← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

المدة التى أقام معها بعد انقضاء السفر، لان القرعة إنما تسقط القضاء في قسم السفر، وإن كان عنده امرأتان ثم تزوج بامرأتين وزفتا إليه في وقت واحد لزمه أن يقسم لهما حق العقد، ولا يقدم إحداهما من غير قرعة، فإن أراد السفر قبل أن يقسم لهما أقرع بين الجميع فإن خرجت القرعة لاحدى القديمتين سافر بها فإذا قدم قضى حق العقد للجديدتين وان خرجت القرعة لاحدى الجديدتين؟ ويدخل حق العقد في قسم السفر لان القصد من قسم العقد الالفة والاستمتاع. وقد حصل ذلك وهل يلزمه أن يقضى للجديدة الاخرى حق العقد؟ فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَا يلزمه في القسم الدائم (والثانى) يلزمه، وهو قول أبى إسحاق، لانه سافر بها بعدما استحقت الاخرى حق العقد فلزمه القضاء، كما لو كان عنده أربع نسوة فقسم للثلاث ثم سافر بغير الرابعة بالقرعة قبل قضاء حق الرابعة. (الشرح) حديث عائشة أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه بلفظ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) وقد استدل بهذا الحديث على مشرعية القرعه في القسمه بين الشركاء وغير ذلك، والمشهور عن الحنفيه والمالكية عدم اعتبار القرعه. قال القاضى عياض: هو مشهور عن مذهب مالك وأصحابه، لانها من باب الحظر والقمار. وحكى عن الحنفيه إجازتها أما جملة الفصل فإنه إذا كان لرجل زوجتان أو أكثر وأراد السفر، كان بالخيار بين أن يسافر وحده ويتركهن في البلد، لان عليه الفقه والكسوة والسكنى دون المقام معهن، كما لو كان بالحضر وانفرد عنهن، وإن أراد أن يسافر بهن جميعا لزمهن ذلك، كما يجوز أن ينتقل من بلد إلى بلد، وإن أراد أن يسافر ببعض نسائه أقرع بينهن لما روت عائشة ﵍ من إقراع النبي ﷺ وقد مضى، وهو بالخيار بين أن يكتب الاسماء ويخرج على السفر، والاقامه وبين أن يكتب السفر والاقامه ويخرج على الاسماء. وإذا خرج السفر على واحدة لم يلزمه المسافرة بها، بل لو أراد أن يدعها ويسافر وحده كان له، وان أراد أن يسافر بغيرها لم يجز، لان ذلك يبطل فائدة

стр. 1822

القرعه، وان اختار أن يسافر بإثنتين وعنده أكثر أقرع بينهن، فإن خرجت قرعة السفر على اثنتين سافر بهما ويسوى بينهما في القسم في السفر، كما لو كان في الحضر. وإذا سافر بها بالقرعه فإن كان السفر طويلا لم يلزمه القضاء للمقيمات. وان كان السفر قصيرا ففيه وجهان. (أحدهما) لا يلزمه القضاء للمقيمات كالسفر الطويل (والثانى) يلزمه لانه في حكم الحضر. هذا مذهبنا وقال داود: يلزمه القضاء المقيمات في الطويل والقصير. دليلنا حديث عائشة أنها ذكرت السفر ولم تذكر القضاء، ولان المسافرة اختصت بمشقة السفر فاختصت بالقسم. (فرع) وان سافر بواحدة منهن من غير قرعة لزمه القضاء للمقيمات، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لا يقضى. دليلنا أنه خص بعض نسائه بمدة على وجه تلحقه فيه التهمة فلزمه القضاء كما لو كان حاضرا. وقال المسعودي: فلو قصد الرجوع اليهن فهل تحتسب عليه المدة من وقت القصد. فيه وجهان (فرع) وإن سافر بواحدة منهن بالقرعة ثم نوى الاقامة في بعض البلاد وأقام بها معه أو لم ينو الاقامة إلا أنه أقام بها أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمِ الدُّخُولِ وَيَوْمِ الْخُرُوجِ قضى ذلك للباقيات، لانه إنما لم يجب عليه أن يقضى مدة السفر. وهذا ليس بسفر، وإن سافر بها إلى بلد فلما بلغه عن له أن يسافر بها إلى بلد آخر فسافر بها لم يقض المقيمات لانه سفر واحد وقد أقرع له. (فرع) قال الشافعي رضى الله عنه (ولو أراد النقلة لم يكن له أن ينتقل بواحدة إلا أوفى البواقى مثل مقامه معها) واختلف أصحابنا في تأويلها فمنهم من قال: تأويلها إذا كان له نساء فأراد النقلة إلى بلد فينتقل بواحدة منهن ونقل الباقيات مع وكيله إلى ذلك البلد، فلما وصل إلى ذلك البلد أقام مع التى نقلها بعد السفر دون مدة السفر، لان مدة السفر لا تقضى. وقال أبو إسحاق: تقضى مدة السفر ومدة الاقامه بعده، لانه أراد نقل جميعهن، فقد تساوت حقوقهن، فمتى خص واحدة بالكون معه لزمه أن يقضى للباقيات مدة الاقامه معها، كما لو أقام في الحضر معها بخلاف السفر بإحداهن، فعلى قول الاول يحتاج إلى القرعة وعلى قول أبى إسحاق لا تحتاج إلى قرعة

стр. 1823

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂، أَنَّ سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة رضى الله عنها تبتغى بذلك مرضاة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يجوز ذلك إلا برضا الزوج، لان حقه ثابت في استمتاعها، فلا تملك نقله إلى غيرها من غير رضاه، ويجوز من غير رضا الموهوب لها لانه زيادة في حقها، ومتى تقسم لها الليلة الموهوبة؟ فيه وجهان (أحدهما) تضم إلى ليلتها، لانه اجتمع لها ليلتان فلم يفرق بينهما (والثانى) تقسم لها في الليله التى كانت للواهبة، لانها قائمة مقامها فقسم لها في ليلتها، ويجوز أن تهب ليلتها للزوج لان الحق بينهما، فإذا تركت حقها صار للزوج ثم يجعلها الزوج لمن شاء من نسائه، ويجوز أن تهب ليلتها لجميع ضرائرها، فإن كن ثلاثا صار القسم أثلاثا بين الثلاث، وإن وهبت ليلتها ثم رجعت لم يصح الرجوع فيما مضى، لانه هبة اتصل بها القبض، ويصح في المستقبل لانها هبة لم يتصل بها القبض. (فصل) وإن كان له إماء لم يكن لهن حق في القسم، فإن بات عند بعضهن لم يلزمه أن يقضى للباقيات، لانه لا حق لهن في استمتاع السيد، ولهذا لا يجوز لهن مطالبته بالفيئة إذا حلف أن لا يطأهن، ولا خيار لهن بجبه وتعنينه، والمستحب أن لا يعطلهن لانه إذا عطلهن لم يأمن أن يفجرن، وإن كان عنده زوجات وإماء فأقام عند الاماء لم يلزمه القضاء للزوجات، لان القضاء يجب بقسم مستحق، وقسم الاماء غير مستحق فلم يجب قضاؤه كما لو بات عند صديق له (الشرح) حديث سودة هذا أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن سعد وسعيد بن منصور والترمذي وعبد الرزاق وسودة بنت زمعة تزوجها النبي ﷺ وهو بمكة بعد موت خديجة ﵍ ودخل بها وهاجرت معه، ووقع في رواية لمسلم من طريق شريك عن هشام في آخر حديث عائشة، قالت عائشة: وكانت إمرأة تزوجها بعدى ومعناه عقد عليها بعد أن

стр. 1824

عقد على عائشة، وأما الدخول بعائشة فكان بعد سودة بالاتفاق، وقد نبه على ذلك ابن الجوزى قوله: وهبت يومها، في رواية البخاري في الهبة: يومها وليلتها وزاد في آخرها تبتغى بذلك رضى رسول الله ﷺ ولفظ أبى داود (ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا رسول الله يومى لعائشة، فقبل ذلك منها، ففيها، وأشباهها نزلت: وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزا) الآية. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق، فوهبت. قال: وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم ابن أبى برة مُرْسَلًا، (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طلقها فقعدت له على طريقه فقالت: والذى بعثك بالحق ما لى في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك الذى أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها على، قال لا، قالت: فأنشدك لما راجعتني، فراجعها، قالت فإنى قد جعلت يومى وليلتي لعائشة حبة رسول الله ﷺ والرواية المتفق عليها (أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة) وقوله (يومها ويوم سودة) لا نزاع أنه يجوز إذا كان يوم الواهبة واليا ليوم الموهوب لها بلا فصل أن يوالى الزوج بين اليومين للموهوب لها، وأما إذا كان بينهما نوبة زوجة أخرى أو زوجات، فقال العلماء انه لا يقدمه عن رتبته في القسم إلا برضا من بقى، وهل يجوز للموهوب لها أن تمتنع عن قبول النوبة الموهوبه فإن كان قد قبل الزوج لم يجز لها الامتتاع وإن لم يكن قد قبل لم تكره على ذلك. حكى ذلك في الفتح عن العماء. وقال في البيان ويجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تزوج سودة بعد موت خديجة فلما كبرت وأسنت هم النبي ﷺ بطلاقها فقالت: يا رسول الله لا تطلقني ودعني حتى احشر في جملة أزواجك وقد وهبت ليلتى لاختى عائشة فتركها، فكان يقسم لكل واحدة ليله ليله ولعائشة ليلتين.

стр. 1825

إذا ثبت هذا فان القبول فيه إلى الزوج لان الحق له ولا يصح ذلك إلا برضاه لان الاستمتاع حق له عليها، ولا يعتبر فيه رضا الموهوبة لان ذلك زيادة في حقها فان كانت ليلة الواهبة توالى ليلة الموهوبة والاهما لها، وان كانتا غير متواليتين فهل للزوج أن يواليهما من غير رضا الباقيات، فيه وجهان. (أحدهما) له ذلك لان لها ليلتين، فلا فائدة في تفرقتهما. (والثانى) ليس له ذلك، وهو المذهب ولم يذكر البغوي غيره لانها قائمة مقام الواهبة، وإن وهبتها لزوجها جاز له أن يجعلها لمن شاء من نسائه، لان الحق له، وإن جعلها لواحدة تلى ليلتها ليلة الواهبة، إما قبلها أو بعدها والاهما لها، وان جعلها لمن لا تلى ليلتها فهل له أن يواليهما لها؟ على الوجهين، هكذا نقل البغداديون. وقال المسعودي: هل للزوج أن يخص بها بعض نسائه، فيه وجهان. وان وهبتها لجميع ضرائرها صح ذلك وسقط قسمها وصارت كأن لم تكن، فان رجعت الواهبة في ليلتها لم تصح رجعتها فيما مضى، لانها هبة اتصل بها القبض ويصح رجعتها في المستقبل لانها هبة لم يتصل بها القبض، فان لم يعلم الزوج برجعتها حتى قصم ليلتها لغيرها. قال الشافعي ﵀: لم يكن لها بدلها، فان أخذت عن ليلتها عوضا من الزوج لم يصح لانه ليس بعين ولا منفعة، فترد العوض ويقبضها الزوج حقها لانها تركت حقها بعوض ولم يسلم لها العوض. (مسألة) المتسحب أن يساوى بين الاماء والحرائر، فان لم يفعل فلا شئ عليه، وله أن يطوف على نسائه أو إمائه بغسل واحد إذا حللته عن ذلك في القسم لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 1826

