اللؤلؤي ونحرير الصغير خادم بدر فقبضوا على جميع ما في داره وقرروا جواريه على ماله حتى أخذوه، فاجتمع من ذلك ومن ثمن آلاته مما حمل إلى بيت المال مائة وخمسون ألف درهم قال فحدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال: كان سبب غضب المعتمد على أحمد بن الطيب أن أحمد كان قديما يمدح عنده الفلاسفة ويستعقلهم ويحكي مذاهبهم، فيقول المعتضد: أنت على دينهم وكيف لا يكون ذلك وأستاذك الكندي، وكان قد تخمر في نفس المعتضد أنه فاسد الدين، وكان ابن الطيب معجبا يدعى ما لا يحسن، وكان مع قصر عقله في لسانه طول، فكان كثيرا ما يقول للمعتضد: الأمور تخفى عليك وتستر دونك، فقال له يوما: ما الدواء؟ قال: توليني الخبر على أبي النجم وعبيد الله، قال: قد وليتك، قال: فاكتب بذلك رقعة، فكتب رقعة بخطه بتوليته، فجاء بها إلى عبيد الله يعلمه ذلك ويتقرب إليه أنه لم يستر ذلك عنه، فأخذها عبيد الله ووثب وطلبها ابن الطيب فوجه إليه: أنا أخرج بها إليك ووكل به في داره، وركب إلى بدر فأقرأه إياه، فركبا إلى المعتضد بالله حتى عرفاه الخبر ورمى عبيد الله بنفسه بين يديه وقال له: أنت يا سيدي نعشتني وابتدأتني بما لم أؤمله وكل نعمة لي فمنك وبك، فسكن منه وقال: إنه يسعى عليكما عندي فاقتلاه وخذا ما يملكه، فأدخل المطامير وكان آخر العهد به.
قال محمد بن يحيى الصولي: وقد قيل إن سبب ذلك أن عبيد الله لما أراد الخروج إلى الجبل مع بدر قال المعتضد لبدر: الصواب أن يحضر أحمد بن محمد جرادة ليعاون القاسم على خدمتنا، فسمع ابن الطيب ذلك فأداه إلى عبيد الله فرده عبيد الله على المعتضد وقال له نحو ما حكي في الخبر الأول، فعزم عليه ليخبرنه، من قال له ذلك فقال: ابن الطيب، فكان هذا سببه.
وقال أبو بكر الصولي: حدثني محمد بن أحمد أبو الحسن الأنصاري قال: كان ابن الطيب يختلف معنا إلى الكندي، وكان الكندي يقول: هذا أحمق وسيتلف نفسه بحمقه فكان كما قال.
стр. 422
قال الصولي حدثنا الحسن بن إسماعيل قال: كان القاسم يغتاظ من ابن الطيب فيقول له أبوه: نحن نخنقه بوصفه. وكان المعتضد بالله ربما نفث بشكواه والتأذي منه بالكلمة فيقرظه عبيد الله ويحتج عنه، فذكر عبيد الله يوما بشيء قدام المعتضد فقال له المعتضد: كفاك أن عبيد الله ما ذكرت لي قط إلا احتج عنك ووصفك وأنت ما ذكرته عندي قط إلا غمزت منه على جانب، قبحك الله وقبح طبعك السوء، ثم انكشف أمره فأوقع به في سنة ثلاث وثمانين.
- ١٦ - (١)
كان العباس بن الحسن يحب أن يرى المكتفي أنه فوق القاسم بن عبيد الله تدبيرا فقال للمكتفي: إن ابن الأغلب في دنيا عظيمة ونعم خطيرة، وأريد أن أكاتبه وأرغبه في الطاعة وأخوفه المعصية، ففعل، فأنجح الكتاب، ووجه ابن الأغلب برسول له شيخ ومعه هدايا ومائتا خادم وخيل وبز كثير وطيب، ومن اللبود المغربية مائتان، وعشرة آلاف درهم، في كل درهم عشرة دراهم، وألف دينار في كل دينار عشرة دنانير، وكتب على الدراهم من وجهين، على كل وجه منها:
يا سائرا نحو الخليفة قل له ... أن قد كفاك الله أمرك كله
بزيادة الله بن عبد الله سي ... ف الله من دون الخليفة سله وفي الجانب الآخر:
ما ينبري لك بالشقاق منافق ... إلا استباح حريمه وأذله
من لا يرى لك طاعة فالله قد ... أعماه عن سبل الهدى وأضله ووجه إلى العباس بهدايا جليلة كثيرة وعرفه أنه لم يزل وآباؤه قبله في طاعة الخلفاء..
وقد رأيت الشيخ القادم بالهدايا من قبله، وكان عظيم اللحية، وكان معه مال
стр. 423
عظيم، فاشترى مغنيات بنحو ثلاثين ألف دينار لابن الأغلب تساوي عشرة آلاف دينار ولعب الناس عليه فيهن وغبنوه، وكان قليل العلم بالغناء، ثم اعتل فمات، فأخذ العباس بن الحسن جميع ما كان معه، وورد الخبر بعقب ذلك بمجيء ابن الأغلب منهزما إلى مصر، فكتب العباس يتعرف مقدار ابن الأغلب وجيشه وما ورد به مصر معه، فوردت كتب أصحابه بأنه في غاية الترفه والتشاغل بلذته، وأنه لا رأي له ولا حزم عنده، فكتب إلى النوشري في إخراجه من مصر إلى الحضرة، فلما صار بديار مصر أشار على المكتفي أن لا يقدمه الحضرة إذ كان مؤونة لا معونة، وكتب إلى بسطام وهو يلي ديار مصر أن يقيمه عنده وأن يقيم له أنزالا بألف دينار في كل شهر، فأقام أشهرا ثم توفي.
وابن الأغلب هذا من ولد الأغلب بن عمرو المازني، وكان عمرو من أهل البصرة، وولاه الرشيد المغرب بعد أن مات إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن، فما زال بالمغرب إلى أن توفي، وخلفه ابنه الأغلب بن عمرو ثم أولاده إلى أن صار الأمر إلى زيادة الله هذا.
стр. 424
فراغ
стр. 425
ملحقات
стр. 426
فراغ
стр. 427
مقدمة
بعد طبع هذين الجزئين ظهر جزء من بغية الطلب في منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية (المجلد ٣٣/١) التي يشرف عليها الأستاذ فؤاد سيزكين، وقد طالعت هذا الجزء فوجدت فيه نصوصاً جديدة يمكن أن تضاف إلى هذه الشذرات. منها نص يلحق بتاريخ ابن الأزهر (رقم: ٢) ونص يلحق بتاريخ همام بن الفضل المعري (رقم: ٩) ؛ كذلك تبين أن التاريخ الذي جمعه عليّ بن مرشد بن منقذ (رقم: ١٢) يسمى البداية والنهاية، ومنه نص جديد يقع في حوادث سنة ٤٤٥.
