Полный текст (619 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(الباب الثاني في الرد على البراهمة)
جميع أهل القبلة من أمة محمد ﷺ يجوزون أن يبعث الله أنبياء إلى الخلق بالأمر والنهي فيأمرهم وينهاهم بواسطة رسالتهم لأن الأنبياء مبلغون وليسوا بموجبين وقالت البراهمة من أهل الهند لا يجوز بعثة الأنبياء عقلا ولهم في ذلك شبهتان (الأولى) قالوا لا يخلو ما جاء به الأنبياء اما أن يكون موافقا للعقل أو مخالفا للعقل فان كان موافقا للعقل فلا حاجة الى النبي وان كان مخالفا للعقل فلا يمكن معرفته فما به حاجة الى النبي؟ (الجواب) نقول يا معشر الحمير وأصحاب السعير عرفتم شيئا وغابت عنكم أشياء الشرع مؤكد للعقل مقرر له يرشد الى أشياء لا تدرك بمحض العقل فاذا لم يكن في إرسال الرسل استحالة خروج عن حقيقة فيجب الحكم بجوازه وهذا لأن العقل يقضي بتناول الدواء عند المرض ثم الأطباء يبينون قوانين الأدوية والتفصيل ويعرفون الضار من النافع فالحاجة ماسة الى الأنبياء فالأطباء أصحاب الأبدان والأنبياء أصحاب الأديان وأيضا تفاصيل الشرعيات من اعداد الصلوات والحدود والكفارات لا يهتدي العقل إليها فالحاجة داعية الى الأنبياء في بيان ذلك (الشبهة الثانية) الأنبياء وردت بذبح البهائم من غير جريمة
стр. 37
وهو قبيح فلهذا قلنا لا يجوز بعثة الأنبياء (الجواب) هذه البهائم مملوكة لله تعالى تارة يؤلمها ويسقمها وتارة يميتها وتارة يأمر بذبحها وللمالك أن يتصرف في ملكه كما يشاء لا اعتراض عليه فلما جاز له اماتتها جاز له أن يأمر بذبحها ولأنها اذا تماوتت لا ينتفع بها أحد فأمر بذبحها لينتفع بها عبيده ولأن الآدمي أشرف من البهائم وقد خلق محتاجا الى الأكل والشرب ليكون له قوة ونشطة على عبادة الله وجهاد أعداء الله فالله حكيم وجعل البهائم فداء الآدمي وصيانة لقوته وكفاية لمعيشته ومن جعل الاخس فداء الأشرف يكون حكيما (جواب آخر) معظم أمر المعيشة مرتبط بجلودها من السرج واللجم والسياط والأنطاع والخفاف والمخاد والأخبية فلو لم يجز لأدّى ذلك الى الحرج ولا حرج في الدين
(الباب الثالث في بيان أن محمدا ﷺ رسول الله حقا وصدقا)
فان قال لك قائل ما الدليل على أن محمدا رسول الله فقل الدليل عليه أني أعلم ضرورة أن محمدا ادعى النبوة في مكة وتحدى بها وأظهر الله على يديه معجزات وآيات عجز الخلق عن الاتيان بمثلها وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ولم يعارضه معارض ومن أعظم الآيات أنه شخص واحد ظهر والعالم من
стр. 38
الشرق الى الغرب يموج بالكفر فقال يا قوم ها أنا أقول لكم إن دينكم باطل ومذهبكم فاسد وآباؤكم وأمهاتكم في النار وان متم على هذا الاعتقاد فأنتم كلاب النار فها أنا أقول لكم هذا فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فلم يقدر أحد من العالم على دفعه ومعارضته فهذا من أدل دليل على الحق والقوم على الضلال (دليل آخر) ان الله أنزل عليه القرآن عربيا معجزة له ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يأتوا بمثله لا يقدرون عليه وكما أعلم ضرورة وقطعا ان بلدة في العالم يقال لها بغداد أعلم ان محمد بن عبد الله ادعى النبوة وأظهر الله المعجزة على يده ﷺ فأي دليل أدل من هذا فان قال لم يظهر محمد بعد فهو محال لأن هذا معلوم بالضرورة وان قال لم يدع النبوة فمحال لأنه معلوم بالضرورة نقل إلينا تواترا انه ادعى النبوة وكان رجلا فردا أميا خرج وأهل الأرض ذات الطول والعرض كلهم كفار فقال لهم إني رسول الله وأنتم على الباطل وآباؤكم في النار ومعجزتي القرآن فائتوا بسورة مثله وهم أهل الفصاحة والبلاغة فعجزوا عن معارضته واشتغلوا بالقتال فان قلت فلعلهم عارضوه ولم ينقل إلينا قلنا هذا من أمحل المحال فان آحاد الوقائع ومفردات الأمور قد نقلت إلينا تواترا فلو كان ذلك لنقل وهذا مقطوع بصحته.
стр. 39
(الباب الرابع في شروط المعجزة)
والمعجز في الحقيقة خالق المعجزة وهو الله تعالى ولكن على طريق الاصطلاح سميت الخصلة التي يكون ظهورها عند مدعي النبوة معجزة وشروط المعجزة سبعة الأول أن تكون افعالا لأن القديم لا اختصاص له بصادق دون كاذب.
الثاني أن تكون ناقضة للعادة لأن الفعل المعتاد كما يوجد مع الصادق يوجد مع الكاذب. والثالث أن تكون في زمان التكليف لأن الذي يظهر في القيامة من انفطار السماء وتكوير الشمس أفعال ناقضة للعادة ليست بمعجزات لأن الآخرة ليست بدار تكليف. الرابع أن تكون مقرونة بالتحدي لأنه يحصل أحيانا أفعال ناقضة كالزلازل والصواعق وليست بمعجزة. الخامس أن تكون الدعوى مقرونة بالنبوة لأن كرامات الأولياء عندنا جائزة وليست بمعجزة لأنها لا تكون مقرونة بالدعوى. السادس أن تكون متمكنة بصدق من ظهرت على يديه لأنه اذا ادعى النبوة فأنطق الله اصبعا بأنه كاذب لم يكن دليلا له. السابع أن تكون على وجه الابتداء لأنه لو تلقف انسان سورة من القرآن ثم مضى الى قبيلة بعيدة ولم تبلغهم الدعوة وتنبأ هناك لم تكن معجزة فهذه شروط المعجزة لتستمسك بها
стр. 40
وامتحن بها فحول العلماء وأعلام الفضلاء تجد أكبرهم بمعزل عن معرفتها.
