ولد ببغداد وبها نشأ ثم انتقل إلى الموصل وصحب وزيرها جمال الدين الأصبهاني، ثم التحق بخدمة السلطان صلاح الدين فولاه ديوان ميافارقين، غير أن خلافه مع والي تلك المدينة أخرجه عنها إلى دمشق حيث لبث مدة انتقل بعدها إلى مصر سنة ٥٨٦، ثم رجع إلى دمشق وبقي فيها إلى أن حج وتوفي وهو عائد على طريق العراق بالحلة السيفية، وقد جعل ابن خلكان وفاته عام ٥٩٠ ولكن هناك ما يدل على أنه عاش بعد ذلك - كما سيلي.
وقد كان ابن الدهان متعدد الملكات، إذ كان واسع الاطلاع في النحو، وله اهتمام بالفرائض، وهو أول من جعلجداولها على شكل منبر، وكان ذا معرفة بعلم النجوم وحل الزيجات ويعرف طرفاً صالحاً من الهندسة، هذا إلى توفر على قول الشعر، ويذكر العماد أن شعره في غاية الجودة. فأما في الحديث فقد صنف غريب الحديث في ستى عشر مجلداً لطافاً ورمز فيه حروفاً يستل بها على أماكن الكلمات المطلوبة منه، كذلك له في الفقه تأليف اسمه " تقويم النظر ".
وصنف في التاريخ كتاباً وصفه الصفدي بأنه " جيد " ويذكر ابن تغري بردي أن تاريخه يبتدئ سنة ٥١٠ وينتهي بحوادث سنة ٥٢٩، فإذا صح ذلك تكون وفاته قد تجاوزت ما حدده ابن خلكان وأكثر المصادر التي ترجمت له. ومن إشارات ابن العديم إلى الكتاب نعرف أنه مبني على الاختصار.
стр. 142
- ١ - (١)
سنة ٥٢١: واتفق المر على أن يسير بدر الدولة وخطلبا إلى باب الموصل إلى عماد الدين زنكي، فلما ولي عاد إلى منصبه، وأقام بحلب الأمير قراقش والرئيس فضائل بن بديع، فأصلح عماد الدين بينهما ولم يوقع لأحد منهما وسير سرية إلى حلب صحبة الحاجب صلاح الدين العمادي فوصل إلى حلب وطلع إلى القلعة وأقام فيها والياً من جانبه ...
- ٢ - (٢)
سنة ٥٢٢: دخل عماد الدين زنكي بن آق سنقر إلى حلب في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة، والطالع السنبلة أربع عشرة درجة، وطالع الأصل الميزان، كذا حكى لي البرهان، وقبض على خطلبا وسلمه إلى ابن بديع فكحله في منتصف رجب ...
- ٣ - (٣)
سنة ٥٢٣: وانحاز قاضي القضاة الزيني إلى الموصل في ولاية الراشد، والآن عاد وسمع البينة في خلع الراشد، وانضاف إلى الراشد لما أصعد إلى الموصل أبو الفتوح الواعظ الإسفرايني وجلال الدين ابن صدقة الذي كان وزيره وقوام الدين ابن صدفة وأكابر بيت صدقة، وحصل الجماعة عند زنكي بالموصل. ولما اتفقت الكلمة على المقتفي لأمر الله وعلى السلطان مسعود استشعر الراشد من زنكي وطلب منه أن يعبر إلى الجانب الغربي ليمضي إلى همذان، فمشى بين يديه إلى أن حصل في الشبارة، وعبر وتخلف عند زنكي جلال الدولة بن صدقة وجماعة
стр. 143
من بيته. وسمعت قوام الدين صدقة يحكي أن الراشد لما حصل على شاطئ دجلة بالموصل يريد العبور وزنكي بين يديه قال لأبي الرضى ابن صدقة: أريد أقتل زنكي، فقال أبو الرضى لابن عمه قوام الدين: قل لزنكي يسرع خطوه بحيث يبعد عن الراشد، ففعل، وعرف زنكي ذلك لأبي الرضى فاستوزره. ومضى الراشد إلى أصفهان وصحبته أبو الفتوح الإسفرايني وأقام عليها إلى أن قتل.
- ٤ - (١)
سنة ٥٣٩: في خامس عشري جمادى الآخرة فتح زنكي الرها، كان نازلاً على آمد، فكتب إليه رئيس حران يخبره أن صاحب الرها قد توجه إلى الشام، فأغذ زنكي السير حتى نزل على الرها، وحال بينها وبين صاحبها، وحاصرها أشد الحصار، وفتحها بالسيف فغنم المسلمون منها.
- ٥ - (٢)
سنة ٥٤١: وفي هذه السنة قتل عماد الدين زنكي ليلة الأحد سادس شهر ربيع الآخر على قلعة جعبر، قتله خادم له اسمه يرنقش وانهزم إلى قلعة جعبر.
- ٦ - (٣)
سنة ٥٤٥: فيها خرجت زغب على الحاج فهلك منهم خلق كثير قتلاً وجوعاً وعطشاً، وكان في من هلك يوسف بن درة الشاعر المعروف بابن الدري الموصلي الأصل.
стр. 144
- ٧ - (١)
سنة ٥٤٩: وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة توفي أبو الحكم المغربي الحكيم عبيد الله بن المظفر، وكان قدم بغداد وأقام بها مدة يعلم الصبيان، وكان ذا معرفةٍ بالأدب والطب والهندسة، ومولده باليمن في سنة ست وثمانين وأربعمائة.
стр. 145
- ١٥ -
ذيل على مختصر تاريخ الطبري
أو
تاريخ الوزير أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين الشيباني
" ٥٣٥ - ٥٩٧ "
стр. 146
فراغ
стр. 147
اختصر تاريخ الطبري وحذف أسانيده جماعة منهم:
١ - محمد بن سليمان الهاشمي.
٢ - أبو الحسن الشمشاطي المعلم من أهل الموصل.
٣ - السليل بن أحمد (١) .
