غزاني غزالٌ باعتدالٍ بقدِّهِ ... وحسنِ معانيه وحمرةِ خدهُ
وأمرض جسمي بالقطيعة والجفا ... وما هكذا فعلُ المليكِ بجنده
وكيف اصطباري عنه والقلبُ قد صبا ... إليه شوقي زائدٌ فوق حده
فإن لم يُجِزْني بالرضا من صدودِهِ ... وإلا فإني ميتٌ قبل صده
خليليٌ مالي من معينٍ على الأسى ... ولا من يُسَلَيني بخالص وده
وينصفني من صَرْفِ دهرٍ كأنني ... جنيتُ عليه ناقضاً عَقٌد عهده
سوى الحاجب الندبِ الجوادِ الذي رقى ... مراتبَ مجددٍ قابلتْ شُهْبَ سعده
فذاك نُشُوّ الدولةِ الناهضُ الذي ... كفانا مُلِمَّاتِ الزمانِ بحده
وأوسعنا من جودِهِ وعطائه ... كرائمَ مالٍ حمدُهَا بعضُ حمده
تراه إذا ما جئته مُتطلِّباً ... عطاياه يبدي بِشْرَهُ عند وفده
فترجعُ مملوءَ الحقائب موقَراً ... عطاءً بلا منَّ يُشابُ برفده
فما حاتمُ جوداً وكعب بن مامةٍ ... ومعنُ الندى إلا عبيدٌ لعبده
له شرفٌ فوق السّماكِ وهمةٌ ... وعلمٌ بإرخاء الزمان وشده
أخو عَزَماتٍ قاطعاتٍ كأنها ... حسامٌ تَجَلَّى مَتْنُهُ بفرنده
إذا الحربُ دارت كان قطباً وأحجمت ... فوارسُ موتٍ عاينوا هَوْلَ وِرده
وثار غبارُ النقعِ ليلاً وَحُرِّقَتْ ... قلوبُ رماها الخوف في حرِّ وقده
تراه يخوضُ الموتَ في غَمَراته ... يذبُّ بحدَّ السيف عن نَيْلِ نجده
فلا زال محروسَ الجَنَابِ ممتعاً ... مدى الدهرِ ما غنَّى الحمامُ بوجده - ٥٣ - (١)
ولأبي المنى بن علي الحلبي يمدح الحاجب سوتكين حاجب سوار بحلب المقلب نشو الدولة:
الحربُ من شِيَمي والشعرُ من شُغُلي ... والمدحُ في أفرسِ الفرسانِ من عملي
وعفّتي وصلاحي دائبان ولي ... إليهما الفضل والأجوادُ تشهد لي
стр. 72
والغادةُ الكاعبُ الحسناءُ ليس تَرى ... مني سوى الصدَّ والهجرانِ والملل
ولا جزعتُ وقد شطَّ المزارُ بها ... ولا صبوتُ إلى سيَّارةٍ ذُلُل
ولا أرقتُ إشتياقاً حيثما رحلتْ ... ولا نظرتُ إلى سِجْفٍ ولا كِلَل
ولا وقفتُ على آثارها أَسفاً ... ولا بكيتُ على ربعٍ ولا طلل قال فيها:
لسوتكينَ نظمتُ الشعرَ ممتدحاً ... للحاجب الأريحيَّ الضيغمِ البطلِ
ليث الكتائبِ مقدامُ الضرائبِ وهَّ؟ ... ابُ الرغائبِ إعطاءً بلا ملل
وافي العزائمِ معطاء المغانمِ غفّ؟ ... ارُ الجرائمِ ساقي الموتِ بالذُّبُل
ثبتُ الأصيلةِ عالٍ في القبيلة بال؟ ... كفّ الجميلة حلوُ الخُلْقِ كالعسل
حصنٌ لشدّتنا ذخرٌ لفاقتنا ... نَشْوّ لدولتنا أمنٌ منَ الزلل
стр. 73
- ٧ - (١)
الاستظهار في التاريخ على الشهور
للقاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أحمد الرجي المعروف بابن السمناني
٤٩٣/ - ١١٠٠
стр. 74
فراغ
стр. 75
نسبة الرحبي إلى رحبة الملك بن طوق حيث ولد، وقضى شطراً من عمره في بغداد، ثم اتصل بالوزير نظام الملك ونفق عليه وأجرى له في كل سنة سبعمائة وعشرين ديناراً وجعله صاحب خبره في بغداد، وولاه قضاء الرحبة والرقة وحران وسروج وحلب وأعمال ذلك كله. وهو من فقهاء الحنفية، وله مؤلفات في الفقه والشروط، فمن مؤلفاته:
(١) روضة القضاة وطريق النجاة أو أدب القاضي.
(٢) سراج المصلي.
(٣) العروة الوثقى في الشروط (١) .
أما كتابه الاستظهار في التاريخ على الشهور، فقد اطلع عليه ابن العديم ونقل منه نصاً عن مقتل نظام الملك، وهو شهادة من رجل يشعر بأيادي الوزير عليه ولا يخفي مبلغ ما ناله من صلاته.
- ١ - (٢)
في شهر رمضان من سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل الشيخ الكبير قوام
стр. 76
الدين نظام الملك أبو علي الحسن ابن علي بن إسحاق رضي أمير المؤمنين، ﵁، في ظاهر نهاوند وهو سائر إلى العراق، قتله إنسان ديلمي غيلةً، بعد الفطر ليلة الجمعة حادي عشر منه، وكان مولده في ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة، وبقي في الأمر وزيراً وناظراً ومشرفاً نحو خمسين سنة، وبلغ في الوزارة ما لم يبلغه أحد من وزراء الدولتين، وكان يضرب له الطبل والقصاع ثلاث صلوات حضراً وسفراً، وه الذي بنا الدولة السلجوقية وأسس قواعدها، وتفتحت الدنيا على يديه، وكان صدوق اللسان جيد الرأي كبير النفس حليماً وقوراً يصلي بالليل ويصوم في أكثر الأوقات، وهو أول وزير بنى المدارس في البلاد، وأجرى على المدرسين والمتفقه والأدباء والشعراء وأهل البيوتات والرؤساء، ولم ينظر قط إلى ظهر محروم، وما قصده أحد في أمر إلا ناله أو معظمه، فأما الحرمان فلا. ولم يبق عليه من عظيم الملك غير ما فعله وبناه وخلد به ذكره في العالم وفاق به على من تقدم، ﵁ وأرضاه وأحسن له الجزاء، ولقد وصلني في سبع سفرات يألف وأربعمائة دينار من ماله غير الثياب والنزل والإقامة، وأجرى علي من بيت المال سبعمائة دينار وعشرين ديناراً في كل سنة، وولاني قضاء الرحبة والرقة وحران وسروج وحلب وأعمال ذلك كله، وخاطبني بالقاضي السديد العالم بحر العلماء عين القضاة في مكاتبته، فاحسن الله له عني الجزاء. وكان يكرم العلماء على اختلاف مذاهبهم، وله فضل وكرم وبصيرة بالرجال، قريب من القلوب لا يتشاغل إلا بتلاوة القران وسماع حديث رسول الله ﷺ ، ومناظرة الفقهاء بين يديه. وتقدم في زمانه من لم يكن متقدماً من الرجال، وتأخر من كان متقدماً من الرجال، وتأخر من كان متقدماً، واسترجع الممالك كلها وقبضها إلى السلطان. وهو أول من أقطع البلاد والضياع للعساكر والأجناد. وكان يرعى لأهل البيوتات بيوتهم وللعلماء علمهم وللشعراء شعرهم وللأدباء أدبهم وللأشراف شرفهم، وكان أمر الدولة في الزيادة إلى شاركه في الرأي غيره وداخل السلطان سواه، فهلكت الدولة ولم يبق السلطان بعده، إلا نيف وثلاثون يوماً، ﵁.
