← История

История · id 1023

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ

إحسان عباس

Полный текст (467 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة هنالك كتب يقول من يجوس خلال رياضها: حقاً لقد وقعت على كنوز متعددة متنوعة، لا على كنز واحد. من تلك الكتب تاريخ دمشق لابن عساكر وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم. وقد عايشت هذا الكتاب الثاني سنوات طويلة وكنت في كلِّ مرة أكتشف فيه أشياء جديدة. ولا ريب في أنَّ كمال الدين ابن العديم كان يملك مكتبة نادرة، وحرصا على العلم، وخطاً جميلاً، بالإضافة إلى ما كان يعمر في قلبه من محبة لحلب، ولمعالمها وللقرى والدساكر والحصون التابعة لها. وفيه تتجلى إلى جانب ذلك كله دقة المعالم، وحصافة الناقل. وعلى مدى الأيام أصبح كتاب بغية الطلب صديقاً مؤنساً، تارة أفهرس المواد التي أجدها فيه مفيدة لي في أبحاثي، وتارة أحاول ترتيب القرى المذكورة فيه؟ أرتبها على حروف المعجم وأعرِّف بها بالمقارنة مع المعاجم الجغرافية الأخرى؛ ولكن أكبر ما أقدمت عليه بوحي منه هو التعرف إلى مصادره الكثيرة، وكثير منها نادر. وكان أن أخذت أجمع النقول المأخوذة من كتاب واحد، وأضعها في نطاق، لكي يتمَّ لي تصوُّر المصدر الأصليّ الذي عنه أخذت، ومصادر بغية الطلب تعدّ بالعشرات، ولهذا كان عملي في البداية " ألهية " تؤدي إلى المعرفة وترسخها، ثم تطورت هذه الألهية حين حاولت أن أتجاوز بغية الطلب، وأبحث عما نقل في غيره من هذا المصدر أو ذاك. عندئذٍ اتسع نطاق العمل كثيراً، وفي مدى سنوات ركَّزت على ثلاثين باباً، وأهملت ما عداها، وراعيت أن تكون هذه الكتب في ميدانين أحببتهما وهما التاريخ والأدب.

стр. 2

وليكن القارئ على ثقة بأن ما لم أورده من الكتب أكثر بكثير من العدد الذي أوردته، لا استقلالاً من شأن ما أغفلت، وإنما لأنَّ العمل في ثلاثين كتاباً، وتحقيق حال مؤلفيها، كان عملاً مرهقاً، فكيف بطلب الشمول في إيرادها كلها. غير أن ما بقي مما لم يرد في هذا المجموع مثير للنزوع إلى الاطلاع بكثرته وتنوعه. فمن كتب الأنساب؟ وحدها؟ نجد ابن العديم يعتمد المصادر التالية: ١ - نسب بني العباس لأبي موسى هارون بن محمد بن إسحاق العباسي. ٢ - كتاب المعقبين من ولد الحسن والحسين للحسن بن جعفر النسابة. ٣ - أنساب بني صالح بن علي بخط القاضي أبي طاهر صالح بن [؟.] الهاشمي. ٤ - المجرد في النسب للشريف أبي الغنائم عبد لله بن الحسن بن محمد الزيدي. ٥ - نزهة عيون المشتاقين في النسب للشريف أبي الغنائم الزيدي. ٦ - المنصف النفيس في نسب بني إدريس لمحمد بن أسعد الجواني. ٧ - نزهة القلب المعنَّى في نسب بني المهنا لمحمد بن أسعد الجواني. ٨ - الجوهر المكنون لمحمد بن أسعد الجواني. ٩ - القرع والشجر في النسب لأبي الحسين محمد بن القاسم التميمي. ١٠ - ديوان العرب وجوهرة الأدب وإيضاح النسب لمحمد بن حمد بن عبد الله الأسدي. ١١ - مشجرة ولد العباس لبي المنذر علي بن الحسين بن طريف النسابة. ١٢ - الكتاب المجدي في أنساب الطالبيين لأبي الحسن علي بن محمد العلوي المعروف بابن الصوفي. هذه اثنا عشر كتاباً في علم واحد، لا أحسب أن واحداً اطلع عليها أو اهتمَّ بالبحث عنها؛ فماذا أذكر من كتبٍ في علوم أخرى؟ بل إن التاريخ الذي استغرق معظم هذا المجموع أرجأت الحديث عن كثير من مصادره، وعرض نصوصه: مثل تاريخ الفرغاني وتاريخ ثابت بن سنان وتاريخ السليل بن أحمد بن عيسى ومختصره

стр. 3

للشمشاطي، وتاريخ جمعة أبو إسحاق ابن حبيب السقطي، وتاريخ لعمر بن محمد ابن عبد الله العليمي، وتاريخ الرئيس حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي، وتاريخ جمعة الرئيس أبو علي الحسن بن علي بن الفضل الرازي، وتاريخ يحيى بن علي ابن عبد اللطيف بن زريق، والتاريخ المحدد لأبي الحسين محمد بن العباس بن محمد بن الحسن الكتاني الدمشقي، وغير ذلك كثير. إن هذه الكثرة الهائلة من المؤلفات التاريخية وحدها؟ سواء منها ما عرضت له وما لم أعرض له؟ تجعل من المحتوم إعادة النظر في " تاريخ التاريخ " وعدم الاكتفاء في تصور تاريخ التأليف التاريخي على ما هو مطبوع. فهذا الكتاب ليس سوى معرض لثلاثين كتاباً أكثرها في حكم المفقود، فهي على ما تقدمه من فوائد للباحثين كانت دفينة، تفتح المجال أمام المهتمين بالتراث، لكي يضيفوا إلى كل كتاب فيها ما يجدونه من نصوص فاتتني، ولا ريب في أنه فاتتني نصوص كثيرة، ولكي يضيفوا إلى الكتب الثلاثين كتباً أخرى ذات قيمة. وهذا " المعرض الجديد " مؤشر على شيئين: أولهما على كثرة الكتب المهمة التي ضاعت أو ما تزال مختفية، وثانيهما على مبلغ النقص في بعض الكتب التي نشرت. ويؤكد هذا الكتاب أن القرن السابع الهجري قد رزق ثلاثة رجال كبار متقاربين لأنهم جميعاً كانوا يأوون إلى حلب وهم ياقوت والقفطي وابن العديم، ويتميز الأول بأنه كتبي " مثقف " لا يكتفي أن يكون نسخه للكتب مصدر رزق، بل أن يكون أيضاً مصدر ثقافة، ولذلك فإن إطلاعه لا يقل عن إطلاع زميليه الثريين اللذين يملك كل منهما مكتبة تضمَّ مئات من الكتب، وتتضح صورة هؤلاء الثلاثة في هذا الكتاب، لأنهم جميعاً اشتركوا في الاطلاع على مصادر بأعيانها وأفادوا منها في ما ألفوه من الكتب. وأنا على يقين من أن الدارسين من ذوي الجد والحرص على العلم سيجدون في فهرس هذا الكتاب ما يسعفهم على الإفادة منه في دراساتهم وبخاصة لأنه يضم ثلاثين كتاباً، وذلك عدد غير قليل في شموله وتنوع مادته.

стр. 4

ولا يفوتني في خاتمة هذه الكلمة المجزة أن أتوجه بالشكر الجزيل لدار الغرب الإسلامي، وأخص بذلك صديقي الصدوق الحاج الحبيب اللمسي الذي استطاع في مدةٍ تعد قصيرة في عمر نشر الكتب أن يصدر عدداً من أروع كتب التراث وأهمها، وأن يعيد إلى الناشر العربي الذي تغوّل على حقله زمرة من الأدعياء، الثقة التي فقدها، باحترامه للكتاب؟ مادة وصفّاً وورقاً وتجليداً وفهرسةً؟ وباحترامه للكتاب والمحقق، على كل صعيد. وفقه الله في خدمة التراث العربي الإسلامي، وكلأه برعايته، وشملني برحمته، وجعل الخير لي منهجاً وغاية، إنه سميع مجيب. في ٢٠ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٧ الجامعة الأردنية إحسان عباس