(الباب الخامس في معجزاته ﷺ
اعلم أن لنبينا محمد ﷺ معجزات كثيرة سوى القرآن وقد جمعها العلماء في مجلدين تبلغ خلاصتها أربعة آلاف وخمسين معجزة وأظهرها القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فمنها دعاؤه على عتبة بن أبي لهب فقال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فكان في قافلة فقال أبوه احفظوه فان محمدا قد دعا عليه فأخفوه تحت الرحال وأناخوا الجمال حواليه فبعث الله أسدا حتى كان يشم القوم واحدا واحدا وافترسه ورضض عظامه (معجزة أخرى) دعا على أربد وعلى عامر بن الطفيل فأربد أصابته صاعقة من السماء فاحرقته وعامر طعن في بيت عجوز سلولية فمات فيه وكان يقول غدة كغدة البعير (معجزة أخرى) لما أنشد النابغة الجعدي شعرا بين يديه فاستحسنه فقال لا فض الله فاك فعاش مائة وثلاثين سنة لم يسقط له سن وقيل متى سقط واحد من أسنانه نبت مكانه أحسن منه (معجزة أخرى) أخذ كفا من الحصى فكانت تسبح وتهلل على يديه وتقول سبحانه وبحمده. (معجزة أخرى) لما اتخذ له منبر على ثلاث
стр. 41
درج لازدحام الناس كان هناك جذع يستند اليه رسول الله ﷺ فحن الجذع مثل حنين المرأة عند الطلق بحيث سمع الناس حنينه فنزل من أعلى المنبر واحتضنه واعتنقه حتى سكن وامتلأ المسجد بالضجيج والبكاء. (معجزة أخرى) في صميم الشتاء دعا بشجرة يابسة فأجابته وشقت الأرض حتى جاءت إليه (معجزة أخرى) نبع الماء من خلال أصابعه حتى روى منه عسكره وتوضأوا. (معجزة أخرى) تفل في بئر قد غار ماؤها فنبع حتى بلغ رأس البئر وتفل مرة أخرى في بئر الحديبية حتى روى ألف رجل وخمسمائة رجل. (معجزة أخرى) قد كمن قريش وهم مائة نفر لقتله وحاشا لصنع الله أن يتغير فخرج ونفض على رؤوسهم التراب ولم يره أحد. (معجزة أخرى) قال لرجال من أصحابه ان ضرس أحدكم في جهنم مثل أحد فخافوا من ذلك وكان يلتفت بعضهم الى بعض وفيهم رجل فارتد والعياذ بالله وقتل على ردته. (معجزة أخرى) أخبر انه يقتل أبي بن خلف الجمحي وكان كما ذكر. (معجزة أخرى) يوم بدر أخبر عن مصارع قتلى قريش ويقول ان فلانا يقتل بهذا الموضع وفلانا يقتل في هذا المكان ويعين موضع كل واحد ومصرعه فكان كما ذكر. (معجزة أخرى) طويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها وأخبر أن ملك أمته سيبلغ اليها. (معجزة
стр. 42
أخرى) قلعت عين قتادة فوضعها في كفه وجاء إليه فوضع يده المباركة عليها وأعادها الى موضعها وتفل فيها فعادت كما كانت ولم ترمد عينه قط فلقب ذا العينين وتفاخر بذلك أبناؤه. (معجزة أخرى) الحكم بن عامر كان يحاكي مشية النبي ﷺ على طريق الاستهزاء فدعا عليه فصار مفلوجا مرتعشا باذن الله. (معجزة أخرى) وكان تزوج بامرأة من قبيلة فتعلل أبوها وقال بها برص لا تصلح لك فقال ﷺ ليكن كذلك فأصابها برص فسميت أم سبيب البرصاء.
(معجزة أخرى) يوم أحد أصاب علي بن أبي طالب جراحات كثيرة يسيل منها الدم فكان رسول الله ﷺ يمسح بيده عليها وهي تلتحم وتلتئم باذن الله تعالى فكم يحصى من هذا؟.
(الباب السادس في نسب النبي ﷺ
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن اد بن ادد بن الياس بن مضر بن اليسع بن الهميسع بن سحب بن جميل بن ثبت بن سلمان بن حمد بن قيدار بن اسمعيل بن ابراهيم بن
стр. 43
آزار بن رياح بن ناخور بن اسروع بن ارغو بن فالور بن فالق ابن عاسر بن سبغ بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بن يادر بن مهلابيل بن قنان بن انوش بن شيث بن آدم المخلوق من التراب ﷺ . (فصل) اسم أمه آمنة بنت وهب توفيت والنبي ﷺ ابن ست سنين وتوفي أبوه وهو في بطن أمه وكفله جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين. (فصل) أقام النبي ﷺ بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة ثم هاجر عشر سنين بالمدينة. ميلاده يوم الاثنين في ربيع الأول ووفاته يوم الاثنين في ربيع الاول في آخر الضحى ودفن ليلة الأربعاء في وسط الليل كانوا يصلون عليه ولم يؤمهم أحد. (فصل) أول امرأة تزوجها خديجة قبل الوحي ثم سودة بنت زمعة ثم عائشة بنت الصديق، ثم زينب بنت خزيمة الهلالية ثم أم سلمة بنت أبي أمية ثم جويرية بنت الحارث الخزاعية، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم صفية بنت حييّ، ثم زينب بنت جحش، ثم حفصة بنت عمر، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم العامرية بنت ظبيان، طلقها حين دخل بها، ثم الكلابية فاطمة بنت الضحاك، ثم الكندية فهنّ أربع عشرة نسمة. (فصل) وتوفي النبي ﷺ عن تسع نسوة عائشة وحفصة وزينب وجويرية وأم حبيبة وسودة وأم سلمة وصفية وميمونة. (فصل) أولاده من خديجة القاسم أكبر
стр. 44
ولده ثم زينب ثم ابنه عبد الله الطاهر ولد في الاسلام فسمي طاهرا ثم ابنته أم كلثوم، ثم ابنته فاطمة، ثم ابنته رقية.
زوّج فاطمة من عليّ ورقية من عثمان ﵄ فماتت فزوّجه أم كلثوم ﵂ وزوّج زينب من أبي العاص ابن الربيع في الجاهلية فلما نزل الوحي ثبت على كفره فاسترد النبي ﷺ ابنته منه على كره ثم أسلم بعد ست سنين فردها عليه ومات جميع أولاد النبي ﷺ قبله إلا فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر ﵂.
(الباب السابع في أخلاق النبي ﷺ
سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت خلقه القرآن يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ولا ينفرهم ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهيه ويحذر الناس ولا يقصر عن الحق ولا يتجاوز ولا يجلس ولا يقوم الا عن ذكر الله ويجلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه ولا يحسب أحد من جلسائه أن احدا أكرم عليه منه ومن جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ومن سأله حاجة لم ينصرف الا بها أو بميسور من القول مجلسه مجلس علم وحياء
стр. 45
وصدق وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تنتهك فيه الحرمات وكان دائم البشر في جلسائه سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب بالاسواق ولا فحاش ولا عياب لا يذم أحدا ولا يطلب عوراته اذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير واذا سكت تكلموا.
يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون. وكان لا يغضبه شيء وكان أبر الناس وأكرم الناس ضحاكا بساما قال أنس ان امرأة كان في عقلها شيء قالت يا رسول الله ان لي إليك حاجة قال يا أم فلان خذي في أي طريق شئت قومي فيه حتى أقوم معك فخلا معها رسول الله ﷺ يناجيها حتى قضت حاجتها وقال أنس خدمت رسول الله ﷺ فما سبني قط ولا ضربني ضربة قط ولا انتهرني ولا عبس في وجهي ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه فان عاتبني أحد من أهله قال دعوه فلو قدر شيء كان وقال أنس أيضا ﵁ أدرك اعرابي النبي ﷺ فأخذ بردائه فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عنق النبي ﷺ وقد أثرت فيه حاشية الرداء من جذبته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت النبي ﷺ وضحك وأمر له بعطاء فلو أن أزهد الناس قال لشحنة بلدة أو واليها اتق الله لأمر بضرب عنقه وكان أشد حياء من
стр. 46
العذراء في خدرها وأتى بقليل من ذهب فقسمه بين أصحابه فقام بدوي وقال يا محمد ان الله أمرك أن تعدل فما عدلت فقال ويحك من يعدل عليك بعدي فلما ولى قال ردوه رويدا عليّ وكان في بعض الغزوات فجاء رجل حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف وقال من يمنعك مني قال الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ وقال من يمنعك مني قال كن خير أحد قدر قال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال لا غير أني لا أقاتلك ولا أكون معك ولا مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء الى أصحابه فقال جئتكم من عند خير الناس وقسم يوما قسما فقال أنصاري ان هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فاحمر وجه النبي ﷺ وقال رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر وعن أنس أن رجلا أتى النبي ﷺ فسأل فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال اسلموا فان محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر وقدم على النبي ﷺ سبعون ألف درهم وهو أكثر مال ما أتى به أحد قط فوضع على حصير ثم قام اليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها وقال لمعاذ حين بعثه الى اليمن يا معاذ اذا كان الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم واذا كان الصيف فأسفر بالفجر فان الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا وأعطى اعرابيا
стр. 47
شيئا فقال أحسنت إليك قال لا ولا أجملت فغضب المسلمون وهموا به فقال ﷺ كفوا عنه فأعطاه حتى رضي.
(الباب الثامن في كتب النبي ﷺ التي أرسلها الى الملوك يدعوهم الى الاسلام)
فأول كتابه الى قيصر الروم رسوله دحية الكلبي. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم.
سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك إثم الاريسيين يعني المزارعين ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فلما افتض كتاب رسول الله ﷺ قال يا معشر الروم إني لأظن هذا الذي بشر به عيسى ولو أعلم أنه هو لمشيت إليه حتى أخدمه بنفسي لا يسقط ضوؤه إلا على يدي قالوا ما كان الله ليجعل ذلك في الاعراب الأميّين ويدعنا نحن أهل الكتاب فقال بيني وبينكم الانجيل نفتحه فإن كان هو إياه آمنا به وعلى الانجيل يومئذ اثنا عشر خاتما من ذهب وكل ملك قد أخبر قومه انه يوم يفتحونه يذهب دينهم ويهلك ملكهم فلما أخذ أحد عشر خاتما وبقي واحد قامت البطارقة فشقوا ثيابهم
стр. 48
ونتفوا رؤوسهم وقالوا اليوم يهلك ملكنا ويتغير دينك قال فأسلم فسبوه وصاحوا فقال يا معشر الروم كنت أريد أن أختبر صلابتكم في دينكم فخروا له سجدا فلعن الله أئمة السوء والبطارقة أئمة الكفر لقد ضلوا وأضلوا وأعطى رسوله مائة مثقال من الذهب. (كتاب آخر) الى كسرى فارس رسوله عبد الله بن حذافة من الحديبية. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله الى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين اسلم تسلم فان أبيت فعليك إثم المجوس فقرأه ومزقه فلما بلغ رسول الله ﷺ قال لرسول كسرى ابلغ صاحبك ان ربي قتل ربه هذه الليلة لتسع ساعات مضت منها وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الاولى سنة سبع وان الله مسلط عليه ابنه شيرويه فقتله وأخبره أن ديني سيظهر على ما ظهر عليه. فمضى الرسول الى باذان وأخبره بما قال وقال ما خفت شيئا قط خوفي إياه قال باذان ويلك له حراس وشرط وسيوف، قال لا ولكنه يمشي في الأسواق وحده. فجاء رسول كسرى وقال اني قتلت كسرى غضبا فأسلم باذان. (كتاب آخر) الى منذر بن ساوى العبدي رسوله
стр. 49
العلاء بن الحضرمي. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني أذكرك الله فانه من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ومن أبى فعليه الجزية. (كتاب آخر) الى الحارث بن أبي شمر الغساني بغوطة دمشق. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى الحارث بن أبي شمر الغساني سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق الله وإني أدعوك الى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك وختم الكتاب فقرأه ورمى به وقال من ينزع مني ملكي أنا سائر اليه لو كان باليمن جئته عليّ بالناس فلم يزل جالسا يعرض عليه حتى الليل وأمر بالخيول أن تنعل ثم قال أخبر صاحبك بما ترى ومات الحرث عام الفتح ووليه جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان فأدركه عمر بالجابية فأسلم ووطىء رجل من مزينة إزار جبلة فانحل فلطم عينه ففقأها فجاء به الى عمر فقال خذ لي بخفي فقال عمر الطم عينه فقال جبلة عيني وعينه سواء قال نعم قال لا أقيم أبدا بهذه الأرض فلحق بعمورية مرتدا ثم ندم على ذلك وله أبيات في ندامته فمات بها. (كتاب آخر) الى فروة الجذامي عامل قيصر على عمان
стр. 50
فأسلم هو وكتب الى النبي ﷺ لمحمد رسول الله اني مقر بالاسلام مصدق به أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنت الذي بشر بك عيسى بن مريم ﵊ وبعث بغلة بيضاء وحماره يعفور وأثواب سندس فلما قرأ النبي ﷺ كتابه أمر بلالا أن يكرم رسوله فلما أراد الخروج كتب من محمد رسول الله الى فروة بن عمرو سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فانه قدم علينا رسولك بكتابك وبلغ ما أرسلت به وأخبر عما قلت وأنبأنا باسلامك وان الله قد هداك بهداه ان أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأعطى رسوله خمسمائة درهم وأعطى البغلة للصديق ﵁ وبلغ قيصر إسلام فروة فحبسه في السجن وقال ارجع الى دينك قال لا أفارق دين محمد ﷺ ومات مصلوبا في السجن رحمة الله عليه. (كتاب آخر) الى المقوقس صاحب الاسكندرية رسوله حاطب بن أبي بلتعة بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك إثم القبط ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا
стр. 51
أربابا من دون الله وختم الكتاب فأخذ الكتاب وجعله في حق عاج ودعا كاتبه وكتب لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك واني قرأت كتابك وما تدعو اليه وقد علمت أن نبيا قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشأم وقد أكرمت رسولك وبعثت اليك بجارينين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وقد أهديت اليك بغلة لتركبها والسلام ولم يسلم والبغلة دلدل ولم يكن في العرب مثلها فبقيت الى زمن معاوية ﵁ ومارية وأختها سيرين وعرض عليها النبي ﷺ الاسلام وكانت مارية جميلة فوطئها رسول الله ﷺ وسيرين وهبها لحسان بن ثابت ﵁ والدلدل لعليّ ﵁ وقال لحاطب هذا رسول الله والقبط لا يطاوعونني وأنا أضن لملكي أن أفارقه وسيظهر على البلاد ويطأ موضع قدمي هذا قال فأخبرت النبي ﷺ فقال ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه ومات في ولاية عمرو ابن العاص بمصر فدفن في كنيسته.