قال المصنف رحمه الله تعالى: باب النشوز إذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز وعظها لقوله تعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) ولا يضربها لانه يجوز أن يكون ما ظهر منها لضيق صدر من غير جهة الزوج، وإن تكرر منها النشوز فله أن يضربها، لقوله (واضربوهن) وان نشزت مرة ففيه قولان. (أحدهما) أنه يهجرها ولا يضربها، لان العقوبات تختلف باختلاف الجرائم ولهذا ما يستحق بالنشوز لا يستحق بخوف النشوز، فكذلك ما يستحق بتكرر النشوز لا يستحق بنشوز مرة. (والثانى) وهو الصحيح: أنه يهجرها ويضربها لانه يجوز أن يهجرها للنشوز فجاز أن يضربها كما لو تكرر منها. فأما الوعظ فهو أن يخوفها بالله وبما يلحقها من الضرر بسقوط نفقتها، وأما الهجران فهو أن يهجرها في الفراش لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنه قال في قوله (واهجروهن في المضاجع قال: لا تضاجعها في فراشك) وأما الهجران بالكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) وأما الضرب فهو أن يضربها ضربا غير مبرح ويتجنب المواضع المخوفه والمواضع المستحسنة، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اتَّقُوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بكتاب الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وان لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح) ولان القصد التأديب دون الاتلاف والتشويه. النشوز مصدر نشز وبابه فعد وضرب، ونشزت المرأة من زوجها عصته وامتنعت عليه، ونشز الرجل من امرأته تركها وجفاها، قال تعالى (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) الآية، وأصله الارتفاع، يقال: نشز من

стр. 1827

مكانه نشوزا بالوجهين إذا ارتفع عنه، وقال تعالى (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) يالضم والكسر، والنشز بفتحتين المرتفع من الارض، والسكون لغة، وقال ابن السكيت في بات فعمل وفعل: قعد على نشز من الارض ونشز وجمع الساكن نشوز مثل فلس وفلوس، ونشاز مثل سهم وسهام وجمع المفتوح أنشاز مثل سبب وأسباب، وأنشزت المكان بالالف رفعته، واستعير ذلك للزيادة والنمو، فقيل: أنشز الرضاع العظم وأنبت اللحم. أما حديث أبى هريرة رضى الله عنه فقد قال النووي: رواه أبو داود على شرط البخاري ومسلم بلفظ (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) وفى رواية عند أبى داود له أيضا بلفظ (لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه وليسلم عليه، فان رد ﵇ فقد اشتركا في الاجر، وان لم يرد عليه فقد باء بالاثم وخرج المسلم من الهجرة) . قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله تعالى فليس من هذا في شئ، وفى الصحيحين عن أنس بلفظ (لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله اخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) وفيهما عن أبى أيوب بلفظ (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام) . أما حديث جابر رضى الله عنه فقد أخرجه مسلم وأصحاب السنن، وهو من حديث طويل فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وجزء من خطبة الوداع، ورواه ابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الاحوص (أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ ثم قال: استوصوا بالنساء خيرا فانما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك الا أن يأتين بفاحشة مبينة، فان فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ان لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا اليهن

стр. 1828

في كسوتهن وطعامهن) وقد أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ (ولا يأذن في بيته إلا بإذنه) وقد أخرج أحمد وابن جرير والنسائي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيرى أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ (مَا حق المرأة على الزوج؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تهجر إلا في البيت) . أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: قال الله (واللاتي تخافون نشوزهن) يحتمل إذا رأى الدلالات في إيغال المرأة وإقبالها على النشوز فكان للخوف موضع أن يعظها، فإن أبدت نشوزا هجرها. فان أقامت عليه ضربها، وذلك أن العظة مباحة قبل الفعل المكروه إذا رؤيت أسبابه، وأن لا مؤنة فيها عليها كضربها، وأن العظة غير محرمة من المرء لاخيه فكيف لا مرأته والهجرة لا تكون إلا بما يحل به الهجرة، لان الهجرة محرمة في غير هذا الموضع فوق ثلاث، والضرب لا يكون إلا ببيان الفعل، فالاية في العظة والهجرة والضرب على بيان الفعل تدل على أن حالات المرأة في اختلاف ما تعاقب فيه من العظة والهجرة والضرب مختلفه، فإذا اختلفت فلا يشبه معناها الا ما وصفت. وقال ﵀ أيضا: وقد يحتمل قوله (تخافون نشوزهن) إذا نشزن فخفتم لجاجتهن في النشوز أن يكون لكم جمع العظة والهجرة والضرب (قال) وإذا رجعت الناشز عن النشوز لم يكن لزوجها هجرتها ولا ضربها، لانه انما أبيحا بالنشوز، فإذا زايلته فقد زايلت المعنى الذى أبيحا له به. قال الرييع: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن ابن شهاب عن عبد الله ابن عبد الله بن عمر عن اياس بن عبد الله بن أبى ذباب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تضربوا اماء الله، قال فأتاه عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن، فأذن في ضربهن، فأطاف بآل محمد ﵊ نساء كثير كلهن يشتكين أزواجهن، فقال النبي ﷺ : لقد أطاف الليله بآل محمد نساء كثير أو قال سبعون امرأة كلهن يشتكين فلا تجدون أولئك خياركم) . قال الشافعي: فجعل لهم الضرب وجعل لهم العفو، وأخبر أن الخيار ترك

стр. 1829

الضرب إذا لم يكن لله عليها حد على الوالى أخذه، وأجاز العفو عنها في غير حد في الخير الذى تركت حظها وعصت ربها. اه إذا ثبت هذا فإنه إذا ظهر من المرأة النشوز بقول أو فعل وعظها. فأما النشوز بالقول فهو أن يكون من عادته إذا دعاها أجابته بالتلبية، وإذا خاطبها أجابت خطابه بكلام جميل حسن، ثم صارت بعد ذلك إذا دعاها لا تجيب بالتلبية وإذا خاطبها أو كلمها تخاشنه القول، فهذه أمارات النشوز بالقول وأما أمارات النشوز بالفعل فهو أن يكون من عادته إذا دعاها إلى الفراش أجابته ببشاشة وطلاقة وجه، ثم صارت بعد ذلك متجهمة متكرهة، أو كان من عاداتها إذا دخل إليها قامت له وخدمته، ثم صارت لا تقوم له ولا تخدمه، فإذا ظهر له ذلك منها فانه يعظها ولا يهجرها ولا يضربها، هذا قول عامة أصحابنا وقال الصيمري: إذا ظهرت منها أمارات النشوز فله أن يجمع بين العظه والهجران، والاول هو المشهور، لان يحتمل أن يكون هذا النشوز تفعله فيما بعد، ويحتمل أن يكون لضيق صدر من أولادها أو من جاراتها أو أقربائها أو نحو ذلك من شغل قلب أو قلق خاطر نشزت منه، بأن دعاها فامتنعت منه، فان تكرر ذلك الامتناع منها فله أن يهجرها، وله ان يضربها، والاصل فيه قول الله تعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) الآيه. وان نشزت منه مرة واحدة فله ان يهجرها. وهل له أن يضربها؟ فيه قولان (أحدهما) ليس له أن يضربها. وبه قال أحمد. لانها لا تستحق الا العقوبة المساوية لفعلها. بدليل انها لا تستحق الهجران لخوف النشوز فكذلك لا تستحق الضرب بالنشوز مرة واحدة. فعلى هذا يكون ترتيب الايه: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع إذا نشزن. واضربوهن إذا أصررن على النشوز. (والثانى) له ان يضربها. قال العمرانى وغيره: وهو الاصح. لقوله تعالى (واللاتي تخافون) الايه. فظاهر الآيه ان له فعل الثلاثة الاشياء لخوف النشوز. فدل الدليل على انه

стр. 1830

يضربها ويهجرها عند خوف النشوز. وهذه الآية على ظاهرها إذا نشزت لانها معصية يحل بها هجرانها وضربها كما لو تكرر منها النشوز. إذا ثبت هذا فالموعظة أن يقول لها: ما الذى منعك عما كنت آلفه من برك وما الذى غيرك، اتقى الله وارجعي إلى طاعتي، فإن حقى واجب عليك، ونحو ذلك من عبارات الوعظ، وتذكيرها بما يعده الله للآثمين والآثمات من حساب يوم تتساوى الاقدام في القيام لله، ويعلم كل امرئ ما قدمت يداه. والهجران هو أن لا يضاجعها في فراش واحد لقوله تعالى (واهجروهن في المضاجع) ولا يهجر بالكلام، فإن فعل لم يزد على ثلاثة أيام، فإن زاد عليها أثم، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى أن يهجر الرجل أخاه فوق ثلاثة أيام. وأما الضرب فقال الشافعي: لا يضربها ضربا مبرحا لا مدميا ولا مدمنا ويتقى الوجه. فالمبرح الفادح الذى يخشى تلف النفس منه أو تلف عضو أو تشويهه، والمدمى الذى يجرح فيخرج الدم، والمدمن أن يوالى الضرب على موضع واحد. لان القصد منه التأديب. ويتوقى الوجه لانه موضع المحاسن ويتوقى المواضع المخوفة. قال الشافعي: ولا يبلغ به حدا. ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به الاربعين لانه حد الخمر، ومنهم من قال لا يبلغ به العشرين لانه حد العبد، لانه تعزير، وليس للرجل أن يضرب زوجته على غير النشوز بقذفها له أو لغيره، لان ذلك إلى الحاكم، والفرق بينهما أن النشوز لا يمكن إقامة البينة عليه، بخلاف سائر جناياتها. إذا ثبت هذا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا تضربوا إماء الله) وروى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (كنا معشر قريش لا يغلب نساؤنا رجالنا، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم يغلبن رجالهم، فحاط نساؤنا نساءهم فزئرن على أزواجهن فأتيت النبي ﷺ وقلت ذئر النساء على أزواجهن، فَأَذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بضربهن. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لقد أطاف آل محمد سبعون امرأة كلهن تشتكين أزواجهن وما تجدون أولئك بخياركم)

стр. 1831

فإذا قلنا يجوز نسخ السنة بالكتاب فيحتمل أَنْ يَكُونَ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ضربهن ثم نسخ الكتاب السنة بقوله (واضربوهن) ثُمَّ أَذِنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ضربهن موافقة للكتاب، غير أنه يجعل تركه أولى بقوله وما يجدون أولئك بخياركم. وإن قلنا إن نسخ السنة لا يجوز بالكتاب احتمل أن يكون النهى عن ضربهن متقدما ثم نسخه النبي ﷺ وأذن في ضربهن ثم ورد الكتاب للسنة في ضربهن. ومعنى قوله (ذئر النساء على أزواجهن) أي اجترأن عليهم. قال الصيمري: وقيل في قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة سبعة تأويلات. (أحدها) أن حل عقدة النكاح إليه (الثاني) أن له ضربها عند نشوزها (الثالث) أن عليها الاجابة إذا دعاها إلى فراشه، وليس عليه ذلك (الرابع) أن له منعها من الخروج، وليس لها ذلك (الخامس) أن ميراثه على الضعف من ميراثها (السادس) أن لو قذفها كان له إسقاط حقها باللعان. وليس لها ذلك (السابع) موضع الدرجة اشتراكهما في لذة الوطئ، واختص الزوج بتحمل مؤنة الصداق والنفقة والكسوة وغير ذلك اه وعن عبد الله بن زمعة قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أيضرب أحدكم إمرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم) اخرجه الشيخان وقال العلامة صديق حسن خان (في هذا دليل على أن الاولى ترك الضرب للنساء فإن احتاج فلا يوالى بالضرب على موضع واحد من بدنها، وليتق الوجه لانه مجمع المحاسن، ولا يبلغ بالضرب عشره أسواط. وقيل ينبغى ان يكون الضرب بالمنديل واليد، ولا يضرب بالسوط والعصا وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شئ أولى في هذا الباب. وبعد هذا لا يسأل الرجل الملتزم بالشرع عن ضرب امرأته لما أخرجه أبو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال (لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته) .