стр. 5

أخبار البرامكة لأبي جعفر عمر بن الأزرق الكرماني

стр. 6

فراغ

стр. 7

لم أجد له ترجمة، ولكن يؤخذ من المعلومات التي نقلت من كتابه أنه عاصر الجاحظ، وسمع منه بعض أخبار البرامكة، كما أنه التقى رجلاً معمراً شهد عصر هشام أو جانباً منه، وكان الرجل لدى لقائه للكرماني قد زرَّف على المائة (تقديراً حوالي ٢٢٥) كذلك أدرك الكرماني بعضاً من مشايخ الدعوة العباسية. وينقل الطبري في تاريخه (٣: ٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٥، ٦٠٣، ٦١٣، ٦٨٣) عن شخص يدعى أبا حفص الكرماني، فالكنية والنسبة تطابقان ما لدينا هنا، ومما يرجح أن الذي ينقل عنه الطبري هو أبن الأزرق نفسه اتصال المادة التي ينقلها بالبرامكة، وهنالك نجد أن أكثر أعتماد الكرماني المؤرخ على الرواية عن محمد بن يحيى بن خالد، فهو قد لحق الجيل الثالث من بني برمك ولعله لم يدرك تاريخ النكبة نفسها. ولسنا نجد معظم الرواة الذين يرفع إليهم الكرماني أسانيده، فمثلاً لا نجد ذكراً لبشر بن حرب بن يزيد الطالقاني بين مشايخ الدعوة لدى الطبري، إلا أن الطبري يذكر علي بن عصمة الذي يروي عنه بشر بن فاسنك. ومن المهم أن نجد الخبر الذي يرويه الطبري عن علي بن عصمة متصلاً بخالد بن برمك، إذ جاء فيه (فذكر عن علي بن عصمة أن خالد بن برمك خط مدينة أبي جعفر له وأشار بها عليه؟) ، ثم ذكر أن المنصور استشاره في نقض الإيوان فحاول أن يثنيه عن ذلك، والقصة مشهورة تتردد في مصادر كثيرة (١) ، على أية حال لا يخفى مما دونه ابن

стр. 8

الأزرق ذلك الميل لإعطاء خالد بن برمك دوراً كبيراً في الدعوة العباسية يمهد لتلك المكانة التي بلغها ابنه وحفدته من بعد في بنية الدولة نفسها. - ١ - (١) حدثني إسحاق البلخي الشاعر، وكان معمراً قد زرَّف على العشرين والمائة السنة، أي أرمى عليها، أنه رأى برمك قدم على هشام بن عبد الملك في خمسمائة شاكريٍّ فأكرمه وأعلى منزلته وأعجب به ثم أسلم، فرأيته جليل القدر عنده عظيم الموقع منه. - ٢ - (٢) وحدثني سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وكان يحمل الحديث عنه قال: حدثتني رضوى حاضنة أبي أن خالد بن برمك (٣) كان يبيت مع مسلمة في لحاف واحد وهما صبيان، وأنه نشأ معه في موضع واحد، قال سعيد: وكان مسلمة أبي لا يولد له فوصف له برمك دواء فتعالج فولدتُ له، فكانوا يسموني البرمكي على عهد هشام؟ وحدثني شيخ قديم قال: وكان برمك واقفاً بباب هشام فمرَّ به محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس فأعجبه ما رأى من هيئته، فسأل عنه فأخبر بقرابته من النبي ﷺ فقال لابنه خالد بن برمك: يا بني إن هؤلاء أهل بيت النبي ﷺ وهم ورثته وأحق بخلافته، والأمر صائر إليهم، فإن قدرتَ يا بنيَّ أن يكون لك في ذلك أثر تنال به ديناً ودنيا فافعل. قال: فحفظ خالد ذلك عنه وعمل عليه عند خروجه في الدعوة، وكان خالد بن برمك أحد العشرين الذين اختارهم الشيعة لإقامة الدعوة بعد النقباء الاثني عشر. . سار برمك (يعني من عند هشام بن عبد الملك) حتى قدم جرجان فنزل على

стр. 9

يزيد بن البراء وأعلمه ما صار إليه من الخليفة، وزوج ابنه خالد بن برمك من أم خالد بنت يزيد، وكان خالد أحبّ ولده أليه، وكان يقول له فيما ذكر المشايخ عنه: به يجبر الله ولدي وأهل بيتي؟ وحدثني عمروا بن بحر الجاحظ قال، حدثني ثمامة بن أشرس قال: كان أصحابنا يقولون: لم يكونوا يرون لجليس خالد بن برمك داراً إلا وخالد قد بناها له، ولا ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا ولداً إلا وخالد وهب له أمه، ولا دابة إلا وخالد وهبها له إمّا من نتاجه أو غير نتاجه؟ وحدثني بشر بن حرب بن يزيد الطالقاني وغيره من مشايخ الدعوة أنهم يسمون خالد بن برمك أمين آل محمد؟ وحدثني بشر بن فاسنك، شيخ من أهل الباميان، عن علي بن عصمة قال: كان يقال: ما أحد من أهل خراسان إلا ولخالد بن برمك عله منِّة، وذاك أنه قسّط الخراج عليها فأحسن فيه إلى أهلها؟ وكان خالد بن برمك سمع من أبيه ذلك القول في محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس وحفظ عنه، وبحث عن الأمور بعد أبيه حتى انكشف له، فكاتب الإمام وراسله، وكانت رسل الإمام تأتيه وأمره ونهيه يرد عليه، وصير من الدعاة الذين يتلون النقباء، فكان اسمه في كتاب الدعوة فيهم مع نظرائه من الدعاة حتى حدث من أمر البرامكة في أيام الرشيد ما حدث، فأسقطه منه أبو عصمة وغيره من الشيعة تقرباً إلى الرشيد بذلك، فهو يوجد في خواصَّ الكتب؟ فحدثني أبو يحيى الخليل الشيعي قال: قدم عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك على الإمام، فقال لعبد الملك: نعم العون أنت لنا فأنت أبو عون، وأنت يا خالد فإنك ستصير وزيراً لولد العباس فأنت أبو العباس، فهو الذي كنّاهما، قال: وكان خالد بن برمك فيما بين جرجان وطبرستان والريّ وتيك النواحي فيدعوا لبني هاشم ويظهر أنّ اختلافه في التجارة، فيجلب معه الدواب والرقيق إلى تلك الكور على خوف شديد ومخاطرةٍ عظيمة لم يكن يظن بأحد هذا الرأي فضلاً

стр. 10

عن الدعاء إليه إلا أتى عليه وعلى أهل بيته، وقد أُخِذَ خالد في ذلك غير مرة فتأتَّي واحتال حتى تخلص؟ [وبعد ذكر البيعة للسفاح قال] : وأدني خالد بن برمك إلى الإمام أبي العباس وهو في محملٍ من الجراحة التي كانت به، فظن أبو العباس أنه من العرب لما رأى من فصاحة لسانه وهيئته فقال: من الرجل؟ قال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: فمن أنت رحمك الله؟ قال: أنا من العجم، قال: فمن أنت منهم؟ قال: أنا خالد ابن برمك. ووصف له حالهم التي كانت بخراسان قبل الإسلام، وأن الله هداهم بهم أهل البيت وأنه في محبتهم والتشيع لهم كما قال الكميت: وما ليَ إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ ... وما ليَ إلا مَشْيَعَ الحقِّ مشعب قال: فأعجب به أبو العباس، وأقر خالد بن برمك على ما كان يتولى في المعسكر من الغنائم، ثم جعل ديوان الخراج وديوان الجند إليه. ولما صار الديوانان إلى خالد بن برمك حسن فيهما مذهبه وكثر حامده، وعلى يديه جرت قطيعة العكي وقطيعة أبي حميد وقطائع كثيرة غير ذلك. وكانت الدفاتر في ديوان الجند صحفاً مدرجة فجعلها خالد بن برمك دفاتر، فهو أول من فعل ذلك، وأول من جعل ديوان الجند على ما هو عليه اليوم. وحسن حال خالد بن برمك عند أبي العباس وجلَّ قدره عنده ووضعه في موضع المشاورة في الأمور وحلَّ محلَّ الوزير؟ ودفع أبو العباس إلى خالد بن برمك ابنته ريطة بنت أبي العباس فأرضعتها زوج خالد وربتها، وأرضعت أم سلمة زوج أبي العباس أمير المؤمنين أم يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة؟ وحدثني إسحاق بن إبراهيم عن هارون بن ديزويه قال: دخل خالد يوماً على أبي العباس فقال له: يا ابن برمك، أما رضيتَ حتى استعبدتني؟ قال: ففزع خالد لذلك وقال: وكيف يا أمير المؤمنين؟ بل أنا عبدك، فضحك أبو العباس وقال: ريطة بنت أمير المؤمنين وأم يحيى بنت خالد تبيتان في فراش واحد، فاتعارّ من