وهناك نص جديد يضاف إلى كتاب الربيع لغرس النعمة (رقم: ٢٤) غير أن أكثر النصوص التي احتواها ذلك الجزء المذكور إنما نقلت من سير الثغور لأبي عمرو الطرسوسي (رقم: ٥) ، وهي تحفز إلى إعادة النظر في ترتيب النصوص حسب ما وردت في الكتاب، تقديراً. وفيها نصوص تتحدث عن غير طرسوس؛ ويجمع المنقولات عن (سير الثغور) وإعادة ترتيبها، نكون قد حصلنا على كثير من محتويات كتاب ذي قيمة تاريخية بالغة.
وقرأت في تاريخ محمد بن الأزهر الكاتب: يقال إن الرشيد لما وصل منبج قال له يعني لعبد الملك بن صالح، كيف مدينتك؟ قال: عذبة الماء، باردة الهواء، صلبة الموطىء، قليلة الأدواء. قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله.
وقال له يوماً يا أبا عبد الرحمن: ما أحسن بلادكم! ! قال: وكيف لا تكون كذلك وهي تربة حمراء، وشملة صفراء، وشجرة خضراء، فيافي فيح، وجبال وضح. فالتفت الرشيد إلى الفضل بن الربيع فقال له: ضرب السوط أسهل من هذا الكلام.
стр. 432
فراغ
стр. 433
٥ - سير الثغور
стр. 434
فراغ
стр. 435
١ - (١)
[مقدمة الكتاب]
قال عثمان بن عبد الله بن إبراهيم في مقدمة كتابه الموسوم بسير الثغور ونقلته من خطه مع ما نقلته من حوادث الأمور، بعد أن حمد الله على نعمه التي تظاهرت فما تحصى، وأياديه التي ترادفت فما تستقصى: نفذت سوابق أقضيته في عالم من بريته، أسكنهم حيناً من الدهر ثغراً بأطراف الشام، نوه به وبهم في معالم الإسلام، متعهم فيه مدة من المدد، وأعزه وأعزهم إلى غاية من الأمد، ظاهرين على أعدائهم، مظفرين في قلوب إخوانهم المسلمين، معظمين مبجلين ضاقت بهم أرض الروم، وكثرت فيهم منهم الكلوم، تراءى نيرانهم، وتكافح فرسانهم، إن دنوا منهم هلكوا، وأن أمعنوا الهرب عنهم عنهم أدركوا، لا تحرزهم أرضهم وإن اتسعت، ولا تحميهم معاقلهم وإن امتنعت، تعرى بنودهم، وتهزم حشودهم، وتفل جنودهم، ويستباح حريمهم، ويستأصل كريمهم، وتروح أفنيتهم، وتهدم أبنيتهم، وتشن الغارات فيهم زيادة على مائتي سنة، حتى نبغ من نقفور بن فاردس بن الفقاس من صمد نحوهم وعندهم، وأناخ بهم وقصدهم، وأجمع على استئصالهم واجتياحهم وبوارهم، فغزاهم عاماً بعد عام، ونازلهم في عقر ديارهم يدوخ أطرافهم ويسوق عواملهم ويتردد إلى زروعهم أوان استحصادهم فيجتثها ويأتي عليها، ويتوالى لأجل ذلك سنوات الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وضيق الأسعار وتأخر المير والأمداد وفناء الحماة من الرجال الكماة، وتلاشي الشجعان والفرسان، وانحلال الأحوال، واختلال الأبطال، وحلول الداء الذي لا دواء له والعلة التي لا يرجى برؤها، وهو نبو السلاطين حينئذ عن نصرتهم
стр. 436
وتثاقلهم عن إجابة مستصرخهم، وتخلفهم حين دهمهم ما دهمهم، فالنائب بمصر وما ينسب إليها براً وبحراً من أقاصي الصعيد إلى حدود جوسيه راض بمدافعة الأيام، وسلامة الشهور والأعوام، من صولة ملك الغرب ومدبره. والراتب المشار إليه بأرض العراق وما يجري مجراها إلى حدود بحر الصين وباب الأبواب يتشاغل بأساورة ديلمان وجيلان وملك خراسان في كف غربه، كما قال المساور بن هند العبسي:
وتشعبوا شعباً فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر فحاق لذلك بأهل الثغر جدده الله من قراع الروم، وقمهم الله، على وفور عددهم وقوة عددهم، ووفاق أجناس الكفرة إياهم ما ثقل حده، وعظم مرده، وامتنع مسده، بما وصفنا من خلف سلاطين الإسلام وأمرائه، وتفاوت كل منهم في شتات آرائه، وما خامر أفئدتهم من الوهل، وران على قلوبهم من الرعب والوجل، كما سبق لهم في علم الله العزيز وإرادته ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة. فقد حدثني أبو العباس محمد بن نصر بن مكرم أحد عدول بغداد في درب الريحان أن أحمد بن بويه ﵀ جلس بمكان أرانيه بباب داره المعزية يعرض خيله متنزهاً بالنظر إليها فقيد بين يديه من دار الدواب إلى ذلك المكان في مدة أربعة عشر يوماً متصلة اثنا عشر ألف فرس، أغلاها ثمناً بمائة ألف درهم، وأدناها ثمناً بعشرة آلاف درهم لم يطرح قط على فرس منها سرج في سبيل الله ولا في غير سبيل الله.
وحدثني أيضاً كهل من أهل أربة يعرف بابن الشعراني وقد سألته ببغداد عن منصرفه، فوصف إشرافاً على قضيم حمير برسم فناخسرو بن الحسن بن بويه ﵀ عددها ستة آلاف حمار قد رتبها لخدمة الكراع ينقل عليها القصيل في حينه والقضيم والعلوفات في سائر الأوقات، وسألته عن عدد هذا الكراع الذي قد رتبت هذه الحمير لخدمته فذكر أن المشرف على قضيم جميع الكراع يستوفي كل ليلة قضيماً لثمانين ألف رأس، من ذلك ثلاثون ألف جمل، وعشرون ألف بغل، وعشرون ألف فرس، وستة آلاف حمار. فهذان رجلان من أمراء الإسلام وصفنا
стр. 437
ظاهر نعم الله عليهما، والجهاد معطل والثغر يباب لا أنيس به خاو من القرآن خال من الأذان
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات فمن قتيل أو جريح، وعقير من أهلها طريح، وهارب طامح، ومتحيز إلى وطن نازح، ومفتون في دينه، ومغلوب على ملك يمينه، قد استبيحت منازلهم بجميع ما كانت تحويه، إلا ما نقله السائر عنها على ظهره بحسب قوته إن كان ذا طاقة لشيء من حمله، أو على ذي أربعة إن كان واجداً له، أو أعوانه إن وجد عوناً، فلكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا يعرج على سواه، ولا يعود بعد إلى مثواه، بذلك سبق فيهم علم الله المكنون الغامض المصون (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) .