وهناك آخرون غير هؤلاء، ولهذا فالكتاب الذي يسمى:مختصر تاريخ الطبري " والذي ذيل عليه أبو غالب الشيباني مما يتعذر تحديد نسبته أو تعيين مؤلفه، وقد أهمل هذا الذيل الذي صنعه أبو غالب فيما يبدو، فلم يبق منه إلا النقول التي تضمنها كتاب بغية الطلب لابن العديم، ولعل السبب في ذلك أنه يشارك ابن الأثير في معظم الأخبار، فكان أن حجبته شهرة تاريخ ابن الأثير.
كذلك فإن الاهتمام بمؤلف الذيل قليل أيضاً ولولا ورود ترجمته في الجامع المختصر لابن الساعي (٩: ٧٠) لما استطعنا معرفة شيء كثير عنه، قال ابن الساعي: " أبو غالب عبد الواحد بن مسعود الشيباني شيخ فاضل من أهل بيت رواية للحديث، روى عن أبي الكرم المبارك بن الشهرزوري وأبي الوقت السجزي
стр. 148
وغيرهما، وتولى الأعمال الواسطية نظراً وإشرافاً ثم خرج إلى الشام في سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتردد ما بين مصر ودمشق سنين، ثم سكن حلب إلى أن توفي بها في شهر رمضان من سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وكان مولده في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ". وأكثر مروياته عن أبيه مسعود بن الحصين أبي منصور (- ٥٥٥) الذي غلب عليه الميل إلى القراءات (١) وعن خاله ابن عم أبيه شمس الرؤساء أبي الحسن علي بن محمد بن الحصين (٢) .
ويبدو أنه كان في الفترة العراقية من حياته على علاقة بابن التلميذ الطبيب، ويروي شيئاً من شعره، ومن شعر ابن الخل وغيرهما، وذلك أنه كان يخالط أولئك الشعراء كما كان يسمع إنشادهم في مجلس الوزير ابن هبيرة، وعنه يروي بعض شعر معاصريه العماد الأصفهاني ويدعوه " صديقي " في غير موطن (٣) ، وكان كذلك على علاقة بأبي منصور محمد بن سليمان بن قتلمش النحوي اللغوي الذي ولاه الناصر حجبة الحجاب (٤) (- ٦٢٠/١٢٢٣) ، فإنا نراهما يتفاوضان في مدى سرعة خاطر الحسين بن علي بن أحمد بن شبيب نديم المستنجد في حل الألغاز فيرسلون إليه بلغزين (وكانت وفاة ابن شبيب سنة ٥٨٠) (٥) .
ويلقبه
стр. 149
- ١ - (١)
سنة ٤٥٦: في شهر رمضان وصل ركابي من تبريز بكتاب من نظام الملك يخبر أن السلطان ألب أرسلان أوغل في الغزاة ببلاد الخزر وبلغ حيث لم يبلغ أحد من الملوك وافتتح بلداً عظيماً يسمى أسبد شهر وقتل نحو ثلاثين ألف رجل وسى ما يوفي على خمسين ألف مملوك، وهادن ملك الأبخاز وعاد من ذلك الثغر ونزل على مدينة آني من بلاد الروم، ففتحها عنوة، وهي مدينة عظيمة تشتمل هلى سبعمائة ألف دار، وأسر منها خمسمائة ألف إنسان.. وهو أول من ذكر على منابر مدينة السلام بالسلطان عضد الدين ألب أرسلان.
- ٢ - (٢)
سار السلطان ألب أرسلان [يعني في سنة ثلاث وستين وأربعمائة] إلى ديار بكر فخرج إليه نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف دينار، وقصد حلب وحاصرها فخرج إليه محمود بن نصر آملاً ومعه والدته، فدخلا على السلطان فقالت له: هذا ولدي فافعل به ما تحب، ففعل معه الجميل وخلع عليه.
وغزا السلطان ألب أرسلان بلاد الروم، وخرج أمر الخليفة القائم إلى الخطباء على المنابر بالدعاء له بما صيغته " اللهم أعل راية الإسلام وناصره، وادحض الشرك بجب غاربه وقطع أواصره، وامدد المجاهدين في سبيل الدين في طاعتك بنفوسهم سمحوا، وعلى متابعتك بمهجهم فازوا وربحوا، بالعون الذي تطيل به باعهم، وتملأ بالأمن والظفر رباعهم، واحب شاهنشاه الأعظم برهان أمير
стр. 150
المؤمنين بالنصر الذي تنشر به أعلامه، ويستبشر بمكانه من اختلاف الظلال أيامه، وأوله من التأييد الضاحكة مباسمه، القائمة أسواقه ومواسمه، ما يقوي في إعزاز دينك يده، ويقضي بأن يشفع يومه في الكفار غده، واجعل جنوده بملائكتك معضودة، وعزائمه على اليمن والتوفيق معقودة، فإنه قد هجر في كريم مرضاتك الدعة، وتاجرك من بذل المال والنفس ما انتهج فيه مسالك أوامرك الممتثلة المتبعة، فإنك تقول وقولك الحق: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) .
اللهم فكما أجاب نداءك ولباه، واجتنب التثاقل عن السعي في حياطة الشريعة وأباه، ولاقى أعداءك بنفسه، وواصل في الانتصار لدينك يومه بأمسه، أنت اخصصه بالظفر، وأعنه في مقاصده بحسن مجاري القضاء والقدر، وحطه بحرز يدرأ عنه من الأعداء كل كيد، ويشمله من جميل صنعك بأقوى أيد، ويسر له كل مرام يحاوله، ومطلب يرومه ويزاوله، حتى تكون نهضته الميمونة عن النصر مسفرة، ومقلة أحزاب الشرك مع إصرارهم على الضلال غير مبصرة. فابتهلوا معاشر المسلمين إلى الله تعالى في الدعاء له بنية صافية، وعزيمة صادقة، وقلوب خاشعة، وعقائد في رياض الإخلاص راتعة، وواصلوا الرغبة إلى الله في إعزاز جانبه، وفل غرب مجانبه، وإعلاء رايته، وإنالته من الظفر أقصى حده وغايته) .