стр. 11

الليل فأجدهما قد تكشفتا فأمدّ اللحاف عليهما، قال: فقبل يده وتشكر ذلك له؟ وقال له أبو العباس يوماً، وخرج على الناس وأحبَّ أن يعرِّفَهُمْ مكانه منه: يا خالد ما أحدٌ أخص بأمير المؤمنين منك، أنت معي، وأهلك مع أهلي، وولدك مع ولدي، فشكره ودعا له، فلم يزل خالد مع أبي العباس أمير المؤمنين على تلك الحال حتى مضى أمير المؤمنين أبو العباس، واستخلف المنصور فأقرَّ خالداً على حاله ومرتبته وعلى ديوان الخراج، وكان به معجباً، فمكث بذلك عدة سنين، ثم غلب عليه أبو أيوب المورياني فثقل على أبي أيوب مكان خالد وأحبَّ أن يخلو بأبي جعفر، فكان لا يألو ما حمَّل أبا جعفر عليه إلى أن أتاهم انتقاض فارس وغلبة الأكراد عليها، فأعظم أبو جعفر ذلك وأمر أبا أيوب بارتياد رجل يصلح لها فقال: قد أصبته يا أمير المؤمنين، قال: ومن هو؟ قال: خالد بن برمك، قال صدقت، هو لها. فعقد له على فارس، فشخص إليها فافتتحها وجلا الأكراد عنها، وصلحت فارس على يدي خالد وأقام بها سنين، ودخل أليه وجوه الناس وأشرافه من الأمصار، وامتدحه الشعراء فوصلهم وحباهم وصرفهم راضين فحمدوه في سائر الأمصار وشاع ذكره بالسماحة. وسعى أبو أيوب المورياني بخالد إلى أبي جعفر فقال له ك قد اقتطع خالد من خراجك ثلاثة آلاف ألف درهم ووصل بها الناس، فأغضبه عليه، فصرف خالداً عن فارس، فلما قدم عليه ألزمه بعض ذلك المال، فدعا به بعد أن باع في أداء ذلك المال الدواب والرقيق والمتاع، فلما دخل عليه قال: أخذت مالي واجترأت عليَّ وفرقته في الناس، فقال له خالد: كل ما قال أمير المؤمنين فقد صدق، غير أني يا أمير المؤمنين اقتصرت على إنفاقي ونظرت إلى معونتي من أمير المؤمنين وما تفضل به عليَّ فصرفته إلى أشراف الناس، وتفضلت به عليهم، لأنه لم يكن شكري يحيط بنعم أمير المؤمنين عليَّ، فجمعت إلى شكري شكر هؤلاء، وذلك كله لأمير المؤمنين إذ جعل السبيل إليه وأعانني عليه، فسرّه ذلك. قال: صدقت وأحسنت، وأقرَّ الله عينك يا خالد، قد زينتنا وزينت نفسك لنا، فأنت في حِلٍ مما جرى على يدك من أموالنا، وقد رضيتُ عنك، وعظم في عينه بعد ذلك؟

стр. 12

وذكر علي بن الفرج؟ وكان الفرج أبوه لأبي أيوب ثم صار لأبي جعفر؟ قال: لم يكن أبو أيوب يأمن ناحية خالد بن برمك وأن يرده أبو جعفر إلى كتابته وديوان الخراج، فكان يحتال عليه، وكان مما احتال به أن دسَّ إلى بعض الجهابذة مالاً عظيماً وقال له: إذا سألك أمير المؤمنين عن هذا المال فقل له: إنه استودعنيه خالد أبن برمك، قال: ثم دسَ من رفع إلى أبي جعفر في ذلك، قال: فدعا أبو جعفر بالنصراني فسأله ثم قال: نعم عندي مال لخالد بن برمك أستودعنيه، قال فبعث أبو جعفر إلى خالد فأحضره وسأله عن ذلك المال، فحلف له انه لم يجمع مالاً قط ولا ذخره ولا رأى النصراني قط ولا عرفه، ثم قال: ياامير المؤمنين يرسل إلى الجهبذ واكون في موضعي حيث يراني، فإن عرفني فقد صدق علي، وإن لم يعرفني فقد أظهر الله برائتي، قال: فبعث ابو جعفر إلى النصراني فأتى به فقال: اصدق أمير المؤمنين عن هذا المال، قال: ياامير المؤمنين، المال لخالد، وما قلت الا حقاً، قال: أتعرف خالداً إن رأيته؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين أعرفه إن رأيته، فالتفت أبو جعفر إلى خالد فقال: قد أظهر الله براءتك، وهذا مال أصبناه بسببك، ثم قال للنصراني: هذا الجالس خالد فكيف لم تعرفه؟ قال: الأمان يا أمير المؤمنين فأمنه، فأخبره بالقصة، فأمره أبو جعفر بحمل المال إلى بيت المال، وكان بعد ذلك لا يقبل في خالد قولاً من أحد، وازداد به ثقةً وله تقديماً. - ٣ - (١) ذكر احمد بن محمد أن الفضل بن يحيى بن خالد حدثهم يوماً عن يحيى بن أبي مريم المدني، وكان يخاصم رجلاً يقال له الحلبي في الفقه، وكان ابن ابي مريم يقول بقول أهل المدينة والحلبي يقول بقول أهل العراق، قال: فلما جاء ابن أبي مريم فقال: جعلت فداءك، خاصمت اليوم الحلبي بين الملأ وأفحمته، وذاك أني سألته عن قول الله (وقيل من راق) قال إذا مات الإنسان قالت الملائكة بعضها لبعض: أيكم يرقى بروحه؟ فيقول هذا أنت، ويقول هذا أنت،

стр. 13

فقال: هم والله أطوع من أن يتدافعوا أمره، والله ما يرضى أبو الوزير الكاتب أن يتدافع فيوج الديوان بأمره، فكيف يرضى الله بذلك من ملائكته؟ وإنما تفسير ذلك أنه إذا مرض الإنسان قيل: من راقٍ يرقيه، فقال: قال أبو علي: فقد كان ينبغي لك أن تحتج بقوله ﵎ (وظن أنه الفراق) فإن ذلك يدل على أنه حيَ بعد، فقال له ابن أبي مريم: ولو كان لي هذا العقل كنت يحيى بن خالد. - ٤ - (١) وفي موسى بن يحيى بن خالد بن برمك يقول ابن أبي موسى الحلبي: ألا إنما موسى بن يحيى بن خالدٍ ... سماءٌ علينا بالرغائب تمطرُ على كل حال من يسارٍ وعلٍة ... فتروي كما تروى البقاعُ فتزهرُ وإن له في الحرب إن هي شمرت ... ودارت رحاها والقنا تتكسر سناناً شكا طول الحصار لشربةِ ... دماً من نحورٍ في الوغى تتفجر

стр. 14

فراغ

стр. 15

- ٢، ٣، ٤ - كتاب الأحداث لأبي جعفر محمد بن الأزهر وتاريخ محمد بن أبي الأزهر وتاريخ ابن أبي الأزهر والقطربلي

стр. 16

فراغ

стр. 17

قبل التعريف بم﴾ لف كتاب الأحداث لابد من تقديم بعض الحقائق الضرورية، فهنالك ثلاثة أشخاص قد يقع اللبس لدى الحديث عن جهودهم في علم التاريخ وهم: ١ - أبو عبد الله بن محمد الأزهر الأخباري وهو الذي ينقل عن أبن خلكان كثيراً من الأخبار المتصلة بيعقوب بن الليث الصفار وأخيه عمر (١) وقد ذهب دي سلان إلى أن هذا هو نفسه هو محمد بن أبي الأزهر الذي ذكره السخاوي ونسب اليه كتاباً كان اسمه " الهرج والأحداث " (٢) ، والفرق واضح في أن أحدهما " ابن الأزهر " والثاني " ابن أبي الأزهر " وهما يختلفان في الكنية، كما سأوضح. ٢ - أبو جعفر محمد بن الأزهر من عيسى الأخباري (٢٠٠، ٢٧٩) ، سمع من أبن الأعرابي وغيره، وله كتاب التاريخ وهو من خيار الكتب (٣) ، وهذا هو الذي نسب إليه أبن العديم الكتاب " الأحداث "، وغيره يقول: إن كتاب الأحداث لمحمد أبن أبي الأزهر (الآتي ذكره) . ٣ - أبو بكر محمد بن احمد بن مزيد (أو محمد بن مزيد) المعروف بابن أبي الأزهر وهو نحوي بوسنجي توفي سنة٣٢٥، وقد ضعفه المحدثون ونسبوه إلى

стр. 18

الكذب، وقد قرن أبن النديم باسمه المهرج والمرج في أخبار المستعين والمعتز (١) وكذلك فعل المسعودي حين قال: " وكتاب محمد بن أبي الأزهر في التاريخ وغيره، وكتابه المترجم بكتاب الهرج والأحداث " (٢) ، وهذا يعني أن كتاب " الهرج والأحداث " كتاب واحد ولعله أن يقابل ما سماه أبن النديم " الهرج والمرج " وهنا موضوع أشكال لأن أبن العديم وهو دقيق في نقله نسب كتاب الأحداث للمكني بأبي جعفر (رقم:٢) وعند السخاوي أن كتاب الهرج والأحداث لمحمد بن أبي الأزهر (دون ذكر للكنية) . فأين وجه الصواب في هذه القضية؟ من الصعب أن نخرج بحكم قاطع فأبو جعفر وأبو بكر كلاهما متعاصران إلا إن أبو بكر عمر طويلاً (إذ عاش أكثر من ثلاث وتسعين سنة) (٣) وكلاهما أخباري. والقطعة التي أوردها أبن العديم تتصل بعهد المعتز (وهو محور كتاب الهرج والأحداث الذي ينسبه صاحب الفهرست والمسعودي لأبن أبي الأزهر) ، وعلى فقد نقدر أن أبن العديم وقع في الوهم رغم دقته أو أن هناك كتابين بهذا العنوان أحدهما لأبي جعفر والثاني لأبي بكر. وما دام الرجحان في نسبة الكتاب يتجه نحو أب أبي الأزهر فلا بد من إشباع القول فيه وفيه جهوده العلمية: فقد كان الرجل متعدد المعارف، ويبدو أن النحو أستأثر باهتمام كبير ومنه عرف بأنه " مستملي المبرد " (٤) فهو قد أخذ عن المبرد وعن أحمد بن محمد بن منصور الخياط (٥) وعن العباس بن الفرج الرياشي (٦) ، ووصف