٢ - (١)
[فضائل الثغور وطرسوس بخاصة]
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي قاضي معرة النعمان، وكان فاضلاً مسنداً قال: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال حدثنا الحجاج عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ إذ أتاه تميم الداري فقال له رسول الله ﷺ : من أين قدمت؟ قال: من الشام فقال تميم: يا رسول الله، لم أر بالشام مدينة أحسن من أنطاكية ولا أطيب إلا أنها كثيرة الأمطار، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون ما السبب في ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فيها جبل وفي ذلك الجبل غار وفي ذلك الغار عصا موسى ﷺ وشيء من ألواحه، ومائدة سليمان، ومحبرة إدريس، ومنطقة شعيب، وبردا نوح، ولا تطلع سحابة شرقية ولا غربية ولا قبلية ولا جربية إلا حط من بركتها عليها وعلى ذلك الغار قبل أن تمطر في الدنيا، ولا تقوم
стр. 438
الساعة ولا تذهب الليالي والأيام حتى يخرج رجل من أهل بيتي ومن عترتي يوافق اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيستخرج جميع ما في ذلك الغار، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
٣ - (١)
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي القاضي، حدثنا أبو الفضل صالح بن يوسف العجلي، قال حدثنا عبد الله بن عليّ بن الجارود، قال حدثنا ابن مسرور عن ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : أفضل الرباط أربعة عسقلان والإسكندرية وهما العروسان وأنطاكية ثم قال: لا تزال طائفة من الملائكة بقاتلون حول أنطاكية وحول دمشق وحول الطالقان إلى أن يخرج يأجوج ومأجوج [وسقط ذكر الرابعة في رواية القاضي أبي عمرو وأظنها دمشق] .
٤ - (٢)
قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا أبو الحسن علان بن عيسى بن مسكان القاساني سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة قال حدثنا أبي وعمي قالا حدثنا إسحاق بن راهويه قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قبة بيضاء لم أر أحسن منها وحولها قباب كثير. فقلت: ما هذه القباب يا جبريل، قال فقال: هذه ثغور أمتك فقلت: ما هذه القبة البيضاء فإني ما رأيت أحسن منها؟ قال: هي إنطاكية، وهي أم الثغور فضلها على الثغور كفضل الفردوس على
стр. 439
سائر الجنان. الساكن فيها كالساكن في البيت المعمور، يحشر إليها أخيار أمتك، وهي سجن عالم من أمتك، وهي معقل ورباط، وعبادة يوم فيها كعبادة سنة، ومن مات بها من أمتك كتب الله له يوم القيامة أجر المرابطين.
٥ - (١)
قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله الكرجي ونقلته منه: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال، حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال حدثنا يحيى بن زكريا أبو زكريا قال حدثني محمد بن إبراهيم بن مالك الصوري قال حدثني فتح بن محمد بالغور قال حدثنا عبد الله بن عيسى العقدي قال حدثنا نصر بن يونس قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا السري بن بزيعة عن أبي بكر اليشكري عن الحسن البصري عن أنس بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ودموعه تقطر على لحيته قال فقلنا: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، من إخواننا هؤلاء الذين ذكرتهم فرققت لذكرهم؟ قال: قوم من أمتي يكونون في مدينة تبنى من وراء سيحان وجيحان، فمن أدرك ذلك الزمان فليأخذ بنصيبه منها فإن شهيدهم يعدل شهداء بدر. والذي نفسي بيده ليبعثن الله يوم القيامة من تلك المدينة سبعين ومائة ألف شهيد يدخلون الجنة بغير حساب، وإن الله ينظر إلى أهل تلك المدينة كل يوم سبعين مرة، كلما نظر إليهم ذر عليهم من بره وحنانه. الله أرفق بتلك المدينة من الوالدة بولدها، يغفر الله لأهل تلك المدينة كل يوم عند طلوع الشمس وعند غروبها ولا يزالون على الحق والحق معهم حتى يكون آخر الزمان عصابة منهم يحاربون الدجال، يحشر الله من تلك المدينة اثني عشر ألف زمرة، في كل زمرة مائة ألف شهيد، والشهيد منهم يشفع في مائة ألف سوى أهل بيته وجيرانه، واسمها بالعربية طرسوس، وفي التوراة إبسوس، وفي الإنجيل أرسوس، وهي الصارخة إلى الله في بيت المقدس حين أخربت ولها بابان
стр. 440
مفتوحان حول العرش، من دخلها من أمتي غفر له ماسلف من ذنبه ولم يكتب عليه ذنب حادث. طوبى لمن حشر منها من أمتي طوبى له.
٦ - (١)
ونقلت من خطه حدثني أبو الحسن عليّ بن وهب الوراق الرملي بطرابلس قال حدثنا أبو يعقوب العدل العطار الموصلي بالموصل قال حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي قال حدثنا محمد بن إبراهيم الحراني عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ستعمر مدينة بين سيحان وجيحان تسمى المنصورة، من دخلها من أمتي دخلها برحمة، ومن خرج عنها رغبة خرج بسخطة، يبنى مسجدها على روضة من رياض الجنة يدعى مسجد النور، الصلاة فيه بألفي صلاة، النائم فيها كالصائم القائم في غيرها، المنفق فيها على عياله الدرهم بسبعمائة. طوبى للمجاهدين فيها، وطوبى لمن حشر منها، الميت فيها شهيد، وشهيدها يعدل عشرة من شهداء البحر.