(الباب التاسع في خصائص النبي ﷺ
ولما خص الله نبيه بوحيه وأبان بينه وبين خلقه خفف أشياء شددها على غيره كرامة وتعظيما وشدد عليه أشياء خففها على غيره زيادة في درجاته فالذي شدد
стр. 52
عليه وأباح لغيره سبعة وعشرين شيئا أوجب عليه أن يخير نساءه وأوجب عليه صلاة الليل وحرم عليه صدقة الفريضة وصدقة التطوع وحرم عليه خائنة الأعين واذا لبس لأمته لم يكن له أن ينزعها حتى يلقى العدو وأوجب عليه النكير على المنكر وليس له أن يكتب ولا يتعلم شعرا وقال لئن أشركت ليحبطن عملك وليس كذلك غيره حتى يموت وكان عليه قضاء دين من مات من المسلمين وكلف وحده من العلم ما كلف العالم بأجمعهم وقال أما أنا فلا آكل متكئا وأمرت بالسواك حتى خفت أن يفرض على أمتي ولا يأكل البصل والثوم والكراث وقال لولا ان الملك يأتيني لأكلته وكان مطالبا بربه ومشاهدة الحق مع معاشرة الناس وكان يغان على قلبه فيستغفر الله تعالى سبعين مرة وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الروح وهو مطالب بأحكامها ولا يصلي على من عليه دين ثم نسخ ولا يجوز له أن يبدل من أزواجه أحدا ثم نسخ وأبيح له سبعة وثلاثون حرام على غيره أبيح له من النساء أكثر من أربع والموهوبة والنكاح بلا ولي ولا شاهدين وأبيح له بتزويج الله وجاز له أن يعقد بغير استئمار ولي وجعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأباح له النكاح في الاحرام وتزوج صفية وجعل عتقها صداقها وأباح له الفيء وأربعة أخماس الفيء وخمس خمس الغنيمة والحمى له خاص
стр. 53
ودخول الحرم بغير احرام والقتل في الحرم قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة والقتل بعد اعطاء الأمان واستباح قتل من سبه أو هجاه امرأة كانت أو رجلا وجعل سبه للمسلمين رحمة فهو له مباح والوصال مباح له وكان ينام ولا ينتقض وضوؤه وصلاة التطوع قاعدا كصلاته قائما وإليه تنسب أولاد بناته والأنساب كلها منقطعة يوم القيامة إلا نسبه وأبيح له أن يدعو المصلي فيجيبه وان كان في الصلاة وماله بعد موته قائم على نفقته وملكه ودخول المسجد جنبا وأبيح له الحكم لنفسه وقبول شهادة من شهد له والحكم لولده وشربت أم أيمن بوله فلم ينكر عليها وقال اذا لا ينجع بطنك وشرب ابن الزبير دمه فلم ينكر عليه وقسم شعره بين أصحابه فكانوا يصلون فيه كل ذلك خاص به ﷺ .
(الباب العاشر في حلية النبي ﷺ
كان ينسب الى الربعة اذا مشى وحده واذا مشى مع قوم يطول عليهم بالرأس وكان أزهر اللون لم يكن بالآدم ولا بالشديد البياض وقيل انه مشرب بحمرة ما وصفه أحد إلا قال هو كالقمر الطالع والبدر الزاهر لم يكن شعره بالجعد ولا بالسبط وكان بين ذلك وكان أزج الحاجبين عيناه نجلاوان أدعجهما وكان أقنى العرنين مفلج الأسنان سهل
стр. 54
الخدين ليس بطويل الوجه ولا المكلثم كث اللحية يعفو لحيته ويأخذ شاربه عريض الصدر عظيم المنكبين أشعرهما معتدل الخلق كفه ألين من الخز كأن كفه كف عطار يصافح المصافح فيظل اليوم يجد ريحها (فصل) ما بين كتفيه من الجانب الأيمن شامة سوداء تضرب الى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها في عرف فرس وقيل خاتم النبوة مثل بيضة الدّيك مكتوب عليه لا إله الا الله توجه حيث شئت فأنت منصور. قال النبي ﷺ لي عند ربي عشرة أسماء أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، وأنا الحاشر يحشر الله العباد على قدمي، وأنا رسول الرحمة ورسول التوبة ورسول الملاحم والمقفى قفيت الناس جميعا، وأنا قثم وهو الكامل الجامع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(الباب الحادي عشر في بيان انه رسول صادق وأن رسالته لم تزل)
ومن علم أن النبوة راجعة الى حكم الله للنبي بأنه نبي وحكمه خبر وخبره قديم علم أن الأنبياء الآن أنبياء في حكمه لأن خبره وقوله لا يجوز عليه العدم والمؤمن اذا مات لا يزول حكم ايمانه فكيف يزول عن النبي المؤيد بالمعجزات
стр. 55
والعالم اذا نام ففي حال نومه لا يحفظ العلم ولا يتذكره وهو عالم فكيف النبي وقد ورد القرآن بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فكيف الأنبياء وقد شنع المعتزلة الفجرة على أهل السنة بهذه المسألة انكم تقولون إن النبي ليس نبيا في قبره وحاشا لأهل السنة من هذا الاعتقاد. قاتل الله المعتزلة أنى يؤفكون بل الذي قاله أهل السنة إن النبي ﷺ رسول على رسالته نبي على نبوّته صادق في رسالته عالم بأمر أمته، مستبشر بطاعاتهم، مستغفر لزلاتهم، وقد قال ﷺ تعرض عليّ أعمالكم كل ليلة اثنين وخميس مرة فان كان خيرا حمدت الله تعالى على ذلك وان كان معصية استغفرت الله لكم.
كتاب شرح السنة
وفيه تسعة أبواب
(الباب الأول في مناظرة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين)
اعلم أن السنة في اللغة الطريقة المسلوكة وفي الشرع حقيقة السنة ما واظب النبي على فعله وحث على العمل به ودعا اليه واسم السني يقع على طائفة تعتقد توحيد الله وصفاته الأزلية وتنزه الله تعالى عن الشبيه وتعتقد أن لا خالق الا الله وان العبد يكتسب الأفعال وكل ما يجري في العالم من خير وشر وضر ونفع وكفر وايمان
стр. 56
صلاح وطغيان بإرادة الله تعالى وقضائه وما جاء به الأخبار من أمور الآخرة من الصراط والميزان والحوض والشفاعة حق وخير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وهو الامام الحق والصحابة كانوا خير الأمة والامام الحق بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي والقيامة حق وتفسير القيامة ان الله يبعث من في القبور من المؤمنين والكافرين ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. فالسني أن يكون متابعا للكتاب والسنة متبعا للرسول، والمبتدع كل من يعتقد شيئا يخالف الكتاب والسنة ولا يتبع الرسول في أقواله وأفعاله ويحدث قولا أو فعلا مخالفا للرسول ﷺ فاذا لا أثبت هذه القاعدة فالقدرية ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أنهم خالقو أفعالهم وينفون رؤية الله سبحانه ويعتقدون أن القرآن مخلوق.
والمشبهة ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أن الله جسم ذو جوارح يغدو ويروح ويعرج فمذهبهم مذهب إخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت. والكرامية ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم جواز الحدوث بذات الله تعالى. والروافض ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أن الصحابة وحاشاهم كفروا. والخوارج ليسوا من أهل السنة لاعتقادهم أن المؤمن إذا شرب الخمر أو زنى أو سرق يكون كافرا. فمن اعتقد
стр. 57
هذا فهو المبتدع حقا والبدعة كل قول وفعل يخالف الكتاب والسنة والسلف الصالح. فهؤلاء كلهم مبتدعة لما ثبت أنهم أحدثوا قولا يخالف الكتاب والسنة والسلف بقول أو فعل.