وأنفذ السلطان في مقدمته أحد الحجاب، فصادف عند خلاط صليباً تحته مقدم الروسية في عشرة آلاف من الروم فحاربوهم، وأعطى الله المسلمين النصر عليهم، فأخذ الصليب وأسر المقدم، وتقارب السلطان وعظيم الروم في مكان يعرف بالزهرة بين خلاط ومنازكرد في يوم الأربعاء خامس ذي القعدة، وكان السلطان في خمسة عشر ألفاً وصاحب الروم في مئين ألوف، وراسل السلطان ملك الروم في الهدنة، فقال ملك الروم: لا هدنة إلا بالري، فعزم الله على السلطان على الرشد، ولقيه يوم الجمعة وقت الزوال، وهو سابع ذي القعدة، وأعطى الله المسلمين النصر فقتلوا منهم قتلاً ذريعاً وأسر ملك الروم، وضربه ألب أرسلان ثلاث مقارع، وقطع عليه ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وأي وقت طلب
стр. 151
السلطان عساكر الروم نفذها ملكهم إليه، وأن يسلم كل أسير من المسلمين عنده.
٣ - (١)
سنة ٤٦٥: في أولها غزا السلطان ألب أرسلان جيحون، وكان معه زيادة على مائتي ألف فارس، وعبر عسكره إليهم في نيف وعشرين يوماً من صفر، وكان قد قصده شمس الملوك تكين بن طمغاج، وأتاه وأصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، وحمل إلى قرب سريره وهو مع غلامين، فتقدم بان تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها فقال: يا مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة؟ فاحتد السلطان ألب أرسلان وأخذ القوس والنشابة وحرص على قتله، وقال للغلامين خلياه، فخلياه ورماه فأخطأه، ولم تخطئ له قط نشابة غير هذه، فعدا يوسف إليه، وكان السلطان جالساً على سدة، فنهض ونزل فعثر ووقع على وجهه، وقد وصله يوسف فبرك عليه وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، ودخل السلطان إلى خيمته وهو مثقل، ولحق بعض الفراشين يوسف فقتله بمروة (٢) كانت في يده، وقضى ألب أرسلان نحبه وجلس للعزاء به ببغداد في ثامن جمادى الآخرة، ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وبلغ من العمر أربعين سنة وشهرين، ودفن السلطان ألب أرسلان عند قبر أبيه بمرو.
٤ - (٣)
سنة ٤٨٥: وفيها في المحرم مرض نظام الملك فلم يداو نفسه بغير الصدقة فعوفي.
стр. 152
٥ - (١)
وفي ليلة السبت عاشر شهر رمضان [يعني من سنة٤٨٥] قتل نظام الملك قوام الدين أبو عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق ﵁ قريباً من نهاوند، وهو سائر مع العسكر في محفة، فضربه صبي ديلمي في صورة مستميح أو مستغيث، بسكين كانت معه فقضى عليه، وأدرك فقتل، وجلس لعزائه عميد الدولة ابن جهير ببغداد، وفضائله المشهورة في كل مكان وزمان تنوب عن لسان مادحه، وأفعاله الصالحة من المدارس والربط والقناطر والجسور والصدقات الدارة باقية على الأيام، وتحدث الناس أن قتل نظام الملك كان برضى من السلطان وتدبير تاج الملك أبي الغنائم وإشارة تركان خاتون، لأنهم كانوا عزموا على تشعيث خاطر المقتدي، وكان نظام الملك يمنعهم من ذلك ...
وبلغني أن أبا نصر الكندري لما عزل عن وزارة السلطان وفوضت الوزارة إلى نظام الملك وحبس وسعى نظام الملك في قتله، فلما هم الجلاد بقتله قال له: قل للوزير نظام الملك بئس ما فعلت، علمت الأتراك قتل الوزراء وأصحاب الدواوين ومن حفر مغواة وقع فيها، ومن سن سنة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ورضي بقضاء الله المحتوم، فكان الأمر كما قال.
٦ - (٢)
سنة٤٨٧: وفي جمادى الأولى كان المصاف بين تاج الدولة تتش وبين الأمير آق سنقر وبوزان ومن أمدهما به بركياروق قريباً من حلب، فلما ألتقى الصفان استأمن ابن أبق إلى تتش وانهزم الباقون، وأسر آق سنقر فجيء به إلى تتش فقال له تتش: لو ظفرت بي ما كنت صانعاً في؟ قال: أقتلك، قال: فإني أحكم عليك بحكمك في، وقتله. وكان آق سنقر من أحسن الناس سياسة وآمنهم رعية وسابلة.
стр. 153
٧ - (١)
سنة٥١٤: في هذه السنة قتل الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي، وكان وزير السلطان مسعود، أسر في الكسرة المذكورة [كسرة محمود بن محمد لأخيه مسعود] ، وكان فضائله في الشعر والرسائل والحكمة مشهورة [ذكر ذلك بعد ذكر كسرة السلطان محمود بن محمد أخاه مسعوداً] .
٨ - (٢)
سنة٥١٨: وفي ثاني عشر من ذي حجتها دخل البرسقي إلى حلب، وفي غده رحل الفرنج عن حلب.
٩ - (٣)
سنة٥٢٤: وجد دبيس بن صدقة ضالاً بحلة حسان بن مكتوم بأعمال صرخد، فأسره ابن طغتكين صاحب دمشق، وباعه عليّ زنكي بن آق سنقر صاحب حلب بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه، فما شك دبيس أنه ابتاعه ليهلكه، فلما حصل دبيس في قبضة زنكي أكرمه وخوله وأطلقه، وروسل زنكي من دار الخلافة بتسليم دبيس، فقبض على الرسول وهو سديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري كاتب الإنشاء.
стр. 154
١٠ - (١)
سنة ٥٢٧: فيها نازل إسماعيل الملقب بشمس الملوك حماة وشيزر.
١١ - (٢)
سنة ٥٢٩: فيها قتل شمس الملوك إسماعيل بن بوري، قتلته أمه زمرد خانون وأجلست أخاه شهاب الدين محموداً.
١٢ - (٣)
سنة٥٧٧: فيها مات الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب، وبلغني أن وفاته كانت في شهر رجب عن تسع عشرة سنة، وكانت وفاته بقلعة حلب.