стр. 1832

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن ظهرت من الرجل أمارات النشوز لمرض بها أو كبر سن ورأت أن تصالحه بترك بعض حقوقها من قسم وغيره جاز، لقوله (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) قالت عائشة رضى الله عنها: أنزل الله هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السن فتجعل يومها لامرأة أخرى، فإن ادعى كل واحد منهما النشوز على الآخر أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ليعرف الظالم منهما فيمنع من الظلم، فان بلغا إلى الشتم والضرب بعث الحاكم حكمين للاصلاح أو التفريق، لقوله (وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما) واختلف قوله في الحكمين فقال في أحد القولين: هما وكيلان فلا يملكان التفريق الا باذنهما، لان الطلاق إلى الزوج، وبذل المال إلى الزوجة فلا يجوز الا باذنهما، وقال في القول الآخر: هما حاكمان فلهما أن يفعلا ما يريان من الجمع والتفريق، بعوض وغير عوض: لقوله (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) فسماهما حكمين، ولم يعتبر رضا الزوجين. وروى عبيدة أن عليا رضى الله عنه بعث رجلين فقال لهما أتريان ما عليكما. عليكما، ان رأيتما أن تجمعا جمعتما، وان رأيتما ان تفرقا فرقتما، فقال الرجل: اما هذا فلا، فقال كذبت لا والله ولا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لى وعلى، ولانه وقع الشقاق واشتبه الظالم منهما فجاز التفريق بينهما من غير رضاهما، كما لو قذفها وتلاعنا، والمستحب ان يكون حكما من اهله وحكما من اهلها للآية، ولانه روى انه وقع بين عقيل بن ابى طالب وبين زوجته شقاق، وكانت من بنى امية، فبعث عثمان رضى الله عنه حكما من اهله وهو ابن عباس رضى الله عنه، وحكما من اهلها وهو معاوية رضى الله عنه، ولان الحكمين من اهلهما اعرف بالحال، وان كان من غير اهلهما جاز لانهما في احد القولين وكيلان وفى الآخر حاكمان، وفى الجميع يجوز ان يكونا

стр. 1833

من غير أهلهما، ويجب أن يكونا ذكرين عدلين لانهما في أحد القولين حاكمان وفى الآخر وكيلان، إلا أن يحتاج فيه إلى الرأى والنظر في الجمع والتفريق، ولا يكمل لذلك إلا ذكران عدلان، فإن قلنا: إنهما حاكمان لم يجز أن يكونا إلا فقيهين، وإن قلنا: انهما وكيلان جاز أن يكونا من العامة، وان غاب الزوجان فان قلنا: انهما وكيلان نفذ تصرفهما كما ينفذ تصرف الوكيل مع غيبة الموكل، وان قلنا: انهما حاكمان لم ينفذ حكمهما، لان الحكم للغائب لا يجوز، وان جنا لم ينفذ حكم الحكمين، لانهما في أحد القولين وكيلان. والوكالة تبطل بجنون الموكل. وفى القول الآخر: حاكمان الا أنهما يحكمان للشقاق وبالجنون زال الشقاق. (الشرح) في قوله تعالى (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) الآية. أخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة ﵍ قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها تقول له: أمسكنى ولا تطلقني ثم تزوج غيرى وأنت في حل من النفقة على والقسم لى. فذلك قوله تعالى (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) وفى رواية قالت (هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرا أو غيره فيريد فراقها فتقول: أمسكنى واقسم لم ما شئت. قالت فلا بأس إذا تراضيا) . وأما قوله تعالى (وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من اهلها) الآية. فان أصل الشقاق ان كل واحد منهما يأخذ غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لاجرائه مجرى المفعول به. كقوله تعالى (بل مكر الليل والنهار) وقولهم (يا سارق الليلة أهل الدار) والخطاب للامراء والحاكم. والضمير في قوله بينهما للزوجين لانه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء. أما أحكام الفصل: فان ظهر من الزوج أمارات النشوز بأن يكلمها بخشونة بعد أن كان يلين لها في القول أو لا يستدعيها إلى الفراش كما كان يفعل إلى غير ذلك. فلا بأس أن تترك له بعض حقها من النفقة والكسوة والقسم، لتطيب

стр. 1834

بذلك نفسه، فإذا ظهر من الزوج النشوز بأن منعها ما يجب لها من نفقة وكسوة وقسم وغير ذلك أسكنها الحاكم إلى جنب ثقة عدل ليستوفى لها حقها، إن ادعى كل واحد منهما على صاحبه النشوز بمنع ما يجب عليها أسكنها الحاكم إلى جنب ثقة ليشرف عليهما، فإذا عرف الظالم منهما منعه من الظلم هكذا أفاده العمرانى وغيره، فإذا تجاوز الامر حده إلى التشاتم أو الضرب أو تمزيق الثياب بعث الحاكم حكمين ليجمعا بينهما أو يفرقا لقوله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من أهلها) قال العلامة صديق حسن خان في نيل المرام: فابعثوا الزوجين حكما يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلا ودينا وإنصافا، وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونا من أهل الزوجين لانهما أقرب لمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما ولم يتبين من هو المسئ منهما، فأما إذا عرف المسئ فانه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فان قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر الحاكم ولا توكيل بالفرقة من الزوجين، وبه قال مالك والاوزاعي وإسحاق، وهو مروى عن عثمان وعلى وابن عباس والشعبى والنخعي، وحكاه ابن كثر عن الجمهور، قالوا: لان الله تعالى قال: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وهذا نص من الله على أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحسن وهو أحد قولى الشافعي إن التفريق هو إلى الامام أو الحاكم في البلد، لا اليهما، ما لم يوكلهما الزوجان أو يأمرهما الامام والحاكم، لانهما رسولان شاهدان فليس اليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: إن يريدا أي الحكمان إصلاحا بين الزوجين يوفق الله بينهما، أي يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الالفة وحسن العشرة والوئام، ومعنى الارادة خلوص نيتهما وصدق عزمهما لاصلاح ما بين

стр. 1835

الزوجين، وقيل: ان الضمير في قوله تعالى: يوفق الله بينهما، للحكمين، كما في قوله: ان يريدا اصلاحا: أي يوفق الله بين الحكمين في اتحاد مقصودهما، وقيل كلا الضميرين للزوجين، أي ان يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الالفة والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما، ولا يلزم قولهما بلا خلاف. قال في البيان: وهل هما وكيلان من قبل الزوجين أو حاكمان من قبل الحاكم فيه قولان (أحدهما) أنهما وكيلان من قبل الزوجين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روى عبيدة التلمانى قال: جاء إلى على بن أبى طالب رجل وامرأة ومع كل واحد منهما قيام من الناس بغير جماعة، فقال على كرم الله وجهه: ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ ان رأيتما أن تجمعا، وان رأيتما: أن تفرقا، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لى وعلى، وقال الرجل: أما الجمع فنعم، وأما التفريق فلا، فقال على: كذبت لا والله لا تتزوج حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك فاعتبر رضاه، ولان الطلاق بيد الزوج، وبذل العوض بيد المرأة، فافتقر إلى رضاهما، فعلى هذا لا بد أن يوكل كل واحد منهما الحاكم من قبله على الجمع أو التفريق (والثانى) أنهما حكمان من قبل الحاكم، وبه قال مالك والاوزاعي واسحاق، وهو الاشبه لقوله تعالى (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وهذا خطاب لغير الزوجين وسماهما الله تعالى حكمين، فعلى هذا لا يفتقر إلى رضى الزوجين اه. إذا ثبت هذا: فان الحكمين يخلو كل واحد منهما بأحد الزوجين وينظر ما عنده، ثم يجتمعا ويشتوران، فان رأيا الجمع بينهما لم يتم الا بالحكمين، وان رأيا التفريق بينهما فان رأيا أن يفرقا فرقة بلا عوض أوقعها الحاكم من قبل الزوج، وان رأيا أن يفرقا بينهما بعوض بذل الحاكم من قبلها العوض عليها، وأوقع الحاكم من قبل الزوج الفرقة. والمستحب أن يكونا من أهلهما للآية. ولانهما أعلم بباطن أمرهما. وان كان من غير أهلهما جاز، لان الحاكم والوكيل يصح أن يكون أجنبيا. ولا بد أن يكونا حرين مسلمين ذكرين عدلين، لانا ان قلنا انهما حاكمان فلا بد من هذه الشرائط. وان قلنا انهما وكيلان الا انه

стр. 1836

وكيل من قبل الحاكم فلا بد من أن يكون كاملا. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فإن قلنا: إنهما حاكمان فلا بد أن يكونا فقيهين، وإن قلنا: إنهما وكيلان، جاز أن يكونا من العامة، وإن غاب الزوجان أو أحدهما فإن قلنا: إنهما وكيلان صح فعلهما. لان تصرف الوكيل يصح بغيبة الموكل، وإن قلنا إنهما حاكمان لم يصح فعلهما. لان الحكم لا يصح للغائب، وان صح الحكم عليه، لان كل واحد منهما محكوم له وعليه، وإن جنا أو أحدهما لم يصح فعلهما، لانه ان قلنا انهما وكيلان بطلت وكالة من جن موكله، وان قلنا انهما حاكمان، فإنهما يحكمان للشقاق، وبالجنون زال الشقاق، وان لم يرضيا أو أحدهما فإن قلنا: انهما حاكمان لم يعتبر رضاهما. وان قلنا: انهما وكيلان ولم يجبرا على الوكالة فينظر الحاكم فيما يدعيه كل منهما، فإذا ثبت عنده استوفاه من الآخر. وان كان لهما أو لاحدهما حق على الاخر من مهر أو دين لم يصح للحكمين المطالبة به الا بالوكالة قولا واحدا كالحاكم، والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل. تم الجزء السادس عشر ويليه الجزء السابع عشر

