← История

История · id 1023

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ

إحسان عباس

Полный текст (467 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وزير كافور المعروف بابن حنزابة (٣٠٨؟ ٣٩١/ ٩٢١ - ١٠٠١) (١) وكان رجلاً مكرماً للعلماء محباً لهم. وحديثه في الكتاب يدل على أن ذلك الثغر كان ما يزال قائماً بدوره وناسه كما عرفهم أبو عمر، ونحن نعرف ان نقفور قد أنهى " دور الرباط " الذي اضطلعت به طرسوس سنة ٣٥٤، وهذا يعني أن تأليف ذلك الكتاب تم بعد ذلك الحادث، وهو أمر مقبول من الوجهة الزمنية بالنسبة لحياة المؤلف وحياة الوزير نفسه، ولكننا لا ندري أية صلة للطرسوسي بمصر، إذ معظم نشاطه الذي نعرفه كان محصوراً في نطاق الديار الشامية. كذلك فأن عنوان الكتاب " سير الثغور " يعني انه يشمل ثغوراً أخرى عدا طرسوس (أنظر الملحقات) . ١ - (٢) [قال في ذكر طرسوس ومنازلها] :ويلاصق شارع البرامكة إلى جهة الغرب دار راغب مولى الموفق بالله (٣) وهي الدار الصغيرة، فيها مواليه وموالياته وأولادهم في حُجَرٍ مفروزة، وكانت الرياسة فيهم إلى بشرى الراغبي، ثم انتقلت إلى أحمد ابن بشرى ووقوفهم بنقابلس وغيرها، وضياع في أعمال طرسوس بنواحي باب قَلَمْيَة (٤) منها ما يضمن ومنها ما يُقَوّم. . تم تسير فتجد عجالين؟ يسارك إلى دار راغب الكبيرة، وهي على مثال

стр. 37

دار السيدة غير أن تلك على فناء، وفي هذه الدار خدم وشيخ من الفرسان المقدمين منهم أبو هلال الراغبي؟ - ٢ - (١) وفي هذا الدار [يعني دار راغب الكبرى] خدم وشيوخ من الفرسان المتقدمين منهم ابو هلال الغرابي، أدركته أنا وهو ابن قريب من مائة سنة. وحدثني أبو الطيب يمن بن عبد الله الزبداني، أحد فرسان طرسوس وقوادها، أنهم كانوا في بعض المغازي، فوافوا العدو، فظفر أبو هلال الخادم الراغبي بالمرلس أحد فرسان الروم، فأخذه أسيراً، فعرفه المرلس نفسه وقال: أبق علي فأنا المرلس، فدفعه إلى بعض السواس أو المكارين وقال له: امض به إلى الأمير ثمل (٢) وعرفه انك أنت أسرته ليدفع إليك ما جرى الرسم بمثله في من أخذ أخيذاً. فلما فلما حصل عند ثمل قال له: من أسرك؟ قال: رجل خادم من حاله وعلامته، وجدته على فرس من شيته، والة ٍ وسلاح هو كذا وكذا، قال له ثمل: وما أخذك هذا السائس؟ قال: لا، فأذن فأذن ثمل للناس في المقام في ذلك المنزل، وكان إذا أقام العسكر في بلاد الروم بمكان نودي: ألا إن الأمير مقيم ليتسع الناس في الذبائح وغيرها من المآكل، ومن عرض له قبل الأمير مهم قصد في مضربه فقضى وطره. فلما أقام أتاه المسلمون بالتهنئة بالفتح وبالمظفر بالمرلس، والمرلس جالس بقرب ثمل مناجاته، فكلما دخل رجل للسلام قال له ثمل: أهذا الذي أسرك؟ فيقول: لا حتى جاء أبو هلال الراغبي فقام المرلس قائماً، وسجد لأبي هلال تعظيماً، قال لثمل: أيها الأمير هذا الذي أسرني، فقال أبو هلال: ما أعرف شيئاً مما تقول ولا هو أخيذي، فاستحلفه ثمل بحياته، فقال: نعم إلا أنه ليس من المروة أن يظهر الرجل حسن أفعاله، وإنما

стр. 38

يحسن بالإنسان أن يحدث عنه غيره بما يأتي من الجميل. قال ثمل: يا أبا هلال لو غيرك أخذ المرلس لم يسعنا معه أرض النصرانية ولا أرض الإسلام، قال أبو هلال: فأطلق للسائس أن يتكلم، قال ثمل: لا رونق للكذب ولا نفاذ. - ٣ - (١) [ذكر سكة تعرف بابن دينار بطرسوس وقال] :فيها دور بني جهور القضاة، وآخر من مات منهم القاضي أبو الطيب ابن جهور وعنه كتبنا كتاب الفرائض تصنيف احمد بن فهد بن خالد بن مقرن، توفي عن خمسمائة ألف درهم سوى دوره وضياعه، وخلف ولدين وأبنة فأما الولد الذكر فإنه أنفق جميع ما خصه من ميراثه عن ابيه في مدة ثمانية أشهر كما ينفقه الشباب في بطالتهم، وتوفي ودفن إلى جانب أبيه. - ٤ - (٢) وفي الشارع [يعني شارع النهر بطرسوس] من الدور المذكورة دار ابن القحطبي على ضفة نهر بردان؟ وفيها كان يسكن أبو القاسم القحطبي أحد صلحاء الصوفية وأبو القاسم الأبار أحد الزهاد الأخيار. - ٥ - (٣) [في ذكر المسجد الجامع بطرسوس] : وفي هذا المسجد أقوام معروفون راتبون لا يقرأ عليهم، متوجهون إلى القبلة يصلون نافلة نهارهم أجمع إلا في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، لا يشغلهم عن ذلك إلا النداء بالنفير أو الغزو، أو

стр. 39

تجديد أوتشييع جنازة من يموت من الصالحين، أو عيادة مريض من المجاهدين، منهم ابو يعقوب بن إبراهيم الشهرزوري، ما زال لازماً للجانب الغربي من منبر طرسوس عشرين سنة لا يفارقه، إذا أخذ المؤذنون في أذان صلاة الظهر ختم القرآن قائماً مصلياً أو كاد يختم، ثم يصلي من الظهر إلى العصر كذلك، هذا دأبه إلى أن مات، ﵀. - ٦ - (١) وقد رأيت في هذا المسجد ما لا أحصي، فممن أذكره وأعرف أبو يعقوب إسحاق بن خلاد التيلمي، وقد قرأت عليه مراراً عدة قراءات، وسمعت منه كتاب القراءات، لأبي بكر أبن مجاهد من أوله إلى آخره، فمر في مجلسه الذي يقرأ فيه أكثر من ثلاثين شيخاً قراء أستاذين عباداً يشار إليهم بالفضل والنبل والورد والزهد. فأما قوام إسحاق بن خلاد فإنه كان إذا فرغ صحى كل يوم من دراسة من يقرأ عليه صار إلى بستان قد فارق صاحبه على أجرته لعمله في كل يوم قبل شيءً من القت معلوم بثلثي درهم، ينفق من ذلك في مئونته ومؤونة زوجته ثلث درهم ويتصدق بما يبقى، ولم يذق شيئاً من الفاكهة بيده أربعين سنة، وعمله في البستان، وهو يسرد الصوم خمسين سنة، وهذا دأبه. - ٧ - (٢) وفي هذا المسجد [مسجد طرسوس] زبرج الثلمي الأسود، ترك اللذة وزينة الدنيا في أيام ثمل ﵀ وحفظ القرآن وبرع فيه وتنسك وجعل قوته من المباح وقوام عيشه مما يجمعه منه من سنة إلى سنة، وكان يأوي إلى دويرة له بباب الصاف، طريقه أليها على رجل يعرف بأبي الحسن أبن العلاء الأذني وكان ابن

