← История

История · id 1023

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ

إحسان عباس

Полный текст (467 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عابد الناس. وشاع هذا المنام في الناس. وكان أبوه أبو بكر محمد رجلاً صالحاً كثير الحج. سمع الحديث في كبره على جماعة. ولأبي العباس ولد اسمه محمد، يكنى أبا بكر، سمع من أبيه وعمه على زمن ابن البطي ويحيى بن بندار وطبقتهم، وكان فقيهاً صالحاً، وتوفي شاباً سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ٦ - (١) أحمد بن يحيى بن فايد الأواني الحنبلي: زرته أنا ورفيق لي، فقدم لنا العشاء وعنده جماعة كثيرة، ولم يكن إلا خبز وخل وبقل، فتحدث على الطعام ثم قال: ضاف بعيسى ابن مريك أقوام فقدم لهم خبزاً وخلاً، وقال: " لو كنت متكلفاً لأحد شيئاً لتكلفت لكم " قال: فعرفت أنه قد عرف حالي. ودخل عليه رجل من الملاحدة في رباطه وهو جالس وحده، وهو في يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، فقتله فتكاً ﵁، ودفن برباطه. ثم قتل قاتله وأحرق. ٧ - (٢) إسحاق بن أحمد بن محمد العلثي أبو الفضل: (قال ناصح الدين بن الحنبلي وقرأته بخطه) هو اليوم شيخ العراق والقائم بالانكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه. ٨ - (٣) أسعد بن المنجا التنوخي أبو المعالي الفقيه الحنبلي، يدعى وجيه الدين:

стр. 177

كان رحل إلى بغداد، فقرأ على الفقيه أحمد الحربي الحنبلي كتاب " الهداية " وكتب خطه له بذلك، وعاد إلى دمشق. وكان رأى الشيخ شرف الإسلام جدي وانتهى إليه، وطلب الفقيه حامد بن أبي الحجر شيخ حران قاضياً لحران من نور الدين ونور الدين يومئذ صاحب دمشق فأشاروا به، فسير إلى حران قاضياً، فأقام مدة ثم رجع إلى دمشق، فأقام مدة ثم رجع إلى حران قاضياً. مررت عليه عودي من أصبهان سنة إحدى وثمانين، وتأخر موته. وكان أبو المعالي ابن المنجا يدرس في المسمارية يوماً وأنا يوماً، ثم استقليت بها في حياته. وكان له اتصال بالدولة وخدمة السلاطين وأسن وكبر، وكف بصره في آخر عمره. ٩ - (١) إسماعيل بن نباتة الفقيه الملقب وجيه الدين: سمع درس عمي الإمام بهاء الدين عبد الملك بن شرف الإسلام لما قدم من خراسان، وعلق عنه من تعليق أبي الفضل الكرماني، ثم سمع درس والدي، وحفظ الهداية لأبي الخطاب حفظاً متقناً، وحفظ أصول الفقه للبستي، وحفظ كثيراً من مسائل التعليق. وكان يدرس القرآن كثيراً، ويقوم به من نصف الليل. وكان يصلي الفجر على نهر بردى بحضرة القلعة، ويصلي العصر على عين بعلبك، وبالعكس، وربما قرأ في طريقه القرآن أو كتاب " الهداية " الشك مني. ولما قدمت من بغداد سنة ست وسبعين، وتكلمت في المسألة فرح بي. ومات قبل الثمانين وخمسمائة، ودفن بالجبل جوار دير الحوراني، ﵀. ١٠ - (٢) إلياس بن حامد بن محمود بن حامد الحراني تقي الدين أبو الفضل: كان

стр. 178

رفيقي في درس شيخنا ابن المني. سكن الموصل إلى أن توفي، وولي مشيخة دار الحديث بها، وكان حسن الطريقة، وحدث. سمع منه بدل التبريزي. توفي في سلخ شوال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالموصل. ١١ - (١) حامد بن محمد بن حامد الصفار الأصبهاني: لقيته بأصبهان، وكان فقيهاً على مذهب الإمام أحمد، عارفاً بالمذهب والخلاف محدثاً، ذا مروءة تامة. ١٢ - (٢) حامد بن محمود بن حامد الحراني المعروف بابن أبي الحجر: حدثني ولده إلياس (٣) ، قال: خرج والدي مع الشيخ عبد القادر في زيارة، وكان معه جماعة وانفرد والدي عنه، ورفع ثوبه على قصبة، فقال الشيخ عبد القادر: من هذا؟ فقالوا: الفقيه حامد الحراني، فقال: هذا يكون له تعلق بالملوك، وكان كما قال. وكان شيخ حران في وقته. بنى نور الدين محمود المدرسة في حران لأجله، ودفعها إليه، ودرس بها، وتولى عمارة جامع حران، فما قصر فيه قيل: إنه راح إلى الروم، وتولى نشر الخشب بنفسه. وكان نور الدين محمود يقبل عليه، وله فيه حسن ظن. وكان عنده وسواس في الطهارة. ورحل إلى بغداد، ونزل بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع درسه، وكان من أصحابه. وجاء إلى دمشق في حوائج إلى نور الدين، ونزل عندنا في المدرسة، وأضافه والدي.

стр. 179

١٣ - (١) الحسن بن مسلم بن الحسن أبو عليّ الزاهد: سمعت الشيخ طلحة [يعني العلثي] يقول: للشيخ حسن هذا عشرون سنة ما رئي نائماً مضطجعاً، وكان مشهوراً تزوره العامة والخاصة، وزرناه في قريته الفارسية وبتنا عنده وتحدث معنا وفرح بنا، وخضنا في أخبار الصفات، فقال، قال بعض مشايخنا: أخبار الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الرحمن. ١٤ - (٢) سالم الشيزري: من أهل شيزر، قدم دمشق قرب الستين والخمسمائة ونزل عندنا في المدرسة، واشتغل بالفقه على والدي ﵀، فحفظ كتاب الإيضاح تأليف جد أبي الشيخ أبي الفرج، وقرأعليه أيضاً كتاب التبصرة في الأصول تصنيف الشيخ أبي الفرج من حفظه، وحفظ كتاب الفصيح، وكان يكرر عليّ محفوظاته إلى أن مات. وكان شجاعاً كريماً، وكنت أقرأ عليه من كتاب الإيضاح، وكان كثير الملازمة لصلاة الجماعة في حلقة الحنابلة، وكان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ سورة يس والواقعة وتبارك والسجدة، وعمر إلى أن قدمت من بغداد وسمع درسي في المدرسة والحلقة سنين، ومات قريب العشر بعد الستمائة. ١٥ - (٣) سعد بن عثمان بن مرزوق القرشي أبو الحسين بن الشيخ أبي عمرو: كان مشتغلاً بحفظ كتاب الوجهين والروايتين، تصنيف القاضي أبي يعلى. وكان من الزهد والصلاح والتطهير والتورع في المأكول على صفة تعجز كثيراً من المجتهدين في العبادة. وكان يمشي مطرق الرأس، يلتقط الأوراق المكتوبة، حتى اجتمع عنده