стр. 77
- ٨ - (١)
عنوان السير في محاسن أهل البدو والحضر
لأبي الحسن محمد بن عبد الملك الهمنداني
" ٤٦٣ / ٥٢١ " " ١٠٧/١١٢٧ "
стр. 78
فراغ
стр. 79
كان والده عبد الملك بن إبراهيم بن احمد الهمذاني رجلاً ورعاً، دعي إلى القضاء مراراً فلم يجب إلى ذلك، وكان معروفاً بالفرائض ولذلك يقال في نسبته أحياناً الفَرَضي، كما تلحقُ هذه النسبة بابنه، ويحدِّث محمد عن ذكريات طفولته فيقول: كان أبي إذا أراد أن يؤدبني، يأخذ العصا بيده ويقول: نويتُ أن أضربَ ابني تأديباً؟ وإلى أن تتم له النيةُ أهرب منه.
وقد سمع محمد أبا الحسين أحمد بن محمد بن النقور وأبا الفوارس طراداً الزينبي وغيرهما، وغلب عليه من بعد الاتجاه إلى التأليف في التاريخ (وعنه روى ابن عساكر في معجم شيوخه) فكان من مؤلفاته:
١ - ذيل على تاريخ أبي شجاع الذي هو ذيل على تجارب الأمم لمسكويه.
٢ - أخبار الوزراء وهو ذيل على كتاب ابن الصابي، ونقل منه ابن العديم (١٦١:٥) (١) وربما كان ياقوت (معجم الأدباء ٧: ١٥٠) ينقل عنه دون أن يسمّيه.
٣ - كتاب طبقات الفقهاء.
٤ - أخبار دولة السلطان محمد ومحمود.
٥ - أمراء الحج من زمن النبي (صلى عليه وسلم) حتى أيامه.
стр. 80
٦ - تاريخ الملوك والدول (١) .
٧ - كتاب الشؤم.
٨ - الذيل على تاريخ الطبري، وقد طبع هذا الكتاب بعنوان تكملة تاريخ الطبري (٢) وجاء في مقدمته " فرأيت أن أضيف إليه (أي تاريخ الطبري) مجموعاً عوّلت فيه على ما نقلته من تصانيف المؤرخين وتآليف المحققين كالصولي والتنوخي والخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت وأبي إسحاق الصابي وأولاده وابن سنان وغير هؤلاء، وأضفت إلى ذلك ما حفظته من شعر الشعراء وحكايات العلماء. . واختصرت جهدي، ولخصته بحسب طاقتي، واقتصرت فيه على الأمور المشهورة والأحوال السائرة المأثورة، وختمته ببيعة سيدنا ومولانا الإمام المستظهر بالله أمير المؤمنين. . ولما ختم ابن جرير تاريخه سنة اثنتين وثلاثمائه، وهي السنة السابعة من خلافة المقتدر بالله ﵀ وأشار إلى الأمور إشارة خفية رأيت أن أبتدئ بخلافته ووقت بيعته، وبالله التوفيق " (٣) . إذن فالمفروض أن الكتاب يبدأ سنة ٢٩٦، وينتهي سنة ٤٨٧ أو في حدود ذلك، ولكن ما لدينا من الكتاب ينتهي سنة ٣٦٦، وعلى ذلك فهناك قسم منه ما يزال مفقوداً. ومن الغريب قول السخاوي إن ابن عبد الملك ذيَّل على تاريخ الطبري من الأيام المقتدرية إلى عضد الدولة أبي شجاع في أول سنة ستين وثلاثمائة (٤) فهل هذا هو كل ما رآه السخاوي أو أن المؤلف لم يستطع أن يفي بكل ما وعد به؟
٩ - عنوان السير في محاسن البدو والحضر: أكثر المصادر على أن هذا هو اسمه وشذَّ ابن خلكان إلا في موضع واحد (٥) فسماه " عيون السير " (٦) وميزه ابن
стр. 81
خلكان أيضاً بقوله: وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في " تاريخه الصغير " (١) أتراه يعده صغيراً بالنسبة إلى أي شئ؟ هل يكون " عيون السير " منتخباً موجزاً من كتاب أكبر اسمه " عنوان السير " أو أنه تاريخ له صغير بالنسبة إلى كتابه (رقم:٦) تاريخ الملوك والدول؟ كلا الأمرين محتمل، ولكنا لا نستطيع القطع لفقدان الأدلة العينية.
وقد نقل عنه ابن العديم وابن خلّكان، وتدلُّ النقول التي وصلتنا أن الكتاب كان مجموعة من السير لبعض الحكام كالإخشيديين والحمدانيين، وبعض الوزراء، وأنه لم يكن مرتباً على السنن، ولهذا لا نستطيع أن نجزم على أي أساس أوردت فيه التراجم، وهل كان على حروف الهجاء، أو على حسب " أفراد الأسر " المعنية التي تحدث عنها المؤلف، وهل أفردت تراجم الحكام عن تراجم الوزراء أو لا، وما فيه من تراجم للبدو، إذا قيست بتراجم الحضر (٢) .