стр. 40

العلاء هذا من تناء مدينة أذنة وأحد وجوهها ويظهر حب الصالحين ويداخل أهل حصن أولاس ومن يجري مجراهم، فوشى به إلى بني عبد الباقي من أفسد حاله معهم، واقتضت الصورة أن ينحاز على أذنة إلى طرسوس لأنها كانت ملجأ كل طريد وعصمة كل شريد، وكان ذا لسان وحال، فحدث زبرج الثلمي من يأنس به أن أبن العلاء هذا سأله مراراً ورغب أليه أن يجعل إفطاره عنده وأنه لما أكثر عليه استحي منه فأجابه، فقدم له طعاماً عند زبرج بمأكل منه بعيد، فنال منه زيادة على العادة من قوته وما وظفه على نفسه وجاء إلى منزله فقام إلى وردة فلم يطق القيام لغلبة النوم عليه، فنام ورأى في منامه رجلاً أسود قد تناول عصا أطول ما يكون يضرب بها زبرجاً ولا يقلع عنه ويكرر عليه، قال زبرج: فقلت يا هذا كم تضربني، ولأي ذنب تضربني؟ قال: الساعة أقول لك، فما زال ينتبه في منامه وتغلب عليه ويعود الأسود لضربه، ويسأله زبرج عن ذنبه ليتنصل منها ويعتذر إليه، فلما بلغ فيه غايةَ ما يكره وكدَّه وتعسّفه بالضرب المبرّح، قال له: يا زبرج أتأكل طعامَ ابنِ العلاء؟ هذا الضربُ لذلك. قال فقلت: فإني لا أعود، قال: إن عدتَ عدنا. فأصبح كئيباً مهموماً، واجتاز بابن أبي العلاء (١) لأنه على مدرجةِ طريقه وقد استحكم طَعَمه فيه، فعاوده يسألُ أن يفطرَ عنده، فأبى، وعاوده وسأله ورغب إليه وقبّل بين عينيه ويديه ورجليه فقال: يا هذا ما يمكنُ بعدها أن أذوق لك طعاماً، فضيق عليه موضع الاعتذار، فحدثه بما رأى في منامه، ففارقه ولم يعدْ لمثلها. وخرج زبرج عن طرسوس، وخواصُّ الناس ينظرون إليه نظرهم إلى أبي الخير صاحب التينات أو أفضل، لأن زبرجاً من القراء المجاهدين، وحصل ببيت المقدس يشار إليه ومات بها رحمة الله عليه [قال ابن العديم: أظن أن زبرجاً خرج من طرسوس إلى بيت المقدس لما استولى نقفور على طرسوس في شعبان سنة ٣٥٤والله أعلم] . - ٨ - (٢) وقد صلى بأهل هذا المسجد أئمة من أهل العفاف والستر، واليقين والتقوى

стр. 41

والصبر والزهادة والعبادة وسموّ الذكر، منزلتهم في الدنيا والآخرة عظيمة، ومواقع منافع الإسلام وأهله بهم حسنة جسيمة، يُفْتَخَرُ بذكرهم عند القراء، وتستزل بهم بركات السماء منهم أبن أبي قباس، وكان من فرسان المحراب. حدثني أبو حفص عمر بن أحمد البروجردي المقرئ، شيخ عابد فاضل، قال: حدثني أستاذي السوسندرجي أن أبن أبي قباس كان إذا قرأ في محراب طرسوس سمعت قراءته في سوق الصفارين، وكان إذا خطب حير السامعين وألهى المحزونين. وحدثني أحمد بن هارون الكوفي، كهل من أبناء طرسوس، ووجوهها، قال حدثني أبي قال: كتب السلطان قديماً إلى الأقاليم بسبب أبن طولون، فسب على منبر طرسوس على لسان أبن أبي قباس كما سب كل مكان، وحج أبن أبي قباس فسلك الركب الذين كانوا معه طريق مصر فدخلوها في شهر رمضان، وكان يصلي بابن طولون عشرة أئمة كل واحد منهم تسليمة واحدة، فصار أبن أبي قباس إلى دار أبن طولون فدخل في جملتهم، ووقع للحجاب والبوابين أن أبن أبي قباس أحد العشرة المرسومين للصلاة، فلما أقيمت تقدم، وكل واحد من العشرة يحسبه يصلي على إذن مؤامرة، ومنهم من يحسبه أحدهم، فأفتتح فقرأ فحير السامعين شجى وطيباً وتمموا صلاتهم، فلما أرادوا النهوض للتراويح سألوه أن يصلي ترويحة ففعل ثم أخرى ثم أخرى حتى فرغ من جميعها ومن الوتر، وانصرفوا ولم يصل أحد من العشرة فرضاً ولا نافلة، فسأل أبن طولون حجابة عنه فقالوا: ما نعرفه ولا رأيناه قبل وقتنا هذا، وقال بعضهم: ما ظنناه إلا واحداً من العشرة المرسومين بالصلاة، فتقدم أبن طولون إلى الحجاب إن عاد أن لا يحجب، فعاد لليلته المقبلة وتقدم وصلى، فلما أراد الانصراف استوقفه الحجاب وسألوه من هو ومن أين هو، فما أجابهم، فرد إلى أبن طولون، فخاطبه وسأله عن أسمه ونسبه فقال: أنا أبن أبي قباس، فسر به سروراً عجيباً، وأمره بالصلاة به ما بقي الشهر وحده، وأمر بسبه بحيث يسمع كما سبه على منبر طرسوس، فستعفاه فأبى عليه، واستعفاه فما وجد له من محيصاً، سأله الأمان فأمنه وقام فخطب، فلما وصل إلى حيث يسب رخم واختصر، فحتم عليه أن لا يغادر من السب حرفاً واحداً إلا لفظ به ففعل، وأتى عليه عن آخره، فأمر له بألف دينار وزوده إلى مكة وحمله، فحج وعاد إلى طرسوس شاكراً لا بن طولون حامداً.

стр. 42

- ٩ - (١) [عد أئمة جامع طرسوس وخطباءه فقال] : ومن الخطباء أبو القاسم ابن الحمامي وقد كان أوتي حظاً من الحكمة والبيان، ونصيباً وافراً من الخطب لكل شان، ورزق من حسن النثر في كلامه أمراً بديعاً ومن تأتيه لما يحدث من أحوال الناس سبباً صعباً منيعاً. حدثني أبو الفرج أبان بن محمد بن أبان، أحد أمراء الثغر وحماته وفرسانه، وقد ذكر ذاكراً فضل أبي القاسم ابن الحمامي الخطيب وحسن فصاحته، فقال: كان بعض الأمراء نادى بغزاةً عقدها، فلما حضر المسجد الجامع للخروج منه على الرسم اتصل الشتاء، ودامت الأمطار والأنداء، فتثبط فريق من الناس عن السفر وعاين أبو القاسم وهو على المنبر دون ما يعهد من عدد من حضر، فخطب على رسمه ثم تلا وأومأ إلى الرعية يقول (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) وأومأ إلى السلطان الحاضر لعقد تلك الغزاة والخروج فيها، ثم قال (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) يومئ إليه وإليهم أخرى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله أجر المحسنين) (التوبة: ١٢٠) فتجددت نيات جماعة لموعظته في خطبته، وتجهزت طائفة كثيرة منهم للغزو بسرعةٍ من وقته الذي ذكر فيه وساعته، وتجلى لما برزوا إلى ظاهر البلد ما كان اتصل من المطر وشدته، ورزقوا في غزوتهم الظفر والقهر، والغلبة والنصر، وأوتوا بالأعلاج مصفدين وبالسبايا والغنائم مثقلين، فاعترف من تجددت نبته لأبي القاسم بفضله، وأن غزاته بحسن اختراعه في خطبته، وام كان الله تمم ذلك بعونه وقدرته.

стр. 43

- ١٠ - (١) ومن أئمة طرسوس الصالحين المذكورين بالقراءة وطيب الصوت ابن أبي علي سمينة، صلى بالناس بضع عشر سنة لم يقبل لأحدٍ براً ولا أجاب إلى قبول صلة. حدثني أبو الطيب الجرجرائي، شيخ من المجاهدين، أن أبا محمد الأولاسي حدثه أن ابن سمينة حمل إليه بعض الأمراء ألف دينار ليصرفه الصالحين المسجدية فقال ابن أبي سمينة للرسول: أبلغ صاحبك السلام وقل له: لو علمت أن في هذا المسجد من يؤثر أن يرتزق مما أنفذت درهماً واحداً لما صليت بهم يوماً واحداً، فليرد المال على أهله. - ١١ - (٢) [بعد أن ذكر أبا حفص عمر بن الحسن الموصلي] : وكان أبو بكر الإسكاف المقرئ تقدم قبله فصلى بالناس ثلاثاً، يعني في صلاة التراويح، فأمتنع من الإمامة، وقد رأيته وقرأت عليه، وكان من الأبدال المبرزين. حدثني من أثق به أنه لقن في مدة خمسين سنة في جامع طرسوس هو ومن يقرأ عليه في مجلسه أكثر من عشرة آلاف رجل لمواظبته في دراسة القرآن وتلقينه، وأن حلقته كانت أكثر الحلق عدد من يتلقى ويلقن، وكان قد وفده أهل طرسوس إلى بغداد هو وأبو علي الأصبهاني مستصرخاً حين ضايقها نقفور. - ١٢ - (٣) حدثني أبو العباس أحمد بن العباس بن أحمد الخواتيمي، وهو ابن القاضي وكان ممن يحتفظ إذا تكلم، ويعد من الصادقين، أنه أحصى على أبي بكر محمد

стр. 44

بن محمد بن داود مدة شهري كانون الأول والآخر وعشراً من شباط في كل يوم كسوة لا تشبه التي تقدمها. ؟ توفي أبو العباس أحمد بن العباس بن الخواتمي أول يوم من شهر صفر من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وكان يرجى ويؤهل للرياسة لفضله ونبله وستره وثقته وعدالته، وكان أبو القاضي عليلاً فلما عزوه به وأنصرف المعزون من داره، أمسك على لسانه فلم يتكلم ثلاثاً ومات (١) .