١٣ - (٤)
حدثني الشيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن، وكان من الثقاة الأمناء أهل السنة قال: رأيت في المنام عليّ بن أبي طالب ﵇ فقلت: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين يوم الطف ما تم؟ فقال لي عليّ ﵇: أما سمعت بأبيات الجمال ابن الصيفي في هذا؟ قلت: لا، فقال: أسمعها منه. ثم
стр. 155
استيقظت فباكرت إلى دار الحيص بيص، فخرج إلي، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، وهي:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسير وطالما ... غدونا عن الأسرى نعف ونصفح
ولا غرو فيما بيننا من تفاوت ... فكل إناء بالذي فيه ينضح
стр. 156
فراغ
стр. 157
١٦ - (١)
حلية السريين من خواص الدنيسريين
لأبي حفص عمر بن الخضر بن اللمش بن الدزمش التركي
стр. 158
فراغ
стр. 159
دنيسر إحدى مدن الجزيرة، بينها وبين ماردين فرسخان، وقد رآها ياقوت وهو صبي، وكانت قرية، ثم رآها بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة وقد أصبحت مدينة كبيرة آهلة بالسكان كثيرة الأسواق، وفي فترة نموها عاش أبو حفص عمر بن الخضر، وكتب تاريخها، حين كثر علماؤها ونعددت مدارسها (فعرف منها المدرسة الشهابية) وكثرت حلقات الدرس في جوامعها.
نال عمر بن الخضر ثقافته في بلده دنيسر على شيوخ منهم أبو الكرم ابن الأكاف الموصلي والقاضي أبو بكر الحلبي والقاضي أبو عمران الماكسيني (الماكسي) ثم توجه إلى بغداد فدرس الطب على أبي الخير المسيحي ابن العطار، والأرجح أنه عاد إلى بلده وزاول مهنة الطب هنالك، وتوفي بعد سنة٦١٥ (١) ، وهو ممن أغفل ذكرهم ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء.
١ - (٢)
إسحاق بن إسماعيل بن قنق بن إسحاق أبو يوسف التركي المنبجي المولد، الدنيسري الدار: كان فقيهاً شافعياً، وكان ابتداء اشتغاله بالفقه بالمدرسة الشهابية بدنيسر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، تفقه بها على شيوخنا أبي الكرم ابن الأكاف
стр. 160
الموصلي والقاضي أبي بكر الحلبي والقاضي أبي عمران الماكسي وغيرهم. قرأ جملة من كتب المذهب، وله في المناظرة تصرف وأنس بالجدل وبحث في الطب، صار يفيد الدروس للمتفقهة بالمدرسة بعد خروج القاضي محمد بن يحيى منها سنة سبع وستمائة.
٢ - (١)
أبو العباس [أحمد بن مسعود بن محمد] الخزرجي القرطبي الشافعي (٢) : هو أول من درس بالمدرسة الشهابية في دنيسر، فقيه فاضل مفنن عارف بكثير من علوم الأصول والفقه والنحو وسائر الآداب، شهد له بذلك جماعة من العلماء. قال لي أبو محمد ابن عربد النحوي: كان أبو العباس ﵀ حديد النظر، سديد الفكر، عجيب الفقر، غريب السير، حسن التبحر في العلوم، سليم التصور فيما يبدي من المنثور والمنظوم، جيد الفكاهة، متزيد النزاهة، لطيف الشمائل، طريف المخايل، لم أر في علماء عصره ومعشره أتم من بحثه ولا أدق من نظره، وله تصانيف في فنون كثيرة وشعر كثير، ولم يظهر له عندنا سماع حديث على طريق الرواية البتة بل كان يذكر لنا أن له سماعات كثيرة، وقد أنشدني كثيراً من شعره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستمائة بدنيسر ودفن بالمقبرة القبلية بها.
٣ - (٣)
محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن عبد الساتر المقدسي ثم
стр. 161
المارديني: كان أبوه قاضي ماردين، وجده قاضي دنيسر هو فخر الدين بن المشهدي، فاضل وقته في علوم الحكمة والطب والمرجوع إليه في ذلك. قرأ الطب على هبة الله بن صاعد بن التلميذ ببغداد، وبلغني أن ابن التلميذ لما رأى غزارة فهمه في علوم الحكمة أشار عليه بالطب لتعجيل الراحة منه، ضرورة حاجة الناس إليه، فبلغ منه الغاية، حتى إن الملوك كانت تخطبه من النواحي والأقطار، وكان على علو السن يكرر على كتب كبار، وقرأ عليه الشهاب السهروردي شيئاً من الحكمة، ولم يبلغني أنه صنف كتاباً مع غزارة علمه وتمكنه وحسن تصرفه فيه، إلا أنه شرح أبيات الشيخ الرئيس أبي عليّ ابن سينا، وهي التي أولها:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... وأقام بدنيسر عند أبي محمد القاسم بن هبة الله الحريري مدة، ولم أجتمع به. وتوفي في يوم السبت حادي عشر (١) ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة. قال أبو الخير المسيحي ابن العطار البغدادي زمن اشتغالي عليه بالطب ببغداد: إن عندكم من هو المرجوع إليه في هذا الشأن وغيره، وذكر لي محمد بن عبد السلام، وكان يفخم أمره ويعظم شأنه، فأخبرته بوفاته، ﵀.
стр. 162
٤ - (١)
أبو المعالي بن أبي الجيش بن أبي المعالي المقرئ الدنيسري الحصري الزاهد: قرأ القرآن على أبي جعفر القرطبي بدمشق، وقرأ على غيره، وهو رجل زاهد يحب الانقطاع عن الناس والخمول وكثرة قراءة القرآن، ويكره الجاه والقرب من السلطان وأن يؤم بهم أو بأتباعهم، وإذا عرض عليه شيء من ذلك امتنع، حتى إنه امتنع من الإمامة بالجامع الغربي بدنيسر لكونها ولاية سلطانية.
стр. 163
١٧ - تاريخ حران
لأبي المحاسن ابن سلامة الحراني
стр. 164
فراغ
стр. 165
توالى على كتابة تاريخ حران عدد من العلماء نعرف منهم ثلاثة:
١ - أبو عروبة (أو أبو عمرو) السلمي، وعنه ينقل السمعاني في الأنساب (١) .