стр. 1837

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله تعالى: كتاب الخلع إذا كرهت المرأة زوجها لقبح منظر، أو سوء عشرة وخافت أن لا تؤدى حقه، جاز أن تخالعه على عوض، لقوله " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جناح عليهما فيما افتدت به " وروى أن جميلة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن الشماس وكان يضربها فأتت إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ لا أنا ولا ثابت وما أعطاني، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خذ منها، فأخذ منها فقعدت في بيتها " وإن لم تكره منه شيئا وتراضيا على الخلع من غير سبب جاز، لقوله " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " ولانه رفع عقد بالتراضى جعل لدفع الضرر فجاز من غير ضرر كالاقالة في البيع، وإن ضربها أو منعها حقها طمعا في أن تخالعه على شئ من مالها لم يجز، لقوله " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " فإن طلقها في هذه الحال على عوض لم يستحق العوض لانه عقد معاوضة أكرهت عليه بغير حق فلم يستحق فيه العوض كالبيع، فإن كان ذلك بعد الدخول فله ان يراجعها، لان الرجعة إنما تسقط بالعوض وقد سقط العوض فتثبت الرجعة فيه، فإن زنت فمنعها حقها لتخالعه على شئ من مالها ففيه قولان (أحدهما) يجوز ويستحق فيه العوض: لقوله " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " فدل على أنها إذا أتت بفاحشة جاز عضلها ليأخذ شيئا من مالها (والثانى) أنه لا يجوز ولا يستحق فيه العوض، لانه خلع أكرهت عليه بمنع الحق فأشبه إذا منعها حقه لتخالعه من غير زنا، فأما الآية فقد، قبل انها منسوخة بآية الامساك في البيوت وهى قوله تعالى " فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت " ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم، ولانه روى عن قتادة انه فسر الفاحشة بالنشوز، فعلى هذا إذا كان ذلك بعد الدخول فله ان يراجعها لما ذكرناه

стр. 1838

(الشرح) خبر جميلة بنت سهل يؤخذ على المصنف سوقه بقوله. وروى أن جميلة. هكذا بصيغة التمريض مع أن الخبر مروى في صحيح البخاري وسنن النسائي بلفظ عن ابن عباس قال " جاءت امرأة ثابت بن شماس إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت يا رسول الله إنى ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتردين عليه حديقته، قالت نعم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقبل الحديقه وطلقها تطليقه " ورواه ابن ماجه من طريق ازهر بن مروان وهو صدوق مستقيم الحديث وبقية أسناده من رجال الصحيح، وكذلك النسائي والبيهقي أخرجاه بأسانيد رجالها الصحيح ولفظه " عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكن أكره الكفر في الاسلام لا أطيقه بغضا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أتردين عليه حديقته، قالت نعم. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يأخذ حديقته ولا يزداد " وأخرجه النسائي عن الربيع بنت معوذ " أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهى جميلة بنت عبد الله بن أبى فأتى أخوها يشتكيه إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأرسل النبي ﷺ إلى ثابت فقال له خذ الذى لها عليك وخل سبيلها، قال نعم فأمرها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها " وفى الترمذي عن ابن عباس وقال حسن غريب ولفظه " ان امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تعتد بحيضة " واخرجه الترمذي عن الربيع بنت معوذ، وكذلك النسائي وابن ماجه، واخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابى الزبير وروى مالك في موطئه عن حبيبة بن سهل " انها كانت تحت ثابت بن قيس ابن شماس وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلى صلاة الصبح فوجدها عند بابه، فقال من هذه، قالت انا حبيبة بنت سهل، قال ما شأنك، قالت لا انا ولا ثابت بن قيس إلى آخر ما ساقه المصنف من الرواية، اخرجه اصحاب السنن وصححه ابن خزيمه وابن حبان من هذا الوجه، واخرجه ابو داود من حديث عائشة ان حبيبه بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس. واخرج البزار من حديث

стр. 1839

ابن عمر نحوه، قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبى، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل، قال الحافظ ابن حجر: الذى يظهر لى أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة ونسبتها، فإن سياق قصتها متقارب فأمكن رد الاختلاف فيه إلى الوفاق. اه ووهم ابن الجوزى فقال: إنها سهلة بنت حبيب، وإنما هي حبيبة بنت سهل ولكنه انقلب عليه ذلك. وروى الشافعي عن مالك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن عن حبيبة بنت سهل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلى صلاة الصبح فوجدها على بابه إلى آخر الرواية التى ساقها مالك في موطئه أما اللغات فإن الخلع هو النزع، وخالعت المرأة زوجها إذا افتدت منه وطلقها على الفدية فخلعها هو خلعا والاسم الخلع بالضم وهو استعارة من خلع اللباس وقال ابن بطال: أصل الخلع من خلع القميص عن البدن وهو نزعه عنه وإزالته لانه يزيل النكاح بعد لزومه، وكذا المرأة لباس للرجل وهو لباس لها. قال تعالى " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " فإذا تخالعا فقد نزع كل واحد منهما لباسه. وقوله " فكلوه هنيئا مريئا " هنو. الشئ بالضم مع الهمز هناءة بالفتح و؟ ؟ ؟ ؟ ؟ تيسر من غير مشقة ولا عناء فهو هنئ، ويجوز الابدال والادغام. وهنانى الولد يهنؤني مهموز من بابى نفع وضرب، وتقول العرب في الدعاء ليهنئك الولد بهمزة ساكنة وبإبدالها باء وحذفها عامى ومعناه سرنى الطعام يهنؤني ساغ ولذ. وأكلته هنيئا مريئا، أي بلا مشقة، ويهنوه بضم المضارع في الكل لغة. قال بعضهم: وليس في الكلام يفعل بالضم مهموزا مما ماضيه بالفتح غير هذا الفعل. ومرؤ الطعام مراءة مثال ضخم ضخامة فهو مرئ، ومرئ بالكسر لغة ومرئته بالكسر أيضا يتعدى ولا يتعدى، واستمرأته وجدته مريئا، وامرأبى الطعام بالالف، ويقال هنأني الطعام. ومرأنى بغير ألف للازدواج، فإذا أفرد قيل: أمرأنى بالالف. ومنهم من يقول مر أنى وأمر أنى لغتان، فقوله هنيئا مريئا، أي بطيب نفس ونشاط قلب، وقيل هنيئا لا إثم فيه ومريئا لا داء فيه.

стр. 1840

أما الاحكام فإن الخلع ينقسم إلى ثلاثة أقسام. مباحان ومحظور، فأحد المباحين إذا كرهت المرأة خلق الزوج أو خلقه أو دينه وخافت أن لا تؤدى حقه فبذلت له عوضا ليطلقها جاز ذلك وحل له أخذه بلا خلاف، لقوله تعالى " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جناح عليهما فيما افتدت به " ولما رواه الشافعي وغيره من خبر حبيبة بنت سهل وكانت تحت قيس بن ثابت بن شماس إلى آخر الحديث وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هنا في المهذب جميلة بنت سهل. وروى أن الربيع بنت معوذ بن عفراء أن جميله بنت عبد الله بن أبى اختلعت على عبد رسول الله ﷺ . القسم الثاني، من المباح أن تكون الحال مستقيمة بين الزوجين ولا يكره أحدهما الآخر فتراضيا على الخلع فيصح الخلع، ويحل للزوج ما بذلت له، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر أهل العلم الضرب الثالث، هو أن يضربها أو يخوفها بالقتل أو يمنعها النفقة والكسوة لتخالعه، فهذا محظور لقوله تعالى " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " والعضل المنع، فإن خالعته في هذه الحال وقع الطلاق ولا يملك الزوج ما بذلته على ذلك - فإن كان بعد الدخول - كان رجعيا، لان الرجعة إنما سقطت لاجل ملكه المال، فإذا لم يملك المال كان له الرجعة، فإن ضربها للتأديب للنشوز فخالعته عقب الضرب صح الخلع، لان ثابت بن قيس كان قد ضرب زوجته فخالعته مع علم النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عليها ولان كل عقد صح قبل الضرب صح بعده، كما لو حد الامام رجلا ثم اشترى منه شيئا عقيبه. قال الطبري، وهكذا لو ضربها لتفتدى منه فافتدت نفسها منه عقبيه طائعة صح ذلك لما ذكرناه. وإن زنت فمنعها حقها لتخالعه فخالعته فقيه قولان (أحدهما) أنه من الخلع المباح، لقوله تعالى " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " فدل على أنها إذا أتت بفاحشة جاز عضلها

стр. 1841

(والثانى) انه من الخلع المحظور لانه خلع أكرهت عليه بمنع حقها، فهو كما لو أكرهها بذلك من غير زنا. وأما الايه فقيل انها منسوخة بالامساك بالبيوت. وهو قوله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم.* * * وقال العلامة صديق حسن خان في كتابه حسن الاسوة فيما ورد عن الله ورسوله في النسوة، باب ما نزل في إيراث المرأة والعضل وعدم أخذ المهر منهن وان زاد، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) أي مكرهين على ذلك ومعنى الاية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان إذا مات الرجل كان أولياؤة أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها - وأن شاءوا لم يزوجوها - فهم أحق بها من أهلها، فنزلت الآيه. وفى لفظ لابي داود عنه " كان الرجل يرث امرأة ذات قرابة فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها " وفى لفظ لابن جرير وابن أبى حاتم عنه " فإن كانت جميلة تزوجها، وان كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها " وقد روى هذا السبب بألفاظ فمعناها " لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الارث فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم وتحبسوهن لانفسكم، ولا يحل لكم أن تعضلوهن عن أن يتزوجكن غيركم ضرارا، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن أو ليدفعن اليكم صداقهن إذا أذنتم لهن في النكاح. وقيل الخطاب لازواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعا في إرثهن أو يفتدين ببعض مهورهن. واختاره ابن عطية. اه

стр. 1842

(مسألة) قال في البيان: ويصح الخلع بالمهر المسمى وبأقل منه وبأكثر منه وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة واصحابه وأكثر أهل العلم، وقال طاوس والزهرى والشعبى وأحمد وإسحاق: لا يصح الخلع بأكثر من المهر المسمى اه. قلت: وقد استدل القائلون بمنع الزيادة بحديث أبى الزبير بإسناد صحيح عند الدارقطني وقال: سمعه أبو الزبير من غير واحد " أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده بنت عبد الله بن أبى بن سلول، وكان أصدقها حديقة فقال النبي ﷺ : أتردين حديقته، قالت نعم وزيادة، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا الزيادة فلا، ولكن حديقته، قالت نعم، فأخذها له وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " قَالُوا: ويؤيد ذلك ما عند ابن ماجه والبيهقي من حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم أمره أن يأخذ منها ولا يزداد " وفى رواية عبد الوهاب عن سعيد قال أيوب لا احفظ فيه ولا يزداد. وفى رواية الثوري وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى، ذكر ذلك كله البيهقى قال ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن عباس. وقال أبو الشيخ هو غير محفوظ يعنى الصواب إرساله. وأخرج عبد الرزاق عن على أنه قال. لا يأخذ منها فوق ما أعطاها، وعن طاوس وعطاء والزهرى مثله، وهو قول أبى حنيفة وأحمد وإسحاق والهادوية، وعن ميمون بن مهران من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال ما أحب أن يأخذ منها بأكثر مما اعطاها. قال مالك لم ار احدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الاخلاق، دليلنا على القائلين بالمنع قوله تعالى " فلا جناج عليهما فيما افتدت به " ولم يفرق، وهو عوض مستفاد بعقد فلم يتقدر كالمهر والثمن، ولان ابن سعد اخرج عن الربيع قال كان بينى وبين ابن عمى كلام، وكان زوجها، قالت، فقلت له لك كل شئ وفارقني، قال قد فعلت، فأخذ والله كل فراشي، فجئت عثمان وهو محصور فقال الشرط املك خذ كل شئ حتى عقاص رأسها. وفى البخاري عن عثمان انه اجاز الخلع دون عقاص رأسها. وروى البيهقى