стр. 45

- ٦ - (١) تاريخ العظيمي أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن نزار التنوخي الحلبي ٤٨٣ - بعد ٥٥٦ ١٠٩٧ بعد ١١٦٠

стр. 46

فراغ

стр. 47

نشأ في حلب، وأحترف التعليم، واعتنى بالتاريخ عناية فائقة، وكان إلى ذلك شاعراً. سافر إلى دمشق وأمتدح بها واجتدى بشعره، ولقي ابن السمعاني وأبن عساكر وغيرهما من العلماء، وسأله ابن السمعاني عن تاريخ موعده فأخبره، ولهذا يعد ما قيد ابن تغري بردي خطأ حين ذكره في وفيات سنة ٤٥٨، فهذا التاريخ هو الأقرب إلى تاريخ مولده (١) . كتب في التاريخ عدة مؤلفات فيما ذكره الصفدي وقد وصفها ياقوت بأنها غير محكمة كثيرة الخطأ، ونعرف له من هذه المؤلفات ثلاثة كتب وهي: ١ - تاريخ حلب، ونقدر أن الفقرة التالية منقولة منه، يقول فيها: - لما فتح المسلمون حلب دخلوها من باب إنطاكية، ووقفوا داخل البلد، ووضعوا تراسهم في مكان بني به هذا المسجد [أي مسجد الغضائري] وعرف أولاً بأبي الحسن علي بن الحميد الغضائري أحد الأولياء من أصحاب سري السقطي ﵀ وحج من حلب ماشياً أربعين حجة، ثم عرف ثانياً بمسجد شعيب، وهو شعيب بن أبي الحسن بن حسين بن أحمد الأندلسي الفقية، وكان من الفقهاء والزهاد. وكان نور الدين محمود بن زكي يعتقد فيه

стр. 48

ويتردد إليه، فوقف على هذا المسجد وقفاً فرتب فيه شعيباً المذكور مدرساً على مذهب الإمام الشافعي رشي الله عنه (١) . ٢ - تاريخ العظيمي الصغير، ابتدأه من بداية الهجرة وانتهى به حتى سنة ٥٣٨ مرتباً على سنين، وقد نشره المستشرق كلود كاين في مجلة (J A) اعتماداً على مخطوطة مكتبة قره مصطفى رقم: ٣٩٨ وهي في ٢١٧ ورقة كتبت سنة ٦٣٣، وفي المقدمة يذكر المؤلف انه كتبها للأمير زنكي. وقد اعتمد فيها وخاصة في القرون الأولى على تاريخ الطبري ثم على تاريخ ثابت بن سنان وتكملة الفرغاني وكتاب التاجي للصابي وتاريخ مبايعة الخلفاء وتاريخ ابن القلانسي وتاريخ غرس النعمة ابن هلال وتاريخ يحيى الأنطاكي الذي يقف عند سنة ٤٥٨، ولم ينشر كاين من المخطوطة إلا ابتداءً من سنة ٤٥٥ وهي أول تمرس للأتراك في سورية، وفي هذا القسم يظهر تأثير ابن القلانسي، والكتاب مجمله شديد الاختصار (٢) . ٣ - كتاب الموصل على الأصل المؤصل وهو التذكرة من سير الإسلام، وهو كما تشير كل الدلائل - تاريخ تفصيلي ينقل عنه ابن العديم (٣) . وهنا يحق لنا أن نتساءل: عندما لا يمسي ابن العديم هذا الكتاب على وجه التحديد وإنما يكتفي بالقول إنه ينقل من " تاريخ العظمي " فهل يشير إلى هذا الكتاب (أعني الموصل) أو ينقل من كتاب آخر؟ إن بعض المادة المنقولة عن تاريخ العظيمي شديد الإيجاز، ولكنها لا تلتقي بدقة مع ما جاء في التاريخ الصغير. وهذا قد يدفع إلى الاعتقاد بأن " تاريخ العظيمي " إن لم يكن هو الموصل نفسه فهو كتاب من كتبه التاريخية.

стр. 49

- ١ - (١) سنة ٦٣: فيها كانت غزاة الحصين بن نمير أرض الروم حتى بلغ مرج الحمام. - ٢ - (٢) سنة ٦٦: فيها قتل عبد الله بن زياد والحصين بن نمير يوم النحر إبراهيم بن الأشتر برؤوسهم إلى المختار بن أبي عبيد، فبعث بها إلى ابن الزبير، فنصبت بالمدينة وبمكة. - ٣ - (٣) سنة ١٢٧: فيها اقبل مروان بن محمد بن مروان من الجزيرة حتى دخل دمشق لست ليالٍ خلون من صفر، فلما نزل نهض عبد العزيز بن الحجاج ويزيد ابن خالد بن عبد الله القسري بقنسرين، ومن تابعهما على ذلك الحكم وعثمان ابني الوليد، وهما محبوسان في الحصن، وكان يزيد ابن الوليد حبسهما، فقتلوهما وقتلوا يوسف بن عمر الثقفي، وأخذ عبد العزيز بن الحجاج فقتل وصلب، وقتل يزيد بن خالد بن عبد الله وصلبا على باب الجابية مع ناس كثر ولما بايع الناس مروان نزل على حلب، وكان على قنسرين بشر بن الوليد بن عبد الملك فأخذه واخذ مسرور بن الوليد وكان معهما إبراهيم بن عبد الحميد، وكان عبد العزيز بن الحجاج محاصراً لأهل حمص يرميهم بالمجانيق فلما بلغ مسير مروان رحل عنهم. وسار مروان إلى سليمان بعين الجر فاقتلوا أياماً وقتل من الفريقين خلق حتى انهزم سليمان وأصحابه ومواليه الذكوانية، فدخل سليمان دمشق فعندها يقال إنه قتل الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد.

стр. 50

- ٤ - (١) سنة ١٥٤: غزا الصائفة زفر بن عاصي الهلالي من أهل قنسرين فدخل أرض الروم من ناحية المصيمة حتى بلغ أنقرة، فأصابهم برد وأصاب ظهرهم القرحة، وجهد الناس وتقطع عامتهم ولقوا الجهد. - ٥ - (٢) سنة ١٩٥: وجهة الأمين علي بن عيسى بن ماهان لملاقاة طاهر بن الحسين فلقيه بالري فقتل علي بن عيسى لسبع خلون من شعبان (٣) . ٦ - (٤) سنة ٢٧١: وفيها قتل المأمون أبني هشام: علياً وحسيناً بأذنة، أشخصهما إليه عجيف عنبسة بعثه إليهما، ثم بعث رأسيهما إلى بغداد وخرسان فطيف بهما، وطيف إلى الجزيرة إلى بغداد إلى مصر إلى دمشق إلى أقطار الأرض، ثم رميا في البحر، وكتب في أذن علي بن هشام رقعة يذكر فيها أمره ويعذر به الناس. ٧ - (٥) سنة ٢٩٠: خلع علي أبي الأغر ووجه لحرب القرمطي بناحية الشام، فمضى إلى حلب بعشرة آلاف. . وللنصف من شهر رمضان مضى أبو الأغر إلى حلب