٢ - حماد بن هبة الله بن حماد بن الفضيل الحراني (٥١١ ٥٩٨) (٢) وكان محدثاً حافظاً، سمع ببغداد من إسماعيل بن السمرقندي، وبهراة من عبد السلام، وبمصر من ابن رفاعة كما سمع من أبي طاهر السلفي. كان يتجر ويكتب الحديث، وفي هذا النشاط التجاري العلمي غاب عن حران ستين سنة، ولكن تعلقه بها يدل عليه تخصيصه تاريخاً لمن دخلها ومن كان منها وبها من أهل العلم والحديث وغير ذلك. وقد شك الذهبي في أن يكون كتب تاريخ حران كله أو بعضه، ولكن هذا الشك لا يرد عند من كمل تاريخه وذيل عليهوهو أبو المحاسن الآتي ذكره، وقد نقل ابن العديم عن تاريخه الفقرة الآتية (٣) :
(قرأت في كتاب شيخنا المعمر أبن عبد الواحد بن الفاخر الأصبهاني
стр. 166
وخطه، أخبرنا الأمام عمي في كتابه قال: أخبرنا أبو منصور الوكيل بهمذان قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن حمزة الهاشمي بالدسكرة قال: حدثنا ابن نصر أبو زياد بالمصيصة قال حدثنا يوسف بن سعد قال حدثنا روح الحراني عن خليد عن دعلج عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : لهذا كل عالم ناطق ومستمع داع) .
٣ - أبو المحاسن ابن سلامة بن خليفة (أو ابن غرير) الحراني (١) ، وقد صرح ابن العديم بأن تاريخه تكملة لتاريخ حران الذي ألفه حماد الحراني (٢) ويذكر السخاوي أن نسخة من تاريخه كتبها السيف أبو محمد عبد الغني بن محمد بن تيمية الحراني (٣) ، ولم أجد أحداً ترجم له. وذكره باسم " أبو المحاسن ابن سلامة " عند ابن العديم لا يختل أبداً، ولكن ابن خلكان ذكره مرة واحدة وكناه أبا يوسف وجعل اسمه " محاسن بن سلامة بن خليفة " (٤) . ويبدو من النصوص التي وصلتنا أنه اهتم بالأحداث التي مرت على حران مثلما اهتم بتراجم الرجال الذين عاشوا فيها سواء أكانوا من أهلها أو من الوافدين، وهو يستدرك على ما فات حماداً الحراني، وفي ما نقل عنه ترجمة لمن توفي سنة٦٢٤، وهذا قد يحدد بعض الشيء الفترة التي كتب فيها كتابه.
١ - (٥)
حدثني أبي ﵀ قال: كان أتابك زنكي ابن قسيم الدولة آق سنقر، ﵀، إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خطين مخافة أن يدوس العسكر
стр. 167
شيئاً من الزرع، ولا يجسر أحد من هيبته على أن يدوس عرقاً من الزرع ولا يمشي فرسه فيه، ولا يقدر أحد من الأجناد يأخذ لفلاح علاقة تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية وإن تعدى أحد حاسبه عليها. وكان إذا بلغه عن جندي أنه تعدى على فلاح قطع خبزه وطرده، حتى عمر البلاد بعد خرابها وأحسن إلى أهل مملكته، وكان لا يبقي على مفسد. وأوصى ولاته بأهل حران وعماله، ونهى عن الكلف والمغارم والسخر والتثقيل على الرعية وأقام الحدود في بلاده، ﵁.
٢ - (١)
وفي سنة٥٣٩ نزل [يعني أتابك زنكي] على الرها، وفيها الإفرنج، فحصرها وأخذها بالسيف، سادس عشر جمادى الآخرة، وكانت أيام الشتاء والبرد، قال الشاعر:
أصبحت صفراً من بني الأصفر ... أختال بالأعلام والمنبر
دان من المعروف حال به ... ناء عن الفحشاء والمنكر
مطهر الرحب على أنني ... لولا جمال الدين لم أطهر فبلغ ذلك رئيس حران جمال الدين فضل الله أبا المعالي فقال: امحوا " جمال الدين " واكتبوا " عماد الدين " فبلغ ذلك أتابك عماد الدين فقال: صدق الشاعر، لولاك ما طمعنا فيها. وأمر عماله إذا جاءت جائحة في الغلة أن يأخذوا الخراج على قدرها، فكانوا يأخذون خراجاً، وتارة نصف خراج، وتارة ثلث خراج، وتارة ربع خراج، وتارة لا يأخذون شيئاً إذا أمحلت البلاد. وقسم الماء الذي لحران ثلاثة أقسام: قسماً للسلطان وقسماً للسايات، وقسماً لآبار حران ولخندق القلعة. فلما أخذ الرها نزل على البيرة وفيها الإفرنج، وذلك في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وجاءه الخبر من الموصل أن نصير الدين نائبه بالموصل قتل فخاف
стр. 168
عليها وسار حتى دخل الموصل وأخذ وخابشا ابن السلطان الذي قتل نصير الدين جقر بن يعقوب فقتله بدم نصير الدين.
٣ - (١)
فلما كان في سنة أربعين وخمسمائة نزل أتابك زنكي على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد سادس ربيع الآخر نصف الليل من ستة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله يرنقش الخادم، كان تهدده بالنهار فخاف منه فقتله في الليل في فراشه، وجاء إلى تحت القلعة فنادى أهل القلعة: شيلوني فقد قتلت السلطان، فقالوا له: إذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله. وافترقت العساكر فأخذ أولاد الداية نور الدين محمود الملك العادل بن عماد الدين زنكي وطلبوا حلب والشام فملكها، وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وأعمالها فملكها وملك الجزيرة، وبقي عماد الدين أتابك زنكي وحده، فخرج إليه أهل الرافقة فغسلو بقحف جرة ودفنوه على باب مشهد الإمام عليّ ﵇ في جوار الشهداء من الصحابة، وبنى بنوه عليه قبة فهي باقية حتى الآن (٢) .