стр. 19

بأن كانت عند أخبار الرياشي (١) وعن أخذ القالي (٢) والسيرافي (٣) وأبو الفرج الأصبهاني والمعافى بين زكريا وأبو بكر أبن شاذان والدارقطني (٤) . وقد توقف الخطيب عن دور المحدث لديه وقرر بالخبر والأمثلة انه كان كذاباً يروي المناكير (٥) ، وأوردت له المصادر مقطوعين من الشعر، فالأولى (٦) : لا تدع لذةَ يوم لغدٍ ... وبع الغيَ بتعجيل الرَشَدْ إنها إن أُخرتْ عن وقتها ... باختداع النفس فيها لم تعد فافشل النفسَ بها عن شغلها ... لا تفكرْ في حميم وولد أو ما خُبَرْتَ عما قيل في ... مَثَلٍ باقٍ على مرَ الأبد " إنما دنياي نفسي فإذا ... تلفت نفسي فلا عاش أحد " والثانية هي: إذا كنتُ احتاجُ في حاجتي ... وأنت صديقيَ أن أُذْكِرَكْ فحقُك عندي إذ ما قضيت ... بعد اقتضائيَ أن أهجرك فلا حظَ فيك لذي حاجةٍ ... إذا كان حضك أن يعذرك ولأبن أبي الأزهر عدد من المؤلفات منها خارج نطاق التاريخ البحت: كتاب أخبار: كتاب أخبار عقلاء المجانين (٧) وكتاب أخبار قدماء البلغاء (٨) .

стр. 20

أما في ميدان التاريخ فقد وردت المؤلفات الآتية: (١) كتاب في التاريخ (أو في التاريخ وغيره) ، كما ذكر المسعودي وابن العديم (١) ، وكلاهما نقل عنه، فنقل عنه المسعودي خبراً متصلاً بالواقدي (٢) وآخر بأبي تمام (٣) . (٢) كتاب الهرج والمرج أو الهرج والأحداث، كما ذكر أبن النديم والمسعودي والسيوطي (٤) وينقل السخاوي عن سنان بن ثابت نقداً لهذا الكتاب جاء فيه: فألف كتاباً جعله رسالة لبعض إخوانه من الكتّاب، واستفتحه بجوامع الكلام في أخلاق النفوس وأقسامها من الناطقة والغضبية والشهوانية، وذكر لمعاً من الساسات المدنية مما ذكره أفلاطون في كتابه فيها من العشر المقالات، ولمعاً مما يجب على الملوك والوزراء، ثم خرج إلى أخبار زعم أنها صحَّتْ عنده ولم يشاهدها، ووصل ذلك بأخبار المعتضد بالله وذكر صحبته إياه وأيامه السالفة معه، ثم ترقى إلى خليفةٍ خليفةٍ في التصنيف مضادة لرسم الأخبار والتواريخ وخروجاً من عمل أهل التصنيف، وهو وإن أحسن فيه ولم يخرجه عن معانيه فإنما عيب لأنه خرج من صناعته، وتكلف ما ليس من مهنته (٥) ، ولو أقبل على علمه الذي أنفرد به من علم إقليدس والمقطعات والمجسطي والمدورات، ولو أستفتح آراء بقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس مخبراً عن الأشياء الفلكية والآثار العلوية والمزاجات الطبيعية والسبب والتأليف والنتائج والمقدمات، والصنائع والمركبات، ومعرفة الطبيعيات من الإلهيات والجواهر والهيئات ومقادير الأشكال، وغير ذلك من أنواع الفلسفة، لكان قد سلم مما

стр. 21

تكلفه، وأتى بما هو أليق بصنعته، ولكنَّ العارف بقدره معدوم، والعالم بمواضع الخلل مفقود (١) . هذا النقد نفسه أورده المسعودي في مروج الذهب (٢) ، ولكنه لم يوجهه إلى كتاب الهرج والأحداث وإنما وجهه إلى سنان بن ثابت نفسه، إذ قال: " ورأيت سنان بن ثابت بن قرة البحراني حين انتحل ما ليس من صناعته واستنتج ما ليس من طريقته قد ألف كتاباً جعله رسالة إلى بعض إخوانه من الكتاب؟. إلخ " ومن الواضح هنا أن الوهم قد تلبَّس بنصّ السخاوي لورود الخبر عن أبن أبي الأزهر وعن سنان متواليين في مروج الذهب، ومما يؤيد ذلك أن لا أحد يدفع ابن أبي الأزهر عن المشاركة في التاريخ، لأن المسعودي نفسه - وهو الذي ينقل عنه السخاوي - قد أباح لنفسه النقل عن تاريخ أبن أبي الأزهر، ثم أن المشهور بمعرفة إقليدس والمجسطي والمنطق والفلسفة والطب هو سنان بن ثابت، ولا علاقة لابن أبي الأزهر بهذه العلوم، فكيف يحثُّ على التزام خطة ليس لها فيه أدنى نصيب؟ (٣) كتاب في التاريخ اشترك في تأليفه مع القطربلي، وقد عرف المسعودي هذا الكتاب ونقل عنه دون أن يسميه، فحيث تجده يقرن بين الاسمين فمعنى ذلك أنه ينقل عن ذلك الكتاب، وذلك مثل قوله: حدث عبد لله بن الحسين بن سعد الكاتب (يعني القطربلي) وابن أبي الأزهر عن محمد بن يزيد النحوي المبرد؟ الخ (٣) . ونقل عنه الزبيدي في طبقات النحويين فقرة تتعلق بالمبرد (٤) ، كما اطلع ابن القارح عليه ونقل عنه حكاية عن أحد المتنبئين، وظن أنها تدور حول أبي الطيب المتنبي، فقال ابن القارح: حكى القطربلي

стр. 22

وابن أبي الأزهر في كتاب اجتمعا على تصنيفه، وأهل بغداد وأهل مصر يزعمون أنه لم يُصَنَّفْ في بغداد مثله لصغر حجمه وكبر علمه (ثم أورد حكاية المتنبي) (١) . وكان ردُّ أبي العلاء في توهين الحكاية أن المتنبي المذكور حبس بالعراق ولم يُعرف ذلك عن أبي الطيب لأنه إنما حبس في الشام (٢) ، وأما اجتماع اثنتين على تأليف كتاب فذلك من الزّول - في رأي أبي العلاء - وذلك متعذَّر في بني آدم، إذ كانت الجبلة على الخلاف وقلة الموافقة (٣) . وما عدَّه أبو العلاء عجيباً تؤكد وقوعه - رغم غرابته - تلك النقول الهامة التي أوردها ابن العديم في بغية الطلب. أما القطربليّ المشارك في هذا التأليف فاسمه كما ذكر المسعودي، وكما أكد ذلك أيضاً ابن العديم، عبد لله بن الحسين بن سعد الكاتب. ويؤخذ من خبر عابر في وفيات الأعيان (٤) أنه كان صديقاً ليحيى بن علي المنجم وأن هذا أقام عدة أيام " في قصف وشرب وصبوح وغبوق " بمنزله في الرحبة (٥) ، وعلى هذا ينتفي أن يكون القطربلي المشارك لابن ابي الأزهر في تأليف ذلك الكتاب هو الذي ذكره صاحب الفهرست باسم أحمد بن عبد لله بن الحسبن بن سعد بن مسعود القطربلي (٦) ، فهذا هو القطربلي الإبن، وكان مهتماً بالتاريخ مثل والده، وله كتاب التاريخ عمله إلى أيامه، وكتاب فقر البلغاء، وكتاب المنطق. أما القطربلي الأب فقد كان له مؤلفات تمثل جهداً مستقلاً عدا الجهد الذي بذله مع ابن أبي الأزهر في ذلك الكتاب المشترك. ويذكر المسعودي أن له: " كتاب التاريخ وأخبار الخلفاء من بني العباس وغيرهم " (٧) ، ويبدو أن هذا يعني