- ١ - (٣)
تغلّب حمدان بن حمدون بن حارث بن لقمان بن راشد التغلبي على دارا ونصيبين وتحصن بقلعة ماردين، فخرج أليه المعتضد بالله ووقف على بابها وقال: يا حمدان افتح الباب، ففتحه، وجلس المعتضد بالله فأمر بنقل مافيها وهدمها، ثم رضي على حمدان وأمَّره على تغلب. وكان أهل الموصل وديار بكر قد عمهم الغلاءُ ثلاثةَ أعوام، فحمل إليهم حمدان من الأقوات ما رَخَّصَ أسعارهم، وأنفق
стр. 82
على سور ملطية سبعين ألف دينار، ووقف أربعمائة فرس عليهم، وتوفي في سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
- ٢ - (١)
أبو العلاء سعيد بن حمدان: وكان في عسكر المقتدر بالله خمسة آلاف من السودان، ومنازلهم بدرب عمار، فكثر تحكمهم وشغبهم، فأوقع بهم أبو العلاء ابن حمدان في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وأحرق منازلهم، وبطل أمرهم من الدواوين والدنيا. وتقدم أبو العلاء عند الراضي بالله لأنه نصر أباه في حربه، واغتاله ابن أخيه أبو محمد ناصر الدولة، وقتل بالموصل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
- ٣ - (٢)
أبو العشائر ابن حمدان، وهو القائل:
وما سرَّ قلبي منذُ شَطَّتْ بكَ النوى ... أنيسٌ ولا كأسٌ ولا مُتَصَرَّفُ
وما ذقتُ طعمَ الماءِ إلا وجدتُهُ ... كأنْ ليس بالماءِ الذي كنت أعرف
ولم أشهدِ اللذاتِ إلا تكلّفاً ... وأيّ سرورٍ يقتضيه التكلف؟ ولما خرج الحاج في زمن المكتفي كان معهم أبو العشائر ابن حمدان فظفر بهم زكرويه بن مهرويه القرمطي، فقطع يدي أبي العشائر ورجليه بزبالة؟. وأخذ الرومُ حلبَ وقتلوا أبا العشائر وإخوته في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة [قال ابن العديم: وهذا خطأ من ابن الهمذاني فيما ذكره أولاً وثانياً، فإن أبا العشائر توفي أسيراً في يد الروم بالقسطنطينية في سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين] .
- ٤ - (٣)
ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان: لقَّبه
стр. 83
المتقي بهذا اللقب، وهو ثاني من لُقِّبَ في الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن سيف الدولة، وولَّى ناصر الدولة إمارة الأمراءِ ببغداد وواسط في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وضرب دنانير سماها الإبريزية، وبيع الدينار منها بإثني عشر درهماً، وزوج ابنته عدويه من الأمير أبي منصور ابن المتقي لله على صداق تعجل منه مائة ألف دينار، وكانت إمارته ببغداد ثلاثة عشر شهراً وثلاثة أيام.
- ٥ - (١)
ولم يزل [ناصر الدولة] مستولياً على ديار الموصل وغيرها حتى قبض عليه ابنه أبو تغلب في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وكانت إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، [رحمه الله تعالى. وقتل أبوه ببغداد وهو يدافع عن الإمام القاهر بالله وقصته مشهورة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة رحمه الله تعالى] .
- ٦ - (٢)
وكان لناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أولاد منهم أبو المظفر حمدان، وهو مذكور في التاريخ وفي مديح ابن نباتة.
- ٧ - (٣)
[أبو بكر محمد بن أبي محمد طغج المنعوت بالإخشيد] كان جيشه يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وكان جباناً، وكان له ثمانية آلاف مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكل بجانب خيمته الخدم إذا سافرَ، ثم لا يثق حتى يمضي إلى
стр. 84
خيم الفراشين فينام فيها، ولم يزل على مملكته وسيادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به.
- ٨ - (١)
وفي ليلة الخميس الخامس من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعمائة قتل أبو منصور سعد بن مروان في الحصن المعروف بالهتاخ، وولي أخوه أبو نصر أحمد بن مروان، ولقَّبه بالله نصرَ الدولة، وعدل في رعيته، وتنعم تنعما ً لم يسبق إليه وملك خمسمائة سرية سوى خدمهن وتوابعهن، وكان معروفاً بكثرة الأكل والشرب والنكاح، وتزوج بنات ملوك الأطراف، وكان يجمع في مجلس لذته من الأواني ما يزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وكان يصدق بالصدقات الكثيرة. ووقع وبأ في بلاده وكفن في سنة واحدة أربعة عشر ألف إنساناً. وكان لإهل الدين والعلم عنده مقدار عظيم. والتمس مائة ألف دينار يصرفها في بعض حوبه فأحضر له وزيره توزيعاً على أهل الأموال بها فقال: لو أردت أموال الناس لعولت على صاحب الشرط، وإنما أريد ذلك من أمول المتاجرة، فأتاه تاجرٌ بألف دينار فقال: أسألك يا مولانا قبولها في هذا البيكار فإني أكتسيت أمثالها في بعض الأيام، فقال: خذها ولا حاجة لي فيها، وأمر أن يتضدق في خزائنه شكراً لله تعالى في عمارة بلده، وكان بآمد في أيامه أربعة عشر داراً للمرابطين وعشرة آلاف رجل من المجاهدين، وسلاح عظيم، وذلك في وزارة فخر الدولة أبي نصر محمد بن محمد بن جهير لأبن مروان، وتوفي في شوال سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وعمره ست وسبعون سنة وثمانية أشهر، وإمارته ثلاث وخمسون سنة تنقص شهراً واحداً. وولي بعده أبنه نضام الدين أبو القاسم نصر.
- ٩ - (٢)
ولما مات أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان بصور
стр. 85
وهو وإليها من قبل المصريين قام مقامه أبنه أبو محمد الحسن واستولى على دمشق، فنفذ إليه المستنصر خادماً في سنة أربعين وأربعمائة، فقبض عليه ونفذ به إلى مصر، ثم ﵁، فاستولى على أمور الدولة هنالك، ثم أراد أن يزيل أمرهم فقتلوه في سنة ست وستين وأربعمائة.
- ١٠ - (١)
وأقلع السلطان (٢) حلب وقلعتها مملوكه آق سنقر ولقبه قسيم الدولة، وذك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة فأحسن السيرة، وظهر منه عدل لم يعرف بمثله، واستغلها في كل يوم ألفاً وخمسمائة دينار، ولم يزل بها حتى قتله تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان في سنةسبع وثمانين وأربعمائة.
- ١١ - (٣)
لما أستوزر عز الدولة بختيار بن بويه ابن بقية بعد أن كان يتولى أمر المطبخ قال الناس: من الغضارة إلى الوزارة، وستر كرمُهُ عيوبَهُ، وخَلَعَ في عشرين يوماً عشرين ألف خلعة.