стр. 180

من ذلك شيء كثير، فيحمله بحمال إلى الشاطىء فيتولى غسله ويرسله مع الماء. وكان لا يستقضي أحداً حاجة إلا أعطاه أجره، ولو أشعل له سراجاً. وذاكرته في خلوة في القول بخلق أفعال العباد، فأقر به، ولم يكن على ما ذكره من مذهب والده في ذلك، فسررت بذلك. ورأى رجل في بغداد النبي ﷺ ، وهو يقول: لولا الشيخ سعد نزل بكم بلاء، أو كما قال. ثم سعى الشيخ سعد إلى الجمعة وما عنده خبر بهذا المنام، فانعكف الناس به يتبركون به وازدحموا، فرموه مرات، وكأن منادياً ينادي في قلوب الناس، وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة، أيش بي؟ أيش بالناس؟ حتى ضرب الناس عنه وخلص منهم. ١٦ - (١) سلامة بن إبراهيم بن سلامة الحداد القباني الدمشقي أبو الخير، تقي الدين: كان حسن السمت، يحف شاربه، ويقصر ثوبه، ويأكل من كسب يده، يعمل القبابين، ويعتمد عليه في تصحيحها إلى أن مات. وقال لي القاضي ابن الزكي: تعجبني طريقة أبي الخير يعني سلامة. روى عنه ابن خليل في معجمه، فقال: أخبرنا الإمام أبو الخير قراءة عليه من لفظه. وتوفي سابع وعشرين ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ١٧ - (٢) طلحة بن مظفر بن غانم بن محمد العلثي الفقيه الخطيب المحدث الفرضي

стр. 181

النظار، المفسر الزاهد، الورع العارف، تقي الدين أبو محمد: نشأ في العلث، وهي قرية من قرى بغداد، وحفظ الكتاب العزيز، وقرأ على عليّ البطائحي، والبرهان ابن الحصري، وغيرهما. وقرأ الفقه على ناصح الإسلام أبي الفتح ابن المني، فصار معيداً عليّ وعلى غيري، وانتفعنا به كثيراً. وسمع الحديث الكثير، وقرأ صحيح مسلم في ثلاثة مجالس. وكان يقرأ كتاب الجمهرة على ابن القصار، فمن سرعة قراءته وفصاحتها قال ابن القصار: هذا طلحة يحفظ هذا الكتاب؟ قالوا: لا. وكان يقرأ الحديث فيبكي، ويتلو القرآن في الصلاة ويبكي. وكان متواضعاً لطيفاً أديباً في مناظرته، لا يسفه على أحد، فقيراً مجرداً، ويرحم الفقراء، ولا يخالط الأغنياء. حدثني الشيخ أن ناصح الإسلام ابن المني زار رجلاً من أرباب الدنيا، قال: وكنت معه يعتمد على يدي، فرأيت في زاوية الدار صحن حلواء، فاشتهته نفسي، وخرجنا ولم يقدمه لنا، فنمت تلك الليلة، فرأيت في منامي حلواء حضرت إلي، فأكلت منها حتى شبعت، فاصبحت ونفسي لا تطلب الحلواء. وكان يقرأ عليه القرآن والفقه والحديث في جامع العلث. ١٨ - (١) طغدي بن ختلغ المسترشدي أبو محمد: المحث الحافظ الفرضي الزاهد، كان قيماً بمعرفة البخاري، برجاله وألفاظ غريبة، وشرح معانيه. قرأته عليه، وسمع بقراءتي جماعة كثيرة. وكان قيماً بأصول السنة ومقالة أصحاب الإمام أحمد، وكان متعبداً معتزلاً للناس. حضر معي فتح البيت المقدس. وقرأ عليه جماعة من أولاد الدمشقيين الحساب والفرائض. وكان لا يفارقني إلى أن حججت سنة تسع وثمانين، ورجعت من الحج فوجدته قد مات، ﵀، ودفن في تربة عمي عبد الحق بالجبل.

стр. 182

١٩ - (١) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، موفق الدين أبو محمد: حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المني، وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعاً على الشيخ أبي الفتح ابن المني، ثم رجع إلى دمشق، واشتغل بتصنيف كتاب " المغني " في شرح الخرقي، فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، وتعب عليه، وأجاد فيه وجمل به المذهب. وقرأه عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة، ومشى على سمت أبيه وأخيه في الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم. ٢٠ - (٢) عبد الله بن أبي الحسن بن أبي الفرج الجبائي (٣) الطرابلسي الفقيه الزاهد أبو محمد نزيل أصبهان: كان مملوكاً، فقرأ القرآن في حلقة الحنابلة يعني بجامع دمشق فحفظه، وحفظ شيئاً من عبادات المذهب الحنبلي، فقام قوم إلى الشيخ زين الدين عليّ بن إبراهيم بن نجا الواعظ، وهو على منبر الوعظ، فقالوا: هذا الصبي قد حفظ القرآن وهو على خير، نريد أن نشتريه ويعتق، فاشتري من سيده واعتق، وسافر عن دمشق، وطلب همذان، ولقى الحافظ أبا العلاء الهمذاني فأقام عنده، وقرأ عليه القرآن وسمع الحديث، وصار عند الحافظ مصدراً يقرأ الناس ويأخذ عليهم، واشتهر بالخير والعلم، ودخل العجم وسمع الكثير، ورجع إلى بغداد وسمع حديثها ولقي مشايخها. ولقيته ببغداد، واستزارني إلى بيته، وقال لجماعته: أنا مملوك بيت الحنبلي. ثم سافر إلى أصبهان.

стр. 183

وكانت حرمة الشيخ عبد الله الجبائي كبيرة ببغداد، فلما دخلت أصبهان سنة ثمانين وجدته بها وهو عظيم الحرمة، فكان كل يوم يأتي إلى زيارتي. وبجاهه سمعت على الحافظ أبي موسى الجزء من السباعيات، فإنه كان مريضاً، وقد حجب الناس عنه، فلم يقدروا على حجب الشيخ عبد الله، فدخلنا معه، فأخذ الإذن من الحافظ أبي موسى لي في القراءة عليه. وكان إذا مشى في السوق قام له أهل السوق. وحكى لي الشيخ طلحة يعني العلثي أن للشيخ عبد الله يعني الجبائي رياضات ومجاهدات يطول ذكرها. وحدثني الشيخ طلحة عنه أنه رأى النبي ﷺ في المنام: فقال يا رسول الله، أيثاب الرجل على قراءة القرآن؟ فقال: نعم فقال: يا رسول الله، بفهم وغير فهم؟ فقال: بفهم وغير فهم، قال: فقلت: يا رسول الله، كلام الله بحرف وصوت؟ فقال: وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟ وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟ وقال: وهذا المنام عندي بخط الشيخ طلحة، ﵀. حدث الجبائي ببغداد وأصبهان، وروى عنه ابن الجوزي عدة منامات في كتبه، وقال: كان من الصالحين. ٢١ - (١) عبد الله بن الحسين العكبري أبو البقاء: كان إماماً في علوم القرآن، إماماً في الفقه، إماماً في اللغة، إماماً في النحو، إماماً في العروض، إماماً في الفرائض، إماماً في الحساب، إماماً في معرفة المذهب، إماماً في المسائل النظريات، وله في هذه الأنواع من العلوم مصنفات مشهورة. وكان معيداً للشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في المدرسة، وكان متديناً، قرأت عليه كتاب " الفصيح " لثعلب، من حفظي، وقرأت عليه بعض كتاب " التصريف " لابن جني.