стр. 23

كتابين لا كتاباً واحداً أحدهما كتاب في التاريخ والثاني في أخبار الخلفاء، وأغلب الظن أن ما نقله المسعودي فإن مصدره هو كتاب التاريخ (١) ، وقد أكد النجاشي نسبة كتاب التاريخ له، وذكر أنه كان من خواص سيدنا أبو محمد (أي أنه كان من وجوه أهل الأدب) (٢) ، فهو يوصف الكتاب، وله في مروج الذهب ثلاث مقطعات من الشعر (٣) ، وكانت بينه وبين البحتري علاقة وثيقة (٤) . ومن الواضح أن كلا الرجلين ابن أبي الأزهر والقطربلي كان متشيعاً في ميوله. - ١ - (٥) سنة ٢٠٥: وقد كان أحمد المولّد وجّه من سرّ من رأى في جماعة من الأتراك لمعونة أيوب بن حمد عند محاربته محمد بن خالد بالسُّكَير، وأتبع بسيما أخي مفلح، وكان مقداماً سفاكا للدماء فملأ ايدهما من أموال محمد بن خالد وغيره من أموال بني المعمر، ثم كتب إليهما فلحقا صفوان، فأقام سيما معه، ومضى أحمد المولّد إلى قنسرين وحمص، وقتل أحمد المولد في طريقه خلقاً كثيراً، ثم وافى حمص، وبايع مؤمل وغطيف المعتز، فأقام أياماً بحمص، ثم اغتال غطيفاً فضرب عنقه صبراً ووجه برأسه إلى سرّ من رأى، وورد الخبر على المعتز بفتوح أحمد المولد، وتوجه في طريقه إلى الشام ومعه صفوان بن إسحاق إلى أهل باجدّا، فأقام عليهم وحاصرهم حتى دخلوا في طاعة المعتز وبايعوا، وتوجه إلى حران فأقام عليها ثلاثاً، وناوشوه شيئاً من القتال ثم فتحت فبايعوا المعتز، وتتبع كور قنسرين كورة كورة يفتحها ويبايع أهلها للمعتز، خلا حلب ومنبج وإنطاكية فإنهم أقاموا على طاعة

стр. 24

المستعين مع محمد بن هارون بن العوفية، فقتل منهم أبو العوفية مقتلة عظيمة، ثم دخل أحمد المولد البلد فبايعه أهلها. - ١ - (١) سنة ٢١٥: فيها [ولي حلب والعواصم بأسرها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين، استعمله عليها المأمون وعزل ابنه العباس بن المأمون] ثم عزل المأمون إسحاق بن إبراهيم في هذه السنة وأعاد ابنه العباس بن المأمون إلى الولاية وعقد لإسحاق ولاية مصر. وقد روي عنه إنشاد من الشعر، وحكى عنه أحمد بن محمد بن المدبر وأبو حشيشة، وكان أميراً عاقلاً متميزاً مذكوراً، وجيهاً كريم الأخلاق، وعظم أمره عند المتوكل حتى جعل إليه أمر القضاء، فعزل وولّى. - ٢ - (٢) وذكر الفضل بن مروان أن أشناس (٣) كان إذا سكر عربد، وكانت امرأته غالبة عليه، وكان يخافها خوفاً شديداً، فإذا بلغها عربدته شدت عليها ثيابها وأخذت قوسها وسهمها ووقفت بإزائه تشتمه وتهدد فينام، فشق ذلك على المعتصم فبعثني إليها أنكر عليها فعلها واعرفها محل أشناس وجلالته، وان هذا يغض منه فقالت: ما أجيبك إلا بحضرته، فلما حضر قالت له: أتكره ما أفعله أم تحبه؟ قال: بل احبه واسر به فقالت: ما عندي لك جواب غير هذا، قال: فرجعت للمعتصم فأخبرته فأمسك عنها. ومات أشناس سنة ثلاثين ومائتين في شهر ربيع الأول.

стр. 25

- ١ - (١) سنة ٢٢٦: وفيها مات إسحاق بن عيسى الطباع بأذنه - ٢ - (٢) سنة ٢٨٢: وفي شعبان منها كان الفداء بين المسلمين والروم على يد أحمد ابن طغان (٣) وورد كتاب فيه: أعلمك أن أحمد بن طغان نادى في الناس بحضور الغداء نادي في الناس بحضور الغداء، وأنه صلّى في الجامع وركب منه، ومعه راغب ومواليه ووجوه البلد والقواد والموالي والمطوعة، بأحسن زي وأكمل عدة، ووقع الفداء يوم الثلاثاء لتسع خلون منه، فأقاموا على ذلك اثني عشر يوماً، فكان جملة من فدي به من المسلمين من رجل وإمرأة وصبي ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس، وأنصرف الفريقان، وخرج أحمد بن طغان وأستخلف على طرسوس دميانة ولم يعد إلى طرسوس. ولما كان في هذا الشهر - يعني في صفر سنة أربع وثمانين - وافى يوسف بن البغامردي يخلف بن طغان على طرسوس، فهوى به دميانه، فوثب براغب، فنصر راغب وقبض على دميانه، وابن البغامردي وابن اليتيم، فقيدهم وبعث بهم إلى بغداد، وكتب أهل طرسوس إلى هارون بن خمارويه: لا توجه إلين إلينا واليا من قبلك، فإن اتانا قاتلناه، فكف عنهم، وبعثوا إلى المعتضد ليولي عليهم والياً. - ٣ - (٤) سنة ٢٨٩: وفي آخر هذه السنة ظهر رجل يقال له محمد بن عبد الله بن يحيي

стр. 26

من ولد إسماعيل بن جعفر العلوي بنواحي دمشق يدعو إلى نفسه واجتمع إليه خلق كثير من الأعراب وأتباع الفتن، فسار بهم اإلى دمشق وكان بهم طغج بن جف موالى أمير المؤمنين على مصر والشام، فلما بلغه خبره استعد لحربه، وتحصن بدمشق فحصر هذا العلوي بها وكانت بينهما وقعات. - ٤ - (١) سنة ٢٩٠: وفي هذه السنة جرت بين طغج بن جف وبين القرمطي حروب كثيرة، كلها على طغج، فكتب إلى هارون يستنجده، فوجه إليه من مصر جيشاً بعد جيش، وكان ذلك يهزمهم القرمطي، ثم وجه هارون بن خمارويه ببدر الحمامي، وكتب إلى طغج في معاضدته، وضمّ إليه وجوه القواد بمصر والشام. وخرج إلى القرمطي كان بينهم حروب كثيرة أتت على أصحاب بدر الحمامي. وكان هذا القرمطي قد جعل علامته ركوبَ جملٍ من جماله، وترك ركوب الدواب، ولبس ثياباً واسعة وتعمم عمة أعربية، وأمر أصحابه ألا يحارب أحداً وأن أُتِيَ عليهم، حتى ينبعث الجمل من قبل نفسه من غير أن يثيره أحد، فكانوا إذا فعلوا ذلك لم يهزموا، وكان إ ذا أشار بيده إلى ناحية من النواحي إنهزم من يحاربه، واستغوى بذلك الأعراب، فخرج إليه بدر يوماً لمحاربته فقصد القرمطي رجل من أصحاب بدر يقال له زهير بزانة فرماه بها فقتله، ولم يظهر على ذلك أصحاب بدر إلا بعد مدة، فطلب في القتلى فلم يوجد، وكان يكنى أبا القاسم. قال ابن أبي الأزهر: وحدثني كاتبه المعروف بإسماعيل بن النعمان - ويكنى بأبي المحمدين - وسبب هذه الكنية أنه وافى مع جماعه من القرامطة بعد الصلح وقبولهم الأمان من القاسم بن سيما وكان على طريق الفرات ومن عبد الله بن

стр. 27

الحسين بن سعد وكان على القابون، فكان القاسم بن سيما يكنى أبى محمد وصاحب الخرائط قرابة أبي مروان يكنى أبا محمد فكنى إسماعيل هذا أبا المحمدين فبقي معروفاً بذلك، فحدثني إسماعيل عن هذه الوقعة قال: فصرت أليه غير مرة وهو راكب على نجيبه، وعليه دراعة ملحم، فقلت له: قد اشتد الأمر على أصحابنا، وقد قربوا منك، فتنح عن هذا الموضوع إلى غيره، فلم يرد علي جواباً ولم يثر نجيبه، فعدلت أليه ثانية فقلت له: قم، فانتهرني ولم يرم إلى أن وافته زانة - أو قال: حربة فسقط عن البعير، وكاثرنا من يريد أخذه فمنعنا منه، وقتل زهاء مائة إنسان في ذلك الموضوع، ثم أخذنا وتنحينا بأجمعنا. فقلت: أهذا الذي أقمتموه مقامه أهو أخوه؟ فقال: لا والله ما نعلم ذلك، غير أنه وافانا قبل هذه الحادثة بيومين فسألناه من أنت من الأمام؟ فقال: أنا أخوه، ولم نسمع من الشيخ شيئاً في أمره - يعني المتكني بأبي القاسم وكان هذا المدعي أخاه يكنى أبا العباس، وأسمه أحمد بن عبد الله، فعقد لنفسه البيعة على القرامطة، ودعاهم إلى مثل ما كان أخوه يدعوهم إليه، فاشتدت شوكته، ورغبت البوادي في النهب، وانثالت عليه أنثيالاً، وذلك في آخر شهر ربيع الآخر من هذه السنة، ثم صار إلى دمشق فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه، فانصرف عنهم، ثم سار إلى أطراف دمشق وحمص فتغلب عليها وخطب له على منابرها، وتسمى بالمهدي، ثم صار إلى مدينة حمص فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها فدخلها، ثم صار إلى حماة وسلمية وبعلبك فاستباح أهلها وقتل الذراري ولم يبق شريفاً لشرفه ولا صغيراً لصغره ولا امرأة لمحرمها، وقتل أهل الذمة وفجروا بالنساء. حدثني من كان معهم قال: رأيت عصاماً سيافه وقد اخذ من بعلبك امرأة جميلة جداً، ومعها طفل لها رضيع، فرأيته والله قد فجر بها، ثم أخذ الطفل بعد ذلك فرمى به قطعتين، ثم عدل إلى أمه بذلك السيف نفسه فضربها به فبترها. فلما اتصل عظيم خبرهم إقدامهم على انتهاك المحارم ودام، خرج أمير المؤمنين المكتفي بالله متوجهاً نحوه يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر رمضان في قواده ومواليه وغلمانه وجيوشه، وأخذ على طريق