- ١٢ - (٤)
نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي: وزر للسلطان ألب أرسلان ولولده السلطان ملك شاه تسعاً وعشرين سنة، قتل بالقرب من نهاوند في الليلة الحادية عشرة من شهر رمظان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وعمره ست وسبعون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوماً، أغتاله أحد الباطنية وقد فرغ من فطوره. وقيل أن السلطان ملك شاه ولف عليه من قتله لأنه سئم طول عمره، ومات
стр. 86
بعده بشهر وخمسة أيام. وتقدم نظام الملك في الدنيا التقدم العظيم، وأفضل على الخلق الإفضال الكبير، وعم الناس بمعروفه، وبنى المدارس لأصحاب الشافعي ووقف عليهم الوقوف، وزاد في الحلم والدين على من تقدمه من الوزراء، ولم يبلغ أحدٌ منه منزلته في جميع أموره، وعبر جيحون فوقع على العامل بإنطاكية ما يصرف إلا الملاحين. وملك من الغلمان الأتراك ألوفاً عديدة، وكان جمهور العساكر وشجعانهم وفتاكهم من مماليكه. وتحدث أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: سألته عن السبب في تعظيم الصوفية، فقال:
أتاني صوفي وأنا أخدم ابن باخر الأمير التركي فوعظني وقال: أخدم من تنفعك خدمته، ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غداً، فلم أعرف معنى قوله، فأتفق أن ابن باخر شرب من الغد، واغتبق، وكانت له كلابٌ كالسباع تفرسُ السباعَ بالليل، فخلبه السكر وخرج وحده، فلم تعرفه الكلاب فمزقته، فعلمت أن الرجل كوشف، فأنا أطلب أمثاله.
١٣ - (١)
وولي بعده [يعني رضوان بن تتش] أبو شجاع محمد بن رضوان، وكان لا يحسن أن يتكلم، واستولى على حلب، وله من العمر تسع عشر سنة، وقتل خلقاً من أصحاب أبيه، فاغتالهُ خادمٌ كان خصيصاً به أسمه لؤلؤ في رجب سن ثمان وخمسمائة، وكان ملكه بحلب سنة واحدة.
١٤ - (٢)
وملكها [يعني حلب] بعده [يعني بعد مقتل أبيه تتش] في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة أبنه أبو المظفر رضوان بن تتش تسع عشرة سنة، وتوفي في سحره يوم الأربعاء آخر يوم من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة، وعمره أثنتان وثلاثون سنة، وخلف عيناً وعروضاً تتقارب ألف ألف دينار.
стр. 87
٩ - تاريخ همام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب التنوخي
стр. 88
فراغ
стр. 89
كانت أسرة بني المهذب من الأسر المرموقة في المعرة، وقد شهر منها غير واحد من الفضلاء، (أنظر: جزء فيه مراثي بني المهذب) ، وقد اهتم أبو الحسين علي بن المهذب منهم بتدوين تعليق في التاريخ، وبعد وفاته سنة ٣٨٧ ٩٩٧ ضلّ ذلك التعليق من بين ما تحتفظ به تلك الأسر، حتى نشأ همام بن الفضل بن جعفر ابن علي (فعلي هو جدّ والد همام وهمّام كان يكنى بابي غالب) ، وقد وجد همام لديه ميلاً إلى إكمال ما بدأه جد والده فجمع كتاباً في التاريخ جعله تذكرة كتبها مما وجده في التواريخ المتقدمة، ومما وجده بخط جد أبيه الشيخ أبي الحسين وغيرهن واعتمد فيه على تدوين ما سمعه من بعض من أدركهم من المعربين كأبي العلاء المعرّي نفسه وغيره من الشيوخ. وبما أنّ تاريخ أبي غالب همّام قد احتوى تاريخ جدِّ والده، فقد جمعت بين التاريخيين (مع التمييز عند الضرورة، بين ما نقل مباشرة عن تاريخ أبي الحسين، وما نقل عن تاريخ أبي غالب) .
- ١ - (١)
سنة ٢٠٠: فيها ولد البحتري أبو عبادة الوليد بن عبيد الشاعر، ببلدة تسمى حردفنة من قرى منبج، في أول أيام المأمون وهو بخراسان.
حدثني أبو العلاء المعرّي عمّن حدثه أن البحتري كان يركب برذوناً له وأبوه
стр. 90
يمشي قدّامه، فإذا دخل البحتري على بعض من يقصده، وقف أبوه على بابه قابضاً عنان دابته إلى أن يخرج فيركب ويمضي.
- ٢ - (١)
سنة ٢٢٠:فيها قتل المعتصم دعبل بن علي الخزاعي لهجائه له، وكان قد استجار بقبر الرشيد بطوس فلم يُجِرْهُ (٢) .
- ٣ - (٣)
سنة ٢٤٤: فيها قدم المتوكل إلى الشام ونزل بتل منس (٤) في ذهابه وعودته.
- ٤ - (٥)
سنة ٢٤٧: فيها قتل المتوكل. ومات المسهب بن واضح التلمنسي غرة محرم وعمره تسع وثمانون سنة، ودفن في تل منس، وكان مسنداً وله عقب.
- ٥ - (٦)
سنة ٢٦٤: فيها ولد أحمد بن أبي حامد [محمد] بن همام ﵀،
стр. 91
وسمعت جماعةً من شيوخ معرة النعمان يصفونه ويقولون إنه كان شيخ جند حمص (١) .
- ٦ - (٢)
سنة ٢٧٠: وفيها توفي أحمد بن طولون في ذي القعدة وقام مكانه ابنه خمارويه.
- ٧ - (٣)
سنة ٢٨٨: وفيها هرب وصيف الخادم من مدينة بردعة من مولاه الأفشين وسار إلى الثغور الشامية، وتبعه المعتضد وظفر به بناحية الكنيسة السوداء، وهو يريد دخول بلد الروم فأخذه وانصرف به إلى بغداد فقتله، واعتل المعتضد لإتعابه نفسه في طلبه علةً كانت فيها وفاته، وقيل إنه وهو في طلبه وقد عاينه، حصره بولٌ، فاستبطأ نفسه أن ينزل، وعظم عليه أن يبولَ في ثيابه وسرجه، فانفتقت مثانته، وكان سبب موته.