стр. 51

ونزول وادي بطنان قريباً من حلب ونزول معه جميع أصحابه، فنزع فيما ذكر جماعة من أصحابه ثيابهم ودخلوا الوادي يتبردون بمائه، وكان يوماً شديد الحر، فبينا هم كذلك إذ وافاهم شيش القرمطي المعروف بصاحب الشامة، مقدمهم المعروف بالمطوق، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقاً كثيراً وانتهب المعسكر، وأفلت أبو الأغر وجماعة من أصحابه فدخل حلب، وأفلت منه مقدار ألف رجل، وكان في عشرة آلاف رجل ما بين فارس وراجل، وقد كان ضم إليه جماعة ممن كان على باب السلطان من قواد الفراعنة ورجالهم فلم يفلت منهم إلا اليسير. ثم صار أصحاب القرمطي إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغر ومن بقي معه من أصحابه وأهل البلد فانصرفوا عنه. - ٨ - (١) سنة ٢٩٢: وفي النصف من شوال دخل مدينة طرسوس رستم بن بردوا والياً عليها وعلى الثغور الشامية، وكان الفداء بين المسلمين والروم لست بقين من ذي القعدة، فكان الفداء ألفاً ومائتين، ثم غدر الروم فانصرفوا ورجع المسلمون بن بقي معهم من الأسرى من الروم، وكان عقد الفداء والهدنة مع أبي العشائر والقاضي ابن مكرم، فلما أغار أندرونقس على مرعش وقتل أبا الرجال عزل أبا العشائر وولي رستم فكان الفداء وتمامه على يده، وكان المتولي لفداء الروم مقدم اسمه إسكانه (٢) . - ٩ - (٣) سنة ٢٩٤: فيها دخل ابن كيغلغ طرسوس غازياً في أول المحرم، وخرج معه رستم، وهي غزاة رستم الثانية، فبلغوا سلندو (٤) ففتح الله عليهم وصاروا إلى السبي

стр. 52

في أيديهم نحواً من خمسة آلاف رأس، وقتلوا من الروم مقتلةً عظيم وانصرفوا سالمين. . وفيها كتاب أندرونقس السلطان يطلب الأمان، وكان على حرب أهل الثغور من قبل الروم، فأمنوه، وخلص معه أسرى من المسلمين، وكان ملك الروم بعث إليه من يقبضه، فرجع إلى ذلك البطريق الموجه إليه فأوقع به وبمن معه، وكان رستم قد خف إليه في جمادى الأولى ليخلصه فوجده قد ظفر فتسلم الحصن منه وانهزم بقية الروم وحمل أندرونقس كل ماله إلى بلاد المسلمين وخلى سلاحه. - ١٠ - (١) سنة ٢٩٩: فيها غزاة رستم بن بردوا الصائفة من طرسوس، وهو والي الثغور، حصر حصن مليح وأحرق ربض ذي الكلاع. - ١١ - (٢) قيل إنه [أي المتنبي] ولد سنة إحدى وثلاثمائة والأول أصح [أي ٣٠٣] والله أعلم. - ١٢ - (٣) سنة ٣٣٥: وفيها توفي أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص الطبري بطرسوس.

стр. 53

١٣١٤ - (١) سنة ٣٥٥: وفي هذه السنة ملك مدينة حلب دون القلعة رشيق النسيمي والي إنطاكية وكسر عسكر قرعويه الحاجب وحاصر القلعة فقتل وهو يحاصر القلعة، وعاد قرعويه ملك حلب، وملك إنطاكية دزبر فكسر عرقويه وانهزم إلى حلب وتبعه دزبر فملك البلد وحصره بالقلعة وملكها وتسلمها منه، وسار إليه سيف الدولة وخرج إليه دزبر فلتقيا على نهر سبعين فانكسر دزبر وأسره سيف الدولة ووزيره أبا علي الأهوازي، وملك حلب في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. ١٥ - (٢) سنة ٤١٥: وزير ببغداد الوزير أبو القاسم الحسين علي بن الحسين المغربي في رمضان سنة خمس عشرة وأربعمائة بغير خلعة ولا لقب ولا فارق الدراعة، وكان كاتباً مليحاً شاعراً منجماً فيلسوفاً قيماً بعلوم كثيرة، وكان فيه حسد، ورجت له ببغداد أمور أوجبت استيحاشه من الخليفة، فتنقل إلى أن نزل على أبي نصر ابن مروان على سبيل الضيافة فمات عنده سنة ثماني عشرة وأربعمائة. ١٦ - (٣) سنة ٤٣٥: فيها ظهر ببعلبك في حجر منقور رأس يحيى بن زكريا ﵇ فنقل إلى حمص ثم إلى مدينة حلب في هذه السنة، ودفن بهذا المقام المذكور (٤) في جرنٍ من الخام الأبيض، ووضع في خزانة إلى جانب المحراب، وأغلقت ووضع عليها ستر يصونها.

стр. 54

- ١٧ - (١) سنة٤٤١: فيها كان السيل الذي أهلك عسكر المصريين على السعدى وصلدى قبلي حلب، وفيها كان قتل جعفر بن كليد، وفيها أنهزم ناصر الدولة، وسيرت العساكر مع رفق الخادم وهو كاره لذلك، ولقبوه أمير الأمراء المظفر عدة الدولة وعمادها، وكان عمره فوق الثمانين، ثامن عشر ذي القعدة من السنة، وشيعه المستنصر وسير معه السجل العام والعدد الكثير من المشارقة والمغاربة والعرب، وكاتب كلمن تلقاه من المتقدمين بأن يترجلوا إذا لقوه. وتوسل ثمال بن صالح إلى ملك قسطنطين أن ينجده، فكتب قسطنطين إلى المستنصر في الصفح عن ابن صالح، وقال: إن لم تفعل في الشفاعة أضطر إلى نجدته عليك، فوصل رسول الملك إلى الرملة يوم وصول رفق الخادم إليها، فأوصله رفق إلى مصر، وأعاد الرسالة، وتوقف الوزير عن الجواب طمعاً ان يملكوا حلب ويستأنف الجواب، وتحقق الملك قسطنطين توجه العساكر المصرية، فبعث إلى أنطاكية عسكراً لحفظ الأطراف من نحو حلب، وبعث ثمال بن صالح مالاً عيناً وخلعاً، وسار مقلد ابن كامل بن مدارس إلى حمص، واعتصم عليه وإليها حصن الدولة حيدرة بن منزو الكتامي، فحاصره ثم طلب الأمان فأمنه، وأنزله من القلعة وخربها وخرب السور وعاد إلى حماة ففتحها واخرب حصنها، وانتقل إلى معرة النعمان وأخرب سورها أيضاً، وظهر من فشل رفق الخادم ما أطمع الجند والكافة فيه، فعاثت السناسنة وهو بالرملة في طرف العسكر وهربوا إلى البرية، فاتبعهم رفق بسرية من العسكر فعادت العرب عليهم وهزموهم وأسروا الأمير مراد ونهبوهم، فسير إليهم رفق جعفر ابن حسان بن جراح فاسترجع منهم بعض ما نهبوه وردهم إلى الديوان فعرضهم وعليم أكثر عدد العسكرية، ورحل رفق إلى دمشق وأثبت خلقاً من قبائل العرب الكلبيين والطائيين، وانصرف من العسكر فرقة العبيد والمشارقة، ومن البحتارة فرقة الفزاريين وتحاربوا لأربع بقين من المرحم من السنة، وذلك يوم الجمعة، فقتل من الكتاميين نحو مائة رجل، ونهبوا بعض الخيم، ثم تميزوا من ذلك المكان

стр. 55

ونزلوا على باب توما، وبقوا ثلاثة أيام متصافين ولم يجر بينهما قتال، وخاف رفق فدخل بالخيام القصر وترك مضاربه الخاصة على حالها، وأصلح بين الطوائف، فتوقف الكتاميون حتى وصلهم من ماله بألوف دنانير دية القتلى، وعوض الخيام، ونهب العرب أكثر غوطة دمشق، وهرب أهل القرى إلى دمشق. ثم سار رفق إلى حمص وعرض العساكر بها وأثبت من العرب الكلبيين ألف فارس أخرى، وبلغه أن راشد بن سنان بن علباء هرب من الاعتقال بصور، وحصل بظاهر دمشق واجترأ على أكثر أعمالها وتسرعت العساكرية عند حصور رفق بحماة إلى نهب أعمال شيزر، إذ هي على أعمال حلب، ووصل إلى صلدى يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ربيع الأول، وخيم على جبل جوشن يوم الأربعاء الثاني والعشرين منه، ووقع الطراد، وأستأمن سلطان القرمطي في خمسمائة فارس من الكلبيين، وكان أخوه نبهان معتقلاً في قلعة حلب منذ أسر من كفرطاب، وأقتلوا يوم الجمعة، واستراحوا يوم السبت والأحد، ورد رفق الخزانة السلطانية إلى ورائه ليلة الإثنين سابع عشر من ربيع، وأمر العسكر أن يدفعوا أثقالهم إلى معرة مصرين، فاستشعروا الهزيمة، وأخذ العسكر من نصف الليل يرحلون، وانتهى ذلك إلى رفق فأتبعهم برسله يرسم لهم العودة فلم يرجع أحد وانهزموا، وأسفر الصبح وخرج من حلب خيل وظنوا أنها مكيدة، فلما تحققوا هزيمة العسكر نهبوا وأسروا، ونهب العرب بعضهم بعضاً والعسكر، وخرج الحلبيون نهبوا آثار العسكر من غلات وغيرها، ولحقوا رفق الخادم وجرحوه ثلاث جراح، وأدخلوا إلى حلب أسيراً مكشوف الرأس، وأختلط عقل رفق لأجل الجراح التي في رأسه ومات في القلعة بعد ثلاثة أيام، ودفن في مسجد بظاهر حلب. وأسرت الروم أصحاب الأطراف من المعسكر جماعة فأنكر سلطان ذلك عليهم وردهم إلى بلد الإسلام وكساهم. - ١٨ - (١) سنة ٤٤٢: فيها مولد العمري الحلبي أبو القاسم سعد بن أبي عبد الله بن محمد ابن باقي بن عدي بن عمر، لحقته في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة وهو يومئذ عمره

