Полный текст (619 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدّمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهدية القويم، وسار على سنته إلى يوم الدين..
وبعد! فنقدم إلى القراء الأعزاء (كتاب مفيد العلوم ومبيد الهموم) تأليف الشيخ الامام العلامة جمال الدين أبي بكر الخوارزمي، رحمه الله تعالى..
وعند ما نختار كتابا لنقدمه إلى طلبة العلم تكون لنا فيه نظرة تمعن، فإما أن يكون الكتاب في التاريخ الاسلامي وإما أن يكون في الشريعة، واما أن يكون في علوم العربية وآدابها..
وكتابنا هذا الذي نقدمه إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حوى كل هذه الفنون مجتمعة، ففي التاريخ حوي
стр. 2
فرائد عجيبة يكاد يختص بها في السيرة النبوية الشريفة، وأحكام النبوة ومعجزات النبي، وغزواته، ودار الحرب، وأصناف الكفار، والعهود ... الخ.
كما حوى الكتاب العجائب عن البلاد، وما اختصت به كل بلدة من عجائب فريدة من نوعها بين مثيلاتها.
ثم تعرض المؤلف ﵀ في أبواب شتى إلى علم النفس مما يجعل له باعا طويلا في هذا الميدان، عند ما تكلم عن أنواع العلاج، فهناك باب لمعالجة الذنوب وآخر لعلاج الكذب، وثالث لعلاج الغضب.. الخ..
بل إنه عدد كل أنواع الاضطرابات النفسية والحسية وسماها بمسميات علمية وذكر لكل نوع ما يراه من علاج ناجع لها..
ثم هناك كتاب شرح السنة، وقسمه إلى تسعة أبواب حوت أبواب الستة المختلفة.
أما عن العربية وآدابها، وصلاتها بهذا السفر القيم الذي نقدمه إلى القراء، فإننا بكل فخر نقول: إنه تحفة فريد ودرة غالية بما حوي من آداب، وشعر، ويكفي أن نقدم نموذجا من هذا السفر..
«هذا وقد شهد سلطان العقل وقضى به حاكم الشرع
стр. 3
ان العالم من العرش إلى الثرى مرآة مجلوة للناظرين ...
وذوات العالم تنادي أنفسها وذواتها، شهد شهادة لا شك فيها بأن الله تعالى ليس له شريك، أشهد، لو نظر واستبصر أهل التلحيد، لوصلوا إلى حقيقة التوحيد، فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية: تدل على أنه واحد.
بهذا الأسلوب الهاديء، السهل الممتنع، وبهذا القلم المتميز بالرصانة والاتزان، سارت جميع أبواب الكتاب وفصوله، فغدا تحفة فريدة لراغبي العلم والمعرفة في كل الفنون، وصار رفيقا طيبا للمتزودين من العلم، خصوصا إذا كان هذا العلم يحض على التقوى، (وخير الزاد التقوى) .
لكل هذه الأسباب أقدمنا على طباعة هذه التحفة النادرة، لتكون هدية من ادارة الشؤون الدينية بدولة قطر إلى جميع الناطقين بالضاد ليروا ماذا كان أسلافهم يكتبون، وكيف كانوا يقدمون العلم لطالبيه، وهيئة هذا العلم الذي أسس لهم حضارة سجلها التاريخ بمداد من ذهب..
فهل لنا أن نعتبر؟؟
وهل آن الأوان لنا لكي ننهل من هذا النبع الصافي؟؟
стр. 4
وهل نحن على خطاهم سائرون لنمكن لديننا في الأرض؟؟
أرجو ذلك.
والله من وراء القصد، وهو ولينا ونعم النصير وهو أيضا حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
١٧ شعبان ١٤٠٠ هـ ١٨/٦/١٩٨٠ م عبد الله بن ابراهيم الانصاري.
стр. 5
[ديباجة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي ما للعالم سواه خالق وصانع ولا له عما يريد مانع ودافع وكل عزيز على بابه بالذل خاشع وكل سلطان لسلطنته خاضع متواضع لا وضيع الا وهو له واضع ولا رفيع الا وهو له رافع ولا متبوع الا وهو في حكمه تابع وما سواه للبلاء عن الخلق دافع ولا شريك له ولا منازع الخير والشر بتقديره لا بتدبير الطوالع والنفع والضر بقضائه لا باقتضاء الطبائع الجماد والحيوان له مطيع وسامع والسلطان والرعية له ساجد وراكع وهو للكل بالموت قامع ثم ليوم الحشر حاشر وجامع وحقا ثم حقا ان ما توعدون لصادق وان الدين لواقع وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سراجه لامع وسيفه قاطع ودينه جامع وهو لأمته شافع فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أبي بكر الطائع وعمر القانع وعثمان الساجد والراكع وعلي الذي بيده باب خيبر قالع وسلم تسليما كثيرا (هذا) وقد شهد سلطان العقل وقضى به حاكم الشرع أن
стр. 6
العالم من العرش الى الثرى مرآة مجلوة للناظرين وآية كاشفة للمتبصرين وكل من ينظر فيها يرى أن الصانع رب العالمين وفي أنفسكم أفلا تبصرون فجواهر العالم تناجي وأجسامه تنادي بلسان الحال فهو أفصح من لسان المقال هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه فجوهر يقول هل من خالق غير الله وجوهر ينادي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ولقد أصاب لعمر الله صاحبنا المطلبي في المعنى ﵁ حيث قرأ صبغة وجوهر ينطق ويقول رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا وذوات العالم تنادي أنفسها وذواتها شهدت شهادة لا شك فيها بأن الله تعالى ليس له شريك أشهد لو نظر واستبصر أهل التلحيد لوصلوا الى حقيقة التوحيد.
فيا عجبا كيف يعصي الال ... هـ أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
فالدلائل الصامتة والناطقة شاهدة بوحدانيته ولكن الارادة الأزلية فرقت بين المؤمنين والكافرين أنعمت على قوم بالمعرفة والايمان وخصصت قوما بالخذلان والحرمان وأخبر القرآن القديم فقال: «فريق في الجنة وفريق في السعير» .