٨ - (٤)
سنة ٢٩٠: فيها نجم بالشام قرمطي بأرض دمشق انتسب إلى العلوية، قال الشيخ أبو الحسين علي بن المهذب: أخبرني المهذب أبي أن هذا القرمطي أول
стр. 92
من وقع عليه هذا اللقب، وكان خرج في بطن من بني عدي من كلب يقال لهم بنو العلّيص، فخرج أليه طغج بن جف والي دمشق من قبل الطولونية محتقراً له، في غير عددٍ ولا عدّة، وكان هذا القرمطي في بادية كلب، فأوقع بطغج ودخل إلى دمشق مهزوماً، ثم رجع فجمع عسكره وحشد وخرج أليه، فكان الظفر للقرمطي أيضاً، وقتل خلقاً كثيراً من أصحاب طغج ونهبوا عسكره، وعاد طغج إلى دمشق، فقوي القرمطي، وكتب طغج إلى مصر فوجه أليه جماعة من الفرسان والرجالة وأمدّهم من في الشام فصار جيشاً عظيماً، فخرج وهو غير شاكٍّ في الظفر به، فأوقع القرمطي به، وكانت الوقعة في موضع يعرف بالكسوة. وسار القرمطي إلى بعلبك ففتحها وقتل أهلها ونهب وأحرق، وسار القرمطي منها إلى حمص فدعا لنفسه بها وبثَّ ولاته في أعمالها، وضرب الدنانير والدراهم، وكتب عليها المهدي المنصور أمير المؤمنين، وكذلك كان يدعو له على المنابر، وأنفذ سريّة إلى حلب، فأوقع بأبي الأغر خليفة بن المبارك السلمي وعادة السرية، وجبى الخراج وحُمِلَ أليه مال جند حمص، فأنفذ الأمير أبو الحجر المؤمل بن مصبح أمير برزويه والبارة والروق (١) وأفامية وأعمال ذلك وبقي والي هذه المواضع من قبل الخلفاء ببغداد أربعين سنة فيها رجلين من أهل معرة النعمان اسم أحدهما أحمد بن محمد بن تمام والآخر ابن عاص القسري، وجاءا إلى القرمطي يرفعان على أهل معرة النعمان، فمضيا أليه وقالا له: إن أهل معرة النعمان قد شقّوا العصا وبطَّلوا الدعوة وغيَّروا الأذان ومنعوا الخوارج، وكان أهل معرة النعمان قد أرسلوا معهما الخراج فأُخِذَ منهما في الطريق، فلما قالا له ذلك التفت إلى كاتبه وقال له: اكتب وشهد شاهدان من أهلها، فسار إليها وقال لأصحابه: إن أغلقوا الباب فاجعلوا غارة على الدارين (حاشية: لعله الذراري) . فخرج أهل معرة النعمان ولا علم لهم بما قد جرى، وأصحاب القرمطي يقولون لهم: القوا مولانا السيد، فبلغ كثيرٌ من الناس إلى قرب حناك، وأخذ الأبواب أصحابُ القرمطي على الناس فقتل خلقٌ كثير، ودخلها يوم الأربعاء النصف من ذي الحجة، فأقام يقتل المشايخ والنساءَ والرجالَ
стр. 93
والأطفال ويحرقُ وينهب خمسة عشر يوماً. فذكر أن القتلى كانوا بضعة عشر ألفاً. وخرج المكتفي إلى الرقة وأنفذ عساكره مع محمد بن سليمان الكاتب الأنباري، وكان شهماً شجاعاً مدّبراً، فحصل في حلب في جيش فيه ثلاثون الفاً مرتزقة فيما ذكر غير واحد وكان جهير بن محمد يقول له: تخرج إليهم فقد أهلكوا عشيرتي، فيقول له ابن الأنباري الكاتب: لو أخذوا بلحيتي ما خرجتُ إليهم حتى يهلّ هلال المحرم، يريد سنة إحدى وتسعين.
٩ - (١)
سنة ٢٩١: فيها سار محمد بن سليمان الكاتب الأنباري إلى القرامطة فأوقع بهم في قرية تعرف بالحسينية، فقتلهم وبدَّدَ شملهم، ولما تصور القرمطي ورأى أنه لا طاقةَ له بعساكر الخلافة هرب قبل الوقعة بأصحابه، فحصل في قرية شرقيَّ الرحبة تعرف بالدالية في نفرٍ يسير من خواصَّ أصحابه، وتستروا بها، وبعثَ بعضَ أصحابه متنكراً ليمتار لهم ما يحتاجون أليه، فأُخذَ وأَنكر، وأُتي به إلى رجل كان يتولى معونة الدالية يعرف بأبي خبزة لأحمد بن محمد بن كشمرد، وكان ابن كشمرد والي الرقة، وكان أبو خبزة صغير الشأن حقيراً في الجند، فسأله أبو خبزة عن خبره وقصته فتبين منه قولاً مختلفاً، فألح عليه أبو خبزة فأقرَّ ذلك الرجل بأنه من رجال القرمطي ودلّ عليهم في أيِّ موضع هم، فخرج أبو خبزة في من جَمَعَهُ من الأجناد الرجال إلى الموضع الذي فيه القرمطي وأصحابه فظفر بهم وبالقرمطي، وكان معهم حملان من المال فأخذهم والمال معه، وحمله إلى ابن كشمرد والي الرقّة، فأخذهم وكتب بخبرهم إلى المكتفي، فبعث إليه من تسلمهم منه وأوردهم الرقة، وانحدر المكتفي إلى مدينة السلام بغداد وهم معه، فبنى لهم دكةً عظيمة بظاهر القصر المتضدي وعُذّبوا عليها بأنواع العذاب.
стр. 94
١٠ - (١)
سنة ٣١٣:فيها توفي أبو إسحاق النحوي إبراهيم بن السريّ. حدثني الشيخ أبو العلاء أنه سمع عنه ببغداد أنه لما حضرته الوفاة سئل عن سنه، فعقد لهم سبعين، وآخر ما سثمِعَ منه: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل.
١١ - (٢)
سنة ٣١٤: فيها توفي أبو الحسن الرشيدي بحلب (٣) .
١٢ - (٤)
[نقل بالمعنى] : إسحاق بن يوسف الفصيصي التنوخي أبو يعقوب والد محمد والحسين ممدوحَي المتنبي، وكان أمير حمص واللاذقية وجبلة، وكانت الولاية على هذه المواضع له ولأخيه إبراهيم في سنة ٢٩٣هـ، وهما اللذان أوقعا بالأكراد في سنة ثلثمائة، ومقدّمهم يومئذ أبو الحجر المؤمل بن مصبح، وهزم عسكر أبي الحجر وقتل أكثرهم، وهرب أبو الحجر فطرح نفسه في بحيرة أفامية فأقام فيها أياماً في الماء، وفي تلك الوقعة يقول بعض شعراء تنوخ يصف فعل أبي الحجر:
توهّمَ الحربَ شطرنجاً يقلّبها ... للقَمْر ينقلُ فيها الرخَّ والشاها
جازتْ هزيمتُهُ أنهارَ فاميةٍ ... إلى البحيرة حتى غطَّ في ماها وإسحاق هذا وأخوه هما اللذان سوّيا حلفَ الروم حين افتتحوا اللاذقية
стр. 95
وجبلة والهرياذة، وأسروا من كان فيها من المسلمين، وكانا بحمص فلم يلحقا بالروم، وكاتبا رئيسَ الأساقفةِ بقبرس وتهدداه فأطلق جميع الأسرى.
