولا يثبت بالحرام أن لم يكن نصاً بأن الولد للفراش بدعوة رب الفراش وأن يكون يدعيه له من يجوز دعوته عليه فحديث إلحاق الولد بالمرأة بين بنفسه لا يحتاج فيه إلى تفسير من غيره فلا يحتمل تأويلاً ولم أعلم فيه مخالفاً من أهل العلم.
قال الشافعي: أرأيت لو أن رجلاً عمد إلى سنة لرسول الله فخالفها أو إلى أمر عرف عوام من العلماء مجتمعين عليه لم يعلم لهم فيه منهم مخالفاً فعارضه، أيكون له حجة بخلافه أم يكون بها جاهلاً يجب عليه أن يتعلم لأنه لو جاز هذا لأحد، كان لكل أحد أن ينقض كل حكم بغير سنة وبغير اختلاف من أهل العلم فمن صار إلى مثل ما وصفت من أن لا ينفى الولد بلعان خالف سنة رسول الله ثم ما أعلم المسلمين اختلفوا فيه ثم من أعجب أمر قائل هذا القول أنه يدعي القول بالإجماع وإبطال غيره فما يعدو أن يكون رجلاً لا يعرف إجماعاً ولا افتراقاً في هذا أو يكون رجلاً لا يبالي ما قال.
باب في طلاق الثلاث المجموعة
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي الصهباء قال لابن عباس: إنما كانت الثلاث على عهد رسول الله تجعل واحدة وأبي بكر وثلاث من إمارة عمر فقال ابن عباس: نعم.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي ألفاً فقال: تأخذ ثلاثاً وتدع تسعمائة وسبعاً وتسعين.
أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج عن مجاهد قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي مائة فقال تأخذ ثلاثاً وتدع سبعاً وتسعين.
стр. 178
قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله، واحدة يعني أنه بأمر النبي فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئاً فنسخ، فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون يروي عن رسول الله شيئاً ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي فيه خلافه فإن قيل فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة وبيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد وغيره فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي فيه خلافه فإن قيل: فلم لم يذكره؟ قيل وقد يسأل الرجل عن الشيء فيجيب فيه ولا يتقصى فيه الجواب ويأتي على الشيء ويكون جائزاً له كما يجوز له لو قيل: أصلى الناس على عهد رسول الله إلى بيت المقدس؟ وأن يقول: نعم. وإن لم يقل ثم حولت القبلة قال: فإن قيل فقد ذكر على عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر قيل والله أعلم وجوابه حين استفتى يخالف ذلك كما وصفت، فإن قيل: فهل من دليل تقوم به الحجة في ترك أن تحسب الثلاث واحدة في كتاب أو سنة أو أمر أبين مما ذكرت. قيل: نعم.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان رجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له ون طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها وقال: والله لا آويك إلي ولا تحلين أبداً، فأنزل الله: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق وذكر بعض أهل التفسير هذا فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء وإذا جعل الله عدد الطلاق على الزوج وأن يطلق متى شاء فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضي بطلاقه.
قال الشافعي: وحكم الله في الطلاق أنه مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقوله فإن طلقها يعني والله أعلم الثلاث فلا تحل له من بعد حتى تنكح
стр. 179
زوجاً غيره، فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره وجعل حكمه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث وجعل الطلاق إلى زوجها فطلقها ثلاثاً مجموعة أو مفرقة حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجاً غيره كما كانوا مملكين عتق رقيقهم فإن أعتق واحداً أو مائة في كلمة لزمه ذلك كما يلزمه كلها جمع الكلام فيه أو فرقه مثل قوله لنسوة: أنتن طوالق ووالله لا أقربكن وأنتن علي كظهر أمي، وقوله لفلان: علي كذا ولفلان علي كذا ولفلان علي كذا فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني جميعه كلام فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه، فإن قال قائل: فهل من سنة تدل على هذا؟ قيل: نعم.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن الزبير عن عائشة أنه سمعها تقول جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته، قال وأبو بكر عند النبي وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له فنادى يا أبا بكر: ألا تسمع ما تجهر به هذه عند رسول الله ﷺ .
قال الشافعي: فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بت طلاقها في مرات قلت ظاهره في مرة واحدة وبت إنما هي ثلاث إذا احتملت ثلاثاً، وقال رسول الله: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك ولو كانت عائشة
стр. 180
حسبت طلاقها بواحدة كان لها أن ترجع إلى رفاعة بلا زوج فإن قيل: أطلق أحد ثلاثاً على عهد النبي قيل: نعم، عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يخبر النبي أنها تحرم عليه باللعان فلما أعلم النبي نهاه وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي أن زوجها بت طلاقها تعني والله أعلم أنه طلقها ثلاثاً، وقال النبي: ليس لك عليه نفقة والله أعلم، لا رجعة له عليها ولم أعلمه عاب طلاق ثلاث معاً.
قال الشافعي: فلما كان حديث عائشة في رفاعة موافقاً ظاهر القرآن وكان ثابتاً كان أولى الحديثين أن يؤخذ والله أعلم وإن كان ليس بالبين فيه جداً.
قال الشافعي: ولو كان الحديث الآخر له مخالفاً كان الحديث الآخر يكون ناسخاً والله أعلم وإن كان ذلك ليس بالبين فيه جداً.
باب طلاق الحائض
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا عبد المجيد عن أبي جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الله بن أيمن يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً. فقال: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد النبي فقال النبي: ليرتجعها فردها علي ولم يرها شيئاً فقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك.
أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله فسأل عمر رسول الله عن ذلك فقال رسول الله: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن
следующие страницы →