стр. 184

٢٢ - (١) عبد الله بن عليّ بن أحمد بن الزيتوني البوازيجي أبو محمد: كان دخل بغداد قبل قدومي إليها بسنتين، وسمع درس الشيخ أبي الفتح ابن المني وصحبه وخدمه، وكان ببغداد مدة مقامي ببغداد، وسافر إلى البوازيج ثم عاد إلى بغداد. وكان رجلاً صالحاً، وكان يخل بعينه ولا يخل بدينه. ٢٣ - (٢) عبد الله بن عليّ بن محمد أبو القاسم ابن الفراء: سمعت عليه كتاب " صحيح الترمذي " بسماعه من الكروخي بقراءة الشيخ طلحة العلثي، وأجزاء أخر. وكان جميلاً جليلاً محترماً فاضلاً ومن أعيان العدول ببغداد ومن تصانيفه " الروض النضر في حياة أبي العباس الخضر ". وكانت عنده كتب جليلة أصيلة على مذهب الإمام أحمد، وخط الإمام أحمد كان أيضاً عنده، حكاه الشيخ طلحة في غالب ظني. وكان في سنة ثلاث وسبعين قد علاه الشيب الكثير، وكنت لا أشبع من النظر إلى جمال وجهه وحسن أطرافه وسكينة عليه، ولزمه دين كثير، وحمل منه الهم الغزير. ٢٤ - (٣) الشيخ شمس الدين عبد الحق بن عبد الوهاب بن شرف الإسلام: كان فقيهاً عاقلاً عفيفاً حسن العشرة كثير الصدقة رحيم القلب، سافر في طلب العلم، وقرأ كتاب " الهداية " على الشيخ أحمد الحراني الحنبلي، ودخل بلاد العجم، ورأى أئمة خراسان، وعاد إلى دمشق، وصحب أخاه والدي يسمع درسه ويعيد له، وهو بين يديه كالحاجب، ومات ودفن بسفح قاسيون.

стр. 185

٢٥ - (١) عبد الرحمن بن عليّ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي الواعظ: اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والإحسان باجتماع ظراف بغداد ونظاف الناس، وحسن الكلمات المسجعة، والمعاني المودعة في الألفاظ الرائجة، وقراءة القرآن بالأصوات المرجعة والنغمات المطربة، وصيحات الواجدين ودمعات الخاشعين، وإنابة النادمين وذل التائبين، والإحسان بما يفاض على المستمعين، من رحمة أرحم الراحمين. ووعظ وهو ابن عشر سنين إلى أن مات، ولم يشغله عن الاشتغال بالعلم شاغل، ولا لعب ولا لها، ولا سافر إلا إلى مكة، ولقد كان فيه جمال لأهل بغداد خاصة، وللمسلمين عامة، ولمذهب أحمد منه ما لصخرة بيت المقدس. حضرت مجالسه الوعظية بباب بدر عند الخليفة المستضيء، ومجالسه بدرب دينار في مدرسته، ومجالسه بباب الأزج على شاطىء دجلة، وسمعت عليه مناقب الإمام أحمد، وبعثت إليه من دمشق، فنقل سماعي بخطه وسيره إلي، وحضرت معه في دعوتين، فكان طيب النفس على الطعام، وكانت مجالسه أكثر فائدة من مجالسته. وحدثني طلحة العلثي أن الشيخ كان يقرأ في تلك المدة (أي أثناء نفيه إلى واسط) ما بين المغرب والعشاء ثلاثة أجزاء أو أربعة أجزاء من القرآن، وبقي على ذلك من سنة تسعين إلى سنة خمس وتسعين، فأفرج عنه وقدم إلى بغداد وخرج خلق كثير يوم دخوله لتلقيه، وفرح به أهل بغداد فرحاً زائداً، ونودي له بالجلوس يوم السبت، فصلى الناس الجمعة، وعبروا يأخذون مكانات موضع المجلس عند تربة أم الخليفة، فوقع تلك الليلة مطر كثير ملأ الطرقات، فأحضر في الليل فراشون وروزجارية فنظفوا موضع الجلوس وفرشوا فيه دقاق الحصى (٢) والبواري، ومضى الناس وقت المطر إلى قبو معروف تحت الساباط، حتى سكن المطر، ثم جلس

стр. 186

الشيخ بكرة السبت وعبر الخلق، وحضر أرباب المدارس والصوفية ومشايخ الربط، وامتلأت البرية حتى ما كان يصل صوت الشيخ إلى آخرهم. ٢٦ - (١) عبد العزيز بن ثابت بن طاهر البغدادي أبو منصور تاج الدين: كان رفيقنا في سماع درس ابن المني، وبلغ من الزهد والعبادة إلى حد يقال به تمسك بغداد. وكان لطيفاً في صحبته، خرجنا نزور قبر الإمام أحمد، ثم عدلنا إلى الشط، فنزل الفقهاء يسبحون في الشط، فقالوا للشيخ أبي منصور، انزل معنا، فنزع ثوبه، ونزل يسبح معهم، ولعبوا في المساء، فعمل مثلهم، فقال له بعض الفقهاء: أين الشيخ محمود النعال يبصرك؟ فقال: يامسكين، الحق تعالى يبصرنا؛ فطاب بعض الجماعة بقوله. ٢٧ - (٢) عبد العزيز بن دلف بن أبي طالب الناسخ الخازن أبو محمد أو أبو الفضل: الشيخ عبد العزيز إمام في القراءة، وفي علم الحديث، سمع الكثير، وكتب بخطه الكثير، وهو يصوم الدهر. لقيته ببغداد في المرتين. ٢٨ - (٣) عبد القادر بن عبد الله الفهمي الرهاوي ثم الحراني: تعلم القرآن فأعتقه سيده وقرأ كتاب (الجامع الصغير) في المذهب وهو للقاضي أبي يعلى ونفعه، ورأيت له مصنفاً في الفرائض والحساب، وسافر في طلب العلم. وكتب بخطه

стр. 187

الكثير من الكتب والأجزاء، وأقام بدمشق بالمدرسة مدة، حتى نسخ " تاريخ ابن عساكر " بخطه، وسمعته عليه. وأقام بالموصل مدة، وولي بها مشيخة دار الحديث المظفرية، وحدث بها بأكثر مسموعاته، ثم انتقل منها إلى حران، وسكنها إلى حين وفاته. ووقف عليه مظفر الدين صاحب " إربل " أرضاً بأرض حران، وبعث معه مرة مالاً يفك به الأسارى مع أجناد من أربل، فاجتمعنا به بدمشق. ٢٩ - (١) الشيخ سديد الدين عبد الكافي بن عبد الوهاب شرف الإسلام [بن عبد الواحد] : كان فقيهاً متطهراً، ووعظ في شبابه، وكان يذكر الدرس في الحلقة، مستنداً إلى خزانة أبيه، وكان صيتاً، وربما خطب في الاملاكات المعتبرة. وكان شجاعاً شديداً، مات بعد الثمانين والخمسمائة، وقبره تحت مغارة الدم. ٣٠ - (٢) عبد المغيث بن زهير الحربي: سمعت من عبد المغيث طبقات أصحاب الإمام أحمد لأبي الحسين ابن القاضي بسماعه منه، بقراءة طلحة العلثي ببغداد. وكان يعني عبد المغيث حافظاً زاهداً ورعاً، كنت إذا رأيته خيل إلي أنه أحمد بن حنبل، غير أنه كان قصيراً. ٣١ - (٣) عبد المنعم بن عليّ بن نصر النميري الحراني أبو محمد نجم الدين: اشتغل

стр. 188

بالفقه، وسمع درس شيخنا ابن المني، وتكلم في مسائل الخلاف، واشتغل بالوعظ، وفتح عليه بالنظم والنثر، ورجع إلى حران ووعظ بها مدة، ثم سافر إلى دمشق، وحضر مجلسي، وسألناه أن يجلس فامتنع، وقال: ما أجلس في بلد تجلس أنت فيه، كأنه يكرمني بذلك، ثم عاد إلى بغداد. ٣٢ - (١) الشيخ عز الدين عبد الهادي بن عبد الوهاب شرف الإسلام: كان فقيهاً واعظاً شجاعاً حسن الصوت بالقرآن، شديداً في السنة، شديد القوى، يحكى له حكايات عجيبة في شدة قوته، منها أنه بارز فارساً من الافرنج فضربه بدبوس فقطع ظهره وظهر الفرس فوقعا على بئر جامع دمشق فمشى به خطوات ثم رده إلى مكانه، وله أخبار في هذا الباب غريبة، وبنى مدرسة بمصر ومات قبل تمامها، وتوفي بمصر. ٣٣ - (٢) عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي: قال الشيخ طلحة يعني العلثي قلمه سديد في الفتوى. ٣٤ - (٣) عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشي الزاهد أبو عمرو: حكى لي الشيخ زين الدين عليّ بن نجا قال: زرت الشيخ عثمان بن مرزوق بمصر فقال: يجيء أسد الدين شيركوه إلى هذه البلاد ويروح، ولا يحصل له شيء، ثم يعود يجيء ويروح، ولا يأخذ البلد، ثم يجيء فيأخذ ما أدري قال في الثالثة أو