стр. 7
أتاك المرجفون برجم غيب ... على دهش وجئتك باليقين
ولقد وفق الله أهل الحق من بين البرية وخصهم بهذه الهدية وأكرمهم وعظمهم بالاسلام والسنة والتوفيق والعصمة فعرفوه وعظموه وقالوا جهلوك فجحدوك ولو عرفوك لعبدوك فنادوا هلموا فلله الحجة البالغة حجة العقل فانظروا في وجود الحوادث أولا ثم انظروا في حدوثها ثانيا واستدلوا بحدوثها على قدم محدثها ثالثا واذكروا من الدلائل قليلا كفى بذلك جملة وتفصيلا استدلوا بالتغيرات على المغير وبالحركة والسكون على حدوث العالم واعلموا أن لنا ربّا قوام الأشباح بنعمته وبقاء الأرواح والأجسام برحمته ونحن حيرى في كنه عظمته فأصبحوا وغايتهم العجز والاذعان وجهرهم الأمان الامان يا مزيل الدول والزمان يا من كل يوم هو في شان يا مقلب القلوب والابصار احفظ علينا نعمة الايمان واعصمنا من البدع والكفر والطغيان فاعتقادنا ومكنون فؤادنا هذه الكلمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
стр. 8
غيره أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
يا هذا عميت عين لا تفوز بالنظر الى صنع الله وخاس عقل لم يحتط من حكمة الله وخذل عبد لم ينظر في صنع الله وخاب امرؤ لم يتذكر بأيام الله وخاب الكافرون وخسر المبطلون وضل المتفلسفون وهلك الملحدون فبأي حديث بعده يؤمنون. فالأرواح نوازع والنفوس جوازع والأسرار ضوائع فبم التعلل وحتام التمهل وما هذه الدعوى وعند الصباح يحمد القوم السرى فطوبى لعبد جعل التوحيد سمير فكره ونجّي قلبه ومطية سيره الى ربه فان قدر الآدمي بالدين القويم والهدي المستقيم والنجاة في التوحيد لمن يعتقده وقيمة كل امرىء ما يحسنه ومن ألبس سربال الاسلام فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولو الألباب فيا لها نعمة على جسد فهو ملك أعطى النعمة الكبرى والفضيلة العظمى فله عز في عز ودولة في دولة فالأمر أمره ولله دره فما أعظم قدره تذكر.
هنيئا لأرباب النعيم نعيمهم ... وللمفلس المسكين ما يتجرع
стр. 9
ومن سلب ثوب ايمانه واتهم في نبيّ زمانه فحق له البكاء فقد بطل وجوده ورب السماء فيعيش بين الورى كما قال تعالى لا يموت فيها ولا يحيا فالنعمة نعمة الدين والدولة للمسلمين والعاقبة للمتقين قال مالك بن برهة بن نهشل المجاشعي سيد وفد بني تميم: يا رسول الله ألست أشرف قومي فقال ان كان لك عقل فلك فضل وان كان لك خلق فلك مروءة وان كان لك دين فلك شرف وان كان لك مال فلك حسب والا فأنت والحمار سواء فالمعاصي في جنب التوحيد تتلاشى وكل الصيد في جوف الفرا هذا وقد علم كل عاقل منصف وفاضل متصف ان الدنيا دار قلعة والحال حال خدعة والعمر كما ترى مار بسرعة فالدنيا حلم والآخرة يقظة والمتوسط بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام فما هي لعمر الله الا أنفاس معدودة وآجال محدودة وآمال ممدودة فكل نفس خطوة وكل خطوة ميل وكل شهر منزلة فرسخ وكل سنة منزلة فاذا بلغ الأجل فقد بلغ المنزل فاذا خطيب ينادي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالاياب المسافر
فالعاقل يأخذ من نفسه لنفسه ويقيس يومه بأمسه فان مدة العمر قليلة وصحة الجسم مستحيلة والدهر خائن والمرء لا
стр. 10
محالة حائن وكل ما هو آت فكائن وكل يوم يسوق الى غده وكل امرىء مأخوذ بجناية لسانه ويده مسكين ابن آدم انقطعت أسرته يوم قطعت سرته فؤاده طالب وهو مطلوب وجميع ما له مسلوب شبابه الى هرم وسلطانه الى اتضاع وماله الى ذهاب وصحته الى سقم وحياته الى ممات متصل ذلك بعضه الى بعض اتصال الليل والنهار والشتاء والصيف أحسن بامرىء غرته الدنيا هل يبلغن مغرور منها الا خرقة وكسرة ان كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي عن إخوته فجمع لزوج امرأته أو زوج ابنته أو امرأة ابنه أو لعدو خارق ان في ذلك لآيات فهل من مدكر وهل من عاقل معتبر ينظر الى حوادث الزمان وعواقب السلطان قالعقل يدعو الى الاعتبار والحكمة تحث على الاستبصار الساعات تهدم الأعمار ومنادي الشرع ينادي الاعتبار الاعتبار فاعتبروا يا أولي الأبصار.
نسير الى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقا كأنه ... اذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شامل
стр. 11
ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل
ونقل أن بعض الملوك نظر الى ملكه فأعجبه ذلك فقال انه الملك لولا انه هالك وأنه لسرور لولا أنه غرور وأنه ليوم لو كان يوثق بغده فأبلغ العظات النظر الى محل الأموات فعواقب الأمور فوات وكلنا يا صدر الرؤساء أسراء العبر والممات والمنزل الذي يستوي فيه العبيد والسادات انظروا يمنة ثم اعطفوا يسرة هل ترون أحدا من الرجال والنساء أخذ قبالة البقاء بخطوط مسابح السماء.
عجبا عجبت لغفلة الانسان ... قطع الحياة بغرة وتوان
فكرت في الدنيا فكانت منزلا ... عندي كبعض منازل الركبان
مجرى جميع الخلق فيها واحد ... وكثيرها وقليلها سيان
أبقي الكثير الى الكثير مضاعفا ... ولو اقتصرت على القليل كفاني
لله در الوارثين كأنني ... بأخصهم متبرم بمكان
(هذا) وقد ساقني تقدير الله الى جمع كتاب وتهذيب علم
стр. 12
وترتيب قواعد وترصيع عبارات وإيراد إشارات هو ذخيرة السلطان ويتيمة الزمان ونزهة الاخوان من قال جامع سفيان فقد صدق ومن قال نادرة الزمان فما أغرب فلا غرو وللشمس أن تشرق وللبدر أن يتألق يغازل فيه الشاميون العراقيين وينافس به العراقيين الخراسانيون وكل به متنافسون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون عمري من كان له هذا الكتاب لا يضيق صدره أبدا ويعرف به قواعد الشرع وقانون الممالك ونصرة المذهب ورد الخصم وتذكر الآخرة وقاعدة العدل وعاقبة الأمور ونذير العدو الى غير ذلك وأنفقت فيه شطرا من صالح عمري (وسميته) مفيد العلوم ومبيد الهموم ورتبته على اثنين وثلاثين كتابا وهي:
[كتاب في قواعد الدين]
(الكتاب الأول في قواعد الدين) وفيه تسعة أبواب
الباب الأول في النظر والاستدلال
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول فيما يلزم بالنظر
إعلم أن النظر قانون الاستدلال في الأمور وحاكم العدل وقاضي الصدق ومعيار الشريعة ومحك الحق والباطل وبريد المعرفة وسلطان الحقيقة وبرهان الشريعة وترجمان الايمان وجاسوس الكلام وغارس الاسلام وحجة الأنبياء ومحجة الأولياء والسيف القاطع على الأعداء شجرة طيبة أصلها
стр. 13
ثابت وفرعها في السماء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالنظر رأس السعادة عند أهل الدنيا والدين فبقاء الدولة وقاعدة الأمور وأساس التدابير وصحة الاعتقاد وخلاصة التوحيد في ناصية النظر كما أن أساس الكفر والشرك في ناصية التقليد وتذكر ساعة في صنع الله وتفكر لحظة في فعل الله أفضل وأحسن من عبادة سبعمائة سنة قيام ليلها وصيام نهارها وإليه إشارة قوله ﷺ تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة لأن النظر يوصل العبد الى المعرفة فيعرف الله تعالى ومن عرف الله تعالى فقد نال العز الأبدي والسعادة الكلية يا بردها على الفؤاد والكبد فأهل الدين بالنظر يعرفون حقيقة الدين والمعارف كما أن أهل الدنيا بالنظر يحصلون مقاصد الدنيا ولا يمكن معرفة سبيل النجاة من الهلاك الا بالنظر عرفه من عرفه وجهله من جهله.