(الباب الثاني في فرض العين)
فلتعلم يا علم الرؤساء صاحب العزة القعساء، والدولة الشماء، والمكارم، أدام الله لك العز والمكارم. ان الفرائض الواجبة على العباد على قسمين، منها ما هو فرض عين وتفسير فرض العين، أن يجب على كل آدمي خاص وعام أمير ووزير، وحر، وعبد، وشيخ، وشاب مسلم، وكافر.
فعلى مذهب أهل السنة الكفار مخاطبون بالشرائع فرضا واجبا على العامة والخاصة ولجميع الناس كافة ففرض العين ما يجب على كل مكلف ولا يسقط بفعل بعض الناس عن بعض وذلك كمعرفة الله تعالى انه واحد لا شريك له وأنه صانع لا شبيه وأنه حي قادر مريد وله بعثة الأنبياء وأنه بعث رسوله محمدا ﷺ الى الناس كافة فطاعته فريضة وشريعته مؤيدة وأنه نبي في قبره رسول في روضته، ما بطلت رسالته ولا تراخت نبوته فمعرفة فرض العين أركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وشرائط المعاملات ان كان تاجرا وأحكام النكاح ان كان متأهلا وأحكام الوزارة والامارة ان كان أميرا. فيجب على
стр. 58
كل واحد أن يعلم أن فرض عينه في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة من الصلاة وأركانها كذا وكذا ويعرف عددها وشرائطها وكذا كيفية الزكاة ومقاديرها كم يجب وفي أي مال تجب فيه ومتى وجب والى من يجب دفعه. وكذا الصيام في شهر رمضان كم أركانه وما يصححه وأي شيء يبطله ومعرفة أركان المناسك والحج فرض عين ويجب على الأمير والرئيس أن يعرف حقوق الرعية وشرط السياسة اللطف في موضعه وكيفية استيفاء الحقوق ونصرة المظلوم والجري على منهاج السياسة والسوقي يجب عليه أن يعرف الأشياء التي يحرم بيعها والشروط الفاسدة الى غير ذلك وكل من يتولى أمرا يجب عليه فرض عين أن يحصل لنفسه علم ذلك الشيء من الحلال والحرام الذي لا يسعه جهله ومن تركها وغفل عنها فلا يعذر في القيامة ويسأل عنه حرفا حرفا ويجازى عليه ألفا ألفا.
(الباب الثالث في تفسير فرض الكفاية)
وهو يجب على كل الخليقة الا أنه اذا قام به البعض سقط عن الباقين دفعا للحرج كرما ولطفا من الشارع مثال ذلك الجهاد والأمر بالمعروف وتجهيز الموتى وتكفينهم والفتوى والقضاء والامامة وعمارة المساجد والأذان وجواب
стр. 59
السلام واشباع الجائع الى غير ذلك. كل هذا فرض على الكفاية اذا قام به بعض سقط عن الباقين وان تركوه بأجمعهم أثموا جميعا فيجب على الامام أن يبعث كل سنة سرية الى الكفار ويجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده فان لم يقدر فبلسانه فان لم يقدر فبقلبه واذا مات واحد لا كفن له كفنوه وان دخل فقير بلدة ولا طعام له فيجب على جميع المسلمين القيام بمؤنته فان قام به بعض سقط عن الباقين والا عمهم الحرج والاثم.
(الباب الرابع في شعار أصحاب الحديث)
اعلم أن الطاعة علم السعادة والمعصية علم الخذلان فمن شعار أصحاب الحديث أنهم لا يكفرون واحدا من أهل القبلة بالذنوب، ومن خرج من الدنيا من غير توبة لا يحكمون عليه بالنار، ولا يجوزون الخروج على السلطان، ولا يكفرون بعضهم وكل دار غلب الظلم والجور عليها وصار ظاهرا على العدل والمعصية على الطاعة لا يقولون انها دار كفر ومن شعارهم تقديم أبي بكر وعمر على سائر الصحابة ويقدمون السنة على القياس ولهذا سموا أصحاب الحديث ويقدمون الشافعي المطلبي على أبي حنيفة النعمان لأن الشافعي قدم الحديث على الرأي والشافعي قرشي يصلح
стр. 60
للخلافة ولم يصلح لها أبو حنيفة والشافعي ابن عم رسول الله ﷺ وقد قال تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
والشافعي أحسن مساقا وأحسن حالا وأقوم قيلا وأسلم منه فقها ومذهبا اذ لم يتناقض مذهبه كما تناقض مذهب الخصم وهو أحمد الناس فعلا وأكثرهم ثناء عند السلف وأعلم الناس بالعربية وطريق اللغة فجاء من هذه القاعدة ان الطاعات علم اذا تقبلها الله أثاب عليها عشرة أمثالها الى سبعين وسبعمائة فكل سلطان وملك ورئيس يتمسك بالدين ويسعى في الخيرات ويجتهد في الصالحات فأبشر له ثم أبشر فالطاعة ليست بعلة للثواب ولا المعصية علة للعقاب بل علامة. فمن كان مطيعا لله مستسلما لقضائه فذلك علامة سعادته ومن كان خليع العذار مسخطا لقضائه فذلك علامة خذلانه والموافاة شرط في ذلك فلو كانت الطاعة علة لكان آدم بالعتاب أولى والسر في هذا أن الفاعل الحقيقي هو الله لكن الأسباب والوسائط مشكورة في وقت ومذمومة في وقت فخلق أقواما مفاتيح للخير ومغاليق للشر، وأقواما بالعكس. طوبى لمن جرب الأمور وأجرى الله الخير على يديه والويل لمن أجرى الشر على يديه فقد سال به السيل لأمه الويل ولا تجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد من الكفار، وأيضا من هؤلاء لأن الموافاة شرط فربما سلب إيمان المؤمن.
стр. 61
ويرزق الكافر الايمان لدى الموت، اللهم الا في حق العشرة المشهود لهم بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح. فمن حلف بالطلاق انهم في الجنة قطعا فقد برّ في يمينه. أما من سواهم فانا نعرف الظاهر دون الباطن ونعرف الحال دون المآل. ومن مات على الايمان والتوبة فيجوز القطع أنه من أهل الجنة ومن مات على الكفر فيقطع أنه من أهل النار خالدا مخلدا. (فصل) ويجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن حقا في الحال اذ لا شك له في إيمانه في الحال. وأما في الخاتمة فلا يقول أنا مؤمن وسأموت على الايمان حقا فان العاقبة مخفية ومن مات من أصحاب الكبائر فلا يقطع عليه بالجنة والنار بل أمره في مشيئة الله، والله رؤوف بالعباد هذا مذهب أهل السنة ونعم المذهب وقالت الخوارج من كذب أو فجر أو شرب أو زنى أو سرق أو قذف فقد كفر فيكفرون العبد بالذنب وقالت المعتزلة صاحب الكبيرة يخرج من الايمان ولا يدخل في الكفر يكون في منزلة بين المنزلتين. فان مات قبل التوبة يكون في النار أبدا مع فرعون وهامان وأهل السنة بريئون من هذا المذهب فان الوعد المطلق للمؤمن والوعيد المطلق للكافر. فخذها جواهر منظمة خير لك من خزائن السلطان وفوائد الزمان
стр. 62
وبالله المستعان.