стр. 189

الرابعة فيملك مصر، فجرى الأمر كما ذكر. فقلت له: يا سيدي، من أين لك هذا؟ فقال: والله يا ولدي، ما أعلم الغيب، وإنما لي عادة أن أرى رسول الله ﷺ ، أراه في بعض الجمع، فيخبرني، قلت: لعله أراد في المنام. وسمعت خادم الشيخ عثمان بن مرزوق، وكان يعرف بسيف السنة، وعليه آثار الصلاح، وقال له زين الدين بن نجا: أتعرف الأبيات التي أنشدت تلك الليلة بحضرة الشيخ عثمان بن مرزوق، فسمع وبكى؟ قال: نعم، قال: قلها، فقال: فديت من واصلني ... محتفياً في وصله كنا على وعد فما ... كدره بمطله وعاد عندي كله ... مشتغلاً بكله ما خلت أن يصلح مث ... لي في الهوى لمثله وإنما جاد عل ... ي منعماً بفضله ولم أكن أهلاً له ... لكنه من أهله ٣٥ (١) عليّ بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الدمشقي زين الدين أبو الحسن المعروف بابن نجية: ولد سنة عشر (وخمسمائة) وسمع بدمشق من أبي الحسن عليّ بن أحمد بن قيس، وسمع درس خاله شرف الإسلام عبد الوهاب، وتفقه به وسمع التفسير منه، وأحب الوعظ وغلب عليه فاشتغل به. قال لي: حفظني خالي مجلس وعظ، وعمري يومئذ عشر سنين، ثم نصب لي كرسياً في داره، وأحضر لي جماعته، وقال: تكلم، فتكلمت، فبكى. قال: وكان ذلك المجلس يذكر بعضه وهو ابن تسعين، وكان بطيء النسيان. وكان أسماء الفصول الذي يحفظ مجلدة. وكان لا يخطب في مجلسه وإنما يدعو عقيب القراء، ثم يقرأ مقرئ آيات من القرآن فيفسرها، ويوسع في ذكره، ثم يذكر فصولاً وعنده

стр. 190

من كلام العرب والعجم، فيلقن من الفصول ما يختار. وبعثه نور الدين محمود بن زنكي رسولاً إلى بغداد سنة أربع وستين وخمسمائة وخلع عليه هناك أهبة سوداء، فكانت عنده يلبسها في الأعياد، وسمع هناك الحديث من سعد الخير بن محمد الأنصاري كثيراً، وصاهره على ابنته فاطمة، ونقلها معه إلى مصر، وانتقلت كتب سعد الخير إليه؛ ومن عبد الصبور بن عبد السلام الهروي وعبد الخالق بن يوسف وغيرهم. واجتمع هناك بالشيخ عبد القادر وغيره من الأكابر، ووعظ بجامع المنصور. وسمعته يقول: أول مجلس جلسته في بغداد في جامع المنصور، فنزلت سحراً إلى الجامع متنكراً، حتى أرى هيئة المجلس وأسمع ما يقال، وإذا رجل أعمى قد جلس على درج المنبر، فذكر من الفصول من كلام التميمي وابن عقيل وغيرهما جميع ما قد حررته للمجلس، وتعبت عليه، قال: فأصابني هم، وما بقي لي زمن أحفظ غير ذلك، فاستخرت الله تعالى، ثم جلست وتكلمت، وذكرت حكاية طاب بها المجلس. وسمعته يقول: أول ما دخلت بغداد جاءني الشيخ أبو الفضل ابن شافع وتعصب لي، فدخل عليّ الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي مهنئاً بالسلامة، وتحدثنا، قال لي: تحفظ شيئاً من شعر ابن الكيزاني؟ فأنشدته له: رأتني خاضباً شيبي ... فسمتني أبا العيب فظهر الغيظ في وجهه، ثم قام فذهب. فقال ابن شافع: أيش عملت؟ هذا أول من جاءك من الحنابلة لقيته بما يكره، فقلت: كيف؟ قال: هو يخضب، قلت: والله ما علمت، ولا حضرني من شعر ابن الكيزاني إلا هذا. ثم عاد ابن نجية وانتقل إلى مصر من قبل دولة صلاح الدين، وأقام بها إلى أن مات (١) . وكان يعظ بها بجامع القرافة مدة طويلة، وله فبها وجاهة عظيمة عند الملوك، وكان ذا رأي صائب، وكان صلاح الدين يعني ابن يوسف بن أيوب

стр. 191

يسميه عمرو بن العاص، ويعمل برأيه. وكان أهل السنة بمصر لا يخرجون عما يراه لهم زين الدين يعني ابن نجية وكثير من أرباب الدولة. وقال له الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين: إذا رأيت مصلحة في شيء فاكتب إليّ بها، فأنا ما أعمل إلا برأيك. وقضيته مع عمارة اليمني ومن وافقه على السعي من إعادة دولة العبيديين معروفة. وهم: عبد الصمد الكاتب، وهبة الله بن كامل القاضي، وابن عبد القوي داعي الدعاة، وعمارة الشاعر، وغيرهم من الجند والأعيان. وكانوا قد عينوا خليفة ووزيراً، وتقاسموا الدور، واتفقوا على استدعاء الفرنج إلى مصر، ليشتغل بهم صلاح الدين، ويخلو لهم الوقت ليتم أمرهم ومكرهم، فأدخلوا في الشورى معهم زين الدين ابن نجية، فأظهر لهم أنه معهم، ثم جاء إلى صلاح الدين فأخبره، وطلب منه ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذله له، وأمره بمخالطتهم وتعريف شأنهم، فصار يعلمه بكل متجدد. ويقال إن القاضي الفاضل استراب من بعض أولئك الجماعة فأحضر ابن نجا الواعظ، وأخبره الحال. فطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدين، فأوضح له الأمر، فطلب صلاح الدين الجماعة، وقررهم، فأقروا، فصلبهم بين القصرين. ولما كان السلطان صلاح الدين في الشام سنة ثمانبن كتب إليه الشيخ زين الدين كتاباً يشوقه إلى مصر، ويصف محاسنها، فكتب إليه السلطان كتابأً بإنشاء العماد الكاتب، يتضمن تفضيل الشام على مصر، وفي آخره: ونحن لا نجفو الوطن كما جفوته، وحب الوطن من الإيمان. ولما فتح صلاح الدين القدس كان معه، وتكلم أول جمعة أقيمت فيه على كرسي الوعظ، وكان يوماً مشهوداً. ونشأ لابن نجا ولد حسن الصورة، فلما بلغ أخذ في سبيل اللهو، فدعا عليه، فمات، فحضر الناس والدولة لأجله، فلما وضعوا سريره في المصلى نصبوا للشيخ كرسياً إلى جانبه، فصعد عليه، وحمد الله تعالى، وقال: اللهم إن هذا