٤ - (٣)
حدثني الشيخ أبو الحسن عليّ بن عمر السعردي ﵀ قال: انقطع الشيخ أبو الفتح البغدادي [أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن] عن المدرسة بحران شهراً بسبب مرض أصابه، فحمل إليه قيم المدرسة واجب الشهر، فقال له الشيخ: يا ابني ما ألقيت في هذا الشهر درساً، ولا لي فيه واجب، ردها إلى
стр. 169
الخزانة، فردها ولم يأخذها. وكان أبو الفتح يدخل على أبي يزوره، وكان أبي فقيراً، وكان الفقيه يريد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته تبركاً بالفقراء وتواضعاً لهم وحسن ظن فيهم، مع جلالة قدره وعلمه، وكان كلما دخل على أبي ينشده:
يا بومة القبة الخضراء قد أنست ... روحي بروحك إذ تستبشع البوم
زهدت في زخرف الدنيا فأسكنك الز ... هد الخراب فمن يذممك مذموم وحدثني عنه رجل من فقهاء بغداد قال: سافر الشيخ أبو الفتح في طلب العلم إلى خراسان سفرة طويلة ثم رجع إلى بغداد وليس معه غير كتبه وثيابه، فوضعها في بيت من الخان، ثم دخل إلى شارعهم فدخل الدرب الذي كان أهله فيه، فجلس في مسجد وسأل عن أهله فأخبروه أنه لم يبق منهم في ذلك الدرب أحد، فجال مع الفقيه الذي هو قاضي الشارع، فتكلما في مسألة واختلفا فيها، فلما رأى خصمه على نفسه الغلبة وقهره الشيخ أبو الفتح بالحجة قال: والله لو أنك أبو الفتح ابن الصايغ ما سلمت إليك، فقال: يا أخي أنا أبو الفتح ابن الصايغ، فقام إليه واحترمه.
توفي أبو الفتح ابن أبي الوفاء بحران في سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
٥ - (١)
وفي الأربعاء ثاني عشر ذي الحجة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة مات الشيخ الحافظ رضي الدين أبو الثناء حماد بن هبة الله بن فضيل الحراني، من أهل العلم والحديث، سمع من السلفي أبي طاهر وغيره، وسافر فغاب عن حران ستين سنة يتجر ويكتب الحديث، وألف لحران تاريخاً لمن دخلها ومن كان منها وبها من أهل العلم والحديث وغير ذلك.
стр. 170
٦ - (١)
كان مولده [يعني أسعد بن المنجا] بدمشق سنة عشرين وخمسمائة، ومات بدمشق سنة خمس وستمائة وخطب على منبر حران، سمعته يخطب ويدعو للإمام المستضيء ﵁، صنف: كتاب النهاية في شرح الهداية، عشرين مجلداً، جمع فيه المذاهب وأدلتها، واختصر كتاب الهداية، وله شعر حسن.
٧ - (٢)
سنة٦٢٤: في ليلة السبت خامس شوال مات الشيخ الزاهد الناسك المبتلى الراضي الصابر أبو الثناء حماد بن الشيخ أحمد بن محمد بن بركة بن صديق النجار الحراني بعد مرض طويل تفتح (٣) فيه بدنه مدة اثنتي عشرة سنة، وهو مقيم على ذكر الله وطاعته وشكره، صابراً محتسباً ذلك في ثواب الله ومرضاته، وكان قد لقي الشيخ حياة بن قيس وعاهد ولده عمر، وأقام بزاوية في مسجد لله يعرف ببيت الزجاج معلق داخل باب من يزيد (٤) مدة من السنين منقطعاً إلى عبادة الله ، وترك المعاش وقد كان نجاراً من قبل، وكان له ملك فجعل يؤجره ويأكل من أجرته، وبنى لله تعالى مسجداً قريباً من داره، ولم يتزوج قط، وكان عمره نيف وسبعين سنة، وكان صبيح الوجه دمث الأخلاق سلس القياد طيب المعاشرة والمحاضرة.
стр. 171
١٨ - (١)
الاستسعاد بمن لقيته من صالحي العباد في البلاد
لأبي الفرج ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الأنصاري المعروف بابن الحنبلي
٥٥٤ ٦٣٤ - /١١٥٩ ١٢٣٦
стр. 172
فراغ
стр. 173
ولد بدمشق وكان أبوه (٥٨٦) شيخ الحنابلة بها في وقته، فسمع بدمشق من والده ومن غيره ثم أعد العدة للطلب، فطوف من أجل ذلك في عدد من البلدان مثل بغداد والموصل وأصبهان وهمذان، وزار مصر مرتين، ولقي المحدثين وتمكن في الفقه واللغة، ولكنه اتجه في دور مبكر من حياته إلى الوعظ حتى شهر به، وقد وعظ في كثير من البلدان التي دخلها، وحضر فتح بيت المقدس مع صلاح الدين، ودرس في عدة مدارس، ومن أجله بنت له الصاحبة ربيعة خاتون المدرسة الصاحبية بجبل قاسيون، وأبتدأ تدريسه فيها سنة٦٢٨، وقد كانت بينه وبين بعض علماء عصره منافسة، فقد تنازع مع موفق الدين المقدسي حول بعض القضايا، بعد أن كان المقدسي يرشحه لخلافته في المذهب، كما دخل في منافسة مع سبط ابن الجوزي بسبب الوعظ، والتقرب إلى الملك الأشرف الأيوبي، وكانت وفاته بدمشق.
ألف عدداً من المصنفات منها أسباب الحديث في عدة مجلدات، والانجاد في الجهاد، وتاريخ الوعاظ، ويعد كتابه " الاستسعاد " من المصادر المهمة التي اعتمدها ابن رجب في تأليف كتابه " ذيل طبقات الحنابلة " وقد وقف عليه بخط مؤلفه.