стр. 56

نيف وتسعين سنة، ويروي جزاً من الحديث، عارف بالتواريخ. . وعاش والده أربعين سنة؟ وعاش جده " باقي " مائة وعشرة، وجده عدي مائة وعشرة وأخذ أملاكه منهم؟ وقال لي العمري سعد الله: مات جدي باقي في دولة سابق بن محمود وعمره يومئذ ماشة وعشر سنين، وله مذ مات إلى يومنا هذا، وهو سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، نيف وستين سنة..وكان عمري يومئذ نيف وثلاثين سنة، وكنت متزوجاً ورزقت عدة أولاد؟ وحدثني هذا جدي أن والده عدي عاش مائة وعشرة سنين، وكذلك عاش والده عمر العمري مائة وعشرة، وهو الذي قتله سيف الدولة وأخذ أملاكه وكان لباقي سنتان وهو مرضع؟ والأملاك التي أخذها من العمري: الكرمة والبويبية وأصفي والزغبة. ١٩ - (١) سنة ٤٥١: قتل البساسيري يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة، وطيف برأسه في بغداد، وصلب قبالة باب النوبي. ٢٠ - (٢) سنة ٤٦٧: زلزلت أنطاكية، وفتح سليمان بن قطلمش نيقية وأعمالها، وظهر بأنطاكية طلسم الأتراك في دير الملك، على باب الملك سبعة أتراك من نحاس على خيل نحاس بجعابهم في جرن فما حال الحول حتى فتحها الأتراك (٣) .

стр. 57

- ٢١ - (١) سنة ٤٦٨: فيها قتل نصر بن محمود صاحب حلب يوم الأحد، يوم عيد الفطر، وجلس سابق بن محمود مكانه. حدثني الشيخ أبو الحسين زيد بن أحمد الحلبي قال كنت صغيراً بمكتب الأستاذ الأديب هبة الله بن جعفر في هذه السنة [يعني ٤٦٨] قبل مقتل نصر بن محمود. زكان هذا الأستاذ شاعراً مليحاً، فمدح نصر بن محمود قبل قتله بقصيدة أولها: أما الأنامُ فمرزوقٌ ومرحومُ ... كذا المحبون موصولٌ ومرحوم؟ وأنشدني أبو الحسين زيد بن أحمد الحلبي لا بن مقلة لما قطعت يده: قد تحرَجت " ما استطعت " بجهدي ... حفظَ أمولهم فما حفظوني ليس بعدَ اليمينِ لذة " عيشٍ ... يا حياتي بانت يميني فبيني - ٢٢ - (٢) سنة ٤٧٢: وفي هذه السنة وصل شرف الدولة إلى حلب وتسلمها من سابق ابن محمود وامتنعت القلعة عليه، وكان بالقلعة سابق وأخوه شبيب. فقبض شبيب على سابق يوم السبت ثاني عشر صفر، وتولى الأمر بنفسه يوماً واحداً، ثم عاد سابق فقيض على أخيه شبيب وتولى الأمر كما كان أولاً، وبقي الحصار أربعة أشهر، ثم سلم القلعة سابق إلى شرف الدولة يوم الأحد عاشر ربيع الآخر، وقيل جمادى الآخرة، وهو الأصح. - ٢٣ - (٣) سنة ٤٧٥: وفيها في صفر حاصر شرف الدولة ابن ملاعب بقلعة حمص،

стр. 58

وفيها عاد شرف الدولة إلى حلب وقد صالح ابن ملاعب. - ٢٤ - (١) سنة٤٨٠: وفيها استقرت الرتبة بحلب للأمير قسيم الدولة آق سنقر من قبل السلطان العادل أبي الفتح، وتوطدت له الأمور بها، وأقام الهيبة العظيمة التي لا يقدر عليها أحد من السلاطين، وأظهر فيها من العدل والإنصاف مع تلك الهيبة ما يطول شرحه، ورخصت الأسعار في أيامه الرخص الزائد عن الحد، وقرب الحلبيين وأحبهم الحب المفرط، وأحبه أضعاف ذلك، وأقام الحدود وأحياء أحكام الإسلام، وعمر الأطرف وأمن السبل وقتل قطاع الطرقات وطلبه في كل فج وشنق منهم خلقاً، وكلما بقطاع طريق في موضع قصده وأخذه وصلبه على أبواب المدينة. كثرت في أيامه الأمطار وتفجرت العيون والأنهار وعامل أهل حلب من الجميل بما أحوجهم أن يتوارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر. - ٢٥ - (٢) سنة ٤٨١: وفيها خرج الأمير قسيم الدولة آق سنقر رحمة الله يودع تابوت زوجته خاتون داية السلطان أبي الفتح، ماتت بحلب. وقيل إنه جلس وفي يده سكين فأومأ بها إليه فوقعت في مقتل وهو غير متعمد لها فماتت في الحال، فوضعها في تابوت وحملت إلى الشرق وخرج لوداعها يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة. - ٢٦ - (٣) سنة ٤٨٢: فيها أسست منارة جامع حلب وعمرت على يد القاضي أبي

стр. 59

الحسن محمد بن يحيى بن محمد بن الخشاب، وكان بحلب معبد للنار قديم العمارة وقد تحول إلى ان صار أتون حمام فاضطر القاضي إلى أخذ حجارته لعمارة هذه المنارة، فوشى بعض حساد القاضي خبره إلى الأمير قسيم الدولة، فاستحضره وقال ك هدمت موضعاً، وه لي وملكي، فقال: أيها الأمير هذا معبد للنار وقد صار أتوناً، وقد أخذت حجارته عمرت بها معبداً للإسلام يذكر الله عليها وحده لا شريك له، وكتبت اسمك عليه، وجعلت الثواب لك، فإن رسمت لي أن أغرم ثمنه لك [فعلت] ويكون الثواب لي. فأعجبت الأمير كلامه وأستصوب رأيه وقال: بل الثواب لي وأفعل ما أنت تريد. ٢٧ - (١) سنة ٤٨٣: وفيها سار الأمير قسيم الدولة وبزان غسيان (٢) وتاج الدولة ونزلوا إلى حمص وفتحوها من يد ابن ملاعب وحملوا ابن ملاعب في قفص من الحديد إلى عند السلطان فلما هلك السلطان خلص ابن ملاعب وصعد إلى مصر وعاد منها، تسلم قلعة أفامية وأقام بها سبعة عشر سنة وقتل. ٢٨ - (٣) سنة ٤٨٤: وفيها تسلم الأمير قسيم الدولة قلعة أفامية من يد ابن ملاعب وترك فيها بعض بني منقذ وعاد إلى حلب في العاشر من رجب [الكلام غير مستقيم] . ٢٩ - (٤) سنة ٤٨٦: فيها فتح الأمير قسيم الدولة آق سنفر، ومعه تاج الدولة مدينة