(الفصل الثاني في حده وحقيقته)
فأقول حقيقة النظر هو الفكر في حال المنظور فيه لمعرفة حكمه وقيل هو فكر القلب في شاهد يدل على غائب فان قيل أطنبت الخطبة وأحسنت السؤل فما حجتك على صحته وانه مؤد الى العلم فأقول في العالم حق وباطل والناس صنفان أهل الحق وأهل الباطل وأصحاب الصدق وأصحاب
стр. 14
الكذب ولا يتصور معرفة الحق من الباطل الا بالنظر فالآدمي خلق كامل الرأي عظيم التدبير داركا للمعاني وأعطاه الله الادراك وهو العقل فاذا استعمله على وجهه وقع عنده العلم بالمنظور فيه كما يقع العلم بالمدركات عند الادراك فعند فتح الأجفان يبصر الأشياء وعند الاستماع والاصغاء يسمع وعند الاستعمال اللسان يتكلم فعند النظر يعلم ولو كان فاسدا لم يتضمن العلم لأن الفاسد لا يحكم له بقضية صحيحة والدليل على أن النظر يوصل الى العلم وهو طريق الحقائق فزع العقلاء اليه اذا التبس عليهم حكم شيء من الغائبات كما يفزعون الى البصر والسمع في تعريف ما يخفى من أحوال المرئيات والمسموعات واذا التبس عليهم شيء من أحوال الحواس الذوق والشم واللمس رجعوا الى النظر (دليل آخر) عرفنا أن النظر دليل الى العلم ضرورة فان عقلاء العالم وجهابذة المعاني مهما نزلت بهم نازلة أو حدث لهم حادث من المشكلات المهمات فزعوا الى النظر وتفكروا وتدبروا ليعرفوا وجه الصواب من الخطأ والحق من الباطل فعرفنا بضرورة العقل أن النظر طريق العلم فها نحن معاشر المسلمين نعرف الحق من الباطل بالنظر ونعرف الكفر من الايمان بالنظر ونعرف الله ورسوله بالنظر وأن الباطنية شر خليقة الله وهم زنادقة كفار ودهرية ضلال
стр. 15
ونعرف أن التقليد باطل ولا معصوم الا رسول الله ﷺ على رغم الباطنية أعداء الله كل ذلك بالنظر وقد قيل كيف نعرف النظر أو نعرف الشيء بالشيء هذا بديع في القياس بعيد يا قاضي العدل اذا حكم عدل فأقول عن صبوح يرفعون عرفت شيئا وغابت عنك أشياء عرفت صحة النظر بما أعلم به صحته في نفسه فتصحيح الشيء بما يدعى له الصحة غير متناقض وافساد الشيء بما يدعى له الفساد متناقض لأني اذا صححت النظر بجزء من المنظور دخل ذلك الجزء من النظر أيضا في جملة ما صححته فعرفت صحته مما به صحته في نفسه.
(الفصل الثالث في وجوبه)
فأقول ان النظر واجب لأن معرفة الله تعالى واجبة ولآن تاركه لا يأمن العقاب وهذا معنى الواجب وبيان أن معرفة الله تعالى واجبة الآيات الدالة عليها واجماع الأمة فاما الآيات فقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله فاعلموا أن الله مولاكم قل انظروا ماذا في السموات والأرض ان في خلق السموات والأرض حتى قال العلماء نزلت ثلاث مئة آية في الحث على النظر والمعرفة والاجماع منعقد على ذلك ولأن شيئا من الشرائع في الصلاة والزكاة والقرب لا يصح التقرب
стр. 16
به الى الله تعالى الا بعد معرفة الله سبحانه لأن العبادة لا يصح أداؤها الا بالنية والنية قصد القلب الى إفراد الرب بالعبادة وقصد من لا يعرف بإفراد العبادة لا يصح واعلم أن الطريق الى المعرفة هو النظر الصحيح فان معرفة الله تعالى ليست ضرورية اذ لو كانت لما تصور فيه الخلاف كمعرفة الليل والنهار ووجود الآدمي فاذا ثبت أن معرفة الله سبحانه لا تمكن الا بالنظر فالنظر واجب لأن ما لم تتأد العبادة الا به كان واجبا في نفسه كالصلاة لا تؤدى الا بالطهارة فلا جرم تكون الطهارة واجبة والأمر بالصعود الى السطح أمر بنصب السلم.
(الباب الثاني في أول ما يجب على العباد المكلفين)
إن أول ما يجب على المكلف القصد الى النظر المؤدي الى معرفة الله تعالى فان قلت انك مدع واذا آل الأمر الى الدعاوى استوى كل طائع وغاو فأقول ما أبين الصبح لذي عينين وان الرحيل أحد اليومين والدليل عليه أن معرفة الله تعالى واجبة بالآيات المتقدمة والسعادة هي اليقين والدنيا هي فتنة الدين وما سواه فضلال مبين. فماذا بعد الحق الا الضلال فأنى تصرفون واعلم أن الواجب اشتقاقه من السقوط واللزوم يقال وجب الحائط اذا سقط وحده في
стр. 17
الشرع المنقول وقضية المعقول ما يستوجب اللزوم والعقاب بتركه وحد النظر هو فكر القلب وتأمله في حال المنظور فيه وأقمت الدليل على أن قاعدة الدين هو النظر لأن المسلمين من لدن آدم ﵊ الى منقرض العالم اذا نزلت بهم نازلة يرجعون الى النظر والفكر سواء كان في أمر الدين أو الدنيا ويقول بعضهم لبعض انظروا وتفكروا ولا يقولون اسمعوا وتقلدوا خلافا لما يدعيه الباطنية الضلال والملاحدة الجهال وقال تعالى هل عندكم من علم ولم يقل من معلم وقال هاتوا برهانكم ولم يقل معصومكم وبركاتكم وقال اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ولم يقل يسمعوا وقال عربي مبين ولم يقل حبشي فعرفت أن الدين بالحجة والبرهان دون التقليد الذي هو عصا العميان والعقلاء بقضهم وقضيضهم ينظرون في أمر الدين والدنيا لمعرفة الصالح من الفاسد والسار من الضار فلولا أنه طريق واضح ومنهج لائح لما فزعوا إليه.
فالناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار احسان
فإن قيل يا ناصر الدين وفارس المتقين لقد شفيت علتي وأزحت غلتي فمن الموجب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو
стр. 18
العقل ففي هذا مزلة الأقدام ومدحض الأقوام فأقول:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
الموجب هو الله سبحانه لأنه خالق الأعيان وموجد الخلائق فالأصل في الخطاب خطاب الله تعالى فإنه دليل بنفسه وما بعده من الخطاب فرع خطاب الله صار بخطاب الله دليلا من حيث انه خالق الأعيان له الخلق والأمر وما سواه دليل من وجه ومدلول من وجه مثلا خطاب رسول الله ﷺ فانه مدلول خطاب الله اذ بخطاب الله صار دليلا قال الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فلولا خطاب الله لما عرفنا خطاب رسول الله وخطاب رسول الله دليل الاجماع والاجماع مدلوله وهو دليل القياس والقياس مدلوله وهو دليل الحكم والخطاب أمر ونهي وهما سيان في حقيقة الطلب والاستدعاء فأمر رسول الله ﷺ واجب بأمر الله وطاعته معترض لأمر الله فإذا أمرنا الله بشيء ونهانا عن شيء فكأنا نسمع خطاب الله بتبليغ رسول الله وبواسطته لأنا لا نسمع من الله شفاها والرسول مبلغ ومبشر ومنذر بشير للموحدين ونذير للملحدين وكذلك أقوال الصحابة ﵃ حجة بخطاب رسول الله وأقوال
стр. 19
العلماء حجة بخطاب الرسول وطاعة الأمراء واجبة بقول الرسول وطاعة الزوج على زوجته والسيد على غلمانه واجبة بقول رسول الله فليعلم بأن هذا أصل عظيم (سؤال عظيم) اشتبه على زهاء خمسمائة فلسفي قالوا كيف نعرف النبي أنه نبي فان الله لا يخاطبه مواجهة ولو جاءه ملك احتمل أنه شيطان تصور بصورة ملك فكيف نثق بقوله؟ (الجواب) البراهمة أوتوا حين كفروا من هذه الشبهة وانها لكبيرة الا على الخاشعين فنقول نعرف النبي انه نبي بطرق الأول أن يخلق الله له علما ضروريا فنعرف أنه رسول الله.
الطريق الثاني أن يظهر الله آيات وعلامات فيضطر الرسول الى أنه من قبل الله وأن البشر يعجز عن مثله.
الثالث أن يخبره الله بما في قلبه وصدره فيضطر النبي الى معرفة كلامه لأن الغيب لا يعلمه الا الله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا.
(الباب الثالث في التوحيد)
فان قيل ما حد التوحيد من الموحد فأقول على الخبير سقطت حد التوحيد العلم بان الله سبحانه واحد بصفاته التي
стр. 20
هو عليها من كونه حيا قادرا عالما مريدا سميعا بصيرا متكلما والموحد هو العالم بأن الله واحد حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم والتوحيد أن يعلم أن الله واحد قديم لم يزل ولا يزال كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان عالم بعلم أزلي قادر بقدرة أزلية يعلم مثاقيل الجبال وأوزانها وأوراق الأشجار وكمياتها وقطرات البحار ويعلم عدد الحيوان والدواب ومواضعها ويعلم كم المؤمن وكم الكافر وكم الذكر وكم الأنثى وكم الأحياء وكم الأموات يسمع كلام نفسه لا يدخل في الوهم منزه عن التقدير والتحديد مقدس عن خطرات الخاطر لأن كل ما يقدره الوهم يكون متلوّنا مقدرا أو مشبها بشيء والله مقدس عن جميع ذلك وكل ما يخطر بالبال فالله بخلاف ذلك الشيء وخالق ذلك الشيء فمن اعتقد هذا فمؤمن موحد حقا وجملة التوحيد في حرف واحد وهو أن يعلم العبد ان القديم لا يشبه المحدث وان الله سبحانه لا يجوز عليه الاتصال والانفصال والقرب والبعد والحلول والانتقال والطبع والغش وقال بعض العلماء خلاصة التوحيد أن يعتقد العبد أن كل ما يتقدر في الوهم ويتصور في الخاطر فالله بخلاف ذلك وخالق ذلك وأن الله تعالى غير مشبه بالذوات وذاته غير معطلة عن الصفات.
стр. 21
(الباب الرابع في نكت الأئمة في التوحيد)
أول دليل على أجل جليل قال الامام المطلبي ﵁ استقبلني سبعة عشر زنديقا في طريق غزة فقالوا ما الدليل على الصانع فقلت لهم ان ذكرت دليلا شافيا هل تؤمنون قالوا نعم قلت نرى ورق الفرصاد طبعها ولونها وريحها سواء فيأكلها دود القز فيخرج من جوفها الابريسم ويأكلها النحل فيخرج من جوفها العسل وتأكلها الشاة فيخرج من جوفها البعر فالطبع واحد إن كان موجبا عندك فيجب ان يوجب شيئا واحدا لأن الحقيقة الواحدة لا توجب إلا شيئا واحدا ولا توجب متضادات متنافرات ومن جوز هذا كان عن المنقول خارجا وفي التيه والجا فانظر كيف تغيرت الحالات عليها فعرفت انه فعل صانع عالم قادر يحول عليها الأحوال ويغير التارات قال فبهتوا ثم قالوا لقد أتيت بالعجب العجاب فآمنوا وحسن إيمانهم. وجاء رجل الى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال ما الدليل على الصانع قال أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ثم ان كان كما زعم أفلاطون الزنديق ان في الرحم قالبا منطبعا ينطبع الجنين فيه فلزم الحمار أن يكون الولد إما ميناثا أو مذكارا لأن
стр. 22
الحقيقة لا تختلف فلما رأينا المرأة تلد ذكرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة وتريد أن تلد فلا تلد وتريد أن لا تلد فتلد وتريد الذكر فتكون أنثى وتريد الأنثى فيكون الذكر على خلاف اختيار الأبوين فعرفنا قطعا أنه قدرة قادر عالم حكيم وان الفلاسفة ينادون من مكان بعيد لقد هلكوا وبالله كفروا ووقعوا في الهوى فتبا لمن يدعي الفهم وهو أعمى (دليل) قال الشافعي ﵁ وقد سئل عن التوحيد فقال رأيت قلعة حصينة ملساء ولا فرجة فيها ظاهرها كالفضة وباطنها كالذهب الابريز وجدرانها حصينة محكمة ثم رأيت الجدار ينشق فيخرج من القلعة حيوان سميع بصير مصوت فعلمت ضرورة أن الطبيعة لا تقدر على ذلك وانه فعل صانع حكيم فالقلعة هي البيضة والحيوان هو الدجاجة (دليل آخر) سأل هرون الرشيد الشافعي ﵁ عن التوحيد فقال اختلاف الأصوات وتردّد النغمات وتفاوت اللغات يا أمير المؤمنين دليل على أن المحرك واحد والنيران الموقدة المتضادة في تركيب الآدمي فيألف بعضها على بعض لمصلحة البنية وقوام البشرية دليل على الصانع (دليل آخر) قال حكيم اسأل الأرض من شقق أنهارك وأوتد أوتادك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فان لم تجبك جؤارا فقد أجابتك اعتبارا. ويقال شيئان صامتان ناطقان الوقت