стр. 192

ولدي بلغ من العمر تسع عشرة سنة، ولم يجر عليه فيها قلم إلا بعد خمس عشرة سنة، بقي له ثلاث سنين، نصفها نوم، بقي عليه سنة ونصف، وقد أساء فيها إلي وإليك، فأما جنايته عليّ فقد وهبتها له، بقي الذي لك فهبه لي، فصاح الناس بالبكاء، ونزل فصلى عليه. وكان زيد الدين كريماً، وله سماط يؤكل عنده، وتوسعة في النفقة. وضاق صدره في آخر عمره من دين عليه، فلما عرف الملك العزيز عثمان أعطاه ما يزيد على أربعة آلاف دينار مصرية. وقال لي: ما احتجت في عمري إلا مرتين، وقال لي: والدي زين الدين سعد بدعاء والدته، كانت صالحة حافظة، تعرف التفسير. قال زين الدين: كنا نسمع من خالي التفسير، ثم أجيء إليها، فتقول: أيش فسر أخي اليوم؟ فأقول: سورة كذا وكذا، فتقول: ذكر قول فلان، وذكر الشيء الفلاني؟ فأقول: لا، فتقول: ترك هذا، وسمعت والدي يقول: كانت تحفظ كتاب " الجواهر " وهو ثلاثون مجلدة، تأليف والدها الشيخ أبي الفرج، وأقعدت أربعين سنة في محرابها. ودفن بتربة سارية، بجوار عز الدين ابن خاله، عن وصية منه. وكان يوم دفنه مشهوداً لكثرة الخلق. وقد سمعت منه كثيراً. ٣٦ - (١) عمرو بن رافع بن علوان الزرعي: قدم إلى زرع في عشر الستين يعني والخمسمائة وهو ابن نيف وعشرين سنة، ونزل عندنا في المدرسة هو ورفقة له، واشتغلوا على والدي، فحفظوا القرآن وسمعوا درسه، وحفظوا كتاب " الإيضاح " يعني للشيخ أبي الفرج جدهم وكان هذا الفقيه عمرو يحفظ كثيراً وسريعاً، تلقن سورة البقرة في درسين أو ثلاثة، وعمل الفرائض، فأسرع في معرفتها. ورحل إلى حران، وأقام بها مدة مديدة يشتغل، ثم رجع إلى دمشق، ثم إلى

стр. 193

زرع، وأقام بها يفتي ويقف على ما يندب إليه من المساحة والحدود، ثم أضر في آخر عمره. ومات بزرع سنة اثنتين وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى. ٣٧ - (١) الشيخ أبو الفتح الرحبي: وهو من قرية يقال لها الروحاء من قرى الرحبة، قدم دمشق مرتين من الرحبة في حوائج له إلى نور الدين محمود، وكان نور الدين يحسن فيه الظن، وكان شيخاً حسناً ديناً متعبداً شافعياً سلفياً صائم الدهر، وكان إذا قدم نزل عندنا في مجلس المدرسة التي لنا، وكان حسن اللقاء طيب الخلق يفشي السلام ويهديه إلى الغائب عنه، وكان يأتيه الخبز من الرحبة من طعام يعرفه فيأكل منه، وسمعته يقول للشيخ أبي الفرج: عندنا زاوية تعرف به، يعني جد أبي ﵀. ٣٨ - (٢) كرم بن بختيار بن عليّ البغدادي: سمعت منه جزءاً بقراءة الشيخ طلحة العلثي؛ قال: وزرته يوماً، وهو مضطجع على جنبه، والفقيه ابن فضلان يعني شيخ الشافعية عنده يزوره، فأخذ بيد الشيخ كرم يقبلها تبركاً. وكان زاهداً منقطعاً بالرصافة. ٣٩ - (٣) محمد بن أحمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي أبو عمر: [هاجر به والده

стр. 194

وبأخيه وأهلهم إلى دمشق] وأنزلهم والدي في مسجد أبي صالح، فاستوخم المسجد عليهم، فمات منهم في شهر واحد قريب أربعين نفساً، فأشار عليهم والدي بالانتقال إلى الجبل حيث هم الآن، فانتقلوا إليه، وكان رأياً مباركاً. حفظ الشيخ أبو عمر القرآن وقرأه بحرف أبي عمرو، وسمع الحديث من والده وأبي المكارم ابن هلال، وأبي تميم سليمان بن الرحبي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وأبي الفتح عمر بن عليّ بن حمويه، وأبي المعالي ابن صابر، وأبي محمد عبد الله بن عبد الواحد الكناني، وأبي عبد الله محمد بن عليّ الحراني، وأبي الفهم، عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدي، ويحيى ابن محمود الثقفي، ومحمد بن حمزة بن أبي الصقر. وقدم مصر، فسمع بها من الشريف أبي المفاخر سعيد بن الحسن المأموني وأبي محمد ابن بري النحوي، وخرج له الحافظ ابن عبد الغني المقدسي أربعين حديثاً من رواياته وحدث بها. وسمع منه جماعة منهم: الضياء والمنذري، وروى عنه ابن خليل وولده أبو الفرج عبد الرحمن قاضي القضاة، وحفظ منه " مختصر الخرقي " في الفقه، وتفقه في المذاهب، وقرأ النحو على ابن بري بمصر وأظنه حفظ " اللمع " لابن جني. وكان أبو عمر فقيهاً زاهداً عابداً، كتب بخطه كثيراً من كتب الحديث والفقه على مذهب الإمام أحمد وكتاب " المغني " لأخيه، وكان مع ذلك له أوراد من الصلاة والتلاوة يقوم بها، وحج وغزا وكان شيخ جماعته، مطاعاً فيهم محترماً عند نور الدين محمود بن زنكي، وزاره وبنى لهم في الجبل مسجداً وسقاية. ٤٠ - (١) محمد بن الخضر ابن تيمية الحراني أبو عبد الله فخر الدين: انتهت إليه رياسة حران، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس المدرسة النورية، وهو

стр. 195

واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها، وكان في ملازمته التفسير والوعظ مع الطريقة الظاهرة الصلاح. ٤١ - (١) محمد بن عبد الله بن الحسين الهروي أبو عبد الله: كان رجلاً صالحاً، سمعت منه بقراءته جزءاً بمكة. وكان في عزمي أنني أدخل اليمن، وقد هيأت هدية لصاحبها من طرف دمشق، فاستشرته فقال: أنت أعلم، ثم قال: قرأنا هاهنا جزءاً من أيام، فجاء فيه عن بعض السلف علامة قبول الحج: أن الإنسان ينصرف عن مكة غير طالب للدنيا، فزهدت في اليمن، ورجعت عن ذلك العزم، وذلك سنة تسع وثمانين. ٤٢ - (٢) الشيخ شرف الدين محمد بن عبد الوهاب شرف الإسلام: كان فقيهاً فرضياً يعرف الغزوات ويعبر المنامات ويتجر، ولا يداخل الملك، وتوفي ودفن بالباب الصغير. ٤٣ - (٣) محمد بن عليّ بن نصر بن البل الدوري أبو المظفر مهذب الدين، كان واعظاً حسناً، وكان يضاهي ابن الجوزي في وعظه، وكان فصيحاً في إيراده. وله نظم ونثر، سمعته يتكلم. وقال وهو على المنبر بالله عليك يا جامع المنصور هل تسمع قط مثل وعظ الدوري؟. وقال:

стр. 196

أخافك حتى لا أظن سلامة ... وأرجوك حتى لا أظن هلاكا وها أنا رهن في يديك، ومحسن ... بك الظن، فأجعل للأسير فكاكاً فما نلت مما أرتجيه لموتتي ... سواك، ولا قدر الأراك سواكا ٤٤ (١) الشيخ الإمام عماد الدين [محمد بن معالي بن غنيمة] أبو بكر الخياط: كان زاهداً عالماً فاضلاً مشتغلاً بالكسب من الخياطة، ومشتغلاً بالعلم، ويقرىء القرآن احتساباً، قال لي: تشكل عليّ المسألة، فآتي الشيخ أبا الفتح ابن المني لأسأله عنها، فتكشف لي وأفهمها قبل جواب الشيخ، يشير إلى بركة الشيخ. وكنت أنا أقرأ عليه شيئاً من القرآن، ثم يقول: خذ عليّ، فيناولني مقدمة الخبري في الفرائض، فيقرأها من حفظه. وكان متطهراً ومتشدداً في الطهارة. وكان الإمام الظاهر في حياة والده الناصر قد أحسن به الظن وصحبه في الزيادة، وانتفع الظاهر بصحبته كثيراً، ورتب كتاب " جامع المسانيد " تأليف الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي على أبواب الفقه، وكان يقرأ على شيخنا ابن المني من " كفاية المفتي " لابن مقبل. ٤٥ - (٢) محمود بن عثمان بن مكارم النعال البغدادي ناصر الدين أبو الثناء: لما قدمت بغداد سنة اثنتين وسبعين نزلت الرباط، ولم يكن فيه بيت خال، فعمرت به بيتاً وسكنته، وكان الشيخ محمود وأصحابه ينكرون المنكر ويريقون الخمور، ويرتكبون الأهوال في ذلك، حتى إنه قام أنكر على جماعة من الأمراء، وبدد خمورهم وجرت بينه وبينهم فتن، وضرب مرات. وهو شديد في دين الله، له إقدام وجهاد. وكان كثير الذكر، قليل الحظ من الدنيا، وكان يسمى شحنة الحنابلة. وكان يهذبنا ويؤدبنا وانتفعنا به كثيراً.

стр. 197

٤٦ - (١) نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي الأصل الدمشقي أبو العلاء ابن شرف الإسلام: ولد سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وأفتى ودرس وهو أين نيف وعشرين سنة، إلى أن مات، وعاش هنياً مرفهاً، ولم يل ولاية من جهة سلطان، وما زال محترماً معظماً ممتعاً قوياً. قال لي قبل أن يموت سنة: رأيت الحق في منامي، فقال لي: يا نجم أما علمتك وكنت جاهلاً؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أغنيتك وكنت فقيراً؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أمت سواك وأحييتك؟ وجعل يعدد النعم، ثم قال: قد أعطيتك ما أعطيت موسى بن عمران. ولما مرض مرض الموت، رآني وقد بكيت، فقال: أيش بك؟ فقلت: خير، فقال: لا تحزن عليّ، أنا ما توليت قضاء، ولا شحنكية، ولا حبست، ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحداً، فإن كان لي ذنوب، فبيني وبين الله . ولي ستون سنة أفتي الناس، والله ما حابيت في دين الله تعالى. وكان يقول قبل موته بسنين: سنتي سنة ست وثمانين، فقال: هذه سنتي، فقلنا: كيف تقول هذا؟ قال: هي سنة أبي وجدي لأن أباه مات سنة ست وثمانين وخمسمائة، وجده مات سنة ست وثمانين وأربعمائة، وكان الأمر كما قال. وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر إذا أشكل عليهما شيء سألا والدي. وخرج له أبو الحسين سلامة بن إبراهيم الحداد مشيخة، وسمعناها عليه بقراءته.

стр. 198

٤٧ - (١) نصر بن فتيان بن مطهر النهرواني أبو الفتح المعروف بابن المني: رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معموراً، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغموراً، فأنخت راحلتي بربعه، وحططت زاملة بغيتي على شرعه، فوجدت الفضل الغزير والدين القويم المنير، والفخر المستطير، والعالم الخبير، فتلقاني بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح، فتح الله عليه. حفظ القرآن العظيم وهو في حداثة من سنه، ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح منه على كل فن بفضل الله ومنه. قال لي المهذب بن قيداس: كنا نسمي شيخك شيخ صبي يعني في صباه لعقله ووقاره وتركه للعب، ثم قال: لم ينقل عنه أنه لعب ولا لها، ولا طرق باب طرب، ولا مشى إلى لذة ومشتهى. حدثني شيخنا الإمام ناصح الدين ابن المني قال: حصل لي من ميراث والدي عشرون ديناراً، فاشتريت بها شيئاً وبعته فأربحت، فخفت أن تحلو لي التجارة فأشتغل بها، فنويت الحج فحججت، وتجردت للعلم، فسمعت درس الشيخ أبي بكر الدينوري صاحب الشيخ أبي الخطاب الكلوذاني، قلت، فتفقه به، ومال الفقهاء من أصحاب شيخه إلى الاشتغال عليه. ودرس بعد موت شيخه. قال لي: تقدمت في زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدم مداسهم، وقال لي: ﵀: ما أذكر أحداً قرأ عليّ القرآن إلا حفظه، ولا أسمع درس الفقه إلا انتفع. ثم قال: هذا حظي من الدنيا. وأفتى ودرس نحواً من سبعين سنة، ما تزوج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرساً، ولا ملك مملوكاً، ولا لبس الثياب الفاخرة إلا لباس التقوى. وكان أكثر طعامه يشرب له في قدح ماء الباقلا، وكان إذا فتح عليه بشيء فرقه بين أصحابه. وكان لا يتكلم في الأصول، ويكره من يتكلم فيه، سليم الاعتقاد صحيح الانتقاد

стр. 199

في الأدلة الفروعية. وكنا نزور معه في بعض السنين قبر الإمام أحمد. وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين ابن الجوزي وقد رآه يقول له: أنت شيخنا. وأضر بعد الأربعين سنة، وثقل سمعه. وكان تعليقه الخلاف على ذهنه، وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه. [قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك، فإن أهل زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسي، ومجد الدين ابن تيمية الحراني. فأما الشيخ موفق الدين فهو تلميذ ابن المني، وعنه أخذ الفقه. وأما ابن تيمية فهو تلميذ تلميذه أبي بكر محمد ابن الحلاوي] . وقد جمع بعض فضلاء أصحابه له سيرة طويلة، وهو أبو محمد عبد الرحمن بن عيسى البزوري الواعظ، وقفت على بعضها مما ذكره فيها. وكان ﵀ كثير الذكر والتلاوة للقرآن لا سيما في الليل، مكرماً للصالحين، محباً لهم، ليس فيه تيه الفقهاء ولا عجب العلماء، إن مرض أحد من تلامذته ومعارفه عاده، أو كانت لهم جنازة شيعها ماشياً غير راكب، على كبر السن وضعف البنية، زاهداً في الدنيا يقنع منها بالبلغة، وإذا جاءه فتوح أو جائزة من بيت المال وزعها بين أصحابه، وإن ناله منها شيء أعاده عليهم في غضون الأيام. ولقد حدثني من أثق به من أصحابنا أنه جاءته صلة من بعض الصدور نحو أربعين ديناراً فرقها في يومه بين أهله وأصحابه، وما أخذ منها شيئاً، فلما كان آخر النهار قال لي: يافلان، لوكنا عزلنا من ذاك الذهب قيراطين للحمام، وكان قوته كل يوم قرصين، وربما لم يفنهما. وقال لي بعض أصحابه: إنه يستفضل منهما بعض الأيام ما يدفعه إلى السقاء. وكان معظم أدامه أن يشتري له برغيف ماء الباقلا، وما رأيته جعل عليه دهناً قط، راضياً بذلك مع قدرته. وكان يخدم نفسه بنفسه، لا يثقل على أحد من أصحابه، ولا يكلفهم شيئاً، اللهم إلا أن يعتمد على يد أحدهم في الطريق. ولقد كنا عنده يوماً جماعة من أصحابه، فأوذن بالصلاة