стр. 60

نصيبين يوم الاثنين من ربيع الأول، وقيل في صفر، وحدثني بهذا والدي الرئيس أبو الحسن علي بن العظمي، قال: كنت مع الأمير قسيم الدولة في هذا الفتح. وفيها شرق قسيم الدولة ﵀ إلى بغداد عند السلطان بركياروق بن أبي الفتح وعاد إلى حلب في شوال سنة ستة وثمانين. ٣٠ - (١) سنة ٤٨٧: وكان قسيم الدولة عاد إلى حلب والتقى هو وتاج الدولة، فكسر تاج الدولة قسيم الدولة وقتله على نهر سبعين، شرقي حلب، سابع جمادى الأولى، وقيل يوم السبت تاسع جمادى الأولى. وأصبح تاج الدولة يوم الأحد على حلب، ومعه رأس قسيم الدولة ﵀ فتسلم تاج الدولة مدينة حلب العصر من يوم الأحد عاشر جمادى الأولى وتسلم القلعة يوم الاثنين. وقتل مع قسيم الدولة ﵀ أربعة عشر مقدمة منهم تختكين شحنة بغداد، وقجقر شحنة حلب وطغان وإسرائيل، وقتل بحلب غلامه طغرل، وله حكاية معروف، وعلي بن السليماني وأخوه، ومحمد البخاري الذي قفز إنطاكية، وأخوه أبو القاسم الطندكيني مع سليمان، والطونطاش خاص ملكشاه. وإنهزم إلى حلب بزان وكربوقا ويوسف بن أبق. فأما بزان فإنه قتل. ٣١ - (٢) سنة ٤٩٠: وفي هذه السنة خطب الملك رضوان بحلب للمصريين، وكان الخطيب أبو تراب له حكاية معروفة، وكان هذا الخطيب رأى مناماً أنه لا يموت

стр. 61

حتى يعود يخطب للمصرين دفعة ثانية لأنه خطب لهم بحلب في حصار السلطان العادل، فكان كذلك. وفيها عصى [بركات] المجن الموفق على الملك رضوان وتعصب له الحلبيون، ثم تخاذلوا عنه وإختفى، فقبض عليه الملك رضوان وعلى ذويه وبنيه وأستصفي أمواله في ذي القعدة، وعذبهم بإنواع العذاب، ثم قتله بعد ذلك وقتلهم حوله؟ وفيها وصل رسول مصر إلى الملك رضوان [يعني من المستعلي] بالتشريف والخلع، وخطب للمصريين شهراً ثم عاد عن ذلك. ٣٢ - (١) سنة٤٩٣: وفيها كسرت الإفرنج الملك رضوان على موضع يقال له كلاً، وكان المسلمون في خلق، وكان الإفرنج في مائة فارس فقتلوا خلقاً من الناس وأسروا خلقاً ن وكانت الكسرة يوم الجمعة خامس شعبان. ٣٣ - (٢) سنة ٤٩٦: فيها قتل الباطنية جناح الدولة بحمص بالجامع يوم الجمعة ن ستة نفر أحدهم يعرف من أهل سرمين. وفيها مات الحكيم العجمي المنجم الباطني بحلب. ٣٤ - (٣) سنة ٤٩٨ وفيها كسر الفرنج الملك رضوان على عين سيلوا من أرض

стр. 62

أرتاح، وكان سبب ذلك حصن أرتاح، خرجوا إليه ليأخذوا وجمع الملك رضوان الخلق العظيم وخرج لنجدة الحصن ومعه من الرجالة الخلق العظيم، وكان المصاف يوم الخميس، فانهزمت الخيل وأسلموا الرجالة فقتل منهم الخلق العظيم وفقد من الحلبيين جماعة كثيرة، غزاة ﵏ وانهزم أكثر من به. - ٣٥ - (١) سنة٤٩٩: وفيها عمل الباطنية على قلعة أفامية وقتلوا ابن ملاعب بها غيلة وملكوا القلعة فعاجلهم الفرنج، ونزلوا عليهم وحصرهم بها إلى أن أخذوها. - ٣٦ - (٢) سنة ٥٠١: وفي هذه السنة بلغ فخر الملوك رضوان ما ذكر به من مشياعة الباطنية واصطناعهم وحفظ جانبهم وأنه لعن بذلك في مجلس السلطان، فلما بلغه الخبر أمر أبا الغنائم ابن أخي أبي الفتح الباطني بالخروج عن حلب فيمن معه، فانسل القوم بعد ان تخطف جانبهم منهم أفراد. - ٣٧ - (٣) سنة٥٠٧ فيها مات الملك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب بحلب وجلس موضعه ولده تاج الدولة ألب أرسلان، وصار أتاكبه لؤلؤ الخادم، وقتلوا من الخدم والخواص جميعاً حتى استقام أمرهم وقبض على إخوته.

стр. 63

وفيها قتل تاج الدولة بن الملك رضوان اخوته ملك شاه إبراهيم (١) وصبيين احسن الناس صوراً. [قال ابن العديم: كذا وجدته، وإبراهيم بقي زماناً ورأيت ولده بحلب وأظنه مبارك والله أعلم] . وقتل خادم أبيه التونتاش المجني وقتل الفتكين الحاجب، وخافه الناس فألب عليه خادمه أتباك لؤلؤ حتى قتله. - ٣٨ - (٢) سنة ٥٠٨: فيها قتل تاج الدولة إلب أرسلان بن رضوان صاحب حلب بداره في قلعة حلب بتدبير أتابكة لؤلؤ الخادم، واجلسوا موضعه أخاه الملك سلطان شاه ابن رضوان. - ٣٩ - (٣) سنة ٥١٢:وفي ليلة الخميس سادس عشر جمادى الاولى توفي الشريف جمال الشرف أبو المجد سالم بن هبة الله الهاشمي الحارثي، وكان من ظراف الناس وطرف الزمان خَلْقاً وخُلُقاً وأدباً ودعابةً وشعراً. - ٤٠ - (٤) سنة٥١٤:وفي هذه السنة أظهر العصيان دبيس بن صدقة الأسدي ملك العرب على الخليفة المسترشد باالله ببغداد وعلى السلطان محمود، فسار إليه

стр. 64

وكسره ونهب الحلة، وهرب دبيس إلى الشام، فأجاره شهاب الدين ابن مالك بالدوسرية وأكرمه وسيّره إلى نجم الدين ابن أرتق إلى ماردين فأكرمه وصارت بينهما زيجة، وأعاده إلى الحلة. - ٤١ - (١) سنة٥١٥: وفي جمادى الأولى كانت كسرة المسلمين ببلاد الكرج، وذلك أن داود ملك الكرج كان قد ظهر على الملك طغرل من الدروب، فاستنجد بنجم الدين ابن ارتق وجموح التركمان وصحبتهم دبيس بن صدقة بن مزيد، فانكفت الكرج في الدروب الضيقة وتبعهم خلق من المسلمين، فأخذ الكرج عليهم الدروب ورضخوهم بالصخر فانكسروا. - ٤٢ - (٢) سنة ٥١٨: وفي يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الآخرة عبر الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، من قلعة منبج ونزل بظاهر منبج، وكان له عمل في حلب ومكاتبة، فانكشفة على يد فضائل بن صاعد بن بديع، وقتل بعض القوم ونفى بعضاً، وكان بها التمرتاش حسام الدين بن نجم الدين إيلغازي بن أرتق. وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب كان خلاص البغدوين [ملك الفرنج] من شيزر، وكان استقر عليه ثمانون ألف دينار وقلعة عزاز، وحلف على ذلك ورهن جماعة من الفرنج أثني عشر نفساً، أخذهم الجوسلين، وعجل من المال عشرين ألف دينار، فما هو إلا أن خرج حتى غدر ونكث، ونفذ يعتذر إلى الأمير حسام الدين بن نجم الدين بأن البطريرك لم يوافقه على تسليم عزاز، وأن خطية اليمين تلزمه، وترددت الرسل منهم إلى يوم الأحد ثامن عشر شعبان وعادة بنقض الهدنة. وخرج الملك إلى ارتاح وعزمه على حلب، فخرج التمرتاش من حلب

стр. 65

بتاريخ الخامس والعشرين من رجب نحو ماردين، ووعد بجمع العساكر، ورحل بغدوين من أرتاح إلى نهر قويق، وأفسد كل ما عليه وضايق حلب، فاجتمع على باب حلب ثلاثة ألوية: لواء الملك إبراهيم بن رضوان، ولواء الأمير دبيس ابن صدقة، ولواء الملك بغدوين، وكان الجوسلين ودبيس قد برزا من تل باشر وقصدا ناحية الوادي وأفسد كل ما فيه ما قيمته مائة ألف دينار، ثم نزلا على باب حلب، وكان نزولهم على حلب على مضي ساعة وكسر من نهار يوم الاثنين سادس عشرين شعبان، والطالع من العقرب عشر درج والمريخ في الطالع في درجة واحدة. وقيل نزولهم بساعتين عند اتساع الفجر انفتح في السماء من نحو المشرق باب من نور ودام حتى هال الناس. ولما كان في اليوم الثاني في ذلك الوقت عاد انفتح ذلك الباب ولكن كان أضيق من الأول، وخرج منه شئ كاللسان ينعطف ويطوَّق. ونزل الإفرنج غربي البلد وغربي قويق، ومعهم علي بن سالم بن مالك وصاحب بالس أخو بدر الدولة، فقطعوا الشجر وأخربوا المشاهد الظاهرة، وكان عدد الخيم: ثلاثمائة خيمة للمسلمين. ونبش الفرنج القبور وأحرقوا الموتى بأكفانه، وعمدوا إلى من كان طرياً فشدوا الحبال في أرجلهم وسحبوهم مقبل المسلمين. - ٤٣ - (١) سنة٥١٩:وفي يوم الأربعاء العشرين من شوال مات شمس الدولة سالم بن مالك بقلعة جعبر. - ٤٤ - (٢) سنة٥٢١:توجه عماد الدين زنكي إلى الموصل ودخلها في عاشر رمضان من السنة.