стр. 1843

عن أبى سعيد الخدرى قال: كانت أختى تحت رجل من الانصار فارتفعا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال لها أتردين حديقته؟ قالت: وأزيده، فردت عليه حديقته وزادته، ومحصل هذا كله ان الزيادة جائزة مع عدم لياقتها بمكارم الاخلاق فتحمل أدلة المنع على التنزبه. ويصح بالدين والعين والمنفعة كما قلنا في المهر، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى (فصل) ولا يجوز للاب أن يطلق إمرأة الابن الصغير بعوض وغير عوض لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ " إنما الطلاق بيد الذى يحل له الفرج " ولان طريقه الشهوة فلم يدخل في الولاية، ولا يجوز أن يخلع البنت الصغيرة من الزوج بشئ من مالها، لانه يسقط بذلك حقها من المهر والنفقة والاستمتاع فإن خالعها بشئ من مالها لم يستحق ذلك، وإن كان بعد الدخول فله أن يراجعها لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن الذى بيده عقدة النكاح هو الولى فله أن يخالعها بالابراء من نصف مهرها، وهذا خطأ، لانه إنما يملك الابراء على هذا القول بعد الطلاق، وهذا الابراء قبل الطلاق. (فصل) ولا يجوز للسفيهة أن تخالع بشئ من مالها لانها ليست من أهل التصرف في مالها، فان طلقها على شئ من مالها لم يستحق ذلك. كما لا يستحق ثمن ما باع منها، فإن كان بعد الدخول فله أن يراجعها لما ذكرناه، ويجوز للامة أن تخالع زوجها على عوض في ذمتها: ويجب دفع العوض من حيث يجب دفع المهر في نكاح العبد، لان العوض في الخلع كالمهر في النكاح، فوجب من حيث يجب المهر. (فصل) ويصح الخلع مع غير الزوجة، وهو أن يقول رجل: طلق إمرأتك بألف على. وقال أبو ثور: لا يصح لان بذل العوض في مقابلة ما يحصل لغيره سفه، ولذلك لا يجوز أن يقول لغيره: بع عبدك من فلان بألف على، وهذا خطأ لانه قد يكون له غرض، وهو أن يعلم أنهما على نكاح فاسد أو تخاصم دائم، فيبذل العوض ليخلصهما طلبا للثواب، كما يبذل العوض لاستنقاذ أسير

стр. 1844

أو حر في يد من يسترقه بغير حق، ويخالف البيع فإنه تمليك يفتقر إلى رضا المشترى، فلم يصح بالأجنبي، والطلاق وإسقاط حق لا يفتقر إلى رضا المرأة فصح بالمالك والاجنبى. كالعتق بمال. فان قال: طلق إمرأتك على مهرها وأنا ضامن فطلقها بانت ورجع الزوج على الضامن بمهر المثل في قوله الجديد، وببدل مهرها في قوله القديم، لانه أزال الملك عن البضع بمال ولم يسلم له وتعذر الرجوع إلى البضع، فكان فيما يرجع إليه قولان كما قلنا فيمن أصدق إمرأته مالا فتلف قبل القبض، (الشرح) الاحكام: لا يجوز للاب أن يطلق إمرأة ابنه الصغير أو المجنون بعوض ولا بغير عوض. قال الحسن وعطاء وأحمد: له أن يطلقها بعوض وبغير عوض. وقال مالك: له أن يطلقها بعوض، ولا يصح أن يطلقها بغير عوض دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ " إنَّمَا الطلاق لمن أخذ بالساق " رواه ابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس وفى إسناد ابن ماجه ابن لهيعة، وأخرجه ابن عدى وفى إسناده كما في إسناد الدارقطني عصمة بن مالك، وأخرجه الطبراني وفى إسناده يحيى الحمانى. قال الشوكاني: وطرقه يؤيد بعضها بعضا. وقال ابن القيم: ان حديث ابن عباس وإن كان في اسناده ما فيه فالقرآن يعضده وعليه عمل الناس. قلت ولان في ذلك اسقاط حقه من النكاح فلم يصح من الاب كالابراء عن دينه. (فرع) وان قال رجل لآخر: طلق ابنتى وأنت برئ من مهرها أو على أنك براء من مهرها، فطلقها الزوج وقع الطلاق ولا يبرأ من مهرها سواء كانت كبيرة أو صغيرة لانها إن كانت كبيرة فلانه لا يملك التصرف في مالها وان كانت صغيرة فلا يجوز له التصرف في مالها بمالا حظ لها فيه ولا يلزم الآن للزوج شئ لانه لم يضمن له وقال أبو على بن أبى هريرة: إذا قلنا ان الولى الذى بيده عقدة النكاح صح إذا كانت صغيرة أو مجنونة، وهذا ليس بشئ، لان هذا الابراء قبل الطلاق، وان قال طلقها وأنت برئ من مهرها وعلى ضمان الدرك، أو إذا طالبتك فأنا ضامن

стр. 1845

فطلقها وقع الطلاق ثانيا، ولا يبرأ الزوج من المهر ويكون له الرجوع على الاب وبماذا يرجع عليه؟ فيه قولان (أحدهما) بمهر مثلها (والثانى) بمثل مهرها المسمى. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي: إذا قال: طلقها على أنك برئ من مهرها فطلقها لم يقع الطلاق. وأما إذا قال: وأنت برئ من صداقها وأنا ضامن: أو إذا طالبتك فأنا ضامن ففيه وجهان بناء على القولين في من بيده عقدة النكاح. ولو خالعه الاب بعين من الاعيان من مالها وضمن الاب دركها وقع الطلاق بائنا ولا يملك الزوج العين، وبماذا يرجع على الاب؟ على قولين (أحدهما) بمهر مثلها (والثانى) بقدر العين، هذا نقل البغداديين. وقال المسعودي: إذا كان الزوج جاهلا بأنها من مالها فسد العوض، وفيما ترجع به على الاب القولان، وان علم أنها من مالها، فإن نسب الاب ذلك إلى مالها وقع الطلاق رجعيا، وان أطلق فوجهان. (أحدهما) يقع رجعيا لانه قد علم أنه من مالها (والثانى) يقع بائنا ولا يملك العين، وبماذا يرجع على الاب على القولين، لانه إذا لم يضف ذلك إلى مالها احتمل انتقال ملكها إلى الاب. وقال ابن قدامة من الحنابلة إذا قال الاب طلق ابنتى وأنت برئ من صداقها فطلقها وقع الطلاق رجعيا ولم يبرأ من شئ لم يرجع على الاب ولم يضمن له لانه أبرأه مما ليس له الابراء منه فأشبه الأجنبي. قال القاضى: وقال أحمد: انه يرجع على الاب، وقال وهذا محمول على أن الزوج كان جاهلا بأن ابراء الاب لا يصح، فكان له الرجوع عليه لانه غره فرجع عليه كما لو غره فزوجه معيبة، وان علم أن ابراء الاب لا يصح لم يرجع بشئ ويقع الطلاق رجعيا لانه خلا عن العوض وفى الموضع الذى يرجع عليه الطلاق بائنا لانه بعوض، فإن قال الزوج هي طالق ان أبرأتني من صداقها، فقال الاب قد أبرأتك لم يقع الطلاق لانه لا يبرأ. وروى عن أحمد أن الطلاق واقع، فيحتمل أنه أوقعه إذا قصد الزوج تعليق

стр. 1846

الطلاق على مجرد التلفظ بالابراء دون حقيقة البراءة، وإن قال الزوج: هي طالق إن برئت من صداقها لم يقع لانه علقه على شرط ولم يوجد، وان قال الاب طلقها على ألف من مالها وعلى الدرك فطلقها طلقت بائنا لانه بعوض وهو ما لزم الاب من ضمان الدرك ولا يملك الالف لانه ليس له بذلها اه. قوله (فصل) ولا يجوز للسفيهة إلخ. فإنه كما قال، إذ لا يجوز للسفيهة أن تخالع بشئ من مالها ولا في ذمتها سواء أذن لها الولى أو لم يأذن، لانه لا حظ لها في ذلك، فإن فعلت ذلك وقع الطلاق رجعيا، لان الرجعية انما تسقط لان الزوج يملك العوض، ويصح خلف المحجور عليها لفلس، وبذلها للعوض صحيح، لان لها ذمة يصح تصرفها فيها، ويرجع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها، وليس له مطالبتها في حال حجرها كما لو استدانت منه أو باعها شيئا في ذمتها. هذا مذهبنا ومذهب أحمد وأصحابه قوله (فصل) ويصح الخلع مع غير الزوجة الخ. وهو كما قال إذ لو قال الرجل لآخر: طلق امرأتك بألف على فطلقها وقع الطلاق بائنا، واستحق الزوج الالف على السائل، وبه قال عامة أهل العلم الا أبا ثور فإنه قال: يقع الطلاق رجعيا، ولا يستحق على السائل عوض، فيكون سفها من السائل لو بذل عوضا فيما لا منفعة له فيه، فان الملك لا يحصل له، فأشبه ما لو قال بع عبدك لزيد على دليلنا أنه بذل مال في مقابلة اسقاط حق عن غير فصح كما لو قال اعتق عبدك وعلى ثمنه، ولانه لو قال أسقط متاعك في البحر وعلى ثمنه صح ولزمه ذلك مع أنه لا يسقط حقا عن أحد، فههنا أولى، ولانه حق على المرأة يجوز أن يسقط عنها بعوض فجاز لغيرها كالدين، وفارق البيع فانه تمليك فلا يجوز بغير رضاء من يثبت له الملك، وان قالت له طلقني وضرتى بألف فطلقهما وقع الطلاق بهما بائنا واستحق الالف على بادلته لان الخلع مع الأجنبي جائز، وان طلق احداهما فانها تطلق طلاقا بائنا ولزم الباذلة بحصتها من الالف، وهذا مذهبنا ومذهب أحمد، الا أن بعض أصحابنا قال يلزمه مهر مثل المطلقة. وقياس قول بعض الاصحاب فيما إذا قالت: طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة لم يلزمها شئ

стр. 1847

ووقعت بها التطليقة أن لا يلزم الباذلة ههنا شئ لانه لم يجبها إلى ما سألت فلم يجب عليها ما بذلت، ولانه قد يكون غرضها في بينونتهما جميعا منه، فإذا طلق إحداهما لم يحصل غرضها فلا يلزمها عوضها. وان قالت طلقني بألف على أن تطلق ضرتي أو على أن لا تطلق ضرتي فالخلع صحيح والشرط والعوض باطلان ويرجع إلى مهر المثل في قوله الجديد، وببذل مهرها في قوله القديم لان الشرط سلف في الطلاق، والعوض بعضه في مقابلة الشرط الباطل، فيكون الباقي مجهولا. وقال أحمد وأصحابه: الخلع صحيح والشرط والبذل لازم، لانها بذلت عوضا في طلاقها وطلاق ضرتها فصح، كما لو قالت طلقني وضرتى بألف، فإن لم يف لها بشرطها فعليها الاقل من المسمى أو الالف الذى شرطته، قالوا ويحتمل أن لا يستحق شيئا من العوض لانها إنما بذلته بشرط لم يوجد فلا يستحقه كما لو طلقها بغير عوض. وقال أبو حنيفة: الشرط باطل والعوض صحيح، لان العقد يستقل بذلك العوض قلت: قد يكون في دخول الأجنبي للتفرقة بين المرء وزوجه تطفل وفضول أو سفه كما يقول أبو ثور، إلا أن الذى بيده عقدة النكاح - إذا قلنا هو الزوج - فانه هو الموقع للطلاق. وقد يكون في فضول الأجنبي نوع من الغوث وإنقاذ مكروبة تقع في يد من يظلمها فهو يبتغى بتخلصها من الظلم ثواب الاخرة. فإذا صح احتمال هذا صحت القضية وتوجه تدخل الأجنبي بما التزم من البذل والشرط وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى (فصل) ويجوز الخلع في الحيض: لان المنع من الطلاق في الحيض للضرر الذى يلحقها بتطويل العدة، والخلع جعل للضرر الذى يلحقها بسوء العشرة والتقصير في حق الزوج، والضرر بذلك أعظم من الضرر بتطويل العدة، فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما. ويجوز الخلع من غير حاكم لانه قطع عقد بالتراضى جعل لدفع الضرر، فلم يفتقر إلى الحاكم كالاقالة في البيع.