وقدم إسحاق حلب سنة ٣١٩، وكان طريف السبكري صاحب حلب قد حاصره وجماعة أهله في حصونهم باللاذقية وغيرها وحاربوه حتى نفذ جميع ما عندهم من القوت والماء، فنزلوا على الأمان ودخلوا معه حلب مكرّمين.
١٣ - (١)
سنة ٣٢٢: وفيها فتحت ملطية الوقعة الأولى، فتحها الدمستق وهدم سورها وقصورها، وقيل فيها أشعار كثيرة، منها قول بعضهم:
فلأبكينَّ على ملطيةَ كلّما ... أبصرتُ سيفاً أو سمعتُ صهيلا
هدم الدمستقُ سورها وقصورها ... فسمعتُ فيها للنساءِ عويلا
والعلجُ يسحبها وتلطمُ كفُّه ... متورداً يققَ البياضِ جميلا
قاموا الصليبَ بها بأمرٍ ثابتٍ ... قد أظهروا الصلبانَ والإنجيلا - ١٤ - (٢)
سنة ٣٢٥: وفيها أغارت بنو كلاب على البلد [المعرة] فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد وجنده، واتبعهم إلى مكان يعرف بمرج البراغيث، فعطفوا عليه فأسروا ومن كان معه، وعذبهم بالماء والجليد، وأقام معاذ بن سعيد عند بني كلاب وأصحابه حتى خرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي فخلصهم.
стр. 96
١٥ - (١)
سنة ٣٣١: فيها توفي أحمد بن أبي حامد بن همام (٢) .
- ١٦ - (٣)
سنة ٣٣٣: فيها عبر سيف الدولة ابن حمدان الفرات ليملك الشام فتسامع به الولاة فتلقوه من الفرات، وكان فيهم أبو الفتح عثمان بن سعيد والي حلب من قبل الإخشيد، فلقيه من الفرات فأكرمه سيف الدولة وأركبه معه وسايره، فجعل سيف الدولة كلما مر بقرية فقال: ما اسم هذه القرية؟ فقال: ابرم، فسكت سيف الدولة وظن انه أراد أنه أبرمه وأضجره بكثرة السؤال، فلم يسأله سيف الدولة بعد ذلك عن شيء، حتى بعده قرى، فقال له أبو الفتح: يا سيدي وحق رأسك إن اسم تلك القرية " ابرم " فاسأل من شئت عنها فضحك سيف الدولة وأعجبته فطنته.
١٧ - (٤)
سنة٣٣٧: وفيها وصل أبو الطيب المتنبي الشاعر إلى سيف الدولة سيف الدولة ومدحه بقصيدته الميمية " وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه " بعد انصرافه من حصن برزويه.
١٨ - (٥)
وكان سيف الدولة قد أقطعه [يعني المتنبي] ضيعة تعرف ببصف من ضياع
стр. 97
معرة النعمان القبلية، فكان يتردد إليها، وكان يوصف بالبخل، فمما ذكر عنه ما حدثوه جماعة من أهل بصف أن كلباً من كلاب الضيعة المعروفة بصهيان كان يطرق تين بصف، فذكر ذلك لأبي الطيب المتنبي، فقال للناطور: إذا جاءك كلب فعرفني به، فلما جاءه عرفه فقال: شدوا على الحصان، وخرج إليه فطرده أميالاً ثم عاد لا يعقل من التعب، عقد عرق فرسه فقال له أهل بصف: يا أستاذ كيف جرى أمر الكلب؟ فقال كأنه كان فارساً إن جئته بالطعنة عن اليمين عاد إلى الشمال، وإن جئته من الشمال عاد إلى اليمين. .
وحدثوا عنه أبا البهاء ابن عدي شيخ رفنية كان صديقاً له، فنزل عنده ببصف، فسمعوه وهو يقول له: ياأبا البهاء أوجز في أكلك فإن الشمعة تتوى. سمعوه يحاسب وكيلاً له وهو يقول والحبتان ما فعلتا؟ يعني فضة.
١٩ - (١)
سنة ٣٤٦: فيها سار المتنبي من الشام إلى مصر.
٢٠ - (٢)
سنة ٣٤٨: وفيها توفي القاضي أبو سعيد الحسن بن إسحاق بن بلبل النيسابوري بمعرة النعمان، وبقي فيها أربعين سنة، يعزل ويعود، وبها دفن.
٢١ - (٣)
لما عقد سيف الدولة الفداء مع الروم واشترى أسرى المسلمين بجميع ما كان معه من المال واشترى الباقبن رهن عليهم أبا القاسم الحسين كلتبة وبدنته الجوهر المعدومة المثل، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
стр. 98
٢٢ - (١)
سنة ٣٥٤: وفيها خرج ابن الأهوازي بأنطاكية، وكان يتضمن بها المستغلات لسيف الدولة، وكان قد حصل في أنطاكية رجلٌ من وجوه أهل الثغور اسمه رشيق يعرف بالنسيمي، فعمل له ابن الأهوازي كتاباً ذكر أنه من الخليفة ببغداد بتقليده أعمال سيف الدولة، فقرئ على منبر أنطاكية، وكان قد اجتمع لابن الأهوازي جملةٌ من مال المستغل وطالب قوماً بودائع ذكر أنها عندهم، فعرض الرجال وقبضهم من أموال أنطاكية، وفرض لجماعة فرسان ورجالة أكثرهم من أهل الثغر، وسار بهم إلى حلب في عسكر كبير فحاصروا قرعوية الحاجبَ في القلعة بحلب، وكان القتال يجري بينهم مدة شهور، وقتل رشيق النيسمي في الحرب، وكان فيما قال متوجعاً، وعقد ابن الأهوازي الإمارة بعد رشيق النيسمي لرجل ديلمي كان من رجال سيف الدولة يقال له دزبر، وعاد العسكر إلى أنطاكية [الصواب أن استيلاء رشيق على المدينة حلب دون القلعة في ذي القعدة من سنة ٣٥٤وقتل رشيق على باب حلب في صفر سنة ٣٥٥] .
٢٣ - (٢)
سنة ٣٦٣: وفيها ولد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول.
٢٤ - (٣)
سنة ٣٦٤: وفيها توفي أبو سعيد السيرافي ببغداد.