стр. 66

- ٤٥ - (١) سنة ٥٢١: ولما شرّق عز الدين مسعود البرسقي، ولّى بحلب والقلعة الأمير تومان، فلما استقامت أموره بالشرق نفذ سرية مع أمراء منهم ينال وسنقر دراز وغيره، فلما وصلوا إلى حلب لم يدخل معهم تومان في الطاعة، فحالفه رئيس حلب فضايل بن بديع، وأدخلهم إلى حلب، وأنزلهم قلم الشريف ووقع بين الوالي وأهل حلب، وبعد ذلك بأيام يسيرة وصل إلى حلب غلام السلطان محمود، واسمه ختلغ ابه، بتوقيع عز الدين مسعود بحلب، وصحبته عمدة الدين سنقر الطويل صاحب حران المعروف بدراز، وسلم التوقيع إلى تومان بتسليم الموضع إلى خطلبا [ختلغ أبه] فلم يقبل، وأحتج بعلامة بينه وبين عز الدين لم يتضمنها التوقيع، وأعترف بالخط حسبُ، وكانت العلامة بينهما صورة غزال لأن عز الدين كان أحسن الناس نقوشاً وتصاوير، وكان من الذكاء على أمر عظيم، وطال الأمر على خطلبا وأشاروا عليه بالعودة فعاد، وكان عز الدين محاصر الرحبة وبها قراقش الأمير حسن، رجل فارسي الأصل، فاستأمن ونزل، ونزل الموضع غيره، فمات عز الدين، فوصل في خمسة أيام فوجد مسعوداً قد مات، وهو مطروحٌ على قطعة بساط، والعسكر مشغولون عن دفنه قد نهب بعضهم بعضاً، فعاد خطلبا إلى حلب في ثلاثة أيام وعرّف الناس بموته، فأدخله ابن بديع المدينة إلى داره، واستنزلوا تومان من القلعة بعدما صحَّ عنده وفاةُّ صاحبه، فصانعهم على ألف دينار وسلّم القلعة وملّكها خطلبا وأستحلفه الحلبيون واستوثقوا منه، وطلع المركز بتاريخ الخميس لست بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة، والقمر في الجوزاء على قران المريخ. ولما صعد وبقي أياماً ظهر انه من أهل الشر والظلم، فتشوشت قلوب الرعية، وحمله قوم من أهل السوء على الطمع، فتغير وبدّل ما حلف عليه، وصار يختم تركة من يموت ويرفع ماله إليه ولا يكشف هل له وارث أم لا، وصح

стр. 67

هذا عند الأمير بدر الدولة والرئيس فضائل بن بديع وانه قد عوّل على قبضهما، فتحالفا عليه واتفق معهما أحداث حلب، فقاموا عليه ليلة الثلاثاء، ثاني شوال ليلاً والقمر في القوس في ست درج على تسديد زحل، وكان غلمان خطلبا وحجابه وأصحابه في قلة، وكلهم يشربون في البلد لأنه عشية عيد الفطر عند أصدقائهم ومعارفهم، فقبضهم الحلبيون وملئوا بهم الحبوس والمساجد ودار ابن الأقريطشي، وقيدوهم وأصبحوا معتقلين، وزحف الناس كافة على باب القلعة وحصروا القلعة، فقاتلهم النهار أجمع، ولما كان الليل نزل أحرق القصر الذي لم يكن في البلاد مثله، وأتلف ما فيه من السقوف والأبواب والأخشاب والرخام ودار الذهب حتى تواقع بعضه على بعض، وهجم الناس صبيحة تلك الليلة فنهبوا منه كل ما قدروا عليه، وقتل من الناس جماعة، ووصل إلى باب حلب الأميران: حسان بن كمشتكين البعلبكي وأخوه حسن صاحبا منبج وبزاعة بتاريخ السبت سابع شوال، وساماه الخروج معهما فأبا ذلك على أن يسلم حلب إلى بياض البلد وأبن مالك ويتسكع، فلما أبى طال الحصار، ووصل بعد ذلك جوسلين إلى باب حلب في مائتي فارس ونزل بابلاّ وتقدم إلى بانقوسا، ونفذ رسوله إلى حلب بتاريخ الأحد ثامن شوال وطلب خدمة فصانعوه ودافعوه. وفي آخر شوال وصل الملك إبراهيم ابن رضوان فأدخلوه إلى حلب وأكرموه ونادوا بشعاره، وخرج صاحب إنطاكية البيمند ونزل صلدع بتاريخ الأربعاء حادي عشر شوال، والمراسلة تعمل، وركبوا بكرة ذلك اليوم وضايقوا حلب، وركب الملك إبراهيم بن رضوان وبدر الدولة ونفر الحلبيون والرئيس ابن البديع في خلق عظيم وتراسلوا، فاستوت الهدنة ووقعت الأيمان على المدة المعلومة، وحمل إليه ما اقترحه يوم الخميس ثاني عشر شوال بعد أن أشرف الناس على الخطر العظيم. ودخل رسول الإفرنج قبض من حلب ألف دينار وقرر ألفاً أخرى وعاد إلى إنطاكية، وصار كلما ما غاب من الحلبيين رجل قد قتل او صلب، وطال الأمر على خطلبا، وحفروا خندقاً حول القلعة، فكلما خرج منها رجل أو دخل إليها أٌخذ، إلى نصف ذي الحجة وصل الأمير سنقر دراز والأمير حسن قراقش وجماعة أمراء في عسكر قوي إلى باب حلب، واتفق الأمر على أن يسير بدر الدولة وخطلبا إلى باب الموصل إلى المولى الاصفهسلار الملك عماد

стр. 68

الدين قسيم الدولة زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر إلى الموصل، فلما ولي عاد إلى منصبه، وأقام بحلب الأمير حسن قراقش والرئيس فضائل بن بديع، فأصلح عماد الدين بينهما ولم يوقع لأحد منهما، وطمع بملك البلد وسير سرية إلى حلب مع الأمير الحاجب صلاح الدين العمادي، فوصل إلى حلب وأطلع إلى القلعة والياً من قبله، ورتب الأمور وجرت على يده على السداد، وهو الذي تولى إنزاله وإليه اطمأن. - ٤٦ - (١) سنة ٥٢٢: في جمادى الآخرة وصل قسيم الدولة أبو سعيد زنكي إلى حلب وملكها، وصعد القلعة وبات بها، وعاد إلى نقرة بني أسد وقبض على خطلبا وحمله إلى حلب وسلمه إلى عدوه ابن بديع، فكحلوه بداره في النصف من رجب. - ٤٧ - (٢) سنة ٥٢٣: وف ي جمادى الآخرة عاد الأمير عماد الدين قسيم الدولة زنكي من عند السلطان إلى الموصل ومعه طغراء بتجديد الجزيرتين والشام وحلب والشط وما اتصل بذلك بعد ما خرج عنة يده بالدركا (؟) ومائة وعشرون ألف دينار. - ٤٨ - (٣) سنة ٥٢٤: وفي مستهل رجب وصل عماد الدين زنكي بن آق سنفر إلى أكناف الفرات، وفتح قلعة السن، وسير سيره ونفذت مع الثقل إلى باب حلب، ونفضت الخيل أغارت على بلد عزاز، وعاثوا في بلد جوسلين مقابلةً له على قديم قبيحه في غيبة الأمير قسيم الدولة. ثم عبر الأمير قسيم الدولة بتاريخ الأحد ثامن