стр. 200

فنهض بنفسه فاستقى الماء للتطهير، وما ترك أحداً منا ينوبه في ذلك، ولقد قدمت له نعله يوماً فشق عليه وجعل يقول: أيش هذا؟ مثلك لا نسامحه في هذا. وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسي فقال: شيخنا أبو الفتح كان رجلاً صالحاً حسن النية والتعليم، وكانت له بركة في التعليم، قل من قرأ عليه إلا انتفع، وخرج من أصحابه فقهاء كثيرون منهم من ساد. وكان يقنع بالقليل، وربما يكتفي ببعض قرصة، ولم يتزوج. وقرأت عليه القرآن. وكان يحبنا ويجبر قلوبنا، ويظهر منه البشر إذا سمع كلامنا في المسائل. ولما انقطع الحافظ عبد الغني عن الدرس لاشتغاله بالحديث، جاء إلينا، وظن أن الحافظ انقطع لضيق صدره. ٤٨ - (١) نصر بن محمد ين عليّ الحصري الهمذاني البغدادي أبو الفتوح برهان الدين: سمعت عليه جزءاً في المسجد الحرام. وكان إماماً في علوم القرآن، ومحدثاً حافظاً وعابداً. قال لي الملك المحسن أحمد بن الملك الناصر صلاح الدين: ما رأيت أعبد من البرهان ابن الحصري، كان يعتمر في رمضان ثلاث عمر في نهاره وثلاث عمر في ليله. وقال لي شيخنا طلحة العلثي ببغداد سنة أربع أو خمس وسبعين: ما في بغداد مثل برهان ابن الحصري في علم القراءات، ما تقدر تقرأ عليه سورة كاملة من شدة تحريره. حدث أبو الفتوح ابن الحصري بالكثير ببغداد ومكة، وسمع من خلق كثير من الأئمة والحفاظ وغيرهم. مات بالمهجم من أرض اليمن في شهر ربيع الآخر وقيل في ذي القعدة سنة ثمان عشرة.

стр. 201

٤٩ - (١) نصر الله بن عبد العزيز بن صالح بن عبدوس الحراني: لقيته بدمشق وحران، وكان فقيهاً صالحاً ينقل المذاهب جيداً، وكان ينكر المنكر، ضربه مظفر ابن زين الدين على الإنكار ثم ندم واستغفر منه، وأحسن القاضي الفاضل ظنه به. وكان أبيض قصيراً جداً، وشعر لحيته أحمر، وحكى لي أنه كان يأخذ اللحمة من المقلى فيضعها في فيه ولا يتضرر بذلك ... ومات قبل الستمائة بآمد ﵀. ٥٠ - (٢) يحيى بن المظفر بن نعيم البغدادي أبو زكريا المعروف بابن الحبير: كان في السفر إذا نزل الناس واستقروا توضأ للصلاة، وتنحى قليلاً عن القافلة وبسط سجادة له، واستقبل القبلة حتى يدخل الوقت فيصلي. وكان كثير العبادة ملازماً لمنزله، لا يخرج منه إلى مسجده إلا لتأدية الفرائض، ثم يرجع (وأثنى على مودته ومروءته) .

стр. 202

فراغ

стр. 203

١٩ -، ٢٠، ٢١ (١) سيرة أحمد بن طولون و سيرة خمارويه و سيرة محمد بن طغج الإخشيد لابن زولاق " ٣٠٦ ٣٨٧ /٩١٩ ٩٩٧ "

стр. 204

فراغ

стр. 205

هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين الليثي أبو محمد المصري الحافظ المعروف بابن زولاق، من أكبر مؤرخي مصر، إذ صرف كل همته إلى الكتابة التاريخية، ولم يتعد تاريخ مصر إلى غيرها إلا في تاريخه العام، وأسعفته معاصرته لعدد من حكامها وولاة الأمر فيها على الاستقصاء والتفصيل، ومن أهم مؤلفاته: ١ - ذيل على كتاب أستاذه الكندي في قضاة مصر، ويكثر ابن حجر النقل عنه في كتابه " رفع الإصر "، ويشغل الكتاب الفترة الواقعة بين ولاية القاضي بكار (٢٤٦) ، حتى سنة ٣٨٦ وهي أيام القاضي محمد بن النعمان. ٢ - كتاب التاريخ الكبير على السنين. ٣ - سيرة أحمد بن طولون استدرك فيها ما فات أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية (١) . ٤ - سيرة أبي الجيش خمارويه، وقد كان ابن الداية دون سيرة له، فقام ابن زولاق بمثل ما قام به في الكتاب السابق (٢) . ٥ - سيرة محمد بن طغج الإخشيد، كان قد عملها قبله محمد بن موسى ابن المأمون الهاشمي، ويقول ابن زولاق إنه لم يجدها سيرة وإنما وجد كتاباً في مدح هو أقرب إلى الذم، " ولم يذكر أبويه ولا موضعه ولا ولاياته ولا حروبه ولا سفراته ولا أفعاله مع أعدائه ولا ما جمعه من الأموال والعبيد والكراع " (٣) .

стр. 206

إن هذا التحديد يدلنا على حدود مفهوم السيرة لدى ابن زولاق، ويبين سبب إكثاره من كتابة السير. فلما وجد ابن زولاق أن عمل الهاشمي ليس سيرة على وجه التحقيق كتب هو السيرة كما يراها، قال: " ولم أضمن هذه السيرة إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به حسبما أمكنني "، ثم أتم الكتاب بسيرة أونوجور بن الأخشيد وأخيه عليّ وكافور وأحمد بن عليّ بن الأخشيد والقائد جوهر إلى أن دخل المعز الفاطمي مصر وصارت دار خلافته (١) ، والأرجح أن هذه السلسلة من السير هي التي ينقل عنها المقريزي جاعلاً عنوانها " إتمام أخبار أمراء مصر للكندي " (٢) ، ويبدو أن ابن زولاق رأى أن تكون كل هذه السير سيرة متصلة، ولكنها فصلت بعضها عن بعض، وذكرت كل سيرة منها على حدة. وهذه السيرة سيرة محمد بن طغج قد نقلها أو نقل معظمها ابن سعيد في المغرب (قسم مصر) (٣) ، ونقل ابن العديم بضع فقرات منها (٤) ، وقد قارنت بين ما نقله ابن العديم وما جاء في المغرب، فوجدت بين النصين فروقاً قليلة أثبتها في مواضعها. ٦ - سيرة كافور الإخشيدي. ٧ - سيرة الماذرائيين كتاب مصر. ٨ - سيرة جوهر، وعنها ينقل ابن حجر في رفع الإصر (٥) . ٩ - سيرة المعز، وعنها ينقل المقريزي (٦) ، وقد وقف عليها بخط ابن زولاق. ١٠ - سيرة العزيز (٧) . ١١ - كتاب فضائل مصر.

стр. 207

١٩ - سيرة أحمد بن طولون لابن زولاق

стр. 208

فراغ

стр. 209

١ - (١) وقال البالسي الضرير الشاعر في أحمد بن طولون حين حصر الموفق المعتمد على الله وحبسه، يخاطب أحمد بن طولون ويمدحه حين قام بنصرة المعتمد: يا سمي النبي لا نسي الله لك الذب عن حريم النبي ... دولة الدين والخلافة عزت بك لا بالطريد عنها النفي ... المزال اسمه على الرغم من كل مقام امرئ كريم سني ... رام ما لا يناله فلقد خاب وخاب اعتداده بالخصي ... ٢ (٢) (في آخرها) : ورآه عبد الله بن القاسم، وكان من أصحاب سيما الطويل قال: رأيت فيما يرى النائم كأن سيما الطويل متعلق بأحمد بن طولون على باب مسجد، وهو يصيح بأعلى صوته: يارسول الله أعدني على أحمد بن طولون فإنه قتلني واصطفى ما ملكت وأسرع في أهلي وولدي، فصاح به صائح: كذبت يا سيما ما قتلك أحمد، بل قتلك عجيج شمل التاجر الذي ظننت أن عنده مالاً فضربته حتى أشرف على الهلكة، ثم دخنت عليه حتى مات في التدخين، أنت وأحمد خاطئان إلا أن أخفكما وزراً أحسنكما سيرة وأكثركما معروفاً وأقربكما من المغفرة.