٧ - (٢)
وقال أبو عمرو القاضي فيما نقلته من خطه: حدثنا أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد السلمي قا لحدثنا أبو يعقوب الأذرعي، قال حدثنا أبو العباس عبد الله ابن عبيد الله السليماني قال حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا إبراهيم بن صدقة الجهني قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا هشام بن مودود الهجري عن برد ابن سنان عن وهب بن منبه قال: لا تذهب الأيام حتى تبنى مدينة من وراء سيحان وجيحان، قريبة من العدو غير بعيدة، تخيف العدو من وجهين: من بر ومن بحر، ينظر الله إليهم في كل يوم سبعين مرة كلما نظر إليهم ذر عليهم من بره وحنانه، الله أرأف بأهل تلك المدينة من الوالدة الشفيقة بولدها، يغفر
стр. 441
الله لهم في كل يوم مرتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، يحشر الله منها يوم القيامة اثني عشر ألف زمرة، في كل زمرة مائة ألف شهيد، لا يزالون على الحق والحق معهم، آخر عصابة منهم تقاتل الدجال. قال ابن منبه: يا طوبى لأهل تلك المدينة هم أولياء الله وأحباؤه.
٨ - (١)
ومن خطه أيضاً: حدثنا عدي بن أحمد بن عبد الباقي أبو عمير قال حدثنا عمر يحيى بن عبد الباقي أبو القاسم قال حدثنا يوسف بن بحر قال حدثنا سعيد بن هشام الفيومي قال حدثنا هشام بن مودود قال: سمعت وهب بن منبه يقول: تبنى مدينة من وراء نهر من أنهار الجنة، ينظر الله في كل يوم إلى تلك المدينة سبعين مرة، يذر عليهم من بره وحنانه، وهو أرأف بهم من الوالدة بولدها. قال سعيد بن هشام، سمعت هشام بن مودود يقول: هي طرسوس.
٩ - (٢)
ونقلت من خطه حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد الأذني بطرسوس إملاء في داره يوم السبت غرة ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي حدثني أبو القاسم يوسف بن بحر الساحلي قال حدثنا جنادة ابن مروان بن الحكم الأزدي قال حدثني الهيثم بن حميد الكندي عن الحكم بن عمرو الرعيني عن كعب الأحبار قال: إن طرسوس خرجت إلى ربها من وحشتها وبكت إليه من خرابها فأوحى الله إليها: أيتها الصارخة إلي أنا أذنت لخرابك وأذنت لعمرانك وأنزل عليك من بركات سمائي لأطهرك من دنس الأرجاس الأنجاس ثم أعمرك بخير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون
стр. 442
عن المنكر، وأضع فيك معهم توراة محدثة وخدوداً سجوداً يدفون إليك دفيف اللنسور إلى أوكارها، ويحنون إليك حنين الحمامة إلى فراخها.
١٠ - (١)
وقرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه حدثنا أبو هاشم السلمي قال حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: سمعت يوسف بن عبد الله الهاشمي يقول، قال عبد الله بن المبارك، تكبيرة على حائط طرسوس تعدل فرساً في سبيل الله، ومن حمل على فرس في سبيل الله حمله الله على ناقة من نوق الجنة.
١١ - (٢)
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي حدثنا أبو بكر محمد بن سعيد بن الشفق قال حدثنا محمد بن أحمد أبو الطيب قال حدثنا جعفر بن محمد بن نوح قال حدثنا يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه قال قال ابن المبارك: رأيت النبي ﷺ في المنام واضعاً يده على سور طرسوس قال: اللهم احفظني فيها وفي أهلها.
١٢ - (٣)
ومن خطه حدثنا عبد الجبار بن عبد الصمد قال حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال سمعت أبا الطيب يقول: حدثني بعض إخواني قال، قال ابن المبارك: رأيت النبي ﷺ في المنام وهو واضع يده على حائط طرسوس وهو يقول: اللهم اخلفني على من فيها.
стр. 443
١٣ - (١)
وقرأت بخطه أيضاً حدثني محمد بن أحمد أبو نصر بن الحمال قال سمعت أحمد بن مضر وهو أبي العباس ابن مضر محمد بن أحمد يقول: كنا نسمع شيوخ الثغر قديماً يقولون لم يسكن طرسوس فيما مضى من الدهور والأزمنة في الكفر والإسلام إلا أوطأ أهل زمانهم حتى أن قوماً من اليونانية سكنوها فكانوا أهل سداد وصلاح.
١٤ - (٢)
ونقلت من خطه حدثنا أبو بكر محمد بن سعيد بن الشفق البغدادي بطرسوس سنة خمس وأربعين وثلاثمائة قال حدثنا أبو الطيب محمد بن أحمد البغدادي بطرسوس سنة إحدى وتسعين ومائتين قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن نوح قال: سمعت محمد بن عيسى قال، جاء رجل إلى ابن المبارك فقال يا أبا عبد الرحمن أريد أن أسكن الثغر، قال: اسكن أنطاكية، قال: أريد أن أتقدم، قال: أذنة، قال: أريد أن أتقدم، قال: أتريد أن تكون في الطلائع فعليك بطرسوس.
١٥ - (٣)
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي وذكره بإسناده إلى وريزة بن محمد بن وريزة الغساني قال حدثني الحارث بن همام قال سمعت أبي يقول: استوصف الحجاج ابن القرية البصرة والكوفة وواسط فوصفها، ثم استوصف منه الشام فقال: الشام عروس بين نسوة جلوس. قال أبو عمرو القاضي، قلت أنا: وابن القرية نعت
стр. 444
الشام وليس للمسلمين يومئذ طرسوس فأما منذ ملكهم الله إياها، وجعل خطبة خلفاء دينه على منابرها، ونصبها قبة للجهاد وملجأً وعلماً لأولئك الأخيار البررة فما اختلف اثنان سلكا عمائر الإسلام وجابا أفقها أن مدن الشام كالنسوة الجلوس وأن طرسوس تلمع بينها بمنزلة العروس.
[الكتابات والنقوش في طرسوس]
١٦ - (١)
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قاضي معرة النعمان في كتاب سير الثغور من تأليفه في ذكر مدينة طرسوس، قال: وبباب قلمية يعني باب طرسوس حجر بحضرة دار مزاحم مدور لاصق بالحائط مكتوب عليه باليونانية سطور قرأها أحمد بن طغان السيذمي البيطار، فذكر أن المكتوب عليه: الحمد لله الوارث للخلق بعد فناء الدنيا كما غرقني. فإني ابن عم ذي لبقرنين، عشت أربعمائة سنة وكسراً، ودرت الشرق والغرب أطلب دواء للموت. من أراد أن يدخل الجنة فليصل في هذا الدير عند العمود ركعتين، ومن أراد صنعة العمد وآلتها فعليه بالقنطرة السابعة من جسر أذنة.