стр. 28

الموصل، ثم صار إلى الرقة وأقام بها، وأنفذ الجيوش نحو القرامطة، وقلد القاسم ابن عبيد الله بن سليمان تدبير أمر هذه الجيوش، فوجه القاسم: محمد بن سليمان الكاتب صاحب الجيش خليفةً له على جميع القواد، وأمرهم بالسمع والطاعة، فنفذ عن الرقة في جيش ضخم وآلة جميلة وسلاح شاك، وكتب إلى جميع القواد والأمراء في النواحي بالسمع له والطاعة لأمره، وضم محمد بن سليمان القواد بعضهم إلى بعض، وصمد نحو القرمطي، فلم يزل يعمل التدبير ويذكي العيون ويشاور ذوي الرأي ويتعرف الطرقات إلى أن دخلت سنة إحدى وتسعين. وفي أول السنة كتب أمير المؤمنين إلى محمد بن سليمان وإلى سائر القواد ومناهضة القرمطي فساروا إليه، فالتقوا على اثني عشر ميلاً من حماة في موضع بينه وبين سليمة، فاشتدت الحرب بينهم وصدقوهم القتال، فتجمع القرامطة وحملوا على الميمنة حملة رجل واحد، فثبت الأولياء فمروا صادفين عنها وجعلوها هزيمة، ومنح الله أكتافهم، وقتل منهم وأسر أكثر من عشرة آلاف رجل، وشرد الباقون في البوادي، واستمرت بهم الهزيمة، وطلبهم الأولياء إلى وقت صلاة عشاء الآخرة من ليلة الأربعاء لسبع خلون من المحرم. ولما رأى القرمطي ذلك ورأى من بقي من القرامطة قد كاعوا عنه حمل أخاً له يدعى أبا الفضل مالاً وتقدم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع آخر فيصير إليه. وتجمع رؤساء القرامطة وهم الذين كانوا صاروا إلى رحبة مالك بن طوق فطلبوا الأمان، وهم أبو المحمدين والنعمان بن أحمد وأحمد بن النعمان أخو أبي المحمدين ووشاج وعطير وشديد بن ربعي وكليب من رهط النحاس وعصمة السياف وسحيفة رفيقة ومسرور وغشام، فقالوا للقرمطي وهو صاحب الخال: وقد وجب حقك علينا، وقد رأيت ما كان من جدنا واجتهادنا، ومن حقك علينا أننا ندعك ورأيك، وإنما يطلبنا السلطان بسببك، فانج بنفسك، فأخذ ألف دينار فشدها في وسطه في هميان، وأخذ معه غلاماً له رومياً يقال له لؤلؤ كان يهواه ويحل من محل بدر من المعتضد بالله، وركب معه المدثر، وكان يزعم أنه أبن عمه، والمطوق غلامه، ومع كل واحد هميان في وسطه، فأما المطوق وهو أتخذ له سخابٌ وقت دخوله إلى مدينة السلام

стр. 29

فإني سألت عنه أبا المحمدين فذكر لأن رجل من أهل الموصل، وأنه صار إلى الأمام بزعمه، فجعل يورق له ويسامره، ولم يعرف قبل ذلك الوقت، واخذ دليلاً وسار يريد الكوفة عرضاً من البرية، فغلط بهم الدليل الطريق، وأخرجهم بموضع بين الدالية والرحبة يقال له بنو محرز، فلما صاروا إلى بني محرز نزلوا خارج القرية في بيدر عامر فأخرجوا دقيقاً كان معهم في مزود واقتدحوا ناراً واحتطبوا ليخبزوا هناك، وكان وقت مغيب الشمس، فعلا الدخان، وأرتاب الموكلون ببني محرز من أصحاب المسالح بما رأوه، فأموا الموضع فلقوا الدليل، فعرفه بعضهم فقال: ما وراءك؟ قال: هذا القرمطي وراء الدالية، فشدُّوا عليهم فأخذوهم، وكتبوا إلى أبي خبزة وهو في الدالية يعلمونه بهذا، فأتاهم ليلاً فأخذهم وصار بهم إلى الدالية، وأخذ من وسط غلام له همياناً فيه ألف دينار ومن وسط المدثر مثل ذلك، وأخذ الهميان الذي كان مع القرمطي، ووكل بهم في دارٍ بالدالية، وكتب إلى أحمد بن محمد بن كشمرد، وهوبالرحبة، يخبره، فأسرع السير اليهم، فلنا وافى احتبس القرمطي في بيت لطيف في مجنب الحيري. فحدثني بعض اهل الدالية قال: لما وافى ابن كشمرد سأل القرمطي: ماذا اُخِذَ منك؟ قال: ما أُخِذَ مني شيء، فقال له المطوق: أتبغي من الإمام ما لا يحسن منه الإقرار به؟ ودعا بالبزاز فأخذ ثياباً، ثم دعا بالخياط ليقطع للقرمطي تلك الثياب، فقال الخياط للقرمطي: قمْ حتى أقدِّرَ الثوبَ عليك، فقال المطوق للخياط: أتقول يا أبن اللخناء للإمام قم؟ اقطع - ثكلتك أمك - على سبعة أشبار. وصار أبن كشمرد وأبو خبزة بالقرمطي إلى الرقة، ورجعت جيوش أمير المؤمنين بعد أن تلقطوا كل من قدروا عليه من أصحاب القرمطي في أعمال حمص ونواحيها. وورد كتاب القاسم بن عبيد الله بأن القرمطي أُدخلَ الرقةَ ظاهراً للناس على جملٍ فالج، وعليه برنس حرير ودراعة ديباج، وبين يديه المدثر والمطوق على جملين، في يوم الاثنين لأربع ليال من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين، حتى صير بهم إلى دار أمير المؤمنين بالرقة، فأوقفوا بين يديه، ثم أمر بهم فحبسوا، واستبشر الناس والأولياء بما هناه الله في أمر هذا القرمطي، وقرظ أمير المؤمنين

стр. 30

القاسم بن عبيد الله في هذا الوقت وأحمده فيما كان من تدبيره في أمر هذا الفتح، وخلع عليه خلعةً شرَّفه بها، وقلده سيفاً، ولقبه بولي الدولة، وانصرف إلى منزله بالرقة. وخلف أمير المؤمنين عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص من الرقة في غلمانه ووجوه من أصحابه وحرمه، وشخص معه أبو الحسين القاسم بن عبيد الله إلى بغداد، وجعل معه القرمطي والمدثر والمطوق وجماعه ممن أسر في الوقعة، مستهلَّ صفر، وقعد في الحراقات في الفرات، ولم يزل متلوماً في الطريق حتى وصل إلى البستان المعروف بالبشرى ليلة السبت لليلتين بقتا من صفر، فأقام به، ثم عبر من هناك إلى الجانب الشرقي، فعبأ الجيوش بباب الشماسية، وكان أمير المؤمنين قد عزم على أن يدخل القرمطي بغداد مصلوباً على دقل، والدقل على ظهر فيل، وأمر بهدم الطاقات التي يجتاز بها الفيل إذا كانت أقصر من الدقل، ثم استسمج ذلك، فعمل له دميانة غلام بازمار كرسياً ارتفاعه ذراعان ونصف، وأجلسه عليه وركّبَ الكرسيَ على ظهر الفيل، فدخل أمير المؤمنين مدينة السلام صبيحة يوم الاثنين مستهل ربيع الأول في زي حسن وتعبئة وجيش كثيف وآلة تامة وسلاح شاك، وقدَّم الأسرى على جمال مقيدين عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، ثم قدم المدثر بين يدي القرمطي فألج وعليه دراعة ديباج وبرنس حرير، ثم دخل دخل أمير المؤمنين خلفه حتى أشتق مدينة السلام إ لى قصره المعروف بالحسني، والقاسم بن عبيد الله خلفة. وأمر بالقرمطي والمدثر فأدخلا الحبس بالحسني، ووجه بالأسرى إلى الجبس الجديد بالجانب الغربي، ومضى المتكفي من ساعته من الحسني إلى الثريا بعد أن خلع على أبي الحسين القاسم بن عبيد الله وانصرف إلى منزله. ووافى محمد بن سليمان بعد أن إصلاحه الأمور، وتلقطه جماعة من قواد القرمطي وقضاته وأصحاب شرطة، فأخذهم وقيدهم وأنحدر والقواد الذين تخلفوا معه إلى مدينة السلام فوافى بغداد إلى الباب المعروف بباب الأنبار ليلة الخميس لإحدى عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان قد أمر القواد جميعاً بتلقي محمد بن سليمان والدخول معه إلى بغداد، ففعلوا ذلك، ودخل محمد بن سليمان صبيحة يوم الخميس وبين يديه نيف وسبعون أسيراً غير من أسمينا، والقواد معه