стр. 1848

(فصل) ويصح الخلع بلفظ الخلع والطلاق، فإن خالعها بصريح الطلاق أو بالكناية مع النية فهو طلاق، لانه لا يحتمل غير الطلاق، فإن خالعها بصريح الخلع نظرت، فان لم ينو به الطلاق ففيه ثلاثة أقوال (أحدهما) أنه لا يقع به فرقة، وهو قوله في الام، لانه كناية في الطلاق من غير نية فلم يقع بها فرقة، كما لو عريت عن العوض (والثانى) أنه فسخ، وهو قوله في القديم، لانه جعل للفرقة فلا يجوز أن يكون طلاقا، لان الطلاق لا يقع إلا بصريح أو كناية مع النية، والخلع ليس بصريح في الطلاق ولا معه نية الطلاق، فوجب أن يكون فسخا. (والثالث) أنه طلاق، وهو قوله في الاملاء، وهو اختيار المزني، لانها إنما بذلت العوض للفرقة، والفرقة التى يملك إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقا، فإن قلنا إنه فسخ صح بصريحه، وصريحه الخلع والمفاداة، لان المفاداة ورد بها القرآن، والخلع ثبت له العرف، فإذا خالعها بأحد هذين اللفظين انفسخ النكاح من غير نية، وهل يصح الفسخ بالكناية كالمباراة والتحريم وسائر كنايات الطلاق، فيه وجهان (أحدهما) لا يصح لان الفسخ لا يصح تعليقه على الصفات فلم يصح بالكناية كالنكاح (والثانى) يصح لانه أحد نوعي الفرقة فانقسم لفظها إلى الصريح والكناية كالطلاق، فعلى هذا إذا خالعها بشئ من الكنايات لم ينفسخ النكاح حتى ينويا. واختلف أصحابنا في لفظ الفسخ، فمنهم من قال هو كناية لانه لم يثبت له عرف في فرقة النكاح، ومنهم من قال هو صريح لانه أبلغ في معنى الفسخ من لفظ الخلع، وان خالع بصريح الخلع ونوى به الطلاق - فان قلنا بقوله في الاملاء - فهو طلاق، لانه إذا كان طلاقا من غير نية الطلاق فمع النية أولى، وان قلنا بقوله في الام فهو طلاق، لانه كناية في الطلاق اقترنت به نية الطلاق، وان قلنا بقوله في القديم ففيه وجهان (أحدهما) أنه طلاق لانه يحتمل الطلاق، وقد اقترنت به نية الطلاق (والثانى) أنه فسخ لانه على هذا القول صريح في فسخ النكاح فلا يجوز أن يكون كناية في حكم آخر من النكاح كالطلاق لما كان صريحا في فرقة النكاح لم يجز أن يكون كناية في الظهار

стр. 1849

(الشرح) الاحكام: يصح الخلع في الحيض لقوله تعالى (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ولم يفرق، وخالعت حبيبة بنت قيس زوجها بإذن النبي ﷺ ، ولم يسألها هل هي حائض أو طاهر، فدل على أن الحكم لا يختلف، ويصح الخلع من غير حاكم، وبه قال عامة أهل العلم. وقال الحسن البصري وابن سيرين لا يصح إلا بالحاكم، ودليلنا قوله تعالى (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ولم يفرق. قوله: فصل ويصح الخلع بلفظ الطلاق الخ. فهو كما قال، ذلك أنه إذا خالعها بصريح الطلاق أو بشئ من كنايات الطلاق ونوى به الطلاق فهو طلاق ينقص به العدد في الطلاق. وإن خالعها بلفظة الخلع ولم ينو به الطلاق ففيه قولان. (أحدهما) وهو قوله في القديم أنه فسخ، وبه قال ابن عباس وعكرمة وطاوس وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واختاره ابن المنذر والمسعودي، لانه نوع فرقة لا تثبت فيه الرجعة بحال فكان فسخا، كما لو أعتقت الامة تحت عبد ففسخت النكاح، فعلى هذا لا ينقص به عدد الطلاق، بل لو خالعها ثلاث مرات وأكثر حلت له قبل زوج. (والثانى) أنه طلاق، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وابن مسعود ومالك والاوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، لانه فرقة لا يفتقر إلى تكرار اللفظ ولا تنفرد به المرأة فكان طلاقا كصريح الطلاق. فقولنا لا يفتقر إلى تكرار احتراز من اللعان. وقولنا لا تنفرد به المرأة احتراز من الردة، فإذا قلنا بهذا فهل هو صريح أو كناية؟ فيه قولان قال في الاملاء هو صريح في الطلاق، لان دخول العوض فيه كدخول النية في كنايات الطلاق، وقال في الام هو كناية في الطلاق، فلا يقع به الطلاق الا بالنية كسائر كنايات الطلاق، فإذا قلنا انه طلاق نقص به عدد الطلاق، وان قلنا ان الخلع فسخ كان صريحه الخلع والمفاداة، لان الخلع وردت به السنة وثبت له عرف الاستعمال، والمفاداة ورد بها القرآن وثبت لها عرف الاستعمال، فإن قالت افسخني على ألف، أو اسحبنى بألف، فقال أسحبك أو فسختك، فهل هو صريح في الفسخ أو كغاية فيه؟ على وجهين

стр. 1850

(أحدهما) أنه كناية في الفسخ فلا يقع به الفسخ حتى ينويا الفسخ، لانه لم يثبت به عرف الاستعمال ولم يرد به الشرع. (والثانى) أنه صريح فيه، فينفسخ النكاح من غير نية - قال في البيان - وهو الاصح لانه حقيقة فيه، ومعروف في عرف أهل اللسان، فإن قالت خلنى على ألف أو بتنى أو غير ذلك من كنايات الطلاق، فقال خليتك أو بتتك ولم ينويا الطلاق - فان قلنا ان الخلع صريح بالطلاق وبدخوله العوض - صارت هذه الكنايات صريحة في الطلاق بدخول العوض فيها، وان قلنا ان الخلع كناية في الطلاق - فان نويا الطلاق في هذه الكنايات - كان طلاق بائنا واستحق العوض وان لم ينويا الطلاق لم يقع الطلاق ولم يستحق العوض، لان الكناية لا يقع بها الطلاق من غير نية. وان نوت الطلاق ولم ينو الزوج لم يقع الطلاق لانه هو الموقع، وإن نوى الزوج ولم تنو هي ففيه وجهان حكاهما ابن الصباغ (أحدهما) يقع طلقة رجعية ولا يستحق العوض لانه نوى الطلاق ولم يوجد منها استدعاء الطلاق (والثانى) وهو المذهب أنه لا يقع طلاق لانه أوقعه بعوض، فإذا لم يثبت العوض لم يقع الطلاق، وان قلنا ان الخلع فسخ ونويا بهذه الكنايات الفسخ فهل ينفسخ النكاح. فيه وجهان (أحدهما) لا ينفسخ، لان الفسخ لا يصح تعليقه بالصفة فلم يصح بالكناية (والثانى) ينفسخ - وهو المذهب - لانه أحد نوعي الفرقة، فانقسم إلى الصريح والكناية كالطلاق، وان خالعها بصريح الخلع ونويا به الطلاق، فان قلنا ان الخلع صريح في الطلاق أو كناية فيه وقع الطلاق. وان قلنا انه فسخ ففيه وجهان حكاهما المصنف (أحدهما) لا يقع به الطلاق ويكون فسخا لانه صريح في الفسخ فلم يجز أن يكون كناية في حكم آخر من النكاح، كما لا يجوز أن يكون الطلاق كناية في الظهار (والثانى) ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره أنه يقع به الطلاق لانه يحتمل الطلاق، وقد اقترنت به نية الطلاق (فرع) إذا قالت خالعني على ألف ونوت الطلاق فقال طلقتك وقع الطلاق بائنا واستحق الالف، سواء قلنا الخلع صريح في الطلاق أو كناية - لانا ان قلنا

стр. 1851

إنه صريح - فقد أجابها إلى ما سألت - وإن قلنا إنه كناية - فقد سألت كنايه وأجابها بالصريح فكان أكثر مما سألت. وإن قالت طلقني على ألف فقال خالعتك ونوى به الطلاق. أو قلنا إنه صريح في الطلاق استحق الالف. وقال ابن خيران إذا قلنا إنه كناية لم يقع عليها ولم يستحق الالف لانها بذلت الالف للصريح ولم يجبها إليه والاول أصح، لان الكناية مع النية كالصريح، وان لم ينو به الطلاق لم يقع به طلاق ولا فسخ، لانه لم يجبها إلى ما سألت. وان قالت اخلعني على ألف فقال خلعتك على ألف - وقلنا الخلع فسخ - فيه وجهان (أحدهما) لا يقع عليها طلاق، ولا يستحق عوضا لانه لم يجبها إلى ما سألت (والثانى) يقع عليها الطلاق ويستحق الالف، لانه أجابها إلى أكثر مما سألت منه قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) ويصح الخلع منجزا بلفظ المعاوضة لما فيه من المعاوضة ويصح معلقا على شرط لما فيه من الطلاق. فأما المنجز بلفظ المعاوضة فهو أن يوقع الفرقة بعوض، وذلك مثل أن يقول: طلقتك أو أنت طالق بألف، وتقول المرأة قبلت، كما تقول في البيع: بعتك هذا بألف، يقول المشترى قبلت، أو تقول المرأة طلقني بألف، فيقول الزوج طلقتك، كما يقول المشترى بعنى هذا بألف، ويقول البائع بعتك ولا يحتاج أن يعيد في الجواب ذكر الالف، لان الاطلاق يرجع إليه كما يرجع في البيع، ولا يصح الجواب في هذا إلا على الفور كما نقول في البيع، ويجوز للزوج أن يرجع في الايجاب قبل القبول، وللمرأة أن ترجع في الاستدعاء قبل الطلاق كما يجوز في البيع وأما غير المنجز فهو أن يعلق الطلاق على ضمان مال أو دفع مال، فإن كان بحرف (ان) بأن قال: إن ضمنت لى ألفا فأنت طالق، لم يصح الضمان إلا على الفور، لانه لفظ شرط يحتمل الفور والتراخى، إلا أنه لما ذكر العوض صار تمليكا بعوض فاقتضى الجواب على الفور كالتمليك في المعاوضات