١٧ - (٢)
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي في كتاب سير الثغور قال: وفي البرج المنسوب إلى الهري، فذكر أشياء ثم قال: وعلى اسكفتي الباب العلياتين حجر قد طبق المصراعين فيه قبر ذقيانوس ملك أصحاب الكهف. ذكر لي جماعة ثقات بطرسوس أن بازمار الخادم في ولايته كشف عنه بمقدار ما يمكن الوصول إليه، فوجد ميتاً مسجى بأكفانه مصبراً معه سيف إلى جانبه، فأمر بالسيف
стр. 445
فأخذ فوزن فوجدوه أحد عشر أوقية بالطرسوسي التي وزن كل أوقية منها اثنان وثلاثون درهماً، ورد ما كان كشف منه إلى حاله.
١٨ - (١)
وقرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي قاضي المعرة قال: قبر أبي معاوية الأسود بطرسوس بباب الجهاد في الطريق الآخذ إلى الميدان يمنة السائر بإزاء قبة ابن الأغلب ما فارقه الزوار مدة عمارة طرسوس تبركاً به وتيمناً بالدعاء بحضرته. وقال أبو عمرو: سمعت عدة من شيوخ طرسوس يقولون: ما صدق أحد نيته في حاجة لله فيها رضى فتوسل ودعا عند قبر أبي معاوية إلا أجابه الله .
[أسوار طرسوس وأبراجها]
١٩ - (٢)
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي في كتاب " سير الثغور " وضعه للوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل فذكر فيه صفة طرسوس فقال:
مدت طرسوس على سورين، في كل سور منهما خمسة أبواب حديد، فأبواب السور المحيط بها حديد ملبس، وأبواب السور المتصل بالخندق حديد مصمت. فالسور الأول الذي يلي المدينة مشرف تعلوه ثمانية آلاف شرافة فيها مرتبة عند الحاجة إلى الحرب عنها رجال يرمون عن ستة عشر ألف قوس رمية رجل واحد، وفي هذا السور من الأبراج مائة برج سواء: منها ثلاثة أبرجة للمجانيق الحرري وعشرون برجاً للمجانيق الكبار، وعشرون برجاً للعرادات، وسائرها لقسي الرجل. وهذه الأبرجة التي ذكرناها فهي ملك لأربابها ومساكن لمتأهلين وعزاب، وبعضها مرسوم بعمل الورق والكاغد وهو مما يلي زاوية الحبالين.
стр. 446
قال: فأما برج باب قلمية المبني عن يمين الخارج منه فمرسوم بتفرقة أعشار غلات ضياع طرسوس متى ورد منها عشرة أحمال أو رواحل أو عجل حط واحد من عشرة وأطلق له تسعة يقبل قوله فيه، فإذا اجتمع أطلق منه لأهل الشرف أبناء المهاجرين والأنصار على رسم جريدة أمر بإنشائها المأمون عبد الله بن هارون الرشيد رحمهما الله، يتوارث ما ثبت في تلك الجريدة أهل الشرف المقيمون بطرسوس، ويجري بينهم مجرى الميراث بأخذه خلفهم عن سلفهم. وإن طرأ طرسوس غريب من أبناء االمهاجرين والأنصار دفع إليه مقدار كفايته وكفاية جملته إن كان ذا عيال أو ذا جملة شريفة، ونفض منه على الشيوخ المسجدية رسماً لا ينقطع عنهم في كل سنة عند قبض الأعشار من الغلات، لكل شيخ منهم ستة أمداد بالمدي الطغاني الذي يبلغ كل مدي منه أربعة عشر مكوكاً بالمكوك الطرسوسي، مبلغ المكوك منه زيادة على المكوكين بالبغدادي المعدل، ونفض منه على الأدلاء المؤلفة قلوبهم من الروم والأرمن وأولادهم بحسب ما يراه السلطان بطرسوس من حسن النظر لهم، ولمن يتحدد منهم، ويجعل ما يفضل عما وصفناه من الحنطة للخباز المقام لقوت الأعلاج المحبوسين في سجن طرسوس. وما ورد من الشعير برسم العشر أطلق للأدلاء المؤلفة قلوبهم رسماً على مقدار كراعهم قضيماً لها في كل سنة، وحمل سائره لقضيم بغال الساقة أولاً أولاً. فإن فضل من القمح شيء عما وصفناه وذكرناه من وجوهه بيع بسعر وقته وصرف في مهمات البلد، وسنذكرها في أماكنها إن شاء الله.
قال: وما وقع في هذا البرج من غلات القطاني كلها مع ما ينضاف إليها من زيتون وكمون وبزر فجل وبزر كتان وسمسم وترمس وأرز بيع كل صنف منه بسعره وأضيف إلى راتب البلد.
قال: وكان في هذا السور قديماً وقد رأيناه رأي عين أثر خمسة وعشرين باباً، منها خمسة أبواب مفتوحة مسلوكة معروفة وهي: باب الشام وباب الصفصاف وباب الجهاد وباب قلمية وباب البحر، وسائرها مسدود.
وقال: سمعت أبا الربيع سليمان بن الربيع الجوزاتي، شيخاً كبيراً كان أقام
стр. 447
بحصن الجوازات زيادة على أربعين سنة مجاهداً يذكر أن جيشاً لجباً خرج عن طرسوس غازياً في زيادة على عشرين ألف فارس وراجل من باب المسدود فأصيبوا عن آخرهم في بلد الروم واستشهدوا رحمة الله عليهم ولم يعد منهم إلى طرسوس مخبر، فأجمع رأي أهل طرسوس على سده تشاؤماً به.
قال: وقد رأيته مفتوحاً وهو ما بين زاوية الحبالين وباب الجهاد عند آخر شارع النجارين، تتصل به الدار الكبيرة التي بنيت للسيدة أم المقتدر بالله رحمهما الله، وليس بطرسوس ولا بالثغر كله دار أكبر منها. وبرسم هذه الدار صناع معروفون من أهل سوق السلاح لتدبير جوانبها، ورم شعث سلاحها وجلاء دروعها وسيوفها، في كل سنة مرة أو مرتين، وكان يركب من هذه الدار إلى الجهاد في سبيل الله مائة وخمسون غلاماً بجنائبهم ومن ضامهم، ويرؤسهم رجل منهم على رأسه مطارد تعرف بهم متى احتيج إليهم في الغزو لساقة أو ميمنة أو ميسرة أو في تجريد لحادثة سدوا أكبر مسد، وقوفهم بأرض الثغر وأعمال أنطاكية وحلب معروفة مشهورة، وارتفاعها في السنة الواحدة مائة ألف دينار يستغرقها الاتفاق، وربما اقترضوا إن تعذر وجه مالهم وردوه عند حصوله.