стр. 31

حتى صاروا إلى دار أمير المؤمنين بالثريا، فدخلوا عليه، وأمر أن يخلع على محمد أبن سليمان ويطوق بطوق ذهب ويسور بسوارين، وخلع على جميع القواد القادمين معه وطوقوا وسوروا وانصرفوا إلى منازلهم، وأدخل الأسرى إلى الحبس الجديد بمدينة السلام في الجانب الغربي منها. فلما كان في يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأول بنيت دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي الذي تخرج إليه الثلاثة الأبواب ومن باب خرسان، تكسير ذراعها عشرون ذراعاً، وجعل لها أربع درج يصعد منها إليها، وأمر القواد جميعاً بحضور هذه الدكة، ونودي بذلك في الناس أن يحضروا عذاب القرامطة ففعلوا، وكثر الناس في هذا الموضع، وحضر القواد والواثقي المتقلد للشرطة بمدينة السلام، وحضر محمد بن سليمان، فقعدوا جميعاً عليها، وأحضروها وثلاثمائة ونيفاً وعشرين إنساناً ممن كان اسر قديماً ومن جاء به محمد بن سليمان، وأحضر القرمطي والمدثر فاقعدوا، نيف وثلاثون إنساناً من هؤلاء الأسارى من وجوههم، فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم ثم قطع القرمطي فضرب مائتي سوط، ورش على الضرب الزيت المغلي وكوي بالجمر، ثم قطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، فلما قتل وانصرف القواد وأكثر الناس ممن حضر للنظر إلى عذاب القرمطي، وأقام الواثقي إلى وقت العشاء الآخرة في جماعة من أصحابه حتى ضرب أعناق باقي الاسارى، ثم انصرف. فلما كان يوم الأربعاء لست بقين من هذا الشهر، صير ببدن القرمطي إلى باب الجسر الأعلى من الجانب الشرقي فصلب هناك، وحفر لأجساد القتلى آبار إلى جانب الدكة فطرحوا فيها وطمت، فلما كان بعد أمر بدهم الدكة وتعفية أثرها، ففعل ذلك. - ٥ - (١) سنة ٢٩٣: قال ابن أبي الأزهر: وفيها ورد الخبر بأن أخا الحسين زكرويه المعروف بصاحب الشاملة ظهر بالبداية من طريق الفرات في نفر، واجتمع إليه

стр. 32

جماعة من الأعراب، وسار بهم إلى إلى نحو دمشق، فعاث في نواحيها، فندب للخروج إليه حسين بن حمدان، فخرج في جماعة وورد الخبر برجوعه إلى الدالية. فحدث محمد بن داود بن الجراح أن زكرويه بعد قتل صاحب الشامة انفذ رجلاً كان معلماً للصبيان يقال له عبد الله بن سعيد، فتسمى نصراً ليخفى أمره، فدار في أحياء كلب يدعوهم إلى رأيه، فاستجاب له جماعة من صعاليكهم وسقاطهم وسقاط العليصيين، فسار بهم إلى بصرى وأذرعات من كورتي حوران والبثنية، فقتل وسبى وأخذ الأموال. قال أنفذ زكرويه رجلاً يقال له القاسم بن أحمد داعية فصار إلى نحو رستاق نهر ملخانا، قال: فالتفت به طائفة فساروا حتى الكوفة حتى صبحوها غطاة يوم النحر، وهم غارون فوافو باب الكوفة عند انصراف الناس من المصلى، فأوقعوا بمن قدروا عليه وسلبوا وقتلوا نحواً عشرين رجلاً، وكان رئيسهم هذا قد حملوه في قبة يقولون: هذا أبن رسول الله، وهو القاسم بن أحمد داعية زكروية وينادون: يا ثارات الحسين، يعنون بالحسين صاحب الشامة، وشعارهم يا محمد يا أحمد، يعنون أبني زكروية ويموهون بهذا القول على أهل الكوفة، ونذر بهم الناس فرموهم بالحجارة من المنازل. ٦ - (١) سنة ٣٠٢: وفيها جلس الوزير علي بن عيسىللنظر في المظالم، وأحضر مجلسه المتنبي (٢) وكان محبوساً ليخلي سبيله، فناظره القضاة والفقهاء، فقال: أنا أحمد النبي، ولي علامة في بطني خاتم النبوة، وكشف عن بطنه وأراهم شبيهاً بحبسه في المطبق.

стр. 33

٥ - (١) سير الثغور لأبي عمر وعثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي ١٠٠/ - ١٠١٠

стр. 34

فراغ

стр. 35

نسبة أبو عمرو إلى طرسوس قد تشير إلا أنه ولد فيها، وفيها تلقى علمه، ولقي عدداً من شيوخها ومن المقيمين فيها وروى عنهم الحديث مثل أبي الحسن أحمد بن محمد بن سلام الطرسوسي وأبن العلاف محمد بن عيسى البغدادي وأبي عمران موسى بن القاسم الأشيب القاضي، وقرأ فيها على أبي بكر الإسكاف، وسمع كتاب القراءات لأبن مجاهد على إسحاق بن خلود، ثم أرتحل في طلب العلم، فسمح بدمشق وبطرابلس وغيرهما من بلاد الشام. وتولى القضاء بمعرة النعمان ثم بكفرطاب ن وكان حسن الخط رغم سرعته في الكتابة، فنسخ كثيراً وجمع وصنف، فقد رأى ياقوت بخطه كثيراً من كتب الأدب والشعر، كما جمع دواوين لشعراء عصره ممن عاصر سيف الدولة،ابنه مثل أبي العباس الصفري، وصنف كتاباً في أخبار الحجاب. أما كتابه " سير الثغور " فإنه يدل على علاقة وثيقة بثغر طرسوس، ومعرفة تامة بخططه، وعدد كبير من الصلحاء والأئمة والمجاهدين الذين عاشوا فيه، وفيه شهادات سماعية عن بعض فرسان طرسوسمثل يمن بن عبد الله الربداني، وأبان أبن أحمد بن أبن، وأعينها مثل أحمد بن هارون الكوفي، ومجاهديهما مثل أبي الطيب الجرجرائي وغيرهم، وهو يتحدث في كتابه اعتماداً على المشاهدة: " وقد رأيت في هذا المسجد (مسجد طرسوس) ما لا أحصي..) . وقد ألف الطرسوسي هذا الكتاب للوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات (١) وهو

стр. 36

وزير كافور المعروف بابن حنزابة (٣٠٨؟ ٣٩١/ ٩٢١ - ١٠٠١) (١) وكان رجلاً مكرماً للعلماء محباً لهم. وحديثه في الكتاب يدل على أن ذلك الثغر كان ما يزال قائماً بدوره وناسه كما عرفهم أبو عمر، ونحن نعرف ان نقفور قد أنهى " دور الرباط " الذي اضطلعت به طرسوس سنة ٣٥٤، وهذا يعني أن تأليف ذلك الكتاب تم بعد ذلك الحادث، وهو أمر مقبول من الوجهة الزمنية بالنسبة لحياة المؤلف وحياة الوزير نفسه، ولكننا لا ندري أية صلة للطرسوسي بمصر، إذ معظم نشاطه الذي نعرفه كان محصوراً في نطاق الديار الشامية. كذلك فأن عنوان الكتاب " سير الثغور " يعني انه يشمل ثغوراً أخرى عدا طرسوس (أنظر الملحقات) . ١ - (٢) [قال في ذكر طرسوس ومنازلها] :ويلاصق شارع البرامكة إلى جهة الغرب دار راغب مولى الموفق بالله (٣) وهي الدار الصغيرة، فيها مواليه وموالياته وأولادهم في حُجَرٍ مفروزة، وكانت الرياسة فيهم إلى بشرى الراغبي، ثم انتقلت إلى أحمد ابن بشرى ووقوفهم بنقابلس وغيرها، وضياع في أعمال طرسوس بنواحي باب قَلَمْيَة (٤) منها ما يضمن ومنها ما يُقَوّم. . تم تسير فتجد عجالين؟ يسارك إلى دار راغب الكبيرة، وهي على مثال