стр. 23
والقبر ويقال ما الأشياء الصامتة الناطقة يقال الدلائل المخبرة والعبر الواعظة (دليل آخر) ذكره المقدسي قال من له ملك العالمين والناس أجمعين عنده صواعق الزلزلة وطوارق الحوادث في وقت الاضطرار في البراري والبحار لذي الجوع والعطش الى الله تعالى فهذا دليل على الصانع فان المؤمن والكافر اذا اضطرا في البر والبحر لا يفزعان الى الشجر والحجر بل يفزعان الى الله سبحانه كما يفزع الصبي الى ثدي أمه فأمة الترك تقول يا تكري وأمة الهند تقول يا لاح وأمة المجوس تقول يا يردان وأمة العرب تقول يا الله وأمة العجم تقول يا خداي. قال يزيد بن عمير في الجاهلية:
الى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا
الى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... إله ولا رب سواه مدانيا
فأنت الذي من فضل منّ ورحمة ... بعثت الى موسى رسولا مناديا
فقلت له اذهب مع هرون فناديا ... الى الله فرعون الذي هو طاغيا
(دليل آخر) سئل الشافعي ﵁ عن التوحيد
стр. 24
فقال بالنوم واليقظة عرفت الرب أريد السهر فيغلبني النوم وأريد أن أنام فيغلبني السهر ترى الرجل العادي الضخم العبل يغلبه النوم من اختياراته وقد أسره وقد قال العلماء النوم واليقظة مثل الحياة والنشور وكما يشتهي أن يبيت لا يشتهي أن يموت وكما لا يشتهي في حال النوم أن يستيقظ لا يشتهي أن يحيا فيحيا إلا باذن الله ذلك تقدير العزيز العليم (دليل آخر) قال الحسن بن عليّ عرفت الله بنسخ العزائم ونقض الهمم وضعف الأركان وتحويل الحالات في الأزمان.
وقال آخر بموت الملوك وابقاء الفقراء. وقال آخر بحظّ الجهول وحرمان العاقل. وقال آخر عرفت الله بليل داج ونهار وهاج وسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج ورياح ذات عجاج وأرض ذات سبل وفجاج وجبال مثبتة بلا درج ومعراج دليل على رب حكيم فراج (دليل آخر) قال شمس براق ومعصرات ذات ابراق وأشجار ذات أوراق وقلوب ذات فرح وانشقاق دليل على حكيم خلاق.
الحمد لله كم في الأرض من حكم ... تنبي اللبيب عن الأيام والقدر
إن شئت في فلك أو شئت في رجل ... أو شئت في مدر أو شئت في حجر
стр. 25
كل يدل بأن الله خالقه ... لا يستطيع دفاع النفع والضرر
فلنمسك عنان القلم فإن هذا الباب لا ينتهي الى حد.
(الباب الخامس في عجائب خلق الانسان)
ولقد أبدع الله سبحانه معاشر المسلمين الآدمي في صورة عجيبة وخلقة بديعة يعلم بعقله ويعي ببصيرته ويتكلم بلسانه فاليدان لاستخدام الأشياء والرجلان للسعي والعينان لمشاهدة الدنيا والمعدة للهضم والكبد لطبخ الغذاء والطحال للفكرة والامعاء للفضول والفرج لاقامة النسل والذكر آلة لذلك فتبارك الله أحسن الخالقين والرأس أشرف الأعضاء ويقال الرأس صومعة الحواس ومضاده من القلب وخلقه بأعضاء مفردة ومزدوجة فالمفرد مذكر في اللغة والمزدوج مؤنث فجعل الرأس مفردا للاكتفاء به فلو جعل له رأسين لكان زيادة من غير فائدة وخلق اليدين مزدوجة لحاجة كل واحدة الى اعانة الأخرى كما قال الصادق ﵁ خلق الله في شبر من الانسان أربع جواهر وهم العينان وماؤهما مالح ولولاه لذابتا لأنهما شحمة والأذن وماؤها مرّ ولولاه لما امتنعت الهوام من دخولها والمنخر وفيه حموضة الاسترواح والاستنشاق والفم وماؤها عذب الاستطعام
стр. 26
فسبحان من أنطقه بلحم وأبصره بشحم وأسمعه بعظم وأعجب من هذا تصور في الرحم في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة حيث لا تراه عين ولا تناله يد فيخرج سويا فلو خلق له لسانين لكانا ثقيلين عليه من غير حاجة فلو تكلم بأحدهما كان الآخر معطلا وان تكلم بكلام واحد كان أحدهما لغوا وان تكلم على خلافه لم يدر السامع على أي القولين يقول فتبارك من جعل لمنافذ البول والغائط اشراجا يضبطها لكي لا يجري جريا دائما فيفسد عليه عيشته وفي حسن التدبير أن يكون الخلاء في أستر موضع من الدار فكذا المنفذ المهيأ للخلاء في جسد الانسان في أستر موضع وجعل الريق يجري دائما الى الحلق فلا يجف فلو جف الحلق واللهاة والفم لهلك الانسان فتفكروا معشر العقلاء وتأمل يا صدر المعالي وعلم الرؤساء في الحفظ والفهم فلو عدم الآدمي الحفظ والفهم لا ختل عيشه فلم يحفظ ماله وما عليه وما أخذ وما أعطى وما يتذكر من أحسن اليه ممن أساء وتفكر في النسيان وعظم نعمة الله فيه فلولاه لما سلا أحد عن مصيبته ولا انقضت له حسرة ولا مات له حقد ثم تفكر في الحياء خص به الآدمي دون سائر الأشياء فلولاه لم يقر الضيف ولم يقع الوفاء بالعدات ولم تقض الحوائج ولم يتخير الجميل ولم يتجنب القبيح وتفكر في كتمان الأجل فلو
стр. 27
علم الآدمي مدة حياته وكمية عمره لتنغص عيشه فلو عرف مقداره وكان قصيرا لم يهنأ بعيش مع ترقب الموت بل كان بمنزلة من قد فني ماله وأشرف على الهلاك ولو كان طويل العمر وثق بالعمر فانهمك في اللذات على أنه يبلغ شهوته ثم يتوب وهذا مذهب لا يرضاه الله تعالى من العباد ثم تأمل آخرا في الأشياء المعدة في العالم فالتراب للبناء والحديد للصناعات والخشب للسفن والنحاس للأواني والذهب والفضة للمعاملة والجوهر للذخر والحبوب للغذاء والثمار للتفكه واللحوم للمأكل والطيب للتلذذ والأدوية للتصحح والدواب للحمولة والحطب للوقود والحشيش للدواب والمسك والعنبر للشم فلم يقدر المحصي أن يحصي هذا الجنس ولو صنفنا كتابا في هذا الجنس لما استقصينا أفراده والله تعالى أعلم.