قال: وأما شارع باب الصفصاف ففيه دار قبيحة أم المعتز بالله رحمهما الله، قد بنيت حجراً مقدرة لسكنى مائة وخمسين غلاماً، في كل حجرة منها بيتان ومرتفق، وبرسم هذا الوقف رئيس يركب هؤلاء الغلمان بركوبه ويسيرون بسيره، ينشر على رأسه مطرد وأعلام كتابتها المعتز بالله، وكذلك شعارهم إذا سافروا أو غزوا في بلاد الروم وغيره.
قال: وللدار خزانة للسلاح تظهر في أيام الأعياد وعند ورود الرسل من الروم فيها الدروع الحصينة تستر الفارس والفرس، والعمد المذهبة والجواشن البنية والخوذ المنيعة، ومن الأسلحة كل نوع، يحمل كل غلام ما يعاني العمل به. وبرسم هذه الدار مؤدب لا يدخل مكتبه أحداً إلا أولاد موالي المعتز بالله، والرئيس على موالي المعتز من الموالي من وجدوه مذكوراً فارساً رئيساً مقدماً، فإن تعذر من هذه صورته من الموالي نصب لهم رئيس من قواد طرسوس ووجوهها يدبر أمرهم
стр. 448
وتكتب العقود والضمانات باسمه؛ وقد رأيت أبا حفص عمر بن سليمان الشرابي ﵀ رئيساً عليهم ثم رأيت بعده جماعة منهم ومن غيرهم.
[سكك طرسوس ودورها]
٢٠ - (١)
ومما نقلته من خط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي، حدثني أبو نصر محمد بن أحمد بن الحمال قال حدثني ابن عطية قال: أحصينا سنة تسعين ومائتين سكك طرسوس فوجدناها ألفي سكة نافذة ومسدودة، وأحصينا الدور فوجدناها أربعة وثلاثين ألف دار، اقتضى التقدير أن يكون ثلثاها للعزاب أهل البلدان حتى لا يعرف من عمائر الإسلام بلد إلا ولهم بطرسوس دار أو داران حتى أهل قم، وثلثها للمتأهلين بها ملكاً لأربابها أو وقفاً عليهم.
[ودار السبيل المعروفة بزهير بن الحارث] بيوت سفالي واصطبلات ومخازن وعلالي؛ فأما الحوانيت فهي وقف على سبعة أفراس تكون في مربط هذه الدار بسروجها وآلاتها وجلالاتها، ويقام بقضيمها ونعالها ومساميرها وأجرة بياطرتها وأجرة ساستها. وقد رسمت هذه الأفراس السبعة كل فرس منها بقائد من قواد طرسوس متى نودي بنفير أو غزو قاد السائس فرساً برسم قائد من القواد إليه، تعينه بعد القيام بكفايته حتى إذا عاد القائد من نفيره أو غزوه رد الفرس إلى مربطه.
[وذكر دوراً كثيرة لا تحتمل الحال ذكرها وتطويل كتبنا بإيراد ما ذكره]
[عمارة طرسوس]
٢١ - (٢)
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي، سمعت أبا زرعة نعيم ابن أحمد المكي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة يقول سمعت عبد الله بن كلرت يقول،
стр. 449
سمعت أشياخنا ﵏ يذكرون أن خيل خراسان وردت لعمارة طرسوس في أيام المهدي مع رسله وعساكره وأنهم حطوا بمكان وصفه لنا بباب الجهاد غربي حائط المصلى أربعة آلاف راحلة دقيقاً مكتوب عليها: بلخ. خوارزم. هراة. سمرقند. فرغانة. أسبيجاب؛ حمل ذلك كله على البخاتي من خراسان مع أبي سليم وبشار وأبي معروف الخدم أبناء الملوك.
[نظام النفير في طرسوس]
٢٢ - (١)
قرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه قال: يركب المتولي لعمل الحسبة أي وقت وقع النفير من ليل أو نهار ورجالته بين يديه ينادون بأعلى أصواتهم أجمع صوتاً واحداً يقولون: النفير يا أصحاب الخيل والرجالة، النفير حملكم الله إلى باب الجهاد، وإن أراد إلى باب قلمية أو إلى باب الصاف أو إلى أي باب اتفق، وتغلق سائر أبواب المدينة وتحصل مفاتيحها عند صاحب الشرطة فلا تزال مغلقة حتى يعود السلطان من النفير ويستقر في داره ثم تفتح الأبواب المغلقة كلها ويطوف المحتسب ورجالته الشوارع الجواد كلها، فإن كان ذلك نهاراً انضاف إلى رجالته عدد كثير من الصبيان وساعدوهم على النداء بالنفير، وربما احتاجوا إلى حشد الناس لشدة الأمر وصعوبة الحال، فأمر أهل الأسوق بالنفير وحضهم على المسير في أثر الأمير أين أخذ وكيف سار، ويكون مركز صاحب الشرطة إذا وقع النفير مع رجالته الموسومين به عند الباب الأول الذي يلي المدينة الذي يخرج منه الناس إلى النفير، وكذلك المحتسب، إلا أن المحتسب يتردد في الأسواق إذا طال أمر النفير وتأخر خبره، ويبعث على اللحوق بمن سار مع الأمير وبمن توجه إلى النفير فلا يزال الأمر على هذا حتى يعود السلطان إلى دار الإمارة ويخرج إلى النفير قواد الرجالة معروفون متى عقد السلطان لقائد من الفرسان فبعثه للقاء من ورد عليه من ذلك الوجه أضاف إليه قائداً من قواد الرجالة، واتبعه من أجلاد الرجالة أهل القوة
стр. 450
والنشاط والنية من المطوعة المسجدية حتى إذا نزلوا أول منزل تبتل شيخ بل شيوخ من الصلحاء معروفون بحفظ من هناك من الغلمان المرموقين بالصباحة والوضاءة، فتنضاف طبقة طبقة إلى ذي معرفتهم وثقتهم وحصلوا تحت علمه ورايته، فلو هم أحدهم بالوضوء لصلاة لما أفرج عنه إلا برقيب ثقة أمين شيخ معروف يمضي معه لحاجته، حتى إذا فرغ منها عاد إلى جملته.