стр. 69

عشرين رجب فخيم بظاهر حلب، وتكررت الرسل في الصلح، فاصطلحوا مدة سنة، وكان الأمير قد رعى زرع الرها في طريقة وظفر بالتركمان أيضاً وكسرهم؟ وفي هذه المدة تزوج أتابك قسيم الدولة بخاتون بنت الملك رضوان ودخل بها يوم الاثنين في عشرين من شعبان؟ وفي يوم الاثنين عاشر شوال تسلم اتباك عماد الدين حماة وقبض على خيرخان صاحب حمص ونزل ربضها، وطلب من أولاد خير خان التسليم، فامتنعوا، وشبت الرحب بينهم، وسنع (١) على الأمير أطسيس بن رل فقتلوه ورمي برأسه ونقبوا القلعة فبطل النقب ونصبت المجانيق فبطلت وطال الشرح وهجم الشتاء فعاد العسكر إلى حلب ثاني ذي الحجة. - ٤٩ - (٢) سنة ٥٢٥: في المحرم سار أتابك عماد الدين مشرقاً يوم الخميس عبرته، وكان السلطان محمود يشتي ببغداد، فلما كان في ثالث عشر ربيع الآخر شرق نحو أصبهان وبلغه عن أخاع باين العداوة، فردً أمر العراق إلى عماد الدين قسيم الدولة زنكي مضافاً إلى ما كان في يده من الجزيرة والشام، وهذا كله ودبيس مقيم بفم البرية يتواعد بغداد بالخراب، وبلغ أتابك عماد الدين وفاة السلطان محمود بن نبر وهو على القريتين، فسار نحو الموصل ليلة الخميس سادس عشر من شوال، وكان لهذا السلطان عند الأمير ولدان أجدهما الذي كان أمه عند سنقر البرسقي وماتت، أسمه ألب أرسلان أبو طالب، والآخر الذي كان عند دبيس، فبعث عماد الدين يسوم المسترشد أن يخطب لأبي طالب ولد السلطان، فأعتذر المسترشد إليه بأنه صبي وإن المنقول رسم لولده داود، وهو بإصبهان، وقد وصلت رسل البلاد كلها تقول: أخطب لداود فنحن له طائعون ونحن ننتظر جواب كتاب زنجر عم القوم. وكان أتابك عماد الدين قد أخذ خبر عودة ابن الأنباري رسول الخلافة من دمشق، وكان

стр. 70

المسترشد نفذه في معنى دبيس إلى تاج الملوك، فوجد قد صار إلى عماد الدين فعاد، وكانت في صحبته قافلة عظيمة فيها أموال، فبعث عماد الدين إليه سرية للقبض عليه، فقبضوا عليه ونهبوا القافلة في كياد الخليفة، وفك القيود عن دبيس وخلع عليه وحمل من المال والجوهر والخيل والعدد ما لا حد له، وخرج من الدار التي كان يشرب فيها وسلمها إليه بالآتها وكل ما فيها. - ٤٩ - (١) سنة ٥٢٩: تواقع على باب مراغة السلطان مسعود والمسترشد بالله، فانكسر المسترشد وأسر، فوثب عليه قوم بالسكاكين فقتلوه، واضطرب العسكر، فأوجب التدبير أن قتل دبيس صدقة بحضرة السلطان مسعود. - ٥٠ - (٢) سنة ٥٣١: فيها مات سابور بن علي الجبري الشاعر، وعمره ثمانون سنة. - ٥١ - (٣) سنة ٥٣٤: مات الشيخ الإمام أبو عبد الله ابن العجمي ﵀، الدين الزاهد ورثيته. - ٥٢ - (٤) قال أبو سالم ابن معد بن سعيد القاضي يمدح نشو الدولة سوتكين حلجب الأمير سيف الدين سوار:

стр. 71

غزاني غزالٌ باعتدالٍ بقدِّهِ ... وحسنِ معانيه وحمرةِ خدهُ وأمرض جسمي بالقطيعة والجفا ... وما هكذا فعلُ المليكِ بجنده وكيف اصطباري عنه والقلبُ قد صبا ... إليه شوقي زائدٌ فوق حده فإن لم يُجِزْني بالرضا من صدودِهِ ... وإلا فإني ميتٌ قبل صده خليليٌ مالي من معينٍ على الأسى ... ولا من يُسَلَيني بخالص وده وينصفني من صَرْفِ دهرٍ كأنني ... جنيتُ عليه ناقضاً عَقٌد عهده سوى الحاجب الندبِ الجوادِ الذي رقى ... مراتبَ مجددٍ قابلتْ شُهْبَ سعده فذاك نُشُوّ الدولةِ الناهضُ الذي ... كفانا مُلِمَّاتِ الزمانِ بحده وأوسعنا من جودِهِ وعطائه ... كرائمَ مالٍ حمدُهَا بعضُ حمده تراه إذا ما جئته مُتطلِّباً ... عطاياه يبدي بِشْرَهُ عند وفده فترجعُ مملوءَ الحقائب موقَراً ... عطاءً بلا منَّ يُشابُ برفده فما حاتمُ جوداً وكعب بن مامةٍ ... ومعنُ الندى إلا عبيدٌ لعبده له شرفٌ فوق السّماكِ وهمةٌ ... وعلمٌ بإرخاء الزمان وشده أخو عَزَماتٍ قاطعاتٍ كأنها ... حسامٌ تَجَلَّى مَتْنُهُ بفرنده إذا الحربُ دارت كان قطباً وأحجمت ... فوارسُ موتٍ عاينوا هَوْلَ وِرده وثار غبارُ النقعِ ليلاً وَحُرِّقَتْ ... قلوبُ رماها الخوف في حرِّ وقده تراه يخوضُ الموتَ في غَمَراته ... يذبُّ بحدَّ السيف عن نَيْلِ نجده فلا زال محروسَ الجَنَابِ ممتعاً ... مدى الدهرِ ما غنَّى الحمامُ بوجده - ٥٣ - (١) ولأبي المنى بن علي الحلبي يمدح الحاجب سوتكين حاجب سوار بحلب المقلب نشو الدولة: الحربُ من شِيَمي والشعرُ من شُغُلي ... والمدحُ في أفرسِ الفرسانِ من عملي وعفّتي وصلاحي دائبان ولي ... إليهما الفضل والأجوادُ تشهد لي

стр. 72

والغادةُ الكاعبُ الحسناءُ ليس تَرى ... مني سوى الصدَّ والهجرانِ والملل ولا جزعتُ وقد شطَّ المزارُ بها ... ولا صبوتُ إلى سيَّارةٍ ذُلُل ولا أرقتُ إشتياقاً حيثما رحلتْ ... ولا نظرتُ إلى سِجْفٍ ولا كِلَل ولا وقفتُ على آثارها أَسفاً ... ولا بكيتُ على ربعٍ ولا طلل قال فيها: لسوتكينَ نظمتُ الشعرَ ممتدحاً ... للحاجب الأريحيَّ الضيغمِ البطلِ ليث الكتائبِ مقدامُ الضرائبِ وهَّ؟ ... ابُ الرغائبِ إعطاءً بلا ملل وافي العزائمِ معطاء المغانمِ غفّ؟ ... ارُ الجرائمِ ساقي الموتِ بالذُّبُل ثبتُ الأصيلةِ عالٍ في القبيلة بال؟ ... كفّ الجميلة حلوُ الخُلْقِ كالعسل حصنٌ لشدّتنا ذخرٌ لفاقتنا ... نَشْوّ لدولتنا أمنٌ منَ الزلل

стр. 73

- ٧ - (١) الاستظهار في التاريخ على الشهور للقاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أحمد الرجي المعروف بابن السمناني ٤٩٣/ - ١١٠٠

стр. 74

فراغ

стр. 75

نسبة الرحبي إلى رحبة الملك بن طوق حيث ولد، وقضى شطراً من عمره في بغداد، ثم اتصل بالوزير نظام الملك ونفق عليه وأجرى له في كل سنة سبعمائة وعشرين ديناراً وجعله صاحب خبره في بغداد، وولاه قضاء الرحبة والرقة وحران وسروج وحلب وأعمال ذلك كله. وهو من فقهاء الحنفية، وله مؤلفات في الفقه والشروط، فمن مؤلفاته: (١) روضة القضاة وطريق النجاة أو أدب القاضي. (٢) سراج المصلي. (٣) العروة الوثقى في الشروط (١) . أما كتابه الاستظهار في التاريخ على الشهور، فقد اطلع عليه ابن العديم ونقل منه نصاً عن مقتل نظام الملك، وهو شهادة من رجل يشعر بأيادي الوزير عليه ولا يخفي مبلغ ما ناله من صلاته. - ١ - (٢) في شهر رمضان من سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل الشيخ الكبير قوام
следующие страницы →