(الباب الخامس في الفرقة الناجية)
قال النبي ﷺ ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها فرقة (اعلم) أن الناجي من هذه الأمة أهل السنة والجماعة وذلك بفتوى النبي ﷺ لما سئل من الناجي قال ما أنا عليه وأصحابي وكان على السنة والجماعة دون البدعة والمخالفة والدليل على أن الناجي أهل السنة دون القدرية والمشبهة والروافض، أن النبي ﷺ قال ما أنا عليه لأنه كان يعتقد ويدعو الناس الى أنه لا خالق إلا الله ولا ضار ولا نافع الا هو وما تحرك في العالم بقضائه وقدره والقرآن كلام الله والرؤية حق، وأبو بكر خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، والصراط والميزان والحساب والشفاعة حق، وهذا كله اعتقاد أهل السنة دون المبتدعة فإنهم ينكرون ثلثي الشريعة فكيف يكونون ناجين والدليل على أن الناجي أهل السنة سبعة أمور، الأول انه لما سئل عن الفرقة الناجية فقال الجماعة وهي صفة مختصة بأهل السنة لأن الخوارج لا يرون الجماعة والروافض لا يرون الجماعة والمعتزلة لا يرون حجة الاجماع. فكيف يكون بهم هذه الصفة. الثاني ان أهل السنة يستعملون كتاب الله وسنة رسوله واجماع الأمة والقياس ويحتجون بجميعها وما من فريق من
стр. 63
فرق مخالفيهم، الا ويرون شيئا في هذه الأدلة فبان أنهم أهل النجاة. الثالث أنهم لا يكفر بعضهم بعضا فهم اذن أهل الجماعة قائمون بالحق وما من فريق الا ويكفر بعضهم بعضا من المعتزلة، والنجارية، والروافض، والكرامية. الرابع أن فتاوى الأمة تدور على أهل السنة والجماعة وبقي أهل الرأي والحديث ومعظم الأمة ينتحلون مذهبهم فاداهم أهل النجاة. الخامس أنّ عبد الله بن عمر يروي عن النبي ﷺ في قول الله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ان الذين تبيض وجوههم أهل الجماعة والذين تسود وجوههم أهل الأهواء وأهل الأهواء الذين لا يتابعون الكتاب ولا السنة.
السادس، أن الله تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
فبين أنهم ليسوا على طريق الحق وجميع فرق المخالفين يفرقون فيما بينهم فبان انهم مفارقون الدين وأهل السنة مستمسكون باليمين والحبل المتين ذلك هو الفضل المبين. السابع أن مذهب أهل السنة والجماعة لا غلو ولا قصور، بل هو مذهب بين المذهبين، لا جبر ولا تفويض، لا يعطلون الصفات فيكونون كالمعتزلة، ولا يثبتون الجوارح فيكونون كالمشبهة، ولا يغالون في عداوة الصحابة فيكونون كالروافض، ولا يقصرون في محبة عثمان وعلي فيكونون كالخوارج بل توسطوا في الأمور فأخذوا بالأحسن فالأحسن
стр. 64
وخير الأمور أوسطها.
(الباب السادس في مجانبة أهل البدع وبغضهم ومودة أهل السنة)
فلتكن مجالستك ومخالطتك مع أهل السنة وعليك بالاستقامة في طريق السنة. فإن وجدت شيئا فحافظ صديقك ولو في الحريق، وان بليت بمبتدع فقل بيني وبينك بعد المشرقين. أغربال اذا استودعت سرا. وكانون على المتكلمين. احفظ لسانك عن الكذب وغيبة الناس وخلقك عن الحرام والشبهة ودينك ومذهبك عن السوء والبدعة ولا تجالس المبتدعين ولا تواصلهم ولا تصاحبهم ولا تغتر بعبادتهم فان عبادة المبتدعة كتكبير الحارسين لا ثواب له فان الله يسأل عن الدين وعن العمل واذا خلص الاعتقاد ففيه الاعتماد والدين الخالص أن تنظر فيما أمرك الله فتأخذ به وما فعل رسول الله ﷺ وأصحابه مثل الخلفاء الراشدين فتحفظ هديهم وتلزم سمتهم ولا تجالس أحدا يفسد عليك دينك لأن لكلام المبتدعة حلاوة وطعما في الحلق فان قيل لك من أنت؟ فقل أنا عبد من عباد الله فان قيل من ربك فقل ربي خالق السموات والأرض والجن والأنس، ورازقهم ومحييهم فان قيل كيف تعرفونه فقل بلا كيف ولا كيفية فالجماعة
стр. 65
رحمة والفرقة عذاب وإياك إياك أن تحترم صاحب بدعة فانما أعان على هدم الاسلام ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وايمانا ومن احترم صاحب بدعة يقبح اسمه وذكره ويكون على خطر الهلاك.
(الباب السابع في تعظيم المصحف واحترامه)
من شعار أهل السنة تعظيم المصحف فان القرآن مكتوب فيه حقيقة ومن قال ان ما بين الدفتين من القرآن ليس بقرآن فقد كفر ومن استخف به كفر. ومن حلف به مستحلا فقد كفر. ومن مسه جنبا أو محدثا فقد أثم. ومن عظمه فقد عظم الله، ومن أهانه فقد أهان الله ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ومن زعم أن في المصحف زاجا وسوادا ليس إلا فكافر لأنه يخالف الاجماع المقطوع به ومن قال ان معجزة النبي ﷺ ليست فيما بين الخلق فكافر ومن حلف بما في المصحف يقع طلاقه وان حلف بالمصحف فلا يقع طلاقه ولو أن يهوديا كتب مصحفا يجب تعظيمه واحترامه وكان من جملة التابعين رجل يصبح كل يوم ويأخذ المصحف ويقبله ويقول كلام ربي ولا يجوز بيع المصحف من كافر، ولا يجوز دفعه الى دار الحرب ويكره أن يصغر حجمه، ويكره جدا أن يفرط في سطوره
стр. 66
وحواشيه ولا يجوز تصغيره فيقال مصيحف ومسيجد ولا فتيوي وان ابتلي في برية لا ماء معه ولا تراب وأصابه جنابة ومعه مصحف الصحيح انه لا يفارقه عن نفسه بل يضرب يديه على ثيابه وينوي التيمم ويستصحب المصحف حتى يبلغ الى الطهور والنظر في المصحف عبادة وفي الخبر من داوم النظر في المصحف فقد أمن من العمى في حياته. وروي أن رجلا كتب مصحفا فجوّد بسم الله الرحمن الرحيم فغفر الله له بذلك. وفي الخبر أن النبي ﷺ رمدت عيناه فسأل جبريل عن ذلك فقال أدم النظر في المصحف.