وقد رأينا في آخر أيام طرسوس رجلاً يعرف برؤبة يجتمع إليه الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يزيد عددهم على ألف صبي، كلهم بالسلاح الذي يمكن مثله حمل مثله وبمزاودهم، وقد عدوا فيها من صنوف أطعمة أمثالهم، يطوف جميعهم بمطرد يحمله رؤبة، يسيرون بسيره ويقفون بوقوفه، فلا يزال ذلك دأبهم حتى إذا عاد السلطان إلى مقر داره عند رجوعه من نفيره دخل أولئك الصبيان أمامه على مراتبهم، يصفهم قائدهم الأمثل فالأمثل، رماتهم عن قسي الرجل التي قد عملت على مقاديرهم ثم رماتهم عن القسي الفارسية، وربما كان فيه من أولاد اليمانية من يحمل القسي العربية بنبلها، فيدخلون فوجاً فوجاً صبيين صبيين، ثم من يحسن الثقاف فيثاقف قرينه ومثله وخدينه وشكله حتى يدخل كل صنف منهم في مرتبته، ثم يتلوهم رؤبة قائدهم بمطرده وعلامته، حتى إذا خرج [أحد] أولئك الصبيان من حد الطفولة واشتد عضده وقارب حد البلوغ أو بلغ أو تجاوز البلوغ قليلاً انضاف إلى قائد من قواد الرجالة الذين ذكرت، وصحبه في نفيره وغزوه وارتاد لنفسه الرفاق بحسب ما يختار تربه وجاره وقرينه، فإذا ألتحى وخرج عن حد المرد دخل في جمهور الناس حاذقاً بما يحتاج إليه ماهراً بصيراً بأمر جهاده وتدبيره أمره نافذاً يقظاً إن شاء الله.
[الاستصراخ لإنقاذ طرسوس]
٢٣ - (١)
وقرأت بخط أبي عمرو في كتابه: وجرى من اعتياد الروم طرسوس ما
стр. 451
اقتضت الصورة إخراج وفد إلى مصر والعراق يستصرخون ويطلبون المدد، ورسم أبو الحسن ابن الفياض بوفادة مصر، ووفد أبو بكر ابن الأصبهاني الإسكاف وأبو عليّ ابن الأصبهاني خليفة القاضي العباس بن أحمد الخواتيمي على طرسوس إلى بغداد، فندب للخطبة أبو صالح عبد الغفار بن الحراني الوراق عوضاً منه فقام مقامه، وأقام أبو صالح عند خروج الناس بطرسوس لعلة منعته من الحركة بها توفي، وما زال أبو صالح يخطب مدة أيام منازلة نقفور إيانا، فلما انتهينا إلى الأيام التي وادعناه فيها للخروج عن طرسوس اعتل أبو صالح علة حالت بينه وبين الصلاة، واحتاج الناس في آخر جمعة جمعوها بطرسوس إلى خطيب، فسئل أبو الحسن ابن الفياض الصلاة، وقد كان عاد من مصر معذراً لم ينل في الوفادة ما تمنى من أرسله لها، فأبى وقال: ما أحب أن أكون آخر خطيب بطرسوس، وحضرت الصلاة فصلى بالناس يومئذ أبو ذر، رجل من أبناء طرسوس شيخ من أهل العلم كان سافر وغاب عن طرسوس عدة سنين، وعاد إلينا في تلك الأيام، فهو آخر من خطب على منبر طرسوس يوم الجمعة العاشر من شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، لأن خروج الناس كان عنها في يوم الأربعاء النصف من هذا الشهر في هذه السنة، وأقام المؤذنون في ذلك اليوم وأخذوا في الأذان فسهوا، فأقاموا، فرد عليهم فأذنوا، وقام أبو ذر فخطب، فلما أتى الدعاء للسلطان خطب للمعتضد ورد عليه فتمم خطبنه ونزل، فأقيمت الصلاة وكبر، وقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة الشمس وضحاها، وفي الركعة الثانية بسورة الحمد وسورة إذا زلزلت الأرض زلزالها، فلما سلم قام أبو عبد الله الحسين بن محمد الخواص قائماً في قبلة المسجد، واستقبل الناس بوجهه وقال، يا معشر أهل طرسوس، أقول فاسمعوا:
هذا المقام الذي كان يتلى فيه كتاب الله العظيم.
هذا المقام الذي كانت تعقد فيه المغازي إلى الروم.
هذا المقام الذي كان يصدر عنه أمر الثغور.
هذا المقام الذي كانت تصلى فيه الجمع والأعياد.
هذا المقام الذي يأوي إليه الملهوف بالدعوات.
هذا المقام الذي يزدحم عليه أهل الستر والسداد.
стр. 452
هذا المقام الذي كان يفد إلى الله فيه الوافدون.
هذا المقام الذي كان يعتكف فيه العابدون الزاهدون.
(وما يجري مجرى هذا الكلام) .
٢٤ - (١)
[حصن المصيصة]
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي حدثنا محمد بن سعيد ابن الشفق قال حدثنا محمد بن أحمد أبو الطيب قال حدثنا جعفر بن محمد بن نوح قال سمعت محمد بن عيسى يقول قيل لعلي بن بكار وذكر له جزع الروم فقال: البطيخ كثير والحلو منه قليل. كنا في هذا الحصن يعني حصن المصيصة أربعمائة فتى إذا قلبنا حوافر خيولنا لننعلها للغزو اضطربت ركب بطارقة القسطنطينية.
٢٥ - (٢)
[اقليقية]
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي سمعت أبا الحسن عليّ بن جعفر بن عقبة الأعرابي صاحب الجيش بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة قال: سمعت أبي جعفر بن عقبة ﵀ يقول: كان شيوخنا يقولون: إن أول مدينة عرفت في إقليم الثغر أزلية قبل الإسلام مدينة إقليقية، وإليها ينسب علماء الروم الثغر فتقول: بند إقليقية.
قال لنا أبو الحسن ابن الأعرابي: وقد بقي أثر هذه المدينة دمنة فيها آثار أبنية قديمة، وهي عن يمين السالك من المصيصة إلى أذنة بينها وبين أذنة نحو ميلين.
стр. 453
٢٦ - (١)
حصن ثابت بن نصر
قرأت بخط أبي عمرو القاضي حدثني محمد بن أحمد الزمام قال سمعت عبد الله بن كلرت يقول: ما زال أولونا يقولون: لم يعرف الجهاد في ما مضى في شيء من أرض الثغور يعني طرسوس وأذنة وعين زربة، إنما كان حصن ثابت بن نصر بمدينة المصيصة في آخر أيام بني أمية وأول أيام بني العباس يخرج منه أربعمائة فارس صلحاء إذا قلبوا حوافر خيولهم لتنعل للغزو قلبوا بذلك قلوب بطارقة القسطنطينية خوفاً منهم وجزعاً.