стр. 99
٢٥ - (١)
سنة ٣٧٢: وفيها توفي أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي النحوي ببغداد.
وحدثني الشيخ أبو العلاء ﵀ أن أبا علي [الفارسي] كان صديقاً لجده القاضي أبي الحسن سليمان بن محمد، وكان صادقه بأنطاكية، ثم إن أبا علي مضى إلى العراق وصار له جاه عظيم من الملك فنّاخُسْرو، وأن بعض الناس وقعت له حاجةٌ في العراق احتاج فيها إلى كتاب من القاضي أبي الحسن سليمان إلى أبي علي الفارسي، فلما وقف على الكتاب قال: إني نسيتُ الشامَ وأهله [ولم يعره طرفه] .
٢٦ - (٢)
[أحمد بن الحسين الجزري التغلبي المعروف بالأصفر كان مقدماً مذكوراً ظهر في الجزيرة وعبر إلى الشام مظهراً غزو الروم فتبعه خلق عظيم من المسلمين] قال أبو غالب: حدثني من شاهد عسكره أنه كان يكون في اليوم في ثلاثين ألفاً ثم يصيره في يوم آخر عشرة آلاف وأكثر وأقل لإنهم كانوا عوام وعرباً. ونزل على شيزر وطال أمره، فاشتكاه بسيل ملك الروم إلى الحاكم، فأنفذ إليه مفلحاً اللحياني في عسكر عظيم، فطرده سنة خمس وتسعين، وقبض عليه أبو محمد لؤلؤ السيفي بخديعة خدع بها، وذلك أنه أنفذ إليه أن يدخل إليه إلى حلب، وأوهمه أنه يصير من قبله، فلما حصل عنده قبض عليه وجعله في القلعة مكرماً لأنه كان يهول به
стр. 100
على الروم. ورأيته أنا وقد خرج مبارك الدولة سنة ست وله شعرة والمصحف في حجره على السرج، وهو يقرأ فيه.
٢٧ - (١)
سنة ٤٠٥: وفيها ولد القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله، ابن أخي الشيخ أبي علاء، [سمع عمه أبو العلاء، وتولى قضاة معرة النعمان وقضاء حماة] .
٢٨ - (٢)
سنة ٤١٣: وفيها وردت عساكر مصر وزعيمتهم سديد الدولة علي بن أحمد الطف، فتسلم حلب من وفي الدولة بدر، وولي صفي الدولة أبو عبد الله محمد بن علي بن جعفر بن فلاح حلب، ووليت القلعة خادماً له بلحية بيضاء لقبه يمن الدولة (٣) وكان من أفاضل المسلمين فيه الدين والعلم.
٢٩ - (٤)
سنة ٤١٧: فيها صاحت امرأة يوم الجمعة وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغظبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ، وهدموا الماخور وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة صالح في نواحي صيدا.
стр. 101
٣٠ - (١)
سنة ٤١٨: فيها وصل الأمير أسد الدولة صالح بن مرداس إلى حلب وأمر باعتقال مشايخ المعرة وأماثلها، فاعتقل سبعون رجلاً في مجلس الحصن سبعين يوماً، وذلك بعد عيد الفطر بأيام، وكان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، وإنما غلب تادرس على رأيه وكان يوهمه أنه يقيم عليه الهيبة. ولقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المذهب وأبا المجد بسبب ما خور؟ ما أفعل وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميا فارقين وقطع عليهم ألف دينار؟ واستدعى الشيخ أبا العلاء ابن عبد الله ابن سليمان ﵀ بظاهرة معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها كالنهار الماتع اشتد هجيره وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حداه ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين﴾ فقال صالح: قد قد وهبتهم لك أيها الشيخ ولم يعلم الشيخ أبو العلاء أن المال قد قطع عليهم، إلا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعراً " تغيبت في منزلي. . الخ "
٣١ - (٢)
سنة ٤٢٦: وفيها توفي أبو القاسم علي بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحسن بن عبد الملك الطيب المعرف بالمنجم إمام المسجد الجامع بالمعرة، وقدم بعده أحمد بن خليفة الهراس، وكان صالحاً محموداً يقرأ للسبعة روايات.
٣٢ - (٣)
سنة ٤٣٠: وفيها توفي أحمد بن خليفة إمام الجامع بمعرة النعمان وقدم ولده خليفة.
стр. 102
٣٣ - (١)
سنة ٤٤١: فيها وصل الأمير أبو الفضل رفق، خادم كان على المطالب بمصر، في عسكر عظيم، فانهزمت منه بنو كلاب على حمص، وتبعها منزلاً منزلاً حتى نزل على معرة النعمان، فلما رأى خراب السور سأل كم يحتاج إلى أن يعود إلى ما كان فقدر له فكان ألفي دينار فقال: أنا أعمره من عندي بمالي ولا أحوجكم إلى غيري ثم إنه مضى إلى حلب ونزل على مسجد الجف، فقيل إن الكلبين داهنوا عليه، فأشير عليه أن يرحل عنها إلى صلدع فلم يفعل، فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء وكلب فلم يفعل فقيل له أن ينشىء سجلاً عن السلطان بأنه قد أقطع الشام لمعز الدولة ويعود بهيبته فلم يفعل، فلما رآه أمراء العسكر لا يلتفت إليهم ولا يقبل مشورتهم انهزموا مع العرب، وانهزم العسكر لما رأى العرب قد انهزمت، فأخذ وضرب [على] رأسه فمات في القلعة، ودفن في مسجد الجف، ونهب من العسكر شيء عظيم من الأموال والقماش والدواب وغير ذلك.
٣٤ - (٢)
[كان أبو الحارث البساسيري] إذا وصلت هدية من خراسان وغيرها من البلاد اعتقلها قبل ان يطلقها [للخليفة] .
٣٥ - (٣)
سنة ٤٥٠: فيها اضطرب الأمن في خراسان على طغرلبك فسار لإصلاحه، فجمع لبساسيري من قدر عليه من الترك والديلم، واجتمعت إليه بنو عقيل، وكان علم الدين قريش بن بدران زعيمها، وبنو أسد زعيمها نور الدولة دبيس بن مزيد،
стр. 103
وقصد بغداد، وزحف معهم أهل الجانب الغربي من بغداد إلى دار الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبي جعفر بن القادر، فنهبوا جميع ما فيها، واستدعى الخليفة من فوق القصر علم الدين قريش بن بدران فجاءه، فخرج إليه الخليفة وهو مبرقع وعليه بردة النبي ﷺ ، وفي يده قضيبه، فأجاره ولم يمكن أحداً منه، ومنعه من البساسيري، وسيره إلى حصن عانة وقيل الحديثة، وهو حصن منيع في وسط الفرات، وصاحبه رجل يعرف بمهارش أحد أمراء بني عقيل، فأكرمه إكراماً عظيماً وخدمه خدمة مرضية، فبقي فيه عند مهارش شهوراً.