стр. 1852

وان قال ان أعطيتني ألفا فأنت طالق لم تصح العطية الا على الفور، بحيث يصلح أن تكون جوابا لكلامه لان العطية ههنا هي القبول، ويكفى أن تحضر المال وتأذن في قبضه أخذ أو لم يأخذ، لان اسم العطية يقع عليه وان لم يأخذ، ولهذا يقال أعطيت فلانا مالا فلم يأخذه. وان قالت طلقني بألف، فقال أنت طالق بألف ان شئت لم يقع الطلاق حتى توجد المشيئة: لانه أضاف إلى ما التزمت المشيئة فلم يقع الا بها، ولا تصح المشيئة الا بالقول وهو أن تقول على الفور شئت لان المشيئة وان كانت بالقلب الا أنها لا تعرف الا بالقول، فصار تقديره أنت طالق ان قلت شئت، ويصح الرجوع قبل الضمان وقبل العطية وقبل المشيئة كما يجوز فيما عقد بلفظ المعاوضة. وان كان بحرف متى وأى وقت. بأن يقول متى ضمنت لى أو أي وقت ضمنت لى ألفا فأنت طالق جاز أن يوجد الضمان على الفور وعلى التراخي. والفرق بينه وبين قوله ان ضمنت لى ألفا أن اللفظ هناك عام في الزمانين. ولهذا لو قال ان ضمنت لى الساعة أو ان ضمنت لى غدا جاز، فلما اقترن به ذكر العوض جعلناه على الفور قياسا على المعاوضات. والعموم يجوز تخصيصه بالقياس. وليس كذلك قوله متى وأى وقت. لانه نص في كل واحد من الزمانين صريح في المنع من التعيين في أحد الزمانين. ولهذا لو قال أي وقت أعطيتني الساعة كان محالا. وما يقتضيه الصريح لا يترك بالقياس. وان رجع الزوج في هذا قبل القبول لم يصح. لان حكمه حكم الطلاق المعلق بالصفات دون المعاوضات وان كان بحرف (إذا) بأن قال إذا ضمنت لى ألفا فأنت طالق، فقد ذكر جماعة من أصحابنا أن حكمه حكم قوله ان ضمنت لى في اقتضاء الجواب على الفور وفى جواز الرجوع فيه قبل القبول. وعندي أن حكمه حكم متى. وأى وقت. لانه يفيد ما يفيده متى: وأى وقت. ولهذا إذا قال: متى ألقاك جاز أن يقول إذا شئت كما يجوز أن يقول متى شئت وأى وقت شئت بخلاف ان. فإنه لو قال: متى ألقاك لم يجز أن يقول ان شئت

стр. 1853

(الشرح) الاحكام: يصح الخلع منجزا لما فيه من المعاوضة، ويصح معلقا على شرط لما فيه من الطلاق، فالمنجز أن يوقع الفرقة بعضو مثل أن يقول الزوج طلقتك أو خالعتك أو فاديتك بألف، فتقول الزوجة عقيب ذلك قبلت كما يقول البائع بعتك هذا بألف ويقول المشترى: قبلت، وللزوج أن يرجع في الايجاب قبل القبول كما قلنا في البائع، فإن قالت الزوجة طلقني بألف، فقال الزوج عقيب استدعائها طلقتك. ولو قالت الزوجة اخلعني أو خالعني بألف، فقال عقيب استدعائها خلعتك أو خالعتك صح كما يقول المشترى بعنى هذا بألف فيقول البائع بعتك، فان تأخرت إجابته لها على الفور بطل الاستدعاء ولها أن ترجع قبل أن يجيبها. كما قلنا في المشترى، فان قالت الزوجة خالعتك بألف، فقال الزوج قبلت لم يصح ولم تقع بذلك فرقة لان الايقاع إليه دونها، وقوله قبلت ليست بايقاع، فهو كما لو قالت له طلقتك بألف فقال قبلت، وإن قالت له إن طلقتني، أو إذا طلقتني أو متى طلقتني أو متى ما طلقتني فلك على ألف، فقال طلقتك وقع الطلاق ثانيا واستحق الالف عليها، لان الطلاق لا يحتاج إلى استدعائها ورضاها به، ولهذا لو طلقها بنفسه صح، وانما الذى يحتاج إليه منها هو التزامها للمال وقد وجد الالتزام منها، ويعتبر أن يكون جوابه على الفور، لانه معاوضة محضة من جهتها فاقتضى الجواب على الفور. وان قال ان بعتني هذا فلك الف، ففيه وجهان حكاهما المسعودي. (أحدهما) يصح كما قلنا في الخلع. (والثانى) لا يصح - وهو المشهور - لان البيع تمليك يحتاج فيه إلى رضى الملك. وقوله ان بعتني، ليس بقبول ولا جار مجراه، ولهذا نذكر ما قال علماء اللغة في حرف (ان) ووظيفتها في الاستعمال، فقال العلامة الفيومى في المصباح، وأما ان بالسكون فتكون حرف شرط. وهو تعليق أمر على أمر نحو ان قمت قمت. ولا يعلق بها الا ما يحتمل وقوعه، ولا تقتضي الفور. بل تستعمل في الفور والتراخى مثبتا كان الشرط أو منفيا فقوله: ان دخلت الدار أو ان لم تدخلي الدار فأنت طالق يعم الزمانين.

стр. 1854

قال الازهرى: وسئل ثعلب: لو قال لامرأته: إن دخلت الدار أو إن لم تدخلي الدار إن كلمت زيدا فأنت طالق متى تطلق؟ فقال: إن فعلتهما جميعا لانه أتى بشرطين، فقيل له: لو قال أنت طالق إن احمر البسر فقال: هذه المسألة محال، لان البسر لابد أن يحمر، فالشرط فاسد فقيل له: لو قال إذا احمر البسر فقال: تطلق إذا احمر، لانه شرط صحيح ففرق بين إن وبين إذا فجعل " ان " للممكن، و " إذا " للمحقق، فيقال: إذا جاء رأس الشهر، وان جاء رأس الشهر وان جاء زيد، وقد تتجرد عن معنى الشرط فتكون بمعنى " لو " نحو صل وان عجزت عن القيام، ومعنى الكلام حينئذ الحاق الملفوظ بالمسكوت عنه في الحكم أي صل، سواء قدرت على القيام أو عجزت عنه، ومنه يقال: أكرم زيدا. وان قعد، قالوا وللحال والتقدير، ولو في حال قعوده، وفيه نص على ادخال الملفوظ بعد الواو تحت ما يقتضيه اللفظ من الاطلاق والعموم إذ لو اقتصر على قوله: أكرم زيدا لكان مطلقا والمطلق جائز التقييد فيحتمل ما بعد الواو تحت العموم، ويحتمل خروجه على ارادة التخصيص، فيتعين الدخول بالنص عليه ويزول الاحتمال، ومعناه أكرمه سواء قعد أو لا، ويبقى الفعل على عمومه وتمتنع ارادة التخصيص حينئذ. قال المرزوقى في شرح الحماسه: وقد يكون في الشرط معنى الحال كما يكون في الحال معنى الشرط. قال الشاعر: عاود هراة وان معمورها خربا ففى الواو معنى الحال أي ولو في حال خرابها، ومثال الحال يتضمن معنى الشرط لافعلنه كائنا ما كان. والمعنى ان كان هذا وان كان غيره وتكون للتجاهل كقولك لمن سألك، هل ولدك في الدار؟ وأنت عالم به ان كان في الدار أعليك به وتكون لتنزيل العالم منزلة الجاهل تحريضا على الفعل أو دوامه كقولك ان كنت ابني فأطعني، وكأنك قلت: أنت تعلم أنك ابني ويجب على الابن طاعة الاب وأنت غير مطيع فافعل ما تؤمر به.

стр. 1855

وقال بعض أصحابنا المتأخرين: وان قالت له أجزت لك ألفا لتطلقني أو على أن تطلقني فقال أنت طالق، طلقت واستحق عليها الالف. وقال ابن الصباغ: إذا استأجرته على أن يطلق ضرتها لم يصح. وأما المعلق فمثل أن يعلق الطلاق على ضمان مال أو عطاء مال فينظر فيه، فإن كان بحرف ان مثل أن قال ان ضمنت لى ألفا فأنت طالق، فإن قالت ضمنت بحيث يصح أن يكون جوابا لكلامه وقع الطلاق، لانه وجد الشرط، وان تأخر الضمان عن قوله بزمان طويل أو بعد أن أخذت في كلام لم يقع الطلاق ولم يلزمها الالف لانه معاوضة، ومن شرط القبول فيه على الفور. وان ضمنت له في المجلس بعد زمان ليس بطويل ففيه وجهان حكاهما الصيمري قال ظاهر النص أنه يلزم ذلك وان قال: ان اعطيتني ألفا فأنت طالق فأعطته بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامها وقع الطلاق ويكفى أن تحضر الالف وتأذن له في قبضها سواء أخذها أو لم يأخذها لانه يقع عليها اسم العطية. وان تأخرت العطية عن الفور بسبب منها بأن لم تعطه اياها وبسبب منه بأن غاب أو هرب لم يقع الطلاق لانه لم يوجد الشرط، وإذا أخذ الالف فهل يملكها. وقال عامة أصحابنا: يملكها لانه معافى منه فملكها، كما لو قال: طلقتك على هذه الالف فقالت قبلت. وحكى أبو على الشيخى فيها وجهين (أحدهما) يملكها لما ذكرناه (والثانى) لا يملكها وهو قول المزني وابن القاص، لانه معاوضة فلم يصح تعليقها على الصفة كالبيع، فعلى هذا يرد الالف إليها ويرجع عليها بمهر مثلها، والاول هو المشهور. فإن قال: ان قبضت منك ألفا فأنت طالق فجاءته بألف ووضعته بين يديه وأذنت له في قبضه فلم يقبضه لم يقع الطلاق، لان الصفة لم توجد، وان أكرهها على الاقباض فقبض. قال المسعودي: وقع الطلاق رجعيا ورد المال إليها. قال المصنف: ويصح رجوع الزوج عن الضمان والعطية كما قلنا فيما عقد بلفظ المعاوضة، فإن قالت طلقني بألف، فقال أنت طالق ان شئت، فان وجدت المشيئة منها فالقول جوابا

стр. 1856

لكلامه على الفور وقع الطلاق بائنا ولزمها الالف لانه علق الطلاق بالمشيئة منها وقد وجدت وان تأخرت مشيئتها عن الفور لم يقع الطلاق، لان الشرط لم يوجد لانه لم يرض بطلاقها إلا بعوض، ولا يلزم العوض الا بالقبول على الفور: وان قالت: طلقني بألف فقال لها: طلقي نفسك ان شئت، فان قالت طلقت نفسي لزمها الالف ولا يشترط أن تقول: شئت لان طلاقها لنفسها يدل على مشيئتها كقوله: متى ضمنت لى ألفا فأنت طالق، أو متى ما ضمنت لى أو أي وقت ضمنت لى أو أي حين ضمنت لى أو أي زمان، فمتى ضمنت له على الفور وعلى التراقي وقع عليها الطلاق، لان هذه الالفاظ تستغرق الزمان كله وتعمه في الحقيقة بخلاف " ان " فإنه لا يعم الزمان ولا يستغرقه، وانما هو كلمة شرط تحتمل الفور والتراخى الا إذا قرن به العوض حمل على الفور، لان المعاوضة تقتضي الفور، فان رجع الزوج قبل الضمان لم تصح رجعته لانه تعليق طلاقه بصفة فلم يصح رجوعه كما لو قال لها: ان دخلت الدار فأنت طالق وان كان ذلك بحرف " إذا " بأن قال: إذا أعطيتني ألفا، وإذا ضمنت لى ألفا فأنت طالق، فقد ذكر أكثر أصحابنا أن حكمه حكم قوله: أن ضمنت لى ألفا أو ان أعطيتني ألفا، لانها كلمة شرط لا تستغرق الزمان، فهى كقوله: ان ضمنت لى. وقال المصنف: حكمه حكم قوله متى ضمنت لى أو أي وقت ضمنت لى، لانها تفيد ما تفيده متى وأى وقت، ولهذا لو قال: متى ألقاك جاز أن يقول: إذا شئت، كما يجوز أن يقول متى شئت بخلاف " ان " فانها لا تفيد ما تفيده متى، ولهذا لو قال له متى ألقاك لم يجز أن يقول ان شئت، وهكذا ان قال: أنت طالق أن أعطيتني ألفا بفتح الهمزة وقع الطلاق عليها، وكان مقرا بأنها أعطته ألفا فترد إليها. (فرع) إذا قال لها ان ضمنت لى ألفا فطلقي نفسك، فانه يقتضى ضمانا وتطليقا على الفور بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه، وسواء قالت ضمنت