١ - (١)
إبراهيم بن محمد بن الأزهري الصريفيني أبو إسحاق: [تولى دار الحديث
стр. 174
بحلب، وكان سبب ذلك أن] القاضي بهاء الدين ابن شداد كان له غلو في إعلاء مذهب الشافعي فرأى في منامه رسول الله ﷺ ، قال: فسألته: أي المذاهب خير؟ ثم كتم جواب رسول الله ﷺ ، فالظاهر أنه أشار إلى مذهب أحمد، لأن تعصبه على مذهب أبي حنيفة ما تغير، ومال إلى الحنابلة، وأجلس التقي إبراهيم الحافظ الصريفيني في دار الحديث وقال: ندمت إذ وسمتها بالشافعية، ولو كان الجواب " مذهب الشافعي " لأظهره لأنه كان داعية إليه مبالغاً في تعظيمه وإظهاره عند الملوك.
٢ - (١)
إبراهيم بن المظفر الحربي الواعظ برهان الدين: كان واعظاً فاضلاً من أهل السنة، لم يكن بالموصل أعرف بالحديث والوعظ منه.
٣ - (٢)
أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد البغدادي المقرئ أبو العباس، وقد أجاز لنا الرواية عنه الشيخ أحمد بن الحسين بن محمد البغدادي، ورأيت بخطه العراقي. سمع الحديث ببغداد، وقرأ القرآن العزيز بطرق كثيرة، وكان ماهراً فيه، وتصدر لقراءة القرآن تحت النسر بجامع دمشق، فختم عليه القرآن جماعة، وكان كثير الحكايات والنوادر، قدم من بغداد مع الفقيه الأعز سنة أربعين وخمسمائة. قال لي: جئت إلى الشام بنية أني أزور القدس وإلى الآن ما زرته، فقلت، معي تزوره إن شاء الله، فزاره في صحبتي سنة سبع وثمانين أو سنة ثمان. وقرأت عليه فاتحة الكتاب تجويداً وتحريراً، وقرأت عليه كتاب الفصيح لثعلب، رواه عن سعد الخير الأندلسي، وقرأت عليه رسالة الشيخ ابن منير إلى الشيخ شرف الإسلام جدي، رواها عنه قال: اجتمعت بابن منير في حلب وسمعت الرسالة عليه، وقرأت
стр. 175
عليه أيضاً تصديقه (١) القرآن إنشاء ابن منير، رواها أيضاً عنه، وكان يصلي إماماً في مسجد الحشائين، أقام به سنين، وكان له منهم أصحاب وجماعة، فحسن فيه الظن، وكان يقول: كان عندنا في الحربية قوم من المتشددين يسمون السبعية، لا يسلمون على من سلم (إلى سبعة) على مبتدع. وبلغ من العمر فوق السبعين سنة، ومات بدمشق.
٤ - (٢)
أحمد بن عليّ بن أحمد الموصلي أبو العباس: كان يعرف أكثر مسائل الهداية لأبي الخطاب، ويأكل من كسب يده، ولباسه الثوب الخام. وانتفع به جماعة. وصار له حرمة قوية بالموصل واحترام من جانب صاحبها ومن بعده.
وتوفي في رابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
٥ - (٣)
أحمد بن محمد بن المبارك بن بكروس ويعرف بابن الحمامي: كان فقيهاً زاهداً، عابداً مفتياً، وسمعته يتكلم في حلقة شيخنا ابن المني، وعليه من نور العبادة وهدي الصالحين ما يشهد له.
وسئل عنه الشيخ موفق الدين فقال: كان فقيهاً صاحب مسجد ومدرسة يتكلم فيها في مسائل الخلاف ويدرس. وكان يتزهد وكان متزوجاً بابنة ابن الجوزي، وما علمنا منه إلا الخير.
توفي يوم الثلاثاء خامس صفر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وكان يومه مشهودا.
ورأى رجل النبي ﷺ في المنام بعد موت أحمد بن بكروس وهو يقول: مات
стр. 176
عابد الناس. وشاع هذا المنام في الناس. وكان أبوه أبو بكر محمد رجلاً صالحاً كثير الحج.
سمع الحديث في كبره على جماعة.
ولأبي العباس ولد اسمه محمد، يكنى أبا بكر، سمع من أبيه وعمه على زمن ابن البطي ويحيى بن بندار وطبقتهم، وكان فقيهاً صالحاً، وتوفي شاباً سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
٦ - (١)
أحمد بن يحيى بن فايد الأواني الحنبلي: زرته أنا ورفيق لي، فقدم لنا العشاء وعنده جماعة كثيرة، ولم يكن إلا خبز وخل وبقل، فتحدث على الطعام ثم قال: ضاف بعيسى ابن مريك أقوام فقدم لهم خبزاً وخلاً، وقال: " لو كنت متكلفاً لأحد شيئاً لتكلفت لكم " قال: فعرفت أنه قد عرف حالي. ودخل عليه رجل من الملاحدة في رباطه وهو جالس وحده، وهو في يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، فقتله فتكاً ﵁، ودفن برباطه. ثم قتل قاتله وأحرق.
٧ - (٢)
إسحاق بن أحمد بن محمد العلثي أبو الفضل: (قال ناصح الدين بن الحنبلي وقرأته بخطه) هو اليوم شيخ العراق والقائم بالانكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه.
٨ - (٣)
أسعد بن المنجا التنوخي أبو المعالي الفقيه الحنبلي، يدعى وجيه الدين:
стр. 177
كان رحل إلى بغداد، فقرأ على الفقيه أحمد الحربي الحنبلي كتاب " الهداية " وكتب خطه له بذلك، وعاد إلى دمشق. وكان رأى الشيخ شرف الإسلام جدي وانتهى إليه، وطلب الفقيه حامد بن أبي الحجر شيخ حران قاضياً لحران من نور الدين ونور الدين يومئذ صاحب دمشق فأشاروا به، فسير إلى حران قاضياً، فأقام مدة ثم رجع إلى دمشق، فأقام مدة ثم رجع إلى حران قاضياً. مررت عليه عودي من أصبهان سنة إحدى وثمانين، وتأخر موته. وكان أبو المعالي ابن المنجا يدرس في المسمارية يوماً وأنا يوماً، ثم استقليت بها في حياته. وكان له اتصال بالدولة وخدمة السلاطين وأسن وكبر، وكف بصره في آخر عمره.