قال: وقد غزا محمد بن عبد الله أمير المؤمنين المهدي ﵀ فلم تك هناك طرسوس ولا أذنة ولا عين زربة وإنما كان هذا الحصن لا غير.
وقرأت بخطه أيضاً حدثني أبو الحسن العدل عليّ بن الحسين الحذاء وأبو بكر غانم بن يحيى بن عبد الباقي قالا حدثنا أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: كان حصن ثابت بن نصر مشحناً بالأبدال يجاهدون الروم، منهم يوسف بن أسباط صاحب سفيان الثوري، كان أدمن الصوم به فتوسوس.
وقرأت بخطه حدثني عليّ بن إسحاق صاحب العرض قال سمعت أبا العباس ابن عبدوس يقول: كان ابتداء أمر الثغر وحصول المسلمين به أن نفراً صالحين سكنوا حصن ثابت بن نصر بالمصيصة كثرت غزواتهم وتنمر الروم منهم لشدة بأسهم وعظم نكايتهم فيهم، منهم يوسف بن أسباط وعلي بن بكار وبعدهم إبراهيم بن أدهم وعبد الله بن المبارك وأبو معاوية الأسود وطبقاتهم وقتاً بعد وقت من لا يحصى عدداً إلى أن شحنت طرسوس، كلهم أهل فضل وجهاد.
стр. 454
٢٧ - (١)
[حصن عجيف]
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي في ذكر حصون طرسوس ذكر حصون عجيف وأبرجته: رسم هذا الحصن أمير وأربعة فرسان وثلاثة حراس وثلاثة رجالة وخطيب. رزق الأمير عشرة دنانير، ورسم كل فارس ديناران، والرجالة والحرس دينار دينار، والخطيب ديناران.
برج الوصيفي: ثمانية رجال للرئيس دينار وسدس وللرجالة دينار دينار.
برج المنشا: ستة نفر رئيس بدينار وسدس ولكل راجل دينار.
برج المقطع: خمسة عشر رجلاً، الرئيس دينار وسدس ولكل راجل دينار.
برج الجزيري: سبعة نفر: الرئيس بدينار وسدس ولكل راجل دينار.
٢٨ - (٢)
[حصن الجوزات]
وقفت على فصل في ذكره بخط أبي عمرو الطرسوسي في سير الثغور فنقلته على حاله، وصورته: رسم هذا الحصن أمير وخليفة ينوب عنه، وخطيب وقيم للدار وصاحب الحمام وكاتب ومطرديان وبوقي وبواب.
وفي جبل هذا الحصن شجر جوز مثمر مسافته ثلاثة أميال في عرض ميل، فإذا حان إدراكه خرج والي الجوازات وجميع رجالته إلا من يضبط الحصن من الثقات، فينفضون الجوز أياماً، وضم كل واحد ما نفضه، وعد بالإحصاء ما حصل، فدفع إلى الوالي من كل عشرة آلاف جوزة ألف جوزة، وأمسك لنفسه تسعة آلاف، فيجتمع للوالي أعني والي الجوزات من ذلك خمسمائة ألف جوزة وأكثر، ومما ينمحق من ذلك بالمسامحة فيه عند ضمه مع ما تعذر نفضه لبعد فروع أشجاره وتعذر وصول الناس إليه أكثر مما وصفت، فتمتلىء بيوت الجوزانيين كلهم
стр. 455
من الجوز يرتفقون به مدة أيام الشتاء ويتهادونه إلى طرسوس، إلى ذوي موداتهم وقراباتهم. وفي فضاء من عمل الجوزات منبت للأشنان الزبطري، فإذا تناهى إدراكه ضموه وارتفقوا به من هدية وبيع واستعمال.
وفي هذا الجبل أشجار مخصوصة بأوكار البزاة يعتادها قوم من الجوزانيين، فإذا فرخ في وكره تعهده الطالب له بالتفقد وتردد إليه حتى إذا صلح تلطف بحيلة في نقل الفراخ ودبر تربيتها وتكلف حملها إلى طرسوس وربما بيع الواحد بمائة وخمسين درهماً فيستحيل إلى الفراهة إذا علم وضري، فبلغ خمسمائة درهم وأكثر.
وفي جبلها أيضاً عقار يعرف بالغاريقون، يحمل منه إلى أكثر الأقاليم. حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي مروان المعداني وهو الأفطس، وهو ممن رابط وجاهد في حصن الجوزات ثلاثين سنة، أنهم أخرجوا في فاثور، فوجد أحدهم شيئاً من الغاريقون فرفعه في مئزر معه، ثم وجدوا ماء ينبع من عين فغرسوا عليها وأخرجوا زادهم ورفعوا الغاريقون من المئزر في مزود مع أحدهم، وبلوا كعكاً معهم بذلك الماء البارد ولفوه في المئزر، وسار ثلاثة أو أربعة منهم يتحسسون مكانهم لئلا يعلم بمكانهم، فتناول صاحبهم شيئاً من الكعك المبلول فنال منه، وأبطأ أولئك، فعمل الغاريقون الملتصق بالمئزر في طبع الرجل، وتردد واختلف، فوافاه أصحابه وقد تردد نحو مائتي طريق، وحيل بينه وبين القوة والحركة. فرأوا أن قطعوا دهقين وجعلوا صاحبهم في عباء وحملوه بينهم إلى الجوزات فعولج وعوفي، فباع ما كان معه من الغاريقون بجملة جاملة.
وما وطىء هذا الحصن منذ ملكه المسلمون وشيدوه أمرأة، ولا أطلق لأحد أن يدخل بغلام أمرد إلى أن أخرج عنها المسلمون، وإنما يختار لها أهل القوة والبأس ومن يعاني أعمال السلاح المختلفة كالثقاف بالسيف والرمح والرمي عن القسي الفارسية وقسي الرجل من أبناء أربعين وما زاد وما نقص، فإذا حضر الغزو فقد رسم الجوزانيون يوماً في ساقة عسكر المسلمين ويوماً في مقدمته بأحسن الزي وأجمل الأحوال وأكمل العدة شامة في الناس.
стр. 456
فراغ
стр. 457
٩ - تاريخ همام بن الفضل
стр. 458
فراغ
стр. 459
٤٠ - (١)
وقرأت في تاريخ أبي غالب همام بن الفضل المعري أن نقفور لما صالح أهل طرسوس وخرجوا منها وتسلمها صعد على منبرها وقال: يا معشر الروم، أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس، فقال: لا، بل أنا على منبر بيت المقدس، وهذه البلدة التي كانت تمنعكم من بيت المقدس.