٣٦ - (١)
سنة ٤٥١: وفيها دعا البساسيري للمستنصر صاحب مصر في جامع المنصور ببغداد، وبقيت الدعوة شهوراً.
وفيها عاد طغرلبك ملك التركمان أبو طالب محمد بن ميكال إلى بغداد، فانحاز البساسيري وجماعة العرب، وخرج معهم من التجار ببغداد وغيرهم خلق عظيم لا تحصى أموالهم، وذكر أنهم كانوا زهاء عن مائة ألف وعشرين ألفاً، وتبعهم من أصحاب طفرلبك زهاء عشرين ألفاً، فقتل البساسيري، وخلق كثير لا يحصى عدده، ونهبت تلك الأموال، وكان الذين تبعهم ولقيهم من عسكر طغرلبك نحو من عشرين ألفاً. وسار مهارش العقيلي بالخليفة إلى بغداد في محمل، فأعطاه من الأموال والإقطاع شيئاً عظيماً حتى أنه صار مهارش أيسر بني عقيل. وسار الأمير أبو ذؤابة عطية بن أسد الدولة صالح بن مرداس إلى الرحبة فأخذ جميع ما تركه البساسيري بها من السلاح الذي لم ير مثله كثرة وجودة، وأموالاً جزيلة كانت للبساسيري، ثم ولى فيها بعض أصحابه.
٣٧ - (٢)
[وقد] رهن محمود بن نصر ولده نصراً عند صاحب إنطاكية على أربعة عشر
стр. 104
ألف دينار وخراب حصن أسفونا (١) إذ ملك حلب وأخذها من عمه عطية، فلما ملك حلب خرب حصن أسفونا، وأخرج لذلك عزيز الدولة ثابتاً وشبل بن جامع، وجمعا الناس من معرة النعمان وكفر طاب وأعمالهما حتى خرباه.
٣٨ - (٢)
واجتاز بسياث [بظاهرة معرة النعمان] القاضي أبو يعلى عبد الباقي بن أبي حصن المعري (٣) والناس ينتقضون بنيانها ليعمروا به موضعاً آخر فقال:
مررتُ برسمٍ في سياثَ فراعني ... (٤) به زَجَلُ الأحجارِ تحت المعاولِ
تناولها عبل الذراعِ (٥) كأنما ... رمى الدهرُ فيما بينهم حربَ وائل (٦)
أَتُتْلِفُهَا شَلَتْ يمينُكَ (٧) خَلَها ... (٨) لمعتبرٍ أو زائرٍ أو مسائل
منازلُ قومٍ حدَثَتْنَا حديثَهُمْ ... ولم أرَ أحلى من حديثِ المنازل ٣٩ (٩)
سنة ٤٥٤: وفيها عمر المسلمون الحصن المعروف بالمرقب بساحل جبلة،
стр. 105
وهو حصن يُحَدَثُ كلُ من رآه أنه لم ير مثله، وأجمع رأي أصحابه على الحيلة بالروم، فباعوهم الحصن بمالٍ عظيم، وبعثوا شيخاً منهم وولديه رهينةً إلى إنطاكية على قبض المال وتسليم الحصن، فلما قبضوا المال وقدم عليهم نحو ثلاثمائة لتسليم الحصن قتلوهم، وأسروا آخرين كثيرين فباعوهم أنفسهم بمال آخر، ثم فدوا ذلك الشيخ وولديه بمالٍ يسير، وحصل المسلمون على الحصن والمال.
стр. 106
فراغ
стр. 107
١٠ - ١١، ١٢، ١٣
تواريخ صنفَها بَنو منقذ
стр. 108
فراغ
стр. 109
لأسرة بني منقذ أصحاب شيزر شهرة واسعة ودر هام في الحياة الفكرية، وإن كانت الشهرة أسامة بن مرشد بن منقذ قد حجبت كثيراً من جهود أقربائه، فقد كان أكثر رجال تلك الأسرة من المجيدين في ميدان الشعر، ولشعرهم حظ من الأصالة والجزالة ندر أن يجتمع في أفراد أسرة واحدة. غير أن الأمر الذي يهمنا هنا هو جهودهم في كتابة التاريخ.
١ - ويعد أسامة طليعة في هذا الأمر، وفي كتاب الاعتبار وفي بعض كتبه الأخرى معلومات هامة لا يستغني عنها دارس الحياة الاجتماعية في ذلك العصر. ولأسامة كتاب أسمه " أزهار الأنهار " ينقل عنه ابن العديم، ولا أدري في أي الكتب أصنفه، وإنما يبدو من القصة الوحيدة التي اقتبست منه أنه ينحو نحواً أخلاقياً. وله كتاب في تاريخ أيامه، وكتاب في أخبار أهله (١) ولعل كتابه في تاريخ أيامه هو الذي يشير إليه ابن خلكان باسم " كتابه الذي ذكر فيه البلاد وملوكها الذين كانوا في زمانه " (٢) .
٢ - ولأسامة أخ أسمه منقذ بن مرشد بن علي بن منقد، وله كتاب في التاريخ ذيل به على تاريخ أبي خالب همام بن المهذب المعري وهو يروي فيه عن أخيه مؤيد الدولة، ولكن لم أجد له ترجمة في المصادر.
стр. 110
٣ - أما الأخ الثاني لأسامة وهو أبو الحسن علي بن مرشد الملقب بعز الدولة فقد كان شاعراً مجيداً، ذكره السمعاني في تاريخه، وأورد العماد في الخريدة نماذج من شعره، وقال إنه ورد بغداد حاجاً بعد الغشرين والخمسمائة (١) ، واستشهد على عزة سنة ٥٤٥ في حرب الفرنج، تقطر به فرسه هنالك وانكشف عن أصحابه وبقي هو في المعركة فقتل، ولأبي الحسن كتاب في التاريخ ينقل عنه ابن العديم.
٤ - وشارك ابن أسامة وهو عضد الدين أبو الفوارس مرهف في هذا المضمار، وقد رآه ياقوت سنة ٦١٢ وكان قد بلغ الثانية والتسعين من العمر وأقعد إلا أنه كان صحيح العقل والذهن يقرأ الخط الدقيق، وكانت وفاته سنة ٦١٣ (٢) وقد رأى له ابن العديم مدرجاً بخطه يتضمن ذكر واقعاتٍ وقعت ذكرها على وجه الاختصار (٣) .