стр. 37

دار السيدة غير أن تلك على فناء، وفي هذه الدار خدم وشيخ من الفرسان المقدمين منهم أبو هلال الراغبي؟ - ٢ - (١) وفي هذا الدار [يعني دار راغب الكبرى] خدم وشيوخ من الفرسان المتقدمين منهم ابو هلال الغرابي، أدركته أنا وهو ابن قريب من مائة سنة. وحدثني أبو الطيب يمن بن عبد الله الزبداني، أحد فرسان طرسوس وقوادها، أنهم كانوا في بعض المغازي، فوافوا العدو، فظفر أبو هلال الخادم الراغبي بالمرلس أحد فرسان الروم، فأخذه أسيراً، فعرفه المرلس نفسه وقال: أبق علي فأنا المرلس، فدفعه إلى بعض السواس أو المكارين وقال له: امض به إلى الأمير ثمل (٢) وعرفه انك أنت أسرته ليدفع إليك ما جرى الرسم بمثله في من أخذ أخيذاً. فلما فلما حصل عند ثمل قال له: من أسرك؟ قال: رجل خادم من حاله وعلامته، وجدته على فرس من شيته، والة ٍ وسلاح هو كذا وكذا، قال له ثمل: وما أخذك هذا السائس؟ قال: لا، فأذن فأذن ثمل للناس في المقام في ذلك المنزل، وكان إذا أقام العسكر في بلاد الروم بمكان نودي: ألا إن الأمير مقيم ليتسع الناس في الذبائح وغيرها من المآكل، ومن عرض له قبل الأمير مهم قصد في مضربه فقضى وطره. فلما أقام أتاه المسلمون بالتهنئة بالفتح وبالمظفر بالمرلس، والمرلس جالس بقرب ثمل مناجاته، فكلما دخل رجل للسلام قال له ثمل: أهذا الذي أسرك؟ فيقول: لا حتى جاء أبو هلال الراغبي فقام المرلس قائماً، وسجد لأبي هلال تعظيماً، قال لثمل: أيها الأمير هذا الذي أسرني، فقال أبو هلال: ما أعرف شيئاً مما تقول ولا هو أخيذي، فاستحلفه ثمل بحياته، فقال: نعم إلا أنه ليس من المروة أن يظهر الرجل حسن أفعاله، وإنما

стр. 38

يحسن بالإنسان أن يحدث عنه غيره بما يأتي من الجميل. قال ثمل: يا أبا هلال لو غيرك أخذ المرلس لم يسعنا معه أرض النصرانية ولا أرض الإسلام، قال أبو هلال: فأطلق للسائس أن يتكلم، قال ثمل: لا رونق للكذب ولا نفاذ. - ٣ - (١) [ذكر سكة تعرف بابن دينار بطرسوس وقال] :فيها دور بني جهور القضاة، وآخر من مات منهم القاضي أبو الطيب ابن جهور وعنه كتبنا كتاب الفرائض تصنيف احمد بن فهد بن خالد بن مقرن، توفي عن خمسمائة ألف درهم سوى دوره وضياعه، وخلف ولدين وأبنة فأما الولد الذكر فإنه أنفق جميع ما خصه من ميراثه عن ابيه في مدة ثمانية أشهر كما ينفقه الشباب في بطالتهم، وتوفي ودفن إلى جانب أبيه. - ٤ - (٢) وفي الشارع [يعني شارع النهر بطرسوس] من الدور المذكورة دار ابن القحطبي على ضفة نهر بردان؟ وفيها كان يسكن أبو القاسم القحطبي أحد صلحاء الصوفية وأبو القاسم الأبار أحد الزهاد الأخيار. - ٥ - (٣) [في ذكر المسجد الجامع بطرسوس] : وفي هذا المسجد أقوام معروفون راتبون لا يقرأ عليهم، متوجهون إلى القبلة يصلون نافلة نهارهم أجمع إلا في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، لا يشغلهم عن ذلك إلا النداء بالنفير أو الغزو، أو

стр. 39

تجديد أوتشييع جنازة من يموت من الصالحين، أو عيادة مريض من المجاهدين، منهم ابو يعقوب بن إبراهيم الشهرزوري، ما زال لازماً للجانب الغربي من منبر طرسوس عشرين سنة لا يفارقه، إذا أخذ المؤذنون في أذان صلاة الظهر ختم القرآن قائماً مصلياً أو كاد يختم، ثم يصلي من الظهر إلى العصر كذلك، هذا دأبه إلى أن مات، ﵀. - ٦ - (١) وقد رأيت في هذا المسجد ما لا أحصي، فممن أذكره وأعرف أبو يعقوب إسحاق بن خلاد التيلمي، وقد قرأت عليه مراراً عدة قراءات، وسمعت منه كتاب القراءات، لأبي بكر أبن مجاهد من أوله إلى آخره، فمر في مجلسه الذي يقرأ فيه أكثر من ثلاثين شيخاً قراء أستاذين عباداً يشار إليهم بالفضل والنبل والورد والزهد. فأما قوام إسحاق بن خلاد فإنه كان إذا فرغ صحى كل يوم من دراسة من يقرأ عليه صار إلى بستان قد فارق صاحبه على أجرته لعمله في كل يوم قبل شيءً من القت معلوم بثلثي درهم، ينفق من ذلك في مئونته ومؤونة زوجته ثلث درهم ويتصدق بما يبقى، ولم يذق شيئاً من الفاكهة بيده أربعين سنة، وعمله في البستان، وهو يسرد الصوم خمسين سنة، وهذا دأبه. - ٧ - (٢) وفي هذا المسجد [مسجد طرسوس] زبرج الثلمي الأسود، ترك اللذة وزينة الدنيا في أيام ثمل ﵀ وحفظ القرآن وبرع فيه وتنسك وجعل قوته من المباح وقوام عيشه مما يجمعه منه من سنة إلى سنة، وكان يأوي إلى دويرة له بباب الصاف، طريقه أليها على رجل يعرف بأبي الحسن أبن العلاء الأذني وكان ابن

стр. 40

العلاء هذا من تناء مدينة أذنة وأحد وجوهها ويظهر حب الصالحين ويداخل أهل حصن أولاس ومن يجري مجراهم، فوشى به إلى بني عبد الباقي من أفسد حاله معهم، واقتضت الصورة أن ينحاز على أذنة إلى طرسوس لأنها كانت ملجأ كل طريد وعصمة كل شريد، وكان ذا لسان وحال، فحدث زبرج الثلمي من يأنس به أن أبن العلاء هذا سأله مراراً ورغب أليه أن يجعل إفطاره عنده وأنه لما أكثر عليه استحي منه فأجابه، فقدم له طعاماً عند زبرج بمأكل منه بعيد، فنال منه زيادة على العادة من قوته وما وظفه على نفسه وجاء إلى منزله فقام إلى وردة فلم يطق القيام لغلبة النوم عليه، فنام ورأى في منامه رجلاً أسود قد تناول عصا أطول ما يكون يضرب بها زبرجاً ولا يقلع عنه ويكرر عليه، قال زبرج: فقلت يا هذا كم تضربني، ولأي ذنب تضربني؟ قال: الساعة أقول لك، فما زال ينتبه في منامه وتغلب عليه ويعود الأسود لضربه، ويسأله زبرج عن ذنبه ليتنصل منها ويعتذر إليه، فلما بلغ فيه غايةَ ما يكره وكدَّه وتعسّفه بالضرب المبرّح، قال له: يا زبرج أتأكل طعامَ ابنِ العلاء؟ هذا الضربُ لذلك. قال فقلت: فإني لا أعود، قال: إن عدتَ عدنا. فأصبح كئيباً مهموماً، واجتاز بابن أبي العلاء (١) لأنه على مدرجةِ طريقه وقد استحكم طَعَمه فيه، فعاوده يسألُ أن يفطرَ عنده، فأبى، وعاوده وسأله ورغب إليه وقبّل بين عينيه ويديه ورجليه فقال: يا هذا ما يمكنُ بعدها أن أذوق لك طعاماً، فضيق عليه موضع الاعتذار، فحدثه بما رأى في منامه، ففارقه ولم يعدْ لمثلها. وخرج زبرج عن طرسوس، وخواصُّ الناس ينظرون إليه نظرهم إلى أبي الخير صاحب التينات أو أفضل، لأن زبرجاً من القراء المجاهدين، وحصل ببيت المقدس يشار إليه ومات بها رحمة الله عليه [قال ابن العديم: أظن أن زبرجاً خرج من طرسوس إلى بيت المقدس لما استولى نقفور على طرسوس في شعبان سنة ٣٥٤والله أعلم] . - ٨ - (٢) وقد صلى بأهل هذا المسجد أئمة من أهل العفاف والستر، واليقين والتقوى
следующие страницы →