٩ - (١)
إسماعيل بن نباتة الفقيه الملقب وجيه الدين: سمع درس عمي الإمام بهاء الدين عبد الملك بن شرف الإسلام لما قدم من خراسان، وعلق عنه من تعليق أبي الفضل الكرماني، ثم سمع درس والدي، وحفظ الهداية لأبي الخطاب حفظاً متقناً، وحفظ أصول الفقه للبستي، وحفظ كثيراً من مسائل التعليق. وكان يدرس القرآن كثيراً، ويقوم به من نصف الليل. وكان يصلي الفجر على نهر بردى بحضرة القلعة، ويصلي العصر على عين بعلبك، وبالعكس، وربما قرأ في طريقه القرآن أو كتاب " الهداية " الشك مني.
ولما قدمت من بغداد سنة ست وسبعين، وتكلمت في المسألة فرح بي. ومات قبل الثمانين وخمسمائة، ودفن بالجبل جوار دير الحوراني، ﵀.
١٠ - (٢)
إلياس بن حامد بن محمود بن حامد الحراني تقي الدين أبو الفضل: كان
стр. 178
رفيقي في درس شيخنا ابن المني. سكن الموصل إلى أن توفي، وولي مشيخة دار الحديث بها، وكان حسن الطريقة، وحدث. سمع منه بدل التبريزي.
توفي في سلخ شوال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالموصل.
١١ - (١)
حامد بن محمد بن حامد الصفار الأصبهاني: لقيته بأصبهان، وكان فقيهاً على مذهب الإمام أحمد، عارفاً بالمذهب والخلاف محدثاً، ذا مروءة تامة.
١٢ - (٢)
حامد بن محمود بن حامد الحراني المعروف بابن أبي الحجر: حدثني ولده إلياس (٣) ، قال: خرج والدي مع الشيخ عبد القادر في زيارة، وكان معه جماعة وانفرد والدي عنه، ورفع ثوبه على قصبة، فقال الشيخ عبد القادر: من هذا؟ فقالوا: الفقيه حامد الحراني، فقال: هذا يكون له تعلق بالملوك، وكان كما قال.
وكان شيخ حران في وقته. بنى نور الدين محمود المدرسة في حران لأجله، ودفعها إليه، ودرس بها، وتولى عمارة جامع حران، فما قصر فيه قيل: إنه راح إلى الروم، وتولى نشر الخشب بنفسه.
وكان نور الدين محمود يقبل عليه، وله فيه حسن ظن. وكان عنده وسواس في الطهارة.
ورحل إلى بغداد، ونزل بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع درسه، وكان من أصحابه. وجاء إلى دمشق في حوائج إلى نور الدين، ونزل عندنا في المدرسة، وأضافه والدي.
стр. 179
١٣ - (١)
الحسن بن مسلم بن الحسن أبو عليّ الزاهد:
سمعت الشيخ طلحة [يعني العلثي] يقول: للشيخ حسن هذا عشرون سنة ما رئي نائماً مضطجعاً، وكان مشهوراً تزوره العامة والخاصة، وزرناه في قريته الفارسية وبتنا عنده وتحدث معنا وفرح بنا، وخضنا في أخبار الصفات، فقال، قال بعض مشايخنا: أخبار الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الرحمن.
١٤ - (٢)
سالم الشيزري: من أهل شيزر، قدم دمشق قرب الستين والخمسمائة ونزل عندنا في المدرسة، واشتغل بالفقه على والدي ﵀، فحفظ كتاب الإيضاح تأليف جد أبي الشيخ أبي الفرج، وقرأعليه أيضاً كتاب التبصرة في الأصول تصنيف الشيخ أبي الفرج من حفظه، وحفظ كتاب الفصيح، وكان يكرر عليّ محفوظاته إلى أن مات. وكان شجاعاً كريماً، وكنت أقرأ عليه من كتاب الإيضاح، وكان كثير الملازمة لصلاة الجماعة في حلقة الحنابلة، وكان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ سورة يس والواقعة وتبارك والسجدة، وعمر إلى أن قدمت من بغداد وسمع درسي في المدرسة والحلقة سنين، ومات قريب العشر بعد الستمائة.
١٥ - (٣)
سعد بن عثمان بن مرزوق القرشي أبو الحسين بن الشيخ أبي عمرو: كان مشتغلاً بحفظ كتاب الوجهين والروايتين، تصنيف القاضي أبي يعلى. وكان من الزهد والصلاح والتطهير والتورع في المأكول على صفة تعجز كثيراً من المجتهدين في العبادة. وكان يمشي مطرق الرأس، يلتقط الأوراق المكتوبة، حتى اجتمع عنده
стр. 180
من ذلك شيء كثير، فيحمله بحمال إلى الشاطىء فيتولى غسله ويرسله مع الماء. وكان لا يستقضي أحداً حاجة إلا أعطاه أجره، ولو أشعل له سراجاً.
وذاكرته في خلوة في القول بخلق أفعال العباد، فأقر به، ولم يكن على ما ذكره من مذهب والده في ذلك، فسررت بذلك.
ورأى رجل في بغداد النبي ﷺ ، وهو يقول: لولا الشيخ سعد نزل بكم بلاء، أو كما قال. ثم سعى الشيخ سعد إلى الجمعة وما عنده خبر بهذا المنام، فانعكف الناس به يتبركون به وازدحموا، فرموه مرات، وكأن منادياً ينادي في قلوب الناس، وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة، أيش بي؟ أيش بالناس؟ حتى ضرب الناس عنه وخلص منهم.
١٦ - (١)
سلامة بن إبراهيم بن سلامة الحداد القباني الدمشقي أبو الخير، تقي الدين: كان حسن السمت، يحف شاربه، ويقصر ثوبه، ويأكل من كسب يده، يعمل القبابين، ويعتمد عليه في تصحيحها إلى أن مات.
وقال لي القاضي ابن الزكي: تعجبني طريقة أبي الخير يعني سلامة.
روى عنه ابن خليل في معجمه، فقال: أخبرنا الإمام أبو الخير قراءة عليه من لفظه.
وتوفي سابع وعشرين ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
١٧ - (٢)
طلحة بن مظفر بن غانم بن محمد العلثي الفقيه الخطيب المحدث الفرضي