стр. 1857

الالف وطلقت نفسي أو قالت طلقت نفسي وضمنت الالف فانه يصح لانه تمليك بعوض فكان القبول فيه على الفور كالبيع. (فرع) قال الشافعي: ولو أخذ منها ألفا على أن يطلقها إلى شهر فطلقها فالطلاق ثابت ولها الالف وعليها مهر المثل. قال أصحابنا: وهذا يحتمل ثلاثة تأويلات. (أحدها) أنه أراد إذا مضى الشهر طلقها فلا يصح، لانه سلف في الطلاق. (والثانى) أنه أراد أن يطلقها الآن ثم يرفع الطلاق بعد شهر فلا يصح، لان الطلاق إذا وقع لم يرفع. (الثالث) أنه أراد أن يطلقها ان شاء الساعة، وان شاء إلى شهر، فلا يصح لانه سلف في الطلاق، ولان وقت ايقاع الطلاق مجهول، وان قالت له إذا جاء رأس الشهر وطلقتني فلك على ألف فطلقها عند رأس الشهر أو قال لها. إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق على الالف، فقالت قبلت ففيه وجهان. (أحدهما) يصح لان الطلاق يصح تعليقه على الصفات. (الثاني) لا يصح وهو الاصح لان المعاوضة لا يصح تعليقها على الصفات فإذا قلنا يصح - قال ابن الصباغ - وجب تسليم العوض في الحال لانها رضيت بتأجيل المعوض، وان قلنا: لا يصح، فأعطته ألفا وقع عليها الطلاق وردت الالف إليها، ورجع عليها بمهر مثلها، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) ويجوز الخلع بالقليل والكثير والدين والعين والمال والمنفعة، لانه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكرناه كالنكاح، فان خالعها على أن تكفل ولده عشر سنين وبين مدة الرضاع وقدر النفقة وصفتها فالمنصوص أنه يصح، فمن أصحابنا من قال فيه قولان لانها صفقة جمعت بيعا واجارة، ومنهم من قال يصح قولا واحدا لان الحاجة تدعو إلى الجمع بينهما لانه إذا أفرد أحدهما لم يمكنه أن يخالع على الآخر وفى غير الخلع يمكنه أن يفرد أحدهما ثم يعقد على الآخر، وان مات الولد بعد الرضاع ففى النفقة وجهان.

стр. 1858

(أحدهما) أنها تحل لانها تأجلت لاجله وقد مات (والثانى) لا تحل لان الدين إنما يحل بموت من عليه دون من له (فصل) وإن خالعها خلعا منجزا على عوض ملك العوض بالعقد وضمن بالقبض كالصداق، فإن كان عينا فهلكت قبل القبض، أو خرج مستحقا أو على عبد فخرج حرا، أو على خل فخرج خمرا رجع إلى مهر المثل في قوله الجديد، وإلى بدل المسمى في قوله القديم، كما قلنا في الصداق. وإن خالعها على أن ترضع ولده فماتت فهو كالعين إذا هلكت قبل القبض، وإن مات الولد ففيه قولان (أحدهما) يسقط الرضاع ولا يقوم غير الولد مقامه لانه عقد على إيقاع منفعة في عين، فإذا تلفت العين لم يقم غيرها مقامها، كما لو أكراه ظهرا للركوب فهلك الظهر. فعلى هذا يرجع إلى مهر المثل في قوله الجديد. والى أجرة الرضاع في قوله القديم. (والقول الثاني) أنه لا يسقط الرضاع. بل يأتيها بولد آخر لترضعه لان المنفعة باقية، وإن مات المستوفى قام غيره مقامه، كما لو اكترى ظهرا ومات فان الوارث يقوم مقامه. فعلى هذا إن لم يأت بولد آخر حتى مضت المدة ففيه وجهان (أحدهما) لا يرجع عليها لانها مكنته من الاستيفاء فأشبه إذا أجرته دارا وسلمتها إليه فلم يسكنها (والثانى) يرجع عليها لان المعقود عليه تحت يدها فتلف من ضمانها كما لو باعت منه شيئا وتلف قبل أن يسلم. فعلى هذا يرجع بمهر المثل في قوله الجديد وبأجرة الرضاع في قوله القديم. وان خالعها على خياطة ثوب فتلف الثوب فهل تسقط الخياطة أو يأتيها بثوب آخر لتخيطه؟ فيه وجهان بناء على القولين في الرضاع (فصل) ويجوز رد العوض فيه بالعيب لان اطلاق العقد يقتضى السلامة من العيب فثبت فيه الرد بالعيب كالمبيع والصداق فإن كان العقد على عين بأن طلقها على ثوب أو قال إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق فأعطته ووجد به عيبا فردته رجع إلى مهر المثل في قوله الجديد وإلى بدل العين سليما في قوله القديم كما ذكرناه في الصداق. وان كان الخلع منجزا على عوض موصوف في الذمة فأعطته ووجده معيبا فرده طالب بمثله سليما كما قلنا فيمن أسلم في ثوب وقبضه

стр. 1859

ووجده معييا فرده. وإن قال إن دفعت إلى عبدا من صفته كذا وكذا فأنت طالق فدفعت إليه عبدا على تلك الصفة طلقت، فان وجده معيبا فرده رجع في قوله الجديد إلى مهر المثل وإلى بدل العبد في قوله القديم لانه تعين بالطلاق فصار كما لو خالعها على عين فردها بالعيب، ويخالف إذا كان موصوفا في الذمه في خلع منجز فقبضه ووجد به عيبا فرده لانه لم يتعين بالعقد ولا بالطلاق فرجع إلى ما في الذمة. وإن خالعها على عين على أنها على صفة فخرجت على دون تلك الصفة ثبت له الرد كما قلنا في البيع، فإذا رده رجع إلى مهر المثل في أحد القولين وإلى بدل المشروط في القول الآخر كما قلنا فيما رده بالعيب (فصل) ولا يجوز الخلع على محرم ولا على ما فيه غرر كالمجهول ولا ما لم يتم ملكه عليه ولا ما لا يقدر على تسليمه لانه عقد معاوضة فلم يجز على ما ذكرناه كالبيع والنكاح، فان طلقها على شئ من ذلك وقع الطلاق لان الطلاق يصح مع عدم العوض فصح مع فساده كالنكاح ويرجع عليها بمهر المثل لانه تعذر رد البضع فوجب رد بدله كما قلنا فمن تزوج على خمر أو خنزير، فان خالعها شرط فاسد بأن قالت طلقني بألف بشرط أن تطلق ضرتي فطلقها وقع الطلاق ويرجع عليها بمهر المثل. لان الشرط فاسد فإذا سقط وجب إسقاط ما زيد في البدل لاجله وهو مجهول فصار العوض فيه مجهولا فوجب مهر المثل فان قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق على ألف ففيه وجهان (أحدهما) يصح لانه تعليق طلاق بشرط (والثانى) لا يصح لانه عقد معاوضة فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع فعلى هذا إذا وجد الشرط وقع الطلاق ورجع عليها بمهر المثل (الشرح) الاحكام: إذا خالع امرأته على أن ترضع ولده وتحضنه وتكفله بعد الرضاع وبين مدة الرضاع وقدر الطعام وصفته والادم وكم تجد منه في كل يوم وكان الطعام والادام مما يجوز السلم فيه وبين مدة الكفالة بعد الرضاع فالمنصوص أنه يصح. ومن أصحابنا من قال: هل يصح العوض؟ فيه قولان لان هذا جميعه في أصول الشافعي في كل واحد منها قولان. أحدهما البيع والاجارة لان في هذا اجارة الرضاع وابتياعا للنفقة. والثانى: السلم على شيئين مختلفين. والثالث: فيه السلم على شئ إلى آجال، والصحيح يصح قولا واحدا لان السلم والبيع انما لم يصح

стр. 1860

على أحد القولين لان كل واحد منهما مقصود. والمقصود ههنا هو الرضاع والباقى بيع له. ويجوز في التابع مالا يجوز في غيره. ألا ترى أنه يجوز أن يشترى الثمرة على الشجرة مع الشجرة قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع. ولو اشترى الثمرة وحدها كذلك لم يصح. وأما السلم على شئ إلى آجال وعلى شيئين إلى أجل فانما لم يصح لانه لا حاجة به إليه. وههنا به إلى هذا حاجة لانه كان يمكنه أن يسلم على كل واحد وحده. وها هنا لا يمكنه الخلع على ذلك مرتين. إذا ثبت هذا فان عاش الولد حتى استكمل مدة الرضاع وحل وقت النفقة فللاب أن يأخذ كل يوم قدر ما يحل عليها من النفقة والادم فيه. فان شاء أخذه لنفسه وأنفق على ولده من ماله. وان شاء أنفقه على ولده. فان كان ذلك أكثر من كفاية الولد كانت للاب وان كان أقل من كفاية الولد كان على الاب تمام نفقته. وان أذن لها في انفاق ذلك على الولد. فقد قال أكثر أصحابنا يصح ذلك كما لو كان في ذمته لغيره دين فأمره بدفعه إلى انسان فانه برأ بدفعه إليه. وسواء كان المدفوع إليه ممن يصح قبضه أو ممن لا يصح قبضه كما لو كان له في يده طير فأمره بارساله وقال ابن الصباغ: يكون في ذلك وجهان كالملتقط إذا أذن له الحاكم في اسقاط ماله على اللقيط وان مات الصبى بعد استكماله الرضاع دون مدة النفقة لم يبطل العوض لانه قد استوفى الرضاع. ويمكن الاب أخذ النفقة. فيأخذ ما قدره من النفقة. وهل يحل عليها ذلك بموت الولد؟ ولا يستحق الاب أخذه الا على نجومه؟ فيه وجهان (أحدهما) يحمل عليها فيطالبها به الاب لان تأجيله انما كان لحق الولد (والثانى) لا يستحق أخذه الا على نجومه - وهو الاصح لانه وجب عليها هكذا. وانما مات المستوفى وان مات الصبى بعد أن رضع حولا وكانت مدة الرضاع حولين فهل تنفسخ الاجارة في الحول الثاني أو لا تنفسخ بل يأتيها بصبى آخر لترضعه؟ قال المسعودي ان لم يكن الصبى الميت منها لم تنفسخ الاجارة قولا واحدا. وان كان الولد الميت منها فهل تنفسخ الاجارة أو لا تنفسخ بل يأتيها بصبى آخر لترضعه فيه قولان. والفرق بينهما أنها تدر على ولدها مالا تدر على غيره وسائر أصحابنا حكو القولين من غير تفصيل
следующие страницы →