(الباب الثامن في حكم عوام المؤمنين)
اعلم أن مذهب السنة والجماعة، ان العوام مؤمنون لأنهم يعرفون الله سبحانه بدليل. إلا أنهم يعجزون عن تعبير الأدلة وسردها ولهذا اذا رأوا روضة أو نزهة يعجبون ويتفكرون ويقولون سبحان الله والحمد لله علما منهم بأنه فعل الله. فان قيل كيف يكون لهم علم واذا شكوا فإنه من قبل الطبع والعناصر، قلنا من يرسخ اعتقاده في التوحيد لا يتشكك أصلا ثم المعنى في هذا معقول وهو أنا لو كلفناهم معرفة أحكام الجواهر والأعراض لتعطلت المعايش واختلت أمور الدنيا وفي اختلال أمر الدنيا اختلال أمر
стр. 67
الدين فان الدنيا مزرعة الآخرة فلو استقدروا أعمارهم فيها لما حصلوا على عشر عشير منها مع ملابسة أمور الدنيا فلكل عمل رجال والقاطع للشغب في هذه المسألة ان النبي ﷺ يأتيه اجلاف الأعراب وأغمار الناس من الرعاة، وأهل البادية، فيسلمون على يديه. وكان يكتفي منهم باعتقاد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يكلف أحدا منهم معرفة الجواهر والأعراض. فلو كان شرطا واجبا عليهم لأمرهم بذلك فان هذا مقام في الدين عظيم لا يسع جهله.
والمعتزلة حيث يشترطون معرفة الجواهر والأعراض فيحكمون بتكفير عوامهم ولا يوجد عامي مسلم في ديارهم في عسكر مكرم وخوارزم وسائر بلاد المعتزلة، ونعوذ بالله تعالى من هذا الاعتقاد.
(الباب التاسع في ذكر كرامات الأولياء)
اعلم أن كرامات الأولياء حق وأصحاب الحديث مخصوصون بهذا دون غيرهم. والدليل عليه كلام عيسى صلوات الله عليه في المهد كرامة لأمه لأنها لم تكن نبية وان اشتبه على بعض الفضلاء أن مريم كانت نبية يدل عليه أنه لا خلاف بين المسلمين في أن الله تعالى لو فعل مع وليه في الآخرة هذه الكرامات كان جائزا فكذا في الدنيا ووجب
стр. 68
أن يصح ثم العجب ممن لا يجوز الكرامات على الأولياء والكرامة نعمة من الله وقد علمنا أنه فعل مع وليه أكثر من هذا وهو نعمة الاسلام والطاعة وهذا أعلى منزلة في العقل من الكرامة. فان قالوا ما الفرق بينها وبين المعجزة؟
الجواب اختلف أهل السنة فيها. فمنهم من قال لا فرق بينهما الا في شيء واحد وهو أن الرسول يدعي ذلك فتظهر عند دعواه مقترنة بها بل الاعجاز فيها والدعوى بغيرها خطأ ومعصية. (فرق أول) النبي مأمون العاقبة من سلب الايمان والاسلام والولي ليس بمأمون. (فرق آخر) لا يجوز أن تكون الكرامة معتادة أبدا. (فرق آخر) وهو الصحيح وذلك ان الكرامة تختص بحال الولي من نفعه وضرره وما يحتاج إليه ولا يؤدي الى فساد في الخلق والمعجزة يجب أن تكون غير معتادة وعلى غاية ما يجوز أن يكون ظاهرا مكشوفا مقترنا بالدعوى ولا تؤدي الى فتنة.
كتاب الغرائب
وفيه عشرة أبواب
(الباب الأول في ماهية الروح)
اعلم يا علم الرؤساء وصدر الوزراء حقيقة لا مجازا ان هذه المسألة من مجازات العقول ضل فيها علماء ولا يعرفها الا محقق عالم ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم والناس قد تكلموا
стр. 69
فيها زهاء خمسمائة قول وشرح ذلك يقتضي كتابا طويلا فنقدم على ذلك سؤالا وجوابا. أما السؤال قالوا قال الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
فلو كانت الروح معلومة للخلق ما قال الله ذلك وما كان لهذا الكلام معنى. قلنا أجمع العلماء من أصحاب الملل والاعتقادات ان المخلوقات على نوعين لا ثالث لهما، جواهر واعراض. فالروح اما أن تكون من قبل الجواهر أو الأعراض لأنه يستحيل أن يرد الشرع بخلاف ما اقتضاه العقل فقوله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
أي ما أوتيتم من العلم الذي نص عليه الا قليلا من كثير بحسب ما تحتاجون اليه فالروح من المنزل النص عليه لأنه أراد أن يعرفوا ذلك بالاعتبار ويتوصلوا اليه بالدلائل والاستبصار وهذا بخلاف سؤالهم عن الطاعة لأنه لا طريق للعقل الى معرفة ذلك الا من طريق الأخبار هذا وجه التحقيق. (جواب آخر) ان ابن عباس ترجمان القرآن قال الروح ملك عظيم على بني آدم. وقال قتادة الروح جبريل وقال علي الروح ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بكل لسان وهو حافظ على الملائكة كما ان الملائكة حفاظ على الخلق فان كان معنى الروح هذا فكفى الله المؤمنين القتال وان كان غيره فقد اختلفوا فقال قائل نعم في الجملة ان الروح موجودة
стр. 70
عمارة البدن والجسد والانفصال عن خراب القالب ويكفي ذلك القدر من العلم وهذا لعمري منهج قويم ومذهب الاستقامة. وقال جمهور المحققين ان الروح هي الحياة وان الحياة عرض يقوم بالحي. فمتى وجد فيه يكون حيا واذا عدم فيه فقد حصل ضده وهو الموت. والدليل عليه أن المحدثات على نوعين صفة وموصف باتفاق العلماء، ومحال أن تكون الروح موصوفا جسما له لأن الجسم والجوهر لا يصيران صفة الحي وانما يكون مجاورا فالمجاور لا يكتسب صفة ولا وصفا لما جاوره ولا يوجب التغير والتبديل وكان يجب أن يكون القالب خاويا كما كان اذا جاور الحي ميتا أو جمادا فلما كان الأمر بخلافه علمت أن الروح غير جسم والدليل عليه ان الروح لو كانت جسما أو جوهرا لصح أن يكون حيا وقابلا لسائر الأعراض والجواهر. وذلك محال في صفة الروح فاذا ثبت هذا ثبت أن الروح صفة وهذا ظاهر لا إشكال فيه فان قلت بقي أشد من أشده فقد خالفت صاحبك الأشعري الألمعي وخالفت الكتاب، فإن الله تعالى يقول قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
فلو كانت الروح صفة ما صح قبضها لأن الصفة لا تقبض وكيف ترفع في حواصل طيور خضر والجواب أن نقول عرفت شيئا وغابت عنك أشياء. أما صاحبي فما خالفته فانه أحد قوليه المنصور في
стр. 71
بعض كتبه. وأما قبض ملك الموت، فمعناه ان الله تعالى جعل إليه جذب الأنفاس والهواء الذي في مجاري العروق فعنده يخلق الموت الذي يضاد الحياة. ألا ترى أن الأنفاس تتتابع عند النزع ويقع الاضطراب فيحكم فيه بالوفاة فحيث قال الله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
فمعناه يخلق الموت ويأمر به وحيث قال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