стр. 210

فراغ

стр. 211

٢٠ - سيرة أبي الجيش خمارويه لابن زولاق

стр. 212

فراغ

стр. 213

ا (١) لما خاف خمارويه أن يضطرب الشام أنفذ إليه جيشاً أمر عليه سعد الأيسر وأمده بأحمد بن محمد الواسطي كاتب أبيه ليدبر الجيش ويتولى النفقات فيه، وكان الواسطي يطمع أن يدبر أمر خمارويه وأنه يرد تدبير الأمر إليه، وقال: هذا صبي حدث أدبره كما أرى. فلما أخرجه إلى هذا الوجه واستكتب محبوب بن رجا بعده فسدت نيته، وقال: محبوب أحد كتابي يتصرف بين أمري ونهيي، آل الأمر إلى أن صرت بعض خلفائه؟ فتغير على سعد وافترقا، وتغير الواسطي وكتب إلى ابن الموفق كتاباً يحثه على المسير إلى مصر وقال: أنا أسست أمر أبي الجيش، والله لأهدمن ما كنت بنيته، وضمن الكتاب هذه الأبيات: يا أيها الملك المرهوب جانبه ... شمر ذيول السرى فالأمر قد قربا كم ذا القعود ولم يقعد عدوكم ... عن النهوض لقد أصبحتم عجبا ليس المريد لما أصبحت تطلبه ... إلا المشمر عن ساق وإن لغبا لا تقعدن على التفريط معتكفاً ... واجدد فقد قال قوم إنه رهبا فأنت في غفلة يقظان ذو سنة ... وطالب الوتر ذو جد إذا طلبا أجاد مروان في بيت أراد به ... عين الصواب وما أخطأ وما كذبا إذ قال لما رأى الدنيا تميل من ... بعد الهدوء وعاد الحبل مضطربا " إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا "

стр. 214

فلما قرأ ابن الموفق كتاب الواسطي قال لابن كنداج وابن أبي الساج: ما قعودكم؟ وضرب طبله وسار وساروا معه حتى كبسهم في شيزر وقتل منهم مقتلة عظيمة. وكان ابن الواسطي في الرملة يقطع الطريق فيما بين ابن أبا وسعد الأعسر وهما بدمشق، فسار أحمد بن الموفق إلى دمشق وكبسهما على غرة فانهزما إلى الكسوة وقتل من بقي من أصحابهما. ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا ابن الواسطي فهزموه، وأخذ على طريق الساحل حتى لحق بأحمد بن الموفق ودخل المصريون إلى الرملة فنهبوا دار الواسطي وخزائنه. ولما وصل أحمد بن الموفق وأبصر عسكر أبي الجيش هاله وأكبره، وصغر جيشه في عينه، فشجعه الواسطي وضمن له النصرة عليه وقال له: لا يغرك هذا فأكثرهم عامة: بقال وحائك وفاعل، فثق بالنصر ولا تجزع، إلى أن التقى العسكران وكانت النصرة على أحمد بن الموفق، فركبا دواب الهزائم ومر كل واحد منهما على حدة، فأما ابن الموفق فلم يرد وجهه عن دمشق شيء، فلم يفتح له أهلها بابها ومنعوه من الدخول، فمر على طيته إلى طرسوس، وأما ابن الواسطي فأدى به الهرب إلى أنطاكية فأقام بعا مديدة ومات كمداً. ٢ - (١) سنة٢٧٨: وفي هذه السنة في صفر منها مات أبو أحمد الموفق وعقد العهد لابنه أبي العباس، وكان للموفق غلام خادم من جلة غلمانه يعرف براغب، فلما مات مولاه أحزنه موته، فأحب أن يسكن طرسوس، فأستأذن في ذلك فأذن له، فخرج قاصداً يريد الثغر، وكان خمارويه يومئذ بدمشق، فلما بلغ راغب إلى حلب وهم بالدخول إلى طرسوس قيل له: طرسوس من عمل أبي الجيش وهو بالقرب منك، فلو صرت إليه زائراً وقضيت حقه وعرفته ما عزمت عليه من المقام بالثغر ما ضرك ذلك، وكان أجل لمحلك، وأقوى لك على ما تريده، فبعث بثقله وبجميع ما

стр. 215

كان معه مع غلام له يعرف بمكنون وأمره أن يتقدمه إلى طرسوس، ورحل هو مخفاً إلى دمشق، فلقي أبا الجيش فأحسن أبو الجيش تلقيه وسر بنظره ووصله وأحسن إليه، وكان يكثر عنده ويحادثه، وكانت لراغب عارضة وبيان وحسن عبارة، وكان قد رأى الخلفاء، وعرف كثيراً من أخبارهم، فكان يصل مجلسه بشيء من أخبارهم وسيرهم، فأنس به خمارويه وكان يستريح إلى خدمته ومذاكرته، فلما رأى راغب ما يخصه به خمارويه من التكرمة والأنس به والاستدعاء إذا تأخر استحيى أن يذكر له الخروج إلى طرسوس، فلما طال مقامه بدمشق ظن مكنون غلامه أن أبا الجيش قد قبض عليه ومنعه من الخروج إلى الثغر، فأذاع ما ظنه عند المطوعة وشكاه إليهم، وأكثر هؤلاء المطوعة من أهل الجبل وخراسان معهم غلظ الأعجمية وسوء أدب الصوفية، فأحفظهم هذا القول وظنوه حقاً، فقالوا: أتعمد إلى رجل قد خرج إلى سبيل الله محتسباً نفسه لله وفي مقام مثله للثغر قوة للمسلمين وكبت لأعدائهم من الكافرين فتقبض عليه وتمنعه من ذلك جرأة على الله؟ واتفقوا وتجمعوا ومشى بعضهم إلى بعض وأقبلوا إلى واليهم ابن عم خمارويه فشغبوا عليه، فأدخلهم إليه ليسكن منهم [وليجيبهم إلى] ما يحبون، فنهضوا عليه وقالوا: لآ نزال أو يطلق [خمارويه] صاحبنا فإن قتله قتلناك به، وتسع سفلهم إلى داره فنهبت وهتكت حريمه ولحقه كل ما يكره، وجاءت الكتب إلى أبي الجيش بذلك، فأحضر راغباً وأقرأه الكتب وقال له: والله ما منعناك ولا عسرنا عليك الخروج، ولقد سررنا بقربك وما أوليت فما أوليناك إلا جميلاً، وقد جنى علينا سوء ظن غلامك ما لم نجنه فإن شئت فارحل مصاحباً، وقل لأهل طرسوس: ياجهلة، ما يومنا فيكم بواحد، تتسرعون إلى ما نكره مرة بعد أخرى، ونغضي عنكم، ويحكم الله ، ولولا المحافظة على ثغر المسلمين وعز الإسلام لا خشية منكم، ولا من كثرتكم وإلى الله الشكوى، ولولا الخوف من غضبه لحاربناكم على أفعالكم. فودعه راغب ورحل إلى طرسوس، فلما صح عند أهل طرسوس خبر راغب أطلقوا عن محمد بن موسى بن طولون، فلما أطلقوه قال: قبح الله بلدكم، ورحل عنهم فسكن بيت المقدس، وكان له دين وفيه خير كثير.
следующие страницы →