(الباب السادس في مسألة داخل العالم وخارجه)
اعلم أن الملاحدة لعنهم الله استغوت عوام المسلمين وضعفاء المؤمنين بهذه المسألة فقالوا كيف تعرفون الله وهو لا داخل العالم ولا خارجه وقد قال الله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
فلا يمكن معرفة الله من جهة العقل وإنما تمكن من جهة المعصوم كما هو مذهبنا. نقول من قال إن معرفة الله
стр. 28
تعالى مستحيلة غير معقولة فقوله إلحاد كقولكم لأنه مخالف للكتاب والسنة وأقوال مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي ومخالف للمعقول أما الكتاب فقال الله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ
فلو لم تكن معرفة الله تعالى ممكنة كان الخطاب محالا فان الشرع لا يخالف قضيات المعقول بقول الآدمي لا ينظر والأعمى لا يبصر والأنبياء بعثوا لدعاء الخلق الى الله وأما المعقول فالصنع لا بد له من صانع والعالم مصنوع فلا بد له من هذا أما نحن نعرفه بتأويل عقولنا فمن اجتاز في برية فرأى قصرا مشيدا وبناء رفيعا فجوز من نفسه انه انفعل بنفسه من غير فاعل لم يكن انسانا بل يكون مجنونا بمارستان فالعالم مع تركبه العجيب لا يكون أقل من بناء جص وهذا ظاهر فان قالوا أردنا به انه لا تعرف كيفيته ولا آنيته. الجواب قلنا يا مخاذيل هذا تلبيس ابليس فكيف تدعون كيفية ولا كيفية له وكيف تنسبون آنية ولا آنية له فوصفه بشيء يستحيل في حقه محال وقوله لا داخل العالم ولا خارجه قلنا هذا السؤال في نفسه محال لأن قائله لا يخلو إما أن يكون مقرا بأن العالم محدث أو منكر فان كان مقرا فلا كلام معه لأنه اذا علم أن تفسير العالم كل موجود سوى الله كيف يستجيز أن يكون القديم ملابسا ومشاكلا للحادث وخارج العالم عدم محض فكيف يقال ذات
стр. 29
الباري في العدم فعرفت أن السؤال محال والجواب الصحيح أن تقول الباري واجب الوجود فكان قبل العالم وجوده واجبا لا يعقل زمان لا يكون فكان ولا مكان ولا تقدير مكان فلما خلق العالم كان على ما كان والتغيير انما يرجع الى الحدوث اما من كان واجب الوجود فتغيره محال فلاح من هذا الأصل ان العالم عبارة عن المكان والمكان جوهر والجوهر والعرض مخلوقان والله ليس بمحدود وليس من جنس الجواهر والأعراض حتى يوصف بأنه داخل العالم وخارجه.
(الباب السابع فيما يلزم المكلف اعتقاده)
وذلك أن يعلم حدوث نفسه وحدوث جميع العالم وان الجواهر والاعراض محدثة واخراجه من العدم الى الوجود وجعل أعيان العالم أعيانا وأعراضها أعراضا ويعتقد أن الصانع واحد قديم لم يزل موجودا ولا يزال باقيا ولا يعدم ولا يفنى ولا يجوز عليه التنير والانتقال وانه ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم ولا صورة ولا جسد ولا حركة ولا سكون ولا غم ولا فرح ولا سهو ولا غفلة وانه بلا كيفية ولا آنية وأنه منفرد باحداث الأعيان لا خالق غيره ثم يعتقد قدم الصفات من قدرته وعلمه وحياته بلا روح ولا نفس وقدرته على مقتدراته قدرة واحدة ويدرك بسمعه جميع
стр. 30
المسموعات ويبصر جميع المرئيات ويرى ذاته وكلامه أزليا صفة قديمة قائمة به فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لا ضار ولا نافع إلا هو ولا استطاعة مع الفعل ولا حجة على الله ولا حكم بل هو الحاكم له الحكم والأمر بعثه الرسل جائز وأن محمدا رسول الله بالمعجزة الصادقة وشريعته مؤيدة باقية إلى يوم القيامة والاجماع حق والجنة والنار حق والصراط والميزان والحساب ويوم القيامة حق وسؤال الملكين في القبر حق والعذاب في القبر لأهل العذاب حق والشفاعة حق ومن شك في شيء من ذلك فهو كافر ويعتقد أن الامامة لأبي بكر أولا ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعليّ ويعتقد في الباطنية والحلولية والناسخية أنهم مرتدون شر من المجوس هذا أقل ما يلزم المكلف اعتقاده.
(الباب الثامن في فرق الأمة)
افترقت الأمة من أهل القبلة على اثنين وسبعين فرقة أهل الحق منهم السنية الأشعرية ومن سواهم فضلال فالطائفة الأولى غلاة المعتزلة ينفون الصفات وغلاة المشبهة يثبتون الجوارح والمكان لله تعالى والقدرية يثبتون القدرة لأنفسهم ويزعمون أن العبد خالق أفعاله والمجبرة ينفون القدرة للعبد والمرجئة والخوارج والنجارية والجهمية
стр. 31
والروافض والحرورية فالمعتزلة عشرون فرقة الواصلية أصحاب واصل بن عطاء والعمروية أصحاب عمرو بن عبيد والهذيلية أصحاب الهذيل علان والنظامية أصحاب نظام والاسوارية والاسكافية والبشرية أصحاب بشر معتمد وبشر موسى والمكارية والهاشمية والحائطية أصحاب أحمد بن حائط والحمارية أصحاب عسكر مكرم والمعمرية أصحاب معمر بن عباد والثمامية أصحاب ثمامة بن أشرس والجاحظية والكعبية والجنانية والبهشمية والشيطانية (فصل) أما المشبهة فتفرقوا على عشرين فرقة الهاشمية أصحاب هشام والمعيرية والمنهالية والرزارية واليولنية والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب والزهيرية والحشرجية والكرامية والمأمونية (فصل) والجبرية ثلاث فرق الجهمية أصحاب جهم بن صفوان الترمذي والبكرية والضرارية (فصل) والمرجئة ثلاث فرق اليونسية الغحانية اليونانية اليومنية (فصل) النجارية البرغوثية الزعفرانية المستدركية (فصل) أما الروافض فأربع وعشرون فرقة أربع فرق الغلاة السبانية والبابية المغيرة الهشامية والجناحية والمنصورية واليونسية والزيدية والصالحية والجارودية الحريرية اليعقوبية البترية الكيسانية الشريكية التناسخية الخليفية يقولون لا تجوز الصلاة خلف غير الامام الرجعية المترفضة (فصل) أما الخوارج فعشرون
стр. 32
فرقة الاباضية المحكمية الازارقة النجدية الصعرية الميمونية العشيبية الخمرية الحارمية المجهولية الصليتية الأخنسية المعيدية الرشيدية السابية اليزيدية الحارثية المكربية الفضيلية السمراخية الضحاكية فهؤلاء فرق الأمة ضلوا وأضلوا وبقي من وفقه الله وعصمه على الحق فماذا بعد الحق الا الضلال.
(الباب التاسع في حكم من تبلغه الدعوة)
قال الشافعي ﵁ ولا أظن أن في وجه الأرض أحدا لم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ فلو قدر أن أناسا في جزيرة أو بلدة في أقصى العالم من الترك والروم أو الهند لم تبلغه دعوة محمد ﷺ فلا يجوز قتالهم ما لم تعرض الدعوة عليهم ولا يجب عليهم أن يسلموا من قبل العقل لأنه آلة وليس بموجب والموجب هو الله تعالى فان قتل منهم أحد تؤخذ ديته وان ماتوا قبل سماع الدعوة فلا عقاب ولا حساب لقوله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
وقالت المعتزلة يجب عليهم أن يؤمنوا بالله تعالى بناء على أصلهم ان العقل موجب للمعرفة وان عرضت عليهم الدعوة فأبوا وامتنعوا فهم معاندون يجب قتالهم (قاعدة) يتصور عقلا على مذهب أهل السنة أن يكون جماعة في جزيرة لم يأتهم رسول
стр. 33
ولا معصوم فنظروا وتفكروا من قبل أنفسهم فعرفوا الله سبحانه وآمنوا به وان لم يروا نبيا قط وقالت الملاحدة لعنهم الله لا يتصور ذلك وان عمروا ألف سنة ونظروا ألف سنة لأن المعرفة عندهم سمعية تتلقى من النبي أو الامام المعصوم وهذا خزي من قائله قاتلهم الله أنى يؤفكون.
كتاب أحكام النبوة
وفيه أحد عشر بابا
(الباب الأول في تفسير النبوة)
اعلم أن النبوة ليست بمكتسبة ولا هي صفة النبي ﷺ وليست بجسم فيوضع على الطبق وأما تفسير النبوة فمعناها تعلق خطاب الله تعالى بشخص أن يقول له أنت رسول وقد بعثتك الى أمة كذا لتدعوهم الى كذا فحينئذ ثبتت رسالته ويجب على الخلق طاعته ولا يتعلق هذا بكسب بشر ولا يحصل بجهد آدمي ولو أنفق عمره في الرياضة وأذاب مهجته فيها فليت شعري ما عمل عيسى في المهد حين قال إني عبد الله وما فعل خليل الله في صباه حين قال إني وجهت وجهي وماذا كسب آدم ﷺ ببديع فطرته حين قال من تراب ثم اصطفاه واجتباه واخوة يوسف مع ما فعلوا مع يوسف خصوا بالنبوة وموسى ﷺ كان يرعى لشعيب الغنم فأعطاه الله النبوة هيهات هيهات لا كسب ولا رياضة ولا جهد ولا
стр. 34
دراسة بل نبأ عناية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد ضل في هذا الباب عالم وهلك جماعة وغرق في بحار الفكر جميع الفلاسفة فقالوا النبوة مكتسبة يمكن كسبها بالرياضة فيقال لهم يا ضلال استحيوا من الله حق الحياء فان محمدا ﷺ كان في اجارة خديجة ﵂ يعمل لها وكان يرعى فأدرجت النبوة بين كتفيه ﷺ ثم منذ استأثر الله تعالى محمدا ﷺ ونقله الى جنته قد مضى زهاء خمسمائة سنة وأربعين سنة أما كان رجل من هذا العالم العظيم أن يصفي نفسه ويروض طبعه لينال النبوة ثم أنتم بعد تقشفكم وعزوبكم من طيبات الدنيا يسكن أحدكم حيا فارغا طول الدهر لا يأكل شيئا من الدنيا ومع ذلك لم يكن أحد فيكم ادعى النبوة لا كان ولا يكون الدهر الى يوم القيامة فأمسكوا عن هذيانكم واقصروا عن بهتانكم ومن قال ان الانسان برياضة القلب وبمجاهدته للنفس يصل الى العالم الروحاني فذاك زنديق يقرع باب الزندقة بل صفاء القلب من فضل الله وسواد القلب من خلق الله لا خالق الا الله لا علة ولا معلول ولا طبيعة ولا مصنوع بل الله صانع وما سواه مصنوع فكم رأينا من رجل جاهد وهاجر وراض نفسه بالمجاهدات الشاقة فما حصل الا على السوداء البحت والماليخوليا الصرف وكم رأينا من يتمرغ في النعيم يغدو بجفان ويروح بجفان وقد
стр. 35
حصل له كرامات وولايات وليس باتفاق فحذوا حذركم فأي طاعة أكثر من طاعة ابليس وعاقبته اللعنة وأي معصية فوق معصية سحرة فرعون وخاتمتهم الرحمة قال الأستاذ أبو اسحق ان بعض الفلاسفة خدع بعض الناس وقال انكم تصلون بالرياضة وصفاء القلب الى عالم الروح ومن عالم الروح الى عالم الملكوت ومن عالم الملكوت الى عالم الغيب فالمساكين هجروا الديار والأوطان وأقبلوا على أكل الحشيش ومساكنة الجبال ومرافقة الوحوش فخف دماغهم وأخذتهم الماليخوليا فتعجلوا بالمعد السوداء وذهبت أعمالهم هباء ولم يحصلوا الا على سراب يحسبه الظمآن ماء (قاعدة مفيدة) خاصية النبي ﷺ شيئان اثنان احداهما أن لا يكون في نظره خطأ البتة فلا يعتريهم خطأ في دين الله تعالى والله تعالى يعصم نظرهم عن الخطأ والنسيان ويجوز الخطأ والنسيان على الأنبياء الا في موضع واحد وهو تبليغ الرسالة ففي هذا الموضع لا يجوز فتأمل في هذه النكتة والثاني ان الله قد شرفهم وأكرمهم بأخبار الغيب أو بواسطة ملك أو بنفسه أو بأن يخلق لهم علما يعرفون به أنه كلام الله أو غيب يظهره عليه عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول وما سوى ذلك فهو كسائر الآدميين.
стр. 36
(الباب الثاني في الرد على البراهمة)
جميع أهل القبلة من أمة محمد ﷺ يجوزون أن يبعث الله أنبياء إلى الخلق بالأمر والنهي فيأمرهم وينهاهم بواسطة رسالتهم لأن الأنبياء مبلغون وليسوا بموجبين وقالت البراهمة من أهل الهند لا يجوز بعثة الأنبياء عقلا ولهم في ذلك شبهتان (الأولى) قالوا لا يخلو ما جاء به الأنبياء اما أن يكون موافقا للعقل أو مخالفا للعقل فان كان موافقا للعقل فلا حاجة الى النبي وان كان مخالفا للعقل فلا يمكن معرفته فما به حاجة الى النبي؟ (الجواب) نقول يا معشر الحمير وأصحاب السعير عرفتم شيئا وغابت عنكم أشياء الشرع مؤكد للعقل مقرر له يرشد الى أشياء لا تدرك بمحض العقل فاذا لم يكن في إرسال الرسل استحالة خروج عن حقيقة فيجب الحكم بجوازه وهذا لأن العقل يقضي بتناول الدواء عند المرض ثم الأطباء يبينون قوانين الأدوية والتفصيل ويعرفون الضار من النافع فالحاجة ماسة الى الأنبياء فالأطباء أصحاب الأبدان والأنبياء أصحاب الأديان وأيضا تفاصيل الشرعيات من اعداد الصلوات والحدود والكفارات لا يهتدي العقل إليها فالحاجة داعية الى الأنبياء في بيان ذلك (الشبهة الثانية) الأنبياء وردت بذبح البهائم من غير جريمة
стр. 37
وهو قبيح فلهذا قلنا لا يجوز بعثة الأنبياء (الجواب) هذه البهائم مملوكة لله تعالى تارة يؤلمها ويسقمها وتارة يميتها وتارة يأمر بذبحها وللمالك أن يتصرف في ملكه كما يشاء لا اعتراض عليه فلما جاز له اماتتها جاز له أن يأمر بذبحها ولأنها اذا تماوتت لا ينتفع بها أحد فأمر بذبحها لينتفع بها عبيده ولأن الآدمي أشرف من البهائم وقد خلق محتاجا الى الأكل والشرب ليكون له قوة ونشطة على عبادة الله وجهاد أعداء الله فالله حكيم وجعل البهائم فداء الآدمي وصيانة لقوته وكفاية لمعيشته ومن جعل الاخس فداء الأشرف يكون حكيما (جواب آخر) معظم أمر المعيشة مرتبط بجلودها من السرج واللجم والسياط والأنطاع والخفاف والمخاد والأخبية فلو لم يجز لأدّى ذلك الى الحرج ولا حرج في الدين
(الباب الثالث في بيان أن محمدا ﷺ رسول الله حقا وصدقا)
فان قال لك قائل ما الدليل على أن محمدا رسول الله فقل الدليل عليه أني أعلم ضرورة أن محمدا ادعى النبوة في مكة وتحدى بها وأظهر الله على يديه معجزات وآيات عجز الخلق عن الاتيان بمثلها وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ولم يعارضه معارض ومن أعظم الآيات أنه شخص واحد ظهر والعالم من
стр. 38
الشرق الى الغرب يموج بالكفر فقال يا قوم ها أنا أقول لكم إن دينكم باطل ومذهبكم فاسد وآباؤكم وأمهاتكم في النار وان متم على هذا الاعتقاد فأنتم كلاب النار فها أنا أقول لكم هذا فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فلم يقدر أحد من العالم على دفعه ومعارضته فهذا من أدل دليل على الحق والقوم على الضلال (دليل آخر) ان الله أنزل عليه القرآن عربيا معجزة له ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يأتوا بمثله لا يقدرون عليه وكما أعلم ضرورة وقطعا ان بلدة في العالم يقال لها بغداد أعلم ان محمد بن عبد الله ادعى النبوة وأظهر الله المعجزة على يده ﷺ فأي دليل أدل من هذا فان قال لم يظهر محمد بعد فهو محال لأن هذا معلوم بالضرورة وان قال لم يدع النبوة فمحال لأنه معلوم بالضرورة نقل إلينا تواترا انه ادعى النبوة وكان رجلا فردا أميا خرج وأهل الأرض ذات الطول والعرض كلهم كفار فقال لهم إني رسول الله وأنتم على الباطل وآباؤكم في النار ومعجزتي القرآن فائتوا بسورة مثله وهم أهل الفصاحة والبلاغة فعجزوا عن معارضته واشتغلوا بالقتال فان قلت فلعلهم عارضوه ولم ينقل إلينا قلنا هذا من أمحل المحال فان آحاد الوقائع ومفردات الأمور قد نقلت إلينا تواترا فلو كان ذلك لنقل وهذا مقطوع بصحته.
стр. 39
(الباب الرابع في شروط المعجزة)
والمعجز في الحقيقة خالق المعجزة وهو الله تعالى ولكن على طريق الاصطلاح سميت الخصلة التي يكون ظهورها عند مدعي النبوة معجزة وشروط المعجزة سبعة الأول أن تكون افعالا لأن القديم لا اختصاص له بصادق دون كاذب.
الثاني أن تكون ناقضة للعادة لأن الفعل المعتاد كما يوجد مع الصادق يوجد مع الكاذب. والثالث أن تكون في زمان التكليف لأن الذي يظهر في القيامة من انفطار السماء وتكوير الشمس أفعال ناقضة للعادة ليست بمعجزات لأن الآخرة ليست بدار تكليف. الرابع أن تكون مقرونة بالتحدي لأنه يحصل أحيانا أفعال ناقضة كالزلازل والصواعق وليست بمعجزة. الخامس أن تكون الدعوى مقرونة بالنبوة لأن كرامات الأولياء عندنا جائزة وليست بمعجزة لأنها لا تكون مقرونة بالدعوى. السادس أن تكون متمكنة بصدق من ظهرت على يديه لأنه اذا ادعى النبوة فأنطق الله اصبعا بأنه كاذب لم يكن دليلا له. السابع أن تكون على وجه الابتداء لأنه لو تلقف انسان سورة من القرآن ثم مضى الى قبيلة بعيدة ولم تبلغهم الدعوة وتنبأ هناك لم تكن معجزة فهذه شروط المعجزة لتستمسك بها
стр. 40
وامتحن بها فحول العلماء وأعلام الفضلاء تجد أكبرهم بمعزل عن معرفتها.
(الباب الخامس في معجزاته ﷺ
اعلم أن لنبينا محمد ﷺ معجزات كثيرة سوى القرآن وقد جمعها العلماء في مجلدين تبلغ خلاصتها أربعة آلاف وخمسين معجزة وأظهرها القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فمنها دعاؤه على عتبة بن أبي لهب فقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فكان في قافلة فقال أبوه احفظوه فان محمدا قد دعا عليه فأخفوه تحت الرحال وأناخوا الجمال حواليه فبعث الله أسدا حتى كان يشم القوم واحدا واحدا وافترسه ورضض عظامه (معجزة أخرى) دعا على أربد وعلى عامر بن الطفيل فأربد أصابته صاعقة من السماء فاحرقته وعامر طعن في بيت عجوز سلولية فمات فيه وكان يقول غدة كغدة البعير (معجزة أخرى) لما أنشد النابغة الجعدي شعرا بين يديه فاستحسنه فقال لا فض الله فاك فعاش مائة وثلاثين سنة لم يسقط له سن وقيل متى سقط واحد من أسنانه نبت مكانه أحسن منه (معجزة أخرى) أخذ كفا من الحصى فكانت تسبح وتهلل على يديه وتقول سبحانه وبحمده. (معجزة أخرى) لما اتخذ له منبر على ثلاث
следующие страницы →