يعني يقبض ويجذب وحيث قال الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
فمعناه يسوقون العباد الى القبض فانظر الى هذا التحقيق والتدقيق الذي يتقاطر عنه ماء التوفيق ولا تلتفت الى قول الفلاسفة الكفار واليونانية الضلال ان الروح نفس ودم وانه قديم فانه من ترهات الدسائس. فما يوجد ويعدم ويتصل وينفصل كيف يكون قديما وما يتغير ويتجدد، كيف ينعت بالقدم ولهم في ذلك خبط طويل ومذهب ثقيل أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
(الباب الثاني في حقيقة العقل)
وهي مسألة عظيم خطبها مهيب شأنها، وكثر القال والقيل فيها، وفيها أغلوطات ومعارضات من المخالفين حتى قال بعض الملحدين ان العقول متفاوتة مختلفة، وقالوا العقلاء بخاصية العقل عرفوا الأشياء والأنبياء بخاصية العقل وصلوا
стр. 72
الى المعجزات ولبسوا على العوام وقالوا نحن انما قلنا العقول متفاوتة تعظيما للأنبياء. فانه كيف يجوز أن يقال ان عقل الأنبياء مثل عقل العوام، والاساكفة والحاكة. ولولا ان العقول متفاوتة لما ورد الخبر بانقسام العقول واذا كانت متفاوتة، فاستواء الكل في التكليف يكون ظلما عظيما فإن البهيمة التي تقدر أن تحمل مائة منّ فلو حملتها مائتين يكون ظلما عظيما. ومقصودهم أن يخرجوا الناس عن دين الله فيقولون ان العقل لا يحصل به معرفة والامام المعصوم لم يخرج بعد فافعل ما شئت ويفتحون على الناس باب الاباحة. وهذه مسألة سأل بعض تلامذتنا الامام محيي الدين يحيى السلماسي فتحير فيها وما نبس بشيء فيها فأقول والحق يشهد له بالعقول يا مخاذيل عن صبوح يرفعون بنيتم قصرا وخربتم مصرا العقول نوع علم ضروري لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يوصف بالزيادة والنقصان، ولكن أنتم عميان. وعن الحجة عارون ودعواكم فيها زور وبهتان، وأكثر المحققين ما وضعوا للعقل حدا لأن الشيء انما يحد لخفائه واستتاره حتى يظهر ويتبين وأما اذا كان الشيء ظاهرا جليا منكشفا يعرفه العقلاء فلا يحتاج الى حد.
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
стр. 73
وضعفاء الناس ومساكين الكلاب انما أتوا بالفرق من قلة الفهم بين العقل والعلم فنحن نذكر أنواع العلوم حتى ينكشف لأهل البصائر حدّ العقل فليعلم ان العلوم ثلاثة أنواع: النوع الأول علم ضروري يحصل للعاقل من غير كسب ونظر ولا يقدر على دفعه عن نفسه لا بالنفي ولا بالاثبات، وسمي ضروريا لاشتماله على نوع من الضرر كعلم الانسان بوجود نفسه وعلمه ان الاثنين أكثر من الواحد. والثاني البديهي كعلم الانسان. والثالث علم الاستدلال لا يحصل الا بالتكسب والتذكر وهو علم النظر. فاذا ثبتت هذه القاعدة فاعلم ان لعقل نوع من العلم الضروري وما ذكرناه يعرف به جواز الجائزات واستحالة المستحيلات ويعرف به وجوب واجبات العقل ان الصنع لا بد له من صانع والكتاب لا بد له من كاتب ودليل العقل يدل على المعقول لذاته وصفاته.
فكل عاقل يعلم من نفسه ان الصنع لا بد له من صانع والبناء لا بد له من بان وان الاثنين اكثر من الواحد وان شخصا واحدا لا يكون في مكانين في حالة واحدة سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا والعقل معنى واحد في الآدمي ومع وجود ذلك المعنى يقدر على النظر والاستدلال ولا يجوز أن يوصف المعنى الواحد بالزيادة والنقصان لأن العرض الواحد لا يتجزأ ولا يتبعض ووراء ذلك أوصاف أخر لا
стр. 74
تتعلق بالعقل وتشتبه على الناس مثل البلادة والكياسة والتجربة والاستعمال. فهذه لا تعقل لها بالعقل بل يرجع الى دوام التجربة لأن العقل في حصول العلم به مثل آلة والعمل بذلك الآلة هو التجربة والنظر في وجوه الدليل وهذا يتعلق بكسب الآدمي فهذه متفاوتة جدا فعرفت أن أصل العقل لا يتفاوت وأوصاف أخر يطلق عليها اسم العقل مجازا واستعارة ذلك تتفاوت ويخرج عن هذه القاعدة جميع أسئلة الخصم ان عقل الملك والرسول مستويان متماثلان وتفاوت العقول يرجع الى التجربة والاستعمال. ولذلك تأول الخبر خلق الله العقل ألف جزء يعني استعمال العقل فأحدهم يكون دراكا فطنا وآخر يكون صلدا بليدا. ففي هذا يتفاوتون قوله الأنبياء عرفوا بخاصية عقولهم معجزات (قلنا) يا ملاحدة قد بينا ان العقل لا يتفاوت وان سلمنا جدلا فلم يكن رجل منذ خمسمائة وأربعين سنة يعرف خاصية سلك المعجزة فيدعيها مع كثرة عددكم وشدة وثوبكم على ابطال الحجج فان اليونانيين يقولون النبوة طريقها الرياضة والكسب فلم يكن أحد راض نفسه وهذبها وزكاها حتى بلغ منتهاها قاتلهم الله أنى يؤفكون فحجتنا القرآن فهلموا فعارضوا القرآن يا أخابث بني الزمان ولا يقدرون على ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
стр. 75
(الباب الثالث في غرائب الفقه)
كل شيء نجس فلا يطهر الا شيئان: جلد الميتة اذا دبغ والخمر اذا صار خلا. ولا يجزىء فرض العبادة كلها بغير نية الا ثلاثة: الحج والعمرة والزكاة في مسألة واحدة اذا أخرجها الولي من غير نية له في دفعها إليه. وكل شيء ينقض الطهارة ففي الصلاة وغيرها سواء الا في شيء واحد وهو رؤية المتيمم الماء في الصلاة ولا تسقط الصلاة عن أحد بالغ الا بثلاث علل: الحيض والنفاس وزوال العقل بجنون أو مرض. كل موضع طاهر صليت فيه جاز الا في موضعين ظهر الكعبة اذا لم يكن بين يده بناء، والثاني اذا صلى داخل الكعبة الى ناحية الباب والباب مفتوح. كل من وجبت عليه الزكاة اذا كان غنيا جاز له أخذ الزكاة اذا كان فقيرا الا اثنين الهاشمي والمطلبي وكل من افتقد ماله حتى لا يصل اليه ولا ينتفع منه بحال فليس عليه الزكاة فيه الا في خلة واحدة وهي أن يدفن ماله في بيته ولا يهتدي الى موضع الدفن ولا يصل اليه فان زكاته في كل سنة. وكل كفارة وجبت في ماله كان أداؤها قبل الوجوب الا واحدة وهي كفارة المجامع في رمضان. وكل شرط في البيع يبطل البيع الا ستة أحدها خيار الثلاثة والثاني اذا باع عبدا أو أمة واشترط على المشتري أن يعتقها والثالث التبري